المؤسسة العمومية الاقتصادية الجزائرية نمط حديث للتسيير في مواجهة النمط التقليدي
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 19 ديسمبر 2014 N°19 Décembre 2014

المؤسسة العمومية الاقتصادية الجزائرية نمط حديث للتسيير في مواجهة النمط التقليدي

موسـى زواوي
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

على المؤسسة أن تتوفر على وسائل تقنية عالية المستوى، حتى تتمكن من تشغيل، جهازها الإنتاجي بطريقة ناجعة، كما يجب ألا تكتفي بالإعتماد على موظفين سلبيين ينحصر دورهم في تنفيذ أوامر رؤسائهم. لكن هذا لا يستلزم استنساخا آليا لأنماط التسيير التي أثبتت جدارتها في البلدان الكبيرة، بدون نقد ومراجعة وأقلمة.

لقد سعت المؤسسة من البداية إلى تحقيق نمط تسيير يحقق أفضل الممارسات ويقتضي من كل واحد تقديم أفضل ما يتوفر عليه من كفاءة ومهارة. وقد ساهم ذلك في تبني إطاراتها المسيرة للتسيير العصري والحكامة الجيدة، حيث تتوزع المسؤوليات على الجميع، مع مراعاة واقع تأثير شبكات القرابة ومختلف الانتماءات المحلية.  لهذا يُطرَح سؤال على المؤسسة: "هل بوسع التحديث المنشود أن يغيب الذهنيات المتشبعة بالثقافة التقليدية؟

الكلمات المفتاحية:  التقليدي،الحديث، البعد العلماني والديني،الثقافة الوطنية، الثقافة العالمية.

Pour fonctionner efficacement l’appareil de production d’une entreprise doit être doté de moyens techniques de haut niveau et fonctionner selon les normes de gestion et d’organisation hiérarchisées et strictement codifiées. Mais cela n’implique pas une soumission aveugle aux  modes de managements en vigueur en Occident, même s’ils y ont fait preuve. Des stratégies de d’adaptation et de réajustement sont nécessaires.

L’entreprise est partie à la recherche d’un mode de gestion «  best practice »  qui a exigé une plus grande compétence de chacun. Face à une implication hiérarchique  qui s’inscrit dans le registre du management moderne et dans  la bonne gouvernance où chacun prend sa part de responsabilité, la composante humaine s’est adaptée  en conciliant l’exigence  de modernité et l’ancrage culturel traditionnel.   L’entreprise s’est engagée dans une véritable modernisation de sa gestion. La gestion qui s’impose à cette entreprise et la modernisation qui en découle trouveront-t-elles un moyen pour contourner  la pesanteur du poids des habitudes  enracinées  dans le ' traditionnel'?

Mots clés:le traditionnel, le moderne, aspects religieux et séculiers,  Culture nationale, culture universelle.

To efficiently operate the productory system of a company, this has to be equipped with high-level technical resources and operate according to the management standards, hierarchical organization and strictly codified. But this does not mean a blind submission to management's methods in force in the West, even if they have shown off so. Coping strategies and adjustment are necessary.

 The company has been in search of a management so-called "best practice". This practice required high competence from each of its members. Faced to a hierarchical involvement of modern management and good governance, where everyone must have a major share of responsibility; the human component has been adapted by accommodating the demand for modernity and traditional cultural base. The company embraced a genuine modernized management. But, would that modernization currently embraced by the company and the management imposed on her find a way to bypass the sluggishness of habits deeply rooted in the "traditional"?

Keywords:The traditional, the modern, religious and secular aspects., National Culture, Universal Culture.

1نظرة على المؤسسة العمومية الجزائرية

تطرح إدارة المؤسسات في الجزائر مشاكل كبيرة. ندد، منذ عدة سنوات، مسؤول جزائري بـ"التأخر" الذي تعيشه الجزائر، بسبب عدم تكيف الإنسان مع التغيير، " يجب جلب الماكنة، والإنسان سيلتحق بها" 1، كما تتصور النظرة الميكانيكية. بعد استقلال الجزائر، أمكن، بعد زيارة خاطفة لفريق من الباحثين، من ملاحظة  تراكم الثروة ومظاهر التنوع في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، لكنها تطرح إشكاليات كبيرة.كان هناك ثلاثة عناصر تكتسي كلها  أهمية قصوى: شكل خاص ومكثف للحياة الدينية، تراتبية اجتماعية تقليدية لا تزال حيوية تتدخل في علاقات ملتبسة مع المؤسسات الجديدة للدولة الجزائرية، وأخيرا نوع فريد من الشعر الشفاهي، في شراكة مع موسيقى سجالية، وهي، حسب علمي، حالة فريدة في كل العالم الإسلامي غير الأسود.2

انطلاقا من هذه الخصوصيات المتعلقة بالجزائر، حاولنا تحديد معالم إدارة معيارية هي ثمار التحول الذي طرأ على السلطة السياسية، وعلى إعادة تنظيم الإدارة والقضاء، وتغيير في الوحدة النقدية، والمنظومة الاقتصادية.

أشار مالك بن نبي إلى أن كل هذه التحولات وهمية وليست نهائية إذا لم يغير الإنسان نفسه ويغير المحيط الذي يعيش فيه3، انطلاقا من تصوره الذي يقوم  على ضرورة  التعلق الطبيعي بالثقافة الأصلية والثوابت الإسلامية مع الاندماج في الصيرورة الحضارية الإنسانية. وبالتالي،ضرورة الرجوع إلى الذات الحضارية المبدعة لتجاوز عصر الانحطاط والتخلف والانخراط في نهضة إسلامية جديدة.4

لقد بينت أعمال خبير تركزت على تشريح إدارة نمط تنظيم الاستغلال الزراعي للدولة بواسطة جماعات العمل في الجزائر، غداة الاستقلال، أن نوعا من الخمول نتج  عن المعاينة الدقيقة  الملاحظة حول وجود صلة عضوية  دائمة مع الوسط الأصلي الذي يعوق كل انطلاقة تنموية. بالنسبة لهذا الخبير، يبدو واضحا أن هذا يعني أن تلك الصلة تستمد قوتها من الوسط الذي تعيش فيه ومن التأثيرات المتبادلة في إطار سياقات تاريخية معينة مرتبطة بوسط ينتمي إلى الاقتصادي الزراعي.5

