الأسس التواصلية في البلاغة العربية
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
08
09
10
11
12
13
14
15

العدد 20 جوان 2015 N°20 Juin 2015

الأسس التواصلية في البلاغة العربية
pp: 48- 57

مسعود بودوخة
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

اهتم البلاغيون بالتواصل وما يتعلق به، ويعتبر مفهوم المقام أهم مفهوم عالج البلاغيون العرب ضمنه مبادئ التواصل اللغوي وشروطه. فقد كان محور اهتمام البلاغيين ومباحث البلاغة، وهذا الاهتمام بالمقام وعناصره أثناء عملية التواصل يتفق مع ما توصّل إليه علماء الاتصال في الدراسات المعاصرة، من ضرورة التركيزعلى العناصرغيراللسانية الحاضرةفيذهن المتكلمين، وفي الواقع الحي أثناء التواصل.

الكلمات المفاتيح: البلاغة، التواصل، التداولية، المقام، التأويل

Les rhétoriciens arabes utilisent le contexte, comme concept de base, dans leurs études des principes de la communication linguistique.

Cet intérêt porté au contexte et ses composants au cours du processus de communication correspond aux théories contemporaines de cette discipline.

Nous nous reposerons dans cette étude sur les éléments non linguistiques dans l’élaboration du discours.

Motsclés :Rhétorique, Communication, Pragmatique, Contexte, Interprétation

ArabRhetoriciansshowedgreatinterestinthecontext. Theprinciplesoflinguisticcommunicationanditsconditions  are treatedintheperspectiveofthisterm(concept). The contextanditscomponentsduringthecommunicationprocessareconsistentwiththefindingsofcontemporarycommunicationstudies, includingtheneedtofocusonnon-linguisticelementspresentinthemindsofcontactparties, duringthecommunicationprocess.

Keywords: Rhetoric, Communication, Pragmatic, Context, Interpretation.

Quelques mots à propos de :  مسعود بودوخة

أستاذ محاضر أ، رئيس فرقة المصطلحات الصوتية ضمن مخبر المصطلحات اللغوية والبلاغية، قسم اللغة الأدب العربي، جامعة محمد لمين دباغين سطيف2

مقدمة

إنّ الدرس البلاغي درس متعدد المداخل، متنوع أوجه التناول، متنازَع بين أكثر من علم، وهذا الأمر لا تنفرد به البلاغة العربية، بل هو سمة ميّزت عامة الدرس البلاغيّ القديم عربيّه وغربيّه، والدليل على ذلك أن أكثر من باحث غربي رأى أن البلاغة القديمة قريبة من مجال اهتمامه؛ فـ "تودوروف" و"ديكرو" ربطاها بالأسلوبية، و"بيرلمان" جذبها صوب الحجاج، و"فان ديك" نحا بها منحى نصياً، و"جان كوهن" نظر من خلالها إلى الشعرية.1

وسبب هذا التنازع أن البلاغة لم تكن في يومٍ من الأيام جزيرة معزولة عن سائر العلوم، وإنما هي ملتقى كثير من الفنون التي أسهمت في إرساء دعائمها، واستفادت. في الوقت ذاته. من الآفاق التي ما فتئ سؤال البلاغة يرتادها باستمرار.

وكذلك كانت البلاغة العربية، فهي ذات وشائج وثيقة بعلوم أخرى عديدة كعلم الكلام والإعجاز والنحو واللغة والنقد وغيرها... حتى إنّ الحدود بين البلاغة وبين تلك العلوم كثيراً ما تنبهم معالمها.

ولقد ترتّب على هذا التداخل بين البلاغة والعلوم الأخرى المحاذية لها أنْ اتّسعت مساحة الدرس البلاغيّ القديم الذي ناضل طويلاً -كما يقول محمّد العمري- قبل أن يستولي على مساحات شاسعة ملتبسة كثُر الطامعون فيها قديماً وحديثاً، من مناطقة، ونحاة، ولسانيين، وسياسيين، وفلاسفة وضعيين ولاهوتيين، كلٌّ يدّعي مشروعية معالجة وظيفة من وظائف الكلام البليغ.2

وقد ظهر أثر هذا الالتباس على مصطلح البلاغة نفسه عند العرب، حيث كان يستخدم لدى الروّاد الأوائل بمعان ومفاهيم متعدّدة، توسّع المسدّي في تفصيلها عند الجاحظ فتوصّل إلى أنّها ستّة مفاهيم عامّة:

1.استعمال لسانيّ عامّ؛ مفادهُ مجرّد الحدث اللّغوي.

2. استعمال فيزيولوجي فكريّ؛ يتمثّل في الانسجام الزمني بين الدوالّ والمدلولات.

3.استعمال منطقيّ لسانيّ؛ يهدف إلى الإقناع.

4.استعمال لغويّ نفسيّ؛ هدفه التأثير.

5.استعمال أسلوبيّ؛ يدور حول تضمن الكلام لخصائص تمييزيّة يتحوّل بها من مجرّد إبلاغ رسالة لسانيّة إلى مادّة من الخلق الفنيّ.

6. استعمال لا لسانيّ؛ يتمثّل في تنويع الأداء كالسكوت والإشارة وغيرهما.3

 أما محمّد العمري فقد أجمل دلالات مصطلح البلاغة عند الجاحظ في ثلاثة محاور أساسية:

- المحور الإخباريّ المعرفيّ التعليميّ؛ أي إظهار الأمر على وجه الإخبار قصد الإفهام.

