تخطيط وتنمية المجتمعات المحلية في دول العالم الثالث التنمية الماليزية أنموذجا
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 18 جوان 2014 N°18 Juin 2014

تخطيط وتنمية المجتمعات المحلية في دول العالم الثالث التنمية الماليزية أنموذجا
pp : 109 - 126

ماهر فرحان مرعب
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

   يتناول هذا العمل موضوع التنمية المحلية بعدّها من أهم آليات نجاح المشاريع التنموية في دول العالم الثالث، مع التأكيد على أهمية التخطيط كأساس لنجاح التنمية، هذا التخطيط الذي يعاني الضعف وقلة الاهتمام في هذه المجتمعات.

كما يركز على التدريب والتمكين والمشاركة كأهم العمليات لنجاح تنمية المجتمعات المحلية، ويقدم أيضا استعراضا للتجربة الماليزية وما حققته من نجاحات تنموية بعدّها من أهم التجارب التي يمكن الاستفادة منها.


كلمات مفتاحيه:التخطيط، التنمية، التنمية المحلية، التدريب، التمكين،المشاركة

  Cet article aborde le sujet du développement local comme l'un des mécanismes les plus importants pour la réussite des projets dans les pays du tiers monde, cependant il faut signaler que la planification ignorée par ces communautés,  par manque d'intérêt, est essentielle pour réaliser cette réussite.Elle se base aussi sur l’apprentissage, la formation, l’entrainement, l'habilitation et la participation entant qu'élément principal pour le développement des communautés locales, et l'expérience Malaisienne en est le exemple concret.


Mots clés: Planification,Développement,Développement Local , Formation , L’habilitation , Participation.

This article covers the topic of local development as one of the most important mechanisms for successful development projects in third world countries, with emphasis on the importance of planning as the basis for the successful development, the planning suffered weakness and lack of interest in these communities.

It also focuses on training, empowerment and participation, as processes for successful development of local communities, It also provides a review of the Malaysian experience and the successes achieved development as one of the most important experiences that can be useful.


Keywords: Planning, Development, Local Development, Training, Empowerment,  participation.

مقدمة

تعد التنمية اليوم مطلبا أساسا للمجتمعات السائرة في طريق التحديث والارتقاء بواقع أفرادها المعيشي والحياتي وذلك لما تنطوي عليه التنمية من مضامين اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية مهمة، وأيضاً لما ينتج عنها من نتائج حاسمة في حاضر المجتمعات ومستقبلها.

وذلك من خلال العمل على تحسين الظروف المعيشية وتوفير الرعاية الشاملة وصولا إلى تحقيق حياة كريمة يتمتع من خلالها الأفراد بمستوى من الرفاهية.

ونظرا لأهمية المجتمعات المحلية ودورها في العملية التنموية فقد اتجهت المجتمعات والهيئات التنموية نحو التنمية المحلية كمشاريع تنبع من واقع هذه المحليات وتسهم في دعم التنمية الوطنية بعدّها جزءا منها، لذا فقد أكدت الدراسات والتجارب في هذه المجال على ضرورة الارتقاء بواقع هذه المحليات عن طريق تطوير قابلية أفرادها ومؤسساتها من خلال التدريب والتزويد المعرفي والتمهين وإعادة التدريب لتمكينهم من المشاركة في العملية التنموية ومساعدتهم على تغيير ظروفهم وحل مشكلاتهم.

أولا- واقع دول العالم الثالث والمتطلبات التنموية

يشار إلى دول العالم الثالث بأنها تلك الدول التي لم تستغل ثرواتها الطبيعية والبشرية بالشكل الكافي أو الصحيح، وتعاني جملة من المشكلات على مستوى الخدمات الأساس كالإسكان والتغذية والرعاية الصحية والتعليم وخدمات النقل والمواصلات وشبكات الصرف الصحي وتوفير مياه الشرب وغيرها.

وهي تمثل مجموعة من الدول الفقيرة والمتخلفة في العديد من المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية2، كمجموعة الدول الإفريقية والآسيوية باستثناء اليابان وكذلك دول وسط وجنوب أمريكا، وهي دول توصف بأنها ذات اقتصاد زراعي ومستويات معيشة منخفضة وعدم كفاية في الدخل وتعاني من مشكلات الفقر وارتفاع معدل الوفيات وسوء التغذية وانتشار الأمراض والأوبئة، كما تعاني من الفساد والأمية. وتوصف أيضا بالعجز والركود الاقتصادي والاكتفاء بالاقتصاد التقليدي الاستهلاكي غير المتوازن وهو ما يجعلها تحت طائلة التبعية المطلقة والمستديمة للسوق الخارجية خاصة في المواد الغذائية الضرورية والمواد المصنعة مقابل تصدير الخامات التي لا تغطي أحيانا عائداتها نصف احتياجاتها الداخلية3

تضم هذه الدول ما يقارب ثلثي سكان العالم معظمها دول مستهلكة أكثر مما هي منتجة حيث لا يتجاوز إنتاجها الصناعي أكثر من7%ولا يتجاوز كذلك إنتاجها الزراعي نسبة %35من الإنتاج العالمي.

