جدلية العقل العلمي في فلسفة العلوم المعاصرة -نموذج غاستون باشلار-
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
08
09
10
11
12
13
14
15

العدد 20 جوان 2015 N°20 Juin 2015

جدلية العقل العلمي في فلسفة العلوم المعاصرة -نموذج غاستون باشلار-
pp: 114- 140

عبد العزيز بوالشعير
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

يهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على جدلية العقل العلمي في فلسفة العلوم المعاصرة من خلال نموذج غاستون باشلار، الذي بَيّنَ أثر المعرفة العلمية الحديثة والمعاصرة على بنية الفكر، مما أسهم في الكشف عن قيم ابستيمولوجية جديدة جعلت العقل يضع موقفه الفلسفي موضع التساؤل كلما أفرز الفكر العلمي نظريات ومواقف جديدة. فرضت عليه إعادة النظر في بنيته ومحتواه حتى يستطيع مسايرة الثورات العلمية. الأمر الذي حتم على العقل بأن يكون ثورياً متجدّداً ومتطوّراً، من خلال جدلية المعرفة الفيزيائية التي تقول لا للفيزياء الكلاسيكية، وجدلية المعرفة الرياضية التي تقول لا للهندسة الإقليدية. وهو ما يعني أنّ العقل والواقع لم يعودا كما كانا عليه في الفلسفة والعلم الكلاسيكيين.

الكلمات المفاتيح: العقل، العقل العلمي، العقلانية، الجدلية، الابستيمولوجيا، باشلار، المعرفة العلمية، فلسفة العلوم. التطبيق.

Cet article vise à éclairer la dialectique de la raison scientifique dans la philosophie de la science contemporaine selon le modèle de Gaston Bachelard, qui a montré l'impact des connaissances scientifiques sur la structure de la pensée. Les nouvelles valeurs épistémologiques poussent la raison à mettre sa position philosophique en question à chaque fois que la pensée scientifique crée de nouvelles théories et attitudes. Elles l’obligent à revoir sa structure et son contenu pour être à jour avec les révolutions scientifiques. Ce qui a conduit la raison à se révoletr, se renouveler et se développer. Ce qui signifie que la raison et la réalité ne sont plus les mêmes que dans la philosophie et la science classiques.

Mots clés :La Raison, La Raison Scientifique, Rationalisme, La Dialectique, Epistémologie, Bachelard, La Connaissance Scientifique, Philosophie De La Science Application.

This paper aims to shed light on the dialectic of scientific reason in the philosophy of contemporary science through Gaston Bachelard’s model. This model shows the impact of scientific knowledge in the structure of thought which reveals the new epistemological values that make the reason, putting its philosophical position into question whenever the scientific thought results new theories and attitudes that oblige it to reconsider its structure and content in order to be kept up to scientific revolutions. All this require from the reason to be revolutionary, renewed and developed. This means that reason and reality are no longer the same as they were in the classical philosophy and science.

Keywords:  Reason, Scientific Reason, Dialectic, Epistemology, Bachelard, Scientific Knowledge, Philosophy Of Applied Science.

Quelques mots à propos de :  عبد العزيز بوالشعير

أستاذ محاضر أ، مدير مخبر المجتمع الجزائري المعاصر، قسم الفلسفة كلية العلوم الاجتماعية جامعة محمد لمين دباغين سطيف2

مقدمة

"كيف لا نرى إذن أنه ينبغي على فلسفة تريد أن تكون حقاً مطابقة للفكر العلمي وهو في تطور دائم، أن تنظر في أثر المعارف العلمية على البنية العقلية."(G.BACHELARD: La Philosophie du Non)

أولا- مفتتح اشكالي

 يطرح بعض فلاسفة العلم جدلية العلاقة بين العقل والواقع في الابستمولوجيا المعاصرة، خاصة بعد الثورات العلمية التي شهدها الفكر العلمي والفلسفي الحديث والمعاصر، والذي دفع بكثير من الفلاسفة والعلماء إلى إعادة النظر في مفهوم العقل وبنيته ووظيفته، ومفهوم الواقع ومكوناته الفيزيائية والميتافيزيائية، وكذا إعادة النظر في العلاقة بين العقل والواقع، والتي يمكن تلخيصها في السؤال المحوري الآتي: ما هي طبيعة العلاقة بين العقل والواقع في فلسفة العلوم المعاصرة؟ وما هو تصور غاستون باشلار لجدلية العقل والواقع في الابستمولوجيا المعاصرة؟

غير أنّ هذا السؤال المحوري يُثِير فينا عديد التساؤلات، ويدفعنا إلى محاولة الإجابة عنها على المستويين الفلسفي والعلمي، هو كيف تحدّث عنها فلاسفة العلم المعاصر من جهة، وفلاسفة العقل ونقاده من جهة ثانية؟ وهي التساؤلات التي تدور حول مفهوم العقل ووظيفته، وأيُمْكِن حصرها في الفهم أم في التفسير أم في التعليل؟ "أم أنّ وظيفة العقل هي مجرد الربط الآني بين الأفكار والمعاني؟1أم أنّ وظيفته بخلاف ذلك، تتمحور حول دراسة العقل الفلسفي للفكر العلمي والبحث عن أثر المعارف العلمية في بنيته، وإبراز القيم الابستمولوجية الجديدة؟

كان لابد إذن للعقل من أن يضع موقفه الفلسفي موضع التساؤل تجاه ما يكشفه العلم من قيم إبستمولوجية جديدة نتيجة التطور الذي حصل في الفكر العلمي؛ وذلك حتى يستجيب للثورات العلمية المعاصرة، وما لها من أثر على العقل مفهوماً وبنيةً ووظيفةً، العقل الذي راجع ذاته وتحتم عليه أن يكون ثورياً متجدّداً ومتطوّراً.2حيث جعلت الثورات العلمية الفكر الفلسفي بصفة عامة والفكر العلمي على وجهٍ أدق يكون أمام شكلٍ جديد للعقل والعقلانية، بعدما كان معنى كلمة عقل في منظومة أرسطو هو فهم ظاهرةٍ ما وإرجاعها إلى تجلّ لبعض الماهيات، كما كان الفهم بالنسبة لديكارت هو إرجاع ظاهرةٍ إلى بعض البديهيات بواسطة التحليل الوافي، وأنّ فهم ظاهرةٍ ما يتحقّق عندما يتم إرجاع تفاصيلها إلى حقائق مُدرَكَةٍ مباشرة من طرف الفكر، فيكون العقل بهذا المعنى مساوياً للبداهة السديدة.3

فهل العقل يعني كما يقول أندري لالاند André LALANDE(1867-1963) "الاعتراف بأن لكل امرئ سوي قدرة حقيقية (أو عينية) على إدراك أنّ قضايا معينة صائبة أو خاطئة، وتقدير فروق الاحتمالات، وتمييز الأفضل والأسوإ في مجال الفعل أو الإنتاج؟"4كيف يكون العقل مُؤلِّفا ومُؤلَّفا على حد تعبير لالاند؟ هل العقل متضايف مع الواقع، وأنه يحتوي على مبادئ وقواعد يَعْتَمِد عليها في استدلالاته، وهي التي تتيح له فهم هذا الواقع؟ هل بنيان العقل مُستَمد من الخبرة أو التجربة أو الواقع، مما يُخْرِجُنا من نطاق العقلانية الخالصة، ويدخلنا في نطاق العقلانية المادية أو المطبقة كما يقول باشلارG.BACHELARD(1884-1962) أم أن العقل في نظامه وتناسقه يكون موازياً لتناسق ونظام الأشياء، ومن ثمّة يكون العقلي ليس أي شيء سوى المادي5مثلما يقول بعض الفلاسفة المحدثين؟  وهذا بخلاف التصور الهيجلي الذي يُعدّ كل ما هو عقلي فهو موجود بالفعل، وكل ما هو موجود بالفعل فهو عقلي؟ هل يرتقي العقل إلى مرتبة القداسة بحيث يسوّى بينه وبين "الكلمة" كما يذهب إلى ذلك مالبرانش؟ 

ربما يكون طرح مثل هذه الأسئلة نوعاً من التفكير الفلسفي المحض في العقل والعقلانية، في مقابل الطرح الابستمولوجي الذي يرى الفكر بالنسبة للفلسفة المعاصرة هو أن العالم المعقول لدى السكولائيين عالم وهمي، وأنّ قاعدة البداهة لدى ديكارت مستحيلة، وليس هناك حقائق أولية بديهية في ذاتها، والعقل ليس ملكة إدراك هذه البديهيات، بل العقل اليوم هو القدرة على إعادة إنجاز شيء ما، إنه ملكة إعادة النظر. فالمفهوم يكون مفهوماً عندما يكون لدينا تعريف إجرائي له، والظاهرة تكون مفهومة عندما نكون قادرين على إعادة إنجازها والتنبّؤ بها،6وفق شروط وظروف معينة، يكون العقل فيها في موقف جدلي مستمر.

هذا الموقف الجدلي هو الذي جعل العلماء يقولون إنّالعلم يقود الفلسفة نحو اتجاهات فلسفية متعددة، ليس نحو الفيزيقية أو الحتمية، أو العدمية، بل سلّم كثير من العلماء والفلاسفة منذ القرن السادس عشر بأن العقل متمايز عن الجسم، أو عن أي جزء من الجسم كما قال ديكارت، وقال الفلاسفة أن العقل ليس متطابقاً مع المخ، بل هو مجرد عن المادة في ذاته، مقارن لها في فعلها؛ بمعنى أنه جوهر، وهذا يعني أنه  وجود منفصل عن المادة ومتميّزٌ عنها، وليس وجوده وجوداً فيزيقياً، فهو إذن لا يخضع للقوانين التي يمكن أن يكتشفها العلم الفيزيائي، ما يعني أن العقل ليس شيئاً حسياً، وأنه أبعد عن متناول العلم الطبيعي. يقال هذا الكلام في مقابل التصور الذي قدّمه برتراند رسل RUSSELL(1872-1970) الذي عدّ التّفرقة بين العقل والمادة ليست أساسيّة، وأنّما يسمّى مادة الشيء ما هو إلاّالجوهر في الواقع، ومن ثمة فإنّالمادة Stuffالتي تَخْتَص بالأشياء الطبيعية المُكَوِنَة لها ترتبط بالمادة التي تكوّن حياتنا الذهنية.7فهل يُفهَم العقل كمنظومة فيزيقية تُحَاكِي منظومة الحاسوب أو الطبيعة المادة؟ أم أنّالعقل يُفهم وفق ما أثبته العَالَم في القرن العشرين على يد الرياضي النمساوي "كورت جوديل" Gödelالذي وصل إلى أنّالحواسيب في أحد الجوانب المهمة لا تشبه الحاسبات البشرية؟ مما جعل بعض الفلاسفة والعلماء يقولون بأنّهذه النتيجة تمثل عقبة أمام الفهم العلمي للعقل.8

لقد كانت النتيجة الرياضية لما قام به جوديل Gödelهو أنها وضعت حدا لأي نسق فيزيقي، ما جعل الفيزيائيين يقولون إنّالعقل البشري لا يمكن أن يكون مادياً على الإطلاق، وهو ما أثار سؤالاً فلسفياً حول هذه النتائج العلمية الرياضية في موضوع العقل التي وضعت حدوداً على اتخاذ وجهة النظر العلمية للعالم أساساً للفلسفة.9  هذه النتائج وغيرها هي التي جعلت الابستمولوجيين المعاصرين وعلى رأسهم باشلار يقولون إنّالعقل بدلاً من أن يسير من الموقف الفلسفي إلى الواقع أو المادة، يسير في اتجاه معاكس، من النتائج العلمية إلى الموقف الفلسفي؛ بمعنى يكون موقف العقل موقفاً فلسفياً مفتوحاً، بعيداً عن كل انغلاق مذهبي، أين يكون الفكر المعاصر أمام مفهوم جديد للعقل إن على مستوى البنية، وإن على مستوى المضمون. يدرك من خلال هذا التغير أهم خاصية من خصائص العقلانية المعاصرة ألا وهي خاصية الجدلية الداخلية، المختلفة عن جل الجدليات الفلسفية التخارجية التي قال بها كبار الفلاسفة اليونانيين والمحدثين كأفلاطون، وهيجل، وماركس، فعوض أن ندرس العقل من الخارج علينا أن ندرسه من الداخل؛ بمعنى أن ندرسه من داخل بنية المعرفة العلمية ذاتها وليس من خارجها.

وعليه، فالتساؤلات التي تُطْرَح الآن هي: ما طبيعة العلاقة بين العقل والواقع في الابستمولوجيا المعاصرة؟ وما هي مكوّنات هذه العلاقة؟ ما هي حدود الفصل والوصل بين العقلانية والتجريبية في النظريات العلمية المعاصرة؟ ما طبيعة العقل الذي يتولّى دراسة الظواهر الفيزيائية تحديداً؟ هل العقل ذو طبيعة قارة تؤكد بنية ثابتة له؟ أم أنه ذو طبيعة تطوّرية متحوّلة ومتحرّكة تتجدّد بتجدّد نظريات العلوم، وتصوراتها، واكتشافاتها؟ فقد بيّنت كثير من الدراسات كيف يمكن للواقع أن يتدخل في بنية العقل، وما هي حدود ومستويات هذا التدخل؟ كما أنّالعلماء والفلاسفة صاروا مُجْبَرين على تقديم تبرير لفكرة أن العقل فعل من أفعال المادة أو شكل من أشكال الدماغ  على غرار ما قاله توماس هكسلي (Thomas HUXELY)، حيث يرى أنّ الأفكار التي أُعبِّر عنها بالنطق، إنما هي تغيّرات جزيئية، ما جعل العلماء والفلاسفة ينظرون إلى العقل بِعَدِّه انبثاقاً عن المادة؛  فالتغيّرات المادية هي التي تُسبِّب الأفكار، لا العكس.10وإذا كان العقل يتدخل في بناء الواقع العلمي، فهل يعني ذلك أنّالعقلانية المعاصرة تفترض حقائق مطلقة، وثابتة ويقينية، أم  أنها تفترض قيم النسبيّة، والتغيّر، واللاّ يقين في حقائق العلم ونتائجه؟ وهل يُحقِّق العقل عالميته في ظل الدعوة إلى تشكيل عقلانيات تخرق نطاقها المحلي وتفرض نفسها على كل عقل، بما تجترحه من إمكانات الفهم والتفسير، كما هو شأن العقلانية الحديثة التي يجري العمل على نقدها وتجاوزها، والاتجاه نحو عقلانية جديدة، ومفتوحة، ومركبة، وتعدّدية، تقوم على فعلي النقد والتجاوز. مما يعني تجاوز العقلانية المنطقية الموضوعية، التي هي استدلالية، وجوهرانية، ومتعالية، ومدرسية، نحو عقلانية لوجستية، واستراتيجية، وعملية، وعلائقية، وتبادلية كما يسميّها علي حرب؟11

لقد استقبلت الفلسفة الهدية العظمى التي قدّمتها الفيزياء المعاصرة عموماً، والفيزياء الكوانطية على وجه الخصوص؛ الفيزياء التي جاءت عكس الفيزياء الحديثة التي كانت تقول إنه يمكن تفسير كل شيء بالعلل النهائية،12بمعنى أنّالعقل لا وجود له ككيان متميز، مثلما أن "ما نسميه المادة لا وجود لها. فالمادة لا وجود لها كـ "كيان متميز" 13هيأيضاً. كما أنه لا يوجد في الواقع شيء كـ "الواقع العلمي" أو "الحقيقة العلمية"، كل ما هو موجود هو الوقائع التي نعرفها.14وإذا كان الواقع بهذا المعنى فكيف يُفسِّر باشلار انصراف العلم المعاصر إلى تركيب حقيقي يضم المتناقضات الميتافيزيقية، ويُؤلِّف بينها فيجعل الابستمولوجي لا يتجه من الواقعي إلى العقلي بل يتجه من العقلي إلى الواقعي؟ أي كيف يتحقّق العقلي في التجربة الفيزيائية دون أن يقع في الواقعية الفلسفية التقليدية بوجه من الوجوه، والتي تختلف عن فلسفة القرون الأخيرة؟15الواقعية التي تسأل عمّا إذا كان العالَم الخارجي كوجود فعلاً، وما إذا كنا نعرف العالَم بخواصه الحقيقية هو عين الحقيقة أو الصواب؟ إلى أي حد يُعبِّر إدراكنا للعالَم الخارجي عن الحقيقة؟ وهل ما يتم إدراكه يمتاز باليقين والثبات، أم هو شكل من أشكال الحقيقية، وليس هو الحقيقة بعينها؟ كيف يُفسِّر العلم المعاصر موضوع الحقيقة؟ وكيف ينظر إلى حالات التغيّر التي تعتري نتائج العلوم ومبادئها وافتراضاتها وتجاربها؟  كيف يُفسِّر العقل العلمي المعاصر ما كشفت عنه مختلف النظريات العلمية المعاصرة، والتي يرى روادها أنها لا يمكن أن تكون مشتقةً تماماً من التجربة عن طريق الاستقراء التجريبي، بل تُستَمد من بنية العقل ذاته؛ كونها بناءات عقلية ليس إلاّ؟

