النص الشعري في النقد ببلاد الغرب الإسلامي بين القيم الأخلاقية والخيال، حازم القرطاجني أنموذجا
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 20 جوان 2015 N°20 Juin 2015

النص الشعري في النقد ببلاد الغرب الإسلامي بين القيم الأخلاقية والخيال، حازم القرطاجني أنموذجا
pp: 176- 167

سعاد ترشاق
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

قدّم حازم القرطاجني في كتابه:"منهاج البُلَغَاء وسراج الأدباء" بحثاً مميّزاً عن وظيفة الشعر وعلاقته بالأخلاق، وذلك بمنطلقات فلسفية وبلاغية مكّنته من التأكيد على قيمة الشعر الاجتماعية، وعدم تعارضه مع قوانين العقل، ومتطلبات الدين، دون أن يهدم جوهره القائم على الخيال باعتباره الواسطة التي تجمع الفكرة بجمهورها، والمدخل لتفاعله مع موضوع المتخيّل والصورة المشكّلة عن طريقه، ما يفتح أمام المتلقي آفاق التجربة الإبداعية فينشط لها خياله ويستجيب لمقتضاها.

الكلمات المفاتيح:شعر، إبداع، صورة، خيال، متلقي،نقد، بلاد الغرب، حازم القرطاجني

Hazim al-Qartajanni a présenté dans son livre« Minhaj al-Bulgha' wa Siraj al-Udaba » une recherche singulière sur la fonction de la poésie et sa relation à l’éthique, en partant de connotations philosophiques et rhétoriques qui lui ont permis de souligner la valeur sociale de la poésie, et sa conformité avec la raison et la religion, sans pour autant toucher à son essence basée sur l’imagination et l’innovation.

Mots clés :Poésie, Créative, Image, Imagination, Interlocuteur, Critique, Pays occidentaux, HAZEM EL KARTAJNI

In his book “Minhaj El Boulagha Wa Siraj El Udaba”, HAZEM EL KARTAJNI reviewed the role of poetry and its relationship with ethics. Thanks to philosophical and rhetorical connotations, he was able to discover the social value of poetry and its respect to reason and religion and keeping at the same time its essence based on imagination and innovation.

Keywords:  Poetry, Creative, Picture, Imagination, Receiver, Criticism, Western countries, HAZEM EL KARTAJNI.

Quelques mots à propos de :  سعاد ترشاق

أستاذ مساعد أ، قسم اللغة والادب العربي، كلية الآداب واللغات جامعة محمد لمين دباغين سطيف2

 مقدمة

أُثِيرت مقاربة الإمتاع والفائدة -التي سعت إلى البحث في علاقة الشعر بالأخلاق- بشكل لافت منذ القدم، وقد ساعد على إثارتها خلاف النُقاد العميق وانقسام وجهات نظرهم ومواقفهم من هذا الفن، واعتماد كثيرين منهم في التعامل معه بوجهات نظر مختلفة منذ سقراط وأفلاطون وأرسطو1وفي النقد العربي القديم طرحت القضية ببعدين، بعد ديني تعرّض لموقف الإسلام من الشعر، وآخر مرتبط بالصدق الفني، وقد مسّ الشعراء المتصنعين، أو الذين لم تكن معانيهم تصدر عن تجارب حقيقية أو طبع سليم، بقدر ما كانت قائمة -في جانب كبير منها- على التكلّف.

الإشكالية

احتل الشعر في بلاد الغرب الإسلامي مكانة هامة بعد تعرّب المنطقة وتشبّعها بالثقافة المشرقية، كما ظهر بها اتجاه نقدي اتخذ من الفلسفة وسيلة لنقد النصوص ودراستها بعد شيوع مباحثها على أيدي فلاسفة ونقاد كثر كما فعل حازم القرطاجني كتابه (منهاج البلغاء وسراج الأدباء)، فكيف نظر هذا الناقد إلى النص الشعري؟ وما هي آليات ومعايير قراءته وما موقفه منه؟ وكيف أمكنه تحوير نظرية المحاكاة والتخييل الأرسطيين من تحليل الصورة الشعرية والإفلات من أسر قضية الصدق والكذب التي أرّقت النقاد قبله قرونا طويلة؟ هذه الأسئلة وغيرها سيسعى المقال للإجابة عنها مبرزا مفهوم الشعر عند الناقد وأركان العملية الإبداعية، وموقفه من صراع النقاد حول دور الشعر بالنسبة للفرد وللمجتمع.

أولا- مقاربة الإمتاع والفائدة في النقد القديم ببلاد المغرب الإسلامي

عرفت هذه البيئة النقدية -رغم اندفاعها نحو الشعر إعجابا– نداءات عالية تريد منه أن يتكيّف مع متطلبات التربية الخلقية، كذاك الذي صدر عن عبد الكريم النهشلي في كتابه (الممتع في عمل الشعر وصنعته) حين وزّع أغراض الشعر توزيعا أخلاقياً كالآتي:

1.                       شعر هو خير كلّه، وأنواعه: الزهد والمواعظ الحسنة والمُثُل.

2.                        شعر ظرف كلّه، وأنواعه: الأوصاف والنعوت والشبه وما يفتن به من المعاني والآداب.

3.                        شعر شرّ كلّه، ومنه: الهجاء وأعراض الناس.

4.                        شعر يُتَكَسَّبُ به.2

وتكملة لوظيفة الشعر الاجتماعية أسند له قيمة نفسية مضافة، إذ جعله المأوى الذي يسكنه القلب بهدوء وترتاح فيه النفس من كلّ وهم أو حزن.3

كما لم تخل هذه البيئة النقدية من نداءات معارضة للشعر بحجة تنافيه والأخلاق على غرار الناقد والمُفكِّر الأندلسي ابن حزم (ت456ه) الذي وصفه عبّاس ثابت حمّود بالأخلاقي المتطرّف لتحكيمه المعيار الأخلاقي في تقويم الشعر4، حجته موقف الناقد من معاني الغزل والتغرب والهجاء، ونهيه عنها لخطرها على الأخلاق، ولفساد الذوق فيها، وتنافيها مع الشرع.5

كما نلمح موقفاً أخلاقياً شبيها بالذي لمسناه عند ابن حزم في دراسة أندلسية أخرى هي (الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة) لابن بسام الذي أظهر نظرته الأخلاقية للشعر في تعريفه له، وفي موقفه من الهجاء، وعزوفه عن إيراد نماذج منه لأنّها قائمة على الطعن والهدم والإساءة6، موقف دفعه إلى ترتيب الشعراء بعد الكُتّاب لأنهم أقل درجةً إلّا من استوجب تقديمه بسبب حظّه من الرئاسة أو السياسة7، وكأنّ هذا الكتاب يُقرُّ بوجود نوعين من الشعر، شعر أخلاقي، وهو ما وافق الدين واتفق مع أعراف العربيِّ وتقاليده، وآخر غير صالح لعدم جوازه أخلاقياً وخاصةً منه الفلسفي، لتنافيه مع الدين ومع تاريخ الشعر العربي في حدّ ذاته، كقول السميسر الذي أرجع فساده إلى خوضه في مسألة فلسفية اقتداء بالمعرّي اقتداء أعمى مقصّر.8

والواقع أنّ الاهتمام بمعاني الشعر في بلاد المغرب الإسلامي خاصة، وفي مختلف عصور النقد العربي عامة، ليس إلّا تأكيداً على دور الشاعر الذي قرنت مكانته -كما قال ابن سينا (ت428ه)- بمكانة النبي9، لذلك استمر البحث في قيمة إنتاجه، دحضاً للقائلين بتعارضه والدين،ويرجع الفضل في ذلك إلى الفلاسفة الذين قاموا بدراسة الخيال دراسة خلصت إلى أنه "تابع للحس ومستند إليه"10، وينشط في إطار قوانين الصور المختلفة من تشبيه واستعارة ومماثلة ما يجعله بعيداً عن المرور بالمناطق المحرّمة11من ضروب الغلوّ والإغراق والكذب، وإن اقترنت فيه صفة الصدق بالكذب، فلأنّه يحاكي الواقع ليس على حقيقته، ولكن بما يتخيّله الشاعر من غير تناقض، لأنّ الكذب فيه ما هو إلّا حقيقة مقدّمة على غير العادة.

