مناهج وتقنيات البحث الأنثروبولوجي في موضوع أسماء الأعلام L'anthroponymie
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
08
09
10
11
12
13
14
15

العدد 19 ديسمبر 2014 N°19 Décembre 2014

مناهج وتقنيات البحث الأنثروبولوجي في موضوع أسماء الأعلام L'anthroponymie

مختار رحاب
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

إن أسماء الأعلام في أي مجتمع تشكل جزءا من ثقافته، وهي تختلف من مجتمع إلى آخر تبعا لاختلاف الثقافات التي تميز الشعوب بعضها عن بعض، وأسماء الأشخاص بوصفها جزءا  من ثقافة المجتمع تخضع للتغير والتبدل في إطار عملية التغير الاجتماعي والثقافي التي تتعرض لها الثقافة الأم، كما تساهم العديد من العوامل في تحديد نوعية الأسماء كالعامل البيئي، الاختلاف الطبقي الاجتماعي والاقتصادي داخل مجتمع.  وفي هذا المقال سأتطرق لإبراز التقنيات والمناهج المستخدمة من قبل الأنثروبولوجيين في دراستهم المتعلقة بأسماء الأعلام، مع إبراز أهم المستجدات الحاصلة في هذا المجال.

الكلمات المفتاحية: اسم العلم، الأنثروبولوجيا، البحث، الثقافة، الهوية.

Les noms propres font partie de la culture de chaque société. Ils varient d'une communauté à l'autre en fonction des différentes cultures qui caractérisent chacune d’elles. Les noms de personnes faisant partie de la culture de la société subissent aussi des changements dans le cadre des transformations sociales et culturelles auxquelles est exposée la culture mère. Différents facteurs sont à l’origine de la qualité des appellations, tel que Le facteur environnemental par exemple ou la différence des couches sociales et économiques d’appartenance au sein de la société.Dans cet article sont mentionnés les techniques et méthodes utilisées par les anthropologues dans leur étude sur les noms propres, en soulignant les développements les plus importants ayant lieu dans ce domaine.

Mots clés :NomPropre, L'anthropologie, Recherche, Culture, L'identité.

This article outlines the techniques and methods used by anthropologists in their studyconcerning proper names, highlighting the most important developments taking place in this area. Proper nouns are culture-bound and vary from one society to another, and the names of people as part of the culture of the society are subject to adjustment and change in the framework of the process of social and cultural change experienced by the native culture. Other environmental, economic, social and class differences factors also contribute in determining the quality of the names within the society

Key words: Proper Nouns, Anthropology, Research, Culture, Identity.

Quelques mots à propos de :  مختار رحاب

 أستاذ محاضر قسم علم الاجتماع جامعة المسيلة

مـقدمة  

ينظر الكثير من الباحثين إلى أسماء الأعلام داخل أي مجتمع في أية حضارة، على أنها تعكس أبعادا ثقافية واجتماعية، وتعبر عن انتساب لمحيط حضاري معين فتجسد جانبا هاما من هوية المجتمع، كما تبرز خلفية فكرية، أو مذهبية، أو عقدية، كما تؤشر كذلك عن انتماء طبقي اجتماعي لحامليها.

ونظرا لجملة الأهداف والمزايا التي أتينا على ذكرها والتي تحتلها أسماء الأعلام، فقد كانت محل اهتمام الدارسين والباحثين منذ فترات زمنية بعيدة، فكتبت المدونات في هذا الشأن، ورسمت شجرة الأنساب لدى العديد من القبائل والجماعات وتوارثوها أبا عن جد بالحفظ والتدوين.

وكان من أبرز الفروع العلمية التي اشتغلت على أسماء الأعلام والأماكن علم الأنتروبولوجيا، وتحديدا من خلال فرعي الأنثروبونيميl'anthroponymieويهتم هذا الفرع  بدراسة أسماء البشر، أما الفرع الآخر فهو التوبونيمي  la Toponymieويهتم بدراسة أسماء الأماكن وكانت قد توسعت الاهتمامات في مجال دراسة أسماء الأشخاص، وطرحت العديد من التساؤلات والافتراضات حول: مدلول الاسم العلم، وما أبرز العوامل المحددة لاختياره، وما أهم التغيرات التي طرأت في هذا المجال، وما الحيز الذي يشغله اسم العلم في مجال الهوية والانتماء بمختلف أنواعه، وذلك من خلال اعتماد تقنيات ومناهج للبحث في أسماء الأعلام. وفي هذا المقال سأتطرق لإبراز التقنيات والمناهج المستخدمة من قبل الأنثروبولوجيين في دراستهم المتعلقة بأسماء الأعلام، مع إبراز أهم المستجدات الحاصلة في هذا المجال. 

أولا: موقع دراسة "أسماء الأشخاص" في العلوم الاجتماعية

إن اسم الشخص أو المكان كليهما يحمل رسالة مهمة، الأولى والواجب الاطلاع عليها وحفظها لتحقيق الاهتمام بالماضي وضمان الاستمرار التاريخي.1  

يرى الباحث الأنثربولوجي علي المكاوي أن الأسماء  يمكننا وصفها على أنها رموز ثقافية عالية التكثيف، تكشف عن علاقة الإنسان بالبيئة وتفاعله معها، ومن هنا صارت الأسماء موضوعا مشتركا للعديد من العلوم، يدلي كل علم منها بدلوه في ضوء بؤرة اهتمامه، فهذه تتناول الاسم من حيث اشتقاقه ودلالته اللغوية وما يحويه من أجناس دلالية كالترادف والتضاد والاشتراك والتخصيص وهذا من اهتمام علم اللغة، وتلك تشير إلى الاسم في ارتباطه بالعقيدة الإسلامية والسنة النبوية والآداب الدينية التي تحكم اختيار الاسم وتوقيته وحقوق الأبناء على الآباء وهذا من اهتمام علوم الدين، كما يهتم الإحصاء بتتبع كثرة انتشار بعض الأسماء دون أخرى، كما تسعى فروع أخرى لدراسة الأسماء باعتبارها نتاجا لعقلية جماعة، وانعكاسا لظروف بيئية وطريقة حياة، ومرآة لنفسية شعب، وصورة لتاريخ الحضارة.2