تحدّثنا النّظريات الفيزيائيّة المتطوّرة عن كائنات ووقائع لا تخضع للإدراك المباشر أو الحسّي، فالحقائق الجديدة التي تمثّلها نظرية النّسبيّة وفيزياء الكوانتم، قد حملت العلم على تجاوز التفكير التجريبي، أو تجاوز كل شكل من أشكال الإدراك الحسي أو المباشر، وصارت تتحدّث عن بنيات عقلية محضة؟  أيُعدُّ ذلك خللاً في بنية العقل، أو في بنية الواقع، أو المادة؟ لماذا يُجِيب الواقعي بالإيجاب بينما يُجِيب المثالي بالنفي، على الرغم من أنّ كليهما لا يستطيع الإدلاء بأي خبرة واقعية ملموسة حاسمة لإجابته، وأنهما يتفقان مع ذلك على أنّ هذه المسألة تعد قضية معقولة؟16

هل المعقولية -في هذه الحالة- تعني قبول العقل الإنساني لها؟ أم أنها تعني ما تثبته التجربة الاختبارية من خلال الوقائع والأحداث العيانية، أم لا هذه ولا تلك؟ بل هي انتصار العقل ضد اللامعقول من خلال تقويم العقلانية العلمية لاعوجاج العقلانيات الفلسفية السابقة عليها، فتكون المعقولية هنا بنت العلم الذي يُعطي دروساً للفلسفة ويرسم منهجها؟17كما أنه يمكن أن يسهم في تقدم فلسفي للمفاهيم العلمية، التقدم الذي يجعل من العقل ليس ملكة تبسيط، بقدر ما يجعله ملكة تستنير وتغتني بالتطبيق، والتحقّق في الواقع، الأمر الذي يطرح إشكالية الجمع بين النظري والواقعي، أو الجمع بين العقلاني والتطبيقي.  فكيف يكون التحقّق سمة من السمات التي يتميز بها الفكر العلمي الجديد على حد تعبير باشلار؟ وكيف يكون التركيب سمة كبرى للفكر العلمي الحديث بدلاً من سمة التبسيط في النسق المعرفي الديكارتي؟18هل يعني ذلك ضرورة تجاوز النموذج الديكارتي في الفهم والتفسير والتعليل، أم أننا أمام شكل آخر من النماذج التفسيرية التي لا تلغي النماذج التقليدية؟ كيف يتغذى الفكر العلمي بالرياضيات وبالتجربة الفيزيائية؟  أليس في وسعنا أن نتحدّث عن فكر علمي جديد يتغذى بالفيزياء الرياضية؟ في الوقت الذي يتحدّث فيه العلماء والباحثون عن الفكر العلمي الجديد وهو في حركية وفي جدلية؟ كيف يمكنهم تجاوز المتناقضات التجريبية المباغتة التي تظهر لهم في المختبرات؟ كيف ينتقل الفكر العلمي من البسيط إلى المركب، ومن ثمّة ينتقل من الواقع إلى العقل فيتجاوز السمة الساذجة للواقع؟19

ثانيا: جدلية العقل بين العلم والفلسفة

لعله من المفيد أن ننطلق في تحديد العلاقة بين العلم والفلسفة في المقاربة الابستمولوجية للعقل من التصور الذي قدمه باشلار حول الابستمولوجيا المعاصرة، وهي المقاربة التي ترى أن "العلم يُبدِع فلسفة، وعلى الفيلسوف إذن أن يُحوِّر لغته لكي يترجم مرونة الفكر المعاصر وحركته. وعليه أيضاً أن يحترم هذا الازدواج الغريب الذي يطلب الإعراب عن كل فكر علمي بلغة واقعية، ولغة عقلية معاً، وربما وجب علينا عندئذ أن نجعل أول درس نتأمله، وأول حادث ينبغي تفسيره."20هذا الدرس الذي نتأمله ونفسّره، هو الذي يُبين لنا كيف تنشأ الفلسفة؟  أتنشأ بصورة عرضية أم بصورة موضوعية؟ والغالب أنها "لا تنشأ عرضا وإنما تستند إلى علوم عصرها، مهما كان مستوى نضج تلك العلوم، ومهما كانت طبيعتها، وبصرف النظر عن نوعية موضوعاتها مجردة كانت أم محسوسة، وعن خصوصية مناهجها استنباطية كانت أم استقرائية. وأنّ تلك العلاقة هي التي تفسّر أيضا اختلاف فلسفة عن أخرى برغم تشابه الوضع التاريخي الذي تنشآن فيه أو حتى تماثلهما. فما تباين الأفلاطونية والأرسطية مثلا إلاّ من تباين سندهما النظري العلمي."21وهو ما يعكس حقيقة فلسفية تاريخية، وهي أنّ أغلب الفلسفات التي ظهرت في تاريخ الفكر الفلسفي كانت مشروطة بعلم من العلوم، سواء أكان علماً رياضياً أم علماً طبيعياً أم علماً حيوياً بيولوجياً22. بمعنى أنّ العلم لا "يكون شرطاً من شروط نشأة الفلسفة فحسب، وإنما أيضاً شرطاً من شروط تنوّعها وتحولها."23

يرى باشلار أن  الابستمولوجيا لا يمكن أن تكون شيئاً آخر سوى أنها تاريخية، وأنّ على التاريخ أن يكون فلسفياً؛ بمعنى أن يكون تاريخاً نقدياً وتقييمياً؛ ذلك أنّ فلسفة العلم -حسب رأيه- جاءت كرد فعل مناهض لفلسفة علم لا تهتم بتعدّدية وتنوّع الوقائع العلميّة والمكتشفات، ومن ثمة لا ينبغي لها أن تبتعد عن العلم، ولا ينبغي للعلم أن يبتعد عن الفلسفة فـ"العلوم هي التي تقف إلى جانب الفلسفة، وهي التي توفر الخواص الجدليّة التي يوّفرها عقل الفلاسفة، عندئذ يكون علم العلم بمثابة المصاحب الفلسفي والجدلي الصريح لهذه الفلسفة التي تجهل ذاتها."24فكرة المصاحبة هذه من العلوم للفلسفة، أو من الفلسفة للعلوم هي التي جعلت باشلار يرى أن" الفلسفة ليست قبل العلم ولا بعده، بل هي بالأحرى مُكَمِّلةٌ، لإثبات نفسها في حداثة صريحة، وعليها أن توطن نفسها بحسب الروح العلمية الجديدة. وهي تحتاج لأن تتلاءم مع التفكير العلمي الذي يتطوّر على نحو مستمر(...) على الفلسفة أن تصبح مُعاصِرة للعلم".25فالفلسفة بحسب هذا الموقف غير ملزمة باحتواء النتائج العلمية في نسق فلسفي ناجز، بل عليها أن تخضع النسق الفلسفي ذاته للقيم الابستمولوجية الجديدة، أين يصير هذا النسق قابلاً للتجدّد تبعاً لما يمليه  تطور العلم من رؤى معرفية جديدة، حينها "سيكون على الفيلسوف -إن هو أراد أن يستوفي كل دروس العلم المعاصر-  أن يتخذ الطريق المعاكس لهذا المبدإ الابستيمولوجي، سيكون عليه أن يناهض تاريخية التجرية، بل وتاريخية ما هو عقلاني(...) وما أن يعي الفكر العلمي هذه المهمّة الأساسيّة في إعادة تنظيم المعارف، حتى تبدو النزعة إلى أن تسجل به المعطيات التاريخية الأوّليّة بلبلة حقيقية، الوعي العقلاني إذن وعي جديد تماماً، إنه وعي يحاكم معرفته ويريد أن يتعالى على الخطيئة الأصليّة للنزعة التجريبيّة."26

لاحظ باشلار أن ّالموقف العلمي من العقل هو موقف نقدي، يُعدُّ امتداداً للنقدية الكانطية التي تجعل من العقل مصفاةً للظواهر، وهو القوى المحرّكة لنمو المعارف والنّظريات العلميّة، بِعَدِّه يُمثِّل أحد العوامل التي تحثّ على صلات أقوى بين الفلسفة والعلوم، يؤدي فيها العقل العلمي دوراً أساساً في عملية إحداث التّكامل المعرفي والمنهجي والإجرائي بين العقل والتجربة، بين النّظر والتطبيق، بين المشخّص والمجرّد، بين القبلي والبعدي، لذلك عُدَّ العقل أحد الأدوات المنطقية والمنهجية لبناء المعرفة العلميّة. فهو يُحظى ببناء العلم له، في الوقت الذي يبني هو بدوره بنية العلم ومحتوياته.

هناك إذن، حركة مزدوجة جدلية بين هذه الثنائيات تغذّي الفكر العلمي، وتربط بين طرفي المعادلة العقلانية، والتجريبية بحثاً عن معرفة يقينية. المعرفة التي تُعبِّر عن عالَمين بحسب النظرية الفيزيائية عن أينشتاين (EINSTEIN:1889-1955)؛ عالَم الأنظمة النظرية، وعالَم الخبرات التجريبية أو الوقائع، والذي يعبر في النهاية عن عالَم العقل من جهة وعالَم التجربة من جهة ثانية.

" فالنظرية تصل بين وقائع نعرفها وتُنبئ عن وقائع لم نعرفها سابقاً، وهذا يعني أن هناك اعتماداً متبادلاً بين النظرية والوقائع، لأنّ الوقائع لا قيمة لها ما لم تُؤيّدها افتراضات أو مبدأ عام، فالنّظريات تُفسّر الوقائع والوقائع تؤيّد النّظريات، وتبقى النظريات التي لم تدعمها الوقائع بدون أساس، مثلما أن الوقائع التي لا تُؤَوِّلها النظريات تبقى عمياء غير مضيئة، وكلما وسّع العلماء من ملاحظاتهم حول الوقائع كان لزاماً عليهم تعديل نظرياتهم لتنسجم مع الملاحظات، بحيث تصير هذه النظريات المعدّلة نوراً يُضيء هذه الوقائع، وهذا ما يعني محدودية ووقتية استنتاجات المعرفة العلمية مهما كان التحقّق منها واقعياً بصورة حسنة، وهنا تكمن جدلية العقل العلمي بحيث يراجع ذاته ويصوب مبادئه وافتراضاته ونظرياته باستمرار"27.

 ويذكر ياسين خليل ثلاث قواعد في بناء النظرية الفيزيائية عند أينشتاين هي:

"القاعدة الأولى: تبدأ المعرفة العلمية بالوقائع وتنتهي بعد بناء النظريات بالوقائع، فالتجربة أساسية في بناء النظريات والتحقّق من صدق اشتقاقها.

القاعدة الثانية: الاستعانة في ظروف معينة بالتجارب العقلية، أو النظرية لكي نعوّض عن التجارب الواقعية في مجال التوضيح والنقد.

القاعدة الثالثة: غاية العلم هي صياغة النظرية التي نستطيع بواسطتها تفسير أو شرح أكبر قدر من الوقائع"28.

يذهب باشلار إلى انتقاد العلماء والفلاسفة حول مسألة واقعية العِلم أو عقلانيته، حيث رفض فيه انخراط العِلم في الواقعية المباشرة، كما رفض انخراط العلماء في التجريد المفرط، ويعزى ذلك في رأيه إلى جهلهم بواقعية العِلم المعاصر، وانخراطهم في التجريد المفرط،"حيث لا  شيء معطى مسبقاً، ولأنّ المعطى هو شيء خاص بالثقافة، وهو يكون دائماً عبر بناءٍ ما، وأنّ العِلم لا يتطابق مع الحس المشترك، كما يظن ميرسون (MAYERSON)في كتابه "الهوية والحقيقة (...) وأنّ الرّوح العلميّة الجديدة التي افتتحتها نظرية النسبية تُظهر أنّ التّجربة العلميّة هي تجربة تناقض التّجربة المشتركة"29.

لو تأمّلنا جيداً هذا النّص لظهر لنا بوضوح أنّ مفهوم العلم قد تغيّر عمّا كان عليه في السابق، بمعنى أنّ المفهوم الكلاسيكي كان يربط بين العِلم الحقيقي وبين الكلّي،  حيث كان الأقدمون يعتقدون أنه لا عِلم إلاّ بالكلّي، بخلاف المفهوم المعاصر الذي ينحصر في العلم بالجزئي، ويقوم على الاحتمال، وليس على حتمية الوصول إلى هذا الكلّي اليقيني، فالعلماء في العِلم المعاصر لا يمكنهم أن يثبتوا صدق فرض ظني؛ لأنه إذا فندته شواهد المستقبل سيتعرفون على خطئه، إما إذا أكدته مشاهدات المستقبل فلن يتمكن العلماء من أن يقولوا أنه صحيح، فهو سيظل دوماً تحت سلطة الاكتشافات العلمية الجديدة.30وهنا تتجلّى الصبغة الجدلية الفلسفية والعلمية للعقلانية التي تتغيّر تبعاً لتغير المفاهيم والمعطيات والاكتشافات العلمية، وهو ما قصده أينشتاين حينما أشار إلى تغيير النظرة الفلسفية لمسائل تمتد إلى أبعد من مجال العلم31.

تجدر الإشارة إلى أنّ هذا التغيّر الذي يطرأ على معطيات العلم ومفاهيمه واكتشافاته يحدث في الغالب عن طريق التجارب التي تُناقض التجارب السابقة هو الذي يجعلها -بلغة باشلار- تترجم الحركية المزدوجة للفكر العلمي، الذي يتعاقب فيه القبلي بالبعدي إلزامياً، لأنّ التّجريبية والعقلانية مترابطتان في الفكر العلمي ترابطاً عجيباً، الترابط الذي يقول فيه باشلار:

"...التجريبية بحاجة إلى الاكتناه، والعقلانية بحاجة إلى التطبيق، إنّ تجريبية بدون تطبيق واضحة، بدون قوانين متناسقة، بدون قوانين استنتاجية، لا يمكن افتكارها ولا تدريسها، وإنّ عقلانية بدون أدلّة حسّية، بدون انطباق على الواقع المباشر، لا يُمكِنها أن تقنعنا إقناعاً تاماً. فقيمة أيّ قانون تجريبي يُبَرهَن عليه بجعلها قاعدة للحكم العقلي، وتضفي الشرعية على تعقل ما يجعلها قاعدة للاختبار. إذن يحتاج العلم بوصفه مجموعة براهين واختبارات، مجموعة قواعد وقوانين، مجموعة بيّنات ووقائع، يحتاج إلى فلسفة مزدوجة القطب، إنه يحتاج بشكل أدق إلى إنماءٍ جدلي، لأنّ كلّ مفهوم يُضاءُ بطريقة تكامليّة من زاويتين فلسفيتين مختلفتين."32

 الزاوية الواقعية تكون حينما تُشتقّ النظريّات العلميّة من المعطيات الحسيّة، والزاوية العقليّة تكون حينما ترتبط عناصر النظرية فيما بينها بعلاقات رياضية وصورية ينبغي أن تجد لها تفسيراً في عالم الخبرة فيما بعد.  ما يوحي بدور كل من الوقائع في بناء النظريات العلمية والفيزيائية على وجهٍ أدق، هذا من جهة، وفي دور عالم العقل كأساس في صياغة النظرية وبنائها، وفي اعتماد الطريقة الاستدلالية البرهانية من جهة ثانية. فالعلم ليس نقلاً أو وصفاً للظواهر، بل هو تأطير الظواهر بنيوياً رياضياً في شكل نظرية وقوانين، فإذا كانت "النظريات غير مشتقة تماماً من المعطيات الحسيّة، وليست هي الخلاصة الاستقرائية لهذه المعطيات، ولكنها مع ذلك تطرح في ضوء هذه المعطيات الحسيّة (...) حيث أكّد أينشتاين أنّ العِلم يبدأ بالحقائق وعليه بعد صياغة النظرية أن ينتهي بالحقائق، حيث يقوم العالِم بالمشاهدات، ثم يصف بعد ذلك ما شاهده وما يتوقع مشاهدته في المستقبل، أيّ يقدّم بعض التنبّؤات بالاستناد إلى نظرياته، ثم يتحقّق من  صدق تنبّؤاته بمقابلتها بالواقع أو الحقائق"33.

