النموذج الحضاري في دراسة الظواهر الإنسانية عند مالك بن نبي. رصد للأسس المعرفية والوظيفة المنهجية
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 20 جوان 2015 N°20 Juin 2015

النموذج الحضاري في دراسة الظواهر الإنسانية عند مالك بن نبي. رصد للأسس المعرفية والوظيفة المنهجية
pp: 58- 73

عبد الحليم مهورباشة
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

تهدف هذه الدراسة إلى الكشف عن الوظيفة المعرفية والمنهجية للنموذج الحضاري في دراسة الظواهر الإنسانية عند مالك بن نبي، من خلال تناولنا مفهوم النموذج الحضاري عند مالك بن نبي، الذي تعد الفكرة الدينية مصدره الرئيس، ويتشكل من ثلاثة أطوار تمثل جميعها الخصائص النفسية للإنسان، وهي طور الروح والعقل والغريزة، ويعتري هذا النموذج جملة من التحولات التي تمر بها كل الحضارات الإنسانية، ثم تناولنا كيف وظف مالك بن نبي النموذج الحضاري في تفسير وتحليل الظواهر الإنسانية، وتوصلنا إلى أن عملية بناء النماذج المعرفية في دراسة الظواهر الإنسانية -هذه الممارسة المتأصلة في أعمال السوسيولوجي ماكس فيبر-  يمكن أن تسهم في حل الأزمة الابستيمولوجية التي تعاني منها العلوم الاجتماعية والإنسانية في العالم العربي.

الكلمات المفاتيح:النموذج، النموذج الحضاري، الظواهر الإنسانية، العلوم الإنسانية.

Cette étude vise à mettre la lumière sur la fonction cognitive et la méthodologie du modèle de civilisation dans l'étude des phénomènes humains chez Malik bin Nabi.  Ce penseur se base essentiellement sur l’orientation spirituelle dans l’explication de ces phénomènes. Cette pensée se divise en trois phases : la phase religieuse jugée importante et se composant à son tour de plusieurs aspects tels que l’aspect psychologique d'une personne, son esprit et son instinct. Nous avons aussi abordé comment Malek Ben Nabi a utilisé le modèle civilisationnel afin d’expliquer et analyser les phénomènes humains. La construction des modèles cognitifs dans l’étude des phénomènes humains est relative aux recherches du sociologue Max Weber qui pourrait contribuer à trouver des solutions à la crise épistémologique dont souffrent les sciences sociales dans le monde arabe.

Mots-clés :Modèle, Modèle de  civilisation, Phénomènes Humains, Sciences Humaines.

This study aims to detect cognitive function and methodology of civilization model in the study of human phenomenaaccording to Malik bin Nabi, who believed that the religious idea is the primary source of  civilization model, which  consists of three phases, all representing the psychological characteristics of a person, these three phases are the process of the mind, spirit and instinct, this model is underway a number of transformations of all human civilizations. We dealt in this study also with the question of how did Malik bin Nabi use civilization model in the interpretation and analysis of human phenomena, we reached the result that  the construction of cognitive models in the study of human phenomena, these inherent practices in the works of the  sociologist Max Weber, can contribute to the solution of the epistemological crisis plaguing the social sciences in the Arab world.

Keywords: Model, The Model Of Civilization, Human Phenomena, Human Sciences.

Quelques mots à propos de :  عبد الحليم مهورباشة

 أستاذ محاضر ب قسم علم الاجتماع، عضو في فرقة بحث CNEPR"التيارات الثقافية في الجزائر"، عضو في مخبر المجتمع الجزائري المعاصر، جامعة محمد لمين دباغين سطيف2

مقدمة

"إن العلوم الأخلاقية والاجتماعية والنفسية تعد اليوم أكثر من ضرورة من العلوم المادية، فهذه العلوم تعد خطراً في مجتمع ما زال الناس يجهلون فيه حقيقة أنفسهم، ومعرفة إنسان الحضارة وإعداده أشق من صنع محرّك..." 1

مالك بن نبي.

يعتبر الاشتغال على فكرة النماذج والأنماط المثالية من المسائل المعرفية المعاصرة في الفكر الإسلامي، حيث أصبحت هذه الفكرة تشغل حيّزاً فكرياً في فلسفة العلوم المعاصرة، غير أن مالك بن نبي اشتغل عليها في أربعينيات القرن الماضي عندما تناول في كتابه "شروط النهضة" بالتوصيف والتحليل النموذج الحضاري الذي صاغه، مما ينمّ على البعد المنهجي لبن نبي في طرح مسائل المعرفة وتناولها من زاوية إبستمولوجية محضة، حيث ربط في النموذج الحضاري الذي صاغه بين المعرفة ونظرياتها وسياقاتها التشكيلية في التاريخ البشري، وكيف تتمظهر في شكل وحدات حضارية عرفتها الإنسانية.

فحاول مالك بن نبي من منظور فلسفي تاريخي أن يُقدم تصور تفسيري لنشأة الحضارات الإنسانية وعوامل انحطاطها، وهي الفكرة التي سبقه إليها ابن خلدون في التراث الإسلامي عندما صاغ نموذجاً تفسرياً تاريخياً لنشأة الدويلات الإسلامية التي ظهرت في شمال إفريقيا في القرن الثاني والثالث عشر ميلادي، فوسّع من هذا النموذج الخلدوني ليستوعب الحضارة كلها باستخدام المنهج الاستقرائي الاستردادي لمجرى التاريخ البشري، فأوصلته دراسته المعرفية إلى أن الحضارة هي وحدة التحليل التاريخي وليست الدولة -المجتمع، وهنا أدخل البعد المعرفي كمعيار للتصنيف وتحليل الظواهر الحضارية والثقافية، بخلاف الباحثين الذين سبقوه، حيث أرجعوا وحدة التحليل التاريخي إلى القوة الاقتصادية أو العسكرية أو السياسية التي تؤدي إلى نشأة الدول وسقوطها.

ويعتبر مالك بن نبي ميلاد الحضارة فكرة أخذت مجراها في التاريخ، أو نموذجاً معرفياً يُجيب عن حاجات المجتمع في لحظة تاريخية معينة، مما يُكسب نموذجه الحضاري بعداً معرفياً، وكما هو معلوم في الرؤى الفلسفية فإن المعرفي ما هو إلا الإجابة عن الكلي والنهائي الذي لا تمثله إلا الرؤى الوجودية إلى العالم، وقد ذهب مالك بن بني إلى أن كل الحضارات الإنسانية ولدتها رؤية دينية إلى العالم، وحتى الحضارة الغربية المعاصرة التي نقضت غزلها من الدين المسيحي بعد أن استوت على الجودي المادّي الحضاري، فقد ولّدتها رؤية مادية إلى الوجود.

وبرؤية تركيبية بين عناصر الحضارة الثلاثة الإنسان والزمن والتراب، اعتبر بن نبي أن الإنسان هو محور وبؤرة تمركز العملية الحضارية، فقسّم نموذجه الحضاري إلى أطوار –مراحل- (الروح والعقل والغريزة) تمثّل الخصائص المادية والروحية للثنائية التركيبية للإنسان، وكل مرحلة متعلقة بالانجاز أو السكون والدعة، ومعها يصعد خط الانجاز الحضاري أو ينزل مما يعني الأفول والانهيار، ومن هذا المنطلق اعتمد على المنهج التركيبي في دراسة الظواهر الاجتماعية والإنسانية في العالم الإسلامي، حيث يُوفر له النموذج المعرفي الحضاري الإطار التحليلي ليتمكن من تفكيك الظاهرة الإنسانية إلى عناصرها الأولية، مستعيناً بالكثير من العلوم الاجتماعية المعاصرة لوصفها كعلم الاجتماع وعلم النفس والانثربولوجيا وغيرها، ثم يتخطاها إلى عملية التفسير حيث يجد البؤرة أو السبب الرئيسي الذي يطغى على تشكل الظاهرة فيتمكّن من تفسيرها بما يتوافق مع الطور –المرحلة- في النموذج الحضاري.

أولا: الطرح الإشكالي للدراسة

كانت لدى مالك بن نبي منهجية مخصوصة في التعاطي مع مختلف ظواهر التخلف الاقتصادي والثقافي التي يحياها العالم الإسلامي في تلك الفترة، مما أكسب نموذجه البعد الواقعي في دراسة الظواهر الإنسانية، ومن هذا المنطلق، تحاول هذه المقالة الإجابة على التساؤلات التالية:

1.                       ما هي الأبعاد المعرفية للنموذج الحضاري الذي صاغه مالك بين نبي؟

2.                       ما هي الأبعاد المنهجية للنموذج المعرفي الحضاري عند مالك بن نبي، وما هي مصادره ومراحله؟ وما طبيعة التحولات التي تحدث داخل النموذج المعرفي الحضاري؟

3.                       فيم تتمثل الوظيفة المنهجية والمعرفية للنموذج الحضاري في دراسة الظواهر الإنسانية عند مالك بن نبي؟

4.                       ما هي انعكاسات النموذج المعرفي على علوم الإنسان؟

ثانيا: في ماهية النموذج المعرفي والنموذج الحضاري عند مالك بن نبي

1-مفهومالنموذج المعرفي

في البداية، نتناول مفهوم النموذج المعرفي كمصطلح فلسفي شاع استخدامه في فلسفة العلوم المعاصرة، وتشير الدراسات إلى أن أول من استخدمه توماس كون في كتابه "بنية الثورات العلمية" سنة 1962، أين أعطاه الكثير من التعريفات والتسميات: (النموذج القياسي، البراديغم، النموذج الإرشادي، وغيرها) ووظّفه توماس كون كأداة منهجية في دراسة التطوّرات التي تحدث في تاريخ العلوم، وتوصّل إلى نتيجة مفادها أن: "كل علم قياسي له نموذج إرشادي يتحكم في إطاره، وله معنيان: الإنجازات العلمية المعترف بها عالمياً، والحلول النموذجية عند مجتمع الباحثين العلميين، أو مجموعة القيم المشتركة والالتزامات بين الباحثين أعضاء المجتمع العلمي"، ويرى "كون" حتمية حدوث الأزمة في النماذج الإرشادية للعلوم فتتولد عنها نماذج تفسيرية جديدة "الأزمة تحدث عند عجز المبحث الدراسي القديم عن حل مظاهر شذوذ لا مكان فيها، وتحدث الثورة لأن إنجازات جديدة تعرِض سبلاً جديدة للنظر إلى الأشياء، وتخلق مشكلات جديدة2.

