الكفايات المهنية والتعليمية: المفهوم والأبعاد
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 19 ديسمبر 2014 N°19 Décembre 2014

الكفايات المهنية والتعليمية: المفهوم والأبعاد

توفيق سامعي
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

إنّهُ لَمِن الأمر المُلْزِم على مؤسسات التكوين المهني اعتبار الكفايات المهنية المقياس الأدق عند محاولة القيام بتقييم ممارسة مهنية.  ولهذا يَظهر اهتمام الوحدة الإنتاجية بالكفايات المهنية لدىمُوَظِّفيها، حيث يتمحورُ الانشغال على الكفايات المهنية الواجب تَوَفُّرَها؛ وعليه وَجَبَ التكفّل الصارم ببناء هذه الكفايات وتوضيحها، وذلك لغرض تقييمها وتحقيقِها بالمستوى المقبول.  في إطار هذه الرؤية البرجماتية تظهر أهمية مفهوم الكفايات وأبعادها.

الكلمات المفتاحيّة:الكفايات المهنية،الكفايات التعليميّة، أبعاد الكفاية، التكوين المهني.

Il est impératif pour les institutions de formation professionnelle de considérer les compétences comme le critère le plus précis permettant d’évaluer une pratique professionnelle. On note la préoccupation de l’unité de production des compétences professionnelles chez ses employés.  L’attention est focalisée sur celles devant être acquises avec un niveau acceptable.  Dans cette vision pragmatique apparait l’importance du concept de compétences et ses dimensions.

Mots clés : Compétences professionnelles, compétences dans l'enseignement, Dimensions de la compétence, Formation professionnelle.

It is imperative for the institutions of professional training to consider competences as the most accurate criterion to assess a professional practice.  Attention must be focused on competences that students must acquire by the end of the training; about the construction and the effective achievement of these said competences.  The importance of the concept “competence” and its multiple dimensions appears as part of this pragmatic vision.

Keywords: Professionals Competences, Teaching Competences, Dimensions of Competences,   Professional Training.

Quelques mots à propos de :  توفيق سامعي

أستاذ محاضرأ" بقسم علم النفس و علوم التربية و الارطوفونيا  كلية العلوم الانسانية و الاجتماعية جامعة محمد لمين دباغين سطيف2

مقدمة

تُمثِّلُ الكفايات المهنيّة والتعليميّة، في أوقاتنا المعاصرة، جوهر اهتمام أي نظام تكويني، مهما كانت طبيعتُه ومستواه؛ سواء كان، تعليماعاما، أوتكوينا مهنيا، أم تعلّق بالمجالات التربوية العديدة التي لا تعدّ في المجتمعات التقليدية مِهنا بالمعنى الكامل، كمجالات الرياضة والفنون والسياسة.  إنّها مجالات مورِسَت وما زالت تُمارَسُ في هذه المجتمعات ذات الخصائص التقليديّة، بصفة شبه عفويّة نظرا لافتقادها لمناهج مُخطّطة ومُنظّمة، ونظرا كذلك إلى ضبابية طرق التكوين وتقنياته التي تَتَبنّاها.  أما الأنظمة التربوية المُعتمِدة على المفهوم الحديث للمناهج، فهي أنظمة تبذلُ كل الجهد لإفشاء الصرامة في المسائل ذات العلاقة بالعملية التكوينية، بدءا بكل عنصرٍ من العناصر التي تَشملُها المناهج الحديثة، والتي حدّدها تيلار         Tylerفي:الأهداف، والمحتويات، وطرق التعليم، والأنشطة التربوية ثم أنماط وكيفيات التقويم1. نجد هذه الأنظِمة تُراقِبُ باستمرار مدى فعالية كل عنصر من هذه العناصر المذكورة سَعْياً منهالتحقيق "الكفاية المهنية والتعليمية "بمستوى جيد ومقبول، حيث يؤدي أي ضعف يعرفه عنصر من هذه العناصر إلى عرقلة تحقيق هذه الكفايات.  ولتحديد معاني هذا المصطلح(الكفاية) والمفاهيم المرتبطة به، يبدو من الضروري التطرّق إلى المفهوم الحديث للمنهج، وللعناصر التي يحتويها.

          وفي هذا السياق يُعْرَفُ المنهج" كمجموعة من العناصر والمراحل التي يشملُها التخطيط التربوي والمتمثلة في الحاجات التربوية، والأهداف التعليمية، والمحتويات المعرفية، والتجاربالتعلّمية وتنظيمها، ثم طرق تقييم التعليم والتكوين"2.  ولقد حاولت المنظومة التربوية والتكوينية في الجزائر اعتمادهذا المفهومحيث بادر المجلس الأعلى للتربية بتعريفه على أنه "مجموعة مُنسجمة من الأعمال المُخطّطة لتسهيل عملية التعلّم تشتملُ على: تحديد أهداف التكوين في شكل معارف وكفايات ومهارات يراد تنميتها لدى المُتعلّم، وتحديد البرنامج الذي يتم إعداده في منظور بنائي وتطوّري ونَسقي، وانسجام أنشطة التعليم والتعلّم ومطابقتها مع الأهداف المنشودة، وتحديد الصِيغ الملائمة لممارسة الفعل التربوي، وتوفّر وسائل التنفيذ، ووضع الترتيبات المتعلّقة بالتكوين الملائم للمعلمين، وأخيرا اختيار أنماط تقويم التعليم والتعلّم3.  يظهر من خلال هذه التحديدات حقيقة الاهتمام بتحديد كل عنصر يُسهمُ في هندسة أي منهجتكويني مُعيّن يسعى إلى تحقيق مجموعة من الكفايات المهنية والتعليمية المطلوبة من قِبَل القطاعات المستخدِمة المختلفة، كالقطاع الصناعي، والزراعي والتجاري، أو القطاع الخدماتي بصفة عامة.  ونشهد في عالمنا التكويني المُعاصر تطوّر ظاهرة المناهج بصفة مُعتبرة حتى في المجال الفني والرياضي، حيث تُنشأ معاهد ومراكز متطورة ومختصة في مختلف الرياضات، تسعى إلى تحقيق كفايات رياضية في مُنتَهى الدِقَة، في السباحة، وألعاب القِوى والألعاب الجماعية المختلفة.  أما بالنسبة إلى المجال الفني، فهو يشهد كذلك، في التربية الفنية المعاصرة ضبطا صارما لمناهجه بنفس الكيفيّة والجِديّة التي تُمارسُ في المجالات التكوينية الأخرى.  فهناك مناهج دقيقة في الموسيقى، والسينما، والمسرحوالرسم، مُتّبَعة في المعاهد العليا للفنون. فما هي يا تُرى الغاية من هذه الدِقّة وهذا الضبط؟

نريد من خلال هذا المقال تقديم جواب لهذا التساؤل.

1-      الطموح الأساسي تحقيق مستويات جيّدة من الكفايات المهنيّة والتعليميّة

الجواب على السؤال الوارد في مقدّمة مقالي هو أنّ الغاية من الدِقّة والضبط تتمثّلُ في السعي لتحقيق المستويات الجيدة والمقبولة من الكفايات المهنيّة والتعليميّة المنشودة في كل مجال، في نهاية أي تكوين، وذلك في ضوء متطلّبات سوق العمل والشروط المرتبطة بالكفايات المنشودة. يلاحَظُ مستوى هذا التحقيق لدى خريجي المسارات التكوينيّة، الذين خضَعوا لتقويمٍ موضوعيٍّ.

إن المؤسسة التكوينيّة التي لا تهتم إلا بتلقين الحجم المعرفي، أصبحت مؤسسة غير فعالة، لا تنسجم مع متطلّبات التكوين المعاصر. يظهر إذن أن هناك ارتباطا واضحا بين الأهداف التكوينية المنشودة والكفايات المهنية المُراد تحقيقها من أجل ممارسة أي مهنة بنجاح.  وعلى هذا الأساس نشهد بروز مفهومالمعايير المهنية بهدف ضبط نواتج (مخرجات) أنظمة التعليم والتدريب المهني وتحسين ارتباطها بمتطلبات سوق العمل، وتيسير عملية انتقاء العاملين المؤهلين وتشغيلهم وتبادلهم أو انتقالهم.  من أجل ذلك ظهرت الحاجة إلى مرجعية قياسية تصلح كأساس لقياس قدرة الفرد على أداء مهام عمل مهني مُحدّد، وتقييم هذه القدرة وِفق هذه المرجعية القياسية.  فالمعيار المهني مرجع قياس، يتحقق في ضوئه تقييم مدى امتلاك فرد ما للمهارات اللازمة لأداء مهام العمل الذي يمثله المعيار المهني. وبذلك يكون لكل مسمى مهني ضِمن فئة مستوى محدد مرجع قياسي يطلق عليه أسماء عدة منها " المعايير المهنية "و"، " الكفايات المهنية "، و" المؤهلات المهنية "، و" المعايير الأدائية "4ولتحقيق هذه الكفايات بمستوى مُرْضٍ اتضحت الضرورة القصوى المُتمثلة في الاهتمام بكل العناصر المُكَوِّنة للمنهج الحديث كالأهداف التكوينية، والبرامج، والأنشطة التعليمية، والوسائل التعليمية. . . وكيفيات التقويم. إنه المفهوم الذي ينسجم تماما مع المقاربة البيداغوجية الملائمة في رأس المال البشري، وهي المقاربة بالكفايات. لقد أصبح رأس المال البشري يخضع للتخطيط، وللمراقبة والتقويم الصارم للأداء، بدءا بالمؤسسات التكوينية، وانتهاء بالمؤسسات الصناعية والإنتاجية، وذلك عبر تقييم دقيق لأداء الوظائف.  ولأجل ذلك " يُعتبر تقييم الوظائف ذا أهمية قُصوى في مجال العمل، إذ تمتدُّ آثاره إلى جميع جوانب الإنتاج، من حيث رفع الكفاية الإنتاجية للعاملين"5وتحقيق  التوافق المهني بصفة فعلية.  فقد أوضح د.هاملين حتمية التسيير العقلاني والصارم لمنتوج المدرسة والمتمثل في الطالب حين قال: " الإنتاج البشري هو شيء يَخْضَعُ كذلك للمراقبة، وللتخطيط، وللتنظيم وللقياس "6.