- والمحور التأثيري؛ بتقديم الأمر على وجه الاستمالة وجلب القلوب.

- والمحور الحجاجيّ؛ وهي إظهار الأمر على وجه الاحتجاج والاضطرار.

وليست البلاغة العربية بدعاً في هذا التشعب واتساع مساحة المفهوم والاهتمام، فـــمصطلح (rhetoric) المقابل للفظ (بلاغة) العربية ليس له هو أيضاً مفهوم واحد محدّد في الثقافة الغربيّة، بل هو تردّد بين ثلاثة مفاهيم كبرى :

- المفهوم الأرسطيّ الذي يخصّصها لمجال الإقناع وآليّاته.

- والمفهوم الأدبيّ الذي يجعلها بحثاً في صور الأسلوب.

- والمفهوم النسقيّ الذي يسعى لجعل البلاغة علماً أعلى يشمل التخييل والحجاج معاً.4

ومن هنا انصبّت البلاغة الجديدة على استرجاع البعد الفلسفيّ التداوليّ الذي تقلّص بفعل توسّع البعد الأسلوبيّ.5

وهكذا فإن البلاغة العربيّة امتزجت فيها الغاية التخييلية بالغاية التداولية، وهذا ما نريد أن نبدأ به حديثنا عن تواصليّة البلاغة العربيّة.

أولا: البلاغة العربية بين الإمتاع والإقناع

كان الفعل التواصلي وما يتعلق به في صلب اهتمام البلاغيّين، غير أنّ البلاغة العربية امتزجت فيها الغاية الفنّية التخييلية بالغاية التواصلية التداولية، حتىّ إنّ هذين الجانبين كثيراً ما كانا مثار جدل والتباس، سواء بين البلاغيين القدماء، أم بين الباحثين المحدثين في تناولهم لمسار الدرس البلاغيّ القديم، ويمكن أن نذكر كثيراً من مظاهر هذا الجدل الذي ولّده الالتباس بين جانبي التواصل والفنّ، من ذلك ما نقله الجاحظ عن العتّابي من أنّ "كل من أفهمك حاجته فهو بليغ"6، أي أن الأصل في ذلك هو القدرة على الإبلاغ وإيصال الدلالة فحسب، ولكنّ الجاحظ يعقّب على قول العتّابي في صورة المفسّر لقصده الشارح لما يعنيه، فقال: "...وإنما عنى العتّابي إفهامك العرب حاجتك على مجاري كلام العرب الفصحاء"7، فبينما يركز تعريف العتّابي على الجانب التداولي، يأتي تفسير الجاحظ ليسحب المصطلح قليلاً نحو قطب الفن والتخييل.

ومن ذلك اختلافهم حول الحدّ الأدنى للبلاغة؛ فالسكّاكي في تعريفه لطرفي البلاغة يجعلها تنتهي بعد أدنى مرتبة يتحقق فيها أقل ما يمكن من  الفهم والإفهام، (أو التواصل) ... وهو القدر الذي إذا أنقص منه شيء التحق ذلك الكلام بأصوات الحيوانات"8،وهذا يتعارض مع ما ذهب إليه بلاغيون آخرون، جعلوا البلاغة فوق درجة الإفهام، ولو كان جيّدا.

وأورد العلويّ هذه المسألة في كتابه (الطراز) فقال: "...أمّا الطرف الأسفل فهل يعدّ من البلاغة أم لا؟ فيه تردّد، والحقّ أنّه معدود فيها...لأنّ ما كان طرفاً للشيء فهو منــه"9،ولكنّ العلويّ يورد بعد ذلك رأي المخالفين، فينقل عن ابن الخطيب رأيه في أنّ الطرف الأسفل ليس من البلاغة في شيء، ولا يكون معدودا منها"، لأن منزلة البلاغة أعلى وأشرف من أن يقال إنّه ليس بين هذا الكلام وبين خروجه عن حدّ البلاغة إلا أن ينقص منه شيء"10،وهذا الجدل يشير إلى ذلك الالتباس بين الجانب التواصلي التداولي والجانب الفنّيّ التخييلي بخصوص مصطلح البلاغة ومفهومها.

ومن مظاهر الالتباس بين المستوى التداولي المجرّد وبين المستوى الفنّيّ ما ورد في تعريف علم المعاني لدى البلاغيين، فالسكّاكيّ عرّفه بقوله: "هو تتبّع خواصّ تراكيب الكلام في الإفادة، وما يتّصل بها من الاستحسان وغيره، ليحترز بالوقوف عليها من الخطإ في تطبيق الكلام على ما يقتضي الحال ذكره."11

وبالنظر إلى أن هذا التعريف الذي تداولته كتب البلاغة بعد السكاكي لم يتضمّن إشارات واضحة إلى الجانب الفنّيّ لعلم المعاني، فإن بعض الباحثين رأى أنّ حصر وظيفة علم المعاني في الاحتراز من الخطإ غير دقيق؛ لأنّ "الأمر في أكثر الأحيان أمر اختيار بين بدائل كلّها صحيح لغوياً، إلا أن بعضها يتميّز عن بعض من حيث الإيحاء بخلجات المعاني ودقائقها الخفيّة، وليس في الأمر عدول عن خطإ وصواب."12ولسنا هنا بصدد مناقشة تعريف السكاكي، ولكنّا أردنا أن نورد شاهداً آخر على الجدل الذي خلّفه تراوح مصطلح البلاغة بين المستوى التواصليّ النمطيّ، والمستوى الفنّيّ الجماليّ.

