مقاربة ما بعد وضعية لأشكال القانون في المجتمع المعاصر
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 19 ديسمبر 2014 N°19 Décembre 2014

مقاربة ما بعد وضعية لأشكال القانون في المجتمع المعاصر
pp : 36- 57

مراد بن سعيد
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

يهدف هذا البحث إلى محاولة إدراك العلاقة بين القانون والحوكمة في عصر العولمة وفق الشروط الجديدة التي توفّرها التطوُّرات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية الراهنة. وبناءا على ذلك سوف نقوم بكشف التحوُّلات التي طرأت على مفهوم الحوكمة وانتقاله من المستويات الدولاتية الوطنية الدولية إلى المستويات العالمية المجتمعية، وتداعيات ذلك على الترتيبات القانونية الناشئة والمحددات الأساسية لمفهوم القانون غير الدولاتي. إن معرفة الترتيبات القانونية المعاصرة تحيلنا إلى تحليل العلاقات المتبادلة بين الحكم العالمي والقانون وذلك من خلال جانبين  أولهما، تأثيرات القانون في الحوكمة العالمية وهو ما يُنتج ترتيبات قانونية جديدة في شكل تجزؤ أو تهجين للقانون، ثانيا، تأثيرات الحوكمة العالمية في القانون وهو ما ينتج ترتيبات قانونية جديدة أيضا في شكل ترتيبات شمولية جديدة أو نشاط خارج القانون.

الكلمات المفتاحية: القانون، ما بعد الحداثة، التعددية القانونية، العولمة، الترتيبات القانونية المعاصرة، الحكم العالمي.

Le but de cette recherche est de comprendre la relation entre le droit et la gouvernance à l'ère de la mondialisation dans les conditions des développements politiques, économiques, sociaux et culturels. Pour cela, nous allons montrer les transformations de la notion de gouvernance des notions étatiques internationales vers l’espace transnational sociétal, et les implications pour les configurations juridiques émergentes et les déterminants sous-jacents de la notion de droit non-étatique. La connaissance des configurations juridiques contemporaines permet d’analyser les interrelations entre la gouvernance mondiale et le droit à partir des effets du droit sur la gouvernance mondiale, et qui produit la fragmentation ou l'hybridation du droit, et des effets de la gouvernance mondiale sur le droit qui produit l’activisme hors droit ou des configurations néo-totalitaires.

Mots clés : Droit, Post-Modernisme, Post-Positivisme, Pluralité Juridique, Projets Normatifs

to The aim of this article is to provide perceptions of the relationship between law and governance in the age of globalization, based on the contemporary political, economic, social and cultural transformations. To do so, the researcher will demonstrate the transformations of governance from statist and international to global and societal levels, the implications of these transformations on legal configurations, and the basic features of the concept of non-state law. Understanding contemporary legal configurations paves the way analyzing the relationship between global governance and law through the influence of law on global governance that produces the fragmentation or hybridization of law, and the influence of global governance on law that can be in the form of neo-totalitarian arrangements or extra-legal activism.

Keywords: Law, Post-Modernism, Post-Positivism, Legal Pluralism, Normative Projects

Quelques mots à propos de :  مراد بن سعيد

أستاذ محاضر " أ"قسم العلوم السياسية، كلية الحقوق جامعة الحاج لخضر، باتنة

مقدمة

تثير التطوُّرات التي عرفتها المنظومة المعيارية للمجتمع مجموعة من التساؤلات المتعلقة بمستقبل الظاهرة القانونية بعد الدولة القومية، وأهم سؤال يمكن الانشغال به هو مدى استقلالية القانون عن الأنساق الاجتماعية. إن السياق العام الذي يأتي في إطاره هذا البحث، ينبع أساسا من الانشغالات المتعلقة بالظروف التي وفرتها ظواهر العولمة والخصخصة في مجال الضبط القانوني، حيث أن التوجهات التعاقدية للأنظمة القانونية، والأنماط الجديدة للإنتاج المعياري وتطبيق القانون، التي يمكن أن توصف بمساعي لخصخصة القانون، قد تثير العديد من التساؤلات حول فرضية إمكانية أن يعيد "التاريخ" نفسه، وأن يكون إطارا لتحليل التطورات الراهنة. إن عدم التوازن الذي عرفته ظاهرة العولمة في شقّيها السياسي والاقتصادي، وبروزها في شكل عولمة اقتصادية هيمنت على المشاريع الضبطية العالمية، قد تطرح لدى البعض إمكانية أن يأخذ "الاقتصاد"- كعقلانية إنسانية- مكان السياسة والمنطق الدولاتي الذي عرفته مرحلة الحداثة، وينشأ "تصادف" جديد للاقتصاد واللادولة مكان "تصادف" الحداثة والدولنة، وبهذا يمكن أن تكون ظروف نهاية القرن 19كإطار تحليل لظواهر بداية القرن 21، ولتحليل العلاقة بين النسق القانوني، النسق السياسي والنسق الاقتصادي كمظاهر أساسية للظاهرة المعيارية.

لقد تفكّكت كل أنظمة الدولة القومية، بعد أن كانت الدولة بمؤسساتها موضوعة وسط الأمة من أجل الضبط السياسي والاجتماعي وفق منظور هرمي تدرجي وآليات سلطوية تحكمية آمرة، وفي إطار مشروع حداثي يمجد العقل ويضع الفرد كوحدة للتحليل. وبهذا عرف المجتمع منتوجا قانونيا، عاما أو خاصا، يتحدد وفق متغير وحيد على مستوى الإنتاج أو التطبيق وهو الدولة القومية كرهان موحد وممأسس لكافة المجتمع.

وفي ظل غياب تجارب سابقة يمكن أن يهتدى بها في رسم معالم الفضاء السياسي والقانوني الجديد، وذلك بفعل عدم كفاءة التصورات القانونية ما قبل الدولاتية على تزويدنا بمادة يمكن أن تفيدنا في عملية إعادة بناء هذا الفضاء غير الدولاتي الجديد. فقد ظهرت العديد من المنظورات التي تحاول نسج خيوط هذا العالم وتباينت من حيث موقفها من مؤسسة الدولة، من آراء لم تستطع إدراك عالم قانوني من دون الدولة، وهي بهذا قررت إضفاء الطابع الدولاتي للعالم ما بعد الدولاتي. وآراء أخرى اتخذت مواقف راديكالية ولم تلتفت حتى للاعتراف بالحقبة الدولاتية الحداثية التي عاشها الإنسان، وهي بهذا تؤكد قدرة المجتمع على إثبات النظام الاجتماعي بدون وجود إطار قانوني معياري يتوحد تحت قيم ورهانات الدولة. إن هذه المنظورات واختلافاتها الجذرية تدفعنا إلى التساؤل حول سيناريوهات التطورات المستقبلية للمنظومة المعيارية، والبحث عن الصيغ القانونية المثالية، التي تتناسب مع مرحلة ما بعد الدولة، وتتدارك الأخطاء التاريخية التي اقترفها الضبط القانوني الدولاتي لمرحلة الحداثة.

إشكالية الدراسة

إن تجزؤ المجتمع إلى تعدد لا متناهي من القطاعات الاجتماعية يتطلب تعددا في منظورات الوصف الذاتي لهذه القطاعات، وعلى هذا الأساس، عرفت منظومة الضبط القانوني تطورا راديكاليا بعد التأثيرات البالغة الأهمية لفكرة التقنين التي تعرفها كل مجالات الحياة، ولعلاقة هذه العملية بمختلف الأنساق الجزئية للمجتمع إلى جانب النسق الجزئي القانوني. مما أدى إلى نشوء عدة اتجاهات أكاديمية تؤيّد فكرة أساسية واحدة وهي البناء الاجتماعي للواقع القانوني.

إن الفهم الجيد لعمليات الضبط القانوني في المرحلة الحالية يمكن أن يساعد في استيعاب التصوُّرات والترتيبات القانونية الناشئة، إن الإشكالية التي يتضمنها هذا البحث تتحدد في الانشغالات المتعلقة بالتحولات التي عرفها المجتمع المعاصر من خلال منظومة القيم ما بعد الحداثية، وما لحقها من تأثير واضح في المنظومة القانونية للمجتمع على أساس أن القانون ما هو انعكاس لقيم المجتمع ومعاييره، خصوصا مع التحولات الابستيمولوجية التي صحبت ما بعد الوضعية، والمتعلقة بالمنظورات البنائية، التي تؤكد على البناء الاجتماعي للواقع. وعليه ما هي أشكال الترتيبات القانونية الناتجة عن مرحلة ما بعد الحداثة وفق الابستيمولوجيا ما بعد الوضعية؟ 

من خلال هذه الإشكالية العامة، تثار مجموعة من التساؤلات التي تستدعي التوقف عندها من أجل تفكيك مشروع إعادة بناء نظرية قانونية لمرحلة ما بعد الحداثة، يمكن إجمال هذه التساؤلات في الآتي:

•   ما هي طبيعة العلاقة بين القانون وما بعد الحداثة؟ وإلى أي مدي يمكن أن تكون ملائمة للمنظومة المعيارية للمجتمع؟

•   كيف يمكن تصور الترتيبات القانونية في مرحلة ما بعد الحداثة؟     

•   كيف يمكن للقانون أن يبتعد عن المنطق الهرمي "الكلسني" نحو منطق شبكي متعدد الاتجاهات والمستويات يعبر عن كل العقلانيات المجتمعية؟

فرضيات الدراسة

إن الإجابة عن هذه الإشكالية تعتمد على البحث المعمق في عدد من جوانب الموضوع، وتنطلق من ثلاث فرضيات أساسية: أولا، إن الإطار الأبستمولوجيا لمرحلة ما بعد الحداثة المتمثل في الأبستمولوجيا ما بعد الوضعية سوف يغير من أشكال القانون ليضعها كظواهر غير خطية لا يقينية، تتماشى مع مفاهيم الحقيقة المبنية مقابل الحقيقة المعطاة، والمواضيع غير المركزية مقابل المواضيع المتعالية. ثانيا، بفعل ظهور فواعل جديدة قادرة على إنتاج وتطبيق القانون إلى جانب الدولة، فإن الإشكال القانونية لمرحلة ما بعد الحداثة تتجه نحو نقد القانون التدرجي السلّمي الكلسني (نسبة إلى هانس كلسن)، وعليه يتصف القانون ما بعد الحداثي بتعددية المراكز وعدم وجود مركز مهيمن (الدولة) يمكن أن يشمل مراكز القرار الأخرى (المجتمع). ثالثا، وكنتيجة للفرضيتين السابقتين، بسبب عدم قدرة الدولة القومية على ضبط المجتمع من خلال القانون الدولاتي الذي عرفته مرحلة الحداثة، فقد ظهرت فواعل مجتمعية أخرى، محلية، وطنية وفوق قومية، قادرة على إنتاج وتطبيق القانون وفق استقلالية مطلقة بالنسبة للإرث المعياري الدولاتي.

من أجل الإجابة على إشكالية البحث سوف يتم تحديد الإطار المعرفي والمنهجي للبحث بطريقة تتماشى والتطورات الأكاديمية في هذا المجال، وإثبات تناغم وتجانس بين موضوع ومنهج المعرفة العلمية. حيث أنه على المستوى المعرفي، سنستعين بمقاربة معرفية بنائية لإعادة البناء بعد حالة التفكيك التي عرفتها نظرية القانون التقليدية المتمركزة على الدولة، هذا البناء الذي يتم وفق منظور ما بعد بنيوي للمعنى، ليضع القانون كذات معرفية تحاول بناء مشروع بكل استقلالية، وليس إعطاء حقيقة متعالية ومنفصلة، لتطور علاقتها المتزامنة غير الثابتة مع موضوعها، مما يستبعد أية قواعد أنطولوجية للموضوع، وإنما يضعه في حالة دائمة لتقريب المعرفة من الواقع. وعليه فإن المنظورات ما بعد البنيوية وما بعد الحداثية سوف تكون مهيمنة على تقييم ذات القانون لما بعد الدولة، وذلك وفق الفرضيات البنائية الأساسية، وخاصة الفرضية التفاعلية، التي تؤكد على تطور العلاقة بين الذات والموضوع من المنظور الديكارتي التحليلي إلى المنظورات البنائية المشاريعية، وهنا يكون الدور الأساسي للذات العارفة في إنتاج المعرفة ويعطي لميدان البحث أبعادا بيذاتية (Intersubjective) من جراء التفاعل غير القابل للفصل بين الذات والموضوع، فالمعرفة ما هي إلا تفاعل بين الذات والموضوع في إطار مشروع معين.

