دور المجتمع المدني في تفعيل المشاركة المجتمعية
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 18 جوان 2014 N°18 Juin 2014

دور المجتمع المدني في تفعيل المشاركة المجتمعية
pp : 21 - 31

فيروز زرارقة
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

  أصبح موضوع المجتمع المدني موضوعا مركزيا ويحظى بأهمية بالغة في الخطاب السياسي والاجتماعي باعتباره الوسيط الاجتماعي للتنمية والتحديث ، والآلية الأساسية لتأطير المواطنين وضمان مشاركتهم الفعالة في بناء إستراتيجية وحلول للمشكلات المجتمعية

إن دراسة المشاركة المجتمعية بما تتضمنه من مختلف أشكال العمل الجماعي تفترض التركيز على الأطر الاجتماعية الحاضنة للمشاركين و مدى قدرتها على تحديد أنماط مشاركتهم، و التعرف بذلك على المتغيرات المحددة لنشاط القوى الاجتماعية في الجزائر، كما أن تفعيل المشاركة المجتمعية يتعلق بالبنية الاجتماعية والوعي الاجتماعي، وهو ما أردنا تسليط الضوء عليه من خلال هذه الورقة التي انصبت على دراسة المشاكل التي تعرقل عملية بناء مؤسسات المجتمع المدني.

 

الكلمات  المفتاحية:المجتمع المدني، المشاركة المجتمعية، العمل الاجتماعي والأهلي، بناء الدولة

La société civile  est considérée comme le mécanisme de base en mesure de contribuer à l'encadrement et la représentation des citoyens ainsi que de leur participation active dans la construction et l’élaboration de leur société. Il s’agit de réfléchir sur la mise en place d’une série de   stratégies et de solutions aux problèmes sociaux.  Cette opération est appelée  officiellement une participation sociétale.

L'étude de la participation sociétale est fondée  sur  la  démonstration des capacités à identifier,  les tendances, les formes et les niveaux de participation.

Il est doncnécessaire d'identifier les variables spécifiques de l'activité des forces sociales en Algérie, et de reconnaitre que  l'activation de  cette  participation sociétale est liée à deux  points  essentiels : la structure et la consciencesociales, ce qui nécessite une mise en lumière dans la présente étude qui prendrait  en compte la résolution des principaux problèmes des institutions de la société civile

 

Motsclés:Société Civile, Participation Sociétale, Travail Social Et Communautaire, Renforcement De l'Etat

The Civil Society matterbecame a central theme and has a great importance in the political and social discourse as a social mediator of development, modernization, change, and the basic mechanism for framing and representation of the citizens to ensure their active participation in building and developingstrategies and solutions to societal problems as well as delivering methods and techniques of civilization to higher authorities which is called Community Participation in formal frameworks.

The study of community participation as it appears in the various forms of collective and civil action assumes focus on social frameworks incubator for participants;and the extent of its ability to determine patterns and forms and levels of participation, and therefore it is necessary to identify the specific variables of the activity of the social forces in Algeria. The community participation respect two important points social structure and social awareness

 

Keywords:Civil Society, Community Participation, Social And Community Work, State Building

مقدّمة

لقد ارتبط مفهوم المجتمع المدني بنمو الحداثة في المجتمع الغربي، الذي مرّ بظروف تغيّر طويلة بداية من انهيار السّلطة الدينية وتبلور الدولة الوطنية واستقلال الجماعات السياسية والاجتماعية على نحو يكشف قدرا من التوازن بين سلطة الدولة من ناحية وتأثير الروابط الاجتماعية والجماعات الاجتماعية من ناحية أخرى، ونمو العقلانية وشيوع روح الفردية وتحلل الروابط الحرفية القديمة وظهور بناء مهني وبيروقراطي على درجة من التخصّص والإنجاز والعمومية.

والحداثة هي عصارة التفكير العقلاني الذي تولّد عن تلك الاتجاهات الإيجابية التنويرية في أوروباّ وهي نموذج كوني لا يعمل الآخرون إلاّ على إعادة إنتاج عناصره1فالمجتمع المدني إذن فكرا وممارسة قد جاء ضمن الصيغ الحداثية الوافدة من الغرب، كما أنّ الطريقة التي تشكّل بها قد جعلته يتشكل على نحو خاص، ويترتب على ذلك أن تتحدد علاقة المجتمع المدني بالدولة وبالقوى الاجتماعية على نحو خاص أيضا.

أولا: إشكالية تعريف المجتمع المدني

لا يجمع المفكرون العرب على تعريف موحّد ومحدّد لمفهوم المجتمع المدني، فمنهم من يتوسع في شرح هذا المفهوم ليشمل كلّ صور المؤسسات التي تحتل مركزا وسيطا بين العائلة باعتبارها الوحدة السياسية في البناء الاجتماعي والنسق القيمي في المجتمع، والدولة ومؤسساتها الرسمية، ومنهم من يضيق من تحديد المفهوم ليشير إلى التنظيمات الحديثة غير الحكومية التي توجد لخدمة المصالح المشتركة لأعضاء المجتمع.

وهناك من المفكرين من يربط ظهور المجتمع المدني بالديمقراطية والحرية، بحيث يصبح المجتمع المدني مرادفا لمجتمع المؤسسات أو مرادفا لفضاء من الحرية والمبادرات الطوعية أو السلطة العسكرية.

و"هناك من يؤكد على آلية معارضة الدولة وكبح سلطة تدخّلها في شؤون الأفراد والجماعات  فالمجتمع المدني لا يتمايز عن الدولة فحسب، بل يواجهها ويعارضها، وقد تصل معارضته لها لحد التناقض التناحري في ظروف معينة وفي حالات محدودة"2