ومن أبرز العلوم التي اهتمت بدراسة وتتبع معاني ودلالات أسماء الأشخاص، وتقصي التغيرات التي تطرأ على منظومة التسمية لدى مجتمع من المجتمعات، أو ثقافة من الثقافات، مع تحديد العوامل الموجهة لذلك نجد:

1-الأديان وأسماء الأشخاص

 بمسحة مختصرة من خلال تتبع الاهتمام الذي أولته الأديان السماوية لأسماء الأشخاص، نجد أنها رسخت منظومة أو قاموسا للأسماء المحببة والمباركة، فقد شكل الانجيل مصدرا للأسماء النصرانية، ومن الأمثلة الشاهدة على ذلك من باب التمثيل لا الحصر نجد:" اليزابيث وتعني ميثاق الرب،وجيمس وتعني حماك الله، وجوزيف وتعني فضل الله وجون وتعني هدية الرب وغيرها...

  أما بالنسبة للدين الإسلامي فقد كان له أثر كبير في تغير منظومة التسمية خصوصا لدى العرب، فقد دعا إلى تغيير واستبدال بعض الأسماء  خصوصا منها التي كانت على أساس طوطمي، والتي كانت العرب تسمي بها المواليد، أو تكني بها الرجال أو تسمى بها القبائل مثل :مرة، بني كليب ،ثعلبة وحجر، تأبط شرا، أبو جهل... ، حيث أولى الدين الإسلامي أهمية لدلالات التسمية لما لها من دور وأهمية في مجال علاقة المسمى بمحيطه الاجتماعي، ولما لها من انعكاسات على الذات الفردية التي تملك هذه التسمية وتنادى وتعرف من خلالها، فكانت الدعوة إلى اختيار ما هو حسن ومحبب من الأسماء، وُأقر في ديانة الإسلام أن من حق الولد على والده أن يحسن اختيار اسما له، ويحسن موضعه، ويحسن أدبه.

وقد كان لانتشار الدين الإسلامي فيما بعد خارج شبه الجزيرة العربية أثر في انتشار العديد من الأسماء وانتقالها إلى العديد من الثقافات والمجتمعات كشمال أفريقيا، أندونيسيا، الصين، ماليزيا، بلاد الفرس، بلاد الأناضول، أوربا.  

2-اللغويات

إن الأصل في أسماء الأشخاصأو الأفراد في أغلب الثقافات وكل المجتمعات تشكل ألفاظا لغوية، وتمثل أصواتا لغوية وتشكل مجالا خصبا للدارس اللغوي أو الألسني، فإذا كانت اللغة تمثل نظاما من القواعد أو الإشارات، فان من وظائفها أنها أداة اتصال تنتج تفاعلا اجتماعيا. كذلك الاسم الممنوح للفرد فانه يشكل أداة اتصال بين الفرد والمجتمع.

كما توفر الدراسات اللغوية للباحث في مجال التسمية عموما سواء ما تعلق منها بأسماء الأعلام أو تسمية الأماكن، أو الأسماء العائلية Patronymie، أو تسمية الأولياء Hagionyme، أو البحث في تسميات الأعراق والاثنيات Ethnonyme، دلالات التسمية للأمر المسمى سواء أكان فردا أو مكانا أو لقبا أو عرقا، فأصل التسمية يرجع إلى المصدر اللغوي الذي تولد منه.

3-التاريخ

لقد كان للتاريخ أهمية في حياة العديد من الأمم والشعوب حيث أطلقت عليه العديد من التسميات بين الفن والعلم، والحافظ لذاكرة الأمم، والمدون للأحداث بالانتصار والانكسار، والمبرز للملاحم، والخازن لفترات الظلمة والأنوار.

وكانت العديد من الثقافات والمجتمعات قد أعطت عناية كبيرة لعلم الأنساب، والترجمة لمشاهير الرجال، فألفت ودونت المصنفات والكشافات والموسوعات، مما كان له الأثر والدور في انتشار أسماء الأشخاص، أو انحصارها.

4-الإحصاء ودراسة الأسماء

   ينظر الإحصاء إلى الأسماء على أنها ظاهرة لغوية تخضع لقانوني" الانتشار" و"التناهي" فأما قانون الانتشار فيعني أن الأسماء وألفاظ اللغة تنتشر في البيئة بلا تمركز في مكان واحد، أو تجمع في ركن واحد على حين يذهب قانون التناهي إلى أن الأسماء وكل الكلمات لها حدود فهي مفردات في نظام متناه في العدد مهما بلغ حجمه، ولذلك فإذا أردنا حصر الأسماء، وإجراء الدراسة الإحصائية عليها وجب جمعها إلى أن نصل إلى نقطة التشبع الفاصلة والتزيد، وهذه تحتمها القوانين الإحصائية. 3

  والدراسة الإحصائية تنتهج التحليل الكمي باستخدام الحاسب الآلي، ومن خلال برامج متنوعة، وبالتالي تبرز الدراسة عدد مرات تكرار الاسم في العينة وعدد مرات ظهوره كاسم أول وثان وثالث أخيرا تكشف المقارنة بين هذه الأجيال الثلاثة عن حجم التغير واتجاهاته من خلال النسب المئوية والتوزيعات التكرارية والرسوم الكمية البيانية...الخ4

ثانيا: أبرز مناهج الدراسـة الأنتروبولوجية في موضوع أسماء الأعلام.

   يرى العديد من المفكرين أن العلم عبارة عن بناء معرفي، من أبرز خصائصه أنه منظم بطريقة مفيدة، فالمنهج العلمي هو عملية تفكير تحكمها مجموعة من القواعد، ومنهج البحث الاجتماعي لا يختلف عن مناهج البحث في الفروع العلمية الأخرى خاصة في الغاية المنشودة وهي اكتشاف الحقيقة والوصول إليها. 5

   ولما كان البحث في موضوع أسماء الأعلام له دلالة مختلفة أهمها إبراز هوية المجتمع، وتحديد انتمائه الحضاري، وتقديم المساعدة للكشف عن شخصية المجتمع، هذا الأمر الذي يظهر أهمية المنهج في دراسة أسماء الأعلام.