ضمن هذا السياق، وقع اختيارنا، ونحن نعمل بصورة عامة على تكييف مقاربات التسيير مع خصوصية الثقافات الوطنية6، على مؤسسة جزائرية قمنا فيها بتشريح صعوبات الإدارة الداخلية. أخذ هذا التشريح على عاتقه مهمة التركيز على مسائل التوفيق بين الممارسات الإدارية  المختلفة والمعمول بها من طرف المؤسسة المعنية وبصورة عامة في محيطها الثقافي. كان يجب، بادئ ذي بدء، أن نفهم سبب الصعوبات التي نواجهها، في المؤسسة المعنية وفي الجزائر عموما، عند اللجوء إلى استخدام الممارسات الإدارية "العالمية". كما كان يجب، على وجه الخصوص، ضبط جوانب هذه الممارسات وملامح حضور  الثقافات الجزائرية "البربرية-العربية-الإسلامية" المؤثرة فيها.7

هذه المقالة تهدف، من وراء طرح إشكاليات المسائل المتعلقة بالمؤسسة المعنية، إلى استخلاص نتائج ذات بعد عملي وعام  مستخلص من العمل المنجز، عبر التركيز، بوجه خاص، على مسألة الوسائل الكفيلة بالوصول إلى ضمان  تكييف فعال مع السياق الثقافي للإدارة بمفهومها الشامل.

2- نظرة على المنهج المتبع

لقد انطلقنا من معاينة وضعية غير طبيعية عاشها المشتغلون بواقع المؤسسة. هذه الأخيرة لم تتوقف عن مواجهة  ظاهرة معقدة جدا ساهمت في مزيد من الغموض في المفاهيم والمواقف والرؤى. الحياة في هذه المؤسسة يتجاذبها تنظيم رسمي، وآخر شبه رسمي كامن في ذهنية  كل شخص. من المؤكد أن المشكل لا يكمن في الصراع بين المعاصر والأصيل، بين حضور نمط تسيير "دخيل" وآخر يهيكل الأذهان ويعبئ أو يشتت الفرق. إنه حقا وضع يعتري الإدارة الحديثة في صميم فلسفلتها.

لقد لاحظنا كيف أن الانتقال نحو التحديث لا يقتضي بالضرورة التخلص الفوري من إرث تراكم على مر السنين، بل في الاحتفاظ به وإدماجه خدمة للتغيير الاقتصادي، الاجتماعي وحتى للتحول داخل المجتمع.

مبدئيا، هناك ذهنيات تشكلت عبر العشرات من السنين حول تنظيم متجذر في التقليدي والعائلي، ظل منغلقا على نفسه حتى وجد نفسه فجأة وجها لوجه مع تنظيم "غريب". وعليه فنحن في حاجة إلى تنظيم جديد ذي طابع أنثروبولوجي سوسيولوجي قبل التطرق إلى المعالجة الإدارية في هذه المؤسسة.

بمعاينتنا لمصنع الإسمنت بعين الكبيرة (سطيف)، حاولنا التأكد من صحة فرضية  خبير شهير بيّن أن نجاح المؤسسات الأفريقية يعود إلى الروابط الموجودة بين الأشكال العصرية لتنظيمها وقيم الوسط الاجتماعي8ولقد تأكدنا أن إدارة المؤسسة، من أجل أن تكون فعالة، يجب أن تستند أيضا إلى ما يُنْظَر إليها محليا على أنه "الطريقة المفضلة للعيش المشترك".

انكب فيليب ديربارن، العالم الاقتصادي الشهير،  على قضية التوافق بين التصور التقليدي ومتطلبات التحديث، مذكرا بنجاح المؤسسات اليابانية في هذا المجال. فهذه الأخيرة تم وصلها بالدور الذي تلعبه الثقافة اليابانية كعامل دفع و تنمية لتحقيق تعاون جيد  ومثمرداخل المؤسسات.9

في مجمل هذه الأعمال، يفترض أن يكون للثقافة الأصلية فعالية  ودور حاسم  في  سير المؤسسات والاقتصاد. ولم نلحظ نموذجا مماثلا آخر حظي بهذا الاهتمام المتعلق  بتصرف البشر وكيف يتأقلمون وكيف يستفاد من إمكانياتهم وكيف يتم تجنب الانحرافات المترتبة عن هذا التصرف، سواء أتَعلقَ الأمر بإدارة المؤسسات أم بتنظيم الاقتصاد10.

وأخيرا، وكخلاصة للتوجهات الجديدة والكفيلة بدفعنا إلى الأمام في هذا المسعى، شرعنا، ضمن سياق جزائري، في تصور إدارة فعالة وثرية  تحفز على ممارسة مَرْضِّية للمسؤوليات على جميع الأصعدة.

3- تحليل أركيولوجي لإدارة الأعمال

لقد تم تكريس انفتاح كلي  على تحولات كبرى  من خلال توجه القيادة الاقتصادية والإرادة السياسية . وقد شمل هذا التحول  كل دواليب الحياة وكل المجالات  في البلاد. هذا التحول جاء بمبادرة عمومية أسفرت عن خلق مؤسسة رسمية في تعارض مع التنظيم المعياري (العالمي)، هو أشبه بالفكر الذي كان يسود الدولة الراعية: الأجر، الفائدة، توزيع الأرباح، المحاباة مع الأحباب، مع أفراد الأسرة وهيمنة التسيير العصبوي، ومفهوم بائد للشرف (الأنفة) أو "النيف". يجري كل هذا ضمن تطبيق حرفي وآلي  لقواعد عالمية ومبادئ تنظيم وإدارة أعمال، من قبيل "التايلورية" و"الفوردية" و"نوادي الجودة"، و"المخزون الصفري"، المعمول به في البلدان المتقدمة (الولايات المتحدة الأمريكية، اليابان، الخ)، بينما تعتبر هذه الأنماط الإدارية محصلة لتطورات حضارية ولخبرة اقتصادية وتاريخية مرتبطة بتلك البلدان.11

من جهة أخرى، فقد حاول مسيرو تلك المؤسسة فرضها بناء على هيمنة فكر أحادي، بل أدلجتها. بحيث وقعوا فيما يمكن وصفه بالهروب إلى الأمام، ضمن نمط من التنمية الوهمية، رغم أن القادة والمسيرين لا يتحدثون إلا بلغة مبادئ التسيير والتنظيم والترشيد.