2-      الارتباط بين مفهوم رأس المال البشري ومفهوم الكفاية

هناك ارتباط أكيد بين مفهوم رأس المال البشري ومفهوم الكفاية، ذلك أن تحقيق الكفاية يُمثل الغاية القصوى لأي نظام تكويني يستثمر في الإنسان.فلا مصداقية لمشروع تكويني لا يسعى إلى تحقيق كفايات معيّنة، ولا أساس لتربية، مهما تمثلت مجالاتها، لا تطمح إلى تنمية كفايات محددة ومعروفة بصفة دقيقة. وفي هذا المسار التعليمي والتربوي الشاسع الذي عرفته البشرية، أصبحت المجتمعات المعاصرة تُقَيّمُ في إطار توفر أو عدم توفر الكفايات المختلفة، أو في إطار مستواها الجيد أو مستواها الضعيف.  أما البرامج والمحتويات التعليميّة فأصبح يُنظرُ إليها كوسيلة لتحقيق هذه الكفايات وليست غاية في حدّ ذاتها. ولهذا يُمكن اعتبار مسألة الكفايات التعليميّة والمهنيّة المقاربة البيداغوجية المُلائِمة بالنسبة لرأس المال البشري، وهذا من منظور أسس فلسفية تنسجم تماما مع الاتجاه البراجماتي النفعي الذي يعني في المدلول التربوي والتكويني تحقيق الكفايات النافعة وما ينجرّ عنها من حسن أداء، ومن مهارة وإنتاجية. لقد" أثرت الفلسفة البرجماتية في الحياة الأمريكية وكانت في نفس الوقت إحدى نتائج الحياة فيها. . . حيث اعتبِرت الفلسفة في نظر جون ديوي J. Dewey، شيئا عمليا من صميم الحياة اليومية وليست متعة أو نزهة عقلية يقوم بها الفيلسوف من بُرجِه العاجي. وإذا ما اتفقنا على أن التربية هي عملية تكوين النزعات الأساسية الفكرية والعاطفية في الإنسان من تلقاء الطبيعة، لم نخشى تعريف الفلسفة بأنها النظرية العامة للتربية، حيث نجد الفلسفة البرجماتية أكثر الفلسفات اهتماما بالتربية، والمؤسسات التربوية. ولهذا أنشأ جون ديوي مدرسة سمّاها "مدرسة المعمل"، وسميت المدرسة معملا لأنها تضم معامل للطبيعة والكيمياء إلى جانب الفلسفة وعلم النفس والتربية وقد اشتهرت باسم مدرسة ديوي.  وقد ورثت الأجيال من تلك الفلسفة الجرأة والإقدام، والاعتماد على النفس، والتحرّر من التقاليد السلبيّة، واكتساب محبّة الكشف والمغامرة، واستخدام العقل في تسخير الطبيعة، واحترام العمل اليدوي، واعتبار النجاح المادي الملموس دليلا على صحة السُبُل المُتّبعة7.  والتكوين المهني هو قطاع يحتاج إلى مواقف براجماتية لأنه يُمثّل قطاعا استراتيجيا أساسيا لحركة العجلة الاقتصادية ونجاحها.  فلا يُمكن تحقيق التنمية الشاملة إلا على أساس قطاع تكوين مهني قوي، وفعّال وذي مصداقية، بإمكانه توفير كل الكفايات المهنية التي يطلبها المجال الاجتماعي والاقتصادي في أوقاتنا الراهنة. " فإذا كانت الألفية الثالثة، تشكّل محطة تحَوُّل بخصوص المفهوم الاقتصادي، الذي تحوّل من الاعتماد على المصادر الطبيعية إلى الاعتماد على مصادر الطاقة البشرية؛ فإن منطق هذا المفهوم الاقتصادي الجديد، أضحى يتطلب نمطا تربويا تكوينيا يتلاءم وروح تصوره؛ ذلك أن البيداغوجيا التقليدية، وما رافقها من أساليب التطبيع والترويض والتنميط. . .؛ قد أصبحت في عرف معطيات ومتطلبات التصور الحالي، تفتقدُ لفعاليتها ونجاعتها بخصوص مسألة الاستثمار في الرأسمال البشري"8. تبدو إذن البيداغوجيا التقليدية، كونها تركز على الجانب العقلي دون سِواه، قاصرة أمام المفهوم الشامل والمعاصر للكفايات، الذي يظمُ كل الجوانب الحسية، والحركية، والعقلية، والمعرفية والانفعالية للإنسان في تلقيه للفعل التربوي ـ التعلّمي.

3-      مصطلح الكفاية، المفهوم والأبعاد

يعدّ مصطلح الكفاية من المصطلحات الحديثة التي أُدخِلت إلى القاموس التربوي، ولذلك لا زال مفهومها مستعصيا على الغالبية من المواطنين المهتمين بشؤون التكوين والتربية. والحديث عن الكفاية باعتبارها حديث التداول في أدبيات علوم التربية، يجعلنا في مواجهة عدة مصطلحات ومفاهيم تتداخل معها بشكل، أو بآخر، كما هو الأمر بالنسبة إلى المهارة، والاستعداد، والقدرة، والهدف، والسلوك والإنجاز. ففي اللغة العربية يورد ابن منظور في"لسان العرب"  تعريف الكفاية أو الكفاءة فيذكر قول حسان بن ثابت: وروح القدس ليس له كِفاءُ، أي جبريل عليه السلام ليس له نظير ولا مثيل. والكفىءُ: النظير، وكذلك الكُفْء والمصدر الكفاءة. والكُفاة:الخَدَمُ الذين يقومون بالخدمة، جمع كافٍ، وكفى الرجل كفاية، فهو كافٍ، إذا قام بالأمر9.  وهناك معنيان لكلمة كفاية: المعنى الأول يخص مجال سيكولوجية النمو، حيث يُقصد بها مجموع الإمكانات المتعلقة بالاستجابات الأولية تجاه البيئة المحيطة.  في حين يَتمَوْضَعُ المعنى الثاني ما بين علم النفس واللسانيات ويندرج ضمن علم النفس اللغوي Psycholinguistiqueحيث تعني الكفاية مجموع المعارف اللسانية التي تمكّن المُخاطب من فهم وإنتاج عدد لا نهائي من الجُمل10.  أما في مجال الشغالة Ergonomie، يظهر" أن أنشطة العمال تفترض"شيئا". هو عبارة عن بُنية أو بُنيات جاهزة وملائمة لإنجاز بعض المهام، واعتقد أنه أصبح من الضروري استعماله إذا رغبنا ليس فقط في الوصف بل أيضا وربما في الدرجة الأولى من التفسير والتحليل، أي تفسير السلوكيات المهنية"11.  يتساءل كذلك جاك لوبلا Jacques Leplat: لماذا إدخال مفهوم الكفاية في مجال الأرغونوميا؟ وما الفائدة المرجوة من وراء ذلك؟ فيذهب لوبلا Leplatإلى الاعتقاد أن مفهوم الكفاية لا يختلف كثيرا عن بعض المفاهيم القريبة مثل: المهارة (Habileté)، وحسن الأداء (Savoir-faire)، والخبرة (Expérience)، والقدرة (Capacité)، ويُصرّح أن هذه الكلمات عادة ما يشرح بعضها بعضا وتستعمل الواحدة منها مكان الأخرى.  كما يميز بين تصورين مختلفين لمفهوم الكفاية: التصور السلوكي Behavioriste، والتصوّر المعرفي الذهنيCognitiviste.فإذا كان التصور السلوكي يَعرف الكفاية بواسطة الأعمال والمهام التي يقدر الفرد على إنجازها، فإن التصور المعرفي ينظر إلى الكفاية كإستراتيجية ونظام من المعارف يُمكن من احتواء وتأطير النشاط. . . وأن تحليل العمل يحتلّ مكانة مركزية في دراسة عمل معين، فهو ينطلق من المعرفة النظرية التي تثير من جهتها المعرفة المكتسبة أمبريقيا والتي تتعلق بكل ظروف العمل "12.

4-      خصائص الكفاية عند جاك لوبلا Leplat

يستنتج لوبلا أن للكفاية ثلاث خصائص هي:

        أ‌-             الكفايات غائية: بمعنى أننا أكفاء لأجل تحقيق عمل أو إنجاز أو هدف معين.  إن الكفايات حسب هذه الخاصية، معارف إجرائية ووظيفية تتجه نحو العمل ولأجل التطبيق، أي على اعتبار مدى الاستفادة منها في تحقيق الهدف.

       ب‌-           الكفايات مُكتسبة: أي أنها تُكتسب بالتعلّم في المدرسة أو في مكان العمل وغيرها، وتتحقق بعد مُتابعة مسارات معينة.

       ت‌-           الكفايات مفهوم افتراضيمُجرد: بمعنى أن الكفايات داخلية لا يمكن ملاحظتها إلا من خلال نتائجها وتجلياتها والمؤشرات التي تدل على حصولها، أي من خلال ما يُنجزه الفرد المالك لها13.

ومفهوم الكفاية مفهوم معقد والتطرق إليه في وسط العمل أو منصب العمل يشترط مقاربات مختلفة، لعلّ من أهمها المقاربة التي تعتمد على تحليل العمل حيث توضح فيولاتهاجارViolette Hajjar" أنه يجب القيام بإعادة تحليل مفهوم الكفاية انطلاقا من مقاربات تجمع بين نتائج البحوث من جهة، وبين الممارسات المهنية من جهة أخرى التابعة لعمل معين وكفايات معينة "14. وأكّدتكلودات ماريني Claudette Marinéمن جهتها على أهمية المقاربة المنهجية عندما بينت أن" الكفايات المهنية هي عبارة عن مجموعة متداخلة من المعارف في سياقها الميداني"15.

تُعرّف فيفيان ديلاندشير V. De Landsheereالكفاية بأنها " تعبير عن القدرة على إنجاز مهمة بشكل مُرضٍ.  ويرى محمد الدريج " أن الكفاية سلوك يمكن التعبير عنه بأنشطة قابلة للملاحظة، لكنها أنشطة تتجمع وتندمج في عمل مفيد وذي مغزى، وهكذا فإن الوظيفة العملية (التطبيقية) هي التي تغدو حاسمة في الموضوع16.  إن الكفايات تُشكل مجموعات مهيكلَة تتفاعل عناصرها وتتداخل مكوناتها وتنتظم حسب تسلسل معين، للاستجابة لمقتضيات الأنشطة التي ينبغي إنجازها.  كما أن الكفاية يُمكن أن تتألف من تشكيلة (مزيج) غير متجانسة من المعارف والمهارات والقدرات العقلية والخطاطات الحسية. . . إلخ، وما يوحد بينها هو فائدتها ومنفعتها، أي النشاط التقني والاجتماعي الذي سينتج عن توظيفها.  إن الكفاية غير منسجمة من حيث العناصر التي تتألف منها، ولكنها منسجمة من حيث النتيجة المُستهدفة.  كما تتضمن الكفايات نتائج المكتسبات المعقدة والتي تظهر كما لو كانت حصيلة المكتسبات السابقة.  مما يؤكد الطابع اللولبي (نسبة إلى اللولب) للكفاية حيث تُعدّ تشكيلة وخليطا من العناصر، منها ما هو مُكتسب الآن، ومنها ما تم اكتسابه في حصص ماضية، وهي عناصر تتجمع شيئا فشيئا لتمكن صاحبها من التحكم في بعض المواقف والوضعيات. "17.  إن ما ينبغي أخذه بعين الاعتبار في موضوع الكفايات، ليس السلوك كانعكاس أو رد فعل عضلي وحسي حركي كما يراه السلوكيون، خاصة الكلاسيكيون أمثال إيفان بافلوف Ivan Pavlovالذين يحصرونه في العلاقة " مُنبه واستجابة "، ومن ثمة يبنون التعلم على أساس الاستجابة الشرطية. لقد تبين فيما بعد أن الإشراط الكلاسيكي يمثل نموذج التعلم البسيط المبني على الاستجابة الشرطية التي يكون مصيرها الانطفاء،عند عدم ربط المنبه الطبيعي المتمثل عند بافلوف باللحم18.