إن الوصول إلى نوع من هذه النمذجة لسيناريوهات تطورات القانون في المجتمع المعاصر سيفيد في توفير شروط القيادة لمجتمع متغير جذريا، ما بعد حداثي وما بعد دولاتي، يشهد سقوط النقطة العمياء لكل التطورات التي عرفها المجتمع الإنساني منذ نشوء الدولة الوطنية، لكن وبعد سقوطها لصالح فواعل جديدة، فإن الوقائع تغيرت والإجابة عنها سوف تتغير. كذلك ستساهم هذه الدراسة في تدعيم المكتبة العلمية بمثل هذه العناصر، والتي قد تفتح آفاقا جديدة في مجال دراسة الظاهرة المعيارية في مختلف الدراسات الاجتماعية الأخرى وفق المنظورات عبر المناهجية الحديثة. وهنا يجب التأكيد على الطابع النظري لهذا البحث، حيث أنه لا يدخل في إطار علم الاجتماع القانوني، نظرا للأبعاد عبر المنهجية للبحث، ولا يدخل كذلك في إطار فلسفة القانون وما يجب أن يكون عليه القانون، بل يمكن إدراج هذه الدراسة في إطار محاولة لتأسيس النظرية القانونية المعاصرة لتفسير مظاهر وأشكال الظواهر المعيارية ما بعد الدولاتية.

المبحث الأول: معالم نظرية القانون لمرحلة ما بعد دولة الرفاه

إن عملية ضبط التعدد كوحدة مع احترام تنوُّعه تحمل صعوبة كبيرة، لأن عملية وضع المعايير تحمل أثرا تعميميا، أي أنها تهدف إلى تعديل السلوكات. وقد رأينا فيما سبق أن هذا التعديل يؤدي إلى إنكار صفة التعددية الأصلية في مواضيع الضبط، وعليه فلا يمكن لنا أن نؤمن بضرورة قمع التنوع من أجل تنظيم وترتيب التعدد، هذا ما ذهب إليه Serge Dieboldمن خلال اعتباره لمحاولات أوروبا التقنينية (Ius Commune،Juris Canonic،Code Napoleon) أسبابا مباشرة في تعقيد الأنظمة القانونية والدخول في حالات جيوسياسية1.

إن ضبط الشبكات الشاملة المتعددة العُقد المحلية (ذاتية الضبط) يبدو عملية صعبة المنال، ويجب أن يكون من طبيعة خاصة، على اعتبار القاعدة السيبرنيطيقية التي تقول أن التعددية الضبطية يجب أن يقابلها تعدد في ذوات الضبط كذلك، وعلى أساس التنافر القائم بين ضبط الشبكات الشاملة كنسق كلي وما يستدعيه من معايير متعالية، وضبط العُقد الفردية على المستوى المحلي وما يتضمنه من تجزيء ونزع للتمركز المعياري، مما يؤدي بنا إلى القول أن الضابط حامل المعايير غير ممكن التنبؤ به وغير قابل للتحكم فيه، حيث إن هذا التنافر نراه من خلال النزاع القائم بين القانون الدولاتي والقانون غير الدولاتي فيما يخص مفهوم التعددية القانونية وعلاقتها بتكوين المعايير.

الفرع الأول: تعددية قانونية بعد دولة الرفاه

نظريا تبقى الدولة هي المحتكر الوحيد لعمليات تكوين المعايير، لكن في الممارسة نرى المجتمع بكل خطاباته يمثّل مصدرا أساسيا لهذه العملية، ما يحتّم حتى إعادة النظر في مفهوم القانون – ذي التقليد الدولاتي-في حد ذاته.

في إطار عمليات إعداد القانون، فإنه يجب احترام المعايير العليا في إطار مبدأ تدرج القوانين، وبهذا يكون النظام البديهي مشروط بمجموعة من الأهداف محددة بوضوح من الجهات العليا، لكن على العكس من ذلك، فإن الأفعال الاجتماعية يمكن لها أن تكوّن معايير قانونية بدون الرجوع إلى نص قانوني محدد، وعليه فإن القانون هنا ليس هو الذي ينشأ من الأهداف الثابتة ولكن هذه الأهداف هي التي تصحح وتعدل عن طريق ترجمة واسعة للقانون الدولاتي2.من هنا يظهر مفهوم العدالة مفهوما مهما جدا في عمليات تسوية القانون مع الأفعال الاجتماعية على حساب القيم المختلفة التي قد يحملها هذا المفهوم.

ماذا عن مفهوم العدالة في إطار قانون دولة الرفاه؟ المفهوم الذي أدى إلى اعتبار الظاهرة المعيارية خارج التدرج ليست بقانون لكنها مجرد فعل اجتماعي؟

يلتقي كل التفكيكيين مع حركة الدراسات النقدية القانونية عند التساؤل التالي: ما هي المصالح التي يخدمها القانون؟ كيف يمكن للقوى فوق القانونية غير المتوازنة: الطبقة، الجنس، النوع الاجتماعي أن تكون منعكسة في عمليات مؤسسة ما تدّعي أنها محايدة وطبيعية أكثر من السياسة والمواقف المختلفة للحياة اليومية؟3.

وهنا يجيب Derridaعلى هذا التساؤل إجابة مزدوجة من خلال العلاقة بين القانون والعنف من جهة، والقانون والعدالة من جهة أخرى، حيث أن القانون حميميا مرتبط بالقوة، فلا يوجد قانون إذا لم يكن هناك فعل مفروض، إذا لم تكن هناك شرطة وجيش وسجون لمعاقبة وردع الانتهاكات المحتملة الوقوع. بهذا المعنى فإن القوة والتطبيق هما جزءان من جوهر المشروعية. إن القانون الحديث يأتي من العداءات غير المنتهية للأمراء والرؤساء المحليين المتمتعين باحتكار العنف في أقاليم سلطاتهم، ويستخدمونه من أجل حمايته أهداف ووظائف قانونية، لكن أيضا من أجل حماية إمبراطورية القانون في حد ذاته. إن هذا العنف الذي يلي القانون بشكل دوري ويشكل الخلفية ضد أي تفسير يمكن أن يواجه إلزامية القانون4. من جهة أخرى فهو يعلن أن التفكيك عدالة، حيث أن العدالة مثل التفكيك تمثل تجربة المستحيل، إنها نداء لعلاقة سياسية وأخلاقية معينة للآخرين، الشيء الذي لا يمكن أن يدرك ويحقق من خلال القانون وتتجاوز مطالبه أي اختزال في القوانين5.

وبهذا يتضح أنه لا وجود لقانون يدون تطبيق لكن القوة اللازمة لعملية القانون هي ممارسة باسم العدالة، وهنا يتضح لنا الشطر الثاني من إجابة Derrida، الظهور ذاته للعدالة والقانون واللحظة المؤسسة والمبرزة التي أنشأت القانون تشير إلى عملية إنجاز قوة، التي هي دائما قوة تفسيرية، أين القانون يبقى على علاقة داخلية معقدة نناديها بالقوة، السلطة أو العنف، كذلك فإن اللحظة ذاتها لنشوء وتشكيل العدالة، التي هي ليست في كل الأحوال لحظة مكتوبة في النسيج المتجانس للتاريخ، لكونها قد مزقت إلى أجزاء بقرار واحد6. إن العملية التي تسعى لبلوغ تأسيس، تدشين، تبرير القانون وصنعه، لابد لها أن تشمل ضربة قوة، عنف إنجازي وتفسيري الذي هو ليس عادل ولا غير عادل، ولا توجد عدالة ولا قانون سابق بلحظة تأسيس سابقة يمكنه أن يضمن أو يناقض أو يبطل7.

 في السياق ذاته، يذهب Robert Coverإلى أبعد من ذلك في إطار نظرته الراديكالية للموضوع8، رغم أنه لم يشترك بشكل واضح في أي برنامج أكاديمي للتعددية القانونية، وكان هدفه النظريات القانونية كأدبيات وتفسيرات قانونية مجردة، إلا أنه عُرف بنظرة ضد دولاتية من خلال ميوله التعددية الواضحة. لقد حاول Coverتأسيس علاقة متأصلة بين قانون الدولة والعنف، وحجته في ذلك أن قانون الدولة يعمل باستخدام العنف لترسيخ ذاته كنظام معياري شرعي وحيد في مقابل الأنظمة المعيارية، وهنا يؤكد على كيفية قيام الدولة بتنظيم العنف الخاص بها بطريقة تدريجية ممأسسة، وهذا ما يؤكد استحالة التفسير القانوني وإثراء المعنى القانوني في وجود الدولة واستعمالها للعنف9.

لقد نبّه Rudolf Wietholtnerإلى فشل القانون في إمكانية وصوله إلى مفهوم القانون العادل، فليس هناك شك أنه اليوم يحصل تجديد نموذجي لمنزلته الاجتماعية والتاريخية، وهنا يظهر وكأن هناك اتجاه نحو النقاش الطويل والمستمر على ما يسمى بفشل السوق و/أو فشل السياسة، وذلك للاقتراب من اتفاق عام بأنه في الأساس يوجد فشل للقانون وهو الذي يحرّك هذا التجديد10.

إن هذا الفشل ناتج أساسا من التحول التاريخي نحو مفهوم الحوكمة وما نتج عنه من تحول للنموذج المعرفي القانوني نحو مفهوم الإجرائية، مفهوم اعتمد لأول مـرة من طـرف Wietholtnerللدلالة على البناء الاجتماعي عن طريق خلق المعايير الكافية والإجراءات التي يرعاها القانون11، وقد تحدث عنه Hebermasعندما دعى إلى تحوُّل إرشادي من النموذج الجوهري إلى الإجرائي وملاحظته للديالكتيك القائم بين القاعدة القانونية وتطبيقها، أي التحسين الإجرائي للقرار، وبهذا فإن القانون في إطار النموذج الإجرائي هو نتيجة لاتخاذ قرار غير ممركز، والحوكمة يمكن أن توصف كرد فعل لفشل السوق؛ الدولة والقانون، وكنتيجة للطبيعة المجزأة والهجينة متعددة المستويات لعمليات تكوين المعايير العالمية المستقلة12

هذا المفهوم للضبط في صورته غير الممركزة أو متعددة المراكز أو حتى العُقدية تعترض أية نظرية حوكمة تركز بالدرجة الأولى على الدولة، بحيث يتم الانتقال إلى نموذج الديمقراطية التوافقية التي تؤدي إلى أشكال كثيفة من الإجرائية-عكس الديمقراطية الليبرالية، مما تكون له علاقة مباشرة بنظرية Habermasحول الديمقراطية التوافقية والقانون الإجرائي والارتباط القوي مع أفكار Teubnerحول الدور المتغير والمتعدد في الحوكمة المعاصرة.

حتى أن النظريات الفلسفية للعدالة لم تكن ذات أبعاد تاريخية واجتماعية كافية حيث نجد Rawlsو Habermasيتصوران أن العدالة بدون تاريخ وبدون مجتمع على الرغم من أنها يدعيان إعادة صياغة المفهوم الكانطي للعدالة تحت الشروط التاريخية الراهنة، عن طريق تحديد المكونات الأساسية للعدالة: المبادلة؛ العالمية؛ الإجماع والرشادة13.

لكن تبعا لتحليلات LuhmannوDerridaفإننا نحتاج إلى استبدال هذه المكونات بأخرى موازية تعبر عن لا تناظر خصوصي بين هذه المكونات ومفهوم العدالة، لا يعبر عن المعايير المجردة المؤسِّسة لمبدأ المبادلة بين المخلوقات الإنسانية وعالميتها، والذي يشكل أسس المجتمع العادل، وإنما يؤكد على مبدأ التعددية السياقية وما ينشأ عنه من بنى اجتماعية عالية التجزؤ قائمة على تمييزات ثنائية، فالمجتمع لم يعد يعبر عن فكرة أنه يمثل نتيجة مباشرة للتفاعلات الفردية، والعدالة لم تعد مستندة على عالمية مبدأ المبادلة بين لأفراد14، فكل النظريات المؤكدة للتعددية الخطابية المميزة للمجتمع الحالي15، تجعلنا نقول أن العدالة لا يمكن أن تحقق بالرجوع إلى عقل واحد: إلى المبادلة والعالمية16،كذلك وعكس مفهوم الإجماع الذي نادت إليه نظريات العدالة السابقة الذكر (النظريات النيوكانطية)، فإن المفاهيم الاجتماعية تركز على العلاقة الجوهرية بين القانون وبيئته، وتعيد توجيهه إلى إشكالية كفاءته اتجاه العالم الخارجي، ما يؤدي إلى فهم الطبيعة الحقيقية لممارسات العدالة على أساس أنها تعالي ذاتي ضروري لكن مستحيل لمبدأ الانغلاق العملياتي للقانون، وهو ما يحتم نظرة تناقضية للقانون على شاكلة تصادف الأضداد(Coincidentia Oppositorum)17. أخيرا، فإنه وعلى عكس مبدأ العقلانية الذي تؤكد عليه النظريات النيوكانطية فإن تحاليل Luhmannو Derridaللفشل التاريخي للقانون تؤكد على مفاهيم المتاهة (Aporias) وتناقض القرارات القانونية18.

إن العدالة القضائية عملية تمييزية، عن طريقها يعمل القانون على تخريب ومقاطعة ومنع التكرارية الروتينية للعمليات القانونية، وبعد جعل القانون ذاتي التعالي، فإن العدالة تجبر القانون على العودة إلى ذاتها ومتابعة عملياته تحت قيود هائلة، وبهذا يتم تكوين لا عدالة جديدة، أي عدالة ذاتية الهدم19، إن العدالة يجب أن تفهم كممارسات هدامة للتعالي الذاتي للقانون، والتي تم إهمالها في النظرية والفقه الرسميين، ويجب أن ننظر إليها على أساس أنها الوصف الذاتي للقانون الذي يعوّض جهوده الخاصة، لأنه في إطار تحقيق هذه الجهود يقوم القانون بخلق لا عدالة جديدة.