أما وظيفة النماذج الإرشادية في العلوم عند كون فتتمثل في3:

أ‌)النموذج الإرشادي: ويُعد أصلاً نقيس عليه أي عدد ممكن من الأمثلة المطابقة قدر الاستطاعة والتي يمكن أن تحل محل الأصل من حيث المبدأ.

ب‌)                     النماذج الإرشادية: تكتسب مكانتها لأنها الأنجح من سواها من النماذج الإرشادية الأخرى المنافسة لها، من حيث القدرة على حل بعض المشكلات التي أقر العلماء بكونها مشكلات حادة.

ت‌)                     النموذج الإرشادي يساعد في دراسة الظواهر الطبيعة ويُمكّن العلماء من صياغة القوانين.

ووفق هذا التصور الابستيمولوجي فإن كل علم لديه نموذج قياسي إرشادي يُنظّم ممارسات الباحثين في حقل تخصّصي معيّن، يتكوّن من جملة من القواعد والمناهج التي تستخدم في دراسة الظواهر، ويحدث التطوّر في العلم عن طريق التغييرات التي تعتري النماذج الإرشادية القديمة التي تحلّ محلّها نماذج جديدة، وسبب هذا التحوّل يتمثّل في عدم قدرة النموذج القديم على تفسير الظواهر.

وعرّف هنري ألتان النموذج على أنه: "مجموعة من الأفكار والمفاهيم التي تُشكّل الإطار المرجعي للفكر، وتنظّم الأبعاد التجريبية للمعرفة، وتفسر النتائج، وتمكننا من صياغة النظريات"4، وهذا التعريف يُظهر أن النموذج هو الإطار المرجعي لكل الممارسات العلمية في منظومة ثقافية معيّنة، والنموذج كما عرّفه عبد الوهاب المسيري "بنية تصوّرية يجرّدها عقل الإنسان من كمّ هائل من العلاقات والتفاصيل والحقائق، فهو يستبعد بعضها بوصفها غير دالة (من وجهة نظره) ويستبقي بعضها، ثم يربط وينسّق بينها تنسيقاً خاصاً، حيث تصبح حسب تصوّره مترابطة، ومماثلة في ترابطها للعلاقات الموجودة بين عناصر الواقع"5، ويشير التعريف إلى فكرة الاختزال والاستبعاد لعناصر معينة والإبقاء على عناصر أخرى، ممّا يكشف عن البعد التحيزي في عملية النمذجة المعرفية، المرتبطة بالأساس بطبيعة رؤية العالم التي يتولّد عنها.

فالنموذج المعرفي محاولة تجريدية يقوم بها الباحث للدراسات المعرفية للحضارات وهو عبارة عن عناصر مبثوثة في ميثودولوجيا العلم وفي الفلسفة والفنون والآداب بوصفه مدركات ووسائل تعبيرية مجتمعية حضارية، فيأخذ العناصر المعرفية الأكثر حضوراً والأكثر محورية مما تتكثف حوله المفاهيم والبنية الذهنية للمجتمع الحضاري والخريطة الإدراكية لإفراده، ويقصي ما هو ثانوي وغير رئيسي، ويعد النموذج أداة تحليلية تساعدنا كثيراً في تحليل الظواهر ومن بينها الظواهر الإنسانية، وقد استخدمه ماكس فيبر في علم الاجتماع عندما حدّد العديد من التصورات التجريدية لمفاهيم محورية كالسلطة، والفعل الاجتماعي والدولة، ويقوم بقياس الواقع الموضوعي بردّه إلى هذه النماذج المثالية بالاقتراب والابتعاد من النموذج  دون أن يعني هذا التطابق التام.

ويقوم النموذج المعرفي على ثلاثة عناصر منهجية أساسية: "الاختزال (بعض خصائص الواقع تدرك وحدها من خلال النموذج)، الانحياز (يكون التمثّل موجهاً بأدوات الملاحظة والتفكير النظري، ولكن أيضاً بأهداف المنمذج)، القابليته للعكس (يكون النموذج في الآن نفسه تجريداً لواقع موجود مسبقاً وطرازاً بدئياً أو سنداً لبناء مستقبلي."6.

ونشير إلى أن الجذور الفلسفية للنموذج المعرفي عند عبد الوهاب المسيري، تعني أن: "كلمة "نموذج" كلمة استخدمها قريبة في معناها من كلمة (Them) الإنجليزية، وهي تعني الفكرة المجرّدة أو المحورية في عمل أدبي ما تتجاوز العمل ولكنها مع هذا كامنةٌ فيه وفي كل أجزائه، تمنحه وحدته الأساسية وتربط بين عناصره المختلفة"7.

إذن، وراء كل نموذج بعد معرفيّ لا يمكن استبعاده أو تجاوزه، ويتمثل هذا البعد في معايير النموذج الداخلية التي "تتكون من معتقدات وفروض ومسلّمات وإجابات عن أسئلة كلية ونهائية، تشكّل جذوره الكامنة وأساسه العميق، وتزوّده ببعده الغائي، وهي جوهر النموذج والقيمة الحاكمة التي تحدّد النموذج وضوابط السلوك، وحلال النموذج وحرامه، وما هو مطلق ونسبي من منظوره، فهي باختصار، مسلّمات النموذج الكلّية أو مرجعيته التي تُجيب عن الأسئلة الكلّية والنهائية (ما الهدف من الوجود في الكون؟ هل الإنسان مادّة وحسب، أم مادة وروح؟ أين يوجد مركز الكون: كامناً فيه أم مفارقاً له؟)"8.

ووراء كل نموذج معرفي مرجعيته الخاصة "هي المطلق المكتفي بذاته والذي يتجاوز كل الأفراد والأشياء والظواهر، وهو الذي يمنح العالم تماسكه ونظامه ومعناه، وحلاله وحرامه، وعادة ما نتحدث عن المرجعية النهائية باعتبار أنها اعلي مستويات التجريد، تتجاوز كل شيء ولا يتجاوزها أي شيء"9.

ومن هنا فإن النموذج المعرفي:

1.                       أداةمنهجية تستخدم في دراسة الظواهر الإنسانية.

2.                       يتأسس على رؤية إلى العالم (دينية، فلسفية، علمية...).

3.                       يؤدي وظيفة تحليلية وتفسيرية للظواهر الإنسانية.

2-طبيعة النموذج المعرفي الحضاري عند مالك بن نبي

انطلق مالك بن نبي في التأسيس لمشروعه الفكري من تحديده لمفهوم النموذج الحضاري كأداة لتحليل الظواهر وتفسيرها من خلال جملة من الآليات المنهجية، فما طبيعة هذا النموذج الحضاري وما هي مصادره؟ وكيف استنبطه؟

استخدم بن نبي الحضارة كأداة لتحليل التطور التاريخي، فتاريخ الإنسانية بالنسبة إليه ما هو إلا تاريخ الحضارات التي تنشأ وتزول، فالحضارة إحدى المقولات المعرفية المركزية في مشروعه الفكري، حيث أعطاها بعداً وظيفياً بقوله: "هي مجموعة الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين، أن يُقدم لكل فرد من أفراده، في كل طور من أطوار وجوده، منذ الطفولة إلى الشيخوخة، المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذاك من أطواره10"، وهي ذات جانبين:  الجانب الذي يتضمن شرطها المعنوي، في صورة إرادة تحرك المجتمع نحو تحديد مهامّه الاجتماعية والاضطلاع بها، والجانب الذي يتضمّن الشروط المادية في صورة إمكانيات، أي أنه يضع تحت تصرّف المجتمع الوسائل الضرورية للقيام بمهمّاته، أي وظيفته الحضارية؟11.