وبفضل فكرة اقتران الخيال بالشعر تجاوز كثير من المغاربة مسألة تعارضه مع الدين بعد أن عرفوا كيفيات تجنّب ما يُوقِع ذلك، مستفيدين ممّا وجدوه أمامهم من تراث نقديّ كبير فيه تأييد جليّ للشعر وتأكيد على قيمته النفسية والاجتماعية، وأبرز مثال نقدي على ذلك، كتاب ابن رشيق (العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده) في الباب الذي استعرض فيه أهميته في المجتمع القبَلي الجاهلي وفي صدر الإسلام.12

ثانيا- مقولة الصدق والكذب في فلسفة القرطاجني النقدية وعلاقتها بالخيال

يُعتَبر حازم القرطاحني من أبرز نقاد المغرب الإسلامي بفضل كتابه (منهاج البلغاء وسراج الأدباء) الذي اجتمعت فيه روافد النقد العربي على تنوع مصادرها، إذ يُعدُّ أكثر النقاد العرب على الإطلاق وليس المغاربة فقط-قدرةً على الاستفادة ممّا وفّرته القرون السابقة لعصره من معارف، وهذه شهادة أجمع عليها أكثر النقاد الذين تناولوا كتابه وخاصة في العصر الحديث، لما أبداه من طريقة مختلفة في التنظير النقدي معتمداً على ذكاء، وعلم غزير محصّل، وقراءة فلسفية أعانته على التعمق في الدرس والتحليل، ما جعل كتابه "خلاصة مكثّفة رصينة لكلّ ما سبق، إذا أضفنا أساليب المناطقة التي تظهر في دقّة تقسيماته وتسلسلها وتفرّعها، وله مصطلحات في التقسيم المنهجي لم يسبقه أحد إليها (الأقسام، المناهج، المعلم، المعرف، الإضافة، التنوير) وفق ترتيب منطقي"13

وفيما يخص قضية علاقة الشعر بالأخلاق وأهميته في بلورتها وتثبيت الحَسَن منها، قدّم الناقد تحليلاً للمسألة أقلّ ما يُوصف به أنّه أكثر وعياً من سابقيه، لأنّه عالجها بتروٍّ شديد، حيث نظر إليها من زاوية المعاني وارتباطها بتجارب الإنسان ومجال مدركاته من عدمها، فالمعاني الشعرية وإن كانت تخييلية، فإنّها تنبثق من مدركات الإنسان الحسية والذهنية، لكن برؤى الشاعر ومقاييس الشعر، الذي يغيّر ويبدّل فيها حتى يحصل على الصور التي تجعل من الكلام قويّاً مؤثّراً، لأنّ الانفعال لا يكون إلّا إذا عَلِم المتلقّي بمادّة التخييل لأهميته في كلّ عملية إبداع وتلقّ، أو على الأقلّ قادراً على إدراكها وتخيّلها، كدليل على سلامة الرسالة الأدبية، وعلى وجود قناة تواصليّة بين القائل والمقول له، يقول حازم: "لمّا كان المقصود بالشعر إنهاض النفوس إلى فعل شيء أو طلبه أو اعتقاده أو التخلّي عن فعله أو طلبه أو اعتقاده بما يخيّل لها فيه من حسن أو قبح وجلالة أو خسّة وجب أن تكون موضوعات صناعة الشعر الأشياء التي  لها انتساب  إلى ما يفعله الإنسان ويطلبه ويعتقده".14

فالخيال -إذن-لا يتعارض مع الواقع رغم أنّه لا يتمثّله في دقائقه، وتحريفه له ليس إلا إخراجاً للقول عن الحقيقة أو انزياحاً بها إلى ما يشبه الكذب، وما دام صفة جوهرية في الشعر، فإنّ مسألة الكذب فيه لم تكن من اهتمامات القرطاجني، لذلك لم يبذل جهده في الدفاع عنه، بل ركّز على ضرورة أن يكون الوصف بالأشياء التي تدرك بالحسّ أو التي يتصوّر إدراكها، ما جعله يعيب الاختلاق عند اليونان.15

وارتباط الشعر بالخيال عند هذا الناقد سهّل عليه مسألة توظيف كلمة (كذب) كمرادف لكلمة (الخيال)، بل قسّم الأقاويل الشعرية حسبه (أي حسب الكذب) إلى أصناف: صنف هو صدق محض، وآخر كذب محض، وثالث اجتمع فيه الصدق والكذب16، وبعد أن تمكّن من التأسيس لعلاقة الشعر بالكذب والإقناع بشرعيّتها قسّم المعاني وفق درجات الكذب أو الخيال فيها أنواعاً وهي: المستحيل والممتنع والممكن، محذّراً من الوصف بالمستحيل لأنّه دليل جهل لبعده عن الحقيقة.17

وكي يؤكد على أهمية حضور صور الأوصاف في أذهان المتلقين، قال مفرّقاً بين الممتنع والمستحيل: "الفرق بين الممتنع والمستحيل هو أن المستحيل لا يمكن وجوده ولا تصوره في الوهم مثل كون الشيء أسود أبيض وطالعاً نازلاً في حال واحدة. والممتنع هو ما يمكن تصوره في الوهم وإن لم يمكن وجوده مثل أن يتصور تركيب بعض أعضاء نوع من الحيوان على جسد نوع آخر".18

 فحصول التواصل بين الشاعر وسامعه أو قارئه مستحيل إذا خرجت الأوصاف عن دائرة الإدراك والتصوّر، والإيغال في المبالغة التي تؤدي إلى الاستحالة وهي من أشدِّ عيوب الشعر لأنّها تسيء إلى المعاني.

وتكملة لتلك القسمة، أقرّ القرطاجني بوجود نوعين من الكذب هما: اختلاق وإفراط، ثمّ جعل الأول صنفين هما: اختلاق إمكاني لا يُعاب لعدم قيام الدليل على كذبه، ومثله واقع في أغراض العرب، كأن يقف أحدهم على الطلل ويتغزل ويذكر تعلّقه دون أن يقع له ذلك على الحقيقة، واختلاق امتناعي وهو معيب.19

 وأمّا الإفراط فأرجعه إلى ما يمكن تصوّر وقوعه رغم استحالته، وهو ما عَدَّه القدامى غلوّاً وانحرافاً وقد اتفق العلماء والبلاغيون على قبح معانيه لبيان الكذب فيها.20

وكلٌّ من الاختلاق والإفراط كذب، لكن يمتاز الكذب في النوع الأول بجوازه فنياً، لقبول النفس له، أمّا الإفراط -وإن كان يجمع بين الصدق والكذب، وبالتالي جواز حدوثه-، فإنّه معاب لتجاوزه الحدّ.

يبدو أن مَنطقة القرطاجني لقضية الصدق والكذب في الشعر هو دفاع عنه بإعلان جواز الكذب فيه بقياس درجاته بمقياس الصدق بدليل قوله: "وإنما احتجت إلى إثبات وقوع الأقاويل الصادقة في الشعر لأرفع الشبهة الداخلة في ذلك على قوم، حيث ظنوا أن الأقاويل الشعرية لا تكون إلّا كاذبة. وهذا قول فاسد قد ردّه أبو علي ابن سينا في غير موضع من كتبه، لأنّ الاعتبار في الشعر إنّما هو التخييل في أي مادة اتفق، لا يشترط في ذلك صدق ولا كذب، بل أيهما ائتلفت الأقاويل المخيلة منه فبالعرض، لأنّ صنعة الشاعر هي جودة التأليف وحسن المحاكاة، وموضوعها الألفاظ وما تدلّ عليه".21

ويأخذ الكذب في الشعر عند حازم صفة الجواز من باب الحيل لأنّها "عمدة في إنهاض النفوس لفعل الشيء أو تركه"22، مهمتها التمويه والإيهام23، والتمويه الذي يتحدث عنه القرطاجني هو "فنّ اللعب بمهارة"24، الذي أخذ على عاتقه مسؤولية أن يُعلِّم الشعراء كيفية إتقانه.25

وعليه، فمقولة حازم بجواز الكذب في الشعر لا تنفصل عن تصوّره العام لمفهومه وجوهره، كونه ينبثق عن مخيّلة الشاعر ويتوجه إلى مخيلة المتلقي، لكنّه شديد الاشتراط على ضرورة أن ينطلق من الواقع إبقاء لدور العقل في الإبداع، وليس هذا ممّا يُقيِّد الشعر أو يضعفه بقدر ما يقوّيه ويعضده للقيام بوظيفته الإصلاحية والتأثيرية، لأنّ ما خاطب العقل بالقلب أبقى أثراً وأبعد تأثيراً، وهو الجانب الأكثر أهمّيّة في الشعر، أي كيفيّة التّحايل في إيصال المعنى بغضّ النظر عن صدقه (صدق المعنى) أو كذبه، وهذا تحرير للشعر من أسر النظرة الدينية الضيّقة، لأنّ الحديث سيصبح عن طرق وقوع التخييل ودرجات تزييفه للواقع جمالياً، وليس نقضاً للصدق لأنّ "مادّة التخييل يمكن أن تكون صادقة أو كاذبة، وللشاعر أن يختار ما يراه أكثر إفادة للغرض الشعري ومناسبة له، وأشدّ تهييجاً للخيالات وإثارة للانفعالات".26

ثالثا- قوانين الخيال الشعري في كتاب المنهاج

بما أنّ الحديث عن مهمّة الشعر لا يكون إلّا بعدد من الإجراءات العملية، والشاعر لا يُبْدِع إلّا إذا كانت له قدرة فائقة على صياغة المعاني بالاختيار والانتقاء وحسن الوضع، فقد ضبط القرطاجني مجموعة القوانين التي تكفل ذلك في قوله: "الأقاويل الشعرية يحسن موقعها من النفوس من حيث تختار مواد اللفظ وتنتقي أفضلها وتركّب التركيب المتلائم المتشاكل وتستقصي بأجزاء العبارات التي هي الألفاظ الدالة على أجزاء المعاني المحتاج إليها حتى تكون حسنة إعراب الجملة والتفاصيل عن جملة المعنى وتفاصيله"27، فأسلوب الشعر يتطلّب تنقيح الأداة وتجويدها على أساس من الاختيار، ليسقط ما من شأنه أن يعرقل ذلك، وهذا التعديل الأسلوبي ليس الطريق الوحيد للوصول إلى المتلقي كهدف، وإنّما يكون أيضاً بالحرص على انتقاء المعاني، وتكييفها مع الصالح العام، فلا تكون نابية أو بعيدة عنه زمانياً أو مكانياً، لذلك لخّص حازم القرطاجني جوهر المعاني الشعرية فجعلها لا تتعدى ثلاث درجات وهي: الممكن أو الممتنع أو المستحيل لتفادي عدم حصول التجاوب بين النص والمتلقي، وهذا حرصٌ على أن يكون هناك تكافؤ بين المبدع والنص والمتلقي على الأصعدة الاجتماعية والثقافية واللغوية والشعورية أيضاً، وبأن يتواجد الطرفان القائل والمقول له على خطّ مستقيم واحد حتّى يسهل مرور الرسالة الأدبية دون عرقلة أو قطع.