لقد أصبح واضحا أنّ الذين يوسّعون من مفهوم المجتمع المدني، ويربطونه بدولة المؤسسات، يتأثرون بالتعريفات القديمة للمجتمع المدني، ذات الطابع الفلسفي خاصة تلك التي ظهرت بشكل عام في أعمال توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو وهيجل وماركس وغرامشي، فقد ساهم رواد مدرسة العقد الاجتماعي في إعطاء تصورات مختلفة حول نمط جيد لتنظيم المجتمع من خلال القطيعة مع النظام القديم القائم على الاستبداد الإقطاعي والربط بين السلطة والقدسية واعتبار السلطة مطلقة في يد الحاكم"3، كما وضعوا المجتمع المدني في مقابل المجتمع الطبيعي وهو مجتمع الحرية الكاملة والمساواة الذي سبق الدولة وكانت هذه المحاولات نقطة الانطلاق لتبلور مفهوم المجتمع المدني في صيغته السياسية، " حيث تؤكد المدرسة الليبرالية الاقتصادية الاسكتلندية على حرية التجارة وتقسيم العمل في مفهوم المجتمع المدني بوصفه سمة أساسية في الدولة الدستورية التي تحظى بالشرعية في مواجهة مواطنيها4، كما حدّد هوبز المجتمع المدني بأنّه المجتمع المنظّم سياسيا عن طريق الدولة القائمة على فكرة التعاقد، وميّزه جون لوك عن الدولة دون أن يلغي تماما الروابط بينهما، وفي القرن الثامن عشر أخذ المجتمع المدني معنى مغايرا وهو الوسيط بين مؤسسات الدولة وبقية المجتمع، حيث عرّفه هيجل "بأنّه ذلك الحيز الاجتماعي والأخلاقي الواقع بين الأسرة والدولة يشتمل على أفراد يتنافسون من أجل مصالحهم الخاصة لتحقيق حاجاتهم المادية، لذا فهو بحاجة مستمرة إلى المراقبة الدائمة من طرف الدولة" 5، أي أنّ المجتمع يقع بين العائلة والدولة، وما يمكن ملاحظته أنّ مفهوم المجتمع المدني ملتصق أشد الالتصاق بالخبرة السياسية والثقافية المجتمعية الأوروبية ومتداخل مع باقي المفاهيم الأخرى التي تشكل هذه الخبرة، كالمواطنة والديمقراطية والمساواة والعدل الاجتماعي والفردي، وهي الخبرة التي تشكّلت نتيجة التغيرات التي عرفها المجتمع الغربي الأوروبي"الانتقال من نظريات الحق الإلهي للملوك إلى العقد الاجتماعي ، الانتقال من الحكم المطلق إلى التعددية السياسية وإحراز حق المواطنة بالحريات العامة "، الملكية،العمل، الرأي والمعتقد"وكانت مقتصرة على الملوك، ثمّ الانتقال من مبدأ سيادة الأمّة نحو علاقات اجتماعية طوعية تعاقدية حرّة، فهذه هي جملة المنظومة المفاهمية التي تشكّل الخلفية النظرية لمفهوم المجتمع المدني بكلّ تطوراتها وتمفصلاتها وانقطاعاتها الدلالية6أمّا الذين يضيّقون من مفهوم المجتمع المدني فيذهبون إلى أنّه: نتيجة العلاقة الطوعية التي تحقق الاستقلالية عن الدولة، متأثرين بالتطورات والتغيرات التي حدثت في أوروبا حول فكرة المجتمع المدني خاصة بعد أحداث عام 1989وسقوط الاتحاد السوفييتي، وجدار برلين وتحول النظم الاشتراكية في أوروبا الشرقية والتي برزت من خلال هذه التغيرات المنظمات المستقلة المناوئة للدولة، أمّا فيما يخص مصطلح المجتمع المدني في المجال التداولي العربي فقد أرجعه "علي الكنز" إلى أواخر السبعينات في بلدان المغرب قبل المشرق فيقول : "إن قضية المجتمع المدني كموضوع مركزي للتفكير ظهرت في المناقشات في أواخر السبعينيات في بلدان المغرب قبل المشرق وبصفة مفارقة في أوساط اليسار أكثر من أوساط البورجوازية الليبرالية ولم يتوسع هذا النقاش في أوساط أخرى وفي عموم العالم العربي إلاّ في فترة لاحقة"7والسبب في ذلك يعود إلى كون قضايا المجتمع المدني كانت قضايا ثانوية إذا ما قورنت بقضية الاستقلال الوطني، أمّا الباحث "عبد الناصر جابي" فيربط ظهور المجتمع المدني في الجزائر بالأحداث السياسية التي عرفتها الدولة الوطنية في العقد الأخير من القرن الماضي فيقول "مفهوم المجتمع المدني في الجزائر، لم يعرف هذا الشيوع إلاّ في المدة الأخيرة (1988-1995)وتحديدا في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، لذا فإنّ ربط ظهور المفهوم بالأحداث السياسية التي عرفتها الجزائر (أحداث أكتوبر وما تبعها من تغيرات سياسية، قانونية وحتى اجتماعية )هو ربط  له أكثر من وجاهة، فالمفهوم يبدو من دون تاريخ في المجتمع الجزائري8.  وهنا يمكن أن نستحضر ظهور منظّمات الدفاع عن حقوق الإنسان في الجزائر سنة 1985التي أعترف بها سنة 1987، والأمر نفسه بالنسبة للجمعيات النّسوية المختلفة، ثمّ مجيء دستور 23فيفري 1989الذي أقر التعددية السياسية، ولذلك فإنّ المجتمع المدني في الجزائر يبدو حقيقة بدون تاريخ لأنّ اللحظات الكبرى في تاريخنا الحديث هي لحظة النّضال السياسي في الحركة الوطنية ثمّ لحظة الثّورة ثمّ لحظة الاستقلال ثمّ لحظة التنمية وبناء الدولة .

وبشكل عام فإنّ مصطلح المجتمع المدني من المفاهيم المتأخرة في الخطابات السياسية والثقافية العربية، فلم يرد ذكره عند رفاعة رافع الطهطاوي ولا عند خير الدين التونسي بالرغم من أنّ مفاهيم الوطن، الدستور والمدينة القانونية، والفصل بين السلطات والمساواة والعدل والأخوة قد تضمنتها كتابات الجيل الأوّل من المثقفين الليبراليين العرب كما هو الشأن في "كشف المخبأ في فنون أوروبا" لأحمد فارس الشدياق وتلخيص الإبريز في تلخيص باريس" للطهطاوي" وإتحاف أهل الزمان" لأحمد ابن أبي ضياف "وأقوم المسالك في تدبير أحوال الممالك لخير الدين التونسي وهؤلاء من المثقفين العرب الأوائل الذين احتكوا بالآخر واطلعوا على علومه وفنونه وآدابه وصنائعه، وأشادوا بمظاهر الحرّية ودافعوا عن حب الوطن، وعملوا من أجل تكريس العدل الاجتماعي.