إن هذا التناقض ما بين الوصف الذاتي (المرجعية الذاتية) للقانون والمرجعية الخارجية له اتجاه مفهوم العدالة، يحتم علينا ضرورة العمل على استرجاع مفهوم المشترك، هذا المفهوم الذي يراه  Antonio Negriبأنه أساس وجود الفردانيات، والذي يمكن أن يعرّف على أنه التعدد غير القابل للنقصان، أو مجموع المفردات التي تنشط في إطار المشترك20. إن عملية استرجاع المشترك التي نراها في إطار مفهومه وبعده المتفاضل وظيفيا تكون في شكل صلاح سياسي مشترك؛ رفاه اقتصادي مشترك وعدالة قانونية مشتركة21، وبهذا تصبح العدالة هي المشترك الذي يرهن وجود التعدد، هذا التعدد الذي يبقى يحتفظ بفردانياته المختلفة في سبيل أن يصبح مشتركا22.

إن الاعتراف بمفهوم العدالة والقانون على هذا النحو، يؤدي إلى نتيجتين أساسيتين، لهما علاقة مباشرة بمفهوم التعددية القانونية ما بعد الدولاتية، التي تتوافق مع التعددية الضبطية لهذه المرحلة: ضرورة تبني مفهوم جديد للقانون مخالف لمفهوم القانون الدولاتي، وتبنى كذلك مفهوما جديدا للتعددية القانونية تتعدى مفاهيمها في إطار المنظورات الدولاتية.

يقترح Jean-Guy Belleyتبيين مفهوم عام وعملي للقانون يأخذ بعين الاعتبار أبعاد الحقائق الاجتماعية للقانون بدلا من مفهوم مرتكز حصريا على القانون الدولاتي، ويتسع لكل الممارسات الضبطية الاجتماعية23، حيث أنه تاريخيا نجد الأعراف والشرائع كانت قبل نشوء الدولة الوطنية الحديثة ودولة القانون24، وفي كل المجتمعات ما بعد الكولونيالية ومتعددة الثقافات، فإن العديد من الأعراف والقوانين الدينية بقيت موجودة جنب إلى جنب مع قانون الدولة في مستويات متفاوتة من الاعتراف والتفاعل مع القانون الرسمي، كذلك في الدول الفدرالية ليس هناك فقط تطبيق موازي لقوانين السكان الأصليين، لكن في بعض الحالات نجد القوانين المحلية والإقليمية تتفاعل، وأحيانا تتنازع مع القانون الوطني. كذلك فيما يخص المجموعات فوق الوطنية مثل الإتحاد الأوروبي أين التعددية القانونية واضحة بشكل أكبر. إن مفهوما موسّعا للتعددية القانونية يذهب إلى ما بعد ما يمكن أن يطلق عليه اسم قانون، فالعديد من أنظمة القواعد في المجتمع الراهن والأنظمة المعيارية والأنظمة الرمزية يمكن أن توصف على أنها قانون، فالعائلات، المؤسسات والمجموعات الدينية يمكن لها أن تنتج قواعد وأعراف تؤثر في سلوك الناس ووعيهم كما يفعله القانون الرسمي25.

في إطار هذا التحوُّل إلى مفهوم التعددية القانونية تقدّم E. Merryمجموعة اقتراحات توجه النظرية القانونية على ضوء الاعتراف بتشتت الظاهرة القانونية26:

§   إن النظرية القانونية يجب أن تبتعد عن أيديولوجية المركزية القانونية التي تؤكد دائما على أن النظام القانوني الشرعي الوحيد هو النظام المنتج والمطبق من طرف الدولة.

§  لكي نتمكن من إنجاز هذا المبتغى، يجب أن يتم فهم القانون وفق أسلوب تاريخي وليس تصوُّري، حيث أن تحديد جوهر القانون أو العرف هو أقل قيمة من تحديد مواقع هذه المفاهيم في علاقات بين أنظمة قانونية معينة وفي سياقات تاريخية معينة.

§   يجب التوقف عن فهم القانون كمجرد مجموعة من القواعد والبدء في إدراكه كنظام للتفكير.

§   إن التفكير القانوني التعددي تحت الشروط المذكورة أعلاه يسهّل دراسة الأنظمة الاجتماعية في حالات غير نزاعية.

§   أخيرا، فهم الترابطات ما بين مختلف الأنظمة القانونية يمنحنا طريقة تفكير جديدة في فهم علاقات الهيمنة الاجتماعية.

إن التعارض السالف الذكر بين القانون الدولاتي وغير الدولاتي يمكن تعديه وسد الفجوة ما بين المعايير والأفعال عن طريق الإقرار بمضمون متغير للعدالة من أجل تسوية العلاقة بين المفهومين، فإذا كان المنظور الدولاتي يضمن مفهوما عالميا للعدالة وما نتج عنه من مبادئ تدرجية تعزل الأفعال الاجتماعية عن الظاهرة المعيارية، إلا أنه في إطار الحقائق ما بعد الدولاتية فقد تم الاعتراف بمعيارية الأفعال الاجتماعية على خلفية التفكيك الذي تعرض له مفهوم العدالة الدولاتي.

لكن هذا التحول لا يجرنا إلى نظرة اختزالية تكرر نفس خطأ النظرة الأولى بل يجب الأخذ بعين الاعتبار العلاقات القائمة بين مفاهيم المشترك والفردانيات، حيث أن أهداف المشترك الموضوعة مسبقا تكون كمرجعية خارجية لأهداف الفردانيات المستقلة، هذه الأخيرة التي تتمتع بصفة المرجعية الذاتية والتعالي الذاتي، ولا تقبل إلا أن تحقق أهدافها الخاصة.

في هذا الإطار يفضل Teubnerتعبير التكوين المتبادل لوصف الطريقة التي من خلالها تعطي الأنظمة القانونية الدولاتية قيمة لبعضها البعض وهو يضع ثلاثة شروط لذلك:

أولا/ وضد كل المزاعم الأخيرة حول تشويه التمييز ما بين القانون/المجتمع، فإن حدود المعنى التي تفصل خطابات منغلقة يجب أن يتم الاعتراف بها.

ثانيا/ التكوين المتبادل لا يجب أن يُفهم على أنه نقل للمعنى من مجال لآخر، لكنه يحتاج أن يُلاحظ كعملية بناء داخلية.

ثالثا/ القيود الداخلية التي تجعل التكوين المتبادل انتقائي بدرجة عالية يجب أن تُؤخذ بعين الاعتبار27.

إن التعدية القانونية ما بعد الدولة تعمل على تصحيح المفهوم الوحدوي لحدود القانون الدولاتي، الذي يخفي عنها مجالات معينة أين القانون الرسمي وقوانين أخرى وأنظمة ضبطية تتفاعل فيما بينها، وربما يرجع سبب قوة ونجاح دراسة الحوكمة والضبط إلى عدم اهتمامها بالقانون بقدر ما تحاول فهم هذه التفاعلات بطريقة أمبريقية.

إن هذا الفهم الإمبريقي للميكانيزمات الاجتماعية المتعددة للرقابة والضبط يؤدي على التساؤل حول المدى الذي يكون فيه القانون والضبط الدولاتي متجاوبا لهذا العدد، إن هذه الأسئلة المعيارية تبدو مهمة في عالم متميز برأسمالية عالمية ونزاعات ثقافية ودينية يشكك في قدرة المثاليات الليبرالية لدولة القانون الديمقراطية على ضبط ورقابة ممارسة السلطة وتقديم إطارا لحوكمة عادلة.

الفرع الثاني: نظرية لإعادة بناء المشاريع المعيارية المختلف

تقدّم نظريات القانون التجاوبي والانعكاسي منظورات جد متقاربة في محاولاتها لإعادة التفكير في القانون ما بعد الدولة، والإحاطة والتفسير المعياري للتعددية الاجتماعية، وتبني منظور يسمح بالنظر إلى القانون على أساس أنه مبني اجتماعيا، ولكنها تختلف حول الأدوار المتوقعة للقانون التعددي.28

بالنسبة لمفهوم القانون التجاوبي عند Philip Selznick، فإنه يقترح بأن القانون يجب أن يساهم في نشر القيم الجوهرية الواسعة عبر نطاق المجالات الاجتماعية المستقلة والمضبوطة ذاتيا29، أما بالنسبة لأطروحة القانون الانعكاسي، كما وضعها Teubner30. فهي تقترح بأن القانون يجب أن يساهم في تحفيز عمليات التنسيق الاجتماعي التي يستطيع الناس عن طريقها العمل بصورة تعكس قيمهم ومعاييرهم، وهنا تُطرح قدرة القانون على الإجابة على تغيّر شروط التطبيق الضبطي وإجرائية القانون31، وبهذا فإن القانون الانعكاسي يروّج إلى فكرة انفتاح القانون لمختلف العقلانيات الاجتماعية المتنوعة والمتنافسة في إطار مجتمع متفاضل بشكل عال وفق خطوط وظيفية.

إن هذه المفاهيم تؤكد على الطبيعة المتحركة والمتزامنة بين مفاهيم المعايير والضبط المعياري، فعكس المنظورات التقليدية التي كانت تنظر إلى مفهوم المعيار على أساس مصدره، فإن هذه المنظورات الجديدة تؤكد على الطابع التطوري للقانون والمجتمع، وهذا ما يخدم النموذج المقترح في هذه الدراسة من خلال مفهوم تزامنية المعايير. إن إضفاء هذا البعد على مفهوم الضبط القانوني يسمح لنا بفهم الطبيعة المتغيرة لعمليات ضبط المعايير داخل المجتمع، هذه العمليات التي كانت تتم وفق عقلانية قانونية شكلية في القرن 19، ثم عقلانية جوهرية في إطار الدولة الضابطة في القرن 20ثم عقلانية انعكاسية ما بعد الدولة في ظروف وشروط الحوكمة المعاصرة. إن العقلانية الانعكاسية أو كما يسميها  Wolf Heyderbraidبالعقلانية العملية التفاوضيةتعني نموذجا غير رسمي؛ تفاعلي؛ انعكاسي؛ تفاوضي؛ تشاركي للتوافق الجماعي حول معالجة النزاعات واتخاذ القرارات القانونية والسياسات التشريعية والتقنينية32.

إنه من خلال الوصف التجاوبي للقانون، نجد هذا الأخير في صورته التعددية في إطار سلسلة من الدوائر المركزية تتحرك ذهابا وإيابا، والقانون يسعى إلى تجسيد القيم التي تتدفق من الدوائر الخارجية من خلال سياسات توافقية من أجل ضمان تجسيدها في ترتيبات مؤسساتية معينة33. هذا الوصف نجده خاصة في دراسات الضبط الاقتصادي التي تسعى إلى تبني هذه التجاوبية في الضبط القانوني، حيث نجد هرم الضبط التجاوبي لكل من Ian Ayres  و  John Braithwaiteالمثال الأكثر تأثرا لهذه التجاوبية، هذه النظرية التي ترى في القانون الرسمي القسري كملجأ أخير، عندما يكون الالتزام مع المبادئ القانونية غير قابل للتحقيق من خلال الحوار والإقناع، وعليه فهي تدعو الوكالات الضبطية التنفيذية بأن تكون متجاوبة مع السلوك التعاوني أو غير التعاوني والمواقف المتعددة للمضبوطين، حيث أن مواضيع الضبط التي تظهر الإرادة والقدرة على الضبط الذاتي يجب أن تُكافأ بضبط أقل قساوة وقسرية، بينما تلك التي تظهر سلوكا غير تعاوني يجب أن تُعامل بأكثر ضبطية ورقابة34.

ومن جهة أخرى، فإن القانون الانعكاسي يؤكد على دور التقييدات القانونية من أجل إظهار القيم المشتركة في عالم متميز بتعدد القيم والهويات والحوافز، وعليه يجب التأكيد هنا على دور القانون في تحفيز عمليات الضبط الذاتي التي عن طريقها يستطيع الأفراد والمنظمات والأنساق الاجتماعية من تنسيق سلوكاتهم مع بقية العالم35.