5-      مغزى السلوك الكفء

يمثل السلوك الكفء نشاطا ومهمة ذات مغزى يفوق العلاقة الحصريّة التقليدية التي تربط المنبه بالاستجابة. ومن هنا يبدو أن الكفاية تستمد سلوكيتها من النشاط الوظيفي الهادف الذي يصدر منها، فهي تظهر على شكل نشاط نوعي يميزها عن الطابع الميكانيكي الذي يُعرف به التعلم الكلاسيكي، لأنها تتضمن عمليات عقلية باطنية، وصفات وحالات نفسية ووجدانية في نفس الوقت ،ثم قدرات حركية إذا تطلب الأمر ، تُمكن في النهاية من تنظيم وترتيب أنشطة تُمثل عند تفاعلها قدرات وكفايات تستهدف غاية منشودة. وفي هذا السياق نجد بيير جيلي Pierre Gilletأحد نشطاء مركز الدراسات البيداغوجية للتجريب والإرشاد (cepec) يُعرّف الكفاية على أنها " نظام من المعارف المفاهيمية الذهنية والمهارية العملية التي تنتظم في خطاطات إجرائية، تمكن في إطار فئة من الوضعيات، من التعرف على المهمة- الإشكالية وحلها بنشاط وفاعلية "19. إن ما يضيفه هذا المفهوم للكفاية باعتبارها نشاطا وظيفيا، ليس فقط تأكيد حضور الذات العارفة بل أيضا حضور الذات الشخصية بكاملها. ويبدو أن هذا مفهوم الذات ينسجم تماما مع المفهوم الذي يُقدمه كارل روجرس Carl Rogers عن الذات؛ فهو مفهوم يُلزم كل مكونات هذه الذات على إصدار سلوكات عامة تُعبر عنها.  من المؤكد أن هذه المكونات لا تنحصر في المعرفة فقط، بل تشمل التصورات، والمُخيلة، والتركيبات، والاستنتاجات، والحركات، ثم الحالات والمشاعر النفسية والانفعالية التابعة لها، كالشعور بالحرية والسعادة والرغبة عند إنجاز عمل والرضا به. ومن هنا وجب التمييز الواضح بين الفهم السلوكي للنشاط التربوي بصفته نشاطا ينحصر في الأهداف السلوكية والإجرائية، وبين الفهم المعرفي- الوظيفي الذي هو أشمل، من حيث أنه يُلزمُ كل مكونات الشخصية حين إظهارها للكفاية. فلا توجد كفاية من دون هدف. " فإذا كانت الكفاية هي القدرة على تنظيم الحركات والأعمال الأولية في أفق نشاط اجتماعي، فإنها تنظيم يُوظِّف النيّة والقصد. ولذلك فإن تشغيل الكفاية في أبسط صورها، هو أمر مشروع، لأنها ليست سلسلة من السلوكات المتلاحقة والمثارة آليا بواسطة المنبهات، بل هي سلوكيات إرادية ".  وبطبيعة الحال نجد الفرد أثناء العمل والإنجاز، يستجيب لمنبهات تخبره بجدوى أفعاله وبمدى ملاءمة كل الإجراءات للغاية النهائية، لكنه هو الذي يختار تلك المعلومات قصد ضبط نشاطه، ويُبعد في نفس الوقت الاستجابات التي لا ترتبط بالنشاط الحالي، مما يضمن الاستمرار الإرادي والواعي للنشاط. وهكذا نكون أكفاء عندما نكون قادرين على تطبيق عدد من الأفعال ذات وظيفة اجتماعية وتقنية ضمن حالة وجدانية تقترن مع هذه الأفعال. ومن هنا يظهر التداخل بين مجالات الأهداف التربوية taxonomieللفعل التربوي الناجح.  فلا يُمكن الفصل بين الدقة في المعرفة التي تندرج في إطار المجال المعرفي، وبين حب الإتقان في العمل التابع للمجال العاطفي domaine affectif. فهذا الأخير يمثل، حسب رأينا، مُحفزا أساسيا بالنسبة إلى النشاط الفعال لكونه يحُثُ على تلك الدقة ويشترطها، ثم يلتزم بها.  فإذا غاب الالتزام الانفعالي، انعكس ذلك، لا محالة، على نتيجة النشاط ونوعيته، لأن مُنفذ النشاط سوف يهدف إلى إنهاء العمل وليس إلى إتقانه. وهذا يبين مكانة العامل النفسي والمنظومة القيمية في بروز أي كفاية، لكونه العامل المُحفِز على نوعية الإنجاز في العمل؛ الأمر الذي يجعل من الضروري جدا توظيف الأهداف الوجدانية في أي عملٍ تكوينيٍ، لأنها أهداف تُسهِمُ في تعزيز الكفاية انفعاليا، كما تعمل على انسجام السلوك الذي يُظهِرُها، من خلال " تغيير الاهتمامات، والمواقف، والقيم، وتطور الحكم والقدرة على التكيف"20.  فهل تهتم المؤسسات التربوية والتكوينية، بجدية، بهذا الجانب الانفعالي الأساسي في سعيِها لتحقيق الكفايات المهنية المختلفة؟ يُمكن لهذا التساؤل أن يُشكِلَ في المستقبل مشروعا بحثيا مُعمقا يهدف إلى تقديم أجوبة دقيقة. ومهما يسكن من أمر فإن المجال الوجداني للتربية والتكوين مجال مُعقد مُحاط بالصعوبات لكونه مجالا تَصعُبُ فيه الملاحظة بشكل أكبر مقارنة بالتي نُمارسها في المجال المعرفي أو المجال النفس حركي. " فلا يُمكن إخفاء صعوبة المهمة المتمثلة في بلورة مُخطط منظم في مجال التربية الوجدانية، فهو أمر لا يتحقق بسهولة، سواء على مستوى محاولة تحديد الأهداف، أم على مستوى العمل الديداكتيكي، أو على مستوى القيام بالتقييم.  وتكون هذه الصعوبات نتيجة لعدة عوامل هي: صعوبة تحديد المفاهيم المرتبطة بالجانب الوجداني، والضبابية الموجودة بين المجالين المعرفي والوجداني، والاعتراضات الأخلاقية والثقافية، والجهل بِمَسارات التعلم الوجداني، وفقر وسائل القياس في هذا المجال "21. ومن المفارقة أن نجد أحد الاختصاصيين في المجال المعرفي، وهو بنيامين بلوم Bloom. S. Bيُشَبِّه المجال الوجداني بالمجال المعرفي دون تحديد أو ذكر الصعوبات التي يتميز بها المجال الأول، حيث نجده يقول بتفاؤل :" يظهر أن تطوّر السلوكيات العاطفية يتم كما هو الشأن بالنسبة للسلوكيات المعرفية، وذلك عندما تُقترح للتلاميذ أشكال التعلّم المناسبة "22.  يظهر أنه لا يُمكن لنا اعتبار درجة تعقيد الطابع النفسي الخفي متقاربة، أو متساوية، أو متشابهة لدرجة تعقيد الطابع المعرفي؛ لكون الطابع النفسي مُزدوِج التجريد على مُستويين.  فهو مُجرد في المُستوى الأول، عندما نُحاول تحديد ماهيته بتسمية معينة أو مفهوم معين كأن نقول" الرغبة في إتقان العمل". كما نجده مجردا في المستوى الثاني، عندما نحاول معرفة ما وراء تلك الرغبة عندما تكون لهذه الرغبة خلفيات مُحتملة، من دوافع ونوايا لا شعورية، مرتبطة بميكانزمات دفاع الأنا، كما هو معروف في التحليل النفسي، كما يمكنها أن تكون مرتبطة بسلّم قيمي لثقافة معينة.  فيجب، في هذه الحالات، معرفة هذه الدوافع اللاشعورية للأنا كي نتمكن من الإشارة إليها وتحديدها بدقة؛ كما يجب معرفة السلّم القيمي لتلك الثقافة كي نتمكن من الإحاطة به، كما تدلنا الأنثروبولوجيا الثقافية في إطار السلوك الثقافي والبناء المعياري في المجتمع. " فأي مجتمع إنساني هو في حقيقة الأمر بمثابة بناء معياري يعكس حياة معنوية يَمتثِلُ لها الأفراد وتتميز بالقوّة والأصالة. . . ومن ثمة تنبعث عن هذا المركب المعياري حياة نفسية من نوع جديد تختلف عن حياة الفرد بصورة خاصة.  ولهذا يتميز هذا البناء المعياري بالسمو، وذلك لأنه من خلق المجتمع، وينمو في مجاله، فيشكل شعورا يحتوي طاقة معينة لا تسمو إليها المشاعر الفردية، ومن ثمة يسود الفرد إحساس بالخضوع لقِوى هذا البناء المعياري23. فلا يُمكن الإحاطة بهذا السلوك دون تقنية الملاحظة بالمشاركة التي يجب أن يُمارسها الباحث ميدانيا.

يعتقد الأنثروبولوجيون " أن هذه التقنية تُمكّن الباحث من جمع أكبر قدر ممكن من البيانات والمعلومات ووصف الحياة الاجتماعية والثقافية وصفا تفصيليا دقيقا "24.  فماذا يُريد المجتمع من الفرد؟ إنه يُريد منه خِدمته بصفة فعالة بغرض تحقيق المنفعة. وهنا تبدو لنا الصعوبة المُضاعفة للسلوكات العاطفية. فهي سلوكات تُعبر عن العلاقة المتينة بين العوامل الثقافية والشخصية. ويلاحظُ في هذا السياق "أن الثقافة هي مظهر عام لسلوكات مُكتسبة عن طريق التعلّم وأنها مظهر كذلك لنتائج هذه السلوكات "25.  وبما أن الكفاية المهنية سلوك، فهي تشمل الطابع المعرفي وفي نفس الوقت الطابع الوجداني، لأنها ممارسة من طرف كائنٍ بشريٍ يعيش في أحضان ثقافةٍ مُشبّعة بقيَم معينة.  فهو كائن لا يمارس هذه الكفاية كما يرغب هو شخصيا، أي بمعزلٍ عن النظام القيمي السائد فيها، بل يُمارسها كما يُريد المجتمع الذي يفرضُ شروطا ومقاييس في أدائها، كما نجده يُطالب باحترام هذه المقاييس بهدف تحقيق الجودة المنشودة مهنيا واقتصاديا.  إن لهذا الاحترام صبغة عاطفية هامة حيث يتم من خلالها تقييم هذه الكفاية.  فيُحكَمُ عليها بأنها كفاية جيدة ومقبولة، أو يُقالُ عنها إنها كفاية ضعيفة ومرفوضة. ولهذا يتحتم على الأنظمة التكوينية استيعاب هذه النظرة الشاملة للكفاية، ومراعاة الأهداف الوجدانية في المناهج، فمن دون هذا سيعرف المُتكوِّن عند تخرجه نُقصا وفراغا واضحين. لقد اهتم مركز الدراسات البيداغوجية للتجريب والإرشاد بهذه الإشكالية، فسعى إلى تقديم تصور متكامل للاشتغال بالكفايات في التعليم. وأصدر في هذا الإطار كتابا مرجعيا من تأليف جماعي وتحت إشراف بيار جيلي Pierre Gilletسنة 1994تحت عنوان:" بناء التكوين، أدوات للمدرسين والمكونين"، وقد تضمن الكتاب تعريفا للكفاية بأنها " نسق من المعارف المفاهيمية والمهارية العملية التي تنتظم على شكل خطاطات إجرائية تُمكِنُ داخل فئة من الوضعيات أو المواقف، من التعرف عليها  وحَلِها بإنجازٍ وأداء ملائمٍ. "26.  وانطلاقا من هذا التعريف يمكن استخلاص جملة من الوضعيات situationsالتي ليست سوى التقاء عدد من الشروط والظروف.  إن الوضعية حسب هذا التصور، تطرح إشكالا عندما تجعل الفرد أمام مهمة عليه أن ينجزها، وهي مهمة لا يتحكم في كل مكوناتها وخطواتها، وهكذا يطرح التعلم كمهمة تشكل تحديا معرفيا للتعلم، بحيث يشكل مجموع القدرات والمعارف الضرورية لمواجهة الوضعية وحل الإشكال، وهذا كله يمكن اعتباره وتحديده على أنه كفاية.  فهي إذن قدرات مكتسبة تسمح بالسلوك والعمل في سياق معين، ويتكون محتواها من معارف مهارات وقدرات عملية واتجاهات مندمجة ومتفاعلة فيما بينها بشكل مركّب.  في ظل هذا الوصف للكفاية يقوم الفرد الذي اكتسبها بإثارتها، وتجنيدها وتوظيفها عندما تواجهه الظروف المُحرِضة على ذلك، والتي تمثل مشكلة مهنية ما، تشترط حلا مناسبا في وضعية محددة، وبوسائل معينة.