ومن كلّ ما سبق يمكن أن نخلص إلى تعريف المجتمع المدني بأنّه "المنظمات المستقلة عن الدولة، والتي تقوم بنوع من الخدمة في المجتمع مثل: الجمعيات الأهلية والخيرية والتي هي معارضة لهيمنة الدولة عن المجتمع"9، بمعنى أنّه جملة المؤسسات السياسية والثقافية والاجتماعية التي تنشط في ميادين مختلفة بشكل مستقل نسبيا عن سلطة الدولة، وتراقب وتعقلن هيمنة الدولة على المجتمع لكي تحرر طاقات المجتمع، ومن ثمة فهو – أي المجتمع المدني – "حقل للتنافس وفضاء للصراع  وميدان لعمل القوى الاجتماعية ذات المصالح، وللرؤى والمواقف المختلفة بل والمتناقضة ، ميدان متفتح على ممكنات عديدة واحتمالات متعارضة، ويتوقف تحقيق بعض منها دون البعض الأخر على إمكانات وبرامج وتحالفات تلك القوى، أي أنّه نتاج تشابك علاقات القوة والسلطة والمعرفة المتغيرة بتغير حواملها الاجتماعية واستراتيجيات إدارة الصراع التي يتبناها كلّ طرف، وهذا يعني أنّ المضمون السياسي والإيديولوجي للمجتمع المدني ليس معطى متجانسا محددا سلفا ، بل يتشكل ويعاد بناؤه في كلّ مرحلة انطلاقا من موازين القوى الاجتماعية المكونة له10بمعنى أنّ المجتمع المدني يجب تعريفه من خلال سيرورته التاريخية التي ترتبط بخصوصية المجتمعات ، ولكن بالرغم من ذلك فإنّ هناك سمات وشروطا عامة تحكم المجتمع المدني ، ومنها :

الانفصال والتماسك بين مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني.

ترقية المواطنة والحقوق المدنية والسياسية للفرد ككائن مستقل في إطار الدولة عن انتماءاته المختلفة.

 القطاعية أي الممارسة الاجتماعية المستقلة نسبيا.

المجتمع المدني مستقل عن إشراف الدولة المباشر أي أنّه مستقل في التنظيم والعمل، كما يقوم على الفعل الإرادي الحر والطوعي عكس الجماعات القرابية مثل الأسرة والعشيرة والقبيلة.

أنّ المجتمع المدني مجتمع منظم، ولهذا فهو يختلف عن المجتمع بشكل عام، يضم نسقا من المنظمات والمؤسسات التي تعمل بالإذعان لمعايير منطقية.

كما أنّه يقوم على المؤسسية أي الحضور الطاغي للمؤسسات وهي في جوهرها علاقات تعاقدية حرة في ظل سيادة القانون.

ثانيا: حول مفهوم المشاركة المجتمعية

يعتبر مفهوم المشاركة من المفاهيم القديمة التي تمّ تناولها من خلال أفكار الفلاسفة والسياسيين حيث يعني توفير الفرص لأخذ دور في النظام الديمقراطي للدولة، ومن خلاله تتاح الفرص للمواطنين لكي يعبروا عن آرائهم أو يصوّتوا أو يشجّعوا اتجاها سياسيا معينا، أو يحشدوا قواهم حول قضايا سياسية خاصة بهم"11

أما قاموس أكسفورد فيعرفها بأنها القيام بالأدوار مع الآخرين في موقف اجتماعي أو موضوع معين، أما قاموس الخدمة الاجتماعية فيعرفها بأنها كل نشاط أو ارتباط أفراد المجتمع المحتمل تأثرهم بالتغيير الذي يحدث في مجال معين من مجالات المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية، أو في أي موقف من مواقف التغير الاجتماعي.

فالمشاركة المجتمعية تعني تدخل المواطنين في السياسة اليومية من خلال ضبط عقود واتفاق بين الفرد والجماعة وبين مختلف الأطراف الفاعلة في المجتمع، ومنه تحقيق الاندماج في الحياة الاجتماعية، حيث تتخذ من النقد البناء أسلوبا للمشاركة في الحياة السياسية وتقويم النظام البيروقراطي للدولة،كما تعني المشاركة أيضا تضافر جهود كلّ من المؤسسات الحكومية الرسمية والمواطنين والقطاع الخاص والأهلي في مواجهة أي مشكلة من خلال التنفيذ الفعلي لإعداد وتنفيذ البرامج والخطط السياسية والتنموية"12نعتقد أنّ المشاركة مبدأ أساسي من مبادئ التنمية، وهي العملية التي من خلالها يؤدي الفرد دورا في الحياة السياسية والاجتماعية لمجتمعه، وتكون لديه فرصة المشاركة في وضع الأهداف وأفضل الوسائل لتحقيق هذه الأهداف ومتابعتها وتقييمها.

كما يقصد بالمشاركة المجتمعية بأنها العملية التي من خلالها يلعب الفرد دورا في الحياة السياسية والاجتماعية لمجتمعه، وتكون لديه الفرصة لأن يشارك في وضع الأهداف العامة لذلك المجتمع، وكذلك أفضل الوسائل لتحقيق وإنجاز هذه الأهداف"13

وعليه تعتبر مسألة المشاركة المجتمعية ظاهرة عالمية قديمة وحديثة، وهي تعني المساهمة الإيجابية في إدارة الأمور المتعلقة بشؤون الحكم والمجتمع، وهذه المساهمة تكون محدودة في أطر رسمية وغير رسمية، ومدى قدرتها على تحديد أنماط وأشكال ومستويات مشاركتهم، وبالتالي من الضروري التعرف على المتغيرات المحددة لنشاط القوى الاجتماعية، حيث تؤدي منظمات المجتمع المدني دورا مهما فيما يتعلق بجعل الجهاز الحكومي عرضة للمساءلة من قبل المجتمع، وذلك من خلال تبني القضايا الهامة التي تهم مختلف الأطراف المجتمعية، ويرتبط زيادة الدور الذي تؤديه القوى الاجتماعية بالقضايا المتعلقة بالسلطة والنزاهة والشفافية والمشاركة، ويمكن إيجاد آلية تسمح بالتعاون والمشاركة بين الأفراد حيث تسهم المشاركة المجتمعية لمختلف القوى الاجتماعية في تمسّك الأفراد بالقواعد والمعايير التي قاموا بوضعها، ويتطلب تفعيل دور المجتمع المدني بزيادة مساءلة الحكومة توافر بيئة سياسية تتسم بالحرية وإمكانية التعبير والتصويت، كما يتطلب من القوى الاجتماعية للمجتمع المدني أن تتسم بالشفافية والديمقراطية والمسؤولية، ويعتبر التطور البطيء الذي يشهده المجتمع المدني في الجزائر أحد العوامل الأساسية لقصور الحوكمة، ولرفض مشاركة حقيقية من قبل المنظمات الحكومية وغير الحكومية في عملية التنمية وذلك من خلال النظر إلى مؤسسات المجتمع المدني كمنافس على السلطة، وتتمثل هذه المنظمات الرسمية وغير الرسمية والتي تتيح للفرد قدرا من المشاركة المجتمعية في قضايا مجتمعه ومشكلاته في المنظمات الآتية:

الأحزاب السياسية: وهي تنظيمات اجتماعية تضمّ عددا من الأفراد لهم نفس التوجّهات الإيديولوجية والسياسية تدفعهم للدفاع عن مبادئهم في صورة جماعية، من خلال تسطير برامج سياسية وخطط تنموية واضحة المعالم وقابلة للتطبيق في الواقع المجتمعي وتخدم مصلحة المواطنين بالدرجة الأولى، وهم في ذلك تحكمهم قيادة موحدة.

النقابات المهنية والعمالية:وهي تنظيمات اجتماعية توجد في المجال المهني والصناعي والتجاري تسعى إلى تحقيق مطالب وحاجات أصحاب المهن والحفاظ عليها باستخدام الوسائل والأساليب المشروعة المتاحة اجتماعيا والوصول إلى الغايات والأهداف المنشودة.

الجمعيات الأهلية: وهي ذات طابع خدماتي غير ربحي أي أنها لا تهدف إلى تحقيق ربح مادي بقدر تقديم خدمات للمواطنين، وقد تستمر لمدة طويلة كما قد تكون عرضة لوقف نشاطها حسب طبيعة أهدافها(محدودية هذه التنظيمات ترتبط بنوعية نشاطها)وهي تتألف من أشخاص طبيعيين أو معنويين، وهي تقوم أساسا على فكرة العمل التطوعي التعاوني.

القطاعات الخيرية: وتضم كافة الجمعيات ذات الطابع الديني الخيري، والنوادي ومراكز الشباب والجمعيات الزراعية والتعاونية ومؤسسات الحسبة، ودور الثقافة وكلّ مؤسسة أو تنظيم يعمل على نشر القيم الأخلاقية والمبادئ الفاضلة في المجتمع.

القطاع الخاص: ويعتبر من أهم القطاعات في عملية التنمية من خلال ما يوفّره من وسائل وأساليب للتغير الاجتماعي والاقتصادي من خلال عمليات التنافس والتعاون والتبادل بحيث يعتبر الوسيط الاجتماعي والاقتصادي بين طبقات المجتمع.

ثالثا: إشكالية بناء الدولة وتأسيس المشاركة المجتمعية

1- إشكالية بناء الدولة

نحتاج الآن إلى أن نتأمّل مستويات تشكّل الدولة، حيث مرّت الدولة القومية الأوروبية من خلال تطوّر وظائفها التقليدية وعلاقتها برعاياها بأدوار متعدّدة، أو نماذج متعدّدة سميت الدولة بتسمية وظائفها في كلّ مرحلة، واستكمال مشروع إنجاز الدولة حدث في أوروبا نتيجة التطور التاريخي التراكمي في الفترة ما بين القرن الخامس عشر والتاسع عشر، والظرف التاريخي هذا وما تلاه جعل الدّولة تمرّ بمراحل ثلاث، هي:

الدولة الحارسة: لقد تطلّبت التّطورات الاقتصادية والعلمية التي جعلت معظم البلدان الأوروبية بلدانا صناعية، تطلّبت أن تكون الدولة صناعية في اقتصادها، حيث التفوق لنسبة عمال الصناعة على نسبة الفلاحين، وتفوّق الرأسمال النقدي على الملكية العقارية، وهذا ما جعل وظائف الدولة تعتمد في الدفاع الوطني والأمن الداخلي والعدالة وصون الحرية الفردية.

الدولة المقاولة: إنّ الدولة الحارسة وجدت نفسها مجبرة على تغيير وظائفها وزيادة تدخلها في النشاط الاقتصادي، عندما تبيّن لاحقا محدودية قدرة الأفراد على تشكيل البنية التحتية للدولة، ففي هذه المرحلة بدأت الدّولة تتخذ صفة المقاول الذي يتعهّد التدخل وإنشاء المؤسسات العامة الصناعية والتجارية وحتى الاجتماعية، وهذا التدخل تطلّبه النقص الحاصل في قدرة ومبادرة الأفراد، وتعدّ الأزمة الاقتصادية التي شهدها العالم في بداية عقد الثلاثينيات المحطة المهمة في تحوّل مسار وظائف الدولة وتدخلها الأكبر في النشاط الاقتصادي، ورعاية مصالح أفرادها وهي أشبه بالأسرة في رعاية أبنائها اقتصاديا واجتماعيا وإداريا، وهو ما يتّضح في سياسة فرنكلين وروزفلت في إدارة الدولة الأمريكية منذ 1932.

الدولة التدبيرية: بدأت الدولة منذ منتصف القرن العشرين في التخلي عن وظائفها التقليدية في التدخل المباشر لبناء المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والتنظيمية وإدارتها، والانتقال من وظائف جديدة تحددت في استثمار العلم والتكنولوجيا للصالح العام، وفي تقديم خدمات متعددة إلى مستوى ارتفع فيها قطاع الخدمات ونسبة العاملين فيه على حساب قطاع الزراعة والصناعة ونسبة العاملين فيهما، مستخدمة وسائل الإعلام والاتصال.

إنّه تدخل بشكل مباشر وغير مباشر في جميع الميادين جعل من الدولة الوطنية "تعمل بفعالية في إدارة وتوجيه ومراقبة النشاط الاقتصادي والاجتماعي، عن طريق تدخّلها المباشر أو غير المباشر في تخطيط تأمين وتقديم دعم وإعانات للقطاعات الاقتصادية والاجتماعية، بمعنى أنّها مسؤولة عن تحقيق الازدهار الاقتصادي للتقدم الاجتماعي"14

في هذه الفترة تطور القطاع الخاص مقابل تراجع القطاع العام في المجال الصناعي، وبرز فاعلون جدد قلصوا من وظائف الدولة التقليدية في الرعاية والإدارة والتدخل، تلك الأدوار والوظائف تقلدتها الدولة القومية في أوروبا الحديثة وفق تسلسل تاريخي فرضته الظروف الجديدة لولادة ونمو الدولة في المجتمع الأوروبي.