وتمتاز هذه الدول بجملة من الخصائص التي وضعتها في مصاف سميت على إثره بدول العالم الثالث وهذه الخصائص بشكل عام هي:نمو سكاني يفوق الموارد الطبيعية، كثافة سكانية عالية، ارتفاع نسبة المواليد والوفيات، اعتماد اقتصادها على إنتاج المواد الأولية، قلة الاهتمام بالصناعات الإنتاجية، انخفاض المستوى الصحي وانتشار الأمراض، ارتفاع نسبة الأمية مقابل انخفاض مستوى الإنفاق على التعليم، عدم الاهتمام بالبحث العلمي وضعف تطبيق نتائجه ميدانيا.

كما يضع الفريد سوفي كأول من أشار إلى مفهوم العالم الثالث، مجموعة خصائص تميز دول هذا العالم هي: سيادة النشاط الزراعي-بدائية أساليب الإنتاج-ضعف حركية الاقتصاد-ضعف المؤسسات النقدية والبنكية- رجعية البنية الاجتماعية-ارتفاع معدل الوفيات وأخير انتشار الأمية.

أما روبرت الكسندر فيرى أن لدول العالم الثالث مجموعة خصائص تتمثل في: اقتصاد ضعيف تسيطر عليه القبلية- قلة اعتماد المكننة والتكنولوجيا في الإنتاج واعتماد القوى الجسدية- اقتصاد غير متوازن بشكل عام-موارد طبيعية غير مستغلة-انتشار البطالة- انخفاض الدخل القومي وانخفاض مستوى المعيشة.

نتيجة لهذه الظروف فقد ظهرت بوادر أولى لتنمية هذه الدول منذ بدايات القرن العشرين إلا ان معظم هذه الدول كان تحت سيطرة الدول الاستعمارية التي لم تعمل على تحقيق تنمية فاعلة من اجل شعوب هذه الدول بل عملت على إجراء بعض التغيرات لأسباب تصب في خدمتها كدول كبرى او استعمارية فمنذ نهاية عشرينات القرن الماضي خاصة بعد أزمة الكساد الاقتصادي عام 1929بدأت الدول الاستعمارية خاصة بالنسبة لدول شمال إفريقيا بتغيير سياستها نحو تحسين الظروف الاقتصادية والمعيشية في المستعمرات التابعة لها4

إلا إن ما قام به المستعمر من مشاريع تنموية لم يكن بقصد إحداث التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول المستعمرة بل جاءت لدفع عجلة التنمية للدول الاستعمارية نفسها5

لذا لم يتغير واقع دول العالم الثالث كثيراً بل لازالت هذه الدول توصف بجملة من الخصائص سنتناول أهمها بعدّهاتمثل مشكلات تعاني منها دول العالم الثالث ولها أهميتها وتأثيراتها الكبيرة، وهذه الخصائص هي:

- الخصائص الديموغرافية: يتميز البناء الديموغرافي في البلاد النامية أو في دول العالم الثالث بعدة سمات أبرزها ارتفاع معدلات المواليد والوفيات، تدني الحالة الصحية وارتفاع معدلات الإعالة بحيث يصبح العنصر البشري على الرغم من أهميته غير مؤهل وغير قادر على استغلال موارده الطبيعية 6كما ينجم عن خصوصية البناء الديموغرافي في هذه الدول مشكلات أبرزها:

أولا:عدم التوازن بين عدد السكان والموارد الطبيعية المتاحة، فقد يكون عدد السكان أكبر من الحجم اللازم أو أقل من الحجم اللازم، فعندما يكون عدد السكان مثاليا يكون متوسط إنتاج الفرد أو متوسط الدخل العيني للفرد مرتفعا ومنه مستوى معيشة أعلى، أما إذا كان عدد السكان أكبر من الحجم الأمثل فإن هذه الحالة تسمى بالازدحام السكاني أو الضغط السكاني ومنه فإن متوسط الدخل يكون منخفضا ويترتب عنه مستوى معيشة منخفض .