وبهذا يظهر لنا المنظور التوافقي لكلتا المقاربتين، والذي يجعل منهما وجهان لعملة واحدة، كل مقاربة تحتاج إلى تزويد نقائصها من المقاربة الأخرى36، حيث أن القانون التجاوبي يؤكد على تحقيق أهداف جوهرية في إطار المصلحة العامة من خلال التوافق السياسي37، في حين القانون الانعكاسي يفهم أكثر الطبيعة الامبريقية للتعدد عن طريق النظر إلى المجتمع في إطار طبيعته التعددية وإلى القانون في قصره لاستيعاب هذه التعددية، وعليه لا يتم التعامل معه على أساس الهدف الجوهري. إن القانون التجاوبي يمكن أن يُنتقد بسبب نزعته الإمبريالية ونظرته إلى القانون الذي يجسد القيم التي يمكن أن تكون مكرهة في إطار مجموعات متعددة، كذلك فإن القانون الانعكاسي لم يستطع إدراك الطبيعة السيئة للتعددية، ومدى تشكيكه في إمكانيات نشوء إجماع حول القيم من خلال عمليات التوافق، وبهذا فإن القانون الانعكاسي انتُقد بسبب ترويجه لتوجيه عملياتي جاء على حساب تفكيك الحقوق الإجرائية والجوهرية وحل لمشروعيته المعيارية المتضمنة تاريخيا في العدالة الدولاتية38.

إن صورة القانون كمركز صغير جدا للتموُّجات في بركة ماء، أين نرى العديد من قطرات المطر تتساقط، هي صورة تعكس بشكل صحيح حقيقة التعدد في الضبط والحوكمة من وجهة نظر خارجية بالنسبة للقانون (القانون الانعكاسي)، لكن صورة القانون وسط سلسلة من الدوائر المركزية التي تتموج ذهابا وإيابا تعطينا وجهة نظرة ضرورية داخلية بالنسبة للقانون تتطلع إلى معرفة ماذا يمكن أن يقوم به القانون (القانون التجاوبي)، وعلى أساس هاتين الصورتين المتعارضتين للقانون (القانون من الداخل/القانون من الخارج) يمكننا أن نخرج بصورة مزدوجة تمزج كل المميزات المعيارية للقانون الانعكاسي والتجاوبي، ومنه يمكن القول أن القانون المتعدد يجب أن39:

1. يتضمن المبادئ الإجرائية والجوهرية للعدالة، رغم أنها يمكن أن تكون واسعة جدا، ويمكن أن تنشأ من أنظمة ضبطية متعددة بدلا من مصدر رسمي دولاتي واحد (وهذا ما يتوافق مع ما يدعو إليه القانون التجاوبي).

2.  يتضمن عمليات تكون فيها المبادئ الإجرائية والجوهرية للعدالة مطبقة من أجل تعكس، تناقش وتعيد تكوين هذه الأنظمة الضبطية التعددية بما يتناسب مع مصدر هذه المبادئ وسلوك الفواعل التي اتفقت عليها (وهنا القانون الانعكاسي والقانون التجاوبي يتفقان حول هذه النقطة بشكل كبير).

3.  العمليات والمبادئ العددية الإجرائية والجوهرية لهذا القانون يجب أن تتم مراجعتها وإعادة صياغتها بشكل مستمر عندما يتم تطبيقها (هذا ما يدعو إليه القانون الانعكاسي).

إن النظر إلى القانون على أساس أنه انعكاسي وتجاوبي يمكن أن يعالج الرغبة الملحة التي من خلالها ترد التعددية القانونية على التعددية الضبطية، وهذا ما يؤكّد أن القانون الرسمي الدولاتي للدولة الوطنية الحديثة لا يمكن أن يعطينا كل ما يحمله مفهوم القانون من معنى في مجتمع متعدد ومُعولم، إن فهم وتصوُّر القانون كتجاوبي وانعكاسي يعطينا إمكانية إدراك القوانين غير الدولاتية الناشئة من الأنظمة الضبطية التعددية، التي هي ليست بالضرورة مرتكزة على الدولة، وهو ما يساعد على توضيح وتأكيد وشروط إمكانيات حوكمة فعالة على المستوى العالمي.

المبحث الثاني: الترتيبات القانونية الناتجة عن تأثير القانون في شبكات الحوكمة

على اعتبار أن الذات الشبكية ذاتية التنظيم هي المحرك الأساسي لكل تطوُّر اجتماعي، سياسي وقانوني، فإنها تعمل على إظهار مختلف الخيارات المتاحة للسلوكات الممكنة لنشوء البُنى الشاملة للقانون ما بعد الدولة، على اعتبار التفاعلات الشبكة لمختلف العقد والقمم لهذه الذات.

إن الاقتران الممكن في حالة الذات الشبكية ذاتية التنظيم، أي في حالة تعدد الاستقلاليات الاجتماعية، يمكن أن يكون وفق سيناريوهين أساسيين، أولا في حالة ما إذا كانت هذه الاستقلاليات الاجتماعية في شكل اقتران بنيوي حر وغير مقيّد مع المنطق الاقتصادي، وهنا سوف نشهد سيناريو تجزؤ القانون، أما في حالة وجود اقتران ضيق ومتحكم فيه بين هذه الاستقلاليات والمنطق الاقتصادي، فإننا سوف نشهد سيناريو تهجين القانون.

الفرع الأول: تجزُّؤ القانون

إن أول سيناريو يواجه القانون ما بعد الدولة هو ابتعاده عن المنطق الاقتصادي التقليدي بصورة مطلقة لصالح التوقعات المعيارية لمختلف العقلانيات في المجتمع، وتجزئته بصورة واسعة جدا تجزءا قطاعيا ليس إقليميا، والابتعاد عن كل مفاهيم الوحدة المعيارية التي عرفها القانون في إطار الدولة القومية إلى مفهوم التصادم بين القطاعات، العقلانيات والخطابات في المجتمع.

لكن يمكن الأخذ بالمعيار الحاسم لهذا التجزؤ الأصيل الذي أصاب القانون وهو إمكانية وقدرة الحقول الاجتماعية المختلفة على التشكيل التلقائي للمعايير، والتي تستخدم كمصادر للقانون، وعلى هذا الأساس فإن استقلالية أي نسق اجتماعي تظهر من خلال وجود آليات لإنتاج المعايير مستقلة عن النظام المعياري الدولاتي.

إن العلاقة السببية لتجزؤ القانون وتجزؤ المجتمع المعاصر تؤكّد على أن هذا التجزؤ لا يمثّل تصادما لمعايير قانونية ونزاعات سياسية فقط، ولكنه يتواجد في التناقضات بين العقلانيات المختلفة والممأسسة داخل المجتمع، والتي لا يمكن للقانون التقليدي، الإنساني، الاقتصادي والدولاتي أن يحلها، بل تتطلب مقاربة قانونية جديدة يمكن تعريفها بأنها مقاربة تصادم المعايير الاجتماعية. في هذا الإطار يلخّص Gunther Teubnerهذه الأطروحة بقوله أن تجزؤ المجتمع العالمي هو تجزؤ راديكالي أكثر من أي منظور اختزالي آخر– سياسي، قانوني، اقتصادي أو ثقافي. إن التجزؤ القانوني هو انعكاس عابر لتجزؤ المجتمع العالمي متعدد الاتجاهات، وأي تطلع لوحدة معيارية للقانون العالمي مشئومة منذ البداية بالفشل، حيث أن ما وراء المستوى الذي يمكن أن يحل النزاعات مراوغة كاملة في كل من القانون العالمي والمجتمع العالمي، ولهذا يجب أن نتوقع تجزءا قانونيا مكثفا، ونحن لا نستطيع أن نقهر هذا التجزؤ القانوني، وفي أفضل الأحوال، يمكن أن نصل إلى توافق معياري ضعيف ما بين مختلف الجزيئات، وهذا مرتبط بقدرة قانون النزاعات لتأسيس منطق شبكي متخصص يمكن أن يحدث اقترانا حرا طليقا بين الوحدات المتصادمة40.

في إطار تجزؤ القانون المعاصر سوف نتوجه إلى ترسيم لفرضيات العالم القانوني الأخرى البعيدة عن القانون الدولاتي تحت ما يسمى بـ Non State Law، والتي تمتد جذورها لتبلغ عدة مراحل في تطورها، يلخّصها Marc Hertoghفي ثلاثة مراحل أساسية تماشيا مع كتابات Bronis Malinovskiوخاصة كتابه المعنون بـ(Crime and Custom in Sauvage Society)الصادر عام 1926، الذي يفنّد من خلاله أطروحات مدارس الأنثروبولوجيا القانونية التي كانت لا تعترف في وقته بوجود القانون في المجتمعات البدائية. في هذا الإطار قام Hertoghبتتبعتطور مفهوم القانون غير الدولاتي عبر ثلاثة مراحل أساسية في إطار ما يسمى بالتعددية القانونية:41

1-  المرحلة الاستعمارية أين تم التركيز على وجود قانون غير تابع للدولة المستعمرة يطبق على الأهالي.

2-  التعددية القانونية داخل الأنظمة القانونية للدول الغربية، خاصة في مجال الأنظمة المعيارية للمهاجرين والأقليات الثقافية ومختلف المؤسسات والشبكات الاجتماعية.

3-  العولمة، وخصوصا تحت اسم ما يعرف بالتعددية القانونية العالمية.

وعموما، يرى محمد بوبوش أن  تجزؤ النظام القانوني الدولي مثلا يعود إلى عدد كبير من الأسباب أدت إلى نشوء طبقات ونظم فرعية مختلفة يمكن أن يتنازع أحدها مع الآخر، أولا، بسبب طبيعة القانون الدولي بوصفه قانونا يفتقر إلى مؤسسات مركزية تكفل تجانس الأنظمة القانونية وتوافقها، ثانيا، بسبب التخصص الدقيق الذي يكتنف القانون الدولي، وهنا يمكن الإشارة إلى قوانين حقوق الإنسان، قانون البحار، قانون التنمية، القانون الدولي للبيئة، القانون الدولي الجنائي، القانون الدولي للفضاء، القانون الدولي الاقتصادي، القانون فوق الوطني...، ثالثا، بسبب اختلاف هياكل القواعد القانونية، رابعا، بسبب وجود أنظمة قانونية دولية متوازية للمواضيع نفسها على المستويين العالمي والإقليمي، خامسا، بسبب تنافس الأنظمة القانونية الدولية التي تنشأ عن إعداد نظن قانونية مختلفة في هيئات تفوض دواية مختلفة، وذلك بشأن المجموعة نفسها من الدول، سادسا، فإن القانون الدولي يتسم بالتوسع وتكاثر الأطراف الفاعلة والجهود لتحسين فاعلية الالتزامات الدولية العامة من خلال إنشاء بعض آليات المتابعة، سابعا، بسبب اختلاف نظم القواعد الثانوية، حيث أثبتت التحولات القانونية في المدة الأخيرة أن مجرد وجود قواعد أولية كثيرة لا يؤدي تلقائيا وبالضرورة إلى تحسين التعاون الدولي والإقليمي، ثامنا وأخيرا، يتم تقسيم القانون الدولي على أساس تقسيمات جغرافية انطلاقا من فكرتي العالمية والإقليمية، وعالمية القانون الدولي تعني شموله دول العالم أو قابليته لأن يشملها كلها، أما الإقليمية فتعني وجود قواعد دولية ذات تأثير محصور في قارة واحدة أو في منطقة جغرافية وعينة بين الدول التي أقرتها42.

الفرع الثاني: تهجين القانون

إن التحليلات السابقة الخاصة بتجزؤ القانون تؤكد بالنسبة لآخرين تحوله نحو التهجين، من خلال اقتران بنيوي ضيق متحكم فيه مع المنطق الاقتصادي. إن الخطابات الاجتماعية المختلفة، والتي كانت سلفا خاضعة للمنطق السياسي العمومي، وبعد تحولها إلى القطاع في إطار تحول العلاقة ما بين الدولة والمجتمع، حيث تمت متاجرة خواصها في الإنشاء العفوي للمعايير وتم تحويل عقلانيتها الخاصة إلى عقود تجارية، ومؤسساتها إلى منظمات ربحية، وهذا بحكم أن السببين الرئيسيين لتحولات المنظومة السياسية والقانونية وهما: الخصخصة والعولمة، قد تم تفعليها على أساس اقتصادي فقط. على أساس أولا، أن العولمة تمثل مفهوما اقتصاديا بحتا بعيدا عن كل أبعاد سياسية، ومتقدما عن كل الأشكال الاجتماعية والثقافية43، وبحكم أيضا الأهمية القصوى التي يكتسيها المنطق الاقتصادي في التطور الاجتماعي والسياسي، ثانيا، وبحكم سياسات الخصخصة التي انتهجتها معظم الدول والحكومات فقد تم تحويل مسارها في مواجهة الأنساق الجزئية الاجتماعية من هيمنة سياسية/دولاتية/عامة إلى هيمنة اقتصادية/تسويقية/خاصة، وتم إعادة هذه الأنساق إلى النقطة التي بدأت منها، فهي لم تنتقل سوى من صيغ قديمة لسوء التوافق والتوليف إلى صيغ جديدة تحمل نفس النزعة الشمولية للصيغة القديمة. حيث أن أيديولوجية الخصخصة قد ساهمت حقا في نقد وتفكيك التمييز العام والخاص، لكن دون إعادة إزاحته عن طريق تقديم التقسيم القديم كخيار مؤسساتي وحيد مطروح، وبهذا نظر إلى الخصخصة كمجرد حركة لتعزيز الكفاءة من البيروقراطيات العامة الصلبة إلى الأسواق الحيوية، مما أدى بآخرين إلى تصور نماذج تعاقدية للفعل العمومي والفضاء السياسي والقانوني.