وهي مؤسسة حافظت على أنماط التفكير البالية والصراعات القديمة "المنفلتة من الخضوع لأية قاعدة واضحة"، وضمن هياكل اجتماعية فضفاضة. وعليه، فمن حقنا أن نتساءل عن جدوى تلك النظريات المنعوتة بالعلمية والعالمية في ظرف كهذا؟ ودون أن نكون مغالين، يجب أن نقول بأن عيب هذه النظريات هو كونها تعمل على تغييب الخصوصيات الثقافية للبلدان المعنية وخلفياتها السسيوتاريخية12. هذا الفشل أفضى، لحسن الحظ، إلى التقليل من شأن الإيمان بـ "التسيير المقنن" عالميا، وهو ما يجب أن يحثنا على التفكير المعمق في النجاح الذي حققته بعض البلدان (اليابان، كوريا الجنوبية، مثلا، والتي لم تقطع صلتها بأنماط الحياة الإقطاعية).

إننا نشهد في الآونة الأخيرة محاولة لِمَفْهَمَة conceptualisationأدوات تحليل التشكيلات الاجتماعية والمنظمات من طرف بعض الأوساط الحكيمة، التي أولت عناية واسعة للأبعاد الثقافية والاجتماعية والتاريخية في نجاح المؤسسات. ويبدو أن هذا هو الطريق الذي انتهجه الأستاذ فيليب ديريبارن والذي قررنا الاستئناس به.

إن الأستاذ فيليب ديريبارن، وهو يدرس الحياة المشتركة وانتظامها في دوائر الإنتاج خاصة، لاحظ استفحال بعض الملامح القديمة وتأثيرها على الواقع اليومي. لقد اعتمد على التحليل السوسيوأركيولوجي للمجتمعات والمنظمات. واكتشف أن في فرنسا، يسود مفهوم التراتبية ذات الصلة بالشرف. في الولايات المتحدة الأمريكية، لاحظ تأثير العقد – بوصفه عهدا- يتحكم في الروابط الاجتماعية، بينما في هولندا، يبرز عامل "الإجماع" كقاعدة يحتكم إليها الناس.

3-1- الثقافة والتنظيم في الجزائر

فيما يتعلق بالسياق الجزائري، نلاحظ ميل الجزائري للتصرف كـ"إنسان مستقل" بعد أن أصبح بلده مستقلا. لقد استوحى ذلك من ماضيه "الأهلي المتمرد"، وهو يرى أن هذا الموقف يدفعه للتحرك نحو ما يحقق أهداف المؤسسة. وهو في الحقيقة قد استند إلى عامل القيم المقدسة  التي تجعل منه "إنسانا حرا".

هذه القيم تستدعي تحفيزا عفويا. ومنه، يمكن أن نقول بأن التسيير الاشتراكي للمؤسسات في للجزائر، في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كان قد دعم هذه الثقافة بوصفها نمطا للتنظيم الصناعي مادام الأجير هو في الوقت نفسه  "مسير ومنتج".

في ضوء هذا المشهد التاريخي الثقافي، ومن أجل ترقية التنظيم في الجزائر، فضلنا البقاء أوفياء للطريقة التي اكتشفها فيليب ديريبارن، سعيا إلى رؤية الكيفية التي يمكن أن تكون بها مفيدة في حالات أخرى خاصة في الجزائر، ومنه استخلاص الأنماط العملية التي بفضلها نتمكن من تفكيك أسس وطبيعة العلاقات الاجتماعية وطابعها الدائم، رغم  التجليات الظاهرة التي  تتمفصل من خلالها  العلاقات الحاضرة (جدلية الجوانية والبرانية، والثابت والمتحول).

بالنسبة لـ ف. ديريبارن، الثقافة ليست سلطة دائمة تشتغل خارج التاريخ، أو شيء يمكن أن ننسب إليه التصرفات، بل هي ظرف وتجليات وتحولات وممكنات،  كما يمكن نمذجة  هذه التصرفات بطريقة قابلة للفهم والاستيعاب والتمثل. ومن أجل البحث بجدية عن دور عامل الثقافة في "المعجزة اليابانية"، يجب الاهتمام بالمقاربات الجدية والمقارنية والأنُثروبولوجية للثقافة13.

الدراسة التحليلية للشروط الاقتصادية السياسية والاجتماعية المهيمنة في الجزائر، هي مستنسخة من تلك التي قام بها ف. ديريبارن حول فرنسا. وعليه، فإننا عندما نأخذ بعين الاعتبار الفارق التاريخي، فإن الدولة الجزائرية في تلك الحقبة، هي تلك التي تصفها لنا مقدمة ابن خلدون، كما هو شأن فرنسا مع مونتسكيو أو روسو14. إذا كان ف. ديريبارن يرى أنه من المهم الرجوع إلى الثقافة، فلأن هذه المواقف ليست في غنى عن مسائل المرجعيات الثقافية. إذا حكمنا على موقف ما بأنه مقبول، فإن هذا الحكم يستند قبل كل شيء إلى مرتكزات وخلفيات وشرعية معينة. إذا كان موقف المرء مجلبة للثقة، أو للاشمئزاز أو للغضب، فليس ذلك لأنه يتجسد هكذا موضوعيا،  بل بسبب ما يعنيه من منظور الثقافات الأخرى. ومعن ذلك أن القيم الإنسانية نسبية وليست مطلقة.

ينقل لنا ابن خلدون إن المجتمع ينتظم في قبائل وعصبيات ويسير حسب مفهوم التراتبية الاجتماعية والنبالة. وهذه الأخيرة تعود إلى  رابطة الدم والنسب الديني. هدف العصبية القبلية هو إيصال أحد أفرادها، الذي فرض نفسه عليها، إلى تولي السلطة العليا (الملك)15. ولبلوغ ذلك تعتمد العصبية القبلية على قبائل أخرى مهيمنة تنسج معها علاقات تحالف وتضمن ولاءها. الحلفاء ومن يلحق بهم يشتركون في روح العصبية ويتبنونه، وهو ما يخول لهم شيئا من النبالة  التي يبقى مع ذلك أقل درجة من النسب الديني الحاسم.

أهداف الاستيلاء على الحكم كثيرة ومتنوعة. الحكم يجلب إلى حد ما النبالة، التميُّز والتبجيل، حسب درجة القرب من العصبية أو الزعماء الذين وصلوا إلى السلطة. وهو ما يسميه بورديو بالرأسمال الرمزي16. السلطة هي أيضا مصدر للثراء، سواء عن طريق حيازة الخيرات المادية أم عن طريق التملص من الواجبات والأعباء العامة، مع العلم أن الخضوع لتنفيذ الأعباء العمومية هو علامة على ضعف عصبية الانتماء أي ضعف النبالة، فرئيس العصبية الذي وصل إلى السلطة يبدأ بإعفاء أعضاء عصبيته وأتباعه من دفع الضرائب، وهو نوع من الامتياز. وهذا يحيلنا على الكاتب بوتي ريفير الذي اكتشف وهو يدرس المجتمع الأسباني الجنوبي بعدا يعبر عن العلاقات الاجتماعية ويميز الشرف والامتياز.

