النيتشوية كسعي دؤوب لقلب الأفلاطونية.
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

28

N°20 Juin 2015

النيتشوية كسعي دؤوب لقلب الأفلاطونية.


pp: 154- 175

عبد الكريم عنيات
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

 

The topic of this article is to shed light on an outstanding philosophical topic known as deconstructing and/subverting Platonian philosophy undertaken first by Fréderic Nietzsche 1840-1900. Then it was followed by a number of philosophical studies that had taken cue of his methods and materials. If the philosophical work in the whole is to lump up the macro into the micro and the many into the center, we shall resume without excluding the Nietzshian project as it continuously strives to deconstruct Platonian philosophy that had shaped historical Western philosophy in terms of religion, ethics, and philosophy. This deconstruction aims at the normalization of the oppressed Heraclusian’s continuity through redemption and reinstallation and therefore putting it ahead of partial truths through a process of adjustment with the main characteristics of contemporary thought.

Keywords: Become, Being, identity, condamnation, naturalisation, the heart of Platonism

Quelques mots à propos de :  عبد الكريم عنيات

أستاذ مساعد قسم أ بقسم الاعلام والاتصال كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية جامعة محمد لمين دباغين سطيف2

مدخل تمهيدي

من أكبر الأسماء الفلسفية التي يقترن بعضها ببعض في تاريخ الفلسفة بالإجمال والفلسفة اليونانية على وجه التخصيص اسما سقراط وأفلاطون. فما إن يذكر الأول حتى يستتبع الثاني بصورة آلية صرفه مثلما يحدث في التذكر العفوي. والسبب يعود إلى التقارب الزمني بينهما من جهة أولى، كما يعود أيضاً إلى التقارب المعرفي والفلسفي الذي ظهر في أستذة الأول وتلمذة الثاني، وهذا ما ولد منافع متبادلة؛ سقراط الأستاذ غرس التعاليم في أرض خصبة منتجة، ونامية لا يَخَاف ضياعها. وأفلاطون التلميذ استقبل هذه التعاليم، وأعطى لها صفة الخلود والحياة في التاريخ الفكري. وإذا كان تلاميذ كثر قد تتلمذوا للأستاذ سقراط أمثال انطسثانيس، إقليدس المغاري، أرستيبوس القورينائي...الخ، فإن واحداً منهم فقط استطاع القبض على كل تعاليم الأستاذ من خلال فهمها؛ وهو أفلاطون، أما البقية فلم يعرفوا إلا أجزاء الفيل الضخم على حد النص المنسوب لأفلاطون ذاته والذي أورده التوحيدي في المقابسات عندما أراد أن يشبه مسألة الحقيقة الواحدة والتعدد في الأفهام.1

وإذا كان حضور سقراط في المؤلفات النيتشويه شبه دائم، وكان في النهاية حضوراً غير مشرف. فإن أفلاطون هو سبب هذه المؤلفات أصلاً، بل هو الدافع الذي حفز نيتشه على تأليف ما ألفه من كتب ككل. كما أن أفلاطون هو الفيلسوف الوحيد من بين القدامى، الذي خصص له نيتشه مُؤَلفاً مستقلاً، ويحمل اسمه كعنوان له، وهو كتاب "مقدمة لقراءة محاورات أفلاطون"introduction à la lecteur des dialogues de Platon. وهذا الكتاب هو مثل كتاب "الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي" la philosophie à lépoque tragique des Grecs عبارة عن مجموعة من الدروس المتتالية التي ألقاها نيتشه في المرحلة "البالية" أي عندما كان مدرساً في جامعة بال السويسرية، دروسٌ ألقاها من سنة 1871 إلى 1874. 2