ثانيا:التركيب العمري للسكان: تتميز البلاد النامية بارتفاع نسبة صغار السن الذين تقل أعمارهم عن 15سنة، إذ قدرت نسبتهم حوالي 40%7 - الخصائص الاجتماعية: لعل أهم ما يميز هذه الخصائص جانبي التعليم والصحة وكما مبين:

أولا:التعليم: يتميز النظام التعليمي في البلاد النامية بارتفاع نسبة الأمية وتخلف برامج التعليم والتدريب وانعدام الرغبة في مواصلة التعليم واتجاه الأفراد نحو المهن التقليدية،كما يتسم هذا النظام بوجـود تفاوت كبير في التعليم بين الذكور والإناث حيث تكون الأولوية في التعليم للذكور، وهو ما يؤدي إلى تأخر المرأة وعدم مساهمتها في بناء المجتمع، فضلا عن وجود تفاوت في التعليم بين المناطق الريفية والمناطق الحضرية نظرا لوجود الثنائية الإقليمية، ما ينتج عنه نقص كبير في عدد الفنيين والمهنيين في المناطق المحرومة من التعليم.8

ثانيا:الصحة:  واحد من أهم خصائص دول العالم الثالث والتي تعد من بين اخطر مشكلاتها تتمثل بانخفاض المستوى الصحي بشكل كبير ويقاس عادة بنسب الوفيات، فنسب الوفيات في هذه الدول أكثر ارتفاعا من مثيلاتها في البلاد المتقدمة، يضاف إلى ذلك أن متوسط العمر في معظم دول العالم الثالث يتراوح ما بين 40-45سنة بينما متوسط العمر في البلاد المتقدمة يتراوح ما بين 60-65سنة، بسبب انخفاض القيمة الغذائية وعدم توفير السعرات الحرارية اللازمة للأفراد، وانتشار المجاعات، وانتشار الأمراض والأوبئة، ونقص الهيئات والمؤسسات والكوادر الطبية من أطباء وممرضين ونقص الأدوية والمعدات الخاصة بتقديم الرعاية الطبية.

 الخصائص الاقتصادية

أولا:انتشار البطالة

تتصف دول العالم الثالث بارتفاع نسب البطالة بمختلف أشكالها ومسمياتها من بطالة دائمة تظهر بسبب قلة رؤوس الأموال والاستثمارات في هذه الدول، وبطالة موسمية تظهر بمواسم معينة كموسم الحصاد، ويرجع هذا النوع من البطالة إلى سيادة العمل الزراعي وغلبته على النشاط الاقتصادي لهذه الدول، وبطالة مقنعة تنتشر في معظم مفاصل العمل الإداري، وبطالة تكنولوجية بسبب استبدال فن إنتاجي قديم بفن إنتاجي حديث، أي الانتقال من وسائل الإنتاج اليدوية إلى الآلات الحديثة أو الانتقال من الوسائل الآلية إلى الوسائل الأوتوماتيكية، وهو ما يؤدي في الغالب إلى تسريح عدد من الأيدي العاملة بسبب ضعف قدرة العمال على فهم واستيعاب وسائل الإنتاج الحديثة نظرا لضعف مستويات التعليم. 9

ثانيا:انخفاض متوسط الدخل الفردي

 تتميز هذه الدول بأن حجم إنتاجها القومي ضعيف، كما أنها تعاني من الفقر كنتيجة لذلك، لأنها تدور فيما يسمى بالدائرة المفرغة للفقر، حيث إنّ ضعف الدخل القومي يؤدي إلى انخفاض حجم السوق، وهذا الأخير يؤدي إلى انخفاض الحافز على الاستثمار ثم ضعف تكوين رأس المال ثم ضعف الإنتاجية ثم انخفاض مستوى الدخل مرة أخرى، وهكذا تظل الدورة تدور حول نفسها دون توقف.10وهذا الوضع ينعكس على نصيب الفرد من الدخل القومي فكلما كان الدخل القومي قويا كلما ارتفع نصيب الفرد منه والعكس صحيح.