العصبة استفادت، وهي تساهم في هذا المجد والهيبة، بالنبالة من خلال التملص من السخرة (الضريبة) كعلامة على التميُّز، أما شرف الفضيلة الذي وصفه بوتي ريفير، فلا يبدو أن ابن خلدون قد قابله في المجتمع. هو يذكر فقط التبجيل والاحترام الذي يحظى به الشيوخ ورجال الدين. القيام بالأعمال الإجبارية تحت سلطة ما، أمر مُذِلّ ومخز، ويعبر عن الذل  والخضوع . المجال الوحيد الذي تتحقق فيه الفضيلة يبقى مجال الشؤون الدينية حيث لا مجال فيه للمنافسة مع نبالة الحكم. حيث يبقى صاحبه  في قمة هرم السلطة.

ولكي تعزز القبيلة هيمنتها وهيبتها وشرعيتها، فإنها، ما أن تصل إلى سدة الحكم، كما يقول لنا ابن خلدون، حتى تسبغ عليها نسبا شريفا، سنيا أو علويا ، وتتربع على الولاية المدنية والدينية بغرض إسكات أية معارضة دينية. أو كما يشير إلى ذلك ريمون جامون، حول تنصيب الشرفاءأنفسهم على قمة السلم الاجتماعي، فوق العامة، بوصفهم ذوي أصل أقرب إلى النبي الذي تلقى الوحي الإلهي والذي يتبعه كل المؤمنون(السلسلة الذهبية). هذه المرتبة تخولهم، ليس فقط حقوقا وامتيازات، بل واجبات أيضا.

هذا الشكل من الحكومة المشكلة من نواة مركزية، محط الامتيازات، التحق بها فيما بعد نخب من الانكشارية والكراغلة، كانوا يرهقون باقي الناس بأعباء تتزايد ثقلا وظلما في غالب الأحيان، مفتخرة بنبالتها على نبالة المخزن. لكن فرنسا لم تفعل أفضل من ذلك. وهي التي، كانت تريد تهدئة الأوضاع في البلاد فراحت تكسر شوكة القبلية، بوصفها منبع الاحتجاج. لقد ساهم تجريد القبائل من أراضيها وطردها منها في إفقار الجماهير، ودفعها نحو التيه بحثا عن مصادر رزق أخرى خارج الإطار التقليدي.

إن فرنسا وهي تفرض ضرائب أخرى تتعارض مع ما اعتاد عليه الناس، لم تفعل سوى إبعاد الناس عن فكرة الملكية العامة وتأجيج حركات التمرد. لعل ذلك الواقع المأسوي القائم على الحملات العسكرية  والاضطهادات المتعاقبة وما رافقها من حَيْف وامتيازات هو ما أفضى إلى ميلاد ذلك الشعور المزمن من الحذر والانكماش على الذات وعلى المعتقدات الطرقية القدرية، في انتظار الفرج. إنها غريزة البقاء التي  أبقت على جذوة المقاومة  حتى جاءت الهبة الثورية الاستقلالية من أجل الحرية، تمهيدا لشكل جديد من التنظيم، حسب روادها، للمجتمع والإنتاج والدخول في زمن الحداثة والتحديث والعصرنة17.

3-2 لقاء الأصالة والمعاصرة

إن الاتصال بفرنسا قد خلق، في أوساط شريحة كبيرة من السكان، نمطا من السلوك يطغى عليه الجانب الاستهلاكي كعلامة على الرفعة. هذا النمط السلوكي، مدعوم بالريع النفطي، انتشر عبر التقليد و المحاكاة إلى بقية السكان عبر السباق نحو مراكمة الحاجيات المادية المظهرية، وما صاحبها من تغلغل لظاهرة الترابندو والتهريب  والفساد، في أذهان الناس، مما أدي إلى انقلاب مذهل في سلم القيم.

إن بروز نمط سلوكي وتنظيمي جديد في الجزائر، خلال العشريات الأخيرة، يمثل في الظاهر، قطيعة مع روحها العميقة. فما هي نسبة ما هو انقلابي طارئ من أنماط تنظيم الحياة المشتركة الجزائرية؟

إن الاضطرابات التي عاشتها الجزائر في الآونة الأخيرة وعودة الاحتماء بالدين تشهد على قدر كبير من القلق والضياع. تبدو الأرضية صالحة للتأكد من بعد كامل لسلوك الجزائري. إنه يستند إلى موروث ديني  عميق ومهيمن على حياة الإنسان الجزائري. ورغم حيويته ، فهو يعاش ضمنيا وفق الأعراف والتقاليد والعادة والتواكل، بعيدا عن كل  على اجتهاد وإبداع. ففي اللحظة التي تكون الإدارة في حاجة إلى تدخل العقل، تجد نفسها مشلولة كما يعبر عنها ذلك العامل "أليس الفوز والنجاح من الله". وهو رد فعل  يبرهن على موقف سلبي  في مواجهة التحديات. العامل يتحرك لتحقيق "الرزق"؛ وليس لتحمل مسؤولية وبذل الجهد المطلوب، وهذا ما يراه ذلك التقني إزاء تواجده في المصنع، باعتبار عمله ليس مصدرا للرزق، الذي يأتيه عن طريق هذا العمل أو بدونه: "صحيح، أنا أعمل هنا، أتلقى راتبا، لكن "الرزق مضمون" في الواقع، وهو بهذا لا يرى عمله كوسيلة لتحقيق رفاهيته وعيشه الكريم، لكن مصدره الحقيقي لا يمكن أن يكون إلا بالتوكل على الله.

في مواجهة هذا الموقف من الأجر والعمل والأجير نفسه، تتدخل نظرة روحية هامة تحدد سلوك كل فرد في التنظيم. إننا نلاحظ أن هناك إيمانا بالعناية الإلهية يترجم عن طريق الإيمان بالله وبما قَدَّرَه لنا.