وقد قدّم هذا الناقد سبل نجاح ذلك، وكيفية تحريك المتلقي نحو الانفعال المرجو، الذي يتمّ بالتركيز على كيفية اجتلاب المعاني وإبداع المحاكاة، وإخراج الصور على غير ما هي عليه في الواقع، وجعل المتلقي عنصراً حاضراً، في قوله: "وليستأالمحاكاة في كلّ موضع تبلغ الغاية القصوى من هزّ النفوس وتحريكها، بل تؤثّر فيها بحسب ما تكون عليه درجة الإبداع فيها، وبحسب ما تكون عليه الهيئة النطقية المقترنة بها، وبقدر ما تجد النفوس مستعدّة لقبول المحاكاة والتأثّر بها".28

إنّ اشتراك المُتَلَقِي في العملية الإبداعية إخطار بأنّ "الشعرية أو الحدث الجمالي هو نشاط مشترك، أو فلنقل هو حدث يقع بين قطبين الأول القائل والثاني المقول له، وهي عملية متحركة متوازية، ولذلك فقوى الإبداع تحتاج إلى قوى مقابلة واستعداد مماثل، حيث الاستعداد لدى المقول له أمر مهم ولازم يتحرّك للأقوال المخيلة".29

وهذا الاستعداد -كما رآه القرطاجني- نوعان: نوع أوّل بأن تصادف المعاني هوى لدى متلقيه فيتهيّأ للتحرك لمقتضاها، ونوع ثان متعلّق بموقف المتلقي من الشعر بعامّة، بأن يكون معتقداً به وبمكانته وبعظيم أثره كاعتقاد العرب به قديماً لفرط الغايات التي يؤدّيها لهم، وهي الوعظ والحضّ على المصالح، والتي جعلتهم يتخذونه كاتخاذهم الإبل لارتياد الخصب والحبل للعز والمنعة.30

ويعني هذا الاعتقاد والاهتمام أنّ تقويم الشعر خضع منذ الجاهلية للمعيار الأخلاقي، فالجاهلي كان يضمّن قصيدته ما توافقت عليه الجماعة التي يعيش في كنفها من أخلاق كالكرم والشجاعة والإغارة وغيرها، وكلّ شاعر احتفل بتلك القيم عُدَّ مجيداً وفرحت القبيلة به نابغة.31

والشعر إضافة إلى جملة المآرب التي يحققها، فهو نوعٌ من العلوم، يهدف إلى كمال الحياة، ويهدي إلى الفضيلة والسعادة من خلال وسيط نوعي يقدم مخططه الأخلاقي تقديماً فنياً مؤثراً ينطوي على قيمة مضافة هي القيمة الجمالية التي "تقترن بلذة التعرف المجدد، والمتعة الكامنة في تكامل الشكل، وتناسب العناصر المكونة له. ومن هنا تبدأ أهمية الشعر لو قورنت بأهمية الأخلاق"32، ولذلك فلابدّ أن يكون صاحبه على خلق علميّ يساعده على تقديم المعرفة التي يرغب في توصيلها.

وعليه فإنّ الحديث عن أخلاق الشاعر ضروري ما دام سيحمل المجتمع على التأثر به وأخذ أقواله مأخذ الجدّ، من هذا المبدأ قام ابن رشيق (ت456ه) بوضع باب تحدّث فيه عن آداب الناص وما يجب أن يكون عليه حتى يبلغ مرتبة ضمن طبقات المجتمع، ويعتقد في عمله.33

وبالنسبة للقرطاجني، فإنّ الحديث عن شعرٍ مفيد قائم على أُسُس بلاغية مقترن بصدوره عن وعي وعن عِلمٍ خاص وهو (علم اللسان الكلي) الذي يتولى إصدار الشعر القادر على خدمة المجتمع ونقده أيضاً، وإخراجه من حالة الفوضى التي شاعت فيه34، وكأن الناقد يتحدث عن مسؤولية أخرى للشعر زيادة على مسؤوليته أمام الجماعة، وهي إعادة الذوق العربي إلى سابق عهده، وتخليصه ممّا علق به من نقائص بعد تحوّله إلى فئة من القرّاء لا تمتلك مفاتيحه الفعلية، وهذا يتحقق بنوع خاص من المبدعين ممّن لا يكتفون إلّا بموهبة الطبع القوية، وهي -كما عرفها القرطاجني- "استكمالاً للنفس في فهم أسرار الكلام والبصيرة بالمذاهب والأغراض التي من شأن الكلام الشعري أن ينحى به نحوها"35، وبعدد من القوى هي:

1.                       القوّة على التشبيه.

2.                       القوّة على تصور كليات الشعر ومقاصده ومعانيه وما يحتاجه من قوافٍ وأوزان.

3.                        القوّة على تصوّر شكل القصيدة من حيث المعاني والأبيات والفصول.

4.                       القوّة على تخيّل المعاني.

5.                       القوّة على ملاحظة وجوه التناسب بين المعنى والإيقاع.

6.                        القوة على وضع اللفظ بما تقتضيه الدلالة.

7.                       القوّة على جعل العبارات متّزنة.

8.                        القوّة على الالتفات والتنقل من معنى إلى آخر.

9.                       القوّة على وصل الأبيات والفصول.

10.                    القوّة على تمييز الحسن من الكلام عن غيره. 36

وكلّ قوّة من هذه القوى تدلّ على ذكاء، فلو شئنا تغيير لفظة (قوة) بلفظة (ذكاء) لصحّ القول إن هذا الناقد شديد التأكيد على أن يكون الشاعرُ قويّاً في موضعي التشبيه والتتخييل وما تحتاجه قصيدته من ضوابط شكلية، وما يناسب معناه من إيقاع ودلالة لربط أفكار أبياته، ومتى حصلت له هذه القوى العشر المختصرة في قوة (الذكاء) كان أهلا لتأدية ما نيط به من وظائف اجتماعية ونفسية، وفق قوانين الشعرية التي تحدّ من سطوة العقل وتضعه موضعاً غير بعيد عن الخيال، وهذه سمة (الطبع الذكي) و(الطبع الفطن) الذي يميّز بين المدركات، ويملك القدرة على تنظيم العلاقات بين الأشياء وصياغتها بما يليق بها من التعابير جلباً للمتعة والإفادة.

فالشعر، وإن كان وليد انفعالات خاصة وتأثيرات تصيب المبدع فلا يقدر على مقاومتها، فإنه يعني -كذلك-التفكير والتروي والتزود بمختلف العلوم، وقد شعر المبدعون بقوة ذاك العامل وأهميته، وفي ذلك نقل ابن رشيق والحصري على لسان بشار بن برد حين سُئِل عن عِلّة تفوّقه على أقرانه،"لأنني لم أقبل كلّ ما تورده عليّ قريحتي ويناجيني به طبعي ويبعثه فكري، ونظرت إلى مغارس الفطن، ومعادن الحقائق، ولطائف التشبيهات، فسرت إليها بفكرٍ جيّد وغريزة قوية، فأحكمت سبرها وانتقيت حرّها، وكشفت عن حقائقها واحترزت عن متكلفها..."37

إنّ النص الجيد الذي يحمل معاني الابتداع والاختراع يعني التفكير والاختيار والانتقاء، وهذه من خواص العقل والفكر، وخطوات النظم، وهي كما أقرّها حازم القرطاجني عشر مراحل، حيث يضع الناص وفقها معانيه بعد أن يتصوّر كلّيات عمله الفنّي من حيث الموضوع والأسلوب وترتيب المعاني38،  وما دام الشاعر ينظم ليخلّف -على من يستقبل نصه- أثراً معيّناً، فإنّه بالضرورة يعتمد -تحقيقا لهدفه- على إستراتيجية معينة لضمان وصول الرسالة وبلوغ الغاية، وفي أحاديث الشعراء أنفسهم ما يدلّ على أنّ عمل الشعر بحاجة إلى إعمال للفكر وليس مجرد الانصياع وراء القريحة، وهذا سرّ تفوق بشار بن برد على أقرانه كما ذكر، فقد كان لا يقبل الاعتماد على القريحة والخاطر وحدهما.39

فالتفكير في الكيفية التي تترجم المعاني أساسي، وهذا يدلّ على عدم تجرّد الخيال الشعري من قوانين العقل والفكر ما دام ينقاد خلف عمليتي الاختيار والانتقاء، ولعلّ هذا ما أغرى حازم القرطاجني إلى أن يجعل الشعر عملية مخطط لها وتتم عبر مراحل معينة هي:

1.                       المرحلة الأولى: يتخيل فيها الشاعر مقاصد غرضه الكلية التي يريدها موضوعا لنصه.