  إن مدلول كلمة منهج يعني السبيل أو الطريق التي يسلكها الباحث في دراسته لمشكلة من المشكلات أو الظواهر الاجتماعية، الإنسانية، أو الطبيعية، وبمعنى آخر فالمنهج هو عملية تفكير منطقية منظمة مصحوبة بخطوات تطبيقية يسعى الباحث من خلالها الوصول إلى أهدافه التي سطرها. 

وكان ابن خلدون أول من دعا إلى ضرورة دراسة الظواهر الاجتماعية دراسة تحليلية، تهدف إلى الكشف عن طبيعتها، والوصول إلى القوانين التي تحكمها، وقد أكد على ضرورة استخدام المنهج الاستقرائي، والاعتماد على الملاحظة، كما أشار إلى ضرورة الاهتمام بالجوانب الديناميكية للظواهر الاجتماعية إلى جانب العناية بدراسة الجوانب الاستاتيكية، ومن بعده جاء عدد من المفكرين الأوربيين الذين قدموا مقترحات علمية متشابهة، ومن هؤلاء أوجست كومت، ومن بعده إميل دوركايم. الذي أكد على ضرورة تدعيم الدراسات التي تبحث في الظواهر الاجتماعية بإقامة الأدلة والبراهين.6

مفهوم المنهج

  لقد شاعت كلمة "منهج" أو "مناهج" في العلم الحديث، وكانت أكثر شيوعا، في مجال العلـوم الاجتماعية خاصة، علم الاجتماع والأنثربولوجيا، وحسب العديد من العلماء والمفكرين، فإن كلمة منهج هي وليدة المباحث والميادين المنطقية، حيث يقول في هذا المجال العالم الفرنسي " لالاند ": ان مناهج العلـوم أو  Méthodologie، تعد جزءا هاما من أجزاء المنطق، وميدانا أساسـيا من ميادينـه.

 وهناك العديد من المناهج والطرق التي بواسطتها يقوم الباحث بجمع البيانات التي توظف في البحوث الـعلمية، وفي مجـال البحث العلمـي لا يمكننا القول أن هناك منهجـا أفضل من منهج آخر ، وإنما هناك منهج مختار يكون أكثر ملاءمة من غيره لدراسة ظاهرة معينة وبلا شك أن نوعية و طبيعة موضوع البحث هي التي تحدد اختيار المنهج الذي سيستخدم في الدراسة، وذلك من أجل الوصول إلى الإجابة بأفضل طريقة على الإشكالية المطروحة، ونظرا لطبيعة الدراسة التي يقوم بها الباحث ، التي تسعى إلى تشخيص الواقع الفعلي لظاهرة للظاهرة المدروسة، والعمل على معرفة الأسباب والظروف المحيطة بالظاهرة، ومحاولة فهمها فهما موضوعيا، إضافة إلى تحقيق جملة الأهداف المسطرة، ومن أبرز المناهج المستخدمة في دراسة موضوع أسماء الأعلام نجد:

1-المنهج السوسيوأنثروبولوجي

لقد كان الاتجاه الكمي من أبرز الخصائص المميزة للدراسات السوسيولوجية، مقارنة بالاتجاه الكيفي في البحوث والدراسات الأنثروبولوجية، غير أن استقراء الدراسات" السوسيولوجية"، و "الأنثربولوجية الاجتماعية-الثقافية" الحقلية المعاصرة يبرز لنا تغير في وضع تلك المقومات التي استندت إليها تلك الثنائية، فعلى الرغم من أن علم الاجتماع قد عني بالأنماط المجتمعية "المتحضرة" خاصة ما تعلق بمشكلات الأسرة والاضطرابات الاجتماعية المصاحبة للجريمة والعنف، وملابساتها الاقتصادية والسياسية، ومشكلات التنظيم وغيرها، فهناك دراسات سوسيولوجية معاصرة اهتمت بالأنماط المجتمعية الريفية والبدوية، وبالمقابل فبقدر ما اهتم الباحثون الأنثربولوجيون بمشكلات المجتمعات التقليدية والبدوية، فقد وجهوا اهتمامهم نحو دراسة مشكلات التحضر والهجرة، والصراع العرقي، والانحراف والتنشئة الاجتماعية، ومشكلات التنمية7، إضافة إلى ما تعلق بأسماء الأماكن، أسماء الأعلام، أسماء المواقع المائية.

وهذا ما يبرز أن هناك ضرورة للمزاوجة بين الطرق السوسيولوجية وما اشتملته من إحصاءات واستبيانات، ووثائق، مع طرق البحث الأنثروبولوجي كالملاحظة بالمشاركة، والمعايشة، والاعتماد على الإخباريين، وغيرها من طرق البحث الأنثربولوجي، لدراسة المشكلات الاجتماعية، والموضوعات البحثية التي ظهرت في وقتنا المعاصر.  

وفيما يتعلق بطرق البحث، واتجاهات التحليل فقد أحرزت الأنثروبولوجيا تقدما كبيرا في استخدام الطرق المقننة، كما أفادت الدراسات السوسيولوجية كثيرا من المزاوجة بين تلك الأساليب الفكرية، وطرق الملاحظة بالمشاركة، وغيرها من طرق البحث الأنثربولوجي.8

وتم الاعتماد على المنهج السوسيوأنثروبولوجي من أجل تفادي أوجه النقد التي تتعرض لها كل من الطريقة الكمية والطريقة الكيفية، الأمر الذي استوجب أن يجمع الباحث بين المنهجين، المنهج السوسيولوجي من خلال التركيز على مجتمع الدراسة واختيار العينة الملائمة والممثلة لحجم المجتمع المدروس، أما المنهج الأنثروبولوجي فلأهميته في محاولة فهم ثقافة المجتمع ودراسة كل مظاهر الحياة، فمن أساسيات هذا المنهج أن يقيم الباحث في المجتمع المدروس لفترة كافية، ودراسة العلاقات الاجتماعية وما بها من قيم.