ونلمس شيئاً من آثار هذا الغموض في مفهوم النظم نفسه عند عبد القاهر وتحليلاته التي امتزج فيها البحث عن الأسرار الفنّيّة للتراكيب، بالحرص على بيان الفروق المعنوية الدقيقة بين التعبيرات المختلفة، وربْطه كلّ ذلك بالنحو وقوانينه، فقد ولّد هذا الغموض التباساً لدى المحدثين تجلى في اختلافهم حول مدى قدرة مفهوم النظم على استيعاب الجوانب الفنّيّة للأسلوب؛ حين أحسّ بعضهم أنّ إلحاح عبد القاهر الشديد على ربط النظم بقوانين النحو ومعانيه، ينطوي على إخلال بالجوانب الفنّيّة والقيم الجمالية الأخرى في التعبير، ورأى آخرون أن مفهوم النظم يتناول القيم الفنّيّة التي تحفل بها لغة الأدب والإبداع، وأنّ النحو الذي يتحدّث عنه الجرجاني وينيط به الأسلوب الفنّيّ، ليس هو النحو الذي يهتمّ بصحّة التّراكيب وسلامتها، فتحدّث مصطفى السعدني عن (نحوية خاصّة) يمارسها الجرجاني في نقده وتحليله، يبتدئ دورها بعد أن ينتهي دور (علم النحو) ومهمّته في بناء الخطاب الأدبيّ.13وعلى هذا لا يبقى النحو موضوعاً يحفل به المشتغلون بالمثل اللغويّة، والذين يرون إقامة الحدود بين الصواب والخطأ، بل هو مشغلة الفنّانين والشعراء، حيث يغدو النحو زخارف للّغة كزخارف الفنون الجميلة.

فالنظم عند عبد القاهر ــــــــ بحسب هذه الرؤية ــــــــ لا يمكن أن يكون مقصوراً على النوع النمطي الذي تنتهي حدوده وآفاقه عند مستوى التواصل النمطي، والصحة والصواب النحوي، بل هو نوعان من الناحية النظرية على الأقل:

أحدهما: نظم نمطي مجرد، تستقيم به التراكيب استقامة نحوية، تتأدى بها المقاصد والأغراض، ولا يتصور فيه نقص ولا زيادة.

وثانيهما: نظم فني، تسمو دلالته إلى مستوى المزية والفضيلة، وهو إضافة تضاف إلى مستوى الصحة النحوية.14

والسؤال الذي  نبتغي الإجابة عنه هو: ما هي دلائل اهتمام البلاغيين بالجانب التواصلي وما هي مسالك هذا الاهتمام؟

ثانيا: التداولية والتواصل

التواصل في أبسط تعريفاته هو نقل معلومة من مرسل إلى متلقّ عبر قناة اتّصال... فكلّ عمليّة تواصل تستدعي نقل رسالة بين مرسل ومتلقّ يمتلكان معا الشفرة الضروريّة لتداول الرسالة، وذلك عن طريق قناة اتصال... ويفترض في المتلقّي تفكيك رموز الرسالة لفهم مضامينها، باعتبارها متوالية من العلامات الرمزية، وهذا شرط أساسي لتحقيق التبادل والتفاهم بين أطراف العمليّة التواصليّة.15

ويشترط لتحقيق التواصل أن تكون الرسالة واضحةً، وأن يكون المتلقّي منتبهاً وألّا يحصل تشويش على قناة الاتّصال، حتى يسمح بمرور الرسالة إلى المتلقّي، والمقصود بالتشويش: ضياع الخبر الناتج عن اضطراب في دورة التواصل.16

وتعد التداولية مدخلاً مناسباً لتناول الجانب التواصليّ للدرس البلاغي العربي، ذلك أنّ التداولية تهتم بقوانين الاستعمال اللغوي، والتعرّف على القدرات الإنسانية للتواصل اللغوي، ومن هنا وجدنا "آن ريبول" و"جاك موشلار" يذيّلان عنوان كتابهما (التداولية اليوم) بعبارة شارحة هي: "علم جديد في التواصل".17

ويمكن أن نعرّف التداولية -اختصارا- بأنها علم استعمال اللغة ضمن سياقاتها التلفظية والأحوال التخاطبية، وبالنظر إلى أن التداولية لا يقتصر اهتمامها على دراسة البنية اللغوية المغلقة بل يمتد إلى دراسة اللغة حين استعمالها في المقامات المختلفة، بوصفها كلاماً محدّداً صادراً من متكلّم محدّد وموجّهاً إلى مخاطب محدّد بلفظ محدّد في مقام تواصليّ محدّد لتحقيق غرض تواصليّ محدّد، بالنظر إلى كلّ هذا فإن الجانب التواصلي يغدو في صلب المعالجة التداولية للخطاب، ولهذا السبب بالذات يعد علم التواصل أحد الروافد التي تمدّ حقل الاشتغال التداولي، إضافةً إلى علم اللغة، وعلم النفس المعرفي، وغيرهما.

كما أن عامة الأبواب والمباحث الداخلة ضمن إطار التداولية كالاستعمال الحرفي وغير الحرفي للغة، وعلاقة الكلام بالواقع وبالمنطق، والاستدلال والحجاج، والسياق والتأويل، والافتراضات المسبقة، والأفعال الكلاميّة، والقصدية، كل هذه المباحث ذات صلة وثيقة بعملية التواصل في مختلف مراحلها ومظاهرها.