2.                       المرحلة الثانية: يتخيل فيها الأسلوب الأمثل لتلك المقاصد.

3.                       المرحلة الثالثة: يتخيّل فيها ما يليق بمقاصده وأسلوبه من العبارات اللائقة.

4.                       المرحلة الرابعة: يقوم فيها بترتيب تلك المعاني وجعلها في مواضعها المناسبة ويتخيل لها مواضع التخلص والاستطراد.

5.                       المرحلة الخامسة: وفيها يتخيّل المعاني الجزئية التي تتفرّع عن غرضه الكليّ، ثمّ جعل هذه المراحل متبوعة بأخرى يتخيّل فيها الشاعر الوزن المناسب وما يكمّل معانيه من عبارات.40

وهذا التصور المنطقي لمراحل الإبداع موزّع في مواضع عدّة من منهاج حازم41، وهو محطّ انتقادات كثيرة، فقد لاحظ عبد القادر هني تناقضاً واضحاً بين ما يدعو إليه القرطاجني من ضرورة خضوع العمل الفني إلى حركات النفس وانفعالاتها، وبين ما ذهب إليه من أنّ المبدع يفكّر في موضوعه عبر مراحل منفصلة زمنياً بينها، لأنّ هذا التصور يسيء إلى درجة الانفعال المطلوبة في الإبداع، فبموجبه تصبح العملية الإبداعية "صورة لفكر المبدع لا صورة لتجربة نضجت في أغوار النفس واختمرت بها زمناً طويلاً وهنا تضعف علاقة العمل الأدبي بالنفس وتقلّ أهمية حوافز الإبداع ومحركات الانفعال التي تحدّث عنها حازم نفسه".42

ولعلّ القرطاجني تحمس لفكرة الوقوف المطوّل أمام أجزاء القصيدة بحثاً عن الجودة التي افتقدها زمنه، وحينئذ لا حرج من أن يدعو الشاعر إلى أن يكون في حالة وعي دائم، قال عبد القادر الرباعي أن الشعر: "يؤلفعادة في غفلة من إرادة صاحبه ووعيه، وإذا أرادت تلك الإرادة وذلك الوعي أن يتدخلا فدورهما يأتي في عملية التنقيح، والشاعر هنا يتحول إلى حكم بين الذات والكلمة، إنه يظلّ يحور ويبدل حتى تطمئن نفسه إلى أنها أوجدت ذاتها في كل كلمة في القصيدة، عند ذلك يتولد لديه الرضا عن العمل فيهنأ وتهدأ نفسه ودواخله".43

وحديث القرطاجني عن مراحل الإبداع ساقه إلى اعتبار ما ينتج عن البديهة من شعر لا يكون جيّداً كالذي تروّى فيه صاحبه، لأنّه يسير على منهج سليم يؤدي به إلى الإبداع الجيّد، وهذا المنهج ملخّص في محطات زمنية يتوقّف عندها المبدع وهي: قبل الشروع في النظم، وفي حال الشروع، وعند الفراغ حتّى يبحث عمّا هو راجع إلى النظم، وعمّا يكمّل به معانيه ويستوفي به أركان أغراضه ومقاصده44، ولكلّ فصل وموطن قوة تساعد عليه، فأمّا الأوّل فتعين عليه قوة التخيّل، والثاني القوة الناظمة معتمدة على ما يحفظه المبدع من لغةٍ مع حسن التصرف فيها، والثالث القوة الملاحظة مع البصيرة بطرق اعتبار الألفاظ والمعاني، والرابع القوة المستقصية الملتفتة يعينها حفظ المعاني والتواريخ وضروب المعارف45، ولا يتوقف عمل المبدع هنا، بل يعرض ما نظم على نفسه ليلاحظ ما يمكن إضافته أو إنقاصه أو تعديله في نصه.46

وكأنّ حازم القرطاجني -في هذه النقطة- واقع تحت تأثير ثنائية اللفظ والمعنى لأنّه نظر إلى القصيدة على أنّها مجموعة من الأجزاء المنفصلة، بعضها مرتبط بالمضمون والآخر بالشكل، وهو ما أدّى به إلى أن يتصوّر الشاعر يفكّر في كيفية وضع معناه، ثم سبل تجسيده باللفظ والعبارة والأسلوب والوزن اللائق به، مع الأخذ بعين الاعتبار الأوضاع الثقافية المتدنية في عصره، ما جعله يؤكّد على ضرورة التفكير قبل كلّ إنتاجٍ أدبيّ، ويدعو أصحابه إلى أن يُخْضِعوا نصوصهم إلى مخطّط عقليّ رغم إدراكه أنّ العلاقة القويّة بين المبدع والمناسبة والقارئ لا تمهل الشاعر الوقت حتّى يفكّر في موضوعه تفكيراً مجزّءاً، حيث قال -بعد أن ذكر المخطط الذي يتم صنع النص في كنفه-: "وقد يحصل للشاعر بالطبع البارع وكثرة المزاولة ملكة يكون بها انتقال خاطره في هذه الخيالات أسرع شيء حتى يحسب من سرعة الخاطر أنّه لم يشغل فكره بملاحظة هذه الخيالات وإن كانت لا تتحصّل له إلا بملاحظتها ولو مخالسة".47

فهذه المراحل في نهاية الأمر تعمل مترادفة مع الطبع الذي يتولّى مهمّة حمايتها من صفة التكلف، وكلّما التزم الشاعر بها ومارسها بخفية شديدة دلّ على طبع ومقدرة، وبالمقابل كلّما قفز إلى نصه من غير رويّة أو دراسة مسبقة لموضوعه ومتطلباته كان ضعيفاً مفتعلاً وكأنّه يلصق قطعاً متباعدة بعضها إلى بعض، لأنّ: "صناعة مؤلف الكلام كصناعة الناسج تارة ينسج برداً من يومه وتارة حلّة من عامة، ولكلّ قيمته، وإنّما يظن أن ليس بين أنماط الكلام هذا التفاوت من جهل لطائف الكلام وخفيت عليه أسرار النظم".48

وتصوّر هذا الناقد أنّ الإبداع يتمّ عبر مراحل موجودة عند نقاد غيره، فلابن رشد (ت595ه) حديث عن خضوع الإبداع لعملية تخطيط مرحليّ مقصود في صناعة المديح جاء فيه: "فأوّل أجزاء صناعة المديح الشعري في العمل، هو أن تحصي المعاني الشريفة التي بها يكون التخييل، ثم تكسى تلك المعاني اللحن والوزن الملائمين للشيء المقول فيه"49.

لكنّ ابن رشد فيما زعمه من ربط مقصود من المبدع بين الوزن والمعنى مبرر، إذ اللحن حسبه يعمل على إعداد النفوس لقبول المعنى المخيّل "فكأنّ اللحن هو الذي يفيد النفس الاستعداد الذي به تقبل التشبيه والمحاكاة للشيء المقصود تشبيهه"50.

وفي النقد الحديث نقّاد ذهبوا إلى أنّ ولادة النص تمرّ عبر مراحل، منهم هلمولتزالذيجعل الإبداع يمرّ بثلاث مراحل هي:

1.                       مرحلة التحضير: وهي المرحلة التي يتدبّر فيها المبدع أوجه المسألة.

2.                       مرحلة التخمر أو الحضانة: ويتمّ فيها التفكير في المسألة لا شعورياً.

3.                       مرحلة الإشراف: وهي التي تتجلّى فيها الفكرة نسبياً.

4.                       كما أضاف أجراهام والاس إليها مرحلة رابعة أسماها بمرحلة التحقيق والتعديل.

ومنهم كاترين باتريك التي تحدثت عن أربع مراحل يُولَد في كنفها النص وهي:

1.                       مرحلة الاستعداد والتأهب.

2.                       مرحلةالإفراخ وفيها تبرز الفكرة العامة.

3.                       مرحلة تبلور الفكرة.