يقول نقاد فلسفة نيتشه منبهين إلى مركزية العلاقة المفهومية بين نيتشه وأفلاطون إن هذا الأخير ليس حاضراً فقط في مؤلفاته، إنما هو سبب وجود كل الفلسفة النيتشوية، لأننا لا يمكن أن نفهم هذه الفلسفة إلا إذا اعتبرناها عملاً دؤوباً لقلب الأفلاطونية، بل كفاحاً مستميتاً لتفكيك هذه المنظومة القوية جداً بفعل تماسكها المنطقي وسلطتها الزمنية على العقول. إذ الأفلاطونية هي الفلسفة التي رسمت تاريخ الفلسفة الغربية بصورة كاملة، سواء في التفاصيل الصغيرة  الخفية أم القضايا الكبرى الظاهرة.3 فنيتشه كمفكر لا يفهم الفلسفة الغربية إلا وهي امتداد للأفلاطونية، أو كتمظهر دائم ومستمر للأفلاطونية، في أكثر من مستوى، سواء الفلسفي أو الديني أو الفني، لذا يضع نيتشه عنواناً لفلسفته بالبند العريض بغية إبرازها "الحركة  المضادة  للميتافيزيقا، أي  المضادة  للأفلاطونية"، بمعنى واحد ومتطابق لأن الأفلاطونية هي أساس الميتافيزيقا الغربية في جانبها الفلسفي والديني أيضا.4

لكن نيتشه ووعياً بمهمته الكبيرة، لا يتعامل مع أفلاطون بصورة سطحية وسريعة، لأن تراثاً بهذا الحجم والثقل يقتضي التَريُّث والصبر بل التخطيط وتأمل التأمل. فقبل أن يبدأ في قتاله وهجومه الهادفين إلى تحقيق الانتصارات التاريخية،5 على الأفلاطونية يبدأ أولاً في النظر إلى قيمة هذا الفيلسوف في أصوله مقارنةً بأستاذه سقراط. فإذا كان سقراط من أصول غير نقية و"ينتمي بالولادة إلى أكثر الدهماء دونية (...) سمجاً قبيحاً".6 وإذا كانت غرائزه مضطربة توحي بالطابع الإجرامي، وإذا كانت نفسيته مهلوسة بما كان يسميه هو بالجن (جن سقراط)؛ فإن صفات تلميذه أفلاطون على خلاف ذلك تماماً، فهو: "أجمل نبتة بشرية عرفتها العصور القديمة." كما أنه: "الأكثر براءة، فقد كان مجرداً من المكر الخاص بالدهماء (...) وله قوة تفوق قوى كل سابقيه".7 وهنا نلاحظ المعيار الذي اعتمده نيتشه في تصنيفه، إنه معيار الأصل الطبقي المديني الذي يميز الناس من ناحية النبالة والوضاعة، الأرسطون والديموس، الفقر والغنى...الخ. والمُلاحَظ أن هذا التقسيم الثنائي قد رافق فلسفة نيتشه دوماً، وفي كل المواضيع الابستمولوجية والدينية والأكسيولوجية...الخ. ورغم أنه قد رسم مهمته بما هي معاداته للأفلاطونية إلا أنه لم يستطع الانفلات من القسمة الثانية أثناء التعريف أو الفهم بما هي طريقة أفلاطونية بامتياز طبقها في نظرته الأنطولوجية ونهجه التعريفي كذلك، مثل تعريف السوفسطائي أو تعريف رجل الدولة.8 

إن أفلاطون ليس من الطبقة العامية، بل ينتمي بالمولد إلى نبلاء اليونان، سواء من ناحية أبيه أو أمه. وهذه الصفات الخلقية التي تتوفر فيه بفعل المنشأ تتوافق والنزعة النيتشوية؛ التي يمكن أن نسميها بالفردانية الأرسطوقراطية. فهو يميل إلى الاستقلالية والوحدة في حياته، كما أن عاطفته تميل بصورة حادة إلى التفرد والاختلاف. ثم إن نيتشه يعتقد كذلك أن الفيلسوف يجب أن يكون بعيداً عن الساحة العامة، فالقيم الفردية مثل الشجاعة والاعتزاز والأنانية أو الاعتداد بالذات هي القيم التي يُدافِع عنها في كل مؤلفاته، في مقابل تَشنِيعِه لقيم القطيع والدهماء مثل الطاعة والتضحية والنزاهة والرأفة...الخ.9