وتوصّل مالك بن نبي عن طريق عملية الاستقراء التاريخي إلى أنّ التحوّلات التي تعتري المجتمعات تأخذ شكل نماذج حضارية، وأن التحليل المعرفي للظواهر الإنسانية يؤكّد أن النموذج الحضاري يتحول إلى نموذج إرشادي للثقافة والمجتمع والسلوك الإنساني، فالملاحظات الاجتماعية تؤكد "أن للتاريخ دورةً وتسلسلاً، فهو تارة يسجل للأمة مآثر عظيمة ومفاخر كريمة، وهو تارة أخرى يلقي عليها دثاره، ليسلمها إلى نموها العميق،"12وعلى التعاقب الدوري لتلك النماذج من مرحلة تاريخية إلى أخرى، يقول: "إذا نظرنا إلى الأشياء من وجهة كونية، فإننا نرى الحضارة تسير كما تسير الشمس، فكأنها تدور حل الأرض مشرقة في أفق هذا الشعب، ثم متحولة إلى أفق شعب آخر"13، وأن التحوّل  صفة حتمية في النماذج الحضارية ومن مقتضيات سير التاريخ الإنساني، فإن "الأقدار لا تلبث أن تقود الحضارة إلى حيث أراد الله لها السير، من دور إلى دور، ومن فجر إلى فجر، غير عابئة بما يُحاوله الباطل من إطفاء نور، أو تغيير حقائق، ولا مُتلفّتةً إلى ما تبثّه الزوايا من وهم، أو ما يخرصه الاستعمار"14.

وكل نموذج حضاري يتشكّل من أطوار محدّدة عبر مسار تاريخي لأمة من الأمم وضع مالك بين نبي له المخطط الموضح في الشكل التالي:

الشكل (1) أطوار الدورة الحضارية عند مالك بن نبي.

 

المصدر:سليمان الخطيب، فلسفة الحضارة عند مالك بن نبي، مرجع سابق، ص.97

تُمكننا الوظيفة المعرفية والمنهجية للنموذج الحضاري من إقامة الصلات بين مختلف الظواهر الإنسانية في مجتمع حضاري ما، يقول مالك: "فنحن نملك أمام أنظارنا وسيلة نستطيع بها تتبّع اطّراد حضارة معينة، بطريقة شاهدة على نحو من الأنحاء، كما تمكّننا من عقد الصلات المشروع بين العوامل النفسية المختلفة التي تلعب دوراً في هذا الاطّراد"15

لذلك، لا تُفهم المشكلات والظواهر الإنسانية لمجتمع ما إلا في ضوء حضارته، فـ "مشكلة أي شعب هي في جوهرها مشكلة حضارة، ولا يمكن لشعب أن يفهم  أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمّق في فهم العوامل التي تبني الحضارات والتي تهدمها، وما الحضارات المعاصرة والحضارات الضاربة في ظلام الماضي، والحضارات المستقبلية إلا عناصر للملحمة الإنسانية منذ فجر القرون إلى نهاية الزمن، فهي حلقات لسلسة واحدة  تؤلّف الملحمة البشرية منذ أن هبط ادم على الأرض إلى آخر وريث لها فيها16،" هكذا تلعب الشعوب دورها، وكلّ منها يبعث ليكون حلقته في سلسلة الحضارات، حينما تدق ساعة البعث معلنة قيام حضارة جديدة ومؤذنة بزوال أخرى"17، وهو ما يذهب إليه صموئيل هنتغتون بقوله إن: "تاريخ الإنسانية هو تاريخ الحضارات، ومن المستحيل أن تفكر في تاريخ الإنسانية، بأي معنى آخر، والقصة ممتدة عبر الأجيال من الحضارة السومرية القديمة إلى المصرية إلى الكلاسيكية والأمريكية الوسطى... والنتيجة أن أسباب ظهور وانهيار وصعود وتفاعلات وانجازات وانهيار وسقوط الحضارات، كان يتم استكشافها بواسطة مؤرّخين وعلماء الاجتماع..."18.

أما المصادر المعرفية التي اعتمد عليها بن نبي في فكرة التعاقب الدوري للنماذج الحضارية، فترجع إلى العلّامة ابن خلدون، حيث يقول: "إن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومناهج مستقرّة، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة، وانتقال من حال إلى حال، كما يكون ذلك في الأشخاص والأوطان والأمصار، كذلك يقع في الأفاق والأقطار والأزمنة والدول سنة الله التي قد خلت في عباده"19، فالتغيير صفة حتمية تعتري المجمعات الإنسانية عبر الزمن، لكن، ما هو الإطار الذي يحدث ضمنه هذا التغيّر، فبالنسبة إلى ابن خلدون يكون التغير في شكل أطوار تمر بها الدول، وهي تشمل  ثلاثة أطوار متعاقبة نبدأ بالبداوة ثم يكون طور التحضر ثم طور التدهور، وقد نظر ابن خلدون إلى الدولة على أنها كائن يولد وينمو ثم يهرم ويموت "فللدولة عمر، مثل الكائن الحي تماما"20

 وقد حدد ابن خلدون عمر الدولة في مائة وعشرين سنة وهي تتكوّن من ثلاثة أجيال: "إن الدولة في الغالب لا تعدو ثلاثة أجيال، والجيل عمر شخص واحد من العمر المتوسط فيكون أربعين سنة"21

من هذا القانون التاريخي للتغيير الحضاري الذي يعتري الأمم والدول، ومن التقسيمات التي وضعها ابن خلدون لعمر الدولة التي عدّها وحدة التحليل التاريخي، تجاوز مالك بن نبي هذه المقولات المعرفية ووضع بديلا عنها الحضارة كوحدة للتحليل التاريخي، فالأطوار التي رصدها للنموذج الحضاري تختلف عن الأطوار التي وضعها ابن خلدون للدول، ويبرر ذلك بقوله: "أما ابن خلدون فقد تمكن من اكتشاف منطق التاريخ في مجرى أحداثه، فإن هذا المؤرخ الأول قام بالبحث عن هذا المنطق إن لم نقل إنه قد قام بصياغته فعلاً، فقد كان يمكن أن يكون أول من أتيح له أن يصوغ قانون الدورة التاريخية، لولا أن مصطلح عصره قد توقف به عند ناتج معيّن من منتجات الحضارة ونعني به الدولة، وليس عند الحضارة"22.

فالتاريخ بالنسبة إلى مالك بن نبي ليس أعماراً ودولاً وأزمنة، بل التاريخ الذي يقصده هو التاريخ بمفهومه الفلسفي، الذي يعني منجزات البشر في التاريخ، وما يتركونه من أثر في هذا الوجود، وهنا يقترب كثيراً من المفهوم الهيجلي للتاريخ، حين يقول هيجل: "ليس تاريخ العالم سوى الصراع من جانب الروح الكلّي لتصل إلى هذه المرحلة: مرحلة الوعي الذاتي، أعني تلك المرحلة التي تكون فيها حرّة عندما تستحوذ على العالم  وتتعرّف على أنه ملك لها"23، ويربط مالك بن نبي التاريخ بالإنسان كأهم فاعل منتج للحضارة، وهي فكرة هيجلية عن إرادة وفاعلية الإنسان في تحقيق الحرية في التاريخ: "فاعلية الإنسان بالمعنى الواسع للكلمة، فبهذه الفاعلية وحدها تتحقق الفكرة مثلما تتحقّق الخصائص المجرّدة، وتنتقل إلى حيّز الفعل"24.

ثالثا: الأبعاد المعرفية للنموذج الحضاري عند مالك بن نبي

تناولنا في المستوى الأول البعد التاريخي للنموذج الحضاري عند مالك، ونأتي الآن إلى البعد المعرفي لهذا النموذج، في البداية نوضّح دلالة المعرفي: "فان كلمة" المعرفي" بمعناها العريض تعني (الكلّي والنهائي)، والكلّي مقابل الجزئي هو ما ينسب إلى الكلّ، (والكل) في اللغة أي مجموع أجزاء الشيء، وكلمة الكلّي تفيد الشمول والعموم، وهي لا تعني الكليات بالمعنى الفلسفي، أي الحقائق التي لا تقع تحت حكم الحواس، بل تدرك بالعقل والمنطق فحسب"25، فالمعرفي يخص المنطلق التأسيسي للنموذج الحضاري عند مالك بن نبي، هل انطلق من الكلي أم من الجزئي، وهل البعد المعرفي في النموذج الحضاري  يجيب عن الأسئلة الكلية والنهائية؟ وما هو مصدر التأسيس في النموذج الحضاري؟

يمتلك النموذج الحضاري عند مالك بن نبي صفة المعرفي لأنه مؤسس على البعد الديني، وكما هو معلوم فإن الدين باعتباره رؤية وجودية إلى العالم، هو وحده من يستطيع الإجابة عن الأسئلة الكلية والنهائية، تلك رؤية إلى العالم تحولت إلى رؤية حضارية، وأساس ومصدر هذه الرؤية يكون في الغالب الأعم الفكرة الدينية، كما عبر عنها مالك بن نبي بقوله: "إن حضارة ما هي إلا نتاج فكرة جوهرية تطبع على المجتمع في مرحلة ما قبل التحضر دفعته، وهي التي تدخل به التاريخ، إن أية حضارة ما هي إلا نتاج فكرة دينية"26.