لذلك فالأخذ بالمنهج السوسيوأنثروبولوجي عند دراسة موضوعات ثقافية واجتماعية مرتبط بجملة التطورات الحاصلة، فالواقع أن الحياة الاجتماعية في وقتنا الحاضر قد تأثرت بالتكنولوجيات الحديثة خاصة وسائل الإعلام والاتصال بكل أنواعها، وما تحمله من ثقافات وقيم تختلف مع الثقافة الأصلية المحلية، في إطار ما يسمى بالعولمة، الأمر الذي أدى إلى بروز ظواهر، واكتشاف مجالات لم يكن بالمقدور الوصول إلى فهمها دون دراستها عن قرب أو معايشتها.

ومعلوم أن المنهج السوسيوأنثربولوجي بأسسه وخصائصه المذكورة سابقا، سيساعد الباحث على رصد حالة أي عنصر في الدراسة سواء أكان وضعا ماديا، أو خصائص فيزيقية، أو جوانب نفسية معنوية للفرد أو الجماعة، إضافة إلى الكشف عـن أنماط التفاعل المختلفة بين الأفراد كالتعاون، أو التنافس والصراع...

  2-المنهج الوصفي

    إن من أبرز المناهج المعتمدة في الدراسات الاجتماعية والأنثربولوجية نجد المنهج الوصفي التحليلـي، و إذا تتبعنا نشأة المنهج الوصفي التحليلي فنجده قديم قدم الأفكار العلمية، والحوادث المعرفية التي عرفها الإنسان عبر تاريخه الطويل، ولكن برز استخدام المنهج الوصفي التحليلي بصورة أكبر في الأبحاث والدراسات الاجتماعية والأنثربولوجية في العصر الحديث، خاصة لما استخدم في ثلاثة أبحاث ودراسات أكاديمية أساسية تمثلت الأولى في حركة المسح الاجتماعي في انكلترا، والثانية في فرنسا لما وضف فريدريك لوبلاي المنهج الموتوجرافي، والثالثة ارتباط المنهج الوصفي التحليلي بالدراسات الأنثربولوجية في نشأتها في  الو.م.أ.

   ويرى بعض الباحثين أن المنهج الوصفي التحليلي في مرحلة نشأته هو طريقة يعتمد عليها الباحث في الحصول على معلومات دقيقة تصور الواقع الاجتماعي وتسهم في تحليل ظواهره، ويستهدف الوصف في هذه المرحلة تحقيق عدد من الأهداف نذكر منها:

1-جمع المعلومات الدقيقة عن جماعة أو مجتمع أو ظاهرة من الظواهر.

2-صياغة عدد من التعميمات، أو النتائج التي يمكن أن تكون أساسا يقوم عليه تصور نظري محدد للإصلاح الاجتماعي.

3-وضع مجموعة من التوصيات أو القضايا العلمية التي يمكن أن ترشد السياسة الاجتماعية في هذا المجال.9

   يعتبر المنهج الوصفي  من أنسب المناهج، وأقدرها التي تمكن الباحث من جمع البيانات الميدانية وتحليلها، وذلك من خلال الاعتماد على إجراء مقابلات مقننة، أو وضع استبيانات، بهدف الحصول على معلومات ومعطيات أكبر من المبحوثين الذين يمثلون مجتمعا معينا، وعادة ما تشتمل الدراسة الوصفية على مجموعة من الأسئلة، الغاية من صياغتها الاستفسار عن معلومات تتعلق بالخصائص التي يكتسبها الفرد من خلال عضويته في جماعة اجتماعية، أو فئة اجتماعية، فضلا عن تعرف الباحث على مظاهر السلوك، والمعتقدات، والقيم والاتجاهات والآراء الحاضرة والماضية على حد سواء.

ويرى بعض علماء المنهجية أن البحوث الوصفية لا بد أن ترتكز على خمسة أسس، والتي يمكن ذكرها فيما يلي10:

4-إمكانية الاستعانة بمختلف الأدوات المستخدمة للحصول على البيانات كالمقابلة والملاحظة واستمارة البحث، وتحليل الوثائق والسجلات سواء بصورة منفردة تستخدم خلالها كل أداة على حدى، أو بصورة مجمعة يمكن خلالها الجمع بين استخدام أكثر من أداة.

5-نظرا لأن الدراسات الوصفية تهدف إلى وصف وتحديد خصائص لظواهر متفرقة، فلا بد أن يكون هناك اختلاف في مستوى عمق تلك الدراسات، بمعنى أن يكتفي بعضها بمجرد وصف الظاهرة المبحوثة كميا أو كيفيا بغير دراسة الأسباب التي أدت إلى ما هو حادث فعلا، بينما يسعى البعض الآخر إلى التعرف على الأسباب المؤدية للظاهرة علاوة على ما يمكن عمله أو تغييره حتى يؤدي إلى إجراء تعديل في الموقف المبحوث.

6- تعتمد الدراسات الوصفية غالبا على اختيار عينات ممثلة للمجتمع الذي تؤخذ منه وذلك توفيرا للجهد والوقت ولغيرها من تكاليف البحث.

7-لا بد من اصطناع التجريد خلال البحوث الوصفية حتى يمكن تمييز خصائص أو سمات الظاهرة المبحوثة، وخاصة أن الظواهر في مجال العلوم الاجتماعية تتسم بالتداخل والتعقيد الشديدين الأمر الذي لا يمكن للباحثين من مشاهدة كل تلك الظواهر في مختلف حالاتها على الطبيعة.

8-لما كان التعميم مطلبا أساسيا للدراسات الوصفية حتى يمكن من خلاله استخلاص أحكام تصدق على مختلف الفئات المكونة للظاهرة المبحوثة، كان لا بد من تصنيف الأشياء أو الوقائع أو الكائنات أو الظواهر محل الدراسة على أساس معيار مميز، لأن ذلك هو السبيل الوحيد إلى استخلاص الأحكام ومن ثم التعميم.

3-التقاطع بين المنهج الأنثروبولوجي والمنهج التاريخي في دراسة الأسماء

   يمكننا القول أن المنهج التاريخي من المناهج الكيفية التي تتقاطع في الكثير من الموضوعات مع المنهج الأنتروبولوجي، لا سيما المنهج الفولكلوري عند الاشتغال على موضوعات الثقافة الشعبية، ومن أهم المزايا والمساعدات الأكاديمية التي يمكن أن يقدمها المنهج التاريخي للباحث الأنثروبولوجي في مجال أسماء الأعلام هو تزويده بالمعلومات حول علاقة بين الإنسان والثقافة والبيئة ودور هذه العلاقة في توليد وإطلاق بعض الأسماء على المواليد.