يرجع انخفاض متوسط دخل الفرد في الدول النامية إلى ضعف الناتج القومي فيها بشكل عام، فعلى الرغم من أن سكان الدول النامية يمثلون أكثر من 65% من سكان العالم إلا أن نصيبهم من الإنتاج العالمي لا يمثل سوى 20%منه فقط، و نصيبهم من الإنتاج الصناعي العالمي لا يمثل سوى 8%فقط.وهذا التفاوت الواضح في توزيع الدخل القومي في البلدان النامية يشكل عقبة كبيرة في طريق تحقيق التنمية11

ثالثا:ضعف التكوين وتراكم رأس المال

تمثل المباني والمنشآت ومحطات توليد الكهرباء، وشبكات السكك الحديدة والبضائع الموجودة في المخازن والطاقات البشرية المتوافرة، رأس مال الدولة الذي يجب استثماره في العملية التنموية، إلا أنّ رأس المال هذا يعاني الضعف في دول العالم الثالث، بسبب قلة وضعف المنشآت الأساس والخدمية من جهة وبسبب قلة وضعف الاستثمارات والصناعات وضعف واستغلال الطاقات المتوافرة من جهة أخرى بالإضافة إلى ضعف تكوين رأس المال البشري من جهة ثالثة.

رابعا:ضعف الإنتاجية

تتسم دول العالم الثالث بضعف الإنتاجية إذا ما قورنت بالاقتصاديات المتقدمة، فإنتاجية العمل منخفضة بشكل واضح في كافة مجالات النشاط الاقتصادي، إذ نجد أن خمس العمال أو أكثر يشتركون في إنتاج سلعة معينة يستطيع أن ينتجها عامل واحد فقط في الدول المتقدمة. وذلك بسبب ضعف قدرات العامل والعمل بسبب سوء التغذية وانتشار الأمراض وانخفاض مستوى الرعاية الصحية، كذلك بسبب انتشار الأمية التي تحد من اكتساب المهارات الفنية، كما يعدّ تأخر فنون الإنتاج أمرا مؤثرا على نسبة الإنتاج لأن استعمال الآلات الحديثة يمكن من مضاعفة الإنتاج.

لذا تعاني أغلب دول العالم الثالث من مشاكل جمة على المستوى التنموي سواء ما يتعلق بضعف عملية التنمية في هذه الدول وفي مختلف القطاعات أم ما يتعلق بكم الاحتياجات والمتطلبات البشرية والمادية الواجب توافرها لتحقيق المشاريع التنموية، فالتنمية كعملية هادفة نحو الارتقاء بالواقع المعيشي للأفراد والمجتمعات وتوفير حياة كريمة ذات درجة من الرفاهية، تتطلب أن تكون هناك بيئة مساعدة أو مشجعة للنهوض بالواقع المعاش والشروع في طريق التنمية والتقدم.

               إلاأن هذه البيئة غير مكتملة العناصر والمتطلبات التنموية بشكل أوآخر في دول العالم الثالث بسبب أن معظم دول هذا العالم تعاني إما من الفقر وضعف الإمكانات الاقتصادية التي لا تكفي لتحقيق التنمية المطلوبة، وهذا  يعني أنّ هناك نسبة معتبرة من السكان تعيش في حالة من الفقر وغياب الخدمات بمختلف مسمياتها على مستوى الصحة-التعليم-السكن-العمل-التغذية-توفر ماء الشرب-خدمات النقل- الصرف الصحي وغيرها.

لذلك ينظر إلى دول العالم الثالث أو الدول النامية على أنها دول تمتاز بوجود فرق كبير في مستوى التحضر بين أقاليمها وبكثرة المناطق المتخلفة فيها وظهور التمايز بين المناطق التي فيها تنمية وتلك التي تترك بلا مشاريع اقتصادية أو تنموية12

     أوأن هذه الدول تعاني من ضعف الواقع العلمي والتعليمي الذي لا يتناسب مع متطلبات تحقيق التنمية التي تعتمد كعملية على البحث العلمي الذي يعد أحد أهم عناصر التخطيط الجيد وعلى أساسه يتم بناء وصياغة وتنفيذ المشروع التنموي، انطلاقا من قانون أن لا وجود لتخطيط وتنمية حقيقية من دون بحث علمي حقيقي.

وهذا الحال يرتبط بمشكلة أخرى ممثلة في ضعف توافر الموارد البشرية المناسبة والقادرة على القيام بمهام المشروع التنموي سواء من حيث الإعداد أو التكوين والتدريب كقوى مكلفة بالتنفيذ، أو من خلال مدى الوعي بأهمية التنمية ودور الفرد فيها.

               أيإنّ دول العالم الثالث لديها مشكلة قد تتمثل في قصور الإمكانات المادية أو البشرية أو الفكرية من حيث التخطيط والتنفيذ، لذلك نلاحظ أنّ معظم دول العالم الثالث تعيش في ظل واقع يعاني من الناحية التنمية في جميع أو بعض جوانبه، وعليه يمكننا أن نسجل عددا من المؤشرات المعبرة عن هذه الواقع في العالم الثالث .