هذه الجدلية بين العقل والواقع، أو عالَم العقل وعالَم الوقائع هي الابستمولوجيا التي تَشَكَّل فيها العقل العلمي في نظر باشلار؛ الابستمولوجيا التي تنبني على أن لا شيء معطى، بل يُبنى العِلم بناء بصورة بعدية، وهو أساس تقوم عليه المسلّمة الرئيسة في الابستمولوجيا المعاصرة، والتي ترى أنه لا توجد في الفكر العلمي حقيقة أولى، بل توجد أخطاء أولى. فالجزم أنّ للمعرفة تاريخاً يُحتِّم علينا القول إنّ الفكر العلمي يصبح بفعل ذلك ذا بنية متغيّرة؛ بمعنى أنه يصبح في جوهره تعديلاً وتوسيعها لأطرها، فهو يحكم على ماضيه التاريخي فيلعنه، فبنيته هي وعيه بأخطائه التاريخية، والحقيقة بالمعنى العلمي هي تعديل تاريخي لخطإٍ عمّر طويلاً 34، وهذا تعبير عن روح العِلم التي هي أساس تصحيح المعرفة، وتوسيعٌ لمجالها، فالفكر العلمي يدرك من خلالها أخطاءه التاريخية، العِلم الذي يَعدُّ الاختبار تصحيحاً للوهم الأوّلي المشترك. إنّ حياة العِلم كلّها تدور حول هذه الجدليّة، ولذلك، كان التقدّم العلمي لا يسير في خط متواصل تراكمي لنمو المعرفة كما يعتقد البعض، فليست الحقيقة نواة نبني عليها مسيرتنا المعرفية، وإنما هي نتيجةٌ نحقّقها أو نصل إليها ونحصّلها تحصيلاً، وبهذا فقد صارت المعرفة العلمية جهداً تصحيحياً تعديلياً متواصلاً. وما ينبغي لنا مقاومته أو تعديله حسب باشلار يتمثّل في "العوائق الابستمولوجية" كالحدوس التلقائية، وعادات التفكير المستقرّة، وبادي الرأي على حد تعبير الفارابي، وكل ما يعترض عملية بناء المعرفة العلمية في حد ذاتها. فالتفكير العلمي العقلاني ليس مساراً تلقائياً لدى الكائن البشري، إنه لا يمكن أن يكون التفكيرُ عقلانياً إلا بعد تجاوز العقبات الابستمولوجية، التفكير الذي بعيد النظر في البديهيات الخاطئة، والتفكير غير السّوي.35

ولعل هذا هو المعنى الذي قصده آلان شالمرز ALAN CHALMERS)) في كتابه "نظريات العلم" عندما قال: "إنّ العِلم يتقدّم بصورةٍ متواصلة، يتقدّم ويتجاوز ذاته باستمرار، مستنداً على مجموعة من معطيات الملاحظات لا يفتأ يتسع"36. ويمكن أن نُعطي مثالاً يوضّح هذا المعنى أكثر، فما معنى "المادة" إن لم تكن في تاريخها مجموعة التعديلات النقدية والتصحيحات التي حدثت لها منذ صورتها الأولى عند الفلاسفة الطبيعيين إلى أن كشفت عن نفسها في صورها الجديدة في العلم الفيزيائي المعاصر؟ حيث استنبطت نظرية جديدة في بنية المادة اتخذت اسم النظرية الالكترونية، مفادها "أنّ الذرات تحوي جسيمات دقيقة جداً مشحونة بالكهرباء. ثم حدث تعديل تدريجي لهذه النظرية كي تأخذ بالحسبان وجود نواة ثقيلة في مركز الذّرة تدور حولها إلكترونات خفيفة جداً"37. فقد فقدت المادة معناها الكلاسيكي الذي كان سائداً في الفلسفات الطبيعية القديمة والحديثة، وخير دليل على صحة هذا القول، هو فشل محاولات العلماء تفسير حركة الإلكترونات حول النواة بالاعتماد على قوانين الميكانيك التي اعتمدها نيوتن في حركة الكواكب حول الشمس، وهو ما يعني بالنسبة للعلماء عدم صلاحية قوانين نيوتن في تفسير الظواهر الذرية. ما يحتم عليهم التخلّي عن النموذج المعرفي القديم في التفسير والفهم، واعتماد النموذج التفسيري الجديد القادر على فهم الظواهر الجديدة فهماً صحيحاً، يقوم على اعتماد نموذج التعقيد والتركيب بعَدِّه نموذجاً جديداً. فقد ظهرت فكرة النمذجة كمتلازمة لمبدإ التعقيد، لأنّ "النمذجة هي البحث عن تعبير مبسّط للطبيعة في تعقيدها، يمكّن من توقّع سلوكها على امتداد مساحة زمانيّة، ووفق سلّم من المقادير، ويمكّن النموذج، عبر التبسيط الواقعيّ، من توقّعات متفاوتة الدقة، بحسب التعقيد القائم في السلّم، وهي توقّعات قابلة للمعالجة الجبريّة والخوارزميّة."38

يُقدِّم لنا إدغار موران(Edgar MORAN1921) فكرة التعقيد "باعتباره نموذجاً جديداً ظهر عن تطورّ العلوم الحديثة وحدودها في الوقت نفسه، لا يهجر هذا الفكر مبادئ العِلم القديم لكنّه يدمجها ضمن شكل أوسع وأكثر ثراء، التعقيد: هو ذلك التحدّي الكبير للفكر المعاصر الذي يستدعي إصلاحاً لصيغة تفكيرنا."39إنه يمدنا بالحل الأكثر حسما. من الآن فصاعداً، سيغدو الفكر قادراً على نمذجة كل ظاهرة مدركة ومتصورة، على أنها معقّدة، يرفض تبسيطها وتشويهها. "إنّ المقاومة الأقوى لصياغاتنا العقليّة هو تعقيد الواقع، وعندها يستطيع تعقيد الواقع حفز تعقيد الفكر"40. لأنّ الفكر محكوم بالنموذج الذي يتحكّم في النظريات وطرق التفكير كما يتحكّم أيضا بالحقل المعرفي والفكري والثقافي حيث تُولد النظريات وطرق التفكير. مثلما يتحكّم أيضاً بالابستمولوجيا التي تتحكّم بالنظرية، ويتحكّم بالتطبيق الذي يتحكّم بالنظرية. فهو يُراقِب تنظيم أنواع التفكير الفردي والمنظومات الفكرية الخاضعة له. فلو أخذنا مثلاً ما يسمى ببراديغم paradigmeالعلم الكلاسيكي نجد أنّ تطور العِلم خضع في هذه المرحلة لتحاور مركّب بين الخيال النّظري والتحقّق التجريبي، بين العقلانية التي تسعى إلى وضع قوانين العالَم، والتجريبية التي تُخضِع كل شيء لاحترام الوقائع. لكن تطور البراديغمات التي انتقلت من النموذج التبسيطي إلى النموذج التركيبي أوجب على العِلم أن يحلّ اللامرئي البسيط محلّ المرئي المعقّد الذي كان يُعْتَقد أنها وجيهة في منتصف القرن العشرين.41لقد فرض هذا البراديغم الجديد إصلاحاً منهجياً استوجب إعادة النظر في بنية العقل ذاته، وفي بنية الواقع وظواهره الكبرى والصغرى، الواقع الذي أصبح أكثر تركيبيةً وحركيةً وجدليةً. "فليس الواقع ألمساً ورقيقاً إلى ما لا نهاية له. إنه متناهٍ ومحدود، يفرد فرميونات(جزيئات) معينة، ويمنع من إقحام السلوك على سلّم صغير، في سلوك على سلّم كبير. ويتحدّد موقع الواقع القابل للملاحظة، وفق مقاس إنساني، وفي السلّم الخوارزمي، بين الأحجام الكبيرة والأحجام الصغيرة(...) ولكن تعقيد الواقع، مع المحافظة على الحتمية الماكروسكوبية، هو الذي نسّب، فعلاً، ادّعاء استعمال الصياغة الرياضية للنماذج، امتلاك قدرة تفسيرية ميتافيزيقية."42

بعدما كان يُستَبعد عن الفكر العلمي وعن "الواقع"الحقيقي" "...جميع عناصر تعقيد الواقع (الفاعل، الوجود، الفوضى، الصدفة، الصفات، التضامنات، الاستقلاليات...الخ) ويرتبط براديغم الإقصاء بمبدإ الاختزال الذي يلزم بتفكيك الوحدات الأولى التي تكوّنه، والتي تصبح أساساً لكل معقولية. عندئذ، تجتمع الرؤية الذرية (التي لا تَرَى إلا وحدات أوّليّة) مع الرّؤية الآليّة (التي لا تَرَى إلا نظاماً حتميّاً بسيطاً) وتتعارضان أحياناً، ولكنهما تطردان العضوي والمركّب"43.

إنّ استقبال نموذج جديد غالباً ما يُحتِّم على الفكر العلمي إعادة تعريف العِلم، كما أنّ المشكلات العلمية تتغيّر، وهو ما يجعل الفكر العلمي مُلْزَماً بأن يغيّر  من المستوى الذي يميز الحل العلمي الحقيقي عن مجرد تأمل ميتافيزيقي، أو لعبة العالم، أو العبث الرياضي. وهو ما يعني أنّ التقليد العلمي الإرشادي ينبثق من ثورة علمية،44مما يجعله غير مناقض للتقليد العلمي السابق، ولا يمكن تطبيقه غالباً على التقليد السابق، ما يوحي بحدوث تغيّرات في مستويات  الحُكم على المشكلات العلمية، ومفاهيم الفكر العلمي وتفسيراته، وهي التغيرات التي تُحتِّم عليه مسايرة تطور العلم.45  فلو أخذنا مثلاً موضوع الذرة فإنه "لم يكن فهم ما يحدث على مستوى الذّرة إلا على حساب التخلّي عن الأفكار المستمدة من الحس الشائع، وقد وجب الانتظار حتى عام 1926لتوطيد نظرية متكاملة غريبة جديدة على الفكر السائد، تتيح تفسير السلوك العجيب للإلكترونات في أحشاء المادة. وعلى هذه النظرية المضطربة التي بدت ظاهرياً فقط غير راسخة الأساس، أُطلِق عليها اسم النظرية الكمومية."46

  الأمر نفسه بالنسبة للفيزياء الذرّية ونظرية الكم، فكل تجربة فيزيائية، سواء أكانت لها علاقة بظاهر الحياة اليومية أم بالفيزياء الذرّية، يجب أن توصف بمفاهيم الفيزياء الكلاسيكية. ومفاهيم الفيزياء الكلاسيكية تُشكِّل اللغة التي نعيّن بها ترتيب تجاربنا ونحدّد بها النتائج. وليس في وسع علماء الفيزياء استبدالها بلغة مغايرة. وهو ما يعني أنّ استعمال هذه المفاهيم يكون محدوداً بعلاقات اللا يقين. يقول فيرنر هايزنبرغ( Werner HEISENBERG):

" ... ينبغي علينا أن نبقى على معرفة بالإمكانية المحدودة لاستعمال المفاهيم الكلاسيكية بينما نستخدمها نحن؛ على أننا لا نستطيع وما ينبغي أن نحاول تحسينها. ولكي نفهم هذه المفارقة على نحو أفضل فمن المجدي أن نقارن كيف تتم تجربة في الفيزياء الكلاسيكيّة أو في نظرية الكم.  ففي ميكانيك نيوتن السماوي نستطيع أن نبدأ على سبيل المثال بأن نحدّد موضع وسرعة كوكب نريد أن ندرس حركته. ويتم نقل نتائج الملاحظة إلى الرياضيات بأن يتم استخراج أعداد من أجل إحداثيات الكوكب وكميات حركته. ثم يتم استعمال معادلة الحركة للنظام في زمن معطى؛ وبهذه الطريقة يستطيع عالِم الفلك أن يتنبأ بأية خواص أخرى للنظام في زمن لاحق(...) وفي نظرية الكم تكون العملية غير ذلك. فمن الممكن أن نهتم مثلاً بحركة إلكترون في غرفة غيمية، ومن الممكن أن نحدّد الموضع الأولي للإلكترون وسرعته. على أنّ هذا التحديد لا يمكن أن يكون دقيقا. إذ أنه سيتضمن على الأقل الأخطاء الطفيفة التي تنتج بالضرورة عن علاقات اللايقين..."47

 فهذا شكلٌ من أشكال العقبات التي ينبغي على العلماء تجاوزها، بحيث يتجاوزون النموذج المعرفي التقليدي الذي أصبح عاجزاً عن فهم وتفسير معطيات العلم الجديدة، كما أنهم ملزمون بتجاوز مجموع البديهيات التي تعترض سبيل الأفكار العلمية، لأنّ الأفكار البديهية على حد تعبير عالِم الاقتصاد جيمس ميد (James MEADE) تظل تعترض طريق العالم، وهو المعنى الذي قصده أرسطو عندما أشار إلى أنّ العِلم هو طريقة غير طبيعية في التفكير. فلو كانت الأفكار العلمية بديهية فلماذا تتطلب كل هذا الجهد، وهذه الطرق المعقّدة لاكتشافها؟ فهل يمكن أن ندخل "إلى علم الفلك "بما فيه من "ثقوب سوداء"، وفكرة أنّ الكون قد بدأ بالانفجار العظيم، وأنّ الكون قد تكوّن خلال دقائق في الماضي السحيق؟ فإنّ العِلم لا يصبح فقط مضاداً للبديهة بل يصبح غير مفهوم إلاّ لعلماء الطبيعة. وكذلك الأمر مع الجسيمات المكوّنة للذرّة، ففي هذه الحالة يصبح الأمر أكثر تعقيداً، خصوصاً عندما نُطبِّق مبدأ (هايزنبرج) عن غياب الحتمية، فحركة هذه الجسيمات في داخل الذرّة تحكمها قوانين الكم، حيث تختلف أفكار السببية عما نحن معتادون عليه"48.

يكون من المفيد بالنسبة للعلماء أن يتعلّموا من دراسة الظواهر والحوادث، سواء على المستوى الأكبر macroأم على المستوى الأصغرmicroأنّ قليلا من التجارب نسبياً له أهمية حقيقية، ذلك أنّ محاولاتهم وأخطاءهم تكشف لهم على الدوام أنّ كثيراً من النظريات التي توصلوا إليها في حاجة ملحة للاستبدال والتغيير، فهي غير قادرة على تفسير عديد الظواهر الجديدة وفق الأطر الابستيمولوجية الكلاسيكية. فلا يجب مثلاً كما يقول إمري لاكاتوش (IMRI LAKATOS): "...على الإنسان أن يسمح لبرنامج البحث أن يُصْبِح عقيدةً راسخةً لا تتغير، أو نوعاً من القسوة العلمية، تُنصِّب نفسها كحَكَمٍ بين برهان ولا برهان (...) فتاريخ العلم كان، ويجب أن يكون تاريخ برامج للبحث متنافسة (أو إذا أردت،"نماذج")، لكنه لم يكن، ولا يجب أن يصبح، تتابُع فترات من العلم السّوي، وكلما بدأت المنافسة بسرعة كلما كان ذلك أفضل للتقدم"49.

ينتهي لاكاتوش في هذا التحليل إلى نتيجة مفادها أنّ "كل نموذج يحتوي على معاييره الخاصة به، والأزمة لا تجرف فقط النظريات القديمة والقواعد، بل أيضاً المعايير التي جعلتنا نحترمها. والنموذج الجديد يجلب عقلانية جديدة تماماً، لا يوجد معايير للنموذج الممتاز"50.

هذا التطور الذي حدث في النظريات العلمية يؤكد يقيناً أنّ العقل ذاته ليس ذا بنية ثابتة ونهائية، ولا جوهراً قائماً بذاته، وإنما هو فعل ديناميكي، إنّ جوهره صيرورة وحركة،  مثلما أنّ المفاهيم والأفكار في نمو، فلو أخذنا مثالاً عن هذا المعنى فإننا نقول ما قاله باشلار من أنّ "الجوهر الفرد أصبح في نموه الطاقي، صيرورة مثلما هو موجود، إنه حركة كما هو شيء، إنه عنصر الصيرورة -الوجود الملخّصة في المكان- الزمان."51  جاء هذا النص في سياق حديث باشلار عن جدلية المادة والطاقة،  وانتظامهما الابستيمولوجي بين الواقعية واللاواقعية، لقد أصبح العلماء المعاصرون يتحدّثون عن خلق للجواهر الفردة في الكون بعدما كانوا يتحدّثون عنها في صيغتها الأنطولوجية  المباشرة. فنحن هنا أمام "انقلاب جديد"، انقلاب الطاقة مادة، وهو ما تُبشِّر به نظرية الأشعة الكونية، إذ قام العلماء بتجارب انتقلوا فيها من طريقة هدم الجواهر الفرد التي تجري في الكواكب، إلى طريقة خلق الجواهر الفرد التي تجري في فراغ ما بين النجوم. وتوصّلوا إلى أنّ هدم هذه الجواهر الفرد في الكواكب يُرسِل طاقة إشعاع تنقلب مادة، وكهارب، في شروط انعدام الكثافة والحرارة التي تسود فراغ ما بين النجوم.52هذا التطور المتبادل الذي يمضي على التناوب، من الحركة إلى المادة، ومن الإشعاع إلى الجسيم، ومن الطاقة إلى المادة، والعكس، هو الذي يدفع بالفلاسفة والعلماء إلى تصحيح مفاهيمهم حول المادة أو الذرّة أو الكون، وتجعل العقل يُبْدِع مقولاته الخاصة، وينشئ مفاهيمه وأفكاره، في حوار غير منقطع مع الواقع والتجربة، الحوار الذي يبني ويكوّن العقل المتجدّد.