   كما يعتمد المنهج التاريخي على الوثيقة التاريخية، فيزودنا بالدليل المادي حول موضوعات التاريخ الثقافي للمجتمع سيما الوثائق والدراسات التي تشتمل على دلالات الأسماء، وأبرز استخداماتها، ومدى انتشارها بين طبقة من طبقات المجتمع دون أخرى في مرحلة ماضية من حياة المجتمع، ومناسبات إطلاقها، ومدى التغير الذي طرأ عليها نتيجة عوامل متعددة كالانتشار، الهجرة، الحروب...الخ.

ثالثا: أهم الأدوات البحثية المستخدمة في أبحاث أسماء الأعلام.

   1-الملاحظة والملاحظة بالمشاركة

تعتبر الملاحظة بالمشاركة الوسيلة الأساسية في العمل الميداني، وكثيرا ما يعول عليها الباحث في اختبار البيانات التي يستخلصها بواسطة بعض الوسائل الأخرى، وتعبير الملاحظة بالمشاركة يتضمن فكرتين أقام عليهما بعض الباحثين موقفا ذا طرفين أحدهما يمثل الاندماج في المشاركة، والثاني يمثل التركيز على الملاحظة، والمهم هنا أن هذا التقابل بين المشاركة الخالصة، وبين الملاحظة الخالصة يماثل التقابل بين موقفي الاستغراق والانفصال اللذين يشار إليهما في الدراسة الحقلية الأنثربولوجية  كعملية ضرورية يقوم بها الباحث حتى يتمكن من فهم ما حوله وتسجيل ملاحظاته وتحليلاته عليه بعد ذلك.11

  الملاحظ يتوجه إلى ميدان بحثه لدراسة فريق طبيعي " ثلة من الشباب، مدرسة، مؤسسة، مدينة". يلاحظ ما يجري، ويسأل الإخباريين، ويحاول توثيق أقوالهم بالأدلة، والملاحظة قد تكون خارجية، أو ملاحظة بالمشاركة، والملاحظ الخارجي يرصد العناصر المدروسة كلا على حدى، جاعلا من نفسه غير منتبه إليه، كأن يجلس في عمق قسم ويقوم بهذا النوع من الملاحظة بطريقة منتظمة من خلال برنامج مسطر مسبقا، والذي يقوم بجرد ما سيخضع للرصد وما ستتم ملاحظته، لكن بالمقابل يستطيع إضافة إلى ذلك أن يأخذ على عاتقه بأن يحاول فهم حياة مجموعة ما بشكل عميق، حيث يندمج في هذه المجموعة مشاركا في أنشطتهم، حريصا على عدم إبراز غرضه، كما يمكن أن يظهر الباحث هويته، فالأنثروبولوجيون مثلا يحاولون جعل أنفسهم مقبولين في المجتمعات التي يدرسونها. فهناك الكثير من الباحثين عايشوا حياة المؤسسة بشكل لصيق، أو حياة مستشفى، أو حياة مدينة.12

  وهناك من الباحثين من ينظرللملاحظة بالمشاركة على أنها الطريقة التي يتبعها الباحث الأنثربولوجي، وذلك من خلال القيام والمشاركة بالأعمال التي تقوم بها الجماعة المدروسة، بغية التقرب منها والحصول على ودها، ومن ثمة إمكانية الوصول إلى أدق التفاصيل المتعلقة بالجماعة المدروسة، وغالبا ما يشترك الباحث في ممارسة مختلف الطقوس الدينية والاجتماعية، أو بعض المناشط الصناعية والحرفية، أو الزراعية... سواء أكانت فردية أم جماعية.13

  ويرى بعض علماء الأنثربولوجيا أنه لا يمكن دراسة المجموعات البشرية إلا بالاتصال بهم، الأمر الذي يستوجب مشاركتهم العيش بصورة دائمة ومستمرة طيلة فترة الدراسة، وهذا ما أكده كل من كلود ليفي ستروس Claud Levi-Straussو لينهاردت Leenhardt.14ومع الحضور والمشاركة المستمرة لأفراد مجتمع البحث، يمكن التركيز على السمع والنظر، اللذان لا يمكن الفصل بينهما في أثناء القيام بجمع البيانات والمعطيات الميدانية.    

   ومن أهم المميزات التي تمتاز بها أداة الملاحظة بالمشاركة، أنه من خلالها يستطيع الباحث القيام بمشاركة أفراد مجتمع الدراسة بطريقة طبيعية بعيدا عن الاصطناع، كما أن الباحث يستطيع تسجيل الحدث تلقائيا عند حدوثه، دون أن يضطر للتعامل مع الأفراد وسؤالهم وتسجيل إجاباتهم، والتي قد لا يتمكن من الحصول عليها سيما إذا تعلق الأمر ببعض الموضوعات الحرجة والحساسة.

   وأهم المعطيات والمعلومات التي يتم تحصيلها بواسطة الملاحظة بالمشاركة، قد تساعد الباحث في انجاز بحثه وتزوده بتوجيهات هامة عند تصميم الاستمارة، وبلا شك سيتم الاعتماد على هذه المعلومات المحصلة كذلك عند عملية تحليل المعطيات الميدانية التي جمعت بوسائل أخرى، وذلك من خلال إبراز الشواهد والأدلة.