ويظهر أن هذه التحديدات التي ذكرناها بخصوص الكفاية تقترب بشكل كبير من مجال التكوين المهني حيث أنه المجال الذي يشترط تداخل الإكتسابات المعرفية، الوجدانية والنفس حركية.  وبالنسبة للإكتسابات النفس حركية وحدها فهي تمثل السلوك الحركي، كما تقول موتني (Metheny) المُعبر عن" عملية معقدة، يبرز فيها هذا السلوك نتيجة عوامل نفسية تتعلق بمسببات السلوك، وبعوامل بنائية تتعلق بمكونات الجهاز العضلي والعصبي للفرد، وأخيرا بعوامل وظيفية ترتبط بوظائف الأعضاء الموجهة للفعل الحركي، ولدقته ولمدى ملاءمته.  ومن هذا المنظور جاء المصطلح"نفس حركي"، لُيستعملَ للدلالة على مجال السلوك الذي يجمع بين عوامل نفسية وعوامل بدنية. "27. من خلال ما سبق يتبين أن المجال النفس حركي " يعني ذلك المجال الصنافي الذي يهتم بالمهارات الحركية ومختلف النشاطات التي تلتزم تحقيق أهداف المهارات الحركية بدرجة من التآزر تؤدي إلى الكفاءة والجودة في الأداء"28. كما نجدها تمثل قدرات بدنية" تعبر عن الخصائص الوظيفية الحيوية التي يؤدي نموها إلى القدرة على الأداء الحركي بدرجة عالية من الكفاءة حين يكون المطلوب جعْل الحركات الماهرة جزءا من الذخيرة الحركية عند الفرد"29. لكن الشيء الذي يجب التذكير به هو أن الكفاية يُستدل عليها من خلال الإنجازات التي تُنتجها، فهي غير ظاهرة وتظهر" كإمكانية أو استعداد داخلي ذهني غير مرئي potentialité invisible؛ من طبيعة ذاتية وشخصية وتتضمن الكفاية حسب هذا الفهم وحتى تتجسد وتظهر، عددا من الإنجازات والأداءات باعتبارها مؤشرات تدل على حدوث الكفاية لدى المتعلم"30.

6-      الكفايات في التعليم العام

إذا كان مفهوم الكفايات ارتبط في بداية ظهوره وانتشاره بمجال التشغيل والمهن وتدبير الموارد البشرية في الإدارات والمصانع، فإنه انتشر واتسع ليُغطيَ كافة التغيّرات التي لا تقتصر على ما يحققه العمال والمهنيون ومن بينهم المعلمون، بل التلاميذ والطلبة أيضا أثناء تواجدهم في المدارس والجامعات، بحيث لا تبقى قضايا الكفايات محصورة عند المهنيين، بل ينبغي أن يتحول هذا النموذج إلى أداة لتنظيم وبناء المناهج وتنظيم الأنشطة التعليمية في المنظومة التربوية بصفة شاملة، وخاصة إذا نظرنا إلى اكتسابات التلميذ بالمفهوم الشامل، أي المفهوم الذي يضم المجال المعرفي، والمجال الوجداني والمجال النفس حركي، لأنها مجالات لا تصيب فقط أصحاب المهن، بل تصيب كذلك التلاميذ في نهاية كل طور تعليمي.  ومن باب الاستئناف والتوضيح، يقدم محمد الدريج، حوصلة لبعض الكفايات الخاصة، موزعة حسب المواد الدراسية ووفق مستويات الأسلاك التعليمية؛ يقتصر في إدراجها على أمثلة توضيحية ترتبط بالكفايات الخاصة في مجال تعلم اللّغة. 

فبالنسبة إلى مستوى التعليم الابتدائي، يذكر من بين الكفايات التي يسعى إلى تكوينها:

ـ القدرة على قراءة رسالة؛ـ والقدرة على قراءة صحيفة يومية؛ والقدرة على استخدام القاموس؛

ـ القدرة على كتابة رسالة؛و القدرة على كتابة مقالة صغيرة؛و الميل التلقائي نحو المطالعة؛

ـ الاشتراك في مناقشة؛وفهم الكلمات في سياقها اللغوي؛ والإلمام بمبادئ الخط.

أما بالنسبة إلى التعليمالإعدادي، فيرى الباحث أنه يسعى إلى تكوين بعض الكفايات هي:

ـ القدرة على تسجيل خلاصة حديث أثناء الاستماع إليه؛و القدرة على كتابة قصة؛

ـ القدرة على كتابة تقرير؛ والقدرة على استنباط الحكمة من قصص معينة؛

ـ تذوق الجمال في مقطوعة شعريّة؛ والقدرة على إلقاء حديث على زملاء الفصل في موضوع معروف؛ واستيعاب القواعد الأساسية للغة.

أما بالنسبة إلى التعليم الثانوي، فيرى أنه يسعى إلى تحقيق بعض الكفايات هي:

ـ القدرة على تحليل نص؛والقدرة على النقد وإبداء الرأي؛ واستعمال الحاسوب في تنظيم معلومات لغوية؛ والقدرة على الإلمام بمحتويات صحيفة يومية؛والقدرة على التعبير عن النفس أمام جمع من المستمعين؛والقدرة على القراءة السليمة السريعة مع الفهم والتمييز بين الأفكار الكلية والجزئية31.

ويجب التذكير أن مفهوم الكفاية مفهوم جديد على اللغة العلمية، سواء في علم النفس أم علوم التربية أو في مجال التشغيل والتسيير والموارد البشرية وغيرها من المجالات، حيث ساد الحديث عن الإمكانات والاستعدادات aptitudes، وعن القدرات capacités، وعن الميول intérêts، وعن سمات الشخصية التي تميز فردا معينا في ظروف ووضعيات معينة. فكل هذه الأحاديث تمثل الخصائص النفسية التي يُعرَفُ بها الأفراد.  لكن شيئا فشيئا بدأ مفهوم الكفاية يغزو مختلف الحقول العلميّة ويحتل المفاهيم أو يكملها ويغنيها. ففي حقل علم النفس يُقدم معنيان لكلمة كفاية: المعنى الأول يخص مجال سيكولوجية النمو، حيث يُقصد بها مجموع الإمكانات المتعلقة بالاستجابات الأولية تجاه البيئة المحيطة.  في حين يَتَموْضعُ المعنى الثاني ما بين علم النفس واللسانيات ويندرج ضمن علم النفس اللغوي، بحيث تعني الكفاية مجموع المعارف اللسانية لدى المُخاطب تمكّنه من فهم وإنتاج عدد لا نهائي من الجُمل32.

أما في مجال التربية، فقد وجدنا في تصفحنا لبعض قواميس التربية، تفاوتا في تقديمها لمفهوم الكفاية ضمن موادها، من حيث الأهمية ومن حيث الحيز المخصص لها.  فحسب القاموس التربوي فإن الكلمة المعبِّرة عن الكفاية هي: compétenceمشتقة من الكلمة اللاتينية competensمن الفعل competerأي: الذهاب petere، ومع cum، بمعنى الملائمة مع، والمرافقة.  والتعريف المحدد لها يقول:" إن الكفاية هي القدرة capacitéسواء القانونية أم المهنية المُكتسبة، على إنجاز بعض المهام والوظائف والقيام ببعض الأعمال"33.

وفي منجد التقويم والبحث التربوي يقدم ج. دولاندشير Landsheere De. G، تعريف الكفاية بأنها "القدرة لدى الأفراد على إصدار وفهم جمل جديدة" ".

وفي قاموس اللغة الذي أشرف على إنجازه34، نجد الكلمة compétenceمشتقة من اللاتينية القانونية: competentiaوالتي تعني العلاقة الصحيحة rapport juste؛ إن الكفاية هي حصيلة الإمكانيّة aptitudeأو الاستعداد.  في حين أن القدرة capacitéأو المهارة habiletéتُحيل إلى تأثير الوسط بصفة عامة وخاصة التأثيرات المدرسية من خلال انجازات الفرد.

كما يعرف القاموس الموسوعي للتربية والتكوين، الكفاية بأنها الخاصية الإيجابية التي تشهد للفرد بقدرته على إنجاز بعض المهام.  ويقرر بأن الكفايات شديدة التنوع.  فهناك الكفايات العامة générales، وهناك الكفايات القابلة للتحويل transférables، والتي تسهل إنجاز مهام عديدة ومتنوعة.  وهناك الكفايات الخاصة أو النوعية Spécifiques، التي لا توظف إلا في مهام خاصة جدا ومحددة.  كما أن هناك كفايات تُسَهلُ التعلم وحل المشاكل الجديدة، في حين تعمل كفايات أخرى على تسهيل العلاقات الاجتماعية والتفاهم بين الأشخاص. وهناك بعض الكفايات تمس المعارف، في حين تخص غيرها معرفة الأداء أو معرفة حسن السلوك والكينونة.

أما مفهوم الكفاية عند تشومسكيChomsky. Nفهو يندرج بصفة عامة، ضمن التيار المعرفي، إذ يُعرِّفُ الكفاية اللغوية " أنها نظام ثابت من المبادئ المولدة والتي تُمكن كل واحد منا من إنتاج عدد لا نهائي من الجمل ذات المعنى في لغته، كما تمكنه من التعرف التلقائي على الجمل، على اعتبار أنها تنتمي إلى هذه اللغة، حتى و إن كان غير قادرٍ على معرفة لماذا، وغير قادر على تقديم تفسير لذلك "35. إن هذه القدرة حسب تشومسكي، غير قابلة للملاحظة الخارجية، ويكون الشخص خلالها، عاجزا عن ذكر كيفية تمكّنه من إنتاج وتوليد جُمل مفهومة، وكيف يكون بمقدوره فهم جمل ذات دلالة في لغته.  وتتعارض الكفاية بهذا المعنى، مع الإنجاز أو الأداء، الذي يعني استعمال اللغة كما نلاحظها.  ويصبح هنا الفهم التشومسكي للكفاية أداة لنقد الاتجاه السلوكي الذي يُظهرُ أن المتعلم يكتسب اللغة بفضل الإشراط conditionnement، أو بواسطة سلسلة من الاستجابات للمنبهات المعروفة؛ لكن يلاحظُ حسب المفهوم التشومسكي أن كل متكلم هو قادر على إنتاج صياغات في لغته لم يسبق له سماعها. ويكون ذا كفاية، أي لديه معرفة إجرائية(عملية) بالبنيات اللغويّة. وهكذا فإن الكفاية اللغوية التي يتكلم عنها تشومسكي ليست سلوكا، بل مجموعة من القواعد التي تُسَيِرُ وتُوَجِهُ السلوكات اللغوية دون أن تكون قابلة للملاحظة ولا يُمكن للفرد الوعي بها.  إن تشومسكي يُعطي الكفاية بُعدا جديدا، إذ يعتبرها مَلكَة" الانسجام والتلاؤم"، إنها تسمح بأن تصير الكلمات منسجمة ومتلائمة حسب كل وضعية.  وهكذا فالكفاية تكمن مع تشومسكي في التوافق مع جميع الوضعيات.  إنها الاستعداد لحُسن الدراية والمعرفة.  ولم يكن تشومسكي وحيدا في هذا التوجه، بل كان كانيي Gagnéينظر إلى التعلّم انطلاقا من نظرية معالجة المعلومات، على الرغم من كون مفهوم القدرة الذي يستعمله يختلف عن مفهوم الكفاية لدى تشومسكي، لأن كانيي يعتبرها أمرا مُكتسبا وليس فطريا. وفي مجال التكوين المهني، الذي نحن بصدد البحث فيه، لا يعقل اعتبار الكفايات المهنية المنشودة أمرا فطريا، بل هي كفايات تُكتَسبُ من خلال خبرات تعلّمية عديدة، مُقسمة بين الطابع النظري المعرفي والطابع التطبيقي العملي، كما نجدها منظمة بفضل مناهج مبنية ومقصودة على أساس منهجية عقلانية تامة.

7-      الكفايات المهنية في قطاع التكوين المهني

من الأمثلة التي نُقدمها عن الكفايات المهنية في قطاع التكوين المهني، نذكر بعض الكفايات المهنية المنشودة من قِبَلِ معاهد ومراكز التكوين المهني في مدينة سطيف، وهي تظهر حسب عدد من الاختصاصات ومستويات التكوين كالتالي:(الكفايات مُصادق عليها من طرف أساتذة ومهندسي مؤسسات التكوين المهني بمدينة سطيف):

اختصاص تقني سامي في الإكتروتقني

        أ‌-             القدرة على قراءة مخطط كهربائي متعلق بمجال الإكتروتقني سواء الخاص بالتركيبة الكهربائية أو الخاص بالآلات والأجهزة.