4.                       مرحلة نسج وتفصيل الفكرة.51

لكنّ الفارق بين النقد الحديث وبين ما ذهب إليه القرطاجني يكمن في أنّه لم يُؤمن بأنّ التجربة الشعرية تتمّ أوّلًا بالتحضر، ثم فتح المجال للفكر حتى يختمر الشعور فيه ويمتزج به إلى أن يتمّ تجسيده في النص، فالنقد الحديث يؤمن بأنّ هذه المراحل صالحةً لولادة واحدة للنص مجملاً، وليس كما يفهمه حازم أنّ كلّ جزء منه يولد منفصلاً أو في مرحلة تاليةٍ لما سبقها، بحيث تأتي الرغبة في النظم، ثم تصيّد الموضوع أو المقصد، ثم صبغه بالعبارات والجمل المؤدية إلى أسلوب معيّن، ثم التفكير في الوزن المناسب لذلك، فالعمل الأدبي عمل موحّد لا سبيل فيه إلى الشعور بالانقسام بين أجزائه لصدوره عن حالة شعورية واحدة يترتّب عنها اتساق أجزائه وانسجامها انسجاماً تامّاً، والقصيدة تبدأ في ذهن المبدع كلّية، ثم تخرج كلّما توغل في جزئيّاتها من خلال جهوده التعبيرية، وكذلك إدراكها يبدأ شاملاً ثم جزئياً ثم كلياً إجمالياً وأكثر وضوحاً وثراءً.52

رابعا- المحاكاة ومهمة الشعر عند القرطاجني

المحاكاة عند القرطاجني -في مفهومها الوظيفي- لا تخرج عن غاية الشعر النفسية الإصلاحية، لذلك كان الهدف منها هو هدف الشعر نفسه: التأثير في النفس بالقبض أو البسط وبعث الارتياح والإقبال على الشيء، أو التنفير منه بالتحسين أو التقبيح، ومن ثمة إنهاض النفوس إلى فعل الشيء وطلبه، أو دفعها إلى تركه والتخلي عنه، وهذا يُبرّر اهتمامه بطرق حدوث ذلك، أي الانفعال، وهي ثمانية، أربعة منها كلّيّة تتضمّن الخطوط الكبرى والمبادئ الأوّلية، وكذا الأساس الذي ينطلق منه العمل الشعري، وملخّصها –كما وردت في المنهاج-:  يتخيل فيها الشاعر الغرض من قوله، أي المعنى الكلّي الذي يرغب فيه، ثم يختار له الطريقة والأسلوب المناسبين اللذين يحوّلان الفكرة العامّة إلى مجموعة من الأفكار والمعاني الجزئية، والتي تتشكّل بدورها بعددٍ من العبارات المختارة على أساس التوازن والتماثل بين المقاطع والرؤى مع حسن اختيار المطلع والمبدأ المناسب للكلام وموضعي التخلص والاستطراد، ضماناً لوقوع التواصل بين صاحب الرسالة الأدبية والمَعنِيّ بها، وبعد أن تستوي له هذه الأمور العامة التي اسماها القرطاجني (التخاييل الكلية)، ينتقل إلى مرحلة أخرى يقوم فيها بتفريع المعنى الكلي إلى معاني جزئية واستجلاب ما يساعد على تأديته وما يقترن به ويناسبه ويكمّل معناه من وزن وعبارة.53

واختيار الشاعر لموادِّه على أساس الائتلاف وملاءمة الذوق سبب في حسن المحاكاة، وهدف في الوقت ذاته، فإذا كان المبدع يُقدِّم رسالة نَصّيّة بفضل قدرة مخيّلته وقوّتها، فإنّ هذا الهدف لن يتحقق إلّا إذا حسن وقع المحاكاة في نفس المُتَلَقِي وتلذّذ بها، والطرق المؤدّية لذلك هي كلّ ما يشكّل النص الأدبي ويخلقه من لفظ وأصوات وعبارات ومعان، لأنّ صور "الأقاويل الشعرية يحسن موقعها من النفوس من حيث تختار مواد اللفظ وتنتقي أفضلها وتركّب التركيب المتلائم المتشاكل وتستقصى بأجزاء العبارات التي هي الألفاظ الدالة على أجزاء المعاني المحتاج إليها حتى تكون حسنة إعراب الجملة والتفاصيل عن جملة المعنى وتفاصيله ...".54

وحتى يحقق الشعر مهمّته الجمالية النفعية، عليه أن يحرص على تلاؤم الألفاظ مع مواقعها ومخارج حروفها، وتناسب الأفكار والمعاني، بذلك تصبح الحركة التخييلية حركة منظَّمة معقولة.55

إذن تحولت المحاكاة عند حازم القرطاجني إلى معيار للحكم على جمال الشعر وقدرته التي لابد أن تكون لها مظاهر على النفس تعجباً أو استغراباً، الأوّل منهما "مرتبط بالمفارقة التي يستشعرها المتلقي وهو يلمح الأشياء تبدو في إطار جديد غير الإطار الذي عهده، إلى درجة تجعله كأنه يواجه ما لم يكن يعرفه من قبل"56والثاني مرتبط "بلون من المفاجأة السارة لا تفارق الاستغراب وتتصل بما يستشعره المتلقي من تحوير يسير، أو غير يسير، في الأشياء الموجودة في الأعيان."57

 ويعود الانتصار الذي حققه القرطاجني في كتابه (المنهاج) بصفة عامة، إلى حسن استغلاله لبحوث سابقيه فيما يخص المُحاكاة والتخييل، ما جعله بمنأى عن صراع الشكل والمضمون أو اللفظ والمعنى وغيرها ممّا أرّقَ النقاد القدامى، حيث مكّنه هذا المبحث من النظر إلى الصورة الشعرية على أنها "كشف نفسي تظهر فيه الأشياء بمقدار ما يختزن في الذاكرة الإبداعية من ملاحظات أو ذكريات عنها ومستمدة من المدركات الحسية، والمشاعر النفسية الملاصقة لكلّ شعور أو إحساس".58

كما جعله بعيداً عن صراع الصدق والكذب الذي  قام بمعالجته في إطار علاقة الشعر بالواقع وعلاقته بغيره من الفنون، لأنّ الكذب في الشعر إيجابيّ مرتبط بغايته، وهو في هذه النقطة كمواطنه ابن رشد شديد اليقين أن أفضل محاكاة  تلك التي تنطلق من الموجود، إذ يقول ابن رشد: "المحاكاة التي تكون بالأمور المخترعة الكاذبة، ليست من قول الشاعر، وهي التي تسمّى أمثالا وقصصا، مثل ما في كتاب (كليلة ودمنة) لكنّ الشاعر إنما يتكلم في الأمور الموجودة أو ممكنةِ الوجود، لأنّ هذه هي التي قصد الهرب منها أو طلبها أو مطابقة التشبيه لها على ما قيل في فصول المحاكاة، وأمّا الذين يعملون الأمثال والقصص، فإنّ عملهم غير عمل الشعراء، وإن كانوا يعملون الأمثال والأحاديث المخترعة بكلام موزون..."59، فالموضوعات القائمة على المحاكاة بالممتنع -حسب الفيلسوف- ليست من الشعر وإن توفرت على وزنٍ وقافية طلباً للصدق ومراعاة لما يجب أن تتوفر عليه معاني الشعر ومواضيعه من واقعية حتى يتسنى له القيام بوظيفته الإصلاحية لكن في جو لا يخلو من المتعة.

فوظيفة الكلام الشعري لا تكتمل إلّا في كنف المحاكاة بالممكن لضمان حدوث الإثارة، وهي غاية الشعر القصوى، وتغيير سلوك الفرد لا يتمّ إلّا بعد إشباع أحاسيسه بما لذّ من الصور المستغربة المتخيلة التي تضعه أمام معان ومتخيلات جديدة رغم معرفته المسبقة بها، لذلك حصر القرطاجني حدّ الشعر في قوله: "الشعر كلام مخيل موزون مختص في لسان العرب بزيادة التقفية إلى ذلك. والتئامه من مقدمات مخيلة، صادقة كانت أو كاذبة، لا يشترط فيها –بما هي شعر- غير التخييل."60

وتحقيق تلك الغاية مرتبط "بما يتضمن (أي الشعر) من حسن تخييل له، ومحاكاة مستقلة بنفسها أو متصورة بحسن هيأة تأليف الكلام أو قوة صدقه أو شهرته، أو بمجموع ذلك"61، وكلّ ذلك يتأكد بما يقترن به من إغراب وتعجب، وهنا يضعنا القرطاجني أمام عمل قوّة المحاكاة التي تعمل بمعية قوة ثانية هي قوة التخييل، ووفق هاتين الآليتين حلّل العملية الإبداعية من جانب الإبداع ومن جانب التلقي اقتداء بالفلاسفة الذين تعقبوا القول الشعري باعتباره عملاً مخيلاً قائماً على فنّ المحاكاة، وفي هذا يقول ابن رشد: "الأقاويل الشعرية هي الأقاويل المخيلة."62

وسبب الاحتفال بالمحاكاة التخييلية وجعلها من متطلبات الشعر راجع إلى تعلّق الإنسان بها وشغفه بما تقدّمه، ذلك أنّه للنفوس -كما يذكر القرطاجني-: "تحرّك شديد للمحاكيات المستغربة، لأنّ النفس إذا خيّل لها في الشيء ما لم يكن معهوداً من أمر معجب في مثله وجدت من استغراب ما خيّل لها ممّا لم تعهده في الشيء ما يجده المستطرف لرؤية ما لم يكن أبصره قبل وقوع ما لم يعهده من نفسه موقعاً ليس أكثر من المعتاد المعهود."63

ففنّ الشعر-إذن-كلُّه عائد إلى القدرة الغريبة التي تمتلكها المحاكاة وغالباً ما تنتهي إلى إمتاع جمهورها، لأنّها تتحرّك على غير ما هو معتاد ومألوف، فهي "تنحو إلى كسر المألوف وما يتوقعه المتلقي، وتفاجئ أُفُقَه بالمستطرف والنادر الوقوع والمستغرب، وحينما يزحزح عمّا توقّعه، تحدث له لذّة الانفعال والهزة الجمالية."64