الجميع يستند إلى متخيل مهيكل دينيا ومحدد سلفا. وهو أيضا تبعية موروثة من خطاب قدري صقل الأذهان، فراحت تعتقد في جزاء لا يرتبط بالعمل، رغم أن العامل لا يستبعد الأجر والمنح والمطالبة بالزيادة في الأجور عبر التحركات المطلبية عند الاقتضاء.

وعليه، فالممارسات لا تتم بناء على استحقاق الأجر أو الطموح بل ترتبط دوما بالغيبي، وهذا الأمر يستبد بشكل مضاعف بعقل العامل والإطار وحتى المسير في أعلى الهرم في المؤسسات. هناك تمثيل قوي لتنظيم شبه رسمي ديني داخل التنظيم الرسمي. تفكير كل شخص يتأثر بهذه الخلفيات التي تزوده بالقناعة  والاكتفاء بالشيء اليسير الذي يسد رمقه ويكفل حاجته. فلا التنظيم ولا الامتيازات تهم الأجير بل إن ما يهمه هو الذهاب نحو تحصيل رزقه، "صرح جمْعٌ من الأجراء قائلين: رزقنا هو الذي جاء بنا إلى هنا". موقفهم تجاه المؤسسة يستبعد أي مسعى لانتهاز الفرصة، أو إبراز الكفاءة بل وحتى الشعور بالحاجة إلى التكوين.

في ضوء هذا المشهد التاريخي، سوف نحاول الآن، من خلال هذا البحث التجريبي، التأكد فيما إذا كانت للخصائص الاجتماعية التي أنتجها التاريخ دور مؤثر ومُعَبِّر عن شكل من أشكال التنظيم، أي دور مهيكل للتنظيم الاجتماعي كما يؤكد ليفي ستراوس.

عملنا يعتمد على منظومة من الأسئلة موجهة للمؤثرين في منظمات الإنتاج. اختيار الحوار المباشر يجد مبرره في كونه يمكن من نسج علاقة حية مع الشخص المسبورمن جهة، كما يفرض علينا مخططا للحوار دون تحديد للإطار المرجعي، من جهة أخرى، هذا الخيار تحدده ضرورة تعميق البحث في ميادين المرجعيات الهيكلية الملاحظة خلال ماضي المجتمع. وفي حالتنا هذه، فإن المسبور مدعوٌّ ليجيب بطريقة شاملة على الأسئلة العامة، بتعبيره الخاص وضمن إطار مرجعيته.

الأسئلة التي طُرِحت حول الآراء والمواقف والمرجعيات اتسمت بالانفتاح عموما. وهي بذلك تسمح بإعطاء الانطباع للقائم بالتحقيق أنه فعلا مسموع، وهو ما يدفع نحو مزيد من التفكير قبل أن يجيب ويعبر عن نفسه بكل حرية، مع إشعاره باحترام رأيه دون أن يشعر بأنه محل تلاعب من خلال حصره ضمن إطار يمكن أن يراه ضيقا.

3-3 مقاومة التغيير

إدارة الأعمال في الجزائر، عبر قطاعات التسيير والممارسة السلطوية، تجد نفسها غالبا  وجها لوجه أمام جانبين متناقضين وملتبسين في ذهن الفاعلين في نفس القطاعات. في حالتنا هذه، أي حالة مصنع الإسمنت بعين الكبيرة، فإن الأمر يتعلق بالتوفيق،  بين الأهداف المادية للإنتاج والعراقيل التي تقف في وجه السلطة داخل مؤسسة معينة18، من جهة، و تحفيز العمال، بعيدا عن أية مرجعية عصبية ودون مصادمة شعورهم الديني حول كون البشر سواسية، من جهة أخرى.

لكن مؤسسة الإسمنت بعين الكبير هي مؤسسة عمومية لا يستجيب قانونها الأساسي ولا غاياتها لأنماط الإنتاج والتنظيم التقليدي. هذه الوحدة تبدو هيكلا بلا روح. ولهذا فنحن إزاء حالة فريدة من نوعها أمام علم نفس الجزائري، إلا إذا كانت المؤسسة تذكره بأملاك البايلك، السيئة الصيت في العهد التركي والأملاك العمومية في العهد الفرنسي.

وهذا الواقع لا يسهل انخراطه في هذه الصيرورة. مخطط تنظيم المؤسسة لا يبدو أنه يتطابق مع رؤية العامل كما يتصورها. وعليه، فمن العادة أن الأفراد والجماعات لا يتموقعون إلا عبر الأهداف المحددة المرجعيات: العمل لمن والعمل لماذا؟ وهل هذا لا يتعارض مع اعتقاداتنا وقناعاتنا.

3-4 سلطة مسير أبوي

في مثل هذه الحالة، فإن السلطة المباشرة أو المتفرعة لرئيس العصبية تستمد شرعيتها من ولاء الزبون والمنخرط والشركاء البسطاء. سلطة قائد العصبية، إذا طبقت بدقة من خلال العقوبات، تفرض سلطتها ولكنها غير قادرة وحدها على تأمين التبعية، كون الجري المحموم نحو السلطة يمثل طبيعتها ومنطقها. هذه الأخيرة تواصل لعب دورها عبر الهجوم المتواصل للمعارضة الدينية تجاه السلطة الزمنية. وهي بهذا يمكن أن تكتسي طابعا محافظا ومعتدلا يحد من تغوّل السلطة أو التمويه على تطلعات الاستفراد بها.

يبدو أن الاحتجاج  يشكل القاعدة في السير الداخلي للمؤسسة. كما يبدو تأثير الدين قويا ، على مستوى السلوك التلقائي: "أنا أنفذ الأوامر التي تعطى لي، فقط لأنه رئيسي. يمكن أن يخلق لي مشاكل إذا رفضتُ تنفيذ الأوامر. من جهة أخرى، فأنا لا أحتاج إليه. أنا أقوم بعملي وهو يقوم بعمله. أنا أعمل لوجه الله وأكسب خبزة نظيفة''.

بالتزامن مع هذا الموقف، هناك نوع من الرغبة في التحفيز تسود الموظفين. إن أغلب من تحدثنا معهم، يرجع ذلك إلى واجب ديني يدفع الإنسان  إلى أداء العمل. هم يطالبون مبدئيا أن يصدر هذا التصرف من "المسير". عامل آخر يطلب من رئيسه أن يتعرف عليه، أي أن يهتم بالعاملين معه، ويؤكد "في بعض المصالح، يجب على المدير أن يعرف من هو العامل الأكثر جدية والذي يؤدي عملا جيدا، العامل يشعر أنه محل احترام وأنه ينتج أفضل. هذا الاعتبار يؤثر على معنويات العامل ويسمح بتشجيعه. يجب أن يعرف المدير عماله معرفة جيدة وهذا في حد ذاته علامة على احترام الفرد لـ"أخيه"، "إنما المؤمنون إخوة". بحسب الآية القرآنية لكريمة.