يتفق مالك مع كثير من الباحثين في  أن الحضارة "تقع بين حدين اثنين: الميلاد والأفول، وإذن فنحن نملك هنا نقطتين اثنتين من دورتها باعتبارهما ليستا محل نزاع، والمنحي البياني ينطلق بالضرورة من النقطة الأولى في خط صاعد، ليصل إلى النقطة الثانية في خط نازل، فما الذي يمكننا أن نضع من طور النازل يتوسط هذين الخطين"27، وهنا يختلف مالك بن نبي مع غيره في تفسير أسباب نشأة النماذج الحضارية وفي طبيعة التحولات التي تحدث داخلها، حيث اتخذ مالك موقفاً معرفياً نقديا من الماركسية التي اعتبرت أن تاريخ الإنسانية ما هو إلا تاريخ تطور وسائل الإنتاج المادي وأن تاريخ البشرية ما هو إلا صراع طبقي بين طبقة تحوز وسائل الإنتاج المادي وطبقة لا تحوزها وتكون خاضعة لها، ويرى أن النظام الرأسمالي ينطوي على تناقضات داخلية سوف تؤدي إلى زواله ليسود النظام الاشتراكي كمرحلة تاريخية محدّدة لتسود بعدها الشيوعية أين تكون وسائل الإنتاج مشاعة، وأن إنتاج الحياة المادية هو شرط العملية الاجتماعية والسياسية والعقلية للحياة بوجه عام، وليس وعي الناس هو الذي يحدّد وجودهم، لكن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدّد وعيهم28، ويردمالك بن نبي على هذه النظرية بقوله: "هذه النظرية لا تفسر لنا النقطة الأساسية الماثلة فيما يحدث من تفلّت في العلاقات الاجتماعية، فقد تتلاشي الحضارات دون ظهور أيّ تغيير في طبيعة الحاجات ووسائل الإنتاج،...، الحضارة الرومانية لم تتلاش لفقرها إلى وسائل الصناعة والحاجات"29،فالعامل الاقتصادي إذن لا يفسر مجرى التاريخ الإنساني ولا نشأة الحضارات بل يُعتبر أحد الظواهر المادية التي تنتجها الحضارات الإنسانية.

أما توينبي فقد اعتبر أن العامل الجغرافي هو المسؤول عن نشأة الحضارات من خلال فكرة التحدي والاستجابة، ويعني التحدي "وجود ظروف صعبة تواجه الإنسان في بناء حضارته وقدرة الإنسان على الاستجابة لهذه الظروف، فتكون الاستجابة إما ناجحة إذا تغلبت على هذه الظروف أو استجابة فاشلة إذا عجزت عن التغلب على هذه الظروف الصعبة، ويذكر توينبي أن هذه الظروف الصعبة التي تتحدى قدرة الإنسان وتستحثه على العمل على تكوين الحضارة تتمثل في البيئة الطبيعة والظروف البشرية"30.

وقد رفض مالك بن نبي فكرة تفسير نشأة الحضارات بردّها إلى العامل الجغرافي،فهو يقول: "إذا نحن حاولنا بعد الذي سردنا من النظريات، أن نستعمل إحداها في تفسير واقعة تاريخية محددة ولتكن الحضارة الإسلامية على سبيل المثال، فإننا نجد أنها لا ترضينا تمام الرضى"31، "إذن نحن لا نرى في تكوين هذه الحضارة العامل الجغرافي أو المناخي في شكل" تحد"معين حسب نظرية توينبي"32

وفي المقابل، يتفق مالك بن نبي في تفسيره لنشأة الحضارات مع فكرةالروح العبقرية لاسوالد شنبجلر، الذي يقول: "إن الحضارة تُولد في اللحظة التي تستيقظ فيها روح كبيرة وتنفصل عن الروح الأولية للطفولة الإنسانية، وهي تولد في بقعة من الأرض محدّدة تمام التحديد، ترتبط بها ارتباط النبتة بالتربة، والحضارة تموت حينما تحقّق هذه الروح ما بها من ممكنات على صورة شعوب، ولغات ومذاهب دينية، وفن، ودول سياسية وعلوم، فترجع حينئذ إلى الحالة البدائية"33، ويرى شبنجلر أنه لا يمكن أن نفهم أية ظاهرة سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو علمية أو فلسفية إلا بواسطة فهم كل ما للحضارة من ظاهرات، فيقول: "رأيت تشابهاً عميقاً بين الأشكال السياسية والرياضيات في الحضارة الواحدة، بين النظريات الثقافية والصناعية، بين الرياضيات والموسيقى وفنون التشكيل، بين صور الاعتقاد وصور المعرفة، وتبيّن بجلاء ووضوح الارتباط الروحي العميق بين النظريات الفيزيائية الكيميائية والتصورات الأسطورية الخاصة بالأجداد الجرمان"34، لكن يختلف عنه مالك بن نبي في طبيعة الرؤية العنصرية التي أضفاها على مفهومه للرؤية الحضارية التي خصّ بها المجتمعات الغربية دون سائر المجتمعات الأخرى.

إن الدين هو العامل الرئيسي لنشأة الحضارات ومن هنا يتجلى البعد المعرفي الكلي لنموذج مالك بن نبي، بالإضافة إلى الإنسان الذي يحمل تلك الفكرة الدينية، فالحضارة: "لا تنبعث إلا بالعقيدة الدينية، وينبغي أن نبحث في حضارة من الحضارات عن أصلها الديني الذي بعثها"35، فالدين يمثّل المركّب الكيميائي الذي يجمع بين الإنسان والتراب والوقت كعناصر حضارية، لذلك يأتي البعد المعرفي للنموذج عند بن نبي من أن الإنسان مقولة معرفية، باعتباره جوهر الحضارة، فالحضارة   =  إنسان    +     تراب   +     وقت.

إن الأطوار التي وضعها مالك للنموذج المعرفي الحضاري هي أطوار تتعلق بتغيرات تعتري الإنسان وليس بالظروف البيئية المحيطة به، كالعامل الثقافي أو الاقتصادي أو الوسط الاجتماعي، فحين ندرس الحضارة يجب أن نربط بين الفكرة وحاملها" وعليه فانه مما ينسجم وطبيعة الأشياء حينما ندرس تطور الحضارة، أن ندرس من حيث الأساس العلاقة العضوية التي تربط الفكرة بسندها، وإذن فكل القيم النفسية الزمنية التي تميّز حضارة ما في وقت معيّن، ليست إلا الترجمة التاريخية لهذه العلاقة العضوية بين فطرة معيّنة كالإسلام مثلاً، والفرد الذي يمثّل بالنسبة إليها السند المحسوس، وهو هنا المسلم"36.

رابعا: تحولات النموذج الحضاري عند مالك بن نبي

 قسم مالك بن نبي النموذج الحضاري إلى ثلاثة أطوار رئيسية: الروح والعقل والغريزة، تتعلّق جميعها بأبعاد نفسية تكوينية للإنسان، يتحوّل من خلالها النموذج من طور إلى آخر، فالطور الأوّل الروح: في هذا الطور لا يوجد سوى الإنسان الطبيعي "غير أن الفكرة الدينية سوف تتولّى إخضاع غرائزه إلى عملية شرطية تمثّل ما يُصطلح عليه علم النفس الفرويدي بالكبت، وهذه العملية الشرطية ليس من شأنها القضاء على الغرائز بل تتولّى تنظيمها في علاقة وظيفية من مقتضيات الفكرة الدينية"37، وينطلق نتيجة لظرف استثنائي يسجل في هذا الطور"ظهور الظرف الاستثنائي اللازم لإحداث التركيب العضوي التاريخي بين العناصر الثلاثة: الإنسان والتراب والوقت، وهو التركيب الذي يتّفق مع ميلاد مجتمع معيّن، كما يتّفق بصورة ما مع بداية عمله التاريخي"38، يتمثّل هذا الظرف في الفكرة الدينية أو المبدأ الأخلاقي "إن حضارةً ما هي نتاج فكرة جوهرية تطبع على المجتمع في مرحلة ما قبل التحضّر الدفعة التي تدخل به التاريخ"39، وحتى الحضارة الغربية تدين بنشأتها إلى الفكرة المسيحية "إن الفكرة المسيحية قد أخرجت أوربا إلى مسرح التاريخ، ولقد بنت عالمها الفكري انطلاقاً من ذلك"40.

انتهى هذا الطور في الحضارة الإسلامية في معركة صفّين "إن الانقلاب لم يكن مفاجئاً، إذ هو النهاية البعيدة للانفصال الذي حدث في صفين إذ أن العالم الإسلامي حينئذ، كان يحمل بين جنبيه بعد قليل من سنوات ميلاده تعارضاً داخلياً، كانت حمية الجاهلية تصطرع مع الروح القرآنية فجاء معاوية رضي الله عنه، فحطّم ذلك البناء الذي قام لكي يعيش ربما إلى الأبد، بفضل ما ضمنه من توازن بين عنصر الروح وعنصر الزمن"41

الطور الثاني في النموذج الحضاري يمثّله: طور العقل - الأوج: "فأوج أي حضارة –وأعني به ازدهار العلوم والفنون فيها– يلتقي من وجهة نظر علم العلل البحث عن بدء مرض اجتماعي معين، لم يجذب انتباه المؤرخين وعلماء الاجتماع بعد، لأن آثاره المحسوسة لا تزال بعيدة، وبهذا تواصل الغريزة المكبوحة الجموح بيد الفكرة الدينية سعيها إلى الانطلاق والتحرر، وتستعيد الطبيعة غلبتها على الفرد وعلى المجتمع شيئا فشيئا"42.

وعندما يبلغ هذا التحرّر تمامه يبدّل الطور الثالث من أطوار الحضارة، طور الغريزة التي تكشف عن وجههاً تماماً، وهنا تنتهي الوظيفة الاجتماعية للفكرة الدينية، التي تصبح عاجزةً عن القيام بمهمّتها تماماً في المجتمع منحلّ، يكون قد دخل نهائياً في ليل التاريخ وبذلك تتمّ دورة في الحضارة"43.