ومن هنا فإن التداولية بمقولاتها ومفاهيمها الأساسية كسياق الحال، وغرض المتكلّم، وإفادة السامع، ومراعاة أطراف الخطاب، والأفعال الكلامية تشكّل أداة من أدوات قراءة البلاغة العربيّة، ومفتاحاً من مفاتيح فهمها وتدريسها، بل إن البلاغة العربية تعدّ أحسن ما يتناول العلاقات التداولية في اللغة، إذ هي تمثّل علماً للاتّصال ونظريّة متكاملة للتواصل، تتناول كل ما يرتبط باستعمال اللغة وممارستها، من دون أن تستثني في ذلك شيئا ممّا له علاقة بالتواصل.

ويتجلّى المنحى التواصليّ للبلاغة في مصطلح (البلاغة) ذاته؛ من حيث دلالته على البلوغ والوصول؛ الوصول إلى قلب السامع وعقله، أو وصول الجملة البليغة إلى المعنى المراد في نفس المتكلم، فالحركة الأولى أفقية تخصّ السامع وتنتهي إليه، والحركة الثانية عموديّة تخصّ أعماق المتكلم."18

ويرتبط  مصطلح  الفصاحة  بالجانب التواصل يمن حيث  دلالته على الصفاء والنقاء والوضوح، فقد جاء في معجم مقاييس اللغة لأحمد بن فارس (ت395)، في مادة (فصح): "الفاء والصاد والحاء أصل يدلّ على خلو صف يشيء، ونقاء من الشّوب، واللسان الفصيح: الطليق، والكلام الفصيح: العربيّ، والأصل أفصح اللبن: سكنترغوته، وأفصح الرجل: تكلّم بالعربية، وفصح: جادت لغته حتى لا يلحن."19

فالفصاحة بحسب ما يستخلص من تعريف ابن فارس ترتبط بالنقاء والصفاء، وهما صفتان وثيقتا الصلة بالوضوح الضروريّ لعمليّة التواصل.

ويرتبط مصطلح البيان - وهو من المصطلحات المنضوية تحت لواء البلاغة - بالكشف والتفسير والإيضاح، ولا تخفى صلة هذه المصطلحات جميعها بعملية التواصل التي تفترض قدراً مشتركاً من الوضوح الضروريّ للفهم والإفهام وبلوغ الرسالة.

كما يظهر المنحى التواصلي للبلاغة العربية من نزوعها إلى الوضوح ونفرتها من التعقيد والغموض، واجتناب كل ما يمكن أن يعوق اتصال المخاطب بالنص، أو يحجبه عن فهمه، أو يُؤخر هذا المَهمّة.

ثالثا: المقام والتواصل

لا شك أن أبرز مفهوم عولجت ضمنه مبادئ التواصل اللغوي وشروطه عند البلاغيين العرب هو مفهوم المقام الذي كان محور اهتمام البلاغيين ومباحث البلاغة، لا سيما في باب المعاني.

وقد عُرِف المقام لدى البلاغيين منذ أوائل البلاغيين كالجاحظ الذي يتوجه بالنصح للمتكلم بأن: "يعرف أقدار الحالات فيجعل لكل طبقة كلاماً، ولكل حالةٍ من ذلك مقاماً، حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني، ويقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات، وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات."20

ومن هنا كان من الأدوات اللازمة للبليغ -بحسب العسكري- "التوسّع في معرفة العربية ووجوه الاستعمال لها ... ومعرفة المقامات، وما يصلح في كل واحدٍ من الكلام."21

فلا يكفي التوسّع في معرفة العربية وحدها دون الإلمام بوجوه الاستعمال لها، ولا العلم بالألفاظ مُتخيّرها ورديئها، إن لم ينضف إليه معرفة المقامات وما يصلح في كل واحد منها من الكلام… وهذا هو لب البلاغة الذي عبر عنه البلاغيون بعد ذلك بقولهم: (لكل مقام مقال)، حتى إن مفهوم المطابقة ارتبط بمصطلح البلاغة عند أغلب من تصدى لتعريفها؛ ففي كتاب التعريفات: "البلاغة في الكلام مطابقته لمقتضى الحال."22

إن المقام يضم كل ما يحيط بالموقف الكلامي من ظروف وملابسات، وهو ما يُعرف بـ (سياق الحال) لدى الغربيين، يقول تمام حسّان: "وحين قال البلاغيون: لكل مقام مقال، ولكل كلمة مع صاحبتها مقام، وقعوا على عبارتين من جوامع الكلم تصدقان على دراسة المعنى في كل اللغات، لا في العربية الفصحى فقط، وتصلحان للتطبيق في إطار كل الثقافات على السواء، ولم يكن "مالينوفسكي" وهو يصوغ مصطلحه الشهير (سياق الحال) Context Of Situationيعلم أنه مسبوق إلى مفهوم هذا المصطلح بألف سنة أو ما فوقها."23

المتكلم والمخاطَب والخطاب هي الأطراف الثلاثة التي تمثّل أبرز عناصر المقام بحيث يحدد تفاعلها وظروف كل واحد منها مكوّنات الخطاب وخصائصه، "فهناك أحوال يُنظر فيها إلى المتكلم؛ أي إن المتكلم يُكيّف كلامه في بعض الأحيان استجابة لحالته هو التي يحس بها… كما أنّ هناك أحوالاً لا ترجع إلى المخاطِب بل إلى غيره، وبهذا يتّضح أنّ صاحب الحال قد يكون ذات المتكلّم، وقد يكون مخاطَبا، وقد يكون غيرهما."24

وهناك أمر ذو بال؛ هو أنّ العناصر السابقة متشعّبة ومترابطة يشكّل تفاعلها جميعا مع ما يتّصل بها من سياقات وملابسات سياق الحال أو المقام الذي تتحقّق ضمنه عملية الإبلاغ والتواصل.