       ب‌-           القدرة على استعمال كافة الأجهزة الكهربائية المستخدمة في المجال الالكتروتقني بصفة صحيحة بغرض اكتشاف وتحديد الأعطاب المختلفة والقيام بالقياسات الضرورية.

       ت‌-           التحكم في استعمال الآلات الكهربائية وصلاحياتها وفق المراحل المختلفة الخاصة بالإنتاج، والنقل ثم التوزيع الكهربائي.

       ث‌-           احترام المبادئ الأمنية بصفة صارمة قصد المحافظة على سلامة البشر والعتاد.

اختصاص تقني سامي في الإلكترونيك الصناعي

        أ‌-             القدرة على قراءة مخطط إلكترونيك بصفة دقيقة.

       ب‌-           القدرة على استيعاب حجم معرفي نظري دقيق بخصوص العناصر الإلكترونية

       ت‌-           التحكم في استعمال أجهزة القياس الإلكتروني بصفة فعالة.

       ث‌-           معرفة تقنيات تصليح العطب وتقديمه بخصوص كل انجاز إلكتروني مهما كانت طبيعته.

       ج‌-           إظهار دافعية واتجاه ايجابي لاختصاص الإلكترونيك الصناعي.

اختصاص تقني سامي آليات وضبط

        أ‌-             القدرة على قراءة مخطط كهربائي على مستوى الخزانة الكهربائية.

       ب‌-           الإلمام بمعرفة دقيقة بكل العناصر الالكترونية المتعلقة بالإنجازات المختلفة والمتمثلة في: - الكهربائية- الهوائية-المائية- والالكترونية.

       ت‌-           الإلمام بمعرفة نظرية في مجال الإلكترونيك، والإلكتروتقني والإعلام الآلي لغرض تحديد صنف المحركات المختلفة وخصائص اشتغالها وكذا صنف البطاقات الإلكترونية.

       ث‌-           إظهار صفات روح العمل مع الجماعة، الدقّة، والتنظيم والتحليل.

8-      الكفاية كنشاط سلوكي كلّي

إن ما ينبغي أخذه بعين الاعتبار في موضوع الكفايات، ليس السلوك كانعكاس أو رد فعل عضلي وحسي حركي كما يراه السلوكيون، بل السلوك كنشاط كلي ومهام ذات مغزى، أي دلالة ومعنى عام يظهر عند إتمام النشاط.  لذلك تعرف فيفيان دولاندشيرLandsheere De. Vالكفاية بكونها تعبيرا عن القدرة على انجاز مهمة معينة بشكلٍ مُرضٍ.  إنها سلوك يمكن التعبير عنه بأنشطة قابلة للملاحظة، لكنها أنشطة تتجمع وتندرج في عمل مفيد وذي مقصد.  يمكن الاستدلال هنا بنظرية د. أوزوبل Ausubel. D، حيث يظهر أن " المادة التعليميّة ذات المعنى يكون ارتباطها حقيقيا وغير عشوائي بالمبادئ والمفاهيم ذات العلاقة بها، والتي تكونت على نحو مسبق في البنية المعرفية للمتعلم، وبذلك يغدو التعلم ذا معنى، وعلى العكس، إذا لم ترتبط هذه المادة بالبنية المعرفية على نحو حقيقي وغير عشوائي، فسيغدو التعلم آليا (حفظ عن ظهر قلب). ولهذا، لا يحدث التعلم ذو المعنى إلا إذا تم ربط المادة التعليمية بالخلفية التعليمية السابقة للمتعلم، والمُكَوّنة من المفاهيم والمبادئ والأفكار ذات العلاقة، والتي تجعل ظهور المعاني الجديدة أمرا مُمكِنا.  وإذا أردنا أن نكون أكثر تحديدا، يمكن القول بأن كفاية البنية المعرفية وثباتها ووضوحها وخصائصها التنظيمية، وقابليتها للتحويل والاستدعاء، تؤثر في دقة المعاني الجديدة ووضوحها على نحو حاسم، فإذا كانت هذه البنية واضحة وثابتة ومنظمة على نحو مناسب، وتنطوي على أفكار ذات علاقة وثيقة بالمادة التعليميّة موضوع التعلّم، فستتكون معان ومفاهيم جديدة ودقيقة وواضحة وثابتة، وستحتفظ هذه البنية بكينونتها المستقلة و بقابليتها للاستدعاء والاستخدام في الأوضاع المناسبة.  أما إذا افتقرت البنية إلى الوضوح والثبات والتنظيم، وخلت من الأفكار ذات العلاقة بالمادة التعليمية الجديدة، فستكف أو تعوق التعلم ذا المعنى والاحتفاظ والقدرة على الاستدعاء، ويرى أوزوبل في هذا الصدد، أن تقوية الجوانب الهامة للبنية المعرفية تسهل الاكتساب والاحتفاظ والاستدعاء والانتقال، أي تُحقِق التعلم ذا المعنى على نحو فعلي36. إن الكفاية تعبر، في نهاية الأمر، عن سلوك إنساني يحتوي التجريد والاستنتاجات والمُخيلة والفهم والدلالات المَرْجُوَة؛ فهي ليست عملا ميكانيكيا، بل عملا ذكيا من الضروري الاعتراف له بقدر من المعنى والمغزى، وإلا ما الفرق بين سلوك الإنسان وعمل الآلة؟ إضافة إلى ذلك، يجب اعتبار الكفاية وظيفة نشِطة تحتوي قِسْطا من التنظيم والتنسيق. وهكذا نرى أن السلوك الكفء هو سلوك يمتاز بحجم هائل من التفاعلات التي لا يُمكن ملاحظة انسجامها بصفة مباشرة، لأنها تفاعلات باطنية غير واضحة للعيان؛ كما نجد هذه التفاعلات مُعزَّزَة بالمعارف المفهومة وبالوعي الواضح للمعنى المُنتَظَر من هذا السلوك. هذا الانسجام أكيد، لكنه غير ظاهر. وفي هذا الصدد يرى محمد الدريج " أن الكفاية تتألف من تشكيلة (مزيج) غير متجانسة من المعارف والمهارات والقدرات العقلية والخطاطات الحسية. . . الخ، وما يُوحِد بينها هو فائدتها ومنفعتها، أي النشاط التقني والاجتماعي الذي سَيَنْتُجُ عن توظيفها. إن الكفاية غير منسجمة من حيث العناصر التي تتألف منها ولكنها مُنسجِمة من حيث النتيجة المستهدفة. كما تتضمن الكفايات نتائج المكتسبات المُعقدة التي تظهر كما لو كانت حصيلة المكتسبات السابقة. مما يُؤكِد الطابع اللَوْلَبي للكفاية حيث تُعتبر تشكيلة وخليطا من العناصر، منها ما هو مُكتسب الآن ومنها ما تم اكتسابه في حِصصٍ ماضية، وهي عناصر تتجمع شيئا فشيئا لتُمَكِن صاحبها من التحكم في بعض المواقف والوضعيات37. ففي مواقف الإنتاج يَستعملُ المِهنيُ كفاياته، داخل المصنع، في الوضعيات المختلفة لكي يَصِلَ إلى المنتوج المرغوب، وإلى الفائدة والمنفعة المرجوَة.  فهو يُوَظِفُ، في هذه الحال، جملة من المعارف والمهارات والقدرات، وحتى السمات النفسية والانفعالية، كالتركيز مثلا، أو الدافع لتحقيق المنتوج المقبول، بصفة ناجحة؛ وكل هذه الأمور، تكون مُتداخلة فيما بينها، وفي زمنٍ محدد، وبصفة كلية، بحيث لا يظهر هذا التداخل مُجزأ، بل هو شامل، تحتويه شخصية العامل طِوال فترة نشاطه المُنْتِج. هنا يظهر مفهوم الكفاية الإنتاجية: " زيادة في الإنتاج كماً وكيفاً لدى عمال الصناعة وندرة في الوقوع في الحوادث والغياب بدون إذن والتمارض والتأخير عن العمل ومخالفة التعليمات والجزاءات. فالعامل ذا الكفاية الإنتاجية العالية في ضوء هذا التعريف هو الذي يحقق كمية عالية من الإنتاج تتسم بالجودة كما أنه قليل الوقوع في الحوادث ولا توقع عليه أي جزاءات، سواء كان ذلك بسبب غيابه، أم تمارضه أم تأخيره عن العمل أم مخالفة التعليمات. أما العامل ذا الكفاية الإنتاجية المُنخفضة فهو الذي لا يستطيع الوصول إلا إلى مستوى منخفض من الإنتاج، وبه كثير من الأخطاء بالنسبة إلى معايير الجودة، كما أنه يقع في كثير من الحوادث، ويتغيب بشكل كبير بدون إذن، ويُخالف دائما تعليمات رؤسائه ويتردد كثيرا على العيادة الطبية متمارضا"38. ونظرا لِما تم ذكره بخصوص الكفاية، والتي ترتبط بزيادة الإنتاج كمًا وكيفًا في أي مجالٍ مورِسَت، فإن هناك مفاهيم عديدة مرتبطة بها؛ حيث تُعبر كلها عن معاني القدرة والزيادة في الإنتاج. ومن بين هذه المفاهيم نجد: المهارة، والقدرة، والاستعداد، والتعلّم. ومن باب تسطير حدود تقريبية بين مفهوم الكفاية وهذه المفاهيم، نحاول التطرق إليها بشكل موجز، حتى نتمكن من استيعاب هذا المفهوم وإيضاحه بشكلٍ واف.

 

 

9-      الكفاية والمفاهيم المرتبطة بها

                  أ‌-   المهارة  habileté

المهارة مجموعة محصورة ضمن كفايات معينة، تظهر في سلوكات ناجعة، وتَنتُج عموما عن حالة من التعلّم، وهي عادة ما تهيأ من خلال استعدادات وراثية.  والكفايات الحركية motrices، تعني خصوصا، معرفة كيف نعملfaireـsavoir، تظهر على مستوى الحركات المنظمة بشكلٍ معقدٍ، كما هو الشأن في مجال التربية البدنية. وعادة ما يرتبط هذا المفهوم بكيفيات المعرفة أو كيفيات العمل في الصناعة التقليدية والتقنية، ومع الانجازاتPerformancesالفنية، والاكتسابات المدرسية، والكفايات المعرفية الأكثر تجريدا. ويمكن التمييز بين مهارات من مستوى عال، وكفايات عامة قابلة أساسا للتطبيق على مشاكل متعددة39. وتكون المهارة هدفا من أهداف التعلم، يشمل كفايات وقدرات المتعلمين على أداء مهام معينة، بشكل دقيق، ويترجم هذا الأداء درجة التحكم في مهارته، مثل القراءة. . . وتتصل المهارات على مستوى التعليم بعدة دلالات، منها:

ـ أنشطة حركية تتصل بالمهارات اليدويّة والجسدية. . ـ أنشطة لفظيّة، مثل النطق والكتابة واستقبال الأصوات. . ـ أنشطة مهارية تعبيرية، مثل الرسم والرقص والموسيقى. . .

وتتطلب المهارات مجموعة من الأنشطة، تتحدد في ثلاثة مستويات هي:

1)          مهارات التقليد والمحاكاة، ويتم تبنيها بواسطة تقنيات المحاكاة والتكرار؛

2)          مهارات الإتقان والدقة، وتُنَمّى بالتدريب والتمهير؛ (يقصد بالتمهير الترويض في المهارة).

3)           مهارات الابتكار والتكيف والإبداع، وتُنَمَّى بالعمل الجماعي أو الذاتي الموجهين40.