والهزة الجمالية هنا هي اللحظة التي تتوحد فيها مشاعر المبدع مع المتلقي، بعد أن تطبق عليه معاني النص القائمة في ذهن المبدع بفعل التخيل، وهو مولِّد الشعر وعموده وسبيل تشكّله، إذ يقوم بمخالفة الحقيقة/ المألوف دون أن يمسّ جوهرها، فعمله هو أن يخرج بما هو معهود إلى عكسه، ويتمّ ذلك بطرق شتّى من المحاكاة، وهي ما أسماه (فنون الإغراب والتعجيب)، ووصفها بالكثرة والتنوع والتميز من حيث القوة والتأثير.65

وليس بمقدور الشاعر إن رغب في إيصال تخييلاته قلوب سامعيه إلّا أن ينطلق في توليدها وتركيب صورها من الواقع الحسي، لأنّ الخيال السليم لا يقبل أي تناقض أو إبهام يحيل التجربة الشعرية إلى الكذب المحض الذي يصعب تصوّره أو تخيّله أو ردّه إلى ما يشبهه من الواقع، وهو في هذه النقطة كأسلافه الفلاسفة والبلاغيين المتأثرين بهم الذين آمنوا بأنّ "الخيال تابع للحسّ ومستند إليه"66، ومهامّه لا تتحقق إلّا في حالة ارتباطه بالممكن، يقول القرطاجني: "فإذا كانت صور الأشياء قد ارتسمت في الخيال على حسب ما وقعت عليه في الوجود وكانت للنفس قوة على معرفة ما تماثل منها وما تناسب وما تخالف وما تضاد، وبالجملة ما انتسب منها إلى الآخر نسبة ذاتية أو عرضية ثابتة أو منتقلة أمكنها أن تركّب من انتساب بعضها إلى بعض تركيبات على حدّ القضايا الواقعة في الوجود التي تقدّم بها الحسّ المشاهدة".67

لكن هذا الممكن لا يتمّ إدراكه بالعقل، بل بالحدس الذي هو وسيلة الشاعر في التعامل مع تلك المدركات التي يعيها بالحواس، لأن الشاعر -كما يقول سعيد عدنان- لا يُدرِك بالعقل بل وسيلته هي: "الحدس، خاصتها أنها تُدْرَك إدراكاً مباشراً، من غير إتّباع خطوات العقل، وأنها تدرك الأشياء وحدة، وأنها توحّد بين الذات والموضوع، وقد كانت وسيلة الشعراء في الإدراك، العقل للمفكر، والحدس للفنان، فإذا حكّم ناقد العقل في الشعر، فإنّما يحكّم أداة من أدوات المعرفة في غير ميدانها."68

غير أنّ ارتباط الصور المخيّلة بمدركات الحسّ –كما يعرضها القرطاجني-لا يعني أن تكون المحاكاة حرفية مطلقة، كما لا يجوز لها أن تلج عالم المتلقي بالتعمية والغموض الناتجين عن الإفراط والاستحالة التي تجعل المعنى غير متحقّق لدى المتلقي، لأنّ "الشاعر يعي العَالَم وعياً جمالياً، ويعبر عن هذا الوعي تعبيراً جمالياً، ومن هنا كان الشعر "بنية لغوية معرفية جمالية"، وأي تجريد لهذه البنية من أي عنصرٍ من عناصرها يُعدُّ إخلالا بمفهوم "الشعر« أو» انحرافاً به"69، وهذا يعني أن يتحدّث الشاعر بلغة عواطفه ومشاعره لا بعقله، ما يجعل من غلبة الخيال مشروعاً، وأما النص فهو حالة شعورية، حيث يتمّ الاهتمام بتصوير آثار ما شاهد المبدع ونتائجه وانعكاساته، وتحليلها ليس تحليلاً عقلياً بل وجدانياً.

وانطلاقا من عمل المحاكاة وفاعليتها التأثيرية لم يتمكن هذا الناقد -في أثناء بحثه في ماهية الشعر- من تجاهل الحديث عنها مرتبطة بقضية التخييل، وفي ذلك تقول فاطمة عبد الله الوهيبي: "القول الشعري عند حازم ومفهوم الشعرية يستندان إلى مقولتي التخييل والمحاكاة، فكلّ قول عنده قول شعري مادام يتضمن التخييل والمحاكاة"70، لاعتقاده أنّ الاعتبار في الشعر إنّما هو "التخييل في أيّ مادّة اتّفق، لا يشترط في ذلك صدق ولا كذب، بل أيّهما ائتلفت الأقاويل المخيّلة منه فبالغرض. لأنّ صنعة الشاعر هي جودة التأليف وحسن المحاكاة، وموضوعها الألفاظ وما تدلّ عليه".71

أما التصور الأفلاطوني الذي تمّ بمقتضاه طرد الفنّانين بسب الخيال بدعوى أنه يُنتِج صوراً تؤجج الرغبات الحيوانية، فلم يعبأ به لأنه خطا بخطوات أرسطو (ت322ق م) في تدبّره الأمر، وإقراره أنّ الحقيقة التي يقدّمها الشاعر أرسخ وأبقى من تلك التي يقدّمها غيره لِمَا في الشعر من إيحاء ومحاكاة، ونقل غير مباشر يُسْعِد النفوس ويطربها، فضلا على كونها غريزة في الإنسان.72

ويلحظ من يتتبع مفهوم المحاكاة في كتاب القرطاجني "منهاج البلغاء وسراج الأدباء" يجده قد انساق خلف الفلاسفة العرب الذين قرنوا مفهومها بالتشبيه كما يبيّنه قوله: "وتنقسم المحاكاة أيضا -من جهة ما تكون متردّدة على ألسن الشعراء قديما بها العهد، ومن جهة ما تكون طارئة مبتدعة لم يتقدّم بها عهد- قسمين: فالقسم الأول هو التشبيه المتداول بين الناس. والقسم الثاني هو التشبيه الذي يُقال فيه أنه مخترع وهذا أشد تحريكاً للنفوس إذا قدّرنا تساوي قوة التخييل في المعنيين لأنها أنست بالمعتاد فربما قلّ تأثيرها له، وغير المعتاد يفجؤها بما لم يكن به استئناس قط".73

واقتران المحاكاة بالتشبيه عند مترجمي أرسطو ومن تبعهم من محبّي التحليل الفلسفي في النقد حوّل مفهومها فصارت "وسيلة تصويرية لتحقيق التخييل، وجنساً بلاغياً عامّاً تندرج ضمنه أساليب التشبيه والاستعارة والمجاز وغيرها"74،ولذلك نجد أنّ مفهومها عند القرطاجني كان تابعاً لمفهومها عند النقاد الفلاسفة الذين استخلصوا خواصها من الشعر العربي نفسهن لاكتشافهم أنّ علاقتها بالعالم المادّي بشكلها الأرسطي لا تتواءم مع الشعر العربي الغنائي الذي يتكئ على الخيال العربي النابع من البيئة والمجتمع الذين نتج عنهما، فالقرطاجني نبذ إدخال الكلام في الغرابة والاستحالة ببناء عدّة محاكيات على بعضها البعض والذي يؤدي إلى البعد عن الحقيقة، رغم أنّه كان يفضّل الخيال والتصوير بغير الطرق المباشرة، لأنّه رأى أنّ الخروج بالمعنى باتجاه غير المعقول يُعدُّ خرافة، وهو ما لا يناسب العرب ولم يكن ضمن أشعارهم، يقول حازم: "وربما ترادفت المحاكاة وبني بعضها على بعض فتبعد الكلام عن الحقيقة بحسب ترادف المحاكاة وأدى ذلك إلى الاستحالة. ولذلك لا يستحسن بناء بعض الاستعارات على بعض حتى تبعد عن الحقيقة برتب كثيرة لأنها راجعة إلى هذا الباب".75

وقبح المحاكاة في تصوّره ينتج عن "عدم القدرة على تقديم المحاكى بالصورة التي تعطي انطباعاً بالجودة والإبداع سواء كان المحاكى جميلاً أم قبيحاً فإنّ الصورة المشوهة الناتجة عن قبح المحاكاة تمنع المتلقي من تخيّل المحاكى وتمثّله وبذلك لا تبدي النفس أيّ انسجام إزاء هذه الظاهرة".76

خامسا- العلاقة بين الصدق والخيال الشعري في تصور القرطاجني

الخيالهو الواسطة التي تجمع الفكرة بجمهورها، والمدخل لتفاعل المتلقي مع الموضوع المتخيّل أي مع الصورة المشكّلة بواسطته تفاعلاً يجعل منها "مشاركة وجدانية تفتح أمام المتلقي آفاق التجربة بفضل نظامها الإيقاعي النفسي الخاص، وبما تخلقه من أصداء متجاوبة شكلية كانت أو دلالية، فتنشط خيال المتلقي بما تنشره من إيحاءات واسعة يتردد صداها".77

كما يعتبر مولّد الشعر ومنبعه والفاعلية العقلية التي تعين المحاكاة على تقديم موضوعها، كونه القدرة التي من شأنها استعادة مدركات الحسّ وإعادة تشكيلها تشكيلاً جديداً متميّزاً، يعيد تنظيم العلاقات بين الأشياء على أساس الائتلاف والانسجام والوحدة، رغم ما لقيه من معارضةٍ من قبلبعض النقاد لاقتران مفهومه بما يتشبّه للإنسان في اليقظة أو في المنام مثل الطيف، وبالوهم والظنّ.