لم يتوقف مالك بن نبي عند تحديد أطوار النموذج الحضاري بل أضاف فكرة مهمة: هي مجتمعات ما قبل النموذج الحضاري ومجتمعات ما بعد النموذج الحضاري،حتى يستوعب المجتمع الإنساني في كل اللحظات التاريخية، وحتى يتمكن من عملية تحليل الظواهر الإنسانية في العالم الإسلامي، الذي يقع في مرحلة ما بعد الحضارة، ويسعى جاهداً من خلال عملية الاستئناف الحضاري العودة إلى التاريخ، "قبل دورة من الدورات أو عند بدايتها، يكون الإنسان في حالة سابقة للحضارة، أما في نهاية الدورة فان الإنسان يكون قد تفسخ حضارياً، وسلبت منه الحضارة تماماً، فيدخل في عهد ما بعد الحضارة"44.

نعت مالك بن نبي الإنسان الذي يحيا في العالم الإسلامي بإنسان ما بعد الموحدين، ذلك الإنسان الذي تفسّخ من الحضارة الإسلامية وهو يحيا في مرحلة ما بعد الحضارة، وهو خلاف الإنسان الذي أنجز الدورة الحضارية الأولى لأنه كان على الفطرة "ذلك أن الإنسان السابق على الحضارة عبارة عن جزء مفطور على طاقة مذخورة معينة، قابلة لتأدية عمل نافع، غير أن هذا الجزء يصبح قاصراً عن تأدية العمل نفسه، وهو ما يعطينا صورة الإنسان المنحلّ حضارياً أو الإنسان الذي خرج من الدورة الحضارية"45.

وتبعا للمنحنى البياني الذي وضعه مالك للنموذج الحضاري، فان المجتمعات تنقسم إلى مجتمع ما قبل الحضارة، أو المجتمع الطبيعي، ومجتمع الحضارة وهو المجتمع الذي دخل التاريخ، ثم يأتي مجتمع ما بعد الحضارة وهو المجتمع الذي أنجز دورة حضارية وخرج منها "والتاريخ يسجّل مرحلة المجتمع ما قبل التحضر، ومرحلة المجتمع المتحضر، ومرحلة المجتمع بعد التحضر، والمؤرخون يميّزون جيداً في العادة بين الوضع الأول والثاني، ولكنهم لم يهتموا بالتمييز بين هذين الوضعين والوضع الثالث"46.

وسبب عدم تمييز المؤرّخين لطبيعة كلّ مجتمع يرجع إلى الخلط بين المجتمع الذي أتمّ الدورة الحضارية وخرج منها، والمجتمع الذي لم ينجز أية دورة حضارية "فهم يرون أن مجتمع ما بعد التحضّر هو بكل بساطة مجتمع يواصل سيره على طريقة حضارته، وهذا الخلط المؤسف يولّد أنواعاً أخرى من الخلط والالتباس والزيف وتفسد المقدّمات المنطقية التي يرتكز عليها الاستدلال على الصعيد الفلسفي والأخلاقي، وعلى صعيد علم الاجتماع، وحتى على الصعيد السياسي والاقتصادي، عندما يزعم البعض أنه استناداً إلى هذه المقدمات يمكن طرح مشكلات البلاد المتخلفة وإيجاد الحلول لها"47.

خامسا: الأبعاد المنهجية للنموذج الحضاري عند مالك بن نبي

بعد أن تناولنا بالشرح والتحليل البعد التاريخي والمعرفي للنموذج الحضاري، نأتي إلى لب المقالة وهو كيف وظف مالك بن نبي نموذجه الحضاري في عملية تحليل الظواهر الإنسانية سواء في مجتمعات العالم الإسلامي والعالم النامي بصفة عامة أم في المجتمعات الغربية المعاصرة؟ فالنموذج يعد أداة إرشادية للباحثين في تناول موضوعاتهم حيث يزودهم بالأدوات المنهجية المختلفة للدراسة الظواهر، وفي العلوم الإنسانية يعد النموذج أداة منهجية تتوسط الباحث والظاهرة، وهنا نقترب من مفهوم النمط المثالي عند ماكس فبير الذي يعدّ النموذج أداة تحليلية تساعدنا كثيراً في تحليل الظواهر الاجتماعية والإنسانية، كما استخدمه في علم الاجتماع عندما حدّد العديد من التصوّرات التجريدية لمفاهيم محورية: كالسلطة، والفعل الاجتماعي، والدولة، ثم يقوم بقياس الواقع الموضوعي بردّه لهذه النماذج المثالية بالاقتراب والابتعاد من النموذج، وليس معنى هذا التطابق التام، "إن النمط المثالي هو بناء فكري" يوتوبيا "نحصل عليها بتركيز الفكر على عناصر محدّدة للواقع لكنّنا لا نصادف مطلقاً ما يساويها إمبريقيا "إذن مهمة الأنماط المثالية هي مهمّة الإبستمولوجية للعلوم الاجتماعية"48.

لا ينطبق النموذج بشكل مطلق على الواقع ولا ينفصل عنه تماما، فمالك بن نبي صاغ نموذجه الحضاري عن طريق المنهج الاستقرائي التاريخي للحضارات الإنسانية، ثم انتقل إلى المنهج الاستدلالي في دراسة الظواهر الإنسانية، ومعنى ذلك أنه حول نموذجه الحضاري إلى جملة من المقدّمات المنطقية والمعرفية التي يستخدمها في الاستدلال على الظواهر الإنسانية.

فمالك بن نبي يختلف منهجه عن منهج الباحثين في العلوم الإنسانية في العالم العربي الذين ينطلقون من الدراسات الامبريقية الاستقرائية في دراسة الظواهر، فيفشلون في عملية التحليل والتفسير، حيث لا يتجاوزون في الغالب الأعم التحليل الإحصائي للظواهر، بينما دراساته لا تزال تحضي بالتقدير المعرفي، لأنه انطلق في دراسة الظواهر الإنسانية من النموذج الحضاري كإطار مرجعي لعملية تحليل وتفسير الظواهر وليس من الواقع، تماما كما اتخذت العلوم الاجتماعية الغربية من العلوم الطبيعة نموذجها الذي يجب أن تحتذي به "لذلك نلحظ في التتبّع التاريخي لتطوّر للعلوم الاجتماعية التأخّر النسبي عن تطوّر العلوم الطبيعية، وإن تحديد مشكلة العلوم الاجتماعية أو منطق تخلّفها النسبي عن العلوم الطبيعية يعود بالأساس إلى عجزها عن بلوغ المرحلة التفسيرية المقتدرة، أو بعبارة أدقّ اضطراب محاولاتها التفسيرية، وافتقارها للتفسير المنطقي"49.

فالعلوم الإنسانية في العالم العربي لا تزال تعاني من أزمة تفسيرية حادّة، سببها غياب الأطر الإبستيمولوجية التي تفسر من خلالها الظواهر، وإن بناء النماذج المعرفية يمكن أن يسهم في تجاوز أزمتها، فالوظيفة المنهجية للنموذج أنه يمكّننا من البعد الإدراكي للظواهر الإنسانية، حيث نتمكّن عن طريق الاختزال -الاستبعاد التركيز على ظواهر بعينها دون ظواهر أخرى لنتمكن من تحديد حقل الدراسة الذي يجب أن نشتغل معرفيا ضمنه.

ومن ناحية منهجية أخرى، يمكن أن نستخدم النماذج المعرفية في عملية تحليل الظواهر الإنسانية وتقديم التفسيرات المختلفة لها، لذلك فإن استخدام النماذج التحليلية حسب المسيري هو ضرورة منهجية لتجاوز استخدام منهج العلوم الطبيعة في دراسة الظاهرة الإنسانية، فيقول "استخدام النماذج التحليلية هو دعوة للابتعاد عن الإصرار على مستوى عال من اليقينية، وأن نبحث عن مستوى من اليقينية في العلوم الإنسانية يختلف عنه في العلوم الطبيعة، ...مثلا غليان الماء في الدرجة مئة، فيمكن أن نصل إلى مستوى عال من اليقينية، ولكن إذا كانت الظاهرة هي الثورة التجريدية أو علاقة البروتستانتية بالرأسمالية فالأمر مختلف"50.

إذن فدور النموذج المعرفي الحضاري في دراسة الظواهر الإنسانية عند لمالك بن نبي يتمثل في:

- تحديد الطور الحضاري الذي تنتمي إليه الظاهرة المدرسة.

- التفسير المعرفي للظواهر الإنسانية بالبحث عن السبب الرئيسي الذي يعتبر بمثابة الإبستيمي الذي يسيطر على كل طور من أطوار الحضارة (طور العقل).

 - ربط الظواهر الإنسانية بعملية الاستئناف الحضاري، وهي الغاية من وراء دراسة الظواهر، فليس الوصف من أجل الوصف بل من أجل البحث عن عوامل تغيير الظواهر.

وسنتناول الوظائف التحليلية والتفسيرية للنموذج الحضاري عند مالك بن نبي فيما يأتي:

1-الوظيفة التحليلية للظواهر الإنسانية من خلال النموذج الحضاري عند مالك بن نبي

يقصد بالتحليل العلمي للظواهر تفكيك الظاهرة إلى عناصرها التكوينية، وكما هو معلوم في دراسة الظواهر الإنسانية فإن من أكبر المشكلات التي تواجه الباحث صعوبة فصلها عن البيئات الاجتماعية التي تنتمي إليها، إضافة إلى تعقدها، نتيجة لاشتراك الكثير من العوامل في تشكيلها، لذلك لا يمكن تحليل الظاهرة الإنسانية دون فكرة النمذجة التي تقوم على الاستبعاد عناصر معينة واختزال عناصر أخرى، فالنموذج الحضاري لمالك بن نبي وظّفه في تحليل الظواهر الإنسانية من خلال تحديد الإطار التاريخي الذي تنتمي إليه الظاهرة، وأوّل خطوة منهجية لدراسة الظواهر الإنسانية أن نردّها إلى الإطار الحضاري الذي تنتمي إليه، يقول مالك بن نبي: " إذا ما درسنا أوجه النشاط في بلد معين، وجب علينا لكي نفهم أن نردّها إلى إطار الحضارة تستمد منها الحياة أشكالها، ويشكل فيها الفرد دائما أفكاره وضروب نشاطه، وعلى المنوال الذي صنعته القرون والأجيال "51.