ولا بد من الإشارة هنا إلى توافق تاريخي هام، هو أنّ الدولة العربية المستقلة عن الدولة الأوروبية كانت من جنسها في وظائفها، أي أنّ الدولة العربية المستقلة ومنها الجزائر، باتت دولة رعاية ومقاولة على شاكلة الدولة الأوروبية في تلك الفترة، وهذا يعني أنّها لم تمر بمرحلة الدولة الحارسة التي تحمي الحرية الشخصية وتوفر البيئة الملائمة لولادة طبيعية ونمو مستمر للطبقة الوسطى والبورجوازية.

والدولة الحديثة ظاهرة جديدة في العالم الثالث لا يتجاوز عمرها في معظم التقديرات بضعة عقود، ويعتبر معظم المنظرين الدولة الحديثة خلقا أجنبيا، إذ حتى بداية القرن العشرين كان المواطن العربي تحديدا يخضع لسلطة الدولة العثمانية التي كانت مطالبة بحمايتها من الغزو الأوروبي، وكانت السلطة تتسم فيها بالانفصال التام بين حكامها من جهة وبين الرعية من جهة أخرى، ولذلك فإنّ الدولة الحديثة في الوطن العربي قد تم تأسيسها أثناء خضوعها للاستعمار الأوروبي، تمّ على إثرها تشكيل شبيه نسبيا لمؤسسات اقتصادية وإدارية وسياسية لتلك التي كانت قائمة، واستمر هذا التقليد للأنظمة الغربية الأوروبية حتى بعد حصولها على استقلالها الوطني على الرغم من المحاولات المتكرّرة للتغيير.

ويرى "بادي" أنّه لفهم تشكّل الدولة لا بد من فهم تشكّل المجال السياسي والذي به يفهم تطور الدولة الحديثة الأوروبية، وانتقالها من دولة الأمير إلى دولة القانون والمؤسسات الحديثة، بينما لم يحدث ذلك الانتقال في البلاد العربية فظلت دولة الأمير والقبيلة، فالمجتمع السياسي المنظّم هو نتاج تفاعل ثلاثي العناصر بين القبيلة والعقيدة والقوة، أي الجند والمال والفكرة بالمصطلحات القديمة، وبين القوة المادية المرجعية الحامية، الجيش والاقتصاد، والعقيدة أو الايدولوجيا حديثا، فهذه الميكانيزمات الحقيقية والأساسية لاشتغال الدولة ووجودها واستمرارها الفعلي.

والظاهرة السياسية لا يؤسّسها وعي النّاس وآراؤهم وطموحاتهم وإنّما اللاشعور السياسي الذي يعني بنية قوامها علاقات مادية جمعيةتمارس على الأفراد ضغطا لا يقاوم مثل القبيلة والأحزاب العقائدية، والتي تستمد قوتها المادية الضاغطة القيسرية، مما تقيمه من ترابط بين الجماعات، تؤطّر ما يقوم بينهم من صراع أو تنافس، وهكذا تبقى القبيلة مثلا كيان الجماعات سواء كان أفرادها يعيشون الإقطاع أم الاشتراكية أم الرأسمالية.

وبمقارنة اللاشعور السياسي العربي الحديث مع نظيره الأوروبي، يتبين أنّ العلاقات الاجتماعية من نوع العشائرية والطائفية تحتل مكانا يقع خلف العلاقات الاقتصادية المتطوّرة في البلدان الأوروبية، أمّا في المجتمع العربي فإنّ تلك العلاقات لا تزال تحتل موقعا أساسيا وصريحا في حياتنا السياسية حيث تتنحّى العلاقات الاقتصادية الأقل تطورا لصالح العلاقات الاجتماعية القبلية والطائفية.

غير أنّ ما يلاحظ في الدول العربية أنّه لم تحدث القطيعة بين الأمير والدولة فما زال الأمير هو الدولة والدولة هي الأمير في مجال سياسي ضيق لا مكان فيه للشعب حتى الآن، وقد عجزت النخب العربية الوطنية الحديثة عن استيراد مفهوم الحداثة السياسية، مما جعل الشعب غائبا في المجال السياسي والمشاركة الفعلية في قضاياه ومشكلاته.

2- إشكالية تأسيس المشاركة المجتمعية

نعتقد في هذا الجانب أنّ الأطر المؤسسية الحديثة سواء بالنسبة للجهاز البيروقراطي للدولة أو مؤسسات المجتمع المدني  هي إفراز طبيعي لبنية المجتمع الغربي وثقافته من خلال التطور التاريخي وتفاعله الداخلي والخارجي إلى أن أخذ الشكل الحالي، ولعلّ هذا هو الفرق الأساسي بين مستوى تطوّر المجتمعات الغربية ومستوى تطوّر المجتمعات العربية، ولذلك نود التركيز على خصوصية واقعنا وأهم الفروق بينه وبين واقع المجتمعات الغربية.

فالتنظيمات الاجتماعية في الغرب كانت تستند بدرجة كبيرة إلى المصالح والعوامل الاقتصادية التي تقوم على الانقسام الأفقي بدرجة أساسية، فتبرز العلاقات الثانوية على المستوى الاجتماعي بينما تستند التنضيدات على الانقسام العمودي الذي يقوم على العلاقات والروابط الأولية ما قبل القومية.

لعلّ هذا هو الفارق الذي يفسّر أنّ طبيعة التنضيدات الأفقية الاقتصادية في المجتمعات الغربية قد سمحت لماركس والماركسيين من استخدام مقولة التحليل الطبقي للتعاطي مع واقع المجتمعات الغربية بشكل موائم، بينما تصعب استخدامات هذه المقولة في الواقع الاجتماعي العربي نظريا وعمليا، ومن هنا كان الأقرب إلى تحليل واقعنا هو مقولة الجماهير التي تعبر عن كيان اجتماعي واسع يشمل عدّة كيانات ضيّقة مثل العائلة والعشيرة والطائفة والفئة القومية.. وهو ما يعني وضوح مركزية العلاقات والروابط الأولية في أية مقاربة تحليلية سوسيولوجية بالنسبة إلى ضعف الروابط الثانوية أو الطبقة المغطاة فعليا في مجتمعاتنا بتلك الروابط الأولية"15وبنظرة نقدية ودقيقة لواقعنا الاجتماعي نجد أنّ المقاربة السوسيولوجية تتعلّق بقضيتين أساسيتين، هما البنية الاجتماعية والوعي الاجتماعي.