وإنّ هذا الاهتمام من قبل البلاغيّين بالمقام وما يتّصل به من عناصر ليتّفق مع ما توصّلت إليه أبحاث علوم الاتّصال من ضرورة التركيز على العناصر غير اللسانية الحاضرة في ذهن المتكلّمين، وفي الواقع الفيزيائي أثناء التواصل.

رابعا: المتلقّي وعملية التأويل

حظي طرفا الخطاب (المتكلّم والمخاطَب) باهتمام خاص من قبل البلاغيين، وحظي المخاطَب بعناية أكثر خصوصية، ذلك أن البلاغيين كانوا يعالجون قضايا المطابقة بين بنية الخطاب وحال المخاطَب، متوجّهين إلى متكلّم مفترض يروم تعلّم أسس البلاغة ومهارة الاتصال والتأثير. وهذا لسبب برأينا أكثر وجاهة في تعليل اهتمام البلاغيين الخاص بالمتلقّي من ذلك الرأي الذي يردّده كثير من الدارسين من أنّ تعامل البلاغيّين مع النصّ القرآنيّ هو الذي جعلهم يُعرِضون عن الاهتمام بالمتكلّم، والأرجح أن البلاغيّين كانوا يتوجّهون في العادة إلى المتكلم ليعلّموه كيف يخاطب غيره في كلّ مقام، ولم يكونوا يتوجّهون إلى المخاطب ليلقّنوه مبادئ التلقّي.

فالعسكري يلحّ على مراعاة حال المخاطَبين وظروف الخطاب، ومكاتبة كل فريق منهم على قدر طبقتهم وقوتهم في المنطق،25ويستشهد على ذلك من فعل النبي (ص)فإنه "لمّا أراد أن يكتب إلى أهل فارس كتب إليهم بما يمكن ترجمته… فسهّل الألفاظ غاية التسهيل حتى لا يخفى منها شيء على من له أدنى معرفة في العربية، ولمّا أراد أن يكتب إلى قوم من العرب فخّم اللفظ، لِما عرف من فضل قوتهم على، فهمه وعادتهم لسماع مثله."26

ولا يختلف الأمر عند قدامة بن جعفر، فعند حديثه عن المدح ذكر أن المدح يختلف بحسب الممدوح ومرتبته، فـــ "أمّا مدح ذوي الصناعات، فأن يمدح الوزير والكاتب بما يليق بالفكرة والرويّة، وحسن التنفيذ والسياسة… وأما مدح القائد فبما يجانس البأس والنجدة، ويدخل في باب الشدّة والبطش والبسالة… وأمّا مدح السوقة من البادية والحاضرة فينقسم بحسب انقسام السوقة إلى المتعيّشين بأصناف الحرف وضروب المكاسب، وإلى الصعاليك والخرّاب والمتلصّصة، ومن جرى مجراهم."27

وليست طبقة المتلقّي الاجتماعية هي المتغيّر الوحيد المحدّد لخصائص الخطاب، فإنّ حالته الذهنية وموقفه من الخطاب ممّا ينبغي أن يكيّف الخطاب بحسبه كذلك؛ فـ "مقام الكلام ابتداء يغاير مقام الكلام بناء على الاستخبار أو الإنكار، ومقام البناء على السؤال يباين مقام البناء على الإنكار... وكذا مقام الكلام مع الذكيّ يغاير مقام الكلام مع الغبيّ، ولكلّ من ذلك مقتضى غير مقتضى الآخر."28

إن اهتمام البلاغيين بالمتلقي وما يناسبه من الخطاب لهو حرصٌ على سلامة عملية التواصل وما يرافقها من تأويل يلجأ إليه المتلقّي في العادة بناءً على قرائن السياق والمقام، حيث "إنّ الأقوال تؤوّل بحسب السياق بواسطة عمليّات استدلالية ذات ذات صيغة استنباطية، فتأويل قول ما يعني نسبة مقصد إخباري إلى صاحب هذا القول، ونجاح عملية التواصل أن يكون هذا المقصد موافقاً للمقصد الفعلي للقائل.29

فالمتلقي يؤوّل الخطاب تبعاً للمعلومات التي تكون حاضرة في ذهنه مما ذكرناه سابقاً (أي العناصر السياقية)، وبهذا يستعمل معلوماته هاته في عملية الفهم والتأويل وتجنب الغموض. فتكون هذه الخلفيات لدى المخاطَب هي التي تُحدّد التأويل المناسب الذي يعطيه للنص أو الخطاب.