ويرى بنجهام Bendjham" أن المهارة هي الدقة والسهولة في أداء الأفعال الحركية المعقدة " أما فيتليس وبيرVitelés et Pearفيصفان المهارة بأنها: "نمط من الأداءات التوافقية المتميزة بالتعقد والتكامل والتكيف للمواقف المتغيرة "41.

 

                            ب‌-         القدرة capacité

تُعبرُ القدرة عن إمكانية النجاح في القيام بسلوكٍ معينٍ. ويُقالُ عن فرد إنه قادر على فعل معين، أو أنه مُقتدِر. والقدرة هي الحالة التي تجعل الفرد مُتمكِنا من هذا الفعل، حيث نتوقع، على العموم أنه سيصل إلى النتائج المُنتظرة منه، فهو قادر على ذلك. وبالتالي يَمتلِكُ المقدرة لتحقيق الأمر المُراد؛ وتظهر علاقة القدرة بالكفاية عندما يتضح بأن الفرد يصبح قادرا على فعل شيء إذا امتلك كفاية أو مجموعة من الكفايات.  وبالتالي مجرد امتلاك هذه الكفايات هو الذي يجعل الفرد قادرا.

 الكفاية إذن سابقة على القدرة ومؤسسة لها، فهي التي تسمح للفرد بأن يكون قادرا. فالقدرة إذن، هي حصيلة الكفايات المُكتسبة، ودليل على وجودها.  فنقول إن إنسانا له القدرة على إيجاد الحلول لعطب ميكانيكي معين لأنه يمتلك عدة كفايات مؤدية إلى ذلك؛ وتتمثل في كفايات معرفية ثم كفايات تطبيقية.  وإذا قمنا بتحليل هذه الكفايات سوف نكتشف أنها تحتوي على عدة مستويات؛ فالكفايات المعرفية، تشمل المعلومات كجانب نظري بحت، يُمثل المستوى الأول في المجال المعرفي، ويعد، في نفس الوقت قاعدة للمستوى الثاني، المتمثل في مستوى الفهم. فهناك إذن كفاية المعرفة، ثم كفاية فهم هذه المعرفة، وكذلك كفاية تطبيق هذه المعرفة، في نفس المجال. كما أن هناك كفاية التحليل،وكفاية التركيب وكفاية التقييم حيث يصبح الفرد قادرا على تقديم حكم واتخاذ قرار. ويؤكد ب. بلوم Bloom. Bعلى هذه المستويات من خلال تصنيفه للمجال المعرفي. فبالنسبة لمسألة تقييم هذه المستويات، أوضح بلوم أن كل مستوى من مستويات المجال المعرفي، يخضع بالضرورة لتقييم خاص، حيث نجد اختبارات هذا التقييم تختلف في طبيعتها ومستواها، وفق طبيعة ومستوى الأهداف التعليمية المنشودة.  وعلى هذا الأساس تُبنى اختبارات في مستوى المعرفة، كما تبنى اختبارات أخرى في مستوى الفهم، واختبارات في المستويات العالية الأخرى، والمتمثلة في التطبيق، والتحليل، والتركيب ثم التقييم. فبخصوص أساليب التقويم لأهداف التطبيق والتحليل، يشرح ب. س. بلوم S.B.Bloomمبادئ التطبيق والتعميم على أنها " استخدام المجردات في مواقف خاصة وملموسة.  ويمكن أن تكون التعميمات على شكل أفكار عامة، أو قواعد إجرائية أو طرق معمّمة. ويمكن أيضا أن تكون التجريدات مبادئ فنية، وأفكارا ونظريات يجب تذكرها أو تطبيقها"42. فالباحث كما نرى يربط في هذا المرجع بين الأهداف التربوية والقدرة، فيرى أن تطبيق المبادئ هو عبارة عن قدرة، فيقول في هذا الشأن " إن القدرة على تطبيق المبادئ والتعميمات على مشكلات ومواقف هي نوع من هدف تربوي يوجد في معظم مقررات التعليم التي تبدأ في المدرسة الابتدائية ويُرَكزُ عليها في مستويات المدرسة الثانوية، والكلية، والتخرج، والمدرسة المهنية.  وقد أدرك المدرسون وواضعو المناهج، لفترة طويلة، أن التلميذ لا " يفهم " حقا، فكرة أو مبدأ ما لم يستطيع استخدامها في مواقف مشكلة جديدة. وعلى ذلك يُنظَرُ إلى التطبيق باستمرار على أنه مؤشر للتمكن بدرجة كافية من المادة الدراسية.  وقد ركز المدرسون وواضعو المناهج على هذا الهدف في حد ذاته؛ فهم ينظرون إلى القدرة على تطبيق المبادئ والتعميمات على مشكلات جديدة ومواقف كأحد أكثر الأهداف التربوية صعوبةً وتعقيداً.  لأنه يجعل التعلم مفيدا في حل المشكلة، وهو يُمَكِنُ التلميذ من الحصول على درجة من التحكم في مختلف مظاهر بيئته والمشكلات التي تواجهها، ويمثل أحد مُخرجات التعلّم التي تُمكنُ التلميذ من مواكبة الظروف والمشكلات في مجتمع مُعقد وسريع التغيّر. وعلى هذا فإن التلميذ الذي أظهر مستوى مرتفعا من القدرة في هذا النوع من الأهداف قد اكتسب ذكاء مستقلا يُبعِدُهُ عن الاعتماد المستمر على المدرسين، والخبراء، والسلطات الأخرى من الكبار. وأخيرا، هناك دليل على أنه بمجرد نمو القدرة على إجراء تطبيقات فإنها تميل لأن تكون واحدة من أكثر ما يُكتسبُ من التعلّم بقاءا.  وإذا بقيت القدرة ـ لأنها مفيدة ـ فإنها تصبح هدفا مهما للتعليم حيثما كانت مناسبة.  ومهما كانت أساليب التركيز على هذا الهدف، فإن أهميتها للتقويم يُمكنُ إظهارها بواسطة تكرار ذكرها في مقررات وبرامج متنوعة في مستويات التعليم الابتدائي والثانوي والعالي. وهي تتمثل في:

القدرة على تقديم أفكار (شفهيا أو كتابة) تتعلق بقواعد النحو.  القدرة على تقديم أفكار (في شكل مكتوب) تتعلق بمبادئ الخطابة (مبادئ تتعلق بالترابط، الانتقال، الوحدة والتركيز).  التطبيق المتسق للمعارف العلمية، والتفهم في حل المشكلات الشخصية والاجتماعية.  تطبيق التعميمات (حقائق، نظريات مبنية بواسطة البحث) لشرح ظواهر.  تطبيق تعميم علمي (أو طريقة) لتفسير الظواهر الطبيعية المرتبطة بالمشكلات الشخصية أو الاجتماعية.  تطبيق مبادئ علم النفس في التعرف على خصائص موقف اجتماعي جديد.  تطبيق المبادئ، المفاهيم والأفكار الرئيسية للحقوق والواجبات المدنية على مواقف جديدة محددة "43.

من هنا تظهر القدرة على أنها " إمكانية النجاح، وكفاية ضمن مجال عملي أو نظري، كما يمكن أن تلاحظ القدرة داخل المجال المدرسي أو المهني، أو تلاحظ على شكل غير مباشر، من خلال اختبارات متنوعة، كما هو الأمر بالنسبة للتوجيه المدرسي أو المهني.  ودراسة الانجازات البيداغوجية، مثلا لقراءة، تسمح باكتساب مهارات خاصة، تكون في بعض الأحيان مرتبطة بعامل نسبة الذكاء44. " وتدل القدرة على إمكانية أداء نشاط معين، وهي بهذا ترتبط بالمعنى الفلسفي الدال على الوجود بالفعل. كما تشير إلى القوة على أداء فعل ما، جسديا كان أو عقليا، وسواء كان هذا الفعل فطريا أم مكتسبا بالتعليم والتدريب45. والقدرة حسب كانيي Gagnéتتمثل في بعض الانجازات التي يرتبط بعضها ببعض في خاصية معينة، فمثلا يمكن للمتعلم أن يقوم بإنجاز سلوكات متعددة في مجالات مختلفة، كحفظه لقطعة شعرية وحفظه لمقطوعة موسيقية، وحفظه لأحداث تاريخية وحفظه لقوانين السياقة. . .؛ كل هذه الانجازات المختلفة مظهريا، ومن حيث الموضوع الذي انصبت عليه، تدخل ضمن قدرة واحدة هي القدرة على التذكر: mémorisation46.