ونظراً لذلك، عمد حازم القرطاجني إلى توضيح الفوارق بينهما وتبيان العوامل التي تؤدي بالخيال إلى خطيئةِ الوهم، فذكره (أي مصطلح الوهم) مقترناً بالمستحيل، الذي ليس له وجود في الخيال ولا يمكن حتى توهمه أو الاستجابة لمقتضاه استجابةً أخلاقية.

وتحقيقا لغاية الخيال وإلحاحاً على الصدق، ضبط الكذب -بعد أن جعله نسبيا- بشروط العقل من حيث الرفض والقبول دون أن يناقض دعوته إلى تحرّر الشاعر في جلب معانيه ومادّته، مقياسه في ذلك العقل حتى تكون الحركة التخيلية الشعرية متّزنة معقولة، فجعله يستمد حياته وشرعيته من ثلاث قوى عقلية داخلية هي على التوالي: القوة الحافظة، والقوة المائزة، والقوة الصانعة، وهي القوى التي تتولى التمييز بين ما تماثل أو تناسب أو تخالف أو تضادّ، وبها يكمل للشاعر قول الشعر على الوجه المختار كما يدلّ قوله: "ولا يكمل لشاعر قولٌ على الوجه المختار إلّا بأن تكون له قوة حافظة وقوة مائزة وقوة صانعة".78

فأمّا القوة الأولى فعملها قريب من مفهوم الذاكرة وهي -كما أثبتته البحوث اليوم- على درجة عالية من الأهمية، بحيث تعتبر وظيفة أساسية من وظائف الإنسان، ومفيدة أيضا لعمل الخيال، وقد تحدّث النقد المعاصر عن أهميتها في الإبداع حيث وصفها ستيفن سبندر stephen spender  بالموهبة الطبيعية في قوله: "فالذاكرة إذا مارسها الشاعر بطريقة معينة هي الموهبة الطبيعية للنبوغ الشعري، إذ أنّ الشاعر فوق كلّ شخص لا ينسى أبداً بعض الانطباعات الحسية التي خبرها والتي يمكن أن يعيشها مراراً وتكراراً، وهي محتفظة بنظرتها الأصلية، إنّ الشعراء جميعا يمتلكون ذاكرة ذات حساسية نامية جداً، وهم عادة يعون تجارب وقعت لهم منذ وقت مبكّر، تجارب تحافظ على أهميتها طوال حياتهم".79

فعمل الخيال -حسب الناقد- مرتبط بالذاكرة، فيما ذهبجورج والي george whalleyإلى أنّ الفصل بين الخيال والذاكرة مستحيل80، فالشاعر إذا اضطربت لديه هذه القوة لا يتمكّن من القيام بمهمّة الإبداع، لأنّها تحرّك الخيال وتقوّيه وتوجّهه، وتتولّى عملية الإنتاج بما تخطّطه، وغيابها سيؤثر سلباً على الإنتاج الشعري، لأنه في حالة فقدها سيكون الخيال مبهماً وفاقداً للحياة والجمال، وبالتالي يعجز عن تلوين النتاجات والتعديل فيها وتبديل مواقعها، وهذا ما يصبو إليه كل مبدع وصاحب خيال خلّاق.

ويأتي بعدها قوّتان مهمّتان لعمل الخيال هما القوة المائزة والقوة الصانعة، وقد حصر القرطاجني عملهما في إحكام الوضع والنظم بين الألفاظ والمعاني والتركيبات، إذ تتولّيان: "جميع ما تلتئم به كليات هذه الصناعة"81، وهذا يشي بخضوع الخيال لسلطة العقل بالضرورة، لأنّ العمل إذا انطلق من مشاركة العقل للوجدان والانفعالات كان أكثر وعياً وجذباً وخلوداً، لذلك ألحّ حازم على ضرورة أن يقوم العقل بمراقبة عملية الإخراج الشعري على أن تكون هذه الرقابة من بعيد، ومثله الفلاسفة الذين أصبح العقل عندهم هو الموجّه لعملية التخييل في الشعر.82

وللقوة الحافظة دور مهم كونها تقوم بتحزين وترتيب الأفكار وحفظها، وأيّ خلط يصيب الشعر يعود إلى خلل واقع بها كأن تكون الخيالات غير منظمة، لذلك خصها بحديث عميق، لأن الذاكرة بالنسبة للخيال الشعري وللإنسان أيضاً أشبه بالمستودع الهائل وبالبئر العميق التي تخزّن معارف الشاعر السابقة وكلّ ما خبره، وتجعلها تتفاعل وفق قوانين التداعي والاختيار والتأكيد83، ما يؤدي إلى تشكيل مدركات جديدة قادرة على النفاذ من ذهن المبدع إلى ذهن المتلقي، وتفاعله مع الصور الجديدة المشكّلة ما لم تكن الحقيقة غريبة عنها، وفي ذلك يقول القرطاجني: "فأمّا القوة الحافظة فهي أن تكون خيالات الفكر منتظمة، ممتازاً بعضها عن بعض، محفوظاً كلّها في نصابه. فإذا أراد مثلاً أن يقول غرضاً ما في نسيب أو مديح أو غير ذلك وجد خياله اللّائق به قد أهّبته له القوة الحافظة بكون صور الأشياء مترتبة فيها على حدّ ما وقعت عليه في الوجود، فإذا أجال خاطره في تصورها فكأنه اجتلى حقائقها".84

 واقتراب هذه القوة من حيث الوظيفة من الخيال لا ينفي صلة القوتين المتبقيتين به، أي القوة المائزة والقوة الصانعة -كما وردتا عن الناقد-، وأهميتهما تتضح من خلال تعريفهما، فبالقوة المائزة: "يميز الإنسان ما يلائم الموضع والنظم والأسلوب والغرض ممّا لا يلائم ذلك، وما يصح ممّا لا يصح"85، أمّا القوة الصانعة فهي "التي تتولّى العمل في ضم بعض أجزاء الألفاظ والمعاني والتركيبات النظمية والمذاهب الأسلوبية إلى بعض والتدرج من بعضها إلى بعض، وبالجملة التي تتولى جميع ما تلتئم به كليات هذه الصناعة".86

والعلّة في منح العقل هذا الدور المهمّ في العملية الإبداعية الشعرية -رغم ما يحوم حولها من تعريفات تلمّح إلى ما يميزها كخطاب عاطفي بعيد عن متطلبات العقل والنظام- هي أنّ الخطاب الشعري بالأساس قائمٌ لأجل مهمّةً أخلاقية وشعورية وإمتاعية في آن واحد، لذلك قدّم القرطاجني مفهوم الشعر -بطريقة الفلاسفة- على أنّه عملية تخيلية تتم في رعاية العقل باعتباره "القوة التي يستعين بها الشاعر في صياغة إدراكه المتميز للأشياء، وذلك من خلال صور ترتبط فيما بينها ارتباطاً متميزاً، تميز إدراك الشاعر  نفسه"87، ناهيك على أنّه القوة التي تعينه "على التأليف بين الأشياء الموجودة في الأعيان، كما تعينه على إعادة تشكيلها وتركيبها في هيئات لم يدركها الحس من قبل. المهم أن تكون عملية التأليف والتركيب مرتبطة بالغاية الأصلية التي يتعامل المبدع من خلالها مع الأشياء، وبطبيعة الانفعال الذي يتولّد داخل المبدع إزاءها"88، وأنّه "قياس احتيالي يستهدف التأثير في النفس والتحكم في انفعالاتها من خلال الأفكار والأحكام الوهمية التي يدعيها، كما اعتبروه أيضاً عملية تشكيل جمالي للغة والمعطيات الإدراكية بواسطة الأساليب البلاغية والمحسنات البديعية."89

وبالنسبة للقرطاجني، فإنّ الشاعر يأخذ من القوة المتخيلة مادته الجزئية، ثمّ يعرضها على عقله، أو يتركها لِمَا أسماه بالقوة المائزة والقوة الصانعة لتتولّياه بالرعاية حسب اختصاص كلّ واحدة منهما، وهذه القوى تقع في نفس الشاعر بالفطرة لكنّه يتولّاها بالتهذيب والتنقيح،وتوفرها مجتمعة ومنظّمة ومستعدة للعمل هو الطبع الجيد على اصطلاحه90،وهو الذي يمدّ الخيال/ المصورة بالمادّة ويحقّق وجودها عبر الحواس لكن بالتصرف في معطياتها بالتبديل أو التغيير أو الحذف أو التركيب.