وبهذا، فلا يسع نيتشه إلا اعتبار أفلاطون هيلينياً نموذجياً أو إغريقياً أصيلاً، سواء من جانب أصوله البيولوجية أو من حيث طبيعة أفكاره العالية وحتى طريقة عرضه لفلسفته المتميزة. فله شأنٌ عالٍ خاصة بالنسبة للفيلولوجيين؛ فهو يمتلك لغةً ثريةً لا يمكن أن تكون موضوع مقارنة مع نصوص يونانية سابقة عليه أو لاحقة له. أما أسلوبه فهو من الجزالةِ، بحيث يجعل القارئ يتحصل على متعة فائقة، كما أن الوصف الأفلاطوني بلغ درجة من الكمال والجمال نادراً جداً في تاريخ الفلسفة والأدب معاً، ولو استقصينا الكتابة بعده، لاستطعنا أن نلاحظ أن الكثير من الفلاسفة قاموا بتأليفات فلسفية بطريقة المحاورة اقتداء به.10 فأفلاطون بالنسبة لنيتشه هو ذلك: "الإغريقي الوحيد الذي تبنى موقفاً نقدياً في نهاية الحقبة الكلاسيكية (...) إنه الناثرُ ذو المواهب الفنية والقدرات الكبرى المتمكن من كل السجالات (...) وهو في التأليف يظهر موهبة درامية عالية." وتتعدى عظمته الجانب المعرفي والأسلوبي إلى الجانب الأخلاقي، فالجميع يعترفون برفعته الأخلاقية،11 من خلال اعتباره إلهيا من طرف أفلوطين والمسلمين على الخصوص.

والسؤال الذي يبرز بصورة حتمية في هذه المرحلة هو: لماذا يختزل نيتشه مهمته الفلسفية في قلب الأفلاطونية، رغم الفضائل التي يمتاز بها أفلاطون، والتي لم ينكرها نيتشه ذاته؟ ما هو المبرر الذي جعل نيتشه يعمل على قلب فلسفة هي في أصلها موضوعة وضعا صحيحا؟ وهل استطاع نيتشه فعلاً تحقيق هذا المشروع الطموح جداً بالنظر إلى عتادة وعتاقة التراث الأفلاطوني من خلال تشكيله التاريخ الميتافزيقي الغربي بأكمله؟

أولا يجب أن نلاحظ مسألة مهمة وهي أن نيتشه على خلاف ما يُقال عنه بأنه مفكرٌ جاحد بسبب تهجمه على كل الفلاسفة دون حدود ودون قيود وحتى دون مبررات موضوعية. فهو في حقيقة الأمر قد اعتاد أن يذكر فضائل الفلاسفة أولا من خلال إظهار إنجازاتهم ومكاسبهم قبل الانتقال إلى التجريح من خلال إظهار الحدود والعيوب، وهذا ما طبقه مع معظم الفلاسفة أمثال أفلاطون وأرسطو وديكارت وكانط وهيجل...الخ. مما يدل على أنه مفكر معتدل الشكوكية وليس مفرطاً فيها بل وأكثر من ذلك يمكن القول بأنه صاحب أحكام موضوعية بالنظر إلى الحقيقة القائلة بأن لكل فيلسوف إنجازات وإخفاقات. وفي شأن أفلاطون يقول نيتشه إنه وعلى الرغم من كل فضائله ومزاياه الكثيرة والمتعددة، فإنه لم يبق على طبيعته وأصله الفاضل المتميز. بل طرأ عليه تحول، بل تغير نحو الأسوأ، ومصدر هذا التحول السلبي هو سقراط طبعاً. وهنا يضم نيتشه صوته إلى "مليتس" ورفاقه في الاتهام، ويؤكد تهمة سقراط مرة ثانية بعدما أثبتها قضاة أثينا. فسقراط مفسد للشباب فعلا، والشاب الذي يهم نيتشه في هذا المقام هو أفلاطون؛ يقول: يمكن لنا أن نتساءل -باعتبارنا أطباء- عمن أعدى أفلاطون بهذا الداء (...) هل هو سقراط القبيح؟ هل كان بإمكان سقراط أن يكون مفسد الشباب حقا ؟ وأن يستحق كأس السم؟".12 يجيب نيتشه عن هذه الأسئلة التشككية في حق سقراط قائلا: "يوجد في أخلاق أفلاطون شيء ما لا يمت بصلة إلى أفلاطون، بحيث يمكن أن نقول عنه إنه يوجد في فلسفته بالرغم منه، هذا الشيء هو: النزعة السقراطية التي تأباها في العمق طبيعته كأريسطقراطي ..."