البنية الاجتماعية: هي بنية تقليدية أو أولية وهي تمثّل العوامل الموضوعية المحدّدة لشكل المشاركة المجتمعية ومستواها، فهي تستمدّ قوتها من قدرتها الفعلية على تلبية الحاجات الأساسية لأبنائها في الإطار التضامني للروابط الأولية، إذ تمنحهم أمنهم وهويتهم وتحافظ على ممتلكاتهم المادية والمعنوية، بينما تتعامل المؤسسات الاجتماعية الحديثة معهم بشكل براغماتي وانتهازي في كثير من الحالات، فتصور غالبية المواطنين عن هذه المؤسسات الحديثة ناتج بالدرجة الأولى عن مستوى الخدمات المقدّمة للأغنياء وذوي السلطة، ويتجسّد ذلك في أنّ سلوك الفرد في ممارسته العملية لا يكون أخلاقيا إلاّ داخل البنية الأولية بينما لا يتقيّد بنمط الأخلاق في المجتمع بصورة عامة.

الوعي الاجتماعي: ويظهر الوعي الاجتماعي من خلال القناعات التي يتمسّك بها أبناء الجماعات التقليدية، والتي تدور حول ضياع المكانة في حال عدم تقيّدهم بتلك التكوينات التقليدية.

إنّ الإشكالية المطروحة في تصوّرنا حول المشاركة المجتمعية ومختلف أشكال العمل الاجتماعي والأهلي تتطلّب التركيز على الأطر الاجتماعية الحاضنة للمشاركين، وبيان مدى قدرتها على تحديد أنماط وأشكال ومستويات مشاركتهم، "وبالتالي فمن الضروري التعرّف على المتغيّرات المحدّدة لنشاط القوى الاجتماعية في البلدان العربية، وهو يستلزم تسليط الضوء على آخر ما وصلت إليه خيوط نسيجنا الاجتماعي لننسج على منوالها" 16

إنّ تحقّق الاستقلالية الضرورية لمؤسسات الجهاز البيروقراطي للدولة مرتبط بدخول المجتمع في مرحلة يكون التغيّر فيها قد ارتفع إلى مصاف معطى دائم، لأنّ المشاكل والرهانات التي يواجهها المجتمع لن تكف عن التبدّل، الأمر الذي يستوجب أن تكون الأطر المؤسسية تتمتّع بدرجة من الليونة والمرونة في التعامل مع المتطلّبات الجديدة للبناء الاجتماعي، ومنه يمكن القول: إنّ الدولة في مجتمعنا العربي تعرّضت لسوء فهم مزدوج تمثّل:

- الأوّل في كون المجتمع العربي تعرّض لمجموعة من المشكلات مختلفة عن تلك التي واجهتها الدولة في المجتمعات الغربية.

- أمّا الثّاني فقد تجسّد في أزمة النظام الإقطاعي المتمثّل في ملكية الأغنياء للأرض في المجتمع الغربي، بينما في المجتمع العربي بقيت البنية القبلية والعشائرية هي المسيطرة على زمام الدولة،  في الوقت أيضا الذي حاولت فيه الدول الغربية دمج النخب الاقتصادية الفاعلة حاولت الدول العربية خلق اقتصاد صناعي وتجاري غير موجود أصلا.

وإذا كانت المجتمعات الغربية لم تواجه سوى نموا تدريجيا للمشاركة المجتمعية التي احتواها مجتمع مدني منظم، فإنّ المجتمع العربي واجه دفعة واحدة تفجّرا عنيفا لإرادة المشاركة المجتمعية خاصة منها المشاركة السياسية، والذي لم تستطع الولاءات التقليدية أن توقفه، فاحتالت عليه بعدّة طرق كان من أبرزها تأطيره في مؤسسات حديثة مع الإبقاء على مضمونه وآليات عمله كما هي، مما أوجد مؤسسات حديثة في أطرها تقليدية في مضمونها.

ويمكن إيجاز أهم مبررات استسلام التكوينات التقليدية لعملية التغيير هذه في:

لم يعد واقع المجتمع الدولي يسمح بأي نشاط اجتماعي لم يكن مؤطرا بأطر مؤسسية حديثة، مما دفعها للبحث عن أطر مؤسسية مناسبة.

أفرزت التغيرات الاجتماعية في بداية القرن الماضي شرائح اجتماعية جديدة غير مرتبطة بالتقسيمات الأولية للمجتمع، وهي تبحث بقوة عن مكان لها في الساحة الاجتماعية والسياسية ونعني بها الفئات الوسطى التي تطورت نتيجة تقسيم العمل والتخصّص.

إنّ استيراد الأطر المؤسسية الحديثة لم يتعارض مع المصالح القبلية والتقليدية، بحيث كانت داعمة وتوفيقية بين مصالحها ومصالح الفئات الجديدة، وهو ما يفسّر لنا عدم القدرة للانتقال من مستوى التأطير المؤسسي الحديث للمشاركة المجتمعية إلى مستوى الأداء المؤسساتي الأمثل لمختلف المؤسسات الحديثة المستوردة.

ويمكن القول: إنّ تمأسس المشاركة المجتمعية في الوطن العربي وفي الجزائر قد اقتصرت على المظاهر الخارجية للمؤسسات السياسية، وقد خضعت في ذلك لنوعين من المحدّدات، أوّلها يتعلّق بالقوى الاجتماعية، والثّاني يتعلّق بواقع المشاركة المجتمعية.

فالقوى الاجتماعية ما زال يغلب عليها التحرك وفق الولاءات التقليدية رغم مرور وقت طويل على دخولها في أطر المؤسسات الحديثة، أمّا بالنسبة لواقع المشاركة المجتمعية فهو يعاني من كثير من المشاكل، يمكن معالجتها من خلال أربعة مداخل لكلّ مدخل كلفة ومردودية معينة.

المدخل الأول: التّأثير في طبيعة النّظام السياسي، وهو ذو مردودية عالية غير أنّ كلفته السياسية ستكون عالية أيضا.

المدخل الثاني: التأثير في طبيعة البنى الاجتماعية: فإنّ كلفته ستكون أقل إلاّ أنّ مردوديته لن تظهر إلاّ على المدى البعيد.