فهذه مشكلة ندرة المياه الصالحة للشرب أو للزراعة في دول العالم الثالث -بعدّ المياه مصدر الحياة-التي ترجع لعدة أسباب ترتبط بطبيعة هذه الدول كوقوع بعضها مثلا في المناطق الجافة وشبه الجافة، مع الارتفاع المستمر في نمو السكان الذي يؤدي بدوره إلى زيادة الطلب على المياه لتلبية الاحتياجات المتعددة على مستوى الحياة المنزلية والاستخدام الشخصي من جهة، ولتلبية الاحتياج على مستوى العمليات الزراعية والصناعية من جهة ثانية.

وتعاني دول العالم الثالث من زيادة نسبة الإعالة في المجتمع بسبب الزيادة السكانية في الفئات خارج سن الإنتاج والعمل، وهذا ما يزيد من الأعباء الملقاة على عاتق الفئات المنتجة إذ يحد من قيمة الإنتاج كما يؤثر سلبا على التنمية بشكل عام13

كما تعاني هذه الدول من ضعف قطاع الإسكان والتخطيط العمراني مقابل انتشار المدن العشوائية والهامشية بسبب الهجرة الداخلية من الريف إلى المدينة وما يتمخض عنها من مشكلات بالنسبة للقطاع الزراعي من جانب أو ما تتعرض له المدينة ومؤسساتها الخدمية من زيادة في الطلب وضغط يستهلك مردوداتها الإيجابية ومستوى فاعليتها. ففي العقود الأخيرة شهدت دول العالم الثالث زيادة في عدد ساكني الحواضر أو المدن ضعف ما شهدته الدول المتقدمة حيث تجاوزت نسبة 4%.14

بالإضافة إلى عدم تحقيق الأمن الغذائي وقلة الإنتاج الزراعي بسبب إهمال القطاع الزراعي أو تخلفه أو بسبب قلة الأراضي الصالحة للزراعة أو بسبب التصحر والجفاف وقلة المياه التي بدأت تظهر كمشكلات لهذا العصر لها علاقة بالتغيرات المناخية العالمية، والتي ترتبط بها مشكلات معقدة كالفقر والجوع ونقص التغذية.

               إن مستويات التغذية المنخفضة تعد من المشكلات الرئيسة في العديد من دول جنوب شرق آسيا وشبه القارة الهندية، ففي أندنوسيا تعدّ مستويات التغذية المنخفضة فضلا عن الأمراض المعدية السبب الرئيس لوفيات الرضع والأطفال، وفي بورما تأتي أمراض التغذية في الصدارة من جملة المشاكل الصحية التي تعاني منها. وإذا ما انتقلنا إلى أفريقيا حيث توطن الجوع الأسود نجد أنّ التقديرات تشير إلى أنّ الجوع المزمن وسوء التغذية هو الحالة العادية لملايين البشر هذه المشكلة التي تفاقمت أحيانا لتصل إلى درجة المجاعة. وبصورة مشابهة نرى سوء التغذية يضرب أمريكا اللاتينية ليطال شمال البرازيل وجبال الأنديز وأجزاء من أميركا الوسطى وجزر الكاريبي15

لذا من الضروري العمل على تحقيق الأمن الغذائي وتنمية قطاع الزراعة خاصة إذا عرفنا أنّحوالي 35%من سكان الوطن العربي مثلا يعتمدون على الزراعة كمصدر رزق، هذا الوطن الذي يمثل قلب العالم جغرافيا واقتصاديا وله من المساحات والموارد الكثير لقيام اقتصاد زراعي فاعل، فالتنمية الزراعية في الوطن العربي تعد مسألة لا يمكن التفريط فيها أو تركها للظروف العشوائية فمن المتوقع أن يتضاعف عدد سكان الدول العربية إلى480مليون نسمة بحلول عام 203016

خاصة إذا أخذنا في الاعتبار حجم الإمكانات المادية والبشرية التي يمتلكها الوطن العربي، فكل دوله لها من الإمكانات والطاقات البشرية ما يؤهلها لتكون في مصاف الدول المتقدمة إذا ما تم استثمار تلك الإمكانات والطاقات وتوجيهها بشكل علمي صحيح.