   وفي هذا الصدد يرى غانم عبد الغني أن المعلومات والمعطيات المحصلة بواسطة الملاحظة بالمشاركة، ذات فائدة وأهمية بالنسبة للوسائل البحثية الأخرى، فالمعلومات الأولية المحصلة عن طريق الملاحظة بالمشاركة تزود الباحث بتوجيهات هامة عند التخطيط لإعداد استمارة البحث، كما تساعده كذلك عند إجراء الاختبارات السيكولوجية، وأثناء إعداد وتوظيف الوسائل البحثية الأخرى، كما تسهم الملاحظة بالمشاركة في انتقاء المعلومات الحقلية الضرورية التي بواسطتها يتمكن الباحث من تقييم الأدلة التي استنبطت من المعطيات الميدانية التي جمعت بوسائل أخرى، ذلك أن التداخل حاصل بلا شك –فترة إجراء الدراسة الحقلية- بين الملاحظة بالمشاركة والوسائل البحثية الأخرى لجمع المعطيات الحقلية.15

2-المقــابلة

هناك من الباحثين من يستخدم كلمة " الاستبار" بدلا من كلمة المقابلة، ولعل حجتهم في ذلك هو الرجوع إلى الأصل اللغوي للكلمة، ذلك أن الاستبار من سبر وأسبر وأستبر الجرح أو البئر أو الماء أي امتحن غوره ليعرف مقداره، واستبر الأمر جربه واختبره.16

يمكننا تعريف المقابلة:" ... كما تستخدم في البحث الاجتماعي بأنها المحادثة التي يبدأ بها الباحث، أو القائم بالمقابلة لغرض الحصول على بيانات مهمة للبحث. ويعرفها باحثون آخرون بأنها الحصول على بيانات عن طريق المحادثة التي يقوم بها القائم بالمقابلة مع شخص أو أشخاص آخرين لغرض البحث أو للمساعدة في التشخيص أو العلاج الاجتماعي، والمقابلة تختلف عن المحادثة الاعتيادية التي تجري بين الناس، من ناحية كونها مخطط لها لكي تنجز أو تحقق غرض معين."17

 يرى غريب سيد أحمد أن المقابلة أو الاستبار interviewمن الأدوات والوسائل الرئيسية المهمة التي يعتمد عليها الباحث الاجتماعي لجمع البيانات اللازمة، والمقابلة في جوهرها هي عبارة عن تفاعل لفظي يتم غالبا عن طريق موقف مواجهة يستثير من خلاله الشخص القائم بالمقابلة آراء ومعتقدات شخص أو مجموعة أشخاص، وذلك بهدف الحصول على بعض المعطيات الموضوعية.18

والمقابلة أنواع متعددة ومختلفة، حيث انطلاقا من الهدف المحدد لإجراء المـقابلة يتحدد نوعها، فهناك المقابلة العلاجية كالتي يجريها الطبيب، أو المعالج النفساني مع المريض، وهناك المقابلة التشخيصية، وهناك المقابلة البحثية والتي يكون الغرض منها جمع البيانات والمعطيات المتعلقة بمشكلة الدراسة، كما يمكننا تحديد نوع المقابلة انطلاقا من نوعية الأسئلة التي تضمنتها، فهناك المقابلة المقننة أي المقيدة بالأسئلة، وهناك مقابلات حرة، أما إذا أخذنا في الاعتبار عدد المبحوثين فهناك المقابلة الفردية، والمقابلة الجماعية.

وإذا كان هدف الباحث الأنثربولوجي استخلاص وجهة نظر الأفراد موضع البحث، وأسلوبهم المتميز في رؤية الأشياء والأشخاص فان من الضروري أن يدخل المقابلة كوسيلة أساسية في تحقيق هذا الهدف، وتعتبر المقابلة غير الموجهة هي الأنسب غالبا عند دراسة أسماء الأعلام، لأنها تشتمل على الحديث العادي وتوجيه أسئلة ذات نهايـات مفتوحة تتيح للفرد أن يبدي رأيه في الموضـوع المطروح، وخلال المقابلة يتلخص موقف الباحث في أن يكون مستمعا وملاحظا جيدا، فهو يستمع لكل كلمة تقال، وفي نفسه يلاحظ كل الإيماءات والايعازات، وحركات الأيدي، وباقي أعضاء الجسم خلال الحديث.19

ومن فوائد المقابلة في البحوث الأنثربولوجية تدعيم أداة الملاحظة من خلال الحصول على معطيات ومعلومات أكثر تفصيلا عن الموضوع المدروس، خاصة لما تكون الحاجة ماسة للتعمق في جانب أو أكثر من جوانب مجتمع البحث.

3-الاســتبيان

يرى عبد الباسط محمد حسن أن الاستبيان:" ترجمة للكلمة الانجليزية questionnaire، وللكلمة في اللغة العربية ترجمات متعددة، تترجم أحيانا باسم الاستفتاء، وتترجم أحيانا أخرى باسم الاستقصاء، وتترجم أحيانا ثالثة باسم الاستبيان، وهذه الكلمات جميعها تشير إلى وسيلة واحدة لجمع البيانات قوامها الاعتماد على مجموعة من الأسئلة ترسل إما بطريق البريد لمجموعة من الأفراد، أو تنشر على صفحات الجرائد والمجلات أو على شاشة التلفزيون، أو عن طريق الإذاعة ليجيب عليها الأفراد، ويقوموا إرسالها إلى الهيئة المشرفة على البحث، أو تسلم باليد للمبحوثين ليقوموا بملئها ثم يتولى الباحث، أو أحد مندوبيه جمعها منهم بعد أن يدونوا إجاباتهم عليها." 20

ويرى الباحث الأنثربولوجي الشهير هرسكوفيتز أن الاستبيان كأداة بحثية تساعد الأنثربولوجي المختص في الالتفات إلى العناصر التي قد تسقط منه سهوا أو إهمالا في مرحلة ما من مراحل إعداد البحث، وهذا ما جعل بعض الأنثربولوجيين يصفونها على أنها مذكرة يدوية للأنثربولوجي المختص الذي يقوم ببحث ميداني.21

هذا وقد تشتمل استمارة الاستبيان على قائمة صغيرة للأسئلة، كما قد تشكل مجموع الأسئلة كتيبا صغيرا، قد يتجاوز عشرات الصفحات، وغالبا ما تختلف استمارات الاستبيان من ناحية نوع الأسئلة، فهناك الأسئلة المفتوحة، الأسئلة المقفلة، الأسئلة المباشرة، الأسئلة غير المباشرة