من البديهي أنه أمام مثل هذه الوضعية يتجه المسيرون إلى الأخذ بطرق "كلاسيكية" في التسيير19، مع إبداء "إرادة" كافية: أن يتصرف المسؤولون كمسيرين بطريقة تخول للمرؤوسين إمكانية المبادرة. لكن أمام استفحال العادات السلبية تفشل كل الدعوات مهما كانت مصداقيتها. ذلك أن إعادة النظر فيها تصطدم بعراقيل قوية: لا يبدو أن المسيرين يكونون أكثر استعدادا من معاونيهم والعمال لتقبل تسيير "ديني". من الواضح أن احترام العامل يتطلب قدرا من التقرُّب يقوم به المسير تجاه مرؤوسيه من جميع الفئات، حتى يشعروا بالطمأنينة. إن الاحترام يندرج ضمن مجال شعوري وخلقي أكثر منه تنظيمي.

4-  الاعتقاد الديني والتسيير العام.

إن الاعتقاد في المساواة بين البشر يعطي مفهوما خاصا لممارسة السلطة ، ويتأثر بعديد من الاعتبارات:

كلما اصطدم الوازع الديني بمصلحة العصبية فإن هذه الأخير هي التي تفوز. إن الخوف من إضعاف العصبية وانحسار المصالح الروحية والمادية يلعب دورا كابحا. إن السلطة الفرعية الممثلة من طرف الدوائر القريبة من السلطة ضمن أواصر الدم، تؤمّن استمرارية "السلطة المركزية". في مثل هذه الحالة، يجد الشعور الديني نفسه مختنقا بسبب التبعية للعصبية: السلطة الأبوية تلعب هنا دورا محافظا.

أحيانا، يمكن أن يتم تجاوز الشعور الديني، حول المساواة، فقط عبر تبني القائد لموقف شعبوي واعتقادي يلبي تطلعات أتباعه، والأكثر ديماغوجية بينهم يصل بهم الأمر إلى حد اتخاذ صفة أمير المؤمنين (حسب ابن خلدون، انتحال الألقاب المقدسة)20. هؤلاء القادة يحاولون إثارة مشاعر فوق عصبية في أتباعهم أو إدراج أفعالهم ضمن توجه عريق: "الشريف" يحوز على السلطة على الجماعة عبر إيصال نسبه بالنبي، وهو ما لم يثبت عبر التاريخ21.

والأفراد، بهذا التصور ، يلجئون من أجل تحقيق هذا العمل إلى تقاسم مشاعرهم البسيطة الدينية حول المساواة من أجل كسب ديني أفضل: الاتحاد مع الأمة بمفهومها الضيق وبمفهومها الواسع. وهو ما يقتضي القبول بالسلطة بوصفها ضرورة ذات أولوية. نرى هكذا أن روابط القيادة معقدة ومائعة، وتقتضي مرونة كبيرة. هذه الروابط لا حدود لها إلا حدود السلطة الفعلية أو أواصر الدم والمصلحة. ويتعين على الأمير توسيع قواعد المساندة لتخفيف الضغط الذي تمارسه عليه عصبيته حتى لا يبدو شديد التحيز. ولهذا لا يجب أن تبلغ شعبويته ودماثة أخلاقه حد الجبن الذي يلحق الضرر بهيبته.

بتعبير آخر، هذا الشعور يقتضي تقديم آيات الخضوع للسلطة، التي بدونها لا يمكن إنجاز أي شي مهم. فعلى رؤساء المصالح مثلا أن يتصفوا بالتسلط، كما يؤكده عضو في الإدارة: "عليّ أن أحترم رئيسي، عليّ أن أتجنب كسر الحواجز بيني وبين رؤسائي، عليّ أن أحترم رئيسي وأن أحافظ على مسافة بيني وبينه، هذه هي بالنسبة لي "الهيبة" التي تعني أكثر من الاحترام". أحد التقنيين يشير، من جهته، إلى أن الرئيس يجب أن يتميز بالهيبة: "الهيبة تعني بالنسبة لي أكثر من الاحترام، هي نوعا ما المرجعية بما هو "عبارة عن احترام مستوحى من نموذج "كبير" العائلة، والثروة والشرف. لا أحد بمقدوره معارضة رأيه. وهي ظاهرة لا نجدها إلا في المجتمعات التي يسودها النظام الأبوي. تبجيل الشيخ يعادل تبجيل "أمير المؤمنين" الذي هو أهل لكل الاحترام والتميّز على من سواه. هذه الصورة هي إحدى الملامح الجوهرية للهيبة. الرئيس يأخذ هنا معنى الكبير أو الزعيم الروحي.

5-  إدارة الشعور الديني

لحسن الحظ، فإن بعض المؤسسات قد تمكنت من تجاوز هذا الانحراف، مثل مصنع الإسمنت بعين الكبيرة. مثل هذه المؤسسات هي التي تمكنت من خلق ظروف لانصهار المكونات المختلفة داخل بوتقة المشروع الجديد. يبدو أن الإدارة قد تمكنت  في عين الكبيرة، من الخروج من التكنوقراطيا العقيمة  لتأخذ بعين الاعتبار بالمعايير المختلفة، سواء العلمانية منها أو الدينية. وهي بانخراطها في هذا النهج الواعد قد تمكنت من بلوغ عديد من الأهداف:

- لقد قضت على المعتقد الشعبي الذي كان يرى في المدير "الموظف السامي" لسلطةٍ بعيدة ومستغلة، وجهت الحس الشعبي نحو المصالح التي يجب أن يتبناها اعتمادا على إبراز خصلتي التواضع والاعتزاز بالنفس. لم يكن ذلك ليتم بسهولة. كان يرتبط بقدرة كل إدارة على استغلال الحساسية المحلية والتعبير الصحيح عن المرجعيات الثقافية22. وقد تم ذلك بسهولة نسبية في عين الكبيرة. ولم يكن يجري اللجوء إلى السلطة الشرعية إلا كحل أخير، بقي بين أيدي الإدارة في شكل ثنائية الخطأ-العقوبة، والاستعاضة عن المجلس التأديبي عن طريق استدعاء رئيس المصلحة للعامل إلى مكتبه وإعطائه درسا في حسن السلوك. بشرط ألا يكون الخطأ خطأ تقنيا فادحا. في هذه الحالة، يتم تسليط العقوبة عليه، حسب ما تمليه الأنظمة الداخلية للوحدة.