                            ت‌-         الاستعداد aptitude

إن المعنى الأساسي الدال على مفهوم الاستعداد هو امتلاك الفرد لقدرات كامنة، سواء كانت فطرية أم مكتسبة.  وهي قدرات تجعله مستعدا للحصول على كفاية معينة، أو المباشرة في مُتابعة تكوين بصفة عادية ومُتكيّفة، وذلك دون الشعور بصعوبات أو مُعاناة في التحصيل والتطوّر في اكتساب ما يريده هذا التكوين، منمعارف، وقدرات وكفايات.  إنّ الاستعداد هو إذن، أرضية تُساعد على الحصول على الكفاية المنشودة.  ويمكن أن يتمثل الاستعداد في ظروف نفسية ايجابية تعمل على ذلك، كالتشجيع ووجود الدافعية لدى الفرد المعني بالتعلّم واكتساب الكفاية؛ وهذا يدل على أن عدم توفر هذه الظروف النفسية الإيجابية سوف يؤدي بالضرورة إلى جعل الفرد غير مستعد للتعلّم المُراد. وعلى إثر ذلك، يُمكن اعتبار الاستعداد سابقا للكفاية.  فالطفل يصبح مستعدا لحركات المشي عندما يتحصل على المستوى المناسب من النضج البيولوجي الذي يُعتبر، في هذه الحالة عاملا من العوامل التي تسمح باكتساب كفاية المشي وتطويرها، حسب معطيات علم نفس النمو.  كما يصبح هذا الطفل مستعدا للذهاب إلى المدرسة في حدود ست سنوات لأنه حقّقَ نُضجا نفسيا كافيا يجعله مُستعدا للتحرر من العلاقة مع الأم، وبالتالي مُستعدا للذهاب إلى المحيط المدرسي الجديد بالنسبة إليه.  كما يصبح تلميذ السنة الثالثة من التعليم الثانوي مُستعدا لمتابعة محتويات مادة الفلسفة لأنه حقّق نُضجا عقليا يتمثل في التفكير المجرد.  وقد سمح لنا جان بياجي Jean Piagetبتفهم هذه الحقائق من خلال نظرية تطور الذكاء البشري، والذي حَدّده في أربعة (4) مراحل هي: المرحلة الحس حركية، مرحلة ما قبل العمليات، مرحلة العمليات والتفكير الملموس، ثم مرحلة العمليات والتفكير المجرد.  ونعلم عن طريق هذه النظرية أن كل مرحلة هي بمثابة استعداد للمرحلة التي تليها. فالمرحلة الجنينية هي استعداد للمرحلة الحس حركية، والتي هي استعداد لمرحلة ما قبل العمليات، وهذه استعداد لمرحلة العمليات الملموسة، التي تمثل استعدادا لمرحلة العمليات المُجردة. وانطلاقا من هذه التحديدات " أصبحت أعمال جان بياجي أساسية بالنسبة للتعليم ومناهجه وتنظيماته47. ومن أجل ذلك يُعرف الاستعداد على أنه " قدرة الفرد الكامنة على تعلّم عمل ما إذا ما أُعطِيَ التدريب المناسب، ويدل الاستعداد على قدرة الفرد أن يكتسب بالتدريب نوعا خاصا من المعرفة أو المهارة "48. ويُمكن فهم الاستعداد على أنه نُضج مُعين يسمح بالتعلّم، سواء كان هذا النضج بيولوجيا، أم نفسيا أم عقليا. فإذا توفر هذا النضج تَمكّن الفرد من تحقيق التعلّم المنشود؛ فإذا لم يتوفر هذا النضج يتوقعُ أن يَجِدَ الفرد صعوبات في تحقيق ذلك التعلم. وأبسط مثال يمكن الاستدلال به، في هذه الحالة، هو استحالة تعلّم اللّغة، عند الكائن البشري، قبل النضج الكامل للمنطقة المخية " بروكا ".  من ذلك عَرَّف معجم علم النفس والتحليل النفسي الاستعداد على أنه " قدرة ممكنة، أي وجود بالقوة، أو أداء مُتوقع سيتمكن الفرد من إنجازه فيما بعد، عندما يسمح بذلك عامل النمو والنضج أو عامل التعلم، أو عندما تتوفر لذلك الشروط الضرورية له.  والاستعداد كأداء كامن latentيُمْكِن على أساسه التنبؤ بالقدرة في المستقبل "49.  ويمكن من خلاله الحكم على الأفراد على أنهم قادرون أو غير قادرين على القيام بعمل أو مهمة.  وكلمة الاستعداد هي كلمة شائعة الاستعمال في الأوساط التعليمية والمهنية، حيث تشير إلى مستوى من التكوين الذي يتوج بشهادة، تُعرف بشهادة الاستعداد، كشهادة الاستعداد المهني (CAP)، أو شهادة الاستعداد النفس ـ بيداغوجي المعروفة في النظام التربوي الفرنسي بِ: (CAPP)، المُتحصَل عليها في إطار تكوين الأساتذة.  وفي " علم النفس الفارقي، تعرف الاستعدادات بكفايات الأفراد التي تتم وفق قدرتهم على التوظيف الأكثر أو الأقل نجاعة للعمليات الذهنية.  وتقيَّم الاستعدادات من خلال الاختبارات tests، أي بواسطة اختبارات مقنّنة Standardisées، بحيث يُمكِن هذا الشكل من التقييم من إبعاد كل أشكال الذاتية للمقيِّم.  وتتكون اختبارات الاستعدادات عادة من سلسلة المسائل المتدرجة في الصعوبة، بحيث تقيس كل مسألة problème، استعدادا معينا "50.بهذا يتضح لنا الارتباط بين مفهوم الكفاية ومفهوم الاستعداد، حيث يظهر الاستعداد كقدرة سابقة تُمكِّن من الحصول على الكفاية. وعلى هذا الأساس يجب الأخذ بعين الاعتبار هذه العلاقة في كل المهام الإرشادية والتوجيهية السابقة للمسارات التكوينية والتعليمية، في التعليم العام، أو التكوين المهني. وكل استخفاف بهذه العلاقة سوف يُعيق المعنيين بهذه المسارات من تحقيق الكفايات المطلوبة بصفة عادية.  وقد أكد لنا أساتذة التكوين المهني أهمية عمليّة التوجيه المهني عند المتربصين القادمين لمتابعة التكوين، حيث لاحظوا الصعوبات التي يلاقيها المتربصون الذين لم يُوَجَهوا بطرق عقلانية إلى الاختصاصات المختلفة، مما ُيفسِرُ مقاطعة العديد منهم المسار التكويني.  فهناك مثلا متربصون يأتون من الشُعب الأدبية، ويقومون بالتسجيل في الاختصاصات العلميّة التي تشترط معرفة قبليّة Prérequisفي المواد العلميّة المتمثلة في الرياضيات والفيزياء والعلوم، كاختصاص الآليات والضبط، أو اختصاص الإلكترونيك. و المتوقع، إزاء هؤلاء المتربصين هو الفشل في العملية التكوينية، نظرا لعدم توفر عنصر الاستعداد الذي يسمح بمتابعة التكوين في هذه الاختصاصات المذكورة بصفة عادية.

                            ث‌-        التعلّم Apprentissage

يرتبط التعلّم، إذا أمعنا النظر، بكل المفاهيم التي قمنا بتقديمها، والتي أوضحنا أنها ذات علاقة أكيدة بمفهوم الكفاية. ويمثل التعلّم حقيقة تُعبر عن استيعاب الكائن البشري لسلوكات، ومواقف ومعارف لم تكُن لديه في الأصل، حيث تعملُ هذه السلوكات المكتسبة على زيادة تكيُفه مع الظروف والمشكلات الحياتية المختلفة. فالتعلم، إذن، هو عمليّة تثقيفيّة وليست طبيعية، بمعنى أنها نتيجة لمجهود يقوم به البشر للحصول على هذه السلوكات والمعارف بُغية توظيفها لتحقيق المنفعة، فهي نِتاج ثقافي.  وقد يَتِم التعلّم بصفة عفوية أو بصفة مُنظَّمة. تكون الصفة العفوية عن طريق التجربة غير المُخَطّطة؛ بينما تكون الصفة المنظّمة عن طريق المناهج المُخططة. من خلال هذا التحديد الأولي، يتضح أن التعلّم ظاهرة تعمل على تغيير سلوك الفرد وأدائه بواسطة التدريب المستمر واكتساب سلوكات جديدة تجعل الفرد قادرا على مجابهة مواقف جديدة، أو مواقف تشترط تَوفُّر هذه السلوكات. ومن هذا المنطلق، نتوقع أن يحدِث هذا التعلّم تغييرات من الناحية الجسمية والنفسية والمعرفية والعقلية. فلا يمكنُ الكلام عن التعلّم دون ملاحظة هذه التغييرات. وتعد هذه التغييرات مؤشرات دالة عن حدوث التعلّم. على إثر ذلك " يتفق الباحثون على أن التعلّم هو العمليّة التي نستدل عليها من التغيرات التي تطرأ على سلوك الفرد أو العضويّة، والناجمة عن التفاعل مع البيئة أو التدريب أو الخبرة "51. يُقصَدُ بالعُضْوية (organisme) البنية الجسدية والنفسية والعقلية بكل ما تحتويه من عناصر. أما كلوص. أ A. Claussفهو يعرف التعلّم على أنه " تغيّر سلوكي يتحقق إثر وصول الفرد إلى حل مشكلة معينة يعرضها عليه المحيط "52.  وهناك من يُعرّف التعلّم على أنه " اكتساب أولا ثم احتفاظ ثانيا "، ثم يتساءل عن العلاقة التي يمكن أن تربط بين ما تمكن الفرد من تعلّمه من جهة، واستعمال الفرد لهذا التعلّم في المستقبل من جهة أخرى "53.  ويحملنا هذا التساؤل على التفكير في الفائدة التي يُمكِن أن يجنيها الفرد من التعلّم المُتَحقق. أما مسألة الاحتفاظ، فهي كذلك هامة بالنسبة للتعلّم لأن الاحتفاظ هو الدليل على ذلك؛ ولهذا يرى بعض المهتمين بدراسة ظاهرة التعلّم أن " التعلّم هو إحداث تعديلات ثابتة في سلوك الفرد وميوله وبُناه العقلية نتيجة التعليم أو التدريب أو التفاعل الذاتي.  وهو بذلك عملية داخلية خفيّة لا نستطيع قياسها مباشرة، وإنما نستطيع تحديدها خلال ملاحظة أداء المتعلّم في المواقف الحياتيّة المختلفة، أو كإنتاج يقوم به المعني بالتعلّم؛ إنّه التغيير المرغوب فيه والذي يطرأ على سلوك الفرد عقليا وجسميا وانفعاليا نتيجة للخبرة أو النشاط "54. ومن هنا فإن التعلّم أَمر فيه زيادة للشخص المتعلِّم و تعديل يطرأُ عليه، ولهذا عُرِّفَ على أنه " عملية تعديل السلوك وزيادة المعارف والمهارات من خلال التغيّر في الميل لاستجابة تحت تأثير الخبرة المكتسبة.  بمعنى أن الفرد إذ يكتسب مزيدا من الخبرة والتجربة يميل إلى التصرّف بأشكال مختلفة عن أشكال السلوك التي كان يأتيها قبل مروره بتلك الخبرات والتجارب"55.

10-عمليات التثقيف التربوي والكفاية

يُقال عن الإنسان إنه تعلّم حين يتمكّن من القيام بعمل لم يكن يستطيع القيام به من قبل، ويتأكد التعلم من خلال السلوك والتغيرات الحاصلة في هذا السلوك.  فنجده يتعلّم اللّغة الشفوية في السنة الأولى من نموه، عن طريق شبكة المحاكاة والتفاعلات الأسرية، ثم ينتقل بعد ذلك إلى تعلّم اللّغة المكتوبة عن طريق المناهج الموضوعة لذلك في المدرسة؛ بعدها، سيسعى إلى تعلّم أنماط السلوك الثقافية من خلال عملية التثقيف التربويacculturation،والتي يتم على إثرها استيعاب الكائن البشري للثقافة السائدة عن طريق التربية.  ولهذا نجد الأنثروبولوجيون يهتمون بالكيفية التي تقوم بها الثقافات بتعديل سلوك أفرادها وإكسابهم التعلّمات الكثيرة، منذ الطفولة الأولى إلى حدِ وصولهم إلى سن الرشد. فعند دراستهم لتربية الأطفال في إطار ثقافة معينة، نجدهم يبحثون في عمليات ثلاث لغرض إلقاء الضوء على خصوصية هذه التربية. وهذه العمليات هي:

        أ‌-             التثقيف، وهو عبارة عن استيعاب الثقافة السائدة عن طريق التربية.

      ب‌-            تكوين الشخصية، وهي عملية بناء التركيبة النفسية والإدراكيّة للفرد في إطار ثقافة معينة.

      ت‌-           التنشئة الاجتماعية، وهي العمليات التي من شأنها أن تجعله عضوا فعالا في ذلك المجتمع يشعر كما يشعر الإنسان الآخر في نفس المجتمع، ويفكر كما يفكر الآخرون. 56.