ذلك أن المستمع أو القارئ حين يواجه خطاباً ما، لا يواجهه وهو خالي الذهن، فالمعروف أن معالجته للنص المعاين، "تعتمد على ما تراكم لديه من معارف سابقة"30وبهذا تمتد أحوال المخاطبين لتشمل "جميع الظروف التي التي يتأثرون بها وتشكل أمزجتهم واتجاهاتهم، كتحديد البيئة التي يسكنونها، وحالة المناخ السائد فيها، ونوع المهنة التي يشتغلون بها، وأحوالهم المعيشية، والسياسة التي يخضعون لها، والمذاهب التي يعتنقونها، وغير ذلك من الظواهر الاجتماعية التي تؤثر في أجسام الناس وعقولهم، والوقوف عليها أمرٌ مهمّ للبليغ."31

وقضية اشتمال ظروف المخاطبين على كلّ ما يتصل بحياتهم الاجتماعية والثقافية أشار إليها السكّاكي في مفتاح العلوم عند حديثه عن مناسبة الجمع بين بعض الألفاظ دون بعض، بالنظر إلى كونها تنتمي إلى حقل واحد، يُعرف من خلال الخلفيات الاجتماعية والثقافية للمخاطَب، فقال: "ولصاحب علم المعاني فضل احتياج في هذا الفنّ إلى التنبه لأنواع هذا الجامع والتيقظ لها… فمن أسباب تجمع بين صومعة وقنديل وقرآن، ومن أسباب تجمع بين دسكرة وإبريق وخلّان."32

ثم أورد السكاكي مثالاً من القرآن الكريم في قوله تعالى: "أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَيۡفَ خُلِقَتۡ ١٧  وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ رُفِعَتۡ ١٨وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ كَيۡفَ نُصِبَتۡ ١٩  وَإِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَيۡفَ سُطِحَتۡ ٢٠".33 [الغاشية: 17-20]

فمن لم يكن من الأعراب أو يعرف ما يتعلق بحياتهم وعليه معاشهم، استغرب لهذا الجمع بين الإبل والسماء والجبال والأرض؛ وذلك "لبعد البعير عن جنابه في مقام النظر، ثم لبعده في خياله عن السماء، وبعد خلقه عن رفعها، وكذا البواقي."34

ولكن التعرّف إلى حياة العرب في مختلف نواحيها الاجتماعية، وإدراك السياق الاجتماعي كفيلان بأن يزيلا العجب من الجمع بين هذه الأشيـاء؛ وذلك "أن أهل الوبر إذا كان مطعمهم ومشربهم وملبسهم من المواشي، كانت عنايتهم مصروفة -لا محالة- إلى أكثرها نفعاً، ثم إذا كان انتفاعهم بها لا يتحصّل إلا بأن ترعى وتشرب، كان جلّ مرمى غرضهم نزول المطر، وأهمّ مسارح النظر عندهم السماء، ثم إذا كانوا مضطرّين  إلى مأوى يؤويهم، وإلى حصن يتحصنون فيه، فلا مأوى إلا الجبال."35

   وهكذا تجمع الألفاظ والمعاني إلى بعضها في سياق دون آخر، وقد لا يسوغ لنا الجمع بينها إذا تغيّر السياق، وهو ما عناه السكاكي بقوله: "ثم إذا شرعت في الكلام، فلكل كلمة مع صاحبتها مقام."36

وانطلاقا من هذا المبدأ يحكم على النصّ بصفة عامّة والشعر بصفة خاصة بناء على ما يتوفر عليه من تناسب بين أجزائه، ولحمة بين عناصره، وليس هذا الانسجام والتناسب معياراً جمالياً وضرورة فنية فحسب، بل هو قبل ذلك وسيلة المتلقّي في التأويل السليم للخطاب، فإذا كان تأويل الخطاب يقوم على نسبة مقصد إجمالي إلى قائله، فإن سهولة بناء هذا المقصد الإجمالي علامة على انسجام الخطاب ذاته.37

ويصدق هذا على تأويل الكنايات وكثير من صور المجاز، فالكناية المشهورة (كثير الرماد) لا يمكن أن تبنى خارج البيئة الثقافية والسياق الاجتماعي، كما أن تأويلها يستدعي استحضار كل تلك الخلفيات الثقافية والاجتماعية للتوصّل إلى قيمتها ومغزاها، فالأمر هنا يتعلّق ببيئة محدّدة هي البادية العربية، وبقوم معيّنين هم العرب، وبتقاليد عريقة لهم في الكرم والمروءة، وبوسائل درجوا على ربطها بكرم الضيافة من مثل إيقاد النار، وطهو الطعام، وإطعامه ابن السبيل وذا الحاجة الفقير، وكلّ حديث عن كثرة الرماد وما يتصل به في سياق المدح بمعزل عن هذا السياق الاجتماعي لا معنى له البتة.

ويعدّ الغرض الذي يساق لأجله الخطاب من أهم متغيرات المقام، بل إنّ كلّ غرض من أغراض الخطاب هو مقام قائم بذاته ينبغي أن يُراعى "فمقام التشكّر يُباين مقام الشكاية، ومقام التهنئة يُباين مقام التعزية، ومقام المدح يُباين مقام الذمّ، ومقام الترغيب يُباين مقام الترهيب، ومقام الجدّ في ذلك يُباين مقام الهزل"38...فإنّ "سبيل ما يكتب به في باب الشكر ألا يقع فيه إسهاب… وسبيل ما يكتب به التابع إلى المتبوع في معنى الاستعطاف ومسألة النظراء ألّا يكثر من شكاية الحال ورقّتها… بل يجب أن يجعل الشكاية ممزوجة بالشكر والاعتراف بشمول النعمة وتوفير العائدة..."39

لقد كان البلاغيون شديدي الإلحاح على تحقيق مطلب المطابقة بين بنية الخطاب ومقامه، ذلك أنّ الخطاب ينبغي أن يكيّف في كل سياق بما يناسب عملية التواصل، ويأخذ الصبغة المناسبة لكل مقام.