- على الإدارة أن ترد بانتهاج سلوك مستقيم يلبي تطلع العمال إلى المساواة.

- تقديم المثل عبر التفاني في العمل، مثل رؤية المدير يتأخر ساعة أو أكثر عن مواعيد الخروج. وهو "عموما يبقى في مكتبه مدة أطول، حسب ما يقتضيه عمله".

- العدالة في التعامل مع العمال والمجموعات: عدم محاباة المتملقين والدائرين في فلك الإدارة وتطبيق ممارسات يلتزم بها الجميعمحليا. وهذه الخصال تمنحه في مخيال المرؤوسين صفات الرجل المثالي: "الشيخ" في معناه التبجيلي الذي يجسد ملامح الهيبة.

6- المسير الجزائري

حسب دراستنا التاريخية الاقتصادية، فإن مكانة الأفراد تقاس بميزان رمزية مكانة المُلْك:  يجب أن يكون  المسؤول جديرا بالاحتفاظ بالمرتبة والشرف. ولكي يكون الأمر خلاف ذلك، فإن السلطة الزراعية هي خليط من الملك والسلطة23، وهي من جهة أخرى ترتكز على التحالفات المصلحية بين العصبيات. فهيكلة مركز الملك تتبع هيكلة التنظيم الاجتماعي والعكس صحيح24. نجد أراضي العرش تنقسم إلى أراضي القبائل، التي بدورها تنقسم إلى أراضي عائلية، التي تنقسم بدورها إلى ملكيات أقل فأقل حتى الفردية. وهذا تنظيم عريق انعكس في التنظيم العمالي الذي يعتمد عليه المسير عندما يصرح: "من الضروري إقامة علاقة طيبة مع العمال لطمأنتهم والانشغال بمشاكلهم العائلية".

لقد أدى التفكيك الداخلي لعالم الفلاحة إلى زحزحة وتشويه دوائر السلطة والهيبة بغرض توطيد سلطة مركزية هي الدولة (وتفرعاتها: جماعات محلية، جهوية، مؤسسات عمومية). لقد أصبحت الدولة المصدر الوحيد الذي تستمد منه السلطة والهيبة، بالنظر إلى السلطة الاقتصادية والسلطة الشرعية التي توفرها. وعبر تعميم العامل الاقتصادي من خلال العمل المأجور وروح المؤسسة، فتحت الدولة آفاقا جديدة لتفتق علاقات جديدة في التنظيم والتعاون25.

القائد مطلوب منه أن يكون نموذجا ومالكا لكل الخصال التي تميزه عن غيره بدماثة خلقه ونزاهته وكاريزماتيته، لكي يكون جديرا بتولية  شؤون التصرف والتسيير. وعموما، فإن من يتولى هذه المهمة "التصريف" يجب أن يتحلى بشرط اجتماعي وديني. من الناحية الدينية،  فإن تعيينه قد أملاه تاريخ "الأمة" الذي يضع في الصفوة من لا يمكن أن يكون إلاّ أميرا خُلِقَ ليقود( شرعية دينية).

خلاصة

لقد أصبحت المؤسسة أداة مفيدة لممارسة النشاطات الاقتصادية والاجتماعية. والسلطة الأبوية لا تفتأ تتلاشى في الحياة اليومية لكل واحد، بالنظر إلى التغير الحاصل في النسيج الاجتماعي خلال السنوات الماضية. لقد منحت المؤسسة فرصة يتمكن من خلالها النظام الاجتماعي القديم من العودة إلى الحياة، بتجليات  ووظائف جديدة،  إنها بوتقة انصهرت فيها كل المكونات التاريخية والثقافية والدينية والحداثية .

المؤسسة تعيد الحياة لتاريخ ينهار مع الزمن، لكنها تعطي لهذه الظاهرة الدينية الجزائرية مغزى بترك الحرية للمسير للتعود على الواقع وتوجيه إدارته نحو العالمية. نحن إزاء تنظيم مزدوج  الهيكلة: هو دينيا شبه رسمي، وهو تسيير رسمي، يتمحور دوره حول الإنتاج من جهة وحول توزيع الأجور من جهة ثانية.

وكلما تم ترسيم التنظيم، تغذت الظاهرة الدينية بما يمكن تشبيهه بالدواء الأخلاقي الذي يؤثر على السلوكات ويعطي معنى للعلاقة الإنسانية/ الإنسانية، والعلاقة الإنسانية /التنظيمية.

كيف يجعل هذا التنظيم الأمور متناغمة وموضوعية لصالح المؤسسة؟  فالممارسات تبقى بشرية، الدين يطبقه الكائن البشري، لكن هدف التسيير هو بلوغ ما هو محدد سلفا ومشروط كنتيجة. لقد بيّن تحليل هذه المواد بوضوح أثر دور  الدين في الممارسات الإدارية الجزائرية التي تدور حول موروث عضوي مجتمعي. التسيير مسألة عالمية ومحلية، التأثير الديني عالمي وشخصي، لكن النجاح هو مهمة الجميع. فمتى إذن يمكن للمؤسسة أن تصيّر الديني واعيا بإمكانياته؟

ومع ذلك، فقد اكتشفنا أن النجاعة الصناعية لمصنع الإسمنت بعين الكبيرة ترتبط بالتفكيك المتنازع لثلاثية من الإرغامات: تكنولوجية، اقتصادية، ولكن أيضا اجتماعية. المعلومات عن هذه الأخيرة تبقى جنينية فيما يتعلق بالمؤسسات (حالة المؤسسات الجزائرية). مع أن الحياة الاجتماعية، وتبعا لها الحياة الاقتصادية، تستمد منها قوة مبادراتها الفردية والجماعية26. كذلك يجب أن تتوجه الطرق التنظيمية نحو العقلانية الحديثة وتستجيب لما يتصوره المعنيون حول أفضل طريقة للعيش والعمل المشترك.