وبالعودة إلى العالم الثالث عموما نجد البنك الدولي يشير إلى وجود الملايين من سكان العالم الثالث يعيشون في فقر مدقع ويعانون من سوء التغذية وقلة الخدمات والرعاية الصحية وعدم توافر المياه الصالحة للشرب وكثير منهم عاطل عن العمل، بالإضافة إلى ملايين الأفراد يعانون الجهل والأمية.

ثانياً- التخطيطPlanning:

- تعريف التخطيط:         

التخطيط هو: أسلوب تنظيمي يهدف إلى تحقيق التنمية خلال مدة زمنية معينة وذلك عن طريق تحديد الإمكانيات المادية والبشرية المتاحة والمطلوبة وتعبئتها لتحقيق أهداف المجتمع. وهو الضمان الأكيد لاستخدام واستثمار الموارد البشرية والمادية والطبيعية بطريقة علمية وعملية بعيدا عن التلقائية والعشوائية والارتجال.

-أهم عناصر التخطيط:

1. تقدير موارد المجتمع للوقوف على إمكاناته المادية والبشرية وتحديد احتياجاته بشكل واقعي.

2. ترتيب احتياجات المجتمع على سلم الأولويات وفقا لأهميتها أو ضرورتها.

3. تحديد الآليات والأطراف التي يمكن من خلالها وبواسطتها تحقيق أهداف المشروع التنموي.

- أشكال التخطيط:

1. تخطيط السكان والقوى العاملة-Planning of Population and Labor force: يعنى بتحديد التوزيعات البشرية والكثافة السكانية والتركيب السكاني حسب النوع او الجنس والفئات المهنية وكذلك النمو السكاني، لأهميتها في تحديد الاحتياجات الحالية والمستقبلية بالإضافة إلى تحديد القوى العاملة او المؤهلة للعمل لاستثمارها او تأهيلها لذلك.

2. التخطيط الريفي-Rural Planning: يهتم بالامتدادات البشرية خارج المدن في مناطقها الزراعية أو الفلاحية من أجلضمان حياة ريفية متطورة من خلال التخطيط لاستخدامات الأرض والإنتاج الزراعي والعمل على تحقيق برامج زراعية متقدمة.

بتعبير آخر العمل على الاستفادة من جميع الإمكانات والمواد القائمة في المجتمع وتحديد الحاجات والمشكلات ووضع الخطط والبرامج التي تهدف إلى تحسين البيئة الريفية ورفع المستوى الاقتصادي والصحي والتعليمي والعمل على تنفيذ هذه البرامج مع الاعتماد الأكبر على موارد الريف ومساندة هذه الموارد عن طريق خدمات أجهزة التنمية التابعة للحكومة.

3. التخطيط الحضري- Urban Planning: يعنى التخطيط الحضري بضمان تحقيق نسيج حضري متوازن بيئيا ومتناسق وظيفيا ومتناغم جماليا واجتماعيا، ومتنوعا عمرانيا، من خلال الاستغلال الأمثل للأرض الحضرية وتحديد ما تحتاج إليه من خدمات.

4. التخطيط الصناعي – Industrial Planning: التركيز على تحقيق استثمار كامل الموارد الطبيعية وتحقيق الملائمة المكانية للمشاريع الصناعية. من خلال وضع إستراتيجية صناعية تؤدي إلى تغيير وتنويع الهيكل الإنتاجي للقطاع الصناعي. تشمل مجموعة الأسس والأفكار والإجراءات التي تستهدف تطوير وتنمية القطاع الصناعي بشكل يحقق فاعليته في النشاطات الاقتصادية العامة في المجتمع.

5. التخطيط البيئي – Environment Planning: الاهتمام بتحسين البيئة في المحيطين الريفي والحضري وذلك بتخليصها من الملوثات والمخلفات التي تنتج عن استغلال الموارد أو عن طريق استخدام المحيط.

وهنا لابد من التذكير بضرورة الأخذ بمبدأ التخطيط الشامل لمختلف المجالات والميادين المستهدفة تنموياً وذلك لتحقيق التوازن والتكامل المطلوب بين هذه المجالات.

والتأكيد على أهمية دقة صياغة الأهداف وتحديدها بعدّها أحد أهم عناصر نجاح التخطيط كعملية أساس للمشاريع التنموية فبدون التخطيط الجيد يمكن أن تتحول فكرة مشروع جيد إلى فكرة سيئة إذا غاب عنها التخطيط.17

ثالثاً- التنميةDevelopment

- تعريف التنمية المحلية

تعرف التنمية بشكل عام بأنها عملية اقتصادية واجتماعية غايتها تحقيق الرفاهية لجميع فئات المجتمع باعتماد المشاركة بين المجتمع المحلي والدولة كمنهج للعمل.