المدخل الثالث:التأثير على دوافع المشاركة المجتمعية، فإنّ كلفته ستكون أقل إلاّ أنّ مردوديته لن تظهر إلاّ على المدى البعيد.

المدخل الرابع: إعادة النظر في الترتيبات المؤسسية، من خلال الانتقال إلى مستوى الجمعيات الأهلية  وهو المدخل الأمثل لتفعيل المشاركة المجتمعية من خلال هذه الجمعيات وكذلك تفعيل دورها الاجتماعي.

                ممّا تقدّم يمكن القول: إنّ عملية إعادة النظر بالترتيبات المؤسسية فيما يتعلق بالجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية يفترض أن يكون ضمن خطة شاملة لإعادة النظر في الترتيبات المؤسسية لمختلف الأطر المؤسسية الحديثة، سواء ما تعلّق منها بمؤسسات الجهاز البيروقراطي للدولة الحديثة، أو مؤسسات المجتمع المدني، فكيف تساهم منظمات المجتمع المدني في تفعيل المشاركة المجتمعية؟.

رابعا- دور منظمات المجتمع المدني في تفعيل المشاركة المجتمعية في الجزائر

عرف عقد الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي نشاطا ملحوظا للمنظمات غير الحكومية، فكانت بذلك إحدى التعبيرات المظهرية لعجز الأحزاب السياسية عن بلورة مشروع اجتماعي تغييري للأزمة الاجتماعية، تجدر الإشارة إلى أنّ ثمّة هناك تصورين أساسيين يؤسسان فلسفلة الحركات الاجتماعية الجديدة من خلال المنظمات غير الحكومية :

النموذج أ– تصوّر يدعو إلى الانخراط العملي في إعادة بناء المجتمعات النامية على أساس المساهمة إلى جانب الحكومات في إعادة تنمية الموارد الاقتصادية للدولة، مشجعة إياها على تفريغ إملاءات المؤسسات المالية الكبرى وعلى رأسها  ص.ن.دجمعية التويزة والتضامن..
النموذج ب – تصوّر يدعو إلى الانخراط الواعي والنقدي في إعادة بناء المجتمعات النامية على أساس المساهمة النقدية، ومحاولة الإحلال مكان الأحزاب المؤسساتية، والدعوة إلى خوض حملات تضامنية ضد سياسة التدمير الممنهج للثروات المحلية من طرف المؤسسات المالية الكبرى.

ولا خلاف بأنّ المجتمع المدني في معظم الدول العربية يتّصف بالهشاشة التي لا تحقّق نتائج ملموسة للتعاون بينه وبين المنظمات الحكومية وغير الحكومية، ومن العوامل التي أدّت إلى عرقلة هذا التعاون هو سيطرة الحكومة على الاقتصاد والعوائق التي تفرضها على منظّمات المجتمع المدني نظرا لقدرتها على تعبئة الجماهير، ونشر رأس المال الاجتماعي إلى جانب قيامها بتغيير الثقافة المجتمعية وممارستها للمساءلة الخارجية على السياسات والممارسات الحكومية، فضلا عن مساهمته في عملية التنمية الاجتماعية، حيث يعتبر الكثير من الباحثين أنّ المجتمع المدني هو الوسيط الاجتماعي للتنمية والتغيير والتحديث، والآلية الأساسية لتأطير المواطنين وتمثيلهم وضمان مشاركتهم البناءة في اقتراح الحلول الملائمة لمشاكلهم، وإيصالها إلى السلطات العليا بالطرق والأساليب الحضارية، ومن جهة أخرى يعتبر المجتمع المدني أداة ضبط وتصدي لأي تعسّف يصدر عن الدولة أو المسؤولين أثناء ممارستهم لمهامهم "ذلكأنّ التنمية عملية اقتصادية وثقافية وسياسية شاملة تستهدف التحسين المستمر لرفاهية السكان بأسرهم، والأفراد جميعهم على أساس مشاركتهم النشطة والحرة والهادفة في التنمية وفي التوزيع العادل للفائدة الناجمة عنه"17وقد دعت الكثير من المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة ترقية وتفعيل مشاركة المواطنين مع الحكومات في برامج التنمية الشاملة والاستفادة العادلة من الثروات مما يخدم السلم الاجتماعي والنمو الاقتصادي نظرا لما يمكن أن تقدمه المشاركة الفعالة للمواطنين من خلال تنظيماتهم الحرة والطوعية والمستقلة في ظل التحولات الكبرى من الاقتصاد الموجّه إلى الاقتصاد الحر، وذلك في إطار الشراكة والتكامل بين مؤسّسات المجتمع المدني والحكومة والقطاع الخاص، وهو الثلاثي الرئيسي للعملية التنموية.

ولقد أصبحت المنظمات غير الحكومية شريكا دائما وفاعلا في كلّ أنشطة وبرامج وسياسات الدول وتظهر هذه الفاعلية في الدول الغربية خاصة، والتي تتمتّع فيها منظمات المجتمع المدني بالتنظيم الرشيد والجو الديمقراطي والاستقلالية وإمكانية التمويل الذاتي على عكس منظمات المجتمع المدني في الدول العربية التي تعاني العديد من العوائق، أهمها التمويل والاستقلالية المالية وعدم توفّر الجو الديمقراطي الناتج عن عدم التأسيس السليم لهذه الأطر المؤسسية.

ونوّد الإشارة هنا إلى أنّ كثيرا من القوانين والإجراءات التي فرضتها الدولة على هذه المنظمات كان الغرض من ورائها منع استخدامها غطاء لنشاطات سياسية مثلا، وكلّ هذا قد أضرّ بالدرجة الأولى بالعمل الأهلي وذلك لأسباب تتعلق بانخفاض مستوى أداء مؤسسات الدولة عموما وعدم توافق هذه الأطر المؤسسية المستحدثة مع بنية وثقافة مجتمعنا وخصوصيته الاجتماعية والثقافية بشكل خاص، غير أنّه يمكن تحديد بعض الأدوار التي تقوم بها منظمات المجتمع المدني في الجزائر على وجه الخصوص في النقاط التالية:

ممارسة الديمقراطية وتجسيدها واقعا ملموسا سواء على المستوى الحكومي أم الشعبي. 

توسيع المشاركة المجتمعية في الحكم، وبالتالي تحاشي القرارات الفوقية المفروضة مركزيا دون مراعاة حاجات المواطنين ومشاكلهم المختلفة، وتمكينهم من الاطلاع على كلّ المعلومات.