الخطوة المنهجية الثانية: أن نحدّد إلى أيّ طور تنتمي الظاهرة في  المخطّط البياني للنموذج الحضاري، لأن النموذج يحدّد لنا طبيعة الإطار التاريخي الذي تنتمي إليه المجتمعات الإسلامية - الغربية، ويحدّد لنا الطور طبيعة المجتمع باعتباره العنصر الجوهري في تشكيل الظواهر الإنسانية، فالمجتمعات الإسلامية مثلا تنتمي إلى طور ما بعد الحضارة - مجتمعات ما بعد الحضارة، وأطلق عليها اسم مجتمع ما بعد الموّحدين، والمجتمع في تصوّره ليس مجموعة من الأفراد فقط، بل "كل جماعة لا تتطور، ولا يعتريها تغيير في حدود الزمن، تخرج بذلك من التحديد الجدلي لكلمة" مجتمع"52، فالمجتمع حسب مالك يتسم بثلاث سمات: "حركة يتّسم بها المجموع الإنساني، وإنتاج لأسباب الحركة، وتحديد لاتّجاهاته، وتكتسب الجماعة الإنسانية صفة (المجتمع) عندما تشرع في الحركة، أي عندما تبذل جهداً في تغيير نفسها من أجل الوصول إلى غايتها، وهذا يتّفق من الوجهة التاريخية مع لحظة انبثاق حضارة"53، وسمة ذلك "أن مجتمع ما بعد التحضّر  ليس مجتمعا يقف مكانه، بل هو يتقهقر إلى الوراء بعد أن هجر درب حضارته وقطع صلته بها"54.

الخطوة المنهجية الثالثة: أن النموذج الحضاري يحدّد لنا طبيعة الإنسان الموافق لكلّ طور من أطواره، من خلال الحالة النفسية (الروحية، العقلية، الغريزية) التي تطبعه باعتباره عنصراً جوهرياً في تشكيل الظواهر الإنسانية فـ"جميع الأمراض التي ظهرت في السياسة أو في صورة العمران، لم تكن إلا تعبيراً عن حالة مرضية يعانيها إنسان ما بعد الموحّدين  الذي خلف إنسان الحضارة الإسلامية"55، ويحدّد مالك سمات هذا الإنسان قائلا "إنسان ما بعد الموحدين في أي صورة كان-باشا أو عالماً مزيفاً أو مثقفاً مزيّفاً أو مسؤولا، يُعدّ عموماً عنصراً جوهرياً فيما يضمّ العالم الإسلامي من مشكلات من أفول حضارته وهو عنصر لا ينبغي أن يغيب  عن أنظارنا عندما ندرس نشأة المشكلات وحلولها التي تشغل اليوم فيما يبدو الضمير الإسلامي"56.

إذن، كل طور من أطوار النموذج الحضاري عند مالك بن نبي يحدد لنا العنصر الرئيس الذي يجب أن نحلّل من خلاله الظواهر الإنسانية، ففي المرحلة التي تسود فيها الغرائز تكون دراسة الظواهر، أولاً من خلال فقدان الإنسان الفاعلية في النشاط الاجتماعي، ويستحيل فيه العمل الجماعي بسبب تفكك شبكة العلاقات الاجتماعية، حيث يتضخّم الأنا ويصبح العمل الجماعي أمراً مستحيلاً.

وقد وظّف مالك بن نبي النموذج المعرفي الحضاري في تحليل ثلاثة ظواهر إنسانية تتعلّق بإنسان ما بعد الموحّدين المصاب بالذهان كحالة نفسية تجعله يتصوّر الأمور سهلةً جدا أو صعبةً جدا، وهي: ظاهرة الأمية "لسنا بقادرين لأننا جاهلون"، ظاهرة الفقر "لسنا بقادرين على هذا العمل لأننا فقراء"، "لسنا بقادرين على تصوّر هذا الأمر لأننا مستعمَرون"

أشار مالك بن نبي إلى أن ظاهرة الأمية أرجعتها النخب الجزائرية إلى مشكلة فنية بحتة تتعلق بقلة المدارس والمدرسين، وتصورت كيفية حلها عن طريق المطالبة السياسية في الحملات الانتخابية، بينما يرى بن نبي "أن مضاعفة العدم لن تؤدي غير العدم، الرجل المعلم نفسه عديم التأثير، وإذا لم يكن لتعليمه أثر اجتماعي، فان أسطورة الجهل أسطورة أخطر، إذ هي نتيجة خلف مشكلة الإنسان ما بعد الموحّدين عالماً كان أو جاهلاً"57، إذن العنصر الجوهري لظاهرة الأمّيّة يتعلّق بإنسان ما بعد الموحّدين وليس الجانب المادّي الاقتصادي من خلال قلّة المدارس أو المدرّسين، بل في انعدام التأثير الاجتماعي للتعليم في الجزائر كعيّنة من المجتمع الإسلامي، لأن مشكلة التعليم يجب وضعها في سياقها الحضاري بوصفها مشكلة إنسان فقد فعاليته.

أما الأمم الفاعلة حضارياً التي يكون التأثير الاجتماعي للعلم فيها واضحاً، فيضرب بن نبي لها مثلاً بما حدث لليهود خلال الحرب العالمية الثانية عندما مُنع أبناؤهم من الدراسة، ومع ذلك تكفلوا بتدريسهم متطوّعين، ويخلص إلى أن ظاهرة الأمية في الجزائر ترتبط بمجتمع ما بعد الموحّدين إذ "المسلم الذي تمّ تشكيله على مقاعد الدراسة، كان من الناحية الاجتماعية أقل فعالية من زميله الأوربي أو اليهودي كما لو كان مصاباً بمعامل النقص"58.

وبخصوص ظاهرة الفقر التي يُعرفها الكثير من الباحثين في العلوم الاجتماعية على أنها ظاهرة أساسها اقتصادي بحت يرى مالك بن نبي أن الفقر يتعلّق بإنسان ما بعد الموحّدين الذي لا يستطيع إدارة موارده الاقتصادية، لأنه إنسان فقد الفاعلية الاجتماعية، فيقول: "لقد لاحظت ذلك أخيرا في قرية صغيرة من قرى قسنطينة، حيث توجد مدرسة جزائرية هي المؤسسة الوحيدة ذات النفع العام، هذه المدرسة توازن ميزانيتها المتواضعة بصعوبة، في حدود ست مائة ألف فرنك، ولكني قمت بتقدير إحصاء إجمالي فخرجت بنتيجة أن هؤلاء الفقراء-قد أنفقوا في ليلة واحدة أكثر من مائة ألف فرنك في ليلة واحدة بين: دار الخيالة والسيرك، وكوخ القمار"59. فالفقر إذن لا يرتبط كما يتصوّر كثير من الدارسين في العلوم الاجتماعية بقلة الموارد المالية الاقتصادية، بل يتعلق بقضية سوء توظيف وإدارة الموارد الاقتصادية سواء كأفراد أو كمجتمعات.

ظل العقل الإسلامي يُرجع الظاهرة الاستعمارية إلى العوامل الخارجية ممثّلة في القوى الغربية التي تعمل جاهدة على الاستيلاء على مقدّراته، ولكن مالك بن نبي أرجعها إلى العامل الداخلي المتمثّل في القابلية للاستعمار: "إن هناك حركة تاريخية لا ينبغي أن تغيب عن ناظرنا، وإلا غابت عنا جواهر الأشياء، فلم تر غير الظواهر، هذه الحركة لا تبدأ بالاستعمار بل تبدأ بالقابلية له، فهي التي تدعوه"60، فهي ظاهرة تتعلّق بإنسان ما بعد الموحّدين الذي كفّ عن الفعل في التاريخ، وبالتالي أصبح بمنطقه جالباً للاحتلال والغزو: "ولمّا كان وضع إنسان ما بعد الموحّدين هو وضع الفرد المستعمر والقابل للاستعمار فان العلاقة بين الذات والموضوع هنا هي علاقة الفرد -باعتباره مستعمراً- بذاته -باعتباره (قابلا للاستعمار)- وليس علاقة بين مستعمر ومستعمر"61.

وهنا يترتّب مبدأ أساسي في تحليل الظاهرة الاستعمارية بربطها أولاً بالعامل الداخلي المتعلق بالإنسان، ثم الانتقال إلى العامل الخارجي الذي يرتبط بالعامل الداخلي وليس العكس.

وبهذه الطريقة المنهجية التي تنطلق من المقدّمات المعرفية والمنطقية للنموذج المعرفي الحضاري قام مالك بن نبي بدراسة الكثير من الظواهر الإنسانية وحلّلها تحليلاً منهجياً عميقا، وبحث عن الأسباب الجوهرية والحقيقية المشكّلة لتلك الظواهر، مستعيناً في الوقت ذاته بكثير من العلوم الاجتماعية في دراسة الظاهرة الواحدة: علم الاجتماع، وعلم النفس، وعلم التاريخ، وعلم الأجناس وغيرها.