كما تعرف أنها ثمرة الجهود الرسمية والشعبية لإحداث تغييرات في البنى الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع.

وانسجاما مع ظروف العالم الثالث تعرف التنمية من منظور شمولي لذا يقصد بها مجموعة العمليات التي تهدف إلى إحداث تحولات هيكلية في كافة الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية.18

وينظر إليها كذلك بعدّها نشاط علمي مخطط لمجموعة من العمليات الاجتماعية والاقتصادية التي تهدف إلى تحقيق التغيير المنشود والانتقال بالمجتمع من حالة غير مرغوب فيها إلى حالة مرغوب الوصول إليها، ترفع من مستوى الإنسان وتعمل على تقدم الحياة إلى أقصى ما يمكن 19               إذا فالتنمية هي عبارة عن عملية مقصودة تقوم على جهود منظمة وتخطيط مسبق لتحقيق أهداف مرسومة وذلك لإشباع احتياجات الأفراد كما تستهدف إزالة العقبات التي تقف في طريق التنمية وكذلك معالجة المشكلات التي قد تصاحب التنمية او تترتب عليها وذلك لتحقيق مستويات أعلى للمعيشة وفي مختلف جوانب الحياة وصولا لتحقيق الرفاهية الاجتماعية.

أما المجتمع المحلي فهو بقعة محددة جغرافيا أو إداريا يعيش عليها عدد من الأفراد يكوّنون ما يسمى بالمجتمع المحلي حيث يرتبطون مع بعضهم بعلاقات اجتماعية أو اقتصادية ويتشابهون في أسلوب المعيشة والقيم والعادات السائدة.

وبذلك تعرف التنمية المحلية بأنها إسهامات تقوم عن طريق المهنيين والمواطنين لزيادة التضامن داخل المجتمع وتحريك المواطنين نحو تحقيق المساعدة الذاتية وتشجيع القيادات المحلية وتحملها للمسئولية ودعم المنظمات المحلية وتوفير الخدمات للمواطنين من تعليم وصحة وسكن وعمل ملائم ودخل كاف وتأمين اجتماعي وتكافؤ الانتفاع من الخدمات العامة.20

كما عرفت الأمم المتحدة التنمية المحلية بأنها مجموع أساليب العمل الفنية التي تجمع بين القدرات المحلية والمساعدات الخارجية لتحقيق وإشباع حاجات أفراد المجتمع المحلي.

وعرفت أيضا بأنها عملية تهدف إلى تطوير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في البيئات المحلية من خلال حشد جهود وطاقات المجتمع المحلي مع جهود ودعم المؤسسات الحكومية المركزية.

لذا تقوم التنمية المحلية على المبادرة الذاتية والمشاركة الواسعة لجميع أفراد المجتمع المحلي وبذل الجهود من أجل تغيير نوعية الحياة التي يعيشها أبناء هذا المجتمع.

التنمية المحلية عملية هادفة لتغيير المجتمعات أو البيئات المحدودة أو الضيقة كالمجتمعات المحلية أو الإقليمية مع الأخذ بعين الاعتبار تحقيق مبدأ التوازي مع جهود وأهداف السياسات التنموية المركزية في البلد.21

لقد تم إطلاق مبادرة التنمية والتنمية الاقتصادية المحلية كمنهج للسياسات التنموية في أوائل حقبة السبعينات استجابة للإدارات المحلية التي أدركت أن المشروعات الاقتصادية ورءوس الأموال كانت تنتقل بين المواقع المختلفة بحثاً عن المزايا التنافسية، هذا من جهة، كما أدركت-من جهة ثانية- أنّ المجتمعات المحلية تستطيع من خلال الدراسة الجيدة لإمكاناتها ا

الهوامش

1-  مصطفى مريم أحمد وإحسان حفظي،قضايا التنمية في الدول النامية، الإسكندرية، دار المعرفة الجامعية،.2005، ص101,

2-  عبد الطيف، رشاد احمد،تنمية المجتمع المحلي، دار الوفاء، الإسكندرية، ط1،2007، ص15

3-  خاطر، احمد مصطفى، التنمية الاجتماعية، المفهومات الأساسية ونماذج الممارسة، الاسكندرية، المكتب الجامعي الحديث،2002، ص24.

4-   أمين جلالالعولمة والتنمية العربية من حملة نابليون إلى جولة الأورغواي 1898 – 1998، ط2، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2001، ص23.

5- عبد اللطيف رشاد احمد، المرجع السابق، ص16.