وأدرك البلاغيون أن الإمكانات الصرفية والنحوية التي تزخر بها اللغة العربية هي مفاتيح هذا التنويع الملائم، وما على المتكلم أو الدارس إلا أن يلاحظ ويدرك أسرار التناسب بين كل مقام وما يلائمه من خصائص الخطاب، وهذا ما ركز عليه القزويني عندما ذكر أن "مقام التنكير يباين مقام التعريف، ومقام الإطلاق يباين مقام التقييد، ومقام التقديم يباين مقام التأخير، ومقام الذكر يباين مقام الحذف، ومقام القصر يباين مقام خلافه، ومقام الفصل يباين مقام الوصل، ومقام الإيجاز يباين مقام الإطناب والمساواة."40

وهذا هو المبدأ ذاته الذي قامت عليه فكرة النظم حيث يتحقق التطابق بين البنية اللسانية والمقام بما يتضمنه وما ينطوي عليه من ظروف المتكلم ومقاصده، وحال المخاطَب وغير ذلك مما يدخل ضمن مفهوم المقام.

   ويمكن القول إن نظرية النظم ليست إلا تنظيراً لفكرة المقام ومحاولة لرصد مختلف السياقات، وما يناسبها من أساليب التعبير، فمطابقة الكلام لمقتضى الحال وعلى حسب الأغراض التي يُصاغ لها الكلام هو ما غاية النظم، وحقيقته عند الجرجاني.

وقد كانت عناية الجرجاني متوجهة نحو البرهنة على الارتباط التداولي بين الأسلوب وبين معناه الإبلاغي ووظيفته التواصلية، مع حرص بالغ على الاهتمام بالمعاني والأغراض الإبلاغية المتوخاة من الخطاب، وإصرار على أن البنى التركيبية تابعة للوظيفة التواصلية وليس العكس، فسلك بذلك منهجاً تداولياً في تحليل الظواهر التركيبية كالتقديم والتأخير والإثبات والنفي، التي لا تعدو أن تكون أغراضا وغايات تواصلية يسعى المتكلم إلى تحقيقها.41

وفي مجال علم المعاني الذي ولد من رحم نظرية النظم، نجد الاهتمام  يتركز على ضبط التناسب الدقيق بين شكل التركيب وفحواه من جهة، وما يتطلبه المقام والغرض من جهة أخرى، فإذا كانت مقامات الكلام متفاوتة؛ فإن بنية التركيب ستختلف من حالة إلى أخرى تبعاً لذلك. ولكن اهتمام البلاغيين بضبط متغيرات المقام وتحديد حالاته ومناسباته سارٍ في مراحله المتأخرة نحو التقنين الصارم والتقعيد الجاف الذي أصاب الدرس البلاغي بنوع من التكلس فقد معه إشراقه وحيويته، وضاق دارسه ومدرسه به ذرعاً، وكان ذلك مما حتم على المشتغلين به التداعي لكشف أدوائه، وبذل الوسع في  سبيل دوائه.

خاتمة

لقد كان الفعل التواصلي وما يتعلق به في صلب اهتمام البلاغيّين، ذلك أن التواصل –في أبسط مفاهيمه– هو نقل لمعلومة من مرسل إلى متلقّ عبر قناة اتّصال.

ويتجلّى المنحى التواصليّ للبلاغة في مصطلح (البلاغة) ذاته؛ من حيث دلالته على البلوغ والوصول، كما يظهر المنحى التواصلي للبلاغة العربية من نزوعها إلى الوضوح ونفرتها من التعقيد والغموض، واجتناب كل ما يمكن أن يعوق اتصال المخاطب بالنص، أو يحجبه عن فهمه، أو يؤخر هذا المَهمّة.

أما أبرز مفهوم عُولجت ضمنه مبادئ التواصل اللغوي وشروطه عند البلاغيين العرب فهو مفهوم (المقام) الذي كان محور اهتمام البلاغيين، ويتواءم هذا الاهتمام من قِبَل البلاغيين بالمقام وما يتصل به من عناصر مع ما توصّلت إليه أبحاث علوم الاتّصال من ضرورة التركيز على العناصر غير اللسانية الحاضرة في ذهن المتكلّمين، وفي الواقع الفيزيائي أثناء التواصل.

وقد برز اهتمام خاص من البلاغيين بالمتلقّي وما يناسبه من الخطاب حرصاً على سلامة عملية التواصل، وما يرافقها من تأويل يلجأ إليه المتلقّي بناءً على قرائن السياق والمقام، فتكون هذه الخلفيات لدى المخاطَب هي التي تحدّد التأويل المناسب الذي يواجه به الخطاب.

وألحّ البلاغيون على تحقيق المطابقة بين بنية الخطاب ومقامه، ذلك أنّ الخطاب ينبغي أن يُكيّف في كل سياق بما يُناسِب عملية التواصل، ويأخذ الصبغة المناسبة لكل مقام، وأدركوا أن الإمكانات الصرفية والنحوية التي تزخر بها اللغة هي مفاتيح هذا التنويع الملائم، وما على المتكلّم -أو الدارس- إلا أن يلاحظ ويدرك أسرار التناسب بين كلّ مقام وما يلائمه من خصائص الخطاب، وهذا هو المبدأ الذي قامت عليه فكرة النظم؛ حيث يتحقّق التطابق بين البنية اللسانية والمقام بما يتضمّنه وما ينطوي عليه من ظروف المتكلم ومقاصده، وحال المخاطَب وغير ذلك مما يدخل ضمن مفهوم المقام.