المفاهيم التي يُنشِئُها الفكر العلمي نتيجة الاختبارات والتجارب والإبداعات يكون لها دور فعال في فهم الواقع وتفسيره من جديد، وبنائه وقراءته وتأويله قراءة متجدّدة متواصلة حيناً، وتعيد النظر في المفاهيم والأفكار والافتراضات والتجارب حيناً آخر، والعكس صحيح؛ بمعنى أنّ للوقائع والتجارب والخبرات دوراً فاعلاً في إعادة بناء العقل وتشكيله في كل مرة. من هنا ندرك لماذا يُميز باشلار بين العقل المكوَّن والعقل المكوِّن؟ وذلك عندما يقصِد بالأوّل المعارف العلمية التي اكتسبها هذا العقل من التجارب والخبرات، كأنه العقل المستفاد عند ابن سينا، ويريد من الثاني "الفكر العلمي الجديد" الذي يتوجّه نحو رفض الواقعية الشيئية، واليقينيات النهائية، حيث يقول" كيف لا نرى إذن  أنه ينبغي على فلسفة تريد أن تكون حقاً مطابقةً للفكر العلمي وهو في تطور دائم، أن تنظر في أثر المعارف العلمية على البنية العقلية."53

ما يعني أننا أمام قيم ابستيمولوجية جديدة تتمثل في تغيّر بنية العقل، على أساس أنّ بنيته المتطورة المتغيرة بتغير المعرفة العلمية وما تُحدِثه من أثر علي بنيته؛ تجعل العقل في هذه الحالة في حالة دينامية، الدينامية التي تبدو أكثر ما تبدو في إنشائها لنظريات جديدة، تُعدِّل ما سبقها، أو تصحّح بعض عباراتها وتُدقِّقُها وتُخَصِّصُها، أو تثور عليها ثورةً كليةً، وبهذا ينتفي الادّعاء الذي يزعم أنه وصل إلى تفسير نهائي للواقع بنظرية واحدة تدّعي لنفسها الحسم الذي لا نظرية بعده ولا تفسير، عندما تتخلّص نهائياً من حب الاحتفاظ بالتجارب السابقة حتى تصل إلى مستوى المادية العقلانية التي تتّجه نحو نسج الأفكار العلميّة نسجاً حقيقيّاً مترابطاً. تصير حينها ملتقى لتقاطع جملة التجارب الملتحمة المتماسكة حيث يستوثق الفكر ويتحقّق،54بعدما كان العِلم يظن أنه ينطلق من فكر لا بنية له ولا معارف، والفيلسوف يفترض بنية عقلية جاهزة بكل المقولات الضرورية لفهم الواقع وظواهره المختلفة.

على هذا الأساس، يعلن باشلار عن فكرٍ علمي متطور في بنيته، تطور المعرفة العلمية، فكرٌ ينتج المعرفة وهي تشكلّه من جديد، فكرٌ يتجاوز دوغمائيته وسذاجته التي تعطيه حق التمسّك بالخصائص المطلقة، وتجعله أكثر ليونةً، حين يتخلّى عن معلوماته لكي يفهم ويتعلّم.55يكون الفكر العلمي حينها أشبه ما يكون بالتلميذ التي يحصل له انقلاب في المفاهيم، وتصحيح للتصورات، وتعديل للخبرات والمعارف السابقة، ما يُحتِّم عليه بيداغوجياً التخلي عما كان يعرفه أو يعتقد أنه عين الحقيقة، وذلك عندما يقوم المُعلِّم بقلب العوائق التي تجمّعت من قبل في الحياة اليومية، فهو يأتي إلى درس الفيزياء بمعلومات تجريبية كانت قد تشكّلت عنده من قبل؛ مثلاً يمكن أن يعطي حياة للجسم الطافي فوق الماء، وهو يرى مقاومة عند محاولته غمر قطعة خشبية في الماء، قد ينسب المقاومة للقطعة الخشبية وليس للماء.56يقول باشلار في هذا المعنى: "وهكذا، فإنّ أطروحة كالتي نأخذ بها، إذ تطرح المعرفة كتطور للفكر، وإذ تقبل تغيّرات تمس وحدة واستمرارية الفكر، ستجعل الفيلسوف يرتبك لا محالة."57

تطورُ المعرفة إذن، هو الذي يجعل الفكر العلمي يتثقّف في كل لحظة بلا كلل، إذ يجب عليه أن يواجه كل معطى من المعطيات بوصفه نتيجة، ويسمح له بأن يحوز صفة الموضوعية في العلم الحديث؛ فالمادة مثلاً "ليست وعاء للصفات الحسية (...) ذلك أنّ المعرفة المنطقية للمادة لا يمكن أن ترضى بالمظاهر الأوّليّة. لا يمكنها أن تأخذ بأوّل حصاد."58فقد جرَّد تقدّم العِلم المعاصر المادة من كيفياتها المادية، مثلما نزع عنها الصفة الواقعية التي أقرتها العقلانية الديكارتية التي قالت بإمكان تحديدها بالشكل والحركة، كونها أجساماً تتحرك في مكان وزمان معينين، ذلك أنّ تكوّن الفكر العلمي يمر بحالات ثلاث كما يقول باشلار، وهي:

"الأولى: هي الحالة العيانيّة، حيث ينشغل الفكر بالصور الأولى للظاهرة، ويعتمد على كتابات فلسفية تمجّد الطبيعة، وتتغنى بوحدة العالم وتعدّده في آن واحد.

الثانية: هي الحالة العيانية- المجرّدة، حيث يمزج الفكر بين التجربة الفيزيائية والترسيمات الهندسية، ويعتمد على فلسفة معينة للبساطة.

الثالثة: هي الحالة المجرّدة، حيث يباشر الفكر العمل عن وعي بمقوّمات ذات طابع مناهض لحدس المكان الواقعي ومتخلصاً من التجربة المباشرة."59

والنتيجة، هي أنّ بنية العقل قبل الثورة العلمية وبعدها ليسا متطابقين، وهو ما يفرض على العقل أن يبدي إرادة الاستجابة للتحوّلات العلمية المعاصرة في كل الميادين العلمية الفيزيائية والكيميائية والرياضية والبيولوجية...الخ، والتي تجعل من العقل تطبيقياً بعيداً عن المعنى المطلق للعقل، العقل الذي يرفض أن يكون وضعياً مطلقاً، ولا اسمياً مطلقا، ولا رمزياً مطلقا، ولا واقعياً مطلقا. إنّ عقلانية الفكر العلمي ترفض أن تكون محضةً بالمعنى المطلق، ومع هذا لا يمتنع باشلار أن يصفها بالعقلانية ويميزها عن غيرها من العقلانيات الفلسفية، في كونها عقلانية مطبّقة. فهو يرى أنه لا محلّ في الفكر العلمي المعاصر للعقلانية المطلقة أو الخالصة أو للواقعية الساذجة والمطلقة؛ ذلك أنّ هذين الموقفين يوجدان في الفكر العلمي متكاملين، بحيث لا يمكن لموقف منفرد أن يطابق ما هو عليه الحال في الفكر العلمي، ذلك أنّ الفيلسوف من أجل بلوغ التكامل، ومن أجل أن يفهم مشكلات الفكر العلمي، يكون من اللازم عليه إن هو حقاً كان عقلانياً، أن يُدرِك أنّ عقلانيته في حاجة إلى أن تنطبق، وإن كان واقعياً أن يُدرِك أنّ واقعيته في حاجة إلى أن تُفْهَم.60وهذا ما يدل بوضوح على أنّ

"... الفلسفة العلمية لا ترى ثمة مذهباً واقعياً مطلقاً ولا مذهباً عقلياً  مطلقاً، وأنه ينبغي ألا ننطلق من موقف فلسفي عام حتى نحكم على الفكر العلمي، عاجلاً أم آجلاً، سيغدو هو الموضوع الرئيس في المناظرة الفلسفية؛ وهو سيقودنا إلى أن نستبدل بضروب الميتافيزياء الحدسية المباشرة ضروباً من الميتافيزياء المنطقية الاستدلالية مصحّحةً تصحيحاً موضوعياً،  وإذا اتبعنا هذه التصحيحات اقتنعنا مثلاً بأنّ المذهب الواقعي الذي أصابه الشك العلمي لا يمكن أن يكون شأنه شأن فصيلة المذهب الواقعي المباشر؛ كما نقتنع بأنّ المذهب العقلي لا يمكن أن يُعدَّ مذهباً عقلياً مغلقاً عندما يُصحِّح أحكاماً قبلية مثلما تفعل اتجاهات النمو الجديدة في الهندسة."61

ثالثا: العقلانية والتطبيق

يضع باشلار فلسفته دائما بين هذين الاتجاهين، فهي فلسفة عقلانية، لكن ميزتها في إرادتها في أن تنطبق؛ و"التطبيق بالنسبة للعقلانية العلمية ليس فشلاً ولا تصالحاً، إنها تسعى إلى أن تنطبق، وعندما لا يتم ذلك بالكيفية الملائمة، فإنها تغيّر ما بها، وهي لا تنكر لأجل ذلك مبادئها، بل تجادلها. وأخيراً، فإنّ فلسفة العلم الفيزيائي هي الفلسفة الوحيدة التي تنطبق، وهي تعين تجاوزها لمبادئها، إنها الفلسفة المنفتحة الوحيدة."62تجدر الإشارة إلى أنّ التطبيق ليس إنقاصاً من قيمة الفكر، وليس نزولا عن كماله، بل إنّ هذه الإرادة في الانطباق بين الفكر والواقع تختلف عن التطبيق في العقلانية الكلاسيكية، إنها عقلانية في موقف عقلاني جديد؛ بمعنى ليست الفكرة المطبّقة فكرة قبلية أو فكرة مفارقة، يُنقص التطبيق من قيمتها، وإنما يزيدها قيمة علميّة. وليس أدلّ على ذلك من التجاوب الذي حصل بين الفلسفة والعلم في تاريخ الفكر الفلسفي والعلمي، أين صار التجاوب بين الأفكار الفلسفية والأفكار الفيزيائية مباشراً وسريعاً.  و" ...لا تكاد الفيزياء المعاصرة تنطق بفكرة في الطبيعة عن المادة أو الأثير أو الكوانتا (الوحدات الكمومية) حتى تظهر لنا مقابلات في عالم التفكير الخالص (...) إنّ الترابط بين الأفكار الفلسفية والأفكار الفيزيائية وثيق اليوم أكثر مما كان في أي وقت فات."63

ذلك أنّ الفيلسوف الحق لا يقف عند حد التساؤل عن مدى انتماء أفكاره إلى هذا المذهب أو ذاك، ولا يجب أن ينظر في أي استفسارات يقيمها ضده أصحاب الفلسفات المعادية، بل يجب عليه أن يُفرِّق بين الواقعية البدائية والواقعية المثقّفة أو الذهنية، وهو السبيل إلى استخلاص المادية العقلانية.64لا لأنها وصف لعالم منتظم أو تسجيل لنظام قائم بقدر ما هي فهم وتحريك لعالم المادة ونظامها. غير أنّ العقلانية التطبيقية على الرغم من انطباقها، إلا أنها لا تعرف الثبات في بنيتها، فهي تمارس عملية تقويم مستمر لذاتها، إنها عقلانية تطبيقية، لكن شروط التصويب والتصحيح هي أماراتها وميزة قوّتها ووضوحها، وسر نجاحها. فقيمة وقوة المفاهيم العلمية إنما تُقاس بمقدار قابليتها للتحوير والتبدّل؛ هذه القوة والقيمة تتحقّق في شروط تطبيقية، لأن "غنى مفهوم علمي معين يقاس بقوته التحويرية (...) وسوف يتحقّق التدقيق الأوسط إذا صار الاغتناء الامتدادي ضرورياً، ومتناسقاً تناسق الاغتناء الفهمي، ولإجمال تجارب اختبارية جديدة. يستوجب عندئذ تحريف المفاهيم الأولى، ودرس الشروط التطبيقية لهذه المفاهيم، أو بالأخص إدخال شروط تطبيق مفهوم معين في معنى المفهوم بالذات، وفي هذه الضرورة الأخيرة، تكمن السمة المهيمنة للعقلانية الجديدة، المتوافقة مع وحدة قوّية بين الاختبار والعقل"65.

تختلف العقلانية التطبيقية بِعدِّها عقلانية جديدة عن العقلانية الكلاسيكية، هذه الأخيرة عملت على تقسيم يفصل النظرية عن التطبيق، وتجاهلت دور التطبيق وأبعدته عن جوهر النظرية، وفصلت التجريب عن العقل، وفي إطار هذا الفصل بين العقل والتجريب، أو ما يسمى في بعض الأحيان بين الذات والموضوع"... يتعذّر أن يُرى كيف يمكن لواقعية علميّة أن تقوم انطلاقاً من واقعية مبتذلة، إذا كان العلم شرحاً لواقع مُعطى، فلا نرى بأيّ حق يكون من شأن العِلم أن يرتّب هذا الشرح. ستتوجّب علينا إذا مهمّة إظهار أنّ العقلانية ليست أبداً متضامنة مع تسلّطية الذات، وأنها غير قادرة على التشكّل في ضمير منعزل. وسيكون علينا أيضا إظهار أن المادية التقنية ليست على الإطلاق واقعية فلسفّية."66على هذا الأساس يَعدُّ باشلار المادية التقنية متطابقة، لكن هذا التطابق يكون جوهرياً، ليس مع واقع ثابت جامد، بل مع واقع محوّل معقلن ومركّب، مع واقع مصوّب، تلقّى تحديداً علامات الإنسان المميزة، علامة العقلانية.

إنّ الفكرة العقلانية في الموقف الجديد تُعدُّ برنامجاً للعمل، وقيمة برنامج العِلم في أن ينطبق. إنّ أساس فكرة العقلانية هو التجارب، غير أنّ تجريبيتها ليست تجريباً بالمفهوم الذي قصده كلود برنارد (Claude Bernard)، بل التجريب في العلم المعاصر ليس تجريباً للمشاهدة، بل تجريباً للتحقيق، التجريب يكون صورة لإنجاز الفكرة،ومنه تكتسب الفكرة قيمتها.

ما يستنتج من هذا الفارق بين المعنيين هو أنّ الموقف العقلاني المطبّق يتميز بعدم وقوفه عند مبادئ ثابتة، فالعقلانية بكونها فلسفة اليوم الواحد التي تُؤكِد ذاتها كل يوم جديد عند الفيلسوف العقلاني.67

إن العقلانية التطبيقية هي التي تُخضِع باستمرار مبادئها للجدل، وليس كالتي تجعل همها التنوّع، وترجع غناها إلى مبدإ الهوية.  هذا الأخير بالنسبة لباشلار لا موقع له في العقلانية المعاصرة،لأنه (مبدأ الهوية) يستحوذ على العقل ويحرّكه ليأخذ صورة نرجسية يعود إليها العقل في كل مرة، وبخلاف ذلك تكون العقلانية المطبّقة، والمسايرة للعِلم المعاصر عقلانية إعادة النظر في مفاهيمها - فهي تتميز بكونها العقلانية التي تزيد من تطبيقاتها على الدوام، وتسعى إلى أن تكون باستمرار فلسفة إعادة النظر. يقول باشلار: "الفكر العقلاني على أهبة باستمرار لا للبداية من جديد فحسب، فهذا أقل ما يمكن قوله، ولا لإعادة البناء فحسب، بل على أهبة لإعادة التنظيم."68

من هنا تكون العقلانية بعيدة عن حصر الحقيقة في زاوية واحدة النظر، بل يكون النظر إليها من زوايا مختلفة، لأنّ عملية الخلق مستمرة كما يقول بعض العلماء، والعِلم يكتشف في كل مرة ظواهر جديدة، وأنّ العديد من الظواهر ما زالت في حاجة إلى تفسير. وأنّ بعض التفسيرات كشفت عن حدود المعرفة العلمية، وهو ما يعني أنّ كثيراً من النظريات أفرزت إشكالات فلسفية ومفاهيمية صعبة الفهم والقبول، كتبدّل مفهوم المادة في معناه عبر تاريخ الفكر الفلسفي، وظهور ثنائية المادة والروح في فلسفة ديكارت، وثنائية المادة والقوة في علم الطبيعة الحديث، ودخول العنصر الكيميائي في بنية المادة، واكتشاف حفظ الكتلة في تفاعلات كيميائية، واكتشاف التفتت الإشعاعي الذي توصل إليه بيكرل في عام 1896م،والتمييز بين نواة الذرة والطبقة الإلكترونية...الخ.69

كما تتميز العقلانية المطبّقة عن العقلانيات التقليدية وخصوصاً منها الفلسفة التجريبية، بكونها عقلانية تقدّم برنامجها للعمل لا على أنه تلخيص للتجربة أو نسخة مطابقة للواقع أو مستمدة منه، بل إنّ التجربة المباشرة تعيقها عن الفعالية التي تجعل منها برنامجاً للعمل. "هذه العقلانية الفعّالة تتعارض مع الفلسفة التجريبية التي تقدّم الفكر كما لو كانت تلخيصاً للتجربة، وذلك بالفصل بين التجربة، وكل قبليات التهيّئ، كما أنها تتعارض أيضاً مع الأفلاطونية التي تعلّمنا أنّ الأفكار تنحط عندما تنطبق على الأشياء."70

بالإضافة إلى ذلك، ينبه باشلار إلى نقطة أساس قد يقع فيها الفيلسوف، وهي عندما يضع نفسه خارج العقل العلمي، ويظن أن فلسفة العلوم تنحصر في أسس العلوم وفي موضوعات عامة، أو يحصر نفسه حصراً شديداً في نطاق الأسس والأصول، فيعتقد أنّ مهمة فلسفة العلوم هي إعادة وصل أسس العلوم بأصول فكر محض، ويعرض عن مسائل التطبيق الفعلي، ويظن أنّ فلسفة العلوم ليست بكلّياتها من ملكوت الوقائع والظواهر.