il y a quelque chose dans la morale de Platon qui nappartient pas véritablement à Platon .13

وبالفعل، فإن مؤرخي الفلسفة يتحدثون عن قطيعة في حياة أفلاطون الفكرية، ففي سنوات شبابه الأولى كان كاتباً مسرحياً، بحيث ألف مأساة رباعية، كما أنه كان يكتب الشعر وهذا يدل على ميولِه الفنية الأصلية. لكنه أحرق كل هذه الكتابات وغيّر المسار، والسبب في ذلك هو إرضاء مُعلِّمِه الشيخ أي سقراط، الذي وقع تحت تأثير سحره وهو شاب دون سن العشرين.14 فأفلاطون الشاعر التراجيدي الشاب واليافع دفع ثمناً غالياً من أجل تتلمذه لسقراط، فقد كان عليه أن يتخلى عن توجهه الأصلي، وهو التأليف التراجيدي بما هو دلالة على النزوع الفني الذي لا يعول كثيراً على العاقلية المفرطة.15 وإذا كان الشائع عن سقراط أنه لا يُعلِّم الشباب بمقابل مادي وأجر معلوم، كما كان عليه الحال مع السفسطائيين، فإنه في حالة أفلاطون قد تلقى أجراً باهظاً، يفوق كل مقابل مادي، وهو تحويل الفني نحو وجهة عقلية مفرطة في عقليتها. وهذا ما عارضه نيتشه طوال مسيرته الفلسفية على اعتبار أن الفني هو الذي يجعلنا نتطبب الحضارة الغربية المريضة بفعل سقراط وأفلاطون والمسيحية بما هي تمظهر للتخمة العقلية المضادة للنزوع الحسي. وبهذا القدح في المسبب الأول لانحراف أفلاطون، يكون نيتشه قد سار في طريق الملهاة الإغريقية التي شنعت سقراط أيما تشنيع، ونقصد طبعا مسرحيات أريسطوفانيس التي صورته في وضعية لا تقل في ازدرائها ازدراء أفلاطون ذاته للسفسطائية.16

وما نلاحظه هنا، أن نيتشه قام بقلب الاعتقاد السائد والفكرة المنتشرة حول علاقة سقراط بأفلاطون رأساً على عقب. فقد شاع أن أفلاطون هو الذي شكل فلسفة سقراط، وقولّه ما لم يقله، وأكثر من ذلك هناك من يقول إن أفلاطون قد شَوَّه أفكار سقراط، وحرّف صورته التاريخية. أما نيتشه فيؤكد أن العكس هو الذي حدث، فأفلاطون في أصله يمثل الفيلسوف الهيليني النموذجي والمثالي في نزوعه الفني، بيد أنه فَسُد بين يدي سقراط. لكن هذا لا يعني أن سقراط هو السبب الوحيد لفساد هذا الهليني النموذجي؛ بل هناك سبب آخر ساهم في ذلك وهو الرحلة التي قام بها إلى مصر،17 أين تم تلويثه بالتعصب اليهودي، ونقلت إليه عدوى التزمت الأخلاقي المتمثلة في فكرة الخير الأسمى أو المثالي كتعويض لمكانة الآلهة الإغريقية. إن تمصر أفلاطون وتسقرطه أديا إلى نتيجةٍ كارثية