2-الوظيفة التفسيرية للظواهر الإنسانية من خلال النموذج الحضاري عند مالك بن نبي

تكتسي عملية التفسير العلمي للظواهر أهمية بارزة في المناهج العلمية، حيث تستخدم النماذج المعرفية كأدوات منهجية في تفسير الظواهر الإنسانية، فمالك بن نبي من خلال نموذجه الحضاري عند دراسة ظاهرة معينة، يُحدد سياقها التاريخي أولاً، والمقصود بذلك  موقعها في الطور الحضاري، ثم يتنقل إلى ربطها وتفسيرها من خلال الإبستيمي الذي يسيطر على كل طور، فإذا كان في المرحلة الروحية فسر الظاهرة من هذا المنطلق، أما إذا كان في مرحلة مجتمع ما بعد الحضارة الذي أعطاه مجموعة من السمات والخصائص الاجتماعية، فيفسر الظواهر انطلاقاً من جملة هذه المبادئ المعرفية، بمعنى أنه لا يبحث عن تفسير للظاهرة الإنسانية خارج النموذج الحضاري، ممّا أكسب تحليلاته عمق الطرح المنهجي، والتحرّر من التبعية التفسيرية للظواهر التي يطرحها النموذج الحضاري الغربي، فهو مثلاً يقول عن دراسة التخلّف كظاهرة اجتماعية، "لقد أراد علم الاجتماع الذي كرس نفسه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لدراسة قضايا العالم الكادح أن يطلق على مجموع مشاكل هذا العلم مصطلح: التخلف"62.

ولكن مالك بن نبي ينطلق في تحليل التخلف باتخاذه موقفاً نقدياً في تفسيره "يكون من المشروع بالنسبة إلينا أن نتناول موضوعنا تحت زاوية التخلف، حيث لا نفهم من هذا المصطلح معنى التفسير والنتيجة لتحليل مشكلاتنا، ولكن باتخاذنا له كمجرد تعبير شامل لها"63.

يتم تحديد مصطلح التخلف بنقيض مصطلح النمو، الذي عادة ما يكون عند الاقتصاديين في شكل منحنيات بيانية، وقد قام مالك بن نبي بتوزيع الأرقام الإحصائية لمعدّلات النموّ الاقتصادي على العالم، ليجد أن العالم انقسم إلى عالم التخلّف في النصف الجنوبي، وعالم النموّ في النصف الشمالي "فالنموّ والتخلّف يُفسّر كل منهما داخل المساحة التي اكتنفه، بمجموعة من الأسباب المطلوبة للعرض على التحليل التاريخي"64، وأوّل خطوة منهجية لتفسير ظاهرة التخلّف هي ضرورة ربط التخلف بالإطار الجغرافي الحضاري الذي ينتمي إليه، فـــ"النمو الذي يتم ضمن البعد الاقتصادي، ليس سوى فترة زمنية لحضارة أوربا داخل المكان والزمان، إنه المظهر المادّي لهذا الحضارة"65.

 ويربِط مالك هنا بين الطور العقلي في النموذج الحضاري والنمو الاقتصادي في أوربا، ليصل إلى نتيجة هامة "فالحضارة هي التي تمنح إذن للمجتمع مع هذه القدرة الاقتصادية التي تميزه كمجتمع نام، إرادة استخدام هذه القدرة في حل جميع المشاكل...كما أن الحضارة هي التي تشكّل هذه القدرة وهذه الإرادة اللتين لا تقبلان الانفصال عن وظيفة المجتمع النامي"66.

والخطوة المنهجية الثانية  في تفسير النمو الاقتصادي هي رده إلى الطور الحضاري الذي ينتمي إليه، وليس إلى الموارد الاقتصادية والمنجزات الحضارية، فالحضارة هي التي تصنع منتجاتها وليست منتجاتها هي التي تصنعها، فتكديس الأشياء لا يؤدي إلى النمو، بل بالعكس، يعمّق من مأساة العالم النامي، وما دامت الحضارة تتكون من ثلاثة عناصر، إنسان وتراب ووقت، فحلّ مشكلة التخلّف لا يكون إلا بحلّ هذه العناصر كمشكلات فرعية، ويأتي الإنسان على رأسها فقد "توصلت اليابان إلى الإنقاص من جميع مشاكل التخلّف بفضل تنظيم معيّن للمجتمع على قواعد أخلاقية، يجعله يبلغ مستوى القدرة على مواجهة جميع الأعباء بواسطة وسائل تعد منقوصة على وجه الإجمال إذا قارناها ترقيمياً بالوسائل التي تقع في حوزة بلدان أخرى نامية"67.

الخطوة المنهجية الثالثة في تفسير ظاهرة التخلّف هي اعتبارها ظاهرة مجتمعية وليست ظاهرة تتعلّق بما هو اقتصادي فقط،فـــ"الصلة القائمة بين إرادة وقدرة مجتمع يبني ذاته على قاعدة الحضارة، ليس على قاعدة منتجاتها، وهذا ما يفسر كيف أن اليابان قد نجحت حيث لم يحقّق العالم الإسلامي حتى حين، نصراً على التخلّف"68. ومن بين التجارب الاقتصادية التي منيت بالفشل الذريع، التجربة الأندونيسية على الرغم من اتكائها على كل مقوّمات النجاح المادّي، لكن غابت عنها كما يقول مالك بن نبي المعادلة الحضارية فكان مآلها الفشل، فــ "بينما نرى تجربة مثل التي أجريت في أندونيسيا قد تضمّنت كل شروط النجاح، سواء من ناحية الإمكانيات المادية، في أغنى بلاد الله من حيث الثروة الطبيعية والبشرية، أم من ناحية فنية لأن واضع خطتها الدكتور (شاخت)، الرجل الذي نهض باقتصاد ألمانيا قبيل الحرب العالمية الثانية من نقطة الصفر تقريباً، ومع ذلك نراها فشلت فشلاً ذريعاً"69.

إذن، يساعدنا النموذج في عملية المقارنة بين الظواهر في الأطوار المختلفة للنماذج الحضارية، وفي الأخير استخدم مالك بن نبي نموذجه كبعد معياري للوقوف على المشكلات التي يعاني منها المجتمع الجزائري، قائلا: "قد تم بالفعل مثلاً وضع مشكلة الإنسان ضمن اتّجاه الحضارة، كما أن الهيئات التي اضطلعت بالدفاع عن المناهج التربوية سائرة في هذا الاتجاه، حيث موجهاتها في بوتقة الروح التي قامت على إعداد ميثاق طرابلس"70.

وتسهم فكرة استخدام النماذج المعرفية في دراسة الظواهر الإنسانية كما فعل مالك بن نبي، من تجاوز المشكلة الإبستمولوجية التي تعاني منها العلوم الاجتماعية في العالم العربي، والمتمثّلة في إشكالية التفسير العلمي للظواهر، فما عدا التفسيرات الكمّية الإحصائية لا نجد أي تحليل معرفي آخر، حيث تتضارب نتائج تلك الدراسات الاجتماعية الإحصائية وينفي بعضها بعضا، فإذا كانت العلوم الاجتماعية الغربية تأخذ بمنهج التفسير السببي الذي تأخذ به العلوم الطبيعة، فان التفسير لا يعني مطلقاً البحث عن أسباب وما يقابلها من نتائج، بل إنّ الأمر أعقد مما نتصوّر في تفسير الظواهر الإنسانية ولا يمكن عملياً فصل سبب عن سبب آخر، لذلك لا يسعى العقل الإنساني إلا إلى فهمهما وتأويلها.

فالدراسات الإمبريقية التي تنطلق مباشرة من الواقع دون خلفية معرفية تقع في الأخير في حرج التفسير كأحد متطلبات العلم المعاصر، فهذه الدراسات في الغالب لا تتعدّى مرحلة الوصف، وهذا واقع العلوم الاجتماعية في العالم العربي، ولذلك فإن محاولات النظر إلى الواقع دون إدراك البعد المعرفي يخلق الوهم بأننا ننتج المعرفة، وفي المقابل فإن النماذج المعرفية تكون بمثابة أداة إدراكية للواقع وإدراكا لطبيعة الظواهر التي ندرسها ونركز عليها، ثم تأتي أهم وظيفة للنموذج وهي التفسير، حيث يمكّننا النموذج من الربط بين المقدّمات ونتائجها.

خاتمة

يُعتبر مالك بن نبي من بين المفكّرين القلائل الذين درسوا الظواهر الإنسانية في العالم العربي والإسلامي، مستخدماً النموذج المعرفي إطاراً مرجعياً وأداة منهجية لتحليل الظواهر وتفسيرها، فمالك بن نبي لم يتعامل بطريقة مباشرة مع الواقع الاجتماعي للظواهر، بل بدأ بصياغة نموذج معرفي جمع فيه بين بعدين: بعد تاريخي من خلال المنهج الاستقرائي للتاريخ الإنساني، حيث اعتبر النماذج الحضارية كأدوات تحليل تاريخية، والتاريخ الإنساني ما هو إلا تاريخ ميلاد حضارات وأفولها، وبعد معرفي من خلال إرجاع نشأة الحضارات إلى البعد الديني كفكرة في شكل مبدأ أخلاقي تطغى على مجتمع معين فتدفعه إلى التاريخ، وليس إلى البعد المادي الاقتصادي أو الجغرافي أو السياسي.