"la philosophie de la science n’est jamais totalement de règne des faits"

التطبيق الثاني الذي تمتاز به العقلانية لا يُعدُّ بترا، لأنه فعل علمي تقوده العقلانية الرياضية. إنّ الإنجاز البرنامجي العقلاني للتجارب يعين واقعاً اختبارياً خالياً من اللامعقولية، وسوف تتاح لنا الفرصة لكي نبين أنّ الظاهرة المنتظمة أغنى من الظاهرة الطبيعية.  وإذا كان العلم الطبيعي المعاصر هو بناء عقلاني فإنّ التطبيق -في منظور العقلانية العلمية- ليس نكسة ولا تسوية إنما تنشد التطبيق. فالعقلانية إذا ما أُسيئ تطبيقها يصير لزاماً عليها أن تطوّر نفسها. ومع هذا فهي لا تنكر أصولها في سبيل ذلك، وإنما تجادلها، يضرب باشلار مثالا عن مفهوم من مفاهيم الفيزياء وهو مفهوم الكتلة masseقائلا: "يقدَّم لنا مفهوم الكتلة وبكل غرابةٍ كأنه مفهوم جدلي، لم نكن بحاجة إلا لكتلة واحدة، فإذا بالحساب يقدّم لنا كتلتين اثنتين لموضوع واحد. وإنّ إحداهما تختصر تماما كل ما كنا نعرفه عن الكتلة في الفلسفات الأربع السابقة: الواقعية الساذجة، والتجريبية الواضحة، والعقلانية النيوتونية، والعقلانية الأنشتاينية العامة، لكن الكتلة الأخرى، المجادلة الأولى هي كتلة سلبية، وإنّ في ذلك مفهوما لا يمكن تمثّله أبدا في الفلسفات السابقة."71

نتيجةً لهذا الاكتشاف العلمي الجديد يتساءل باشلار: ماذا سيكون موقف العقل العلمي الجديد من مفهوم كهذا؟ ويتساءل: ماذا كان موقف عالِم من العصر السابق في مستوى فيزياء القرن التاسع عشر...؟ يجيب باشلار عن هذين السؤالين بقوله: "فبالنسبة إلى عالِم القرن التاسع عشر كان مفهوم الكتلة السلبية مفهوماً مُخيفاً، وكان -بالنسبة إلى النظرية التي أنتجته- يتسم بسمة خطإ أساس، وعبثاً كان الزعم بامتلاك كل حقوق التعبير في فلسفة "كما لـو": une philosophie du comme si  فقد كان ثمة حدود لحرية التعبير. ولم يكن من الممكن أبدا لفلسفة: "كما لو" أن تنجح في تفسير كمية سلبية une quantité négativeكما لو كانت كتلة"72.

ويقترح فلسفته البديلة، إنها فلسفة "لم لا" Une philosophie du pourquoi pas? وسمتها الجدلية، إنها الطابع المميز للعقل العلمي الجديد. يتساءل قائلاً: لماذا لا يمكن أن تكون الكتلة السلبية؟ ما هو التعديل النظري الجوهري الذي يمكنه إضفاء الشرعية على كل كتلة سلبية؟ في أي أفق اختباري يمكن اكتشاف كتلة سلبية؟ يجيب باشلار عن كل هذه الأسئلة قائلا: "هكذا يتصدّر التحقّق الواقعي: وهذه الأولوية التحقيقية تلغي تصنيف الواقع. فالفيزيائي لا يعرف الواقع حقاً إلا عندما يحقّقه (...) زد على ذلك أنّ مثال التحقّق متطلب، فالنّظرية التي تحقّق جزئياً عليها أن تحقّق كلّياً، ولا يمكنها أن تكون محقة بطريقة جزئية. فالنّظرية هي الحقيقة الرياضية التي لم تجد بعد تحقّقها الكامل. ويتوجب على العالم البحث عن هذا التحقّق الكامل."73

وهناك وجه آخر يأخذه التطبيق في العقلانية المعاصرة، وهو أنه إذا كان لِزاماً علينا وضع العقل والموضوع العلمي في جدلية تعاون (...) فإنّ التنظيم العقلي للتجربة إذ يُعبَّر عنه بالنظر إلى تطبيقاته، ليس مجرد قصد لعقل يستمد أضواءه من وعيه وحسب، "قصدية العقلانية التطبيقية تستقي لنفسها، إمكان تصويب نفسها La possibilité de ce rectifier، وهي مستعدة عند التطبيق، لتلقّي جدليات ترتب أصداء حتى في مبادئ التنظيم."74غير أنّ باشلار يؤكد أنّ العقلانية قبل أن تنطبق على الأشياء، يجب تطبيقها على العقول؛ إذ ذاك تأتي كينونات ontologiesالفكرة المعلّمة لتشفع العقلانية المعلّمة، فيظهر نوع من ارتكاس réactionالوضوح التربوي عند المُعلِّم في ترتيب عقل التلميذ المُتعلِّم. إذ "يقتضي على الدوام معاودة إجرائها. الواقع أنّ للتعداد الديكارتي وظيفتين هما: صون المعارف والمحافظة على نظامها، إلى أن يصبح وعي النظام واضحاً بما فيه الكفاية لكي يأتي نظام المعارف تذكيراً بالمعارف إياها. هنا بالضبط يقوم في حميمية الذات، فعل من أفعال العقلانية التطبيقية، وهو الفعل المفيد لعقل مطبق على نفسه. من شأن الوعي العقلي للمعرفة أن يحلّق فوق الوعي التجريبي وهو يحدّد خط السير الأقرب"75.

والخلاصة، هي أنّ العقلانية فلسفة تعمل، وفلسفة تريد التوسّع،  وفلسفة تريد تكثير تطبيقاتها العقلانية التطبيقية في عملها الإيجابي استقرائية للغاية، إنها إذا تجرأنا على القول ثنائية التعقل، وعقلانية تنطبق على ذاتها كما تنطبق على الأشياء، وعقلانية تصوّب وتصحّح وتراجع باستمرار بفعل التجارب العلمية التي تكشف دائماً عن الجديد، إنها ترفض أن تكون عقلانية مغرقة في النسقية والتجريد، بعيدة عن الواقع، وفي الآن ذاته ترفض أن تكون أسيرة الواقع المباشر، وخالية من كل تعقل، إنها بين هذا وذاك عقلانية واقعية Un rationalisme Appliquéوواقعية عقلانية، وعقلانية تأتي بالأدلة على خصوبتها حتى في تنظيم العقل التقني، إنها تفوز بقيمتها عن طريق تطبيقاتها، لا عن طريق انغلاقها في النظرية أو التجريد.

يأخذ مفهوم التطبيق في حالات معينة سمة الخضوع لمقاربات متعاقبة، يتمثّل في كون المفهوم العلمي المقابل لظاهرة خاصة هو تجمع المقاربات المتعاقبة التي يصفها باشلار بالحسنة الترتيب "...إنّ تكوين المدارك العلمية يحتاج إلى سلسلة مدارك في طريقها إلى الكمال حتى تحوز على الدينامية التي ننشد، لتكوين محورٍ للأفكار الإبداعية. إنّ هذا التدريك Conceptualisationيجمع تاريخ المدارك ويجعله حاضراً فيما يتعدى التاريخ، وبدافعٍ من التاريخ، يثير التدريك الاختبارات التي تحرّف مرحلة تاريخية من مراحل المدرك المفهوم."76

تقوم العقلانية التطبيقية على جانب نظري رياضي مجرد، ومن جانب عملي تقوم فيه العلوم الفيزيائية بدور المكوّن لبنية العقل العلمي، وتتخذ من الواقع مُنطَلقاً لها. وهو ما يجعل العقل العلمي في سجالية polémiqueوجدلية Dialectique  تجمع العقل بالواقع، والنظر بالتطبيق، والجدلية التي تعيد النظر في مفهوم العقل، هذا الأخير أصبح في مرونة وديناميكية، لا تفصل أحدهما عن الآخر، بل تسعى إلى التأليف والتركيب بين العقل والواقع. فالمرء"...لا يكون فيلسوفاً إذا لم يستوعب في لحظة معينة من لحظات تأمله وافتكاره، تماسك الفكر ووحدته، وإذا لم يُصِغ شروط توليف العِلم. وعلى الدوام يطرح الفيلسوف المسألة العامة للمعرفة بمقتضى هذه الوحدة، هذا التماسك، هذا التوليف..."77

العقلانية المطبقة التي يتحدث عنها باشلار تمتاز عن غيرها من العقلانيات الكلاسيكية، وحتى عن بعض العقلانيات المعاصرة بميزة التطبيق، فهي ليست العقلانية النقدية التي تحدث عنها كارل بوبر( K .POPER1994-1902)،78أو عقلانية المؤسّسات العلمية مع توماس كوهن (T,KUHN،1922، 1996)، أو العقلانية المنهجية مع إمري لاكاتوش (LAKATOS1922،1974) أو مختلف المذاهب والاتجاهات الفلسفية المشكّلة لتاريخ الفكر الفلسفي، كالصورية والوضعية والواقعية وغيرها، على أساس أنّ العقلانية المعاصرة ينبغي أن يطبعها التكامل بين مختلف الثنائيات، العقل والواقع، النظر والعمل، المجرد والمشخص، الرياضي والفيزيائي...الخ؛ بمعنى أنّ جدلية العقلانية العلمية المعاصرة جدلية تكاملية تركيبية بين العقل والواقع، يقول باشلار في كتابه: (النشاط العقلاني للفيزياء المعاصرة) ما يلي: "وهكذا ما إن نفكّر في العمل العلمي حتى ندرك أن العقلانية والواقعية يتبادلان النصائح بدون توقف. فلا هذا الموقف ولا ذاك منعزلا يكفي لتأسيس الدليل العلمي. ليس هناك في ميدان العلوم الفيزيائية مكان لحدس الظاهرة يعين دفعة واحدة أسس الواقع، ولا لاعتقاد عقلاني مطلق ونهائي يفرض مقولات أساسية على منهج بحثنا التجريبي."79

غير أنه لا وجود لمذهب رسمي يعرّف بالعقلانية كما يعتقد الكثيرون، بل وجدت العقلانية على اتجاهات متداخلة يقوّي بعضها بعضاً، وهو ما يعرف في تاريخ الفكر الفلسفي بالتراث العقلاني، التراث الذي يؤمن بقدرة العقل على الإبداع، وعلى تجاوز الملاحظة المباشرة في محاولاته لبلوغ الحقيقة واليقين. يمكن للعقل أن يكون تجريبياً عندما يؤمن بأنّ وثبات الحدس الإبداعي لا يمكن أن توصف بأنها إسهامات حقيقية في العِلم إلا إذا أمكن جعلها تُسبِّب نتائج يمكن تقديمها إلى محكمة الملاحظة التجريبية، واختبارها على التجربة. وربّما يُعدُّ هذا التصور مخالفاً لتصور باشلار، وهو التصور الذي يقسّم الفلاسفة إلى عقلانيين وتجريبين، وهو -في الوقت نفسه- لا يبعث على الارتياح. لأنّ "تقسيم الفلاسفة إلى مجموعتين خالصتين من هذا النوع يستبعد بعضهما بعضاً هو السّماح للحماسة المنهجية الفكرية أن تحرّف الحقيقة."80

 يكشف تاريخ الفكر البشري عن كثير من الأفكار التي لا يمكن تصنيفها في أحد التصنيفين الخالصين الموصوفين بالعقلانية والتجريبية، ولعل فلسفة العلم المعاصرة ترفض كلا من الأنموذج العقلاني الخالص، والأنموذج التجريبي الخالص، وتَعدُّ الرأيين مخطئان بالأساس. لأنّ الغرض من العلوم -كما يقول أينشتاين- هو تنسيق كافة التجارب ووضع نتائجها في منظومة منطقية، وهو ما يستدعي الإشارة إلى دور الرياضيات  في إيضاح الأفكار العلمية بطريقة كميّة، فنيوتن استطاع أن يُعبِّر تعبيراً جيداً عن صحة  هذا الزعم بتعبيرات قليلة ويسيرة معتمداً بعض العمليات الرياضية التي مكّنته من تفسير العديد من حركات الكواكب في مساراتها، وحتى حركة الأجسام الصغرى كحركة كرات البلياردو.81

رابعا: جدلية العقل العلمي

يمكن القول إنّ الجدل هو روح العقلانية العلمية المعاصرة، فلا يمكننا تصور عقلانية من دون ممارسة الفعل الابستيمولوجي، الفعل الذي يكشف عن بنية جدلية للعقل، وللواقع، وللعلاقة بينهما. وهو بهذا المعنى يكون جدلاً تكاملياً ابستيمولوجيا، وليس جدلاً فلسفياً بالمعنى الذي أراده أو مارسه الفلاسفة عبر التاريخ، من أمثال هيراقليطس أو أفلاطون أو هيجل أو ماركس. إننا نتحدث عن الجدل من زاوية فلسفة العِلم التي استقى روادها هذه المقولة، ودلالاتها من حقل العلوم الحديثة والمعاصرة، وبالخصوص من مجال الميكروفيزياء الذي قدّمه العالم الفيزيائي نيلز بوهر (Neils BOHR) والذي حاول أن يطبّقه خارج ميدان الميكروفيزياء وبالضبط في دراسة الحياة. فالكائن الحي في نظره يبدو لنا في مظهرين: مظهر فيزيائي-كيميائي، ومظهر دينامي يتعالى على هذا المظهر الأول، ولكي ندرك ظواهر الحياة لا بد من عَدِّ هذين المظهرين معاً. لما كان جمعهما غير ممكن، وبما أنّ ظواهر الحياة تُبدي أحياناً المظهر الفيزيائي-الكيميائي وأخرى المظهر الدينامي، فإنّ مبدأ التكامل هو الذي يبدو إجرائياً هنا، لأنه هو الذي يُمكِّنُنا من إدراك كل واحد من المظهرين منفصلاً عن الآخر.82وقد استنتج فلاسفة العِلم أنّ الفكر العلمي لكي يفهم لا يكون في حاجة إلى موقف فلسفي ذي اتجاه واحد، وإنما يكون العِلم في حاجة إلى موقف يتكامل فيه الاتجاهان العقلي والتجريبي، على أساس أنّ الاكتشافات العلمية يمكن أن تُفهم ضمن تكامل هذين الاتجاهين لا ضمن تضادهما. وهو ما يؤكد اختلاف معنى الجدل في الفكر العلمي عنه في الفكر الفلسفي الذي يستبعد أحد طرفي الجدل الطرف الآخر في الغالب. إن الجدل في الابستمولوجيا المعاصرة يعني تحاور الثنائيات الآتية:

تحاور العقلانية والتجريبية، هذه الأخيرة كان لها دور حاسم في تقويض العقلنات، والعودة إلى متانة الأحداث والمعطيات، وقد أثارت فيه العقلانية تخيّلات تجريدية ولّدت النظريات الكبرى التي أطلقها كيبلر وأينشتاين.

تحاور النزعتين التصنيفية والتبويبية التي تنوّع الواقع إلى الحد الأقصى من خلال تبويب أشكاله المتعددة وبين النزعة المجانسة التي تبحث دائما عن الوحدة الكونية.

تحاور بين الشكلانية الرياضية التي تصبو إلى الرياضيات الكونية وبين المادية التي تجوهر الواقع.

تحاور بين التحليلي والتوليفي الذي حرّك الاكتشافات النظرية الكبرى؛ نظريات نيوتن وماكسويل وأينشتاين...الخ.