4-الطريقة الجينيالوجية

كان “ريفر”ز قد وضع أسس هذه الطريقة وهو يعمل ضمن بعثة جامعة كمبردج عام 1898م وهي تقوم على أساس تتبع العلاقات بين الإخباري وسائر المرتبطين به قرابيا, وتسجيل ما يراه من بيانات تشمل الأسماء والأنواع وتواريخ الميلاد والزواج والطلاق والوفاة والإقامة وأنواع الروابط الزواجية ،والعمل، وغير ذلك من البيانات التي تفيد موضوع الدراسة, ويقوم الباحث باستخلاص هذه المعلومات في مذكراته خلال العمل الحقلي, ثم يقوم بعد ذلك بتفريغها في أية صورة تساعد على فهم العلاقات ولقاء الضوء على التنظيم الاجتماعي القائم, وعندما توضع هذه البيانات في صورة تخطيط هندسي فإنها تعبر تعبيرا سريعا وواضحا عن العلاقات والارتباطات وينبغي أن ينتبه الباحث منذ البداية إلى أهمية الحرص على تفهم معاني المصطلحات من وجهة نظر الأهالي بمعنى الأبوة الاجتماعية والبيولوجية, ومعنى البنوة المستمدة من الميلاد أو الرضاعة أو التبني أو غيرها, وكذلك طريقتهم في تقدير الأعمار وحساب التواريخ22

5-دليل العمل الميداني

  يمكننا القول أن دليل العمل الميداني هو بمثابة الموجه أو المرشد للباحث وغالبا ما يتضمن عناصر ومحاور الموضوع المدروس كأسماء الأعلام مثلا، ودليل العمل في الأبحاث الاجتماعية والأنثروبولوجية ليس بالجديد فمن أشهر أدلة العمل في مجال البحث الميداني الأنثروبولوجي نذكر:

أ‌-دليل عمل ميداني بعنوان: Notesand queries on Anthropologie.   نشره المعهد الملكي في بريطانيا أواخر القرن التاسع عشر.

ب_ دليل عمل وضعه عالم الاجتماع الفرنسي الشهير "مارسيل موس،Marcel Mauss" كان بعنوان: دليل الاثنوغرافيا، Manuel kethnographie

ج_الدليل الذي وضعه " جورج فوكار، GeorgeFoucart" بعنوان" المقدمة في التساؤلات للأثنولوجيا الإفريقية، Introductory Questions on African Ethnology"

ويتضمن دليل العمل الميداني جميع الاحتمالات التي يمكن أن يواجهها الباحث أثناء إجراء البحث، وهذا الدليل يعده الباحث ليكون بمثابة مرشد له يعينه على تحديد المواقف التي يمكن أن تواجهها أثناء التنفيذ الفعلي للبحث، ويحدد كيفية تعرفه على كل منها.23

6-الإخبـــاريون

  الإخباريون هم الأشخاص العارفون بـ “النشاط”، أو ” الحدث ”، أو” القضية ” موضوع البحث، بمعنى أن الباحث الأنثربولوجي، إذا أراد مثلا أن يقوم بجمع مادة علمية حول ” التنشئة الاجتماعية للأبناء ” فعليه في هذه الحالة أن يسأل الآباء عن أساليب تعاملهم مع الأبناء من الجنسين من حيث التوجه والمراقبة والنصح والعقاب والتدريب …الخ، كما أن عليه أن يسأل أيضا المشتغلين بالتربية والتعليم والتقويم ويسأل الأجداد حول رؤيتهم لطرق التربية المعاصرة، كما يسأل الأبناء في رؤيتهم للمعاملة التي يلقونها داخل الأسرة24

وتحديد فئة الإخباريين من قبل الباحث, يرجع بدرجة كبيرة, إلى نوعية الدراسة أو البحث, فإذا كانت الدراسة حول ظاهرة النزاعات والصراعات بالطرق العرفية, فالباحث في هذه الحالة يتصل برؤساء القبائل والأعيان, والأفراد العارفون الذي يعود إليهم في فضل النزاعات والخصومات الأهلية, ولابد على الباحث الأنثربولوجي أن يعمق صلاته بفئة الإخباريين ويا حبذا الوصول معهم إلى درجة الألفة والثقة, كي يحصل منهم على المعلومات المفيدة, والكافية, التي تخص موضوع البحث أو الدراسة, ويمكن للباحث لتعميق الصلة بالإخباريين أن يقدم لهم بعض الهدايا أو الخدمات, دون أن يجعل ذلك ثمنا أو مقابلا للمعلومات التي تقدم له .

  ويمكن الاستفادة من الإخباريين عند قيامنا ببحث حول موضوع الأسماء من خلال ما يقدمونه من معارف حول الأسماء المنتشرة بمجتمع الدراسة، كدلالات الاسم العلم، وطرق ومعايير اختيار الاسم، ومناسبات اختيار الاسم خصوصا وأن الإخباري هو ذلك الشخص الذي يتمتع بقوة الذاكرة والقدرة الفائقة على الحفظ والإلمام بثقافة المجتمع.  

7-التصوير بمختلف أنواعه

  الهدف من استخدام التصوير كالتصوير الفوتوغرافي، أو الفيلم الاثنوغرافي مثلا، هو إلقاء الضوء واستكشاف بعض صور ومعالم الحياة اليومية بالوسط المدروس، والتي تعد تعبيرا عن جزئيات ومجريات الحياة اليومية، والواقع الاجتماعي لأفراد مجتمع الدراسة.

   ويرى بعض الباحثين أن التصوير الفوتوغرافي أو الفيلم الاثنوغرافي يعتبر من أهم الوسائل التي يمكنها مساعدة الباحث على توثيق ملاحظاته، أو إبراز صور الممارسة أثناء دراسة الظاهرة، والمادة التي يجمعها الباحث بواسطة التصوير الفوتوغرافي يمكنه الانتفاع بها، فقد تكون مكملة للملاحظة.25

8-الوثائق والسجلات

يمكننا القول إنّ السجلات والوثائق هي إحدى الأدوات والمصادر، التي تزوّد الباحث بالمعلومات والمعطيات اللازمة، أثناء انجاز الأبحاث والدراسات، فيعمل الباحث من أجل الحصول على بعض الوثائق التي لها صلة بالموضوع، وستساعد هذه الوثائق الباحث في الحصول على معطيات ومعلومات هامة يتم استخدامها في مراحل مختلفة من البحث، كالإحصائيات المتعلقة بمجتمع البحث، إضافة إلى الحصول على قوائم اسمية خاصة بالفئة المدروسة في حقبة زمنية معينة، خاصة ما تعلق بشجرة الأنساب، ووثائق الميلاد في موضوع أسماء الأعلام.