ولكي يقبل الأفراد التضحية عن طواعية بقسط من مصالحهم المشروعة لصالح الجماعة الوطنية، يجب أن يستجيب التنظيم لهواجسهم المشتركة ويستند إلى القيم التي يرفعونها27، وإلا لا يمكن ألا أن نواجه الفشل والتمرد. وعليه، ألا يجب أن نتساءل حينئذ فيما إذا كان المسيّر، في مؤسسة معينة، يستجيب لمواصفات مسير جزائري؟

وعليه، فلا يبدو أن أيّاَ من تلك النظرات تحظى بالتفضيل بالنظر إلى ما لاحظناها في مصنع الإسمنت من معطيات تتعلق بالظرف.

إن الحياة في عالم الاقتصاد تنتظم حول تبعية اجتماعية تحتكر الأذهان والمبادرات، بما في ذلك الحياة الخاصة التي لا تخرج عن هذه التبعية. إن العامل الديني يبقى محرك التنظيم الجزائري. الجميع يتحلقون حول هذا الموروث الرباني ليس فقط لاستمداد المنفعة منه بل أيضا من أجل تبرير ما يلجئون إليه من عصيان وحِيَل. إن العامل الديني عنصر ضابط يخفف من العقوبات، يؤلف بين الجماعات ويعرف قوة كل مرة يكون فيها الفرد في حاجة إلى تجديد قواه و إستراتيجيته،  حتى عندما يتعلق الأمر بالهجوم على غيره.

في مثل هذه المؤسسة، انحاز العامل الديني إلى الثقافة الجزائرية، ومنح قوة أكبر من العناصر الأخرى: العادات، العصبيات، الهيبة، النيف (أي الأنفة). الخ. العامل الديني ينتصب كقانون، لكنه غير مكافئ للقانون البشري. الجزائري يتحرك كإنسان، لكنه يدافع عن نفسه دينيا. الأمر الغامض الذي يهيمن على هذه الوضعية، التي نحن عاجزون أمامها، هو أن النزاع داخل هذه المؤسسة يجد حقيقته داخل الأنساق الداخلية المتناهية في الصغر  للمؤسسة وكذلك داخل الأنساق الاجتماعية التي تحتضنه وتشكل إطاره المرجعي العام.

الهوامش

1.  Abdesslam belaid, ex ministre de l’industrie en Algérie dans les années 70

2.  Mouloud Mamerie, revue Awal. Une expérience de recherche anthropologique en A lgérie. Cahier d’Etudes Berbères. Alger. 89. P, 22

3. Malek Bennabi. Pour changer l’Algérie. Editions . Société d’édition et de communication, Alger, 86, p. 43

4. d’Iribarne،Ph. Le tiers- monde qui réussit،nouveaux modèles،Editions . Odile Jacob،Paris 2003.

P.Lueas & J.c. Vatin، l’Algérie des Anthropologues، Editions .L.A.I.G، Alger،2009

5. Montesquieu، De l’esprit des lois، Paris، Editions. société des belles lettres،1958.

6.D’Iribarne Phillipe., la logique de l’honneur, gestion des entreprises et culture nationale, Ed du Seuil, Paris 1989.

7.Bourdieu Pierre، Sociologie de l’Algérie، Editions. Presses Universitaires de France،1959.

8.Alain Henry, vers un modèle du management africain, Cahiers d’étude africaine. XXX14, 91, p.12

9.Tiono، le Maghreb entre les mythes، Editions. Ouvrières. Paris،1963.

10. Lacheraf. Mostefa، l’Algérie، Nation et Société،Editions Kasbah,Alger،1978.

11.  Morin، Edgard. L’Esprit du temps : Essai sur la culture de masse.  Collections Médiacultures, Paris ،2008.

12. Dumont، Louis. L’idéologie allemande ; France-Allemagne et retour،. Paris : Editions Gallimard،19991. (Bibliothèque des sciences humaines)..

13.  Levis-strauss، Claude، la pensée sauvage،Editions Revised,  Paris, 1975.

14. Ageron. Charles Robert، histoire de l’Algérie، Edition Presses Universitaires de France. Paris،1964.

15. Bennabi، Malek، Pour changer l’Algérie، Editions, Société d’éditions et de communication Alger : Alger،1986.

16. Bourdieu. Pierre، Sociologie de l’Algérie، Ed. Presses Universitaires de France،1959.

17. Henry Alain، Peut-on redresser une entreprise en respectant la parole des ancêtres ? Annales des mines، série gérer et comprendre. Editions ESKA, Paris,  sept 1998.

18.D’Iribarne. Philippe، Vers une gestion culturelle des entreprises، Annales des mines séries Gérer et Comprendre، Editions ESKA, Paris,  sept 1986.

19. Crozier، Michel. Le Phénomène bureaucratique : Essai sur les tendances bureaucratiques des systèmes d’organisation modernes et sur leurs relations en France avec le système social et culturel. Paris ; Editions du Seuil ; Tours : 1963.

20. R. Jamous, honneur et Baraka, les structures sociales traditionnelles dans le Rif. Editions de la maison de sciences de l’homme Cambridge University Oress – Paris 2002. P. 192.

21. Henni. Ahmed، le Cheikh et le Patron، Editions. O.P.U.، ALGER ،1993.

22. Globocar. T، Culture régionale et autorités des contremaîtres dans une usine Yougoslave، Annales des mines، série « gérer et comprendre », Paris ,Editions. ESKA sept. 1989.

23. Ibn Khaldûn. Discours sur l’histoire universelle ; « Al-Muquaddima »، traduction nouvelle préfacé et noté par Vincent Monteil، Editions.  Sindbad،1976.

24.  D’Iribarne Philippe، La logique de l’honneur، Gestion des entreprises et traditions nationales. Paris, Editions . Seuil،1990.

25. D’Iribarne. Philippe، Face à l’impossible décentralisation des entreprises africaines. Revue Française de gestion،8sept-Aout 1990.

26. Guidoum. Said، la pratique de détournement-retournement d’État d’un modèle d’organisation، l’exploitation agricole par les collectifs de travailleurs، colloque international « valeur socioculturelles et management،Sétif،25-28mars 1986.

27. Contre l’anti- culturalisme primaire، revue Française de gestion، numéro spécial، N° 91،Paris, Novembre- décembre 1992.



Pour citer ce document

موسـى زواوي, «المؤسسة العمومية الاقتصادية الجزائرية نمط حديث للتسيير في مواجهة النمط التقليدي»

[En ligne] مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales العدد 19 ديسمبر 2014N°19 Décembre 2014
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 2015-05-25,
Date Pulication Electronique : 2015-05-26,
mis a jour le : 26/05/2015,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=1312.