فكل هذه التحاورات هي التي بدأت تُصدِّع المفهوم الكلاسيكي للعِلم.83

والنتيجة، هي أنّ الفلسفة العقلانية والفلسفة التجريبية تتخذان مهمةً جديداً في الفكر العلمي، لأنّ العقلانية العلمية حسب باشلار هي التي تسعى إلى أنّ تنطبق، ولأنّ التجريبية العلمية هي التي تسعى إلى أن تكون مفهومة أو معقلنة.84بهذه الصورة تكون العقلانية جدلية، لأنها في سعيها إلى أن تنطبق وإلى أن تنفتح يكون لزاماً عليها أن تحوز صفة الجدلية، الجدلية التي تخرجها من السمة الأتوماتيكية المستلهمة من المنطق، إلى سمة التركيب والتكامل الذي يعني إخضاع العقلانية لمبادئ سيرورة التطور العلمي، الذي يفرض على الفيلسوف لكي يكون جدلياً أن يرتبط بالعِلم كما هو، لا كما يريده الفيلسوف، وأن يتعلّم من تطور العِلم، كما يتعلّم التلميذ من المُعلِّم، وأن يكون على استعداد وتهيّئ لأن يتلقّى إشكالية عصره باستمرار. يقول باشلار: "إنّ عقلانيا من دون إشكالية، إن هو إلا عقل لا يتنفّس، عقل يختنق ويقع في الوثوقية، إنه إنسان الليل الذي يواصل وجوده المريح، والذي لا يؤدي عمله النقدي بالأساس. وينبغي للعمل الذي هو في أساسه نقدي أن يبحث بتأنّ عن كل أخطاء التنظيم التي تحمل مسؤوليتها، كما ينبغي لها أن تقوم بتجارب."85

يتخذ باشلار من الجدل أداة لاستنباط الأفكار، ولإبراز القيم الابستيمولوجية الجديدة، فقد انتدب نفسه لإبرازها، وعمل على تحليلها تحليلاً نفسياً. فقد خصّص مؤلّفاً من مؤلفاته لهذا الغرض86حاول في هذا المؤلّف أن يقف على أثر تطور المعرفة العلمية على بنية العقل، وذلك من زاويتين: الزاوية الابستيمولوجيا التي أشرنا إليها للتو، والزاوية الفلسفية التي أوضح فيها التغير الذي حصل أو ينبغي أن يحصل للعقلانية المعاصرة، وذلك من أجل تأسيس موقف فلسفي جديد أراده باشلار أن يكون تركيباً فلسفياً جديداً، تركيب يزول فيه الصراع بين العقلانية والتجريبية، بين النظرية والواقعية. فلا يمكن برأيه أن نفهم المشكلات العلمية الجديدة وأن نُعبِّر عنها بالاعتماد على فلسفة ذات طرف واحد كما هو شأن الفلسفتين العقلانية والواقعية المبتافيزيقيتين. ذلك أننا حين نفكّر علميا نضع أنفسنا في موقف إبستيمولوجي وسيط بين النظرية والعمل، بين الرياضيات والتجربة، وحين نصل إلى معرفة علمية بقانون طبيعي فهذا يعني معرفتنا به كظاهرة وكشيء في ذاته في الآن ذاته.87

وما يكشف عن معقولية هذا الرأي الذي قال به باشلار، هو ما كشفت عنه مختلف النظريات العلمية المعاصرة، والتي "لا يمكن أن تكون مشتقة تماماً من التجربة عن طريق الاستقراء التجريبي، لأنّ النظرية الفيزيائية المتطورة تحدثنا عن كائنات لا تخضع للإدراك الحسّي، فالحقائق الجديدة التي تمثّلها نظرية النّسبيّة وفيزياء الكوانتم، قد حملت العِلم على تجاوز التفكير التجريبي. فالمكان رباعي الأبعاد في نظرية النسبية، يمكن فهمه بالعقل، لا بالتجربة، وكذلك الذّرة، كما يعرفها عالم الفيزياء في القرن العشرين، قابلة للفهم العقلاني."88يعني هذا أنّ العِلم المعاصر لا يمكنه أن يغفل أو يهمل دور العقل في أي نشاط علمي سواء على المستوى الفيزيقي أم البشري. ولعل هذا ما قصده شرودنجر(SCHRODINGER) عندما قال: "إنّ الصورة التي يرسمها العالِم للعالَم الحقيقي ناقصة جدا، صحيح أن العِلم يقدّم حشداً ضخماً من المعلومات الواقعية، ويسلك كل تجربتنا في نظام رائع الاتساق، ولكنه يصمت صمتاً فاضحاً عن كل ما هو قريب فعلاً إلى عقولنا."89

لقد أصبح العِلم المعاصر يؤكّد على دور العقل وأولويته في ممارسة النشاط العلمي، بخلاف العِلم الكلاسيكي الذي كان يميل إلى تفسير الظواهر تفسيراً مادياً ميكانيكياً، وهذا بنظر باشلار من شأنه أن يعيق حركة تقدّم العِلم، ولذلك أعاد العِلم المعاصر موضعة العقل في أي نشاط علمي في مقابل التجربة، وهي الحالة التي يكون فيها العقل قد استعاد حقه المشروع في النشاط العلمي. لأنّ فهم موضوع الذرة مثلاً ومكوّناتها ونشاطاتها وتفسير عالمها الداخلي، وفهم المكان رباعي الأبعاد، ونظرية الكوانتم...الخ لا يكون إلاّ بالعقل دون التجربة.90فالمكان الذي تحدث عنه إينشتاين لا يمكن تصورّه، يقول عالِم الفيزياء الفلكية وليم كفمان (William Kaufmann)حول هذه المسألة ما يلي: "من المستحيل عملياً أن نتصور متصل المكان والزمان الملتوي ذا الأبعاد الأربعة."91وهو ما يعني أنّ العقل وحده هو الذي يصنع العِلم لأنه وحده يستطيع أن يستكشف ماهية الأشياء وعللها. يقال هذا الكلام في مقابل الاتجاه الذي يجعل من الحواس مصدراً للمعرفة وأساساً للمعرفة العلمية، في الوقت الذي لا تستطيع الحواس ولا الخيال أن يحس بالمكان الرباعي الأبعاد ولكن يمكن للعلماء فهمه، وهو ما يجعل العقل في مجال العلوم يسمو على قيود الخيال، بِعدِّها قدرة إدراكية تفوقه بكثير. 92غير أنّ ذلك لا ينبغي أن يُنسِينا أنّ دور العقل في النشاط العلمي لا يكون منفصلاً أو مستقلاً عن الواقع ولا عن التطبيق، بل التطبيق شرط العقلانية، والعقل لا ينطلق من الصفر في تأسيس ملكوته وتطويره؛ لأنّ "فكرة الانطلاق من الصفر لتأسيس ملكوت العقل وتطويره لا يمكنها أن تصدر إلا عن ثقافات ذات تركيب بسيط حيث إن واقعة معروفة تكون ثروة على الفور."93

لذلك، يكون الرجوع إلى الواقع من جهة وإلى التطبيق من جهة ثانية شرطي المعرفة العلمية الموضوعية التي يُحقِّق فيها العقل العلمي انتصاراته على شتى عقبات المعرفة العلمية وكيفية تُكوٍّنه كمجموعة أخطاء مصحّحة، والتي يكون فيها "معرفة الواقع (...) نورٌ يعكس ظلاله في مكان ما، فهي ليست أبداً معرفة مباشرة وملِيئةً، وتجلّيات الواقع ليست دائماً متواترة، فالواقع ليس دائماً ما يمكن أن نعتقده "لكنّه على الدوام ما كان يفترض أن نفكّر فيه. ويكون الفكر التجريبي واضحاً عندما يكون جهاز العقول عاملاً. ففي العودة إلى ماضي الأخطاء، تكون الحقيقة في توبة عقلية حقيقية. ففي الواقع، إننا نعرف مقابل معرفة سابقة، معارف سيئة الصّنع، ما يعوق عملية الروحنة في العقل بالذات."94

على هذا الأساس، لا تكون العقلانية بعيدة عن الواقع، فهي ليست خالصة تماماً، بل عقلانية حيّة، قوامها الجدل والتصويب والتعديل، جدليتها ليست أوتوماتيكية أو آتية من استلهام المنطق -كما ذكرنا من قبل- بل جدليتها تعني إخضاع مبادئ العقل لسيرورة التطور العلمي، أين يكون  على الفيلسوف الموسوم بالعقلاني لكي يكون جدلياً فعلاً، أن يرتبط بالعِلم كما هو، مما يجعله يتلقى مختلف إشكالات عصره. يقول باشلار في كتابه فلسفة الرفض: "وحين يكون في استطاعتنا أن نترجم إلى اللغة الفلسفية تلك الحركة المزدوجة التي تُغذِّي الفكر العلمي المعاصر، فإننا سنتبيّن أن الانتقال من البعدي إلى القبلي، ومن القبلي إلى البعدي انتقال ضروري، وأنّ النزعتين  التجريبية والعقلانية تربطهما في الفكر العلمي الجديد."95

خامسا: الثغرات المعرفية في منظور العقل الجدلي لدى باشلار

نحاول في هذا العنصر أن نكون سجاليين مع باشلار، ونقف على حدود إبستمولوجيته ومواطن القصور في عقلانيته. نقول هذا الكلام لأنّ المنظور الجدلي للعقل أولاً وللواقع ثانياً ليس خالياً من العيوب، وهو لا يُشكِّل مفهوماً مطلقاً؛ ذلك أن باشلار نفسه يرفض هذه المطلقية، والنهائية والانغلاق المذهبي. ولذلك نقدم جملة من الملاحظات نوجزها كالآتي:

أوّلا: العقلانيّة الجدليّة التي تحدّث عنها باشلار محدودة؛ وتتمثّل محدوديتها في كونها نشأت في مناخ فكري وفلسفي من أهم خصائصه أنه مناخ سجالي انتقادي. بتعبير آخر إنه شكّل موجة فكرية فلسفية سادت أواخر القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، نجد هذا خاصةً مع كانط في نهاية القرن الثامن عشر، ومع هيغل كذلك، ومع ماركس في بداية القرن التاسع عشر، ولهذا وقع باشلار في هذه الموجة التي أرادت أن تقف موقعاً نقدياً اتجاه كل شيء، اتجاه الفلسفة، والعِلم، والدين، والتاريخ، واتجاه المجتمع، سعياً منها لبناء آليات صناعة الحاضر واستشراف المستقبل، وخيرُ دليل على ذلك هو طغيان النزعة النفسية على مختلف هذه الفلسفات على الرغم من غلبة الروح النقدية في طرحها للقضايا الفلسفية.

ثانيا: وعلى هذا الأساس يرى نُقاد باشلار أنّ العقلانية التطبيقية بوجه أخص أرادت أن تواجه مختلف المدارس، والاتجاهات، والمواقف الفلسفية التقليدية والحديثة والمعاصرة في ذاتها بالنقد، وفي موقفها من العِلم بالرفض، ولكن الميزة التي طبعت نقدية باشلار كما يرى "سالم يفوت"، هي أنها انتقدت هذه الفلسفات في مواقفها من العِلم انتقاداً نظرياً صرفاً يركز على مواطن الضعف والزلل النظرية من دون أن تقف على الجذور الخفية الفلسفية منها، والإيديولوجية التي كانت تحرّك هذه المواقف، وإن كان هناك تداخلاً بين ثلاثية العِلم والفلسفة والإيديولوجيا96.

ثالثا: إذا كان باشلار يريد أن يُؤسِّسَ لعقلانية جدلية علمية، فإننا نتساءل هل هذه العلوم تخلو من خلفيات إيديولوجية، ومواقف عقائدية ومنظومات فكرية تُحدّد وجهة العِلم وحركته وتطوره؛ بمعنى، ألا يُعدَّ موقف باشلار أساساً موقفاً فلسفياً يحمل في ثناياه سمات الإيديولوجيا، خصوصاً عندما يتحدث عن نسبية نتائج العلم؟ هل كل النتائج المتوصل إليها من طرف العلماء ذات طابع نسبي؟ وما هي حدود هذه النسبية؟ ألا يعني ذلك أننا نفتقد أساس اليقين في النظريات العلمية، وفي نتائج الكشف العلمي؟ بمعنى هل تطال مقولة النسبية كل بنية العِلم ومحتواه وتطوره؟ وهل المعرفة العلمية المُتوصل إليها كلها نسبية، خاصةً إذا علمنا أن هناك كثيراً مما يتوصل إليه العِلم يُعدُّ حقيقة لا غبار عليها؟ ولولا تسليمنا بهذه الحقيقة لانهارت كل القيم المعرفية والعلمية ولصار ذلك دعوة إلى الريبية؛ وهي نزعة فلسفية قديمة الجذور، وليست علمية؟ ما هي انعكاسات هذا التصور على مسار العِلم ووجهته؟ وهل قوة العِلم تكمن في وصوله إلى اليقين ولو كان ذلك جزئياً، أم تكمن قوته في مراجعته لنفسه على الدوام؟ وهل هذه المراجعة يمكنها أن تخلو من المخاطر والأخطاء التي قد تؤول بالعِلم إلى الخطإ وليس إلى الحقيقة؟

رابعا: إذا تحدثنا عن ضرورة مراجعة العقل لمقولاته ومفاهيمه فما هو الأساس الذي يعتمده الفلاسفة في عملية المراجعة؟ وماهي حدودها ومستوياتها؟ هل يُعقل أن نقول إن الواقع كله في صفته المباشرة لا يحمل سمة الحقيقة، وأنّ هذه الأخيرة هي دائما بنت الخطأ أو خطأ تم تصحيحه كما يقول باشلار؟ هل هناك ضرورة معرفية أو منهجية تفرض على العالم تحويل الواقع من واقع وجودي مباشر إلى واقع معرفي مثقف ومعقلن؟ وهل هذا يُعدُّ شرطاً للحقيقة؟ هل يستطيع العقل الذي يعيد النظر في ذاته أن يؤسّس ذاته، ألا يُعدُّ ذلك مفارقة يصعب حلها، إن لم نقل لا يُعقل قبولها؟ هل العقل محكوم عليه بالضرورة أن يعيد النظر في لحظة من لحظات الفكر البشري ولا نقول العلمي؟ لأن العِلم يعني كما عرفنا هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع؟ إنه إدراك الشيء على ما هو عليه؟ فإذا كان هذا الذي نقول عنه: ما هو عليه ليس ثابتاً، ففي أي موقع يكون العِلم؟ هل يكون في موقع الظن حول الواقع؟ أم هو التعبير عن الواقع المتغيّر؟ وبالتالي الحديث عن عِلمٍ متغيّر، ما يعنى في الأخير لا حديث عن الحقيقة.

خامسا: لماذا اعتمد باشلار الموقف السلبي من العقل الفلسفي ولم يتبنى النظرة الايجابية "بمعنى اتخاذ الموقف، لا كرد فعل على ما نتفق معه، وبلورته من خلال ما ننتقده، بل أيضاً الذهاب إلى أبعد حد، للتساؤل عن "الأصول" الايديولوجية لخطل الرؤية لدى العلماء والفلاسفة ومحاولة خط حد فاصل بين ما هو للايديولوجيا وما هو للعِلم؟"97أضف إلى ذلك أنّ عقلانية باشلار يسمها بعضهم بأنها عقلانية اللاموقف، لأنها كانت نفيية أكثر من اللازم. ولهذا عُدَّت محاولة ألتوسير(ALTHUSSER)مشروعية من حيث إنها أرادت أن تُعَبِّر عن موقف فلسفي، ومن ثمة فهي تخرج من السلبية وتؤسس للإيجابية، وإن كان حقل الدراسة مختلفا عنها، يتجلّى هذا عندما تساءلت عن الأصول الإيديولوجية لمجموع الرؤى العلمية والفلسفية، ومحاولة وضع حد فاصل بين ما هو إيديولوجي وما هو علمي، على الرغم من اعتراض بعضهم على مقولة الفصل بين الإيديولوجيا والعِلم  التي ذهب إليها ألتوسير كذلك، فهناك تداخل كبير بين ما هو علمي، وما هو إيديولوجي، وما هو فلسفي، لأنّ المعرفة منظومة متكاملة، ومتداخلة ومتناسقة العناصر،  إنها تشكّل بنية لا يمكن قراءة أو فهم جزء منها بمعزل عن الخلفية الخفية المؤسِّسة لها.