واعتبر مالك بن نبي الإنسان محور العملية الحضارية، فهو أهم عنصر تركيبي في الحضارة بالإضافة إلى الموارد والزمن، وهو العامل الحاسم في التغيرات التي تعتري أطوار النموذج من مرحلة الروح إلى العقل وصولا إلى مرحلة الغريزة، ثم يقوم بتوظيف النموذج الحضاري في تحليل الظواهر في المجتمعات الإسلامية أو غيرها، حيث يوفّر له النموذج الإطار التاريخي لدراسة الظاهرة، والطور الذي تنتمي إليه الظاهرة من أجل تحديد العناصر الجوهرية في تشكيلها، وتكون عملية تفسير الظواهر الإنسانية من خلال الربط بين المقدّمات المعرفية للنموذج الحضاري والظاهرة المراد تفسيرها، فهو يستخدم هنا المنهج الاستدلالي في دراسة الظواهر، على عكس ما يفعل الباحثون في العالم العربي حيث ينطلقون من الواقع ومن الدراسات الإمبريقية للظواهر ليصلوا بعدها إلى طريق مسدود فلا يقدموا تفسيرات موضوعية لها.

لذلك، يعتبر بناء النماذج المعرفية ضرورة معرفية ومنهجية في العلوم الاجتماعية والإنسانية حتى تتمكن من دراسة الظواهر الإنسانية وتحليلها وتفسيرها، فالنموذج يوظف كأداة منهجية تتوسط الباحث والظاهرة، ولا يمكن دراسة الواقع من دون بعد معرفي من إنتاج معارف حول الظواهر، بل ينتج الوهم وهو ما نلحظه في الدراسات الامبريقية التي تنطلق من الواقع فيصيبها الإرباك المنهجي والنظري، وتأتي نتائجها قريبة من المعارف العامة أو الحس المشترك.


 

 


 

 

 


 

 

الهوامش

1.مالك بن نبي،2002، وجهةالعالم الإسلامي، ترجمة: عبد الصبور شاهين، دار الفكر المعاصر، دمشق، ص38.

2.                        شوقي جلال: على طريق توماس كون، رؤية نقدية لفلسفة تاريخ العلم في ضوء نظرية توماس كون، القاهرة، بدون سنة نشر، ص119. 

3.توماس كون،1992. بنية الثورات العلمية، ترجمة: شوقي جلال، سلسلة عالم المعرفة، عدد168، الكويت، ص14.

4.Gay Runlhard, (2005), problématisation et conception de paradigme, approche epstiologieque, ASTER, n°40, problème et problématisation, Lyon, p206

5.عبد الوهاب المسيري،2006، دراساتمعرفية في الحداثة الغربية، ط01، دار الشروق الدولية، مصر، ص444.

6.ميشال أرمات، وآمي دهان دالمايكو: النماذج والنمذجات 1950-2000: ممارسات جديدة ورهانات جديدة، ترجمة: هدى الكافي، محمود بن جماعة، في كتاب: مقالات في النمذجة وفلسفة العلوم، ج01، المركز الوطني للترجمة، تونس، 2010، ص47. 

7.عبد الوهاب المسيري: النماذج المعرفية الإدراكية والتحليلية، في كتاب: المنهجية الإسلامية، تحرير: محمد نصر عارف، المعهد العالمي لفكر الإسلامي، بيروت، 1996، ص799.

8.عبد الوهاب المسيري،1995، فقهالتحيز، في كتاب: إشكالية التحيز، تحرير: عبد الوهاب المسيري، ج01، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، القاهرة، ص11.

9.عبد الوهاب المسيري،2007، المادية وتفكيك الإنسان، ط02، دار الفكر، دمشق، سوريا، ص36.

10.                      مالك بن نبي،1987، شروطالنهضة، ط04، دار الفكر، دمشق، سورية، ص45.

11.                       المرجع نفسه: ص43.

12.                      المرجع نفسه: ص52.

13.                      المرجع نفسه: ص55.

14.                      المرجع نفسه: ص55.

15.                      المرجع نفسه: ص74.

16.                      المرجع نفسه: ص35.

17.                      المرجع نفسه: ص36.

18.                      صاموئيل هنغتون،1999، صدام الحضارات...اعادة صنع النظام العالمي، ترجمة: طلعت الشايب، شركوس طور، ط02،مصر، ص76.

19.                      ابن خلدون عبد الرحمن، 2004، مقدمة ابن خلدون، تحقيق: علي عبد الواحد الوافي، نهضة العرب، القاهرة، ص30.

20.                     المرجع نفسه: 10.

21.                      المرجع نفسه: 13.

22.                     مالك بن نبي: شروط النهضة، مرجع سابق، ص69.

23.                     ج.ف.ف. هيجل، 2007، محاضرات في فلسفة التاريخ، ترجمة: إمام عبد الفتاح إمام، ط03، دار النوير للنشر والتوزيع، بيروت، ص46.

24.                     المرجع نفسه: ص50/51.

25.                     عبد الوهاب المسيري: في الدرس المعرفي، مجلة إسلامية المعرفة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، بيروت، عدد 109/110.

26.                     مالك بن نبي: شروط النهضة، مرجع سابق، ص45.

27.                     المرجع نفسه:  ص73.

28.                     كارل ماركس: رأس المال، ترجمة: راشد البراوي، ج01، دار النهضة العربية، بيروت، ط1947، ص10.

29.                     ماك بن نبي: شروط النهضة، مرجع سابق، ص70.

30.                      رأفت الشيخ، 2000، مسار التاريخ،ط01، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، القاهرة، 191.

31.                      مالك بن نبي: مرجع سابق، ص72

32.                     المرجع نفسه: ص72.

33.                      اوسوالد شبنجلر: تدهور الحضارة الغربية، ترجمة: أحمد الشيباني، ج01، منشورات مكتبة الحياة، بيروت، لبنان، بدون سنة نشر، ص12.

34.                      المرجع نفسه: ص13.

35.                      المرجع نفسه: ص56.

36.                      المرجع نفسه:  ص74.

37.                      المرجع نفسه:  ص75.

38.                      مالك بن نبي،2006، ميلاد مجتمع، ترجمة: عبد الصبور شاهين، ط06، دار الفكر، دمشق، سوريا، ص55.

39.                      مالك بن نبي،1988، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، ط01، دار الفكر، دمشق، سوريا، ص41.

40.                      المرجع نفسه: ص41.

41.                      مالك بن نبي، 1986، وجهة العالم الإسلامي، ط01، ترجمة: عبد الصبور شاهين، دار الفكر، دمشق، سوريا، ص25.

42.                     مالك بن نبي: شروط النهضة، مرجع سابق، ص77.

43.                      المرجع نفسه:  ص77.

44.     سليمان الخطيب، 1993، فلسفة الحضارة عند مالك بن نبي، ط01، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ص97.

45.                      مالك بن نبي: مرجع سابق، مرجع سابق، 70/71.

46.                      مالك بن نبي: مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، مرجع سابق، ص37.

47.                      المرجع نفسه:  ص37/38.

48.                      فيليب رانيو، 2009، ماكس فيبر والعقل الحديث، ترجمة: محمد جديدي، ط01، منشورات الاختلاف، ابيروت، لبنان، ص92.

49.                      يمنى طريف الخولي،1990، مشكلة العلوم الإنسانية، تفتيتها وحلها، دار الثقافة للنشر والتوزيع، جامعة القاهرة، ص74.

50.                      عبد الوهاب المسيري: النماذج المعرفية الإدراكية والتحليلية، في كتاب: المنهجية الإسلامية، مرجع سابق، 804.

51.                      مالك بن نبي: وجهة العالم الإسلامي، مرجع سابق، ص 35.

52.                     مالك بن نبي: ميلاد مجتمع، مرجع سابق، ص16.

53.                      المرجع نفسه:  ص18.

54.                      مالك بن نبي: مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، مرجع سابق، ص38.

55.                      مالك بن نبي: وجهة العالم الإسلامي، مرجع سابق، ص37.

56.                      المرجع نفسه:  ص38.

57.                      المرجع نفسه:ص89.

58.                      مالك بن نبي: مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، مرجع سابق، ص153.

59.                      المرجع نفسه:ص90.

60.                      المرجع نفسه:ص93

61.                      المرجع نفسه:ص96.

62.                     مالك بن نبي، 2001، القضايا الكبرى،ط01، دار الفكر المعاصر، دمشق، سوريا،ص36.

63.                      المرجع نفسه: ص73.

64.                      المرجع نفسه: ص39.

65.                      المرجع نفسه: ص42.

66.                      المرجع نفسه: ص43.

67.                      المرجع نفسه: ص54.

68.                      المرجع نفسه: ص54.

69.                      مالك بن نبي، 2000، المسلم في عالم الاقتصاد، دار الفكر المعاصر، ص8.

مالك بن نبي، القضايا الكبرى، مرجع سابق، ص62.

Pour citer ce document

عبد الحليم مهورباشة, «النموذج الحضاري في دراسة الظواهر الإنسانية عند مالك بن نبي. رصد للأسس المعرفية والوظيفة المنهجية»

[En ligne] مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales العدد 20 جوان 2015N°20 Juin 2015
Papier : pp: 58- 73,
Date Publication Sur Papier : 2016-01-15,
Date Pulication Electronique : 2016-01-11,
mis a jour le : 28/01/2016,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=1336.