إنه في هذه الحالة أين يتم فهم خاطئ لسياق القانون في مواجهة الأنساق الاجتماعية المستقلة، فإن الاقتران البنيوي الضيّق لهذه الأنساق الاجتماعية مع الاقتصاد سوف ينحصر في مجرد إعادة صورة الموقع المهيمن للسياسة الممأسسة على حساب كافة المجتمع التي لاحظناها في المرحلة الدولاتية الحداثية، لكن تكون الهيمنة للمنطق الاقتصادي. حيث أنه في حالة النزاع مثلا فإن المحاكم تكون لها نظرة ضيقة حول هذه الأنساق وذلك من خلال مصفاة قانون العقد، حيث أنها تستلم معلومات حول هذه النشاطات بلغة التكاليف/العائد، وعلى هذا الأساس فإن كل نسق اجتماعي جزئي سوف يصفى أولا باتجاه البعد الاقتصادي، نفقات المعاملة ويقدم إلى القانون لفض النزاع، مما يخلق تشويها للعلاقة الاجتماعية لأن الكثير من المعلومات حول الأنظمة الاجتماعية سيتم فقدها بسبب إعادة بنائها تحته الشروط الاقتصادية. إن إشكالية التجزؤ المحيرة للقانون السابقة الذكر تجرنا إلى البحث عن وحدة القانون في ظل هذه الذات الشبكية، وهنا يجب أن نؤكد الخطأ الذي وقعت فيه مختلف العلوم بصورة انفراديةمن أجل حسم هذا الإشكال، حيث أنها تسند وحدة القانون إلى إحدى البناءات الاجتماعية المكونة له، فهو إما أن يقتصد أو يقنن أو يعطى له بعدا اجتماعي44، لكن هذا الخطأ يمكن تصنيفه على أساس أنه يقدّم امبريالية بيمنهجية (Imperial Interdisciplinarity) تحاول إعطاء قراءات من زاوية علمية واحدة وتتجاهل الطبيعة متعددة المستويات والاتجاهات للممارسات القانونية ما بعد الدولاتية45، فعلى النقيض من ذلك يجب على النظرية الاجتماعية ألا تتجه إلى الأخذ باتجاه واحد من هذه الاتجاهات بل يجب أن تهتم بتعدد الاتجاهات الاجتماعية للقانون في زيّ عبر منهجي. فالطبيعة الهجينة للقانون تجد سندا لها في الاختلافات الهرمونيطيقية (Hermeneutic) للسياقات الاجتماعية المختلفة، حيث أنه لا يوجد معنى واحد للقانون يمكن تمديده إلى كل الحدود الهرمونيطيقية التي نعرفها، والمعنى الكلي للقانون هو دائما منتج بشكل نسبي وتفاضلي فقط في إعادة البناء المتبادلة للسياقات الاجتماعية المختلفة باللغات المختلفة وبالخطابات المختلفة كذلك. إن عملية إعادة بناء العقد تكمن في الملاحظة المتبادلة التي تخلق ضمن الاتفاق القانوني فضاء خياليا لتمثيل الحقائق التي تكون مناسبة من وجهة نظر قانونية (الحقائق الاقتصادية والإنتاجية)، وفي الوقت نفسه ينشأ فضاء من الالتزامات القانونية والعمليات الإنتاجية في الصفقات الاقتصادية، وبطبيعة الحال فإن ذلك لا يتم إلا من منظور عوامل التكلفة، توقعات الربح، الحقوق والخيارات الاقتصادية المتعلقة بالملكية، ثالثا وإلى السطح يظهر فضاء تخيلي يخص إعادة بناء الموارد الاقتصادية والالتزامات القانونية ضمن العقد المنتج46.

من جهة أخرى، فإن هذه الطبيعة الهجينة للقانون من جراء نتائج الاقتران الضيق لمكونات الذات الشبكية مع النسق الاقتصادي ستزيل اللثام كذلك عن طبيعة هذا التهجين، حيث أن التمييز بين المظاهر غير الاقتصادية والاقتصادية لا يجب أن يغطي الميزة الاقتصادية للنسق الاقتصادي، وكيف أن هذه السمة قد تم تجاوز طبيعتها مثلما تم تجاوز طبيعة السمة غير الاقتصادية للأنساق الاجتماعية من طرف النسق الاقتصادي. إن هذا الأخير قد كان ضحية للوظيفة الضبطية للقانون الدولاتي. في هذا الإطار تطرح Gillian Hadfieldتساؤلا مهما: هل يمكن للسمات الاقتصادية للقانون أن تكون محررة ومزودة من طرف السوق أم يجب أن تكون محررة من طرف الدولة؟ هل يجب تكسير احتكار الدولة فيما يخص التزويد بقانون الصفقات الاقتصادية؟47، وبهذا وفي إطار التمييز بين وظيفتي العدالة والاقتصاد بالنسبة للقانون، فهي تجيب بالقول أن تزويد قانون المؤسسات من طرف شركات ربحية يمكن أن ينجز كفاءة عالية التكاليف أكثر من أن يكون مزودا من طرف الكيانات العامة، حيث أن الكيانات الخاصة تقدم أنظمة متميزة ومختلفة لمجموعة المؤسسات غير المتجانسة والتي تكون أقرب وأجدى من المحاكاة المعروضة من طرف الضبط العمومي48.

إن الطبيعة الهجينة للقانون ما بعد الدولة تجبرنا على إعادة بنائه وفق هذه الطبيعة المغايرة للطبيعة الوحدودية التي كان يتميز بها في إطار المقاربة الدولاتية، في الوقت المعاصر بأن القانون أولا، لا يعتبر كمجرد تصحيح هامشي لصفقة اقتصادية معينة، بدلا من ذلك فإن القانون ينظر إليه ككيان مشكّل من ديناميكيات وحيويات متعددة، ومهمة القانون في هذا المجال ليست مجرد التعديل وفق منظور اقتصادي، بل الموازنة بين النزاعات لمجموعة من السياقات الاقتصادية وغير الاقتصادية، السياسية وغير السياسة، العامة والخاصة، ثانيا، فإن العلاقة غير الاقتصادية للقانون لا يمكن تصفيتها ومن ثم تشويهها عنى طريق العملية السياسية، وهذا الشكل المشوه يُترجم في شكل سياسات قانونية معينة نجدها في ممارسات القانون في ظل دولة الرفاه49، ولهذا فإن القانون يجب أن يعود دائما ومباشرة إلى مبدأ التشكيل العفوي للقيم الذي تتمتع به الأنساق الاجتماعية، ليدخل القانون وحيوية الأنساق الاجتماعية في إطار شكل من أشكال التعلم يمكن أن نسميه التعليم عن طريق الترقب المشترك50، أو حتى يمكن أن ندمج مقاربة القانون في السياق، التي تتعدى النظريات الكلاسيكيةالكبرى -الوضعية القانونية، نظرية القانون الطبيعي والواقعية القانونية- وذلك من أجل الوقوف على خصائص متشابهة في إطار مجموعات وتوليفات مختلفة متغيرة ومختلفة الظروف.

المبحث الثالث: الترتيبات القانونية الناتجة عن تأثير شبكات الحوكمة في القانون

إن النموذج المقترح في هذا البحث يؤكد على فرضية أن القانون ما هو إلا منتوج للتفاعلات الاجتماعية بين شبكات الحوكمة المعاصرة، وعلى هذا الأساس سوف نركّز على تأثيرات الذات الشبكية ذاتية التنظيم باعتبارها الذات المحرِّكة لأية عملية معيارية، وهذا ما يؤدي بنا إلى القول أن القانون ما بعد الدولة يجب أن يقوم بإرضاء كل نسق اجتماعي يمثل عقدة واحدة من عقد الشبكة، غير أن هيمنة عقدة واحدة من هذه العقد على عمليات التواصل مع القانون ما بعد الدولة، يمكن أن تؤدي إلى تصوُّرات شمولية جديدة (Neototalitarianism)، سواء ما تعلق الأمر بهيمنة خطاب اجتماعي معين، على القانون، أو نفي هذا الأخير مع طرف مجموع الخطابات كنتيجة للقوة المعيارية لها، التي أضعفت المعيارية القانونية.

الفرع الأول: من الخطابات الشمولية إلى الخطابات الشمولية الجديدة

إن احتمالات تطوُّر بنية القانون ما بعد دولة الرفاه يمكن أن تتطور نحو إعادة توليفات قديمة، والتي أدت إلى الأزمة النظرية والتطبيقية لهذا الحقل نحو توليفات جديدة بنفس الأخطاء التي عرفتها التوليفات القديمة.

في دولة الرفاه الحديثة فقد تجنبت تهديم استقلالية مختلفة العقلانيات الاجتماعية، لكنها عملت على خلق علاقة تبعية عن طريق اقترانها البنيوي المغلق والمتشدد إلى النظام السياسي والإداري، حيث يتم توجيه اتصالات العقلانيات الاجتماعية بمحيطها الاجتماعي عن طريق النظام السياسي بشكل خاص، هذا النظام الذي يحاول بمحيطها الاجتماعي عن طريق النظام السياسي بشكل خاص، هذا النظام الذي يحاول دائما ضبط اتصالاتها الخارجية بطريقة حيث تبقى دائما في إطار التأثير السياسي فقط، مما أدى إلى نوع من الذرائعية القانونية، والتي مثلت أهم خاصية عرفها الضبط القانوني لدولة الرفاه51، بينما الإثارة المباشرة للقطاعات الأخرى للمجتمع تختزل وتراقب عن طريق العمليات السياسية، والمشاكل الاجتماعية تترجم أولا لقضايا الأساسي والوحيد لأية عملية ضبط مجتمعي حسب التقليد الكلسني(نسبة إلى Hans Kelsen)، وبهذا طورت نظرية القانون الإداري فقها خاصا للضبط الذاتي للقطاع العام، والذي يراعي منطق مختلف القطاعات ويشكل القانون العام وفقا لذلك52.

إن الاقتران البنيوي المغلق والمتشدد للأنساق الاجتماعية المختلفة، كان هو السبب في هذا الخطأ وإساءة التوليف بين النشاطات الاجتماعية ونظامها السياسي والإداري53، لقد انتقد علماء الاقتصاد هذه التوليفة السيئة بين النسقين السياسي والاقتصادي التي تتميز بها الدولة التدخلية، ودعا البعض إلى نقد هذا التدخل الدولاتي لصالح التعدد الذي يعرفه المجتمع الحالي54، وذلك خلال النقاشات النظرية التي زامنت مراحل إعادة ضبط المجتمع، والتي أثبتت أن الضبط السياسي (القيادة والسيطرة) قد انسجم بطريقة ناقصة وهجينة بالنظر إلى المنطق الداخلي للفعل الاجتماعي، مما أدى إلى تكاليف باهظة أنتجتها إساءات التوليف بين الاقتصاد والسياسة55.

إذن، وعلى هذا الأساس فقد كان التأثير السياسي هو العامل الحاسم حتى في عمليات الخصخصة التي عرفتها الخدمات العمومية من جراء تدخل العقلانية السياسية كمشكلة للنظام العمومي، وعدم الكفاءة الاقتصادية والعجز المهني الذي نتج عن هيمنة البيروقراطية التدرجية على عمليات الضبط السياسي والاجتماعي56، إن انتقائية العملية السياسية والإدارية التي تصفي تواصلات خدمات دولة الرفاه مع باقي/المجتمع، وتجعلهم أكثر حساسية إلى إشارات السياسة أكثر من أي شيء آخر في المجتمع، إلى درجة كبيرة، فقد خنقت التقدم في هذه الحقول الثقافية وأدى إلى هذا الثمن الناتج عن اقتران متشدد للسياسات الإدارية57.

لكن هل أنه بعد هذه الوصفية ما بعد الكارثية، تم تدارك هذه الإساءة في التوليفة بين الأنظمة والنشاطات؟ يبدو أنه تم تبني توليفات جديدة لكنها تسيء فهم العلاقة بين الأنساق الاجتماعية المستقلة من جديد، وعلى أساس، فإننا انتقلنا من نظام شمولي لخطاب سياسي عمومي، إلى نظام شمولي جديد، يعبر عن هيمنة خطابات اجتماعية شمولية ولا يعبر عن العقلانية الداخلية لكل خطاب: إن مساعي هيمنة شمولية جديدة تظهر من خلال مجموعة من الظواهر التجريبية الملاحظة في الأشكال و الترتيبات القانونية لما بعد الدولة، أين تظهر مجموعة من القوى الشمولية الجديدة استطاعت أن توفر شروط هيمنتها على المجتمع ما بعد الدولاتي، و أبرز مثال على ذلك الخطاب السياسي والاقتصادي الجديد.

إن مفهوم القانون الإداري العالمي، والذي يمثل تطورا لمساهمات علماء القانون في جامعة  New Yorkوقانونيين إيطاليين، والعديد من الإداريين والمشتغلين في الساحة الدولية، هذا المفهوم الذي يهتم أساسا بتحليل التشكيلة القانونية للوحدات الإدارية العالمية، وتحديد كيفيات وضع هذه الوحدات في إطار القانون، وتفحص مستوى المساءلة داخل هذه الوحدات58.