سادسا: ثمة ملاحظة تتعلق بتوصيف العقلانية الباشلارية، هل هي هدم للعقلانيات والفلسفات التقليدية على الجملة، أم أنها إعادة تصحيح وتصويب لها ليس إلا؟  وعليه نكون أمام رؤية جديدة لكتاب فلسفة اللا أو الرفض كما يسميها باشلار، فهل هذه اللا هي رفض وتجاوز لكل الفلسفات والمذاهب والاتجاهات الفلسفية والمدارس الابستيمولوجية والنظريات والتفسيرات العلمية، أم أن فلسفة اللا لا تعدو أن تكون تصحيحاً لها؟ يقول سالم يفوت متسائلاً في كتابه: "العقلانية المعاصرة بين النقد والحقيقة" : "...هل الأمر مع العقلانية المعاصرة يتعلّق بمحاولة هدم ركام الفلسفات التقليدية قصد بناء فلسفة علم جديدة، أم فقط بنقدها قصد تصحيحها؟ هناك إبهام في لغة باشلار لا تُساعدنا على إعطاء جواب واضح، بل تتركنا نميل إلى القول أحياناً أنها تصحيح للفلسفات التقليدية، وأخرى إلى عَدَّها هدماً لها."98

سابعا: انحصار المجال الذي اشتغلت عليه الابستيمولوجيا الباشلارية في دراسة العلوم الطبيعية والرياضية، مقصية العلوم الإنسانية من مجال اهتمامها، إضافة إلى ذلك، هل يمكن عَدّ مشروع العقلانية مشروعاً صالحاً ينطبق على العلوم الإنسانية بمختلف مجالاتها وعناصر بحثها؟ كونها علوماً أكثر تعقيداً وتركيباً من الظواهر الفيزيائية. ما يفرض على فلسفة العِلم المعاصرة الاهتمام بها أكثر من العِلم الطبيعي الذي يشتغل على المادة والطاقة بِعدِّها ظواهر يمكن فهمها وتفسيرها بصورة أيسر من فهم وتفسير الظاهرة الإنسانية والاجتماعية والحضارية ذات الأبعاد المتعددة والمختلفة، والتي تقف خلفها العديد من العوامل والعناصر المكونة لها، والتي تحكم سيرها وسيرورتها وانتظامها. وهذا ما جعل بعض الدارسين لباشلار يَعدُّونه قد وقع في وهم، إنه وهم إيحاء تطابق الفلسفة مع العلوم المعاصرة، فهل هي فلسفة تطابق مع العلوم الإنسانية؟ أم أن علوم العصر بحسب باشلار تنحصر في العلوم الطبيعية والرياضية وهو ما لم يجبنا عنه باشلار؟

ثامنا: إن التجارب العلمية في النسق العلمي المعاصر كانت دائماً مقترنة بفرضيات فلسفية أو مواقف عقدية لا تقتضيها بالضرورة التجارب العلمية. وهذا الاقتران مهم لأنه يعطي امتداداً فكرياً وحضارياً للمجهود البحثي في العلوم الطبيعية.99حيث يذهب دومينيك لوكور Lecourtإلى القول إنّ العقلانية التطبيقية انطلقت في نفيها من مبدإ فلسفي، وهي لا تستند إلى أرضية فلسفية جاهزة، صريحة أو ضمنية، بل إنها تنطلق من هذا الركام الفلسفي المتمثل في التيارات الفلسفية الاحترافية، أو في الأفكار الفلسفية التي يتشبث بها العلماء في فهم ممارستهم، وبهذا فهي فلسفة تتحدد باللا فلسفة.100ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن مشروع باشلار الفلسفي والإبستمولوجي يخرج إلى ضد التطبيق، بل يعني بُعداً نظرياً افتراضياً.

تاسعا: هل يمكن الحديث عن المطابقة الكاملة بين الفلسفة والعِلم؟ هل يمكن الحديث عن قراءة بريئة من الفلسفة للعِلم؟ هل يمكن الحديث عن قراءة بريئة من العِلم للفلسفة؟ إنّ باشلار -كما هو معروف- له تاريخ تكويني علمي أكثر مما هو تاريخ تكوين فلسفي، ما أدى بالبعض إلى القول إن معارفه الفلسفية لم تكن متعمّقة.  ما يجعل مقاربته العلمية للعقل الفلسفي محدودة بحدود التكوين العلمي المتخصص. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، ماذا يقصد باشلار بلفظ المطابقة في هذا المشروع؟ إلى أي حد يمكن أن تكون مطابقة فعلية بين الفلسفة والعِلم في لحظة من لحظات تاريخهما؟

إنّ باشلار في هدمه للفلسفات السابقة كما يعتقد Lecourtكان يستخدم نفس أسلحة الخصم، الشيء الذي أدى به إلى الوقوع في كثير من الأحيان في وهم إمكانية استعمال هذه الأسلحة لا للهدم بل للبناء والتشييد، فكان بناؤه ينجز على مستوى الخيال والحلم الفلسفي ليس إلاّ؟101يتساءل Lecourtعن مشروع باشلار الفلسفي قائلا: أين هي الفلسفة التي تضم جميع الفلسفات الكلاسيكية؟ إن عمل باشلار الإبستمولوجي انتهى بمجرد ما انتهى انتقاده للفلسفات الكلاسيكية. لماذا؟ إذا كان على الفيلسوف في نظره أن يتعلّم من العلوم، وأن يستخلص العبرة الفلسفية من تحوّلات العِلم، فإن الفلسفة لا تفرض قيوداً على العِلم أو تضع مثالاً أو نموذجاً جاهزاً يسير الفيلسوف وفقه، يرتكز باشلار في بناء موقفه على تطور العلوم الفيزيائية المعاصرة ليدافع على العِلم ضد التحريف والتشويه الذي يلحق به جراء الفلسفة لاسيماً الوضعية والمثالية منهما.

كيف يمكن للفلسفة التي من طبيعتها أن تكون نسقاً يحتوي العِلم ويبتلعه أن تكون فلسفة علم عصرها؟ إنه من الطبيعي ألا تخرج فلسفة من هذا النوع الذي ينادي به باشلار إلى الوجود؟ فالتاريخ لم يعرف الفلسفة من هذا النوع الذي يبشر به باشلار، وحتى وإن ظهرت إلى الوجود فإنها ستهدم نفسها بنفسها، إذ إنها لابد وأن تكون فلسفة إجرائية. إنّ باشلار كان يجري وراء شبح يريد أن يمسك به، يريد تحقيق حلم وأسطورة يتعذر تحقّقها على أرض الواقع.102عبّر باشلار في عقلانيته عن الصورة الانعكاسية للعلاقة بين العِلم والفلسفة، عندما كان يعتقد أنّ كل فلسفة ينبغي أن تعكس عِلم عصرها وتطابقه، دون أن يعيش عناء البحث فيما إذا كان تطابقه فعلياً أم لا؟ وهو ما يوحي-برأي البعض- بأنّه لم يقرأ تاريخ الفلسفة من زاوية أنها صراع بين النظري الذي يريد الهيمنة والسيطرة، صراع يستغل فيه العِلم، وتوجّهه وتحتويه الفلسفات المتصارعة لدعم نسقها الفلسفي. الفلسفة التي تحتوي عِلم عصرها، نتساءل عن طبيعة هذا الفهم والاستيعاب هل هو مرآوي ميكانيكي، أم جدلي احتوائي؟

عاشرا: إنّ الخروج من الطرح الإشكالي الانعكاسي كالذي نصادفه لدى باشلار، إلى الطرح الإشكالي الجدلي يقتضي وضع نظرية لتاريخ الفلسفة على أسس علمية تاريخية، وغياب هذه الأخيرة في عقلانية باشلار هو غياب لتصور معين لطبيعة الأيديولوجيا، وهو ما أوقعها كما قال Lecourtفي وهم البحث عن فلسفة مطابقة والسقوط في تصور إشكالي، وانعكاسي لعلاقة الفلسفة بالعِلم.

إحدى عشرة: نتساءل أخيراً هل كان هدف باشلار في هذه العقلانية التطبيقية هو التأسيس لمقولة النقد أم البحث عن الحقيقة التي هي هدف كل فلسفة؟ إننا نعتقد أن باشلار في تأسيسه لمقولة النقد لم يكن ينشد الحقيقة التي هي ضالة كل فيلسوف. بأي شكل يمكن للفلسفة أن تطابق العِلم، وفي أية شروط يتحقق هذا التطابق؟هل نتائج العِلم هي دائما المرجعية التي تستمد منها الفلسفة مفاهيمها كي تنطبق معها؟هل يمكن للعقلانية الباشلارية أن تكون مشروعاً معرفياً صالحاً لدراسة المجتمع؟ بمعنى هل يمكن الحديث عن التطابق بين العقلانية والمجتمع؟ لماذا لم يؤسّس باشلار لعقلانية تجعل من العلوم الإنسانية حقلاً للدراسة والبحث تستقي منه المفاهيم وتجعلها متطابقة مع الواقع البشري؟ وهل يمكن الحديث عن عقلانية تطبيقية في العلوم الإنسانية؟هل يمكن لعقلانية باشلار أن تحقق التطابق بين مقولات العقل،والمجتمع، والعلم، والإيديولوجيا؟

اثنتا عشرة: لم تمتد عقلانية باشلار إلى الحديث عن المقولات الأساس التي تشكّل بنية النسق المعرفي، على أساس أنها منظومة معرفية لا يمكن الفصل بين أجزائها؛ فما هو فلسفي يتداخل مع ما هو إيديولوجي، وما هو علمي يتداخل مع ما هو فلسفي، وما هو إيديولوجي يتداخل مع ما هو علمي وهكذا، وما هو إيديولوجي يقف وراء ما هو علمي ويوجّهه، وما هو علمي يلتصق بما هو اجتماعي ويخدمه، وما هو اجتماعي هو ارتقاء بما هو إنساني ويحفظه. وهو كما نعتقد هدف كل فعل معرفي فلسفياً كان أم علمياً أم إيديولوجيا. إنه يصب في الارتقاء بالإنسان والإنسانية إلى درجات أسمى تحقق إنسانية الإنسان وترتقي به إلى درجة الاستخلاف والأمانة.

خاتمة

 نصل في نهاية هذا المقال إلى أنّ الجدليّة هي السمة الغالبة على العقل العلمي المعاصر، والتي تتضح من خلاله أثر المفاهيم العلمية والأفكار والنظريات والاكتشافات على بنية العقل العلمي ومحتواه، هذه البنية التي تتغير كلما كشف التطور العلمي عن شيء جديد، وهو ما يعني أنّ العقل يجادل ذاته، وهذا التجادل هو سر تطوره ونمائه وبقائه. فلا يمكن تصوّر تطور العقل العلمي من دون هذا التجادل لمختلف المفاهيم والتصورات والقضايا والنتائج.

كما أنّ وظيفة العقل لا يمكن حصرها في الفهم والتفسير والتعليل، بل إنّ وظيفته تتمحور في مسايرة الفكر العلمي والبحث عن أثر المعارف العلمية على بنية الفكر  وإبراز القيم الابستيمولوجية الجديدة، حيث يضع العقل موقفه الفلسفي موضع التساؤل، نتيجة ما تفرضه الثورات العلمية الحديثة عليه.

العقل العلمي المعاصر يكون في حالة ثورية متجددة ومتطورة، وهو ما يجعلنا نكون أمام شكل جديد للعقلانية، إذ لم يعد العقل في الابستيمولوجيا المعاصرة يتماهى والمعنى الأرسطي الذي ينطلق من الثابت والنهائي ومن القبلي المكتمل، والذي يشتغل على الماهيات والجواهر، بل صار العقل يُسائِل نفسه مثلما يُسائِل المفاهيم والأفكار والنتائج انطلاقا من حركية العِلم وتطوره. فلم تَعدْ بنيته مستمدة من المبادئ القبلية أو الفطرية كما تصوره بعض الفلاسفة العقليين، بل كشفت حركية العِلم المعاصر عن صيرورة العقل المستمدة من الواقع أو من التجربة مما يسمه له بأن يكون خارجاً عن العقلانية الخالصة، بل عقلانية العِلم تدخل في نطاق العقلانية المادية أو المطبقة.

  إن الطرح الابستيمولوجي المعاصر يرى أن العقل بالنسبة للفلسفة المعاصرة ليس له حقائق أوليّة بديهية في ذاتها، بل العقل اليوم هو القدرة على إعادة إنجاز شيء ما، أو إعادة بنائه من جديد في شروط وظروف مصطنعة. فالظاهرة تكون مفهومة أو قابلة للفهم عندما نكون قادرين على إعادة إنجازها والتنبّئ بها، وفق شروط وظروف معينة. يكون العقل فيها في موقف جدلي مستمر، يسير العقل من النتائج العلمية إلى الموقف الفلسفي بعدما كان يسير في اتجاه عكسي من الموقف الفلسفي إلى النتائج العلمية. لأن الجدل أصبح شرطاً من شروط تناول المسائل العلمية، ولازماً ضرورياً من لوازم الوصول إلى العقلانية التطبيقية.

جدلية العقل العلمي فرضت على العقل أن يكون موقفه فلسفياً مفتوحاً، بعيداً عن كل انغلاق، حقيقة العلاقة بينه وبين الواقع هي الجدل. تتحدّد هذه العلاقة بالنظر والعمل، والمشخّص والمجرّد، والقبلي والبعدي، والفهم والممارسة، والعقلاني والتجريبي، والانفصال والاتصال، والخطإ والصواب.

طبيعة العقل العلمي الذي يدرسالظواهر طبيعة ثورية متجدّدة متحوّلة ومتحرّكة، أصلها تجدّد النظريات العلمية وتصوراتها، يتدخل الواقع في بنية العقل، كما يتدخل العقل في بناء الواقع العلمي. فالعقلانية ينبغي أن تبلغ إلى الأفكار التي تُصحِّح أفكاراً، وإلى أنّ التجارب تُصحِّح تجارباً، يتعلّم العقل من التجربة والخبرة، ويتكيّف معها، العقلانية المعاصرة في انشدادها للعقل لا تفعل ذلك إيماناً منها أنه شيء اكتمل تكوينه من قبل، أو أنه شيء منجزٌ سلفاً، بل تعدّه في طور النشأة والتكوين، يسهم الواقع العلمي في إثرائه وتكوينه، من خلاله يفصح العقل عن ذاته فالعقل يتقدّم ويتطور.

تتلخص جدلية العقل العلمي في القول إن الواقع لم يعد هو الواقع نفسه كما تُصوره الفيزياء الكلاسيكية؛ الواقع في مفهومه الابستيمولوجي الجديد صار معقداً لا يعترف بالظواهر اليسيرة، العلاقات الفيزيائية فيه هي التي تحدّد هذا الواقع، بصورة تركيبية تأليفية، كالتأليف بين الهندسة والميكانيك والكهرباء، أو التأليف بين الزمان والمكان، إننا أمام ثورة ابستيمولوجية قوية هزتّ أسس الابستيمولوجية الكلاسيكية. الواقع العلمي يكون في موقع جديد، يغيّر فيه العِلم صورته المجرّدة عن الواقع على امتداد تطوراته فيما يمكننا تكوينه عن هذا الواقع.

ينفي العِلم أن يكون للعقل مضمون واحد؛ بمعنى أنه لا يوجد أي معطى عقلي يتحدد كما لو كان مجموعة من المبادئ، بل على العكس تماماً إنه القدرة على العمل في صورة جدلية ببعض القواعد، إنه فاعلية، فالعقلانية هي التي تقتنع بأنّ للفاعلية العقلية قدرة على تركيب أنساق متساوية ومتباينة الظواهر. فالعقل بهذا المعنى قدرة على البناء، من خلال إضفاء الصفة التركيبية والبنائية على الظواهر.

هناك قاعدة أساس تحكم العقل العلمي، يتوجب علينا الحذر دائما من مفهوم لم نتمكن بعد من جعله مفهوماً جدلياً، الفلسفة لا تحكم إلاّ على الصحة الصورية أو الشكلية للنسق العلمي المعتبر كتجريد مناسب، وفي هذه الحالة يكون الاختبار بحد ذاته من الفكر، فهو لحظة من لحظات النظرية، هو لحظة التحقّق، اللحظة التي يمكنها استباق التصويب المحتمل، إنه إنتاج واقع جديد، يفتكره العِلم برمته ولا معنى له بغير العِلم.

تكون العقلانية في حوارية بين العقل والواقع، بين النظر والعمل، حوار من شأنه أن يضفي نوعا من الصلاحية المتبادلة بينهما، ففي الحوار انصهار، وفي الانصهار إجبار على إجراء التصويب المتبادل، لأنّ العقلانية المعاصرة هي عقلانية مطبّقة، يحكمها التطوّر والتحقّق.  إنها العقلانية التي تنقل العقل من الواقعي إلى الصنعي، ومن الطبيعي إلى البشري، ومن التمثّل إلى التجريد.