وبالنظر إلى أن التداولية هي علم استعمال اللغة ضمن سياقاتها التلفظية والأحوال التخاطبية المختلفة، فإنها (التداولية) بمقولاتها ومفاهيمها الأساسية كسياق الحال، وغرض المتكلّم، وإفادة السامع، ومراعاة أطراف الخطاب، والأفعال الكلامية، تعدّ مدخلاً مناسباً لتناول الجانب التواصليّ للدرس البلاغي العربي، وهو أمرٌ ينبغي الأخذ به في إعادة بعث الدرس البلاغي العربي، وتجديد مباحثه وأساليب تدريس

1.محمد العمري، 2005، البلاغة الجديدة بين التخييل والتداول، إفريقيا الشرق، الدارالبيضاء، ص66

2. المرجع نفسه، ص 36  

3.عبد السلام المسدي، 1976، المقاييس الأسلوبية في النقد العربي من خلال البيان والتبيين للجاحظ، حوليات الجامعة التونسية، العدد 13، ص 149، 150.  

4.محمد العمري، البلاغة الجديدة، ص12 

5.المرجع نفسه، ص 12.  

6.الجاحظ أبو عمرو عثمان بن بحر، 1408هـ، 1988م، البيان والتبيين، تحقيق: علي أبو ملجم، ج01، ط01، دار ومكتبة الهلال، بيروت، ص148. 

7.المرجع نفسه،ج01، ص148.

8.السكاكي أبو يعقوب، 1403هـ/1983م، مفتاح العلوم، تحقيق: نعيم زرزور، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، ص415.

9.العلوي يحيى بن حمزة، 1423هـ/ 2002م، الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز، تحقيق: عبد الحميد هنداوي،ج1،ط1، المكتبة العصرية، صيدا، ص69.

10. المرجع نفسه،ج1، ص69

11. السكاكي، مفتاح العلوم، ص161.

12. شفيع السيد، 1416هـ/1996م، البحث البلاغي عند العرب، ط2، دار الفكر العربي، القاهرة، ص179.

13. مصطفى السعدني، ص 78.

14. حسن طبل، المعنى في البلاغة العربية، ص 88

15.  رومان جاكبسون وآخرون، 1428ه/ 2007، التواصل، ترجمة: عز الدين الخطابي وزهور حوتي، ط1، منشورات عالم التربية، الدار البيضاء، ص106

16.المرجع نفسه، ص106

17.  آن ريبول وجاك موشلار، التداولية اليوم علم، علم جديد في التواصل.

18. قصي الشيخ عسكر، 1408هـ/ 1988م، البلاغة في تعاريف القدماء، ط1، مؤسسة البلاغ، بيروت، ص 16

19.  ابن فارس أحمد، 1442هـ/ 2001م،  معجم مقاييس اللغة، ط1، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ص819.

20. الجاحظ، البيان والتبيين، 1/ 92

21. العسكري، الصناعتين، ص 21.

22. الجرجاني علي بن محمد، 1418هـ/ 1998م،كتاب التعريفات، تحقيق: إبراهيم الأبياري، ط4، دار الكتاب العربي، بيروت،  ص66.

23. تمام حسان، 1982، اللغة العربية معناها ومبناها، القاهرة الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص372.

24. عبد الستار حسين زموط، 1992م، من سمات التراكيب، ط01، مطبعة الحسين الإسلامية، القاهرة، ص28.

25. العسكري، كتاب الصناعتين، ص154.

26. المرجع نفسه، ص 155.

27. قدامة ابن جعفر، 1979، نقد الشعر، تحقيق: كمال مصطفى، ط03، مكتبة الخانجي، القاهرة، ص85-87.

28. السكاكي، مفتاح العلوم، ص168.

29. آن روبول وجاك موشلار، التداولية اليوم، ص 216

30. محمد خطابي، 1991، لسانيات النص،ط1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ص61.

31. فتحي فريد، 1978، المدخل إلى دراسة البلاغة، ط1، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ص 56.

32. السكاكي، مفتاح العلوم، ص 157.

33. الغاشية 17- 20.

34. السكاكي، مفتاح العلوم، ص 157.

35.  المرجع نفسه، ص 168.

36.  المرجع نفسه، ص 170.

37.  آن روبول وجاك موشلار، التداولية اليوم، ص 217

38. السكاكي، مفتاح العلوم، ص168.

39. العسكري كتاب الصناعتين، ص 157-158.

40. القزويني جلال الدين، 2000، الإيضاح في علوم البلاغة، تحقيق: علي أبو ملحم، دار ومكتبة الهلال، بيروت، ص32، 33.

41. مسعود صحراوي، 1429ه/ 2008م، التداولية عند العلماء العرب، ط1، دار التنوير، الجزائر، ص27

Pour citer ce document

مسعود بودوخة, «الأسس التواصلية في البلاغة العربية»

[En ligne] مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales العدد 20 جوان 2015N°20 Juin 2015
Papier : pp: 48- 57,
Date Publication Sur Papier : 2016-01-15,
Date Pulication Electronique : 2016-01-11,
mis a jour le : 15/03/2016,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=1334.