وبهذا فإن نظرية القانون الإداري العالمي والشفافية ومقاييس الحكم الجيد تعتبر مدخلا لتحليل ودراسة العولمة القانونية، وإجابة مباشرة لظهور مفهوم الحوكمة العالمية ونهاية الدولة القومية59، إن إعطاء هذا المفهوم الأخير بعدا سياسيا عموميا (الحوكمة العالمية) يتطلب البحث عن قانون يساهم في الإبقاء على هذا الطابع العمومي، رغم أنه جاء بعد سقوط مفهوم الدولة القومية، واعتبار هذا القانون قانونا ما بعد الدستور الدولاتي واستجابة لانتشار الأنظمة الضبطية العالمية60.

لقد أكّد اتجاه نظري معتبر هذه الصفة العمومية الدولاتية للحوكمة العالمية ما بعد الدولة القومية في إطار الدولة العالمية والديمقراطية العالمية والالتزام بالمسلّمة الكانطية للحوكمة الذاتية عن طريق بناء برلمان عالمي وحكومة عالمية مثال على ذلك نجد ميثاق الأمم المتحدة ومؤسساتها، في نفس الاتجاه، تتحدث A-M. Slaughterعن هذا المنطق الدولاتي61، لكن ليس في صورته الثابتة الصارمة كما في حالة الدولنة العالمية، لكن في إطار المفهوم الشبكي للوحدات الحكومية غير الممركزة. تمثل الحوكمة العالمية من خلال شبكات الحكومة سياسة عامة جيدة للعالم وسياسة خارجية جيدة للولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، وكل الدول النامية التي تريد المشاركة في العمليات الضبطية العالمية والتي تحتاج إلى تقوية قدراتها للحوكمة المحلية62.

تشير هذه الشبكات الخاصة بالحوكمة إلى الترتيبات المرنة، التعاونية العابرة للحدود بين الوحدات الحكومية كالوكالات، البرلمانات، الإدارات...، في شكل إدارة عالمية عن طريق: (1) المنظمات الدولية الرسمية، (2) الترتيبات التعاونية للفعل الجماعي بين الكيانات الضبطية القومية الرسمية، (3) الهيئات الضبطية القومية في إطار الاتفاقات، الشبكات وكل مظاهر الأنظمة التعاونية، (4) ترتيبات هجينة ما بين الحكومات والقطاع الخاص، (5) المؤسسات الخاصة ذات الوظائف الضبطية63.

إن هذا التهافت اليوتوبي على تعدي فكرة الدولة القومية لمساحة عالمية شاملة، لكن بنفس منطق ومفاتيح المقاربة الدولاتية السياسية العامة الكلاسيكية، قد أدى إلى إعادة صياغة منطق الهيمنة السياسية والمساعي الشمولية بدواعي المصلحة العامة الدولية64، مما أدى إلى نتائج عكسية لمثل هذا الضبط القانوني الدولاتي ما بعد الدولة القومية، فالكثير يتحدثون عن أمركة القانون أو دولنته, كما أن اعتبار مجال الانترنيت كمجال عمومي يعبّر عن فضاء للضبط العمومي في إطار مفهوم القانون الإداري العالميهو مجرد مساعي هيمنة سياسية لدول معينة لاحتلال هذه المجالات غير الإقليمية65.

إن مبادئ القانون الإداري العالمي تحاول ضبط واقع جديد لكن بمفاتيح تقليدية، فهي لم تستطع أن تستغني عن الإرث الدولاتي للنظرية القانونية على مستوى نظام القانون العام، وتحاول تعدي حقيقة الواقع الحالي الذي يعطينا إشارات واضحة عن نهاية الدولة، وظهور مساحات جديدة للفعل السياسي, أين يمكن أن تكون الدولة هي الأولى ويكن مع آخرين، فنظام الحوكمة الحالي يمكن أن يعطينا قيما ديمقراطية وتعبيرا عن المصلحة العامة أو السلعة العمومية66، لكن بعيدا عن الأنطولوجيا الدولاتية التقليدية، فالحوكمة العالمية يعبر عن مفهوم جديد لا يستند إلى الموروث الدولاتي، كما هو مؤكد في فقه القانون الإداري العالمي، ولهذا ذهب منظروه إلى تبيين المهمة الأساسية لهذا القانون وهي إثبات الديمقراطية والمساءلة على المستوى العالمي، رغم أن الدولة ليست مسؤولة عن مثل هذه القيم، ولا تتحقق بإرادتها، وإنما بإرادة كل الفواعل على كل المستويات، الحوكمة العالمية المجتمعية، الصحية، الأمنية والبيئية.      

كذلك تظهر مساعي هيمنة الخطاب الاقتصادي خاصة بعد مرحلة الخصخصة التي عرفها القطاع العام في مختلف دول العالم، وموجة العولمة خاصة الاتجاه الذي أكد عليه إجماع واشنطن للعولمة الاقتصادية النيوليبرالية فوق القومية الخاصة67.

إن أصحاب هذا الاتجاه يؤيدون مفهوم القانون فوق القومي والحوكمة فوق القومية، الذين يركزان على دور الفواعل غير الدولاتية في عملية الحوكمة المجتمعية68، فبعد هذه الموجات من التغيير تم تحرير العقلانية الداخلية للأنساق الاجتماعية المختلفة من اقترانها المضيق والمحدد للسياسة والبيروقراطية الإدارية، وظهرت اتجاهات تنادي بنزع صفة الدولاتية عن كل مظاهر الضبط القانوني، وتبنّي أفكار Eugen Ehrlichعن القانون المجتمعي. لقد أثبت هذا الاتجاه، وهو إساءة التوليفة الثانية، إن ما حصل هو مجرّد انتقال من هيمنة سياسية إلى الاستقلالية الخاصة للأنساق الاجتماعية، وإنما الصلات البنيوية المضيقة إلى السياسية والمنطق العام استبدلت بالصلات الضيقة بنفس الطريقة إلى الاقتصاد والمنطق الخاص، والنظر إلى القانون كبديل لفهم النظام الاجتماعي69، وبهذا أصبحت المؤسسات الأساسية للقانون خاصة العقد والملكية هي المهيمنة على عمليات الضبط الاجتماعي70.

إذن، وثانية فإن الاستقلالية العملية للأنساق الاجتماعية لم تمس، لكن الذي حصل هو أن اتصالها مع باقي المجتمع أصبح يمر عبر مصفاة الآليات الاقتصادية، فكل المؤسسات التي كانت تحكم الخدمات العمومية قد تحولت إلى مؤسسات اقتصادية، توجه عن طريق الآليات النقدية والسوق التنافسية، وبهذا وبعد موجة التغير التي أتت ضد عدم كفاءة التوليفات المساءة لسيادة الدول على الفعاليات المجتمعية، فإن موجة الخصخصة والعولمة قد خلقت توليفات مسيئة جديدة بين النشاطات الاجتماعية ونظامها الاقتصادي العقلاني.

إذن، وعلى هذا الأساس، فإن نشوء مثل هذه التوليفات السيئة من جديد سيولد مقاومة من الحيوية الداخلية للأنساق الاجتماعية المستقلة، وفي المدى البعيد، فإن مجموعة من الصراعات البنيوية سوف تظهر مسألة مدى قدرة التغيرات المؤسساتية على الإجابة عن هذه التوليفات الجديدة.

إنه من الصعب إنكار الدور الذي لعبه النسق الاقتصادي في التحولات الراهنة. إلا أن هذا الدور قد تطور إلى مرحلة الشذوذ والأصولية، نظرا للمغالطات المفاهيمية التي اكتنفت مفهوم الاقتصاد في حد ذاته، حيث أن إسهامات  Karl Polanyi71 قد بيّنت الخلل الذي ارتُكب من خلال تبنّيه لمفهوم الاقتصاد الجوهري بدل الاقتصاد الشكلي، الذي هيمن على الفكر الليبرالي الرأسمالي ونفى بذلك إمكانية تحليل أي نظام خارج الحلقة الليبرالية، خاصة بعد هيمنة الرأسمالية الاقتصادية العالمية، والتوليفات المسيئة التي ارتكبتها ثانية72، حيث إن العولمة حسب تفسير الأنثروبولوجيا الاقتصادية لـ  Polanyiقد خلقت حركة مضاعفة في علاقة المجتمع بالسوق، فمن ناحية وعلى أساس تبنية مفهوم السوق المضبوط ذاتيا أو غير المتضمن في المجتمع، فإنه وبعد العولمة الاقتصادية، وتحرير السوق من السيطرة الاجتماعية والسياسية (عدم تضمين الاقتصاد) كحركة أولى، فإن حركة مضادة مزدوجة من خلال إعادة فرض الإشراف والرقابة السياسية على السوق من أجل حماية مصالح المجتمع73.

إن هذا الإشكال الذي يشكله النسق الاقتصادي يمكن تعديه من خلال تبني مفهوم الاقتصاد الجوهري. وإعادة مفهوم الاقتصاد خارج مفهوم الاقتصاد الليبرالي، هذا المفهوم الذي لا يشترط لا الخيار العقلاني ولا شروط الندرة، وإنما يركز على حقيقة أن الأفراد أو المجموعات هم متأثرين بيئتهم، إن Polanyiيرى بأن المعنى الجوهري يركز على كيفية تكيف المجتمع مع بيئته وكيف يواجه احتياجاته الاقتصادية74، إن مفهوم الاقتصاد بهذا المعنى لا يفرق بين المجتمعات المسيطرة من طرف السوق الحديثة، والمجتمعات قبل الصناعية غير الغربية غير الليبرالية، حيث أن السوق ما هو إلا بناء اجتماعي ومتضمن في المجتمع وليس مستقلا عنه.

إن العودة إلى المفاهيم ما قبل صعود فكرة الدولة القومية للاقتصاد هي الكفيلة بفهم الخطاب الاقتصادي الحالي للعولمة، وفهم ظروف التحكم فيه، وذلك لتعدي الفهم الخاطئ للاقتصاد وفق مفهوم أدم سميث لليد الخفية كمفهوم متعالي أدى إلى سلعنة العلاقات الاجتماعية واعتبارها ذات طبيعة اقتصادية خلافا لطبيعتها الحقيقةوالانتقال من مفهوم الإنسان الاقتصادي إلى الإنسان الاجتماعي ذي الأبعاد الثقافية والتطورية75.

 الفرع الثاني: النشاط خارج القانون

السيناريو الأخير لتأثيرات البناءات الاجتماعية على القانون ما بعد الدولة هو سيناريو الهيمنة الكلية للعقلانية الاجتماعية على العقلانية القانونية، وهذا يظهر من خلال هيمنة فعاليات المجتمع المدني على حساب النسق السياسي والنسق الاقتصادي الذين أثبتا السيناريوهين الأول والثاني، إذن ففي إطار ضعف القانون في التطور مع التغيرات الاجتماعية، فقد ظهرت العديد من المدارس الفكرية التي تحاول في إطار هذا الفهم الحرج لحدود القانون أن تنتج مجموعة من الأدبيات التي تشجع ما يسمى النشاط خارج القانون76.

وعلى هذا الأساس يمكن النظر إلى هذا السيناريو على أنه مجموعة تفاعلات اجتماعية في غياب الدولة، ومدى قدرة هذه التفاعلات على تحقيق النظام الاجتماعي في إطار المجتمع الفوضوي الحالي الذي يمثل هيمنة واضحة للنسق السياسي الإداري والنسق الاقتصادي. في هذه الحالة سوف نشهد هيمنة للأنساق الاجتماعية في مجموعها على حساب النسق القانوني الجزئي من خلال خلط التفسيرات خارجالقانونية مع التبريرات القانونية ودمج خارج القانون في إطار البديهيات القانونية77.

إن هذا التوجه يمثل إحياء لفعاليات المجتمع المدني والحركات الاجتماعية عن طريق ترقية مجال خارج القانون لضبط المجتمع وتحقيق النظام الاجتماعي، وهذا ناتج أساسا عن حالة من الضعف التي تميز السلطة الدولاتية مما يحتم ظهور مجموعة من الأنظمة المعيارية كبدائل لضبط المجتمع، ومنه ظهور مفهوم البيمعيارية (Internormativity)، وما قد يؤدي إليه من صراع بين مختلف هذه الأنظمة، فكل مجموعة اجتماعية تعمل إنشاء مجموعة من المعايير والقيم، وتحاول - من خلال مفهوم النظام الخاص بها- تنظيم وضبط سلوك أعضائها من جهة، وعلاقاتها الخارجية مع المجموعات الاجتماعية الأخرى من جهة ثانية.