مواجهة الآثار السلبية لسياسات الإصلاح الاقتصادي والتعديل الهيكلي على الجانب الاجتماعي كالبطالة والفقر والآفات الاجتماعية في المجتمع.

التعامل مع الفئات المهمّشة وإدماجها في المجتمع.

جذب المواطنين إلى قلب عملية التنمية المستدامة" وعليه فإنّ المجتمع المدني سواء كان نشاطه رعويا خدماتيا أم تنمويا دفاعيا يتوقّف على طبيعته من حيث مدى استقلاليته الداخلية وحسن تنظيمه وكفاءته المحاسبية والشفافية من جهة، وعلى طبيعة البيئة السياسية والاجتماعية التي يعمل في إطارها، وكذلك مدى اعتقاد الأفراد بأهمية المشاركة في إدارة شؤون بلادهم من خلال آليات الديمقراطية واحترام القوانين"18

استخلاصات ختامية

نعتقد من خلال الطرح السابق وفي ظل التوجه العالمي للانتقال نحو دولة الرفاه التي تستند إلى مركزية دور الدولة إلى دولة إعادة التوزيع التي تستند إلى أطر مؤسسية حداثية وإلى عملية المشاركة المجتمعية، والذي تتجلى بعض مظاهره في السياسة العامة لبلادنا من خلال إعادة النظر في دور الدولة في المجال الاجتماعي التضامني وخاصة أنّ الدولة أصبحت غير قادرة على تحمل عبء الخدمات الاجتماعية، وإذا علمنا أنّ هذه المؤسسات وجدت نفسها أمام مجموعة من المشاكل المتداخلة والمعقدة، فهي نتاج بيئة مغايرة للبيئة العربية والجزائرية على وجه الخصوص، إلى جانب صعوبة انسجام أدوارها وتوافقها كونها نتاج لبيئات غربية متعدّدة.

وإذا كان وجود الإنسان العربي يمكن تحديده بجملة من الحقوق منها حق التعليم، والعمل، والفكر، والتعبير واتخاذ القرارات، وحق الاجتماع وإنشاء الجمعيات، وتكافؤ الفرص والمساواة، فإنّ الحق في اختيار الحاكمين ومراقبتهم وعزلهم يقف في مقدمة هذه الحقوق"19،

إنّ تحقيق المشاركة المجتمعية في الدول العربية ظلّ بعيدا عن المستوى المطلوب، وربّما ما زالت العوامل الداخلية الدافعة لتغيير الأدوار والوظائف التقليدية غير متوفرة في الساحة السياسية والاقتصادية والاجتماعية،  بيد أنّ العوامل  الخارجية عاصفة وبقوة نحو تغيير تلك الأدوار مما يجعل السؤال ملحا عن مآل الدولة الوطنية في ظل رياح تلك العوامل ورياح التغيير والعولمة، أي ما هو مستقبل دولة الحداثة في الوطن العربي والجزائر خصوصا، وهي لم تؤد وظائف الدولة الحارسة وغير مهيأة لأداء أدوار الدولة التدبيرية والإدارة الذكية في ظل متغيرات عالمية عاصفة تلغي حدود الدولة الوطنية، وتفرض عليها وظائف جديدة أو مغايرة؟، وهل أعضاء المجتمع العربي مهيئون للمشاركة الفعالة والجادة في مختلف نشاطات ومجالات الحياة الاجتماعية بعيدا عن المصالح الشخصية والعلاقات التقليدية والقبلية؟

1- إفاية محمد نور الدين،الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة، نموذج هابرماس، إفريقيا الشرق، المغرب،ط2، 1998، ص 108.

2- عبد الفضيل محمود:ملاحظات أولية حول بنية وأزمة المجتمع المدني في الوطن العربي، من خلال أحمد شكري الصبيحي، مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2000، ص 29

3-  الصبيحي أحمد شكري، مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2000، ص 18

4- ديلو ستيفن، التفكير السياسي والنظرية السياسية والمجتمع المدني، ترجمة ربيع وهبة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ط1، 2003، ص 22

5- الصبيحي أحمد شكري: المرجع السابق، ص22

6- أبو حلاوة كريم، إعادة الاعتبار لمفهوم المجتمع المدني، عالم الفكر، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويتالعدد 31999، ص 10

7- الكنز علي، عن المجتمع المدني في المغرب العربي ،دار توبقال للنشر - المغرب ،ط1،1998ص 23

8-جابي عبد الناصر، النظام السياسي الجزائري ،المجتمع المدني بين الأزمة والإنتقال  دار توبقال للنشر، 1999، ص 39

9-  الجابري محمد عابد، المجتمع المدني تساؤلات وآفاق ، دار توبقال للنشر، المغرب، ط 1،1998، ص 42

10- أبو حلاوة كريم، المرجع السابق، ص 22

11- فهمي محمد سيد، المشاركة الاجتماعية والسياسية للمرأة في العالم الثالث، دار الوفاء للطباعة والنشر، الإسكندرية، ط1،2007،ص69

12- موريس أسامة، مبادئ الحكم الداخلي الديمقراطي في الجمعيات الأهلية، دليل تدريبي، ورشة عمل في الفترة من 1-2/12/2006القاهرة

3-Michel Bassad,Vincent Kaufman et Dominique Joye ; Enjeux de la sociologie urbaine,2001, 1ed ; Presses polytechniques et Universitaire,ch-1015,  Lausanne, p.98

14-فهمي محمد سيد: مرجع سبق ذكره، ص 69.

15- أحمد سفيان،  المؤسسات الاجتماعية والسياسية في الدولة الحديثة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1992، ص ص 43-44

16- شرابي هشام، البنية البطركية، ط1، دار الطليعة بيروت ، 1987،ص 48

17الأنصاري محمد جابر، تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 1995، ص 34

18-  خروع أحمد، حصيلة القانون الدولي للتنمية، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1998، ص 57.

19-قنديل أماني: المجتمع المدني في مصر في مطلع ألفية جديدة، مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2000، ص 108

Pour citer ce document

فيروز زرارقة, «دور المجتمع المدني في تفعيل المشاركة المجتمعية»

[En ligne] العدد 18 جوان 2014N°18 Juin 2014 مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales
Papier : pp : 21 - 31,
Date Publication Sur Papier : 2014-06-01,
Date Pulication Electronique : 2014-06-23,
mis a jour le : 26/06/2014,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=1174.