6-  خاطر، احمد مصطفى ، المرجع السابق، ص112-113.

7- عبد اللطيف رشاد احمد، المرجع السابق، ص16.

8- خاطر، احمد مصطفى ، المرجع السابق، ص116.

9-  خاطر، احمد مصطفى ، المرجع السابق،ص 104

10-  شفيق، محمد،التنمية والمشكلات الاجتماعية، الاسكندرية، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية،1999، ص22.

11 - العاني، محمد جاسم،الإقليم والتخطيط الإقليمي، الاردن، دار الصفاء، المرجع السابق 2006، ص 22.

12-  شفيق، محمد، المرجع السابق ، ص51

13-  جاك لوب،العالم الثالث وتحديات البقاء، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،1986 ، ص18

14 -  عطية،، فيليب، أمراض الفقر :المشكلات الصحية في العالم الثالث، الكويت، سلسلة عالم المعرفة،1992،   ص34-35

15 -   عبد السلام،محمد السيد، الأمن الغذائي للوطن العربي، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،1998،  ص 12،30.

- 16 AnneTouwe,handbook for projects, development, management and fundraising, International Federation of University Women, Switzerland,2001 p1,

17-Thomas R.M,human development cultuRAL, ltd , 1998, USA, p5

18  -  إبراهيم، محمد عباس، التنمية والعشوائيات الحضرية، الاسكندرية، دار المعرفة الجامعية،2000، ص 109.

19 -  خاطر، احمد مصطفى ، المرجع السابق ص، 35،19.

20  - العيسوي،إبراهيم، التنمية المحلية في عالم متغير، القاهرة، دار الشروق،2003، ص18.

21  -   بيرتلزمان ستيفتانج وآخرون،التنمية الاقتصادية المحلية، دراسة مشتركة، البنك الدولي،2004، ص10

22  شفيق، محمد، المرجع السابق، ص19.

23   هلال، وليد، تقرير حول منهج الاسكوا في برامج ومشاريع التنمية المحلية والتنمية بالمشاركة، بيروت، الاسكوا،2010، ص4.

24- إبراهيم، محمد عباس،المرجع السابق، ص112.

25هلال، وليد، مرجع سابق، ص1.

26  شفيق، محمد، مرجع سابق، ص50،53..

27   الشرفات، علي جدوع، التنمية الاقتصادية في العالم العربي، ط1، عمان، دار جليس الزمان،2009، ص203.

28   الشرفات، علي جدوع ، المرجع السابق ،ص94.

29  شفيق، محمد، المرجع السابق ، ص67.

30   المؤمن، قيس، وآخرون، جودة ،التنمية الإدارية، الاردن، دار زهران للنشر والتوزيع، 1997، ص285.

31  هلال، وليد، المرجع السابق ، ص7.

32   المرجع نفسه، ص8.

33  ESCWA,building human resources capacities In local Community Development. Lebanon.2010 p9.

34 هلال، وليد، المرجعالسابق ، ص9.

35  (دت)، عثمان،عبد العظيم، دور المشاركة الشعبية في التنمية المستدامة في المجتمعات المحلية الريفية في إفريقيا، دراسات افريقية، جامعة الخرطوم، ص126.

36 هلال، وليد،المرجع السابق، ص4.

37 خاطر، احمد مصطفى ، مرجع سابق ص 69.

38   الاسكوا، نشرة التنمية الاجتماعية، المجلد الثالث، العدد الثاني، بيروت، 2009، ص6.

39   بدوي، هناء حافظ، التنمية الاجتماعية رؤية واقعية من منظور الخدمة الاجتماعية، ط1، الاسكندرية، دار المعرفة الجامعية،2000، ص182-183.

40   عبد اللطيف رشاد احمد، المرجعالسابق ، ص87-88.

41   الصاوي، عبد الحافظ ، "قراءة في تجربة ماليزيا التنموية"، مجلة الوعي الإسلامي، العدد 451، ماي، الكويت2009

42   رشوان، حسين عبد الحميد، الفقر والمجتمع، مصر، مؤسسة شباب الجامعة، 2007، ص35.

Pour citer ce document

ماهر فرحان مرعب, «تخطيط وتنمية المجتمعات المحلية في دول العالم الثالث التنمية الماليزية أنموذجا»

[En ligne] العدد 18 جوان 2014N°18 Juin 2014 مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales
Papier : pp : 109 - 126,
Date Publication Sur Papier : 2014-06-01,
Date Pulication Electronique : 2014-06-22,
mis a jour le : 26/06/2014,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=1157.