إن هذا الانحياز لصالح مفهوم الضبط الاجتماعي الذاتي ناتج أساسا عن ثنائية الضبط الصاعد والضبط النازل وفق تصوّر Hayek، فالأول يمثل المقاربة الخاصة لشبكة التعهدات ما بين الأشخاص بفعل التطور المتزايد للمعايير العرفية، أما الثاني فيمثل المقاربة الوضعية الدولاتية للتخطيط المركزي78. وبفعل تطور مفهوم مهيمن للتنظيم في عالم مُعولم لا يقبل التجزيء، فإن مفهوم الضبط الذاتي أصبح يلعب دورا هاما في الحوكمة العفوية للمجتمع، المفهوم الذي يشمل مجموعة كبيرة من الترتيبات والتنظيمات الخاصة بدون اللجوء إلى القواعد القانونية للأنظمة الدولاتية والقواعد المفروضة، بما يعني النشاط وفق منطق الإرادة الخاصة وليس كإجابة على القيود الخارجية. أما عملية الضبط العام للمنظومة الخارجية فتتم وفق المبدأ العام للعفوية، الذي يحدد بنية منظمة ذاتيا، معقدة وغير مبنية وغير نهائية، قائمة على أساس الاختيار الثقافي في القواعد79.

إن ما نلاحظه الآن، ومع اعترافنا الأكيد بوجود أشكال قانونية خارج التقليد الدولاتي كانت متزامنة أو سابقة للظهور عن قانون الدولة القومية سواء من حيث الإنتاج المعياري أو من حيث تطبيق القواعد الآمرة80. إن ما نلاحظه الآن خليط جديد وغريب لعمليات عفوية ومنظمة، ميزتها الخصوصية عكس القانون العرفي التقليدي أنه عكست عمليات صنع المعايير العفوية والمنظمة التي كنا نعرفها قبل الآن، فمن جهة نلاحظ تشكيل وتنظيم ووضعنة متزايدة، مقابل عفوية وتجزؤ وفوضوية متزايدة من جهة أخرى.

إذن، وعلى هذا الأساس فإن الأخذ بعين الاعتبار لعفوية الضبط الذاتي لمختلف الأنساق الاجتماعية من جهة، والتنظيم الاجتماعي لمرحلة ما بعد الحداثة المتميز بالتفاضل الاجتماعي على أساس وظيفي لمجموعة من الأنساق الاجتماعية من جهة أخرى، هو الكفيل لفهم طبيعة الضبط القانوني لمرحلة ما بعد الدولة القومية، وليس هيمنة مجموع الخطابات الاجتماعية على الخطاب القانوني، أو محاولة تفسير الخطاب القانوني عن طريق تحليل الخطابات الاجتماعية.

من ناحية النظرية القانونية، فإنه لا مجال للفصل بين القانون الطبيعي والقانون الوضعي، مادامت عملية الضبط القانوني تعتمد على العفوية والتنظيم في آن واحد، وعليه فإننا نشهد عودة للمداخل الشكلية والوظيفية لكن بصيغ جديدة، فالهجوم الشكلي الجديد على الضبط القانوني هو متمم لتفضيل وظيفي جديد للضبط على تدخل الدولة يحدد دور القانون والدولة من خلال التفويض الوحيد لتسهيل الاستقلالية الفردية81.

خاتمة

من خلال ما سبق الإشارة إليه، يتضح أن معالم جديدة بدأت في الظهور لتشكل نظرية جديدة لمفهوم المعيارية الاجتماعية تتعدى الأبعاد والقيم الدولاتية التي دأبت على تبنيها النظرية القانونية في مرحلة الحداثة الدولاتية. لقد تناول هذا البحث تحليل المعالم الأساسية التي تتصف بها النظرية القانونية المعاصرة، والتي تتحدد أساسا في كونها نظرية تعددية ترحّب بكل أشكال القانون الدولاتي وغير الدولاتي، بحكم تغيُّر أشكال إنتاج وتطبيق القانون من جهة، وتعدد المشاريع المعيارية في المجتمع من جهة أخرى، خاصة بعد سقوط المشروع القانوني الدولاتي لمرحلة الحداثة.

لقد تبيّن من خلال تحليل عناصر النظرية القانونية الجديدة أن مفهوم الضبط القانوني تحول نحو ضبط اجتماعي تعددي يستجيب مع التعددية الاجتماعية التي تميّز المجتمع، بطريقة تسمح بالتعبير عن كل الفعاليات الاجتماعية وما تحمله من قيم ومعايير مختلفة ومتعددة. من جهة أخرى، فقد تبيّن أن مفهوم العدالة الذي يستجيب مع هذه التعددية الاجتماعية لابد أن يكون اجتماعيا بعيدا عن مفاهيم العدالة الدولاتية ومبادئها، التي لم تعد تصلح مع الشروط الجديدة التي وفّرتها موازين القوى في الحوكمة المعاصرة.إن التعددية الاجتماعية التي تميّز مجتمع ما بعد الحداثة لابد أن تُترجم في جوانبها المعيارية في شكل تعددية قانونية جديدة، تعبر عن التعددية المعيارية للمجتمع، بشكل لا تعيد فيه مظاهر الهيمنة المعيارية التي عرفها المجتمع في مرحلة الحداثة الدولاتية. ويمكن التعبير عن هذه التوجهات الجديدة في عدة مقاربات قانونية من أبرزها المقاربات التجاوبية والانعكاسية.

لقد أثبتت هذه الدراسة العديد من الفرضيات البنائية فيما يخص عمليات إنتاج القانون لما بعد دولة الرفاه، ابتداء من إطار تحليل هذه العمليات ووصولا للشروط والنتائج القانونية لها. إذن، لقد تغيّر مفهوم القانون من المنظور الدولاتي إلى المنظورات المجتمعية، وذلك راجع لتطورات جذرية مسّت الفضاء القانوني والسياسي المعاصر، هذه التطورات في جانبها السياسي تمثّلت في انهيار المفهوم المركزي للدولة وصعود منظومة الحكم في إطار شروط العولمة لإعادة ترتيب المجتمع وفق موازين قوى جديدة أثبتت من خلالها فواعل أخرى غير دولاتية تأثيرها وسلطتها إلى جانب سلطات الدولة الوطنية. أما التطورات الاقتصادية فتمثّلت في هيمنة الأيديولوجية النيوليبرالية وفق مقاربة تنويعات الرأسمالية على معظم الاقتصاديات الوطنية. أما على المستوى الاجتماعي والثقافي، فقد ظهرت بوادر مشروع إنساني جديد، لم تتجلّى معالمه بعد، يعرف في الكثير من الأحيان بمشروع ما بعد الحداثة، الذي أثبت قطيعة معرفية مع مرحلة الحداثة.

على المستوى القانوني، فقد حصلت تطوُّرات جذرية كذلك، مسّت عمليات إنتاج وتطبيق القانون، وأكّدت على التوجه الذي حملته التطورات المجتمعية السابقة الذكر. فقد تم تطوير إطار تحليل جديد يعوض الإطار التدرجي الكلاسيكي، يمكن أن يُعرف في شكل علاقة بين المركز والمحيط، وبدون أفضلية يمكن أن يحضا بها أحد الفواعل على حساب الفواعل الأخرى، وهو ما يؤدي إلى إظهار ترتيبات قانونية كانت مهمّشة ومعزولة في إطار المقاربات الدولاتية. إن هذه الترتيبات الجديدة أصبحت تمثّل ظواهر قانونية أصيلة، تتصف بكل مظاهر الرسمية والوضعية التي كانت تميّز القانون الدولاتي. إن العلاقات الجديدة بين مركز ومحيط عملية إنتاج القانون أثبتت صفتين أساسيتين للقانون لمرحلة ما بعد دولة الرفاه، فهذا القانون هو قانون عفوي، محيطي واجتماعي من جهة، وقانون مركزي، منظّم ورسمي من جهة أخرى، وهو ما يساعد على نشوء شبكات هجينة يمكن أن تستوعب هذا المنطق التناقضي.

إن الانشغال المباشر الناتج عن مثل هذه الأطروحات، هو إشكالية مستقبل الدولة لمرحلة ما بعد الدولة، والترتيبات التي يمكن أن تقوم عليها. إن المنطق المابعدي المتبنى في هذا البحث، والذي لا يقبل منطق الاختزال، يمكن أن يشير إلى ما بعدية متواصلة (Post Continuum)، قد لا تحيل إلى أفكار ثابتة، لا يمكن أن توضّح معالم "العالم الجديد"، وإنما تضعه في سياقات انسيابية تبحث دائما عن الحقيقة.إن التطوُّرات التي يمكن أن تنجّر عن تبني نظرية قانونية غير دولاتية جديدة، وفق هذا المنطق التناقضي السابق الذكر، يمكن أن تصل إلى حد التحوُّل الباردايمي، وما يستدعيه من قيم جديدة وتصوُّرات جديدة كذلك، والتي لا يمكن أن تكون إلا تصوُّرات للعالم الواقعي الذي نعيش فيه، والذي أكدت كل الأطروحات أنه عالم شبكي.

إن التأكيد على المعالم السالفة الذكر، يمكن أن يفسح مجالات جديدة للتفكير في الترتيبات القانونية المعبرة عنه، والنابعة أساسا من نقد الترتيبات التقليدية المعبرة عنها في شكل ثنائية أكاديمية وعملية في شكل قانون عام وقانون خاص. ويمكن الوصول إلى هذا المسعى من خلال، أولا، تحليل العلاقة بين الممارسات القانونية في الحوكمة المعاصرة ومنظورات تدريس القانون، والتي تؤكد تلك المفارقة بين ما هو موجود فعلا من ممارسات قانونية تعبر عن الطابع الهجين والمختلط للأنماط القانونية والتقاليد الأكاديمية في تدريس القانون التي مازالت تؤكد على الثنائية التقليدية للقانون العام والقانون الخاص. ثانيا، تفكيك التمييز العام/الخاص من خلال بعض الأطروحات الفلسفية والاجتماعية المعاصرة، وصولا إلى تفكيك التمييز بين القانون العام والقانون الخاص ومحاولة الاستشراف بمستقبل الترتيبات القانونية المنسجمة مع هذه التطوُّرات. ثالثا، تحليل ثنائية الأبعاد الجوهرية والإجرائية للقانون ومحاولة تجاوزها بما يتناسب مع الممارسات القانونية المعاصرة.

إن التطوُّرات التي يمكن أن تنجّر عن تبني نظرية قانونية غير دولاتية جديدة يمكن أن تصل إلى حد التحوُّل المعرفي، وما يستدعيه من قيم جديدة وتصوُّرات جديدة كذلك، والتي لا يمكن أن تكون إلا تصوُّرات للعالم الواقعي الذي نعيش فيه، والذي أكدت كل الأطروحات أنه عالم شبكي.

 الهوامش

1.  Serge Diebolt, Le droit en mouvement, Eléments pour une compréhension constructiviste des transformations complexes des systèmes juridiques, Thèse en droit, Université de Paris 10-Nanterre, 2000, p 286

2. حول نزاع مشابه يظهر بين القاضي والمشرع في عمليات تكوين المعايير بنفس مواصفات النزاع المذكور أعلاه لكن في إطار المنظور الدولاتي أنظر:

Serge Diebolt, op.cit, pp 287-292

3. Costas Douzinas, Violence, "Justice, Deconstruction", German Law Review, Vol.06, No.01, 2005, p 171

4.Jacques Derrida, Force of Law: The Mystical Foundation of Authority, Cardozo Law Review, Vol.11, 1990, p 947

5. Pierre Schlag, A brief survey of deconstruction, Cardozo Law Review , Vol.27, N 2, 2005, p 749

6. يرى Derridaأنه من أجل أن يكون قرارا عادلا ومسؤولا، يجب وفي لحظته الخاصة به، إن كانت موجودة، أن يكون مضبوطا وبدون ضبط في آن واحد، يجب عليه أن يحفظ القانون ويحيط كذلك، ويعلقه كفاية لأن يعاد اختراعه في كل حالة، ويعاد تبريره، أو على الأقل يعاد اختراعه في إعادة الإثبات والتأكيد الجيد والحر لمبدئه.

Jacques Derrida, op.cit,  p 961

7. Jacques Derrida, op.cit., p 932

8.Robert Cover, "Nomos and Narrative", Harvard Law Review, Vol.97, 1982, pp 04-68; RobertCover, "Violence and the Word", Yale Law Journal, Vol.95, 1986, pp 1601-1629 ; Howard Schweber, The language of liberal constitutionalism, Cambridge University Press, UK, 2007, pp 204-210

9.Emmanuel Melissaris, "The More the Merrier? A New Take on Legal Pluralism", Social Legal Studies, Vol. 13, n°1, 2004, p 65

10. Rudolf Wiethölter, Proceduralization of the Category of Law, in, C. Joerges and D. Trubek (eds), Critical Legal Thought: An American-German Debate, Baden-Baden, Nomos, Germany, 1989, p 505

11. Michael Blecher, Mind the Gap, European Journal of Legal Studies,  Vol.1, n°3, 2008, p 06

12. Michael Blecher, op.cit, p 04

13. Jürgen Habermas, Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy, MIT Press, Cambridge, 1992 ; John Rawls, A theory of justice, Harvard University Press, Cambridge, 1971

14. من أجل إعادة صياغة مفهوم المبادلة في إطار التعددية السياقية أنظر:

Gunther Teubner, Dealing with Paradoxes of Law: Derrida, Luhmann, Wiethölter, in, Oren Perez and Gunther Teubner (eds), Paradoxes and Inconsistencies in the Law, Hart Publishing, Oxford, USA, 2006, pp 58-64; Rudolf Wietholter, Just-ifications of a Law of Society, in, Oren Perez and Gunther Teubner (eds), Paradoxes and Inconsistencies in the Law, Hart Publishing, Oxford, USA, 2006, pp 65-75

15.هنا نشير على سبيل المثال إلى دوركايم ومفهوم التضامن العضوي، ماكس فيبر وتعدد العقلانيات الرسمية، Wittgensteinوتعددية ألعاب اللغة،Adornoونقد الأخلاقية الكانطية.