هنا تتضح علاقة الثقافة بالتربية ثم بالشخصية.  فالسمات الثقافية تنتقل إلى الفرد لتصبح جزءا من تركيبته النفسية والإدراكية، فيصبح يُقَيِّمُ الأشياء والأخلاق والسلوكيات والمواقف على أساسها. والمثال الحي الذي يُمكن أن نَستدِل به في هذا المجال، والذي يبرزُ حقيقة تعلّم الفرد حتى للمشاعر وردود الأفعال من خلال عملية التثقيف التي عايشها. يتعلق بالملاحظات التي قام بها أحد المهتمين بالعلاقة بين الثقافة والشخصية، وهو مالك بن نبي، عندما " قارن بين شعور المتفرج الأوروبي وشعور المتفرج المسلم عند رؤيتهما للمشهد الأخير لمسرحية الروائي شكسبير، وهي "عُطيل" Ottelo. فعندما يقتل البطل عُطيل صاحبته "ديدمونا" ثم ينتحر يبلغ انفعال المتفرج الأوروبي أوجه، إلى حد البكاء لأن الدائرة التي يعيشها في تلك اللحظة هي دائرة جمالية، حيث يرى نهاية مخلوقين جميلين، فيبكي عند متابعة المشهد دون أن يُبالي بأسباب موت هذين البطلين. أما المتفرج المسلم، فيقول مالك بن نبي أن انفعاله يظل هادئا عند رؤيته لنفس المشهد لأن دائرته أخلاقية، فهو يرى قاتلا ومُنتحِرا "57.  تظهر هنا تركيبته النفسية والإدراكية كحقيقة عامة لا تسمحُ له برؤية جمال القتل والانتحار، لأنها تركيبة تحتوي على أفكار تحريم الجريمة من حيث هي" كبيرة " لا تُغتَفر، من منظور العقيدة الإسلامية، فيرى قاتلا ومُنتحرا.  نحن لا نريد من خلال هذا المثال تفضيل مشاعر المسلم على مشاعر الأوروبي، بل نريد تَبيينِ مدى الاختلاف الذي يكون ناتجا عن أثر الثقافة، بمفهومها الأنثروبولوجي، على تعلّم البشر للمشاعر والانفعالات.  فالثقافة هي التي تُوجِهُ مشاعرهم نحو الوجهة التي تريد أن يتجهوا إليها.  ولهذا نلاحظ الأوروبييتعلّم التوجه نحو الدائرة الجمالية، بينما يتعلّم المُسلِم التوجه نحو الدائرة الأخلاقية. كما أننا نلاحظ المسلمُ الشيعيُ يتعلّم البكاء الشديد في كل مناسبة من مناسبات عاشوراء.  فيصبح بكاؤه مُتَعلَّما ومُبَرمَجا، فيمتلك بذلك كفاية البكاء. بينما لا يقدِرُ السُنِيُّ على هذا البكاء، في هذه المناسبة بالذات، لأنه لم يتعلّمه، فهو يفتقدُ لهذه الكفاية الانفعالية.  من هنا نلاحظ البُعد الانفعالي للكفاية، زيادة على بُعدِها المعرفي والحركي.  فيُمكن للفرد أن يتعلّم أمور العاطفة في إطار التربية العاطفية، كما يُمكِنُه أن يتعلّم حركة مهنية معينة يُجيدها ويحسّن أداءه فيها. " وبهذا المعنى فإن التعلّم يشتمِل على التحسن.  فقراءتنا تتحسن بمعنى أن دقتنا في القراءة تزداد وعدد الأخطاء يَقِلُّ وسرعتنا تزيد. وهكذا، فحين تتحسن قراءتنا نكون قد تعلّمنا وتغيّرَ سلوكنا. قد يتعلم ثلاثة أطفال أن يستجيبوا للتثبيط (الإحباط): الأول يتعلّم أن يغضب، والثاني يتعلم بأن يُفكِر ويَجِد حلا، والثالث يتعلم أن يهرب مما يسبب التثبيط أو الإحباط.  ومن ثم فإن مقدار التعلم يتجلى كما وكيفا: كمّا بعدد الأمور التي يستطيع الفرد أن يقوم بها، وكيفا بالطريقة التي يستجيب وفقا لها في الموقف التعليمي. أما القيام بالعمل فينحصر في القيام بالفاعلية التي كان الفرد قد تعلّمها58.  وفي خلال المسار التعلّمي، قد يحدث أن يُعززُ الفرد الفاعلية التي تعلّمها، فينتقل حينئذ إلى المهارة، أي إلى تنفيذ العمل بدقة كبيرة وفي وقت أسرع رغم صعوبة وتعقُد العمليات أو الحركات التي يحتويها هذا العمل.  من هنا يبدأُ تَبلْور الكفاية في العمل، التي هي القدرة التي يمتلكها الإنسان من أجل أداء مهام معقدة، يتطلب إنجازها التحكم في عدد كبير من المعارف والعمليات التي تصادف الكُفء في ممارسة مسؤولية أو تنفيذ عمل. تظهر الكفاية كتشكيل وإدماج لمجموعة من العناصر المتعددة، منها المعارف والقدرات والمهارات، تُوظَّفُ كُلها بإتقان أثناء وقت إنجاز العمل.  وتكون هذه العناصر مُنظمة بشكل وظيفي بحيث تُمكِن من إنجاز عمل أو مشروع، أو تسمح بحل مشاكل. يُمكن اعتبار هذه العناصر مجموعة من الموارد المتداخلة التي تُشكِّل في نهاية المطاف بُنية متكاملة نسميها: الكفاية.  وهذه الأخيرة هي حوصلة لمجموعة من الخبرات التعلّمية المُعقدة التي مرِّ بها الفرد واستوعبها ومَكَّنَتْهُ، في النهاية، من الحصول على قدرة فاعلة في مجال معيّن. وبهذا يتضح ارتباط مفهوم التعلّم بالكفاية.

خاتمة

تأسيسا على ما سبق يُمكن اعتبار الكفايات المهنية والتعليمية مادة خام للقياس التربوي المعاصر الذي ينظر أساسا إلى الفرد كفرد دون مقارنته بغيره من الأفراد، فهو القياس الذي يسعى إلى معرفة جوانب القوة والضعف لديه  خلال تقدّمه التعليمي والدراسي والتكويني، حيث يكون التركيز على مدى تحقيقه لهذه الكفايات التي تظهر كمرجعيّة تُمكِّنُ المؤسسات التعليميّة والتكوينيّة من تقويم جودة التعليم والتعلّم والاهتمام بالجانب الكيفي لا الكمي للتحصيل. ومن هنا يسمح تحديد هذه الكفايات للمجتمع المدني المتخصِّص من القيام بمساءلة المدرسة والمتوسطة والثانوية والجامعة ومركز التكوين المهني، كما يسمح بإعادة فحص نواتج التعليم والتكوين. وللعلم فقد شرع الاتحاد الأوروبي في بلورة مرجعيّة مشتركة للكفايات في مجال التكوين المهني، وذلك بغرض توحيد العمل التكويني عند البلدان التابعة للإتحاد، وكذلك بغرض توحيد العمليات التقويمية من خلال الاتفاق على ضبط مقاييس تقييم مشتركة.


 


الهوامش

1.  Louis D’Hainaut, 1985، des fins aux objectifs، éditions Labor، éducation 2000،Bruxelles،p 27.

2.Louis D’Hainaut،même ouvrage،p 45.

3.رئاسة الجمهورية، المجلس الأعلى للتربية، مارس، 1998، المبادئ العامة للسياسة التربوية الجديدة وإصلاح التعليم الأساسي، الجزائر، ص53.

4.احمد مصطفى، 2001، المعايير والاختبارات المهنية على المستوى العربي، المركز العربي للتدريب المهني وإعداد المدربين، ليبيا، طرابلس، ص53.

5.فرج عبد القادر طه، 1994، قراءات في علم النفس الصناعي والتنظيمي في الوطن العربي، دار المعارف، الطبعة الرابعة، القاهرة، مصر، ص 570.

6.D. Hameline, les objectifs pédagogiques en formation initiale, p 32.

7.موريس شربل، 2006، التيارات الفكرية للتربية العصرية، دار الفكر العربي، بيروت، لبنان،صص154-155.

8.عبد الكريم غريب، 2004، بيداغوجياالكفايات، منشورات عالم التربية، الطبعة الخاصة معدلة، الدار البيضاء، المغرب، ص15.

9.ابن منظور، لسانالعرب، ص 269.

10.Dictionnaire de psychologie, 1991، Larousse.

11.محمد الدريج، 2009، الكفايات في التعليم، مناجل تأسيس علمي للمنهاج المندمج، com.khayma. www.

12.  Jack Le plat, 2001،l’analyse du travail en psychologie ergonomique، tome1، éditions Octares،Toulouse، p 35.

13. محمد الدريج، نفس الموقع.

14.Violette Hajjar et Alain Brave, 2004،modèle et méthodologie d’analyse des compétences،Octareséditions،Toulouse،France، p 20.

15.Claudette Mariné et Christian Escribe, 2003، modèle et méthodologie d’analyse des compétences، le double éclairage des pratiques et des recherches، p 46

16. محمد الدريج، نفس الموقع.

17. محمد الدريج، نفي الموقع.

18. سيار نوف أ. مدنيك. هوارد، 1973، التعلّم، ترجمة محمد عماد الدين إسماعيل، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، النسخة الأصلية، نيوجرسي، ص 47.

19.  محمد الدريج، نفس الموقع.

20. De Landsheere V et G, 1975،définir les objectifs de l’éducation،liège،thone،p 124.

21.  Michel Minder, 1981،didactique fonctionnelle objectifs stratégie et évaluation،Hdessin،liège،p 48.

22.  Krathwohl D. R et Call, 1975،taxonomie des objectifs pédagogiques، tome2، domaine affectif،Montréal، éducation nouvelle، p 22.

23. محمد أحمد بيومي، 1983، الأنثروبولوجيا الثقافية، الدار الجامعية للطباعة والنشر، بيروت، صص218-219.

24.  محمد علي محمد، 1983، مقدمة في البحث الاجتماعي، دار النهضة العربية، بيروت.

25. Ralph Linton, 1986، le fondement culturel de la personnalité،dunod، éditions sciences de l’éducation.

26. محمد الدريج، 1991، التدريس الهادف، المغرب، ص 62.

27.أحمد عمر سليمان الروبي، 1995، الأهداف التربوية في المجال النفس حركي، دار الفكر العربي، ط1، القاهرة، ص 22.

28.   سيد محمد خير الله وممدوح عبد المنعم الكناني، 1983، سيكولوجية التعلّم بين النظرية والتطبيق، دار النهضة العربية، بيروت، ص 208.

29.  محمد بولاق، 1999، الهدف الإجرائي، تمييزه وصياغته، قصر الكتاب، الجزائر، ص103.

30. محمد الدريج، 1991، تحليل العملية التعليمية، الطبعة الثانية، الرباط، المغرب، ص 40.

31.عبد الكريم غريب، 2003، استراتيجيات الكفايات وأساليب تقويم جودة تكوينها، الطبعةالثالثة، منشورات عالم التربية، الرباط، صص68-69.

32.لاروس، 1991، المنجد الكبير للسيكولوجيا.

33. Pierre Foulquiet, 1971،dictionnaire de psychologie.

34.Gaston Milaret، 1979، قاموس اللغة.

35. محمد الدريج، نفس الموقع.

36.عبد المجيد نشواتي، 1998، علم النفس التربوي، مؤسسة الرسالة، الطبعة التاسعة، بيروت، لبنان، ص ص320-321.

37.محمد الدريج، نفس الموقع.

38.  محمود السيد أبو النيل، 1996، علم النفس الصناعي، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان، ص395.

39. عبد الكريم غريب، 2004، نفس المرجع، ص71.

40.عبد الكريم غريب، نفس المرجع، ص11.

41.محمود السيد أبو النيل، 1996، نفس المرجع، ص120.

42. بنيامين بلوم وآخرون، 1983، تعلّم الطالب التجميعي والتكويني، ترجمة دار ماكيروهيل، ص241.

43. بنيامين بلوم وآخرون، 1983، نفس المرجع، ص242.

44. عبد الكريم غريب، 2004، نفس المرجع، ص72.

45. فرج عبد القادر طه ومن معه، معجم علم النفس والتحليل النفسي.

46.عبد الكريم غريب، 2004، نفس المرجع، ص73.

47.Georgette et Jean Pastiaux, 1997،précis de pédagogie، éditions Nathan،Paris،France، p38.

48. عبد الرحمان العيسوي، 2003، علم النفس والإنتاج، جامعة الإسكندرية، مصر، ص200.

49. عبد الكريم غريب، 2004، نفس المرجع، ص75.

50. عبد الكريم غريب، 2004، نفس المرجع، ص76.

51.عبد المجيد نشواتي، 1998، نفسالمرجع، ص274.

52. Deldime. R et Demoulin, 1980, introduction à la psychopédagogie, éditions A.  De Boeck, Bruxelles.

53. Deldime. R, 1980, même ouvrage, p256.

54. عبد الباسط عبد المعطي، 1994، تحليل اجتماعي للعلاقة بين التعلّم والعمل، مجلة التربية، العدد109، مصر، ص204.

55.عبد الفتاح مراد، 1995، موسوعة البحث العلمي وإعداد الرسائل والمؤلفات، مصر، ص854.

56.أحمد أبو هلال، 1979، مقدّمة إلى الأنثروبولوجيا التربوية، مكتبة النهضة الإسلامية، الطبعة الثانية، عمان، الأردن، ص199.

57. مالك بن نبي، 1984، مشكلة الثقافة، دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر، دمشق، الطبعة الرابعة، ص53.

فاخر عاقل، 1985، علم النفس التربوي، دار العلم للملايين، الطبعة العاشرة، بيروت، لبنان، ص150.

Pour citer ce document

توفيق سامعي, «الكفايات المهنية والتعليمية: المفهوم والأبعاد»

[En ligne] مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales العدد 19 ديسمبر 2014N°19 Décembre 2014
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2015-05-10,
mis a jour le : 07/06/2015,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=1269.