العقل العلمي لا يعرف السكون أو الجمود في أسسه وأصوله، يرفض أن يتصور العقل وكأنه ملكة شاملة قبلية ومن ثمة ملكة ثابتة، غير داخلة في التاريخ ولا تخضع لمبدإ التطوّر أو التغيّر، في حين تطرح المعرفة كتطور للفكر، ولذلك فإنّ تطور المعرفة هو الذي يجعل العقل يتثقف في كل لحظة وعلى الدوام، عليه أن يواجه كل معطى من المعطيات بوصفه نتيجة. العقل العلمي ذو طبيعة سجالية جدلية تركيبية تجمع بين العقل والواقع، وتعيد النظر في مفهوم العقل فتجعله مكوِّناً ومكوَّناً، وتنقل العقل من واقعية الأشياء إلى واقعية القوانين. يؤدي العقل دور تأطير الواقع وإعادة إنشائه من جديد، في صورة حوار أبدي بين العقل والواقع، الحوار الذي يكتسب فيه الواقع المباشر صفة الموضوعية عندما يمسه الفكر. وعليه فالعلاقة بين العقل والواقع هي علاقة اتصال وجدل.

نخلص إلى أن العقلانية التطبيقية التي تحدث عنها باشلار ينبغي أن تنحو منحى آخر، متخذة من عناصر الإنسان والطبيعة والوحي لبِنات لتشكيل منظومة معرفية لا تَعَارضَ بين عناصرها، إن هناك خطاباً فلسفياً معاصراً يرى في العقلانية جامعة لهذه العناصر مؤسّسة لها، نافية للتعارض الذي يراه البعض حاصلاً بينها؛ فهناك تطابق بين العقل والواقع، وبين العقل والطبيعة، وبين العقل والوحي. وهذه العناصر الثلاثة مجتمعة متطابقة هي التي تشكل ينبوع الحقيقة، ومصدر المعرفة، ومنطلق العِلم في نسق معرفي مفتوح على الإنتاج الفكري والعلمي المعاصرين بما يحفظ للإنسان حاجاته وآماله الروحية والمادية.


 



 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

الهوامش

1.إبراهيم مصطفى إبراهيم:1993م، مفهوم العقل في الفكر الفلسفي، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، ص 14.

2.                        أنظر: إيان هياكينغ:  1996م، الثورات العلمية، ترجمة: السيد نفادي، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية، ص14.

3.رينيه ديكارت: 1951م،التأملات في الفلسفة الأولى، ترجمة: عثمان أمين،  ط1، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة،  ص89وما بعدها.

4.أندريه لالاند: 1979م، العقل والمعايير، ترجمة: نظمي لوقا، الهيئة المصرية العامة للكتاب،  ص5.

5.جون ر.سيرل:2007م، العقل مدخل موجز، ترجمة: ميشيل حنا متياس، عالم المعرفة، عدد 343، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، سبتمبر، ص 90.  راجع أيضا: أندريه لالاند: العقل والمعايير، ص 8.

6.ULMO,1969 :La Pensée scientifique moderne, éd Flammarion, Paris, p228.

7.B, Russell, 1968:The Analysis of Mind,Allen and Unwin Ltd, London, p108.

نقلا عن ابراهيم مصطفى إبراهيم: مفهوم العقل في الفكر الفلسفي، ص 34.

8.أليكس روزنبرج: 2011م، فلسفة العلم مقدمة معاصرة، ترجمة: أحمد عبدالله السماحي وفتح الله الشيخ، مراجعة: نصار عبدالله، الطبعة الأولى، المركز القومي للترجمة، عدد1693، القاهرة،، ص 28، 29.

9.المرجع نفسه، ص 31.

10.                      روبرت. م. أغروس وجورج. ن. ستانسيو: 1989م، العلم في منظرره الجديد، ترجمة: كمال الخلايلي، عالم المعرفة، عدد 134، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ص 25.

11.                       علي حرب: من العقلانية النقدية إلى نقد العقلانية،  مجلة دراسات عربية، العدد7/8، السنة الحادية والثلاثون،  بيروت، ماي/ جوان 1995م، ص 32.

12.                      فرانسوا بريمودي: ريير والفيزياء الكوانطية أو" الهدية العظمى للفيزياء المعاصرة للفلسفة، ترجمة: عدنان نجيب الدين،  مجلة فلسفات معاصرة، العدد الأول، 2008م، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،  الطبعة الأولى، بيروت، ص43.

13.                      المرجع نفسه، ص 54.

14.                      جون ر . سيرل: العقل تاريخ موجز، ص 234.

15.                      غاستون باشلار: الفكر العلمي الجديد، ص 5.

16.                      فيليب فرانك، 2010م: بين الفيزياء والفلسفة، ترجمة: محمد العبد، مراجعة : السيد عطا، ط1، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة،، ص 54.

17.                      عبدالسلام بن عبد العالي، 1993م، الميتافيزيقا، العلم والإيديولوجيا، الطبعة الثانية، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ص34.

18.                      غاستون باشلار: الفكر العلمي الجديد،  ص18- 5

19.                      المصدر نفسه، ص143، 147

20.                     المصدر نفسه، ص3.

21.                      حمادي بن جاء بالله، 1999م: العلم في الفلسفة، سرار للنسر، تونس،  ص37.

22.              يمكننا الاستدلال على صحة هذا الرأي بالرجوع إلى تاريخ الفكر الفلسفي وحتى تاريخ العلم لندرك مدى صلة الفلسفة وبالعلم وكيف يؤثر العلم في نشأة الكثير من الأفكار والتصورات والنظريات الفلسفية. فقد ارتبطت الفلسفة الأفلاطونية  بالرياضيات الفيثاغورية، مثلما ارتبطت الفلسفة الأرسطية بعلوم الحياة التجريبية ذات الأصول الطبية الإبقراطية. والأمر نفسه نجده مع الفلسفة الديكارتية التي قامت على  الثورة الكوبرنيكية وأعمال جاليلي. وهذا كانط بنى فلسفته على  المرجعية العلمية ممثلة في الفيزياء النيوتونية التي كانت بالنسبة له بمثابة طريقة عمل أو بوصلة عملية...الخ الأمر الذي يسمح لنا بالقول بأن الممارسة الفلسفية تاريخيا  ارتبطت  بشكل أو بآخر بالعلوم، حتى أن البعض اعتبر العلم بمثابة الشرط  والفلسفة بمثابة المشروط.

23.                     حمادي بن جاء الله: العلم في الفلسفة، ص 38.

24.                     فرانسوا غيري: علم المعلومية، ضمن كتاب: مداخل الفلسفة المعاصرة، ترجمة: خليل أحمد خليل، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ص 68، 69.

25.                     باتريك هيلي:2008م،  صور المعرفة مقدّمة لفلسفة العلم المعاصرة، ترجمة: نورالدين شيخ عبيد، مراجعة: حيدر حاج اسماعيل، ط1، المنظمة العربية للترجمة، بيروت،  ص179.

26.                                           G, BACHELARD, 1970 : L'activité rationaliste de la Physique Contemporaine,éd, p, u f, p3.

27.                     جون هرمان راندال (الابن) وجوستاس بوخلر:1963م، مدخل إلى الفلسفة، ترجمة: ملحم قربان، دار العلم للملايين بيروت، مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر نيويورك،  ص84، 85.

28.                     مشهد سعدي العلاّف: 1991م، بنية النظرية العلمية، الطبعة الأولى، دار عمار عمّان-دار الجيل بيروت، ص 26، 27.

29.                     باتريك هيلي: صور المعرفة مقدمة لفلسفة العلم المعاصرة، ص 179.

Voir: Sandra LAUGIER et Pierre WAGNER, 2004: PHILOSOPHIE DES SCIENCES  Expériences, théories, et méthodes, Librairie philosophique J, Vrin, Paris, p75.

30.                      مصطفى النشار: 1995م،نظرية العلم الأرسطية دراسة في منطق المعرفة العلمية عند أرسطو، الطبعة الثانية، دار المعارف، القاهرة، ص 27.

31.                      ألبرت أينشتاين وليوبولد إنفلد: 2005م،  تطور علم الطبيعة تحول الآراء من المبادئ الأولية إلى نظرية النسبية والكمات، ترجمة: محمد النادي، عطية عاشور، مراجعة: محمد مرسي أحمد، المجلس الأعلى للثقافة، العدد831،  ص39.

32.                                          G, BACHELARD,1988 : La Philosophie du Non,   Essai D'une Philosophie Du Nouvelle Esprit Scientifique ; 3éd"quadrige" p u f, Paris ; juin ; p9.

33.                      مشهد سعدي العلاف: بنية النظرية العلمية، ص 27، 28.

34.                                           G, BACHELARD ,1990: Le Nouvel Esprit Scientifique, éd Enag, Alger, p177.178.

35.                      اك لوكومت: باشلار-من المعنى المشترك إلى التفكير العلمي، عن كتاب غاستون باشلار: تكوين العقل العلمي، 2009م، فرانسوا دورتيي(تحرير): فلسفات عصرنا تياراتها، أعلامها، وقضاياها، ترجمة: إبراهيم صحراوي، ط1، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت-منشورات الاختلاف الجزائر، ص 303.

36.                      آلان شالمرز: 1991م، نظريات العلم، ترجمة: الحسين سحبان وفؤاد الصفا، ط1، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء،، ص 20.

37.                      ريتشارد فاينمان: عجائب الضوء والمادة، ترجمة: أدهم السمّان، مؤسسة الكويت للتقدّم العلمي، دار التأليف والترجمة والنشر، ط1، 1997م، ص 18.

38.                      بيار بيريي: 2012م، النمذجة والتعقيد، ترجمة: هدى الكافي، ضمن كتاب:"مقالات في النمذجة وفلسفة العلوم"، الجزء الثاني، ترجمة: هدى الكافي، ومحي الدين الكلاعي، محسن العامري، دار سيناترا، المركز الوطني للترجمة تونس، ص 5.

39.                      إدغار موران: نحو نموذج جديد:، ضمن كتاب: فلسفات عصرنا: تحرير: فرانسوا دورتيي، ص 376.

40.                      جون لويس لوموانيه: نظرية النسق العام، نظرية النمذجة، ترجمة: محي الدين الكلاعي، ضمن كتاب: مقالات في النمذجة وفلسفة العلوم، ص 181.

41.                      إدغار موران:2012م، المنهج الأفكار: مقامها، حياتها، عاداتها وتنظيمها، ترجمة: جمال شحيّد،  مراجعة: موريس أبو ناضر، الطبعة الأولى، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ديسمبر، ص 315، 333.

42.                     بيار بيريي: النمذجة والتعقيد، ترجمة: هدى الكافي، ص 6، 7.

43.                      إدغار موران: مرجع سابق، ص 334، 335.

44.                                           Voir : Bruno Jarrosson, 1992: Invitation à la philosophie des sciences, Editions du Seuil, Janvier, p169,

45.                      دادلي شابير: المعنى والتغير العلمي، ضمن: إيان هايكينغ:  الثورات العلمية،  ص 67، 68.

46.                      المرجع نفسه، ص 18، 19.

47.                      فيرنر هايزينبيرغ:2011،الفيزياء  والفلسفة، ترجمة: صلاح حاتم، ط1،دار الحوار للنشر والتوزيع اللاذيقية  سوريا، ص37، 38.

48.                   لويس وولبرت: 2001م. طبيعة العلم غير الطبيعية، ترجمة: سمير حنا صادق، المشروع القومي للترجمة، عدد282، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ص 19.

49.                      إمري لاكاتوش: برامج الأبحاث العلمية، ترجمة: ماهر عبد القادر محمد علي، الطبعة الأولى، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1997م، ص 153، 154.

50.                      المرجع نفسه، ص192.

51.                      غاستون باشلار: مرجع سابق، ص 76.

52.                     المصدر نفسه، ص 77.

53.                      غاستون باشلار: 1985م، فلسفة الرفض، ترجمة: خليل أحمد خليل، ط1، دار الحداثة، بيروت، ص9.

54.                      عبد الفتاح الديدي: الاتجاهات المعاصرة في الفلسفة، ص103،104.

55.                                           BACHELARD,1970:L'engagement Rationaliste, éd, P.U.F, p9.

56.                      جاك لوكومت: باشلار من المعنى المشترك إلى التفكير العلمي عن كتاب غاستون باشلار: تكوين العقل العلمي، ص 308، 309.

57.                      غاستون باشلار: مرجع سابق، ص9.

58.                      عبدالفتاح الديدي: 1985م، الاتجاهات المعاصرة في الفلسفة، الطبعة الثانية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص103.

59.                      بناصر البعزاتي: 2007م،  خصوبة المفاهيم في بناء المعرفة دراسة ابستيمولوجية، الطبعة الأولى، دار الأمان للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط، ص91.

60.                      محمد وقيدي: 1980م،  فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار،الطبعة الأولى، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ص 87.

61.                      غاستون باشلار:  مرجع سابق، ص 2، 3.

62.                                          BACHELARD, 1988 : La Philosophie du Non, 3éd, p, u, f, Vrin, Paris,،p07.

63.                      عبد الفتاح الديدي: الاتجاهات المعاصرة في الفلسفة، ص93.

64.                                           BACHELARD: La Formation de L'esprit Scientifique ,Seizième Tirage, Librairie, p61.

65.                                           BACHELARD,1988 : Le Rationalisme Appliqué, p, u, f, Paris, p08.

66.                                           BACHELARD: La Formation de l'esprit Scientifique, p61.

67.                                           BACHELARD: La Philosophie du Non, p07.

68.                                           Ibid, p121.

69.                      فيرنر هايزنبرغ: الفيزياء والفلسفة، ص167، 172.

70.                                           BACHELARD : la philosophie de non, p 122.                  

71.                                            Ibid,p35.

72.                                          Ibid: p35, 36.

73.                                           BACHELARD : la philosophie du non, p 36.

74.                                           BACHELARD, février 1998: le rationalisme appliqué, 3édition,"quadrige", p u f,  p 10.

75.                                           Ibid. p14.

76.                                           BACHELARD: La Formation de l'esprit Scientifique;p61.

77.                                           BACHELARD: La Philosophie du Non, p6.

78.                      كارل بوبر:2003م،أسطورة الإطار في دفاع عن العلم والعقلانية، تحرير: مارك أ.نوترنو، ترجمة: يمنى طريف الخولي، عالم المعرفة، عدد292، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، أفريل/ماي، ص29.

79.                                           BACHELARD : L'activité Rationaliste de la Physique Contemporaine, p29.

80.                      جون كوتنغهام: 1977م، العقلانية فلسفة متجدّدة، ترجمة: محمود منقذ الهاشمي، مركز الإنماء الحضاري  للدراسات والترجمة والنشر، الطبعة الأولى، حلب سوريا، ص 160.

81.                      لويس وولبرت: طبيعة العلم غير الطبيعية، ترجمة: سمير حنا صادق، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2001م، ص 16.

82.                                          BACHELARD: La Philosophie du Non, p5.

83.                      إدغار موران:  المنهح الأفكار: مقامها، حياتها، عاداتها وتنظيمها، (الجزء الرابع)، ص 337، 338.

84.                      محمد وقيدي: فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار، ص 149.

85.                                           BACHELARD,1972,L'engagement Rationaliste, éd, p.u.f, Paris, p51،53.

86.                                           La Formation de l'esprit scientifiquecontribution à une psychanalyse de la connaissancelaObjective.

87.                                           BACHELARD: L'engagement Rationaliste, p121.

88.                      السيد شعبان حسن: 1997م، النزعة العقلانية في فلسفة العلم المعاصر، منشأة المعرف بالإسكندرية، ص42.

89.                                           SCHRODINGER: Nature and the Greeks, Cambridge University Press, Cambridge, 1954, p93.

90.                      السيد شعبان حسن: النزعة العقلانية في فلسفة العلم المعاصر، ص 38.

91.                                            William Kaufmann,1977: TheCosmic Frontiers of General Relativity; Boston: Little, Brown, p76.

92.                     المرجع نفسه، ص 34.

93.                      غاستون باشلار: 1989م،  تكوين العقل العلمي، مساهمة في التحليل النفساني للمعرفة الموضوعية، ترجمة: خليل أحمد خليل، الطبعة الرابعة،  المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ص13.

94.                      المصدر نفسه، ص 13.

95.                                           Voir.BACHELARD: La Philosophie du Non.

96.                      سالم يفوت: العقلانية المعاصرة بين النقد والحقيقة، ص 91.

97.                      المرجع نفسه، ص 91.

98.                      المرجع نفسه، ص 91، 92.

99.                      أنظر: منتصر محمود مجاهد: 1996م، أسس المنهج القرآني في بحث العلوم الطبيعية،المعهد العالمي للفكر الاسلامي، القاهرة، م.

100.                                       D. Lecourt, 1972: pour une critique de l’épistémologie, France. Maspero, p 25

101.                                        Ibid., p25.

Ibid, p03.

Pour citer ce document

عبد العزيز بوالشعير, «جدلية العقل العلمي في فلسفة العلوم المعاصرة -نموذج غاستون باشلار-»

[En ligne] مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales العدد 20 جوان 2015N°20 Juin 2015
Papier : pp: 114- 140,
Date Publication Sur Papier : 2016-01-15,
Date Pulication Electronique : 2016-01-12,
mis a jour le : 12/01/2016,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=1344.