الخـــــاتمة

   إنّ أسماء الأعلام في أي مجتمع كما ذكرنا في مطلع هذا المقال تشكل جزءا من ثقافته، وهي تختلف من مجتمع إلى آخر تبعا لاختلاف الثقافات التي تميز الشعوب بعضها عن بعض، وأسماء الأشخاص كجزء من ثقافة المجتمع تخضع للتغيّر والتبدّل في إطار عملية التغيّر الاجتماعي والثقافي التي تتعرض لها الثقافة الأم، كما تساهم العديد من العوامل في تحديد نوعية الأسماء كالعامل البيئي، والاختلاف الطبقي الاجتماعي والاقتصادي داخل المجتمع، إضافة إلى التوجهات الفكرية والفلسفية، والانتماءات الدينية والمذهبية. وكل هذا يبرز "الاسم" جزءا من الهوية العامة للمجتمع سواء تعلقت التسمية بالإنسان أم المكان، سيما في عصرنا هذا الذي أصبحت تحتل فيه " الهوية" موضوعا هاما للنقاش، كما أصبحت تشكل مشكلة تتولد عنها إشكاليات عديدة لبلدان مختلفة في ظل الصراعات الداخلية أو التحديات الخارجية سيما في بلدان الدول النامية.

   وفي ظل هذه الأهمية التي تحوزها " التسمية" فقد نالت حيزا معتبرا من اهتمام العلوم الاجتماعية بصورة عامة، والانتروبولوجيا بصفة خاصة، ولعل هذا الاهتمام أدى إلى تنوع وثراء في تقنيات ومناهج البحث في مجال علم الأسماء

الهوامش

1.Dorion, Henri :"Toponymie Normalisation et culture" in "special Toponymie" Bulletin des sciences géographiques. N05, l INCT, Alger, Avril 2000, p03

2. علي المكاوي وآخرون: قضايا منهجية معاصرة في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، كلية الآداب، قسم الاجتماع، جامعة القاهرة، (د.ت)، ص344.

3.علي المكاوي وآخرون: قضايا منهجية معاصرة في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، كلية الآداب، قسم الاجتماع، جامعة القاهرة، (د.ت)، ص347.

4. علي المكاوي: قضايا منهجية معاصرة في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، كلية الآداب، قسم الاجتماع، جامعة القاهرة، (د.ت)، ص347.

5.Gerald Adams and jay schvaveldt, Understanding Research Methods, Longman Publishing Group, New York, 1991, p12.

6. عبد الباسط محمد حسن: أصول البحث الاجتماعي، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة،1971، ص131.

7.محمد عبده محجوب: طرق ومناهج البحث السوسيوأنثروبولوجي، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 2005، ص311، ص 312.

8.غريب عبد السميع غريب: البحث العلمي بين النظرية والامبريقية، مؤسسة شباب الجامعة، القاهرة، 1999، ص56.

9.محمد علي محمد: علم الاجتماع والمنهج العلمي، دراسة في طرائق البحث وأساليبه، ط2، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية،1981، ص301.

10. صلاح مصطفى الفوال: مناهج البحث في العلوم الاجتماعية، مكتبة غريب، القاهرة، (د.ت)، ص152، ص153.

11. فتحية محمد إبراهيم وآخر: مدخل إلى مناهج البحث في علم الإنسان " الأنثروبولوجيا"، دار المريخ للنشر، المملكة العربية السعودية، "د.ت"، ص185.

12.Nicole Berthier : les techniques d`enquête en sciences sociales. Armand colin ; VUEF, Paris, 2002, p13.

13.كلوكهون، كلايد: الإنسان في المرآة، ترجمة سليم شاكر، بغداد، 1964، ص28.

14. Arborio Anne-Marie et Fournier Pierre, L`enquête et ses méthodes L`observation participante, Editions Nathan Université, collection 128, Paris, 1999, P.45.

15.  غانم عبد الله عبد الغني وآخرون: المدخل إلى علم الإنسان، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية، 1989، ص228.

16. عبد الباسط محمد حسن: أصول البحث الاجتماعي، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة،1971، ص330.

17. إحسان محمد الحسن وآخر: طرق البحث الاجتماعي، دار الكتاب للطباعة والنشر، جامعة الموصل، الموصل، 1981، ص192.

18.غريب محمد سيد أحمد: تصميم وتنفيذ البحث الاجتماعي، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1980، ص292.

19.  فتحية محمد إبراهيم وآخر: مدخل إلى مناهج البحث في علم الإنسان " الأنثروبولوجيا"، مرجع سابق، ص189، ص191.

20.  عبد الباسط محمد حسن: أصول البحث الاجتماعي، مرجع سابق، ص325، ص326.

21.هرسكوفيتز، ميلفيل: أسس الأنثربولوجيا الثقافية، ترجمة رباح النفاخ، وزارة الثقافة، دمشق، 1974، ص102. 

22. عيسى الشماس: المدخل إلى علم الإنسان، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ص88.

23.عبد الباسط محمد حسن: أصول البحث الاجتماعي، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة،1971، ص466. 

24.معن خليل عمر: مناهج البحث في علم الاجتماع، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان، الأردن،2004، ص20.

25. محمد الجوهري: علم الفولكلور دراسة في الأنثروبولوجيا الثقافية، مكتبة النصر للنشر والتوزيع، ط06، ج01، القاهرة، 2004، ص267.

Pour citer ce document

مختار رحاب, «مناهج وتقنيات البحث الأنثروبولوجي في موضوع أسماء الأعلام L'anthroponymie»

[En ligne] مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales العدد 19 ديسمبر 2014N°19 Décembre 2014
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2015-05-10,
mis a jour le : 31/05/2015,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=1267.