16. Gunther Teubner, Self-subversive Justice: Contingency or Transcendence Formula of Law?, The Modern Law Review, Vol.72, n°1, January 2009, p 04

17.Gunther Teubner, Self-subversive Justice, op.cit,p 09

18. Andreas Philippopoulos-Mihalopoulos, Absent Environments, Theorising Environmental Law and the City, Routledge-Cavendish, UK, 2007, pp 109-114

19.Gunther Teubner, Self-subversive Justice, op.cit, p 13

20.Michael Hardt and Antonio Negri, Multitude, War and Democracy in the age of empire, The Penguin Press, New York, 2004, p 105

على أساس هذه الصدفة بين الفردية والمشترك، يمكن حسبNegriو Hardtتفادي ثنائيات الوحدة/التنوع، نحن/هم، وعليه فإن وجود التعدد مرهون بوجود التعددية في صورة مشترك، هذه الحالة يجب أن يصل إليها التعدد مع الإبقاء على التمييزات الداخلية للأشكال التي تؤلفه.

21. Michael Blecher, Law in movement: Paradoxontology, law and social movements, , Janet Dine and Andrew Fagan (eds), Human Rights and Capitalism: A Multidisplinary Perspective on Globalisation, Edward Elgar Publishing, Cheltenham, 2006, p 83

22.Michael Blecher, Mind the gap, op.cit, p 12

23.Jean-Guy Belley, L'Etat et la régulation juridique des sociétés globales, Pour une problématique du pluralisme juridique, Sociologies et Sociétés, Vol.18, n°1, 1986, pp 26-27

24.هنا نشير إلى المجتمعات ما بعد الكولونيالية لنؤكد أطروحة وجود تعددية قانونية بدون الدولة، عكس المفهوم التقليدي الذي يحصر قانون الشعوب المستعمرة في إطار الموجة الأولى للتعددية القانونية، والتي لا تخرج عن إطار المقاربة الدولاتية، انظر:

Paul Schiff Berman, Global legal pluralism, Southern California Law Review, Vol. 80, 2007, p 1185; Marc Hertogh, What is non-state law? Mapping the other hemisphere of the legal world, in, van Schooten H. and Verschuuren J. (eds), International Governance and Law: State Regulation and Non-state Law, Edward Elgar, Massachussetts, USA, 2008, pp 12-14

25.Christine Parker, The Pluralization of Regulation, Theoretical Inquiries in Law, Vol.9, n°2, 2008,  p 352

26. Sally Merry, Legal Pluralism, Law and Society Review, Vol.22, 1988, p 889

27. Gunther Teubner, The two faces of Janus: rethinking legal pluralism, in, Jyrki Uusitalo, Zenon Bankowski and Kaarlo Tuori (eds.), Law and Power: Critical and Socio-Legal Essays, Deborah Charles, Liverpool, 1998, p 133

28. John Hasnas, The depoliticization of Law, Theoretical Inquiries in Law, Volume 9, n°2, 2008, p 529

29.Philip Selznick, Law, Society and Industrial Justice, Russell Sage, New York, 1969

30.(Gunther Teubner, Substantive and Reflexive elements in Modern Law, Law and Society Review, Vol.17, n°2, 1983, p 249

31.Peer Zumbansen, Law after the Welfare State: Formalism, Functionalism, and the Ironic Turn of Reflexive Law, The American Journal of Comparative Law, Vol. 56, 2008, p 790

32. Wolf Heydebrand,Process Rationality as Legal Governance: A Comparative Perspective, International Sociology, Vol.18, n°2, 2003, p 328

33.Christine Parker, op.cit, p 357

34. يضع الهرم الضبطي لنظرية الضبط التجاوبي لكل من Ian Ayres  و John Braithwaiteالقانون الدولاتي بشكل واضح في قمة الهرم، ويبين كيف أن التأثير القانوني يجنح إلى ضبط ورقابة غير رسمية وتفاوضية، أنظر:

Ian Ayres and John Braithwaite, Responsive regulation, Transcending the Deregulation Debate, Oxford University Press, Oxford, New York, 1992, pp 19-35

35.Christine Parker, op.cit, p 358

36.من أجل المقارنة بين المقاربة الانعكاسية والتجاوبية للقانون أنظر:

Robert Eli Rosen, Endogeneity and Its Discontents: Teubner and Selznick on Legal Pluralism, Theoretical Inquiries in Law, Vol.9, Issue 2, 2008, pp 49-58

37. MMartin Krygier, Philip Selznick: incipient law, state law and the rule of law, in, in, H. van Schooten and J. Verschuuren (eds), International Governance and Law: State Regulation and Non-state Law, Edward Elgar, Massachussetts, USA, 2008,pp 31-55

38.Christine Parker, op.cit, p 360

39.Christine Parker, op.cit, p 361

40.Andrea Fischer Lescano and Gunther Teubner, Regime-Collision: the vain search for legal unity in the fragmentation of global law, Michigan Journal of International Law, Vol. 29, 2004, p 1004

41. Marc Hertogh, What is non-state law? Mapping the other hemisphere of the legal world, in, H. van Schooten and J. Verschuuren (eds.), International Governance and Law: State Regulation and Non-state Law, Edward Elgar, Massachussetts, USA, 2008, pp 15-27

42.محمد بوبوش، "المخاطر الناشئة عن تجزؤ النظام القانوني الدولي"، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 23، صيف 2009، ص ص 09-14

43. Gunther Teubner, Breaking Frames, Economic Globalization and the Emergence of Lex Mercatoria, European Journal of Social Theory, Vol.5, n°2, 2002, p 214

44.نشاهدها أكثر في حركة التحليلات الاقتصادية للقانون

45.Gunther Teubner, In the Blind Spot: The Hybridization of Contracting, Theoretical Inquiries in Law, Vol.8, n°1, 2007, p 54

46.Gunther Teubner, op.cit, p 55

47. Gillian. K. Hadfield, Privatizing Commercial Law, Regulation, Vol.24, No.1, 2001, p 40

48. Gillian. K. Hadfield and Eric Talley, On Public versus Private Provision of Corporate Law, Journal of Law, Economics and Organization, Vol.22, 2006, p 440

49.Gunther Teubner, The Transformation of Law in the Welfare State,in, Gunther Teubner (ed.), Dilemmas of Law in the Welfare State, De Gruyter, Berlin/New York 1985, pp 3-10

50. Gunther Teubner, After Privatisation, After Privatisation? The Many Autonomies of Private Law, Current Legal Problems, Vol.51, 1998, p 421

51. Mauro Zamboni, Law and Politics, A Dilemma for Contemporary Legal Theory, Springer-Verlag, Berlin, 2008,  pp 132-134

52.Rachel Vanneuville, Le droit administratif comme savoir du gouvernement? René Worms et le Conseil d’Etat devant l’Académie des sciences morales et politiques au début du 20e siècle, Revue Française de Science Politique, vol. 53, n°2, avril 2003, p 220

53. Niklas Luhmann, Operational closure and structural coupling: the differentiation of legal system, Cardozo Law Review, Vol.13, 1992, p 1436

54. Seyla Benhabib, Beyond interventionism and indifference: Culture, deliberation and pluralism, Philosophy Social Criticism, Vol.31, 7, 2005, pp 753-771

55.Jacint Jordana and David Levi-Faur, The politics of regulation in the age of governance, in, Jacint Jordana and David Levi-Faur (eds.), The Politics of Regulation, Institutions and Regulatory Reforms for the Age of Governance, Edward Elgar, UK, 2004, pp 01-30

56. Wolf Heydebrand, Process Rationality as Legal Governance: A Comparative Perspective, International Sociology, Vol.18, 2, 2003, p 329

57. Gunther Teubner, After Privatisation,op.cit,  p 404

58.حول هذا المفهوم، أنظر:

Benedict Kingsbury, Nico Krisch, Richard B. Stewart, The emergence of global administrative law, Law and Contemporary Problems, Vol.68, Summer/Autumn 2005, pp 15- 61

59.Stefano Battini, The Globalization of Public Law, European Review of Public Law, Vol.18, 1, 2006, pp 27-49 

60.Sabino Cassese, Administrative law without the state? The challenge of global regulation, International Law and Politics, Vol.37, 2005, p 670and 687

61.Anne-Marie Slaughter, A New World Order, Princeton University Press, NJ and Oxford, 2004

62.Kenneth Anderson, Squaring the circle? Reconciling sovereignty and global governance through global government networks, Harvard  Law  Review, Vol.118, 2005, p 1263

63.Benedict Kingsbury, Nico Krisch, Richard B. Stewart,op.cit, p 20

64.Alfred C. Aman, Globalization, democracy, and the need for a new administrative law, UCLA Law Review, Vol.49, 2002, pp 1687-1716

65.Paul Schiff Berman, Cyberspace and the state action debate: the cultural value of applying constitutional norms to private regulation, University of Colorado Law Review, Vol.71, 2000, pp 1282-1289

66.Janet Newman, Rethinking ‘The Public’ in Troubled Times: Unsettling State, Nation and the Liberal Public Sphere, Public Policy and Administration, Vol.22, 1, pp 27-47

67. Larry Cata Backer, Economic globalization ascendant : four perspectives on the emerging ideology of the state in the new global order, Berkeley La Raza Law Review, Vol.17, 1, 2006, pp 103-106

68. Peer Zumbansen, Transnational law, in, Jan M. Smits (ed.), Elgar encyclopedia of comparative law, Edward Elgar, UK, 2006,pp 738-754

69.Robert Wai, Transnational private law and private ordering in contested global society, Harvard International Law Journal, Vol.46, 2, Summer 2005, p 471

70.Peer Zumbansen, The Law of Society: Governance Through Contract, Indiana Journal Global Legal Studies, Vol.14, Issue 2, Summer 2007, pp 191-233  

71.في كتاب(1994) The Great transformation، والذي يعد محاولة لتوضيح طبيعة السياق الاجتماعي لاقتصاد الثلاثينات، وحجةPolanyiأن السوق أصبح غير متضمن في العلاقات الاجتماعية، وكنتيجة فإن المنظمات الاجتماعية أصبحت مفروضة عن طريق طلبات السوق، وبالنسبة لـ Polanyiفإن أخطار كبيرة نتجت عن ترك النظام الدولي لصالح اليد الخفية للسوق الذاتية التنظيم.

72. Ronaldo Munck, Globalization and Contestation: A Polanyian Problematic, Globalizations, June 2006, Vol.3, 2, pp 175-186

73.Beverly J. Silver and Giovanni Arrighi, Polanyi's Double Movement: The Belle Époques of British and U.S. Hegemony Compared, Politics & Society, Vol.3,  2, June 2003, pp 240-243

74.Michael Hechter, Karl Polanyi's Social Theory: A Critique, Politics and  Society, 1981, Vol.10, 4, pp 399-429

75.Elizabeth Anderson, Beyond Homo Economicus: New Developments in Theories of Social Norms, Philosophy and Public Affairs, Vol.29, 2, 2000, pp 170-  200

76.Orly Lobel, The paradox of extralegal activism : critical legal consciousness and transformative politics, Harvard Law Review, Vol.120, 2007, p 02

77.Michael Steven Green, Legal revolutions:  six mistakes about discontinuity in the legal order, North Carolina Law Review, Vol. 83, 2005, pp 105-127

78.Margaret Jane Radin and Polk Wagner, The Myth of Private Ordering : Rediscovering Legal Realism in Cyberspace, Chicago-Kent Law Review, 73, 1998, p 1298

79. Corentin De Salle, Fin de l’histoire et légitimité du droit dans l’œuvre de F. A. Von Hayek, Revue française de science politique, Vol.53, n°1, février 2003, p 129

80.Bruce L.  Benson, Enforcement  of  Private Property Rights  in Primitive Societies: Law without Government, The Journal of Libertarian Studies, Vol.11, 1, 1989, p 21

81.Peer Zumbansen, Law after the Welfare State : Formalism, Functionalism, and the Ironic Turn of Reflexive Law, The American Journal of Comparative Law, Vol. 56, 2008, p 777

Pour citer ce document

مراد بن سعيد, «مقاربة ما بعد وضعية لأشكال القانون في المجتمع المعاصر»

[En ligne] مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales العدد 19 ديسمبر 2014N°19 Décembre 2014
Papier : pp : 36- 57,
Date Publication Sur Papier : 2015-05-25,
Date Pulication Electronique : 2015-05-06,
mis a jour le : 27/05/2015,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=1262.