إنّ التمعن في نصوص الناقد التي تلحّ على الطبع كموهبة وملكة، والتعلم كضرورة وقوّة داعمة، يلحظ تكاملاً بين هذا وذاك بعد أن أدرك أنّ الطبع كآلة لا بدّ لها من أن تتأكّد وتتعمق ببعض العِلم المكتسب، وما لم يتمّ تأييدها بما يوافق خصوصية الإبداع في مجال الفن الأدبي فإنّها تقف عاطلة عن أيّ مهام إبداعية، خاصة وأنّ الأدب أصعب الفنون لارتباطه بالنفس البشرية التي لا تثبت على حال واحدة، والعلم هنا بمعنى القدرة على إتقان وسائل الإبداع، ومعرفة خصائصه كفنّ يتطلب الحذق والتفطن والتبصر كما يتطلّب الموهبة، وأسوأ القصائد تلك التي لم تصدر عن طبع عارف بوضعيات الإبداع وظروفه، كأن يأتي الشاعر في قصيدته بما هو غير مناسب لوضعيات وحالات متلقيه، لذلك دعا ابن رشيق الشعراء إلى التروي قبل إصدار القصائد، وخاصةً إذا كانت موجهة إلى المحافل الرسمية، كالتي تنظم في حضرة الملوك أو أعيان الدولة كقصائد المدح، تأسّياً في ذلك بزهير بن أبي سلمى، وقد عرف عنه مذهب التنقيح والتثقيف جرياً على عادة العرب في النظر إلى شعرها بالتدقيق حتى تزيل عنه ما يشوبه91، ولامرئ القيس أبيات أيذكر فيها تخيّره في شعره وإخضاع نظمه إلى الانتقاد والاختيار:92

أَذُودُ الْقَوَافِي عَنِّي ذِيَادًا                        ذِيَادَ غُلَامٍ جَرِيء جَــرَادَا

فَلَمّــــــــــا كَثُــــــرْنَ وَعَنَّيْــــــــــنَهُ                       تَخَيَّرَ مِنْهُنَّ شَتَّى جِــيَـادَا

فَأَعْزَلَ مُرْجَــــانَهَا جَانِبًـــــا                     وَآخذَ منْ دُرِّهَا الْمُسْتَجَادَا

يتضح أن القرطاجنياعتبر الخيال لازمة تخص الشعر من حيث المصدر والمفهوم والتلقي كما فعل النقاد المعاصرون93، ما مكّنه من الوصول إلى أنّ الفنّ الحقيقيّ هو ذاك القادر على توجيه نظر القارئ والمبدع نحو زاوية واحدة متى ما نسجت خيوط العملية الإبداعية بذكاء فائق يراعي حدود الخيال والعقل معاً.

سادسا- العلاقة بين معاني الشعر ووظيفته

لقد أدّى فهم بعض النقاد لوظيفة الشعر الأخلاقية من منطلقات فلسفية على تميز خطاباتهم تميّزاً شديداً، ذلك أنهم تعهّدوا بكتبهم إصلاح الإنسان والسمو به نحو الفضيلة، ما أدى بهم إلى الإلحاح على ضرورة أقلمة الأغراض وفق ما يخدم النفس البشرية، كما تبنّى بعضهم فكرة ارتباط الغرض بنفسية قائله على غرار ابن رشد الأندلسي (ت595ه)، الذي ذهب إلى أنّ الشعراء يميلون إلى أغراض بعينها إرضاءً لحالاتهم النفسية كما يدلّ على ذلك قوله: "كلّ تشبيه وحكاية إنّما تكون بالحسن والقبيح، فظاهر أنّ كلّ تشبيه وحكاية إنما يقصد بها التحسين والتقبيح، وقد يجب مع هذا ضرورة أن يكون المحاكون للفضائل أعني المائلين بالطبع إلى محاكاتها أفاضل، والمحاكون للرذائل أنقص طبعاً من هؤلاء وأقرب إلى الرذيلة، ومن هذين الصنفين من الناس وجد المديح والهجو، أعني مدح الفضائل وهجو الرذائل ولهذا كان بعض الشعراء يجيد المدح ولا يجيد الهجو وبعضهم بالعكس أعني يجيد الهجو ولا يجيد المديح."94، لأنّ حقيقة المدح  والهجاء -حسبه- ناتجين عن توجه الشعراء نحو مدح الفضائل أو هجاء الرذائل المرتبطان بصفتي التحسين والتقبيح.

وليس غريباً أن يؤمن الفلاسفة الأندلسيون بارتباط الأغراض والفضائل لأنّهم أخذوها عن المشارقة الذين تشبّعوا هم أيضاً بفكرة السموّ بالإنسان وتطهيره وإشاعة الفضيلة، ففي السياق نفسه نجد الفارابي (ت339ه) -وهو يدعو إلى الأشعار التي تسدّد أفعال النفس وفكرها وتوجّهها نحو ما يدعو إليه الله من فضائل-، يوزّعها حسب الغرض إلى ستّة أصناف كلّها مرتبطة بغايتها التخييلية، "ثلاثة منها محمودة وثلاثة مذمومة، فالثلاثة المحمودة أحدها الذي يقصد به صلاح القوة الناطقة وأن تسدّد أفعالها وفكرها نحو السعادة وتخييل الأمور الإلهية والخيرات وجودة تخييل الفضائل وتحسينها، وتقبيح السرور والنقائص وتخسيسها، والثاني الذي يقصد به إلى أن تصلح وتعتدل العوارض المنسوبة إلى القوة من عوارض النفس ويكسر منها إلى أن تصير إلى الاعتدال وتنحط عن الإفراط، وهذه العوارض هي مثل الغضب وعزة النفس والقسوة والقحة ومحبة الكرامة والغلبة والشره وأشباه ذلك، ويسدد أصحابها نحو استعمالها في الخيرات دون الشرور، والثلاثة المذمومة هي المضادة للثلاثة المحمودة فإنّ هذه تفسد كل ما تصلحه تلك وتخرجه عن الاعتدال إلى الإفراط"95، وهذا القول بدوره صدى لقول أرسطو: "ولقد اتجه الشعر اتجاهين وفقاً لطِباع كل شاعرٍ من الشعراء: فذوو الأفعال النبيلة، وأعمال الأشخاص الأفاضل، بينما حاكى أصحاب الطباع المتصنعة أو العادية، أفعال الأردياء، فأنشؤوا الأهاجي في البداية، في حين أنشأ ذوو الطباع الجدية الترانيم للآلهة، والمدائح لمشهوري الرجال".96

يقول عبد القادر هني معلّقاً على ما جاء في قول الفارابي: "إنّهذا التصنيف للشعر إلى موضوعات تخدم الفضيلة وتهذّب النفوس وتُقوِّم ما بها من اعوجاج ترقى بها نحو الكمال، وإلى أخرى مخلّة بأخلاقيات المجتمع مفسدة للنفوس بما تثيره فيها من انفعالات دنيئة، يحمل في حدّ ذاته دعوة ضمنية إلى ربط الأدب الحق بالموضوعات الخالدة التي تسهم في تحقيق الغاية الأخلاقية التي ينبغي أن يسعى إليها ليأخذ بيد الإنسان نحو أكمل صورة ممكنة بالنسبة إليه..."97

والتزاماً بهذا المبدأ صارت مضامين الأدب الصادق-في اعتقاد نُقادٍ كُثُرْ- هي التربوية الجادة وما عدا ذلك فهو لا يرتبط بالأدب في شيء كما يقول ابن حزم الذي شجّع على الأشعار التي تخدم الجانب التربوي في النفس من جهة، وحذّر من رواية الشعر لاقترانه بالباطل والفضول من جهة ثانية، فرفض تبعاً لذلك العديد من الأغراض التي تنافي العرف والدين لعدم خضوعها لضوابط أخلاقية، ما استدعاه إلى إخراجها من دائرة الشعر المقرّرة عنده، كأغراض الغزل وأشعار الحرب والتّغرّب والهجاء، بينما تقبّل المدح والرثاء ضمن فكرة المباح المكروه، محدّداً درجة الإباحية من عدمها بمدى قربهما من الكذب أو الصدق أي تناسبهما ومبدأ الأخلاق كما يعتقده.98

وبالنسبة للقرطاجني، فقد أسلم نفسه إلى الفلسفة في بحث المعاني الشعرية، فأحاطها بسلسلةٍ من التنظيرات العميقة مُنطَلِقاً من الهدف العام للشعر وهو التأثير وبعث الإنسان على الانفعال والتفاعل مع النص الشعري، بربطه بالتربية ربطاً وثيقاً، ما أوصله إلى رسم خريطة جديدة لمواضيعه وأغراضه منبثقة عن ماهية ووظيفة النص في آنٍ واحد، لأنّ الماهية عنده لا تتحقق إلّا بتحقّق المهمة، وعليه فقد لاحظ أنّ قسمة الشعر إلى أغراض-كما فعل القدامى- لا تخلو من نقص وتداخل، كتقسيمه إلى مدح وهجاء ونسيب ورثاء ووصف وتشبيه، أو جعله خمسة أقسام كون الوصف داخلاً في باب التشبيه،أو كونه مبنياً على أربعة أركان هي الرغبة والرهبة والطرب والغضب أو حصره في مجرّد الرغبة والرهبة غير مجدية.99

وارتباط الشعر بالخيال وبالمهمة النفسية عند القرطاجني أبان عن قسمة خاصة له تختلف من حيث القبول من عدمه، ويقع هذا بسبب المعاني المستحيلة التي وقع الإفراط فيها بالمبالغة، وفي ذلك قال: "ولنقسّم الآن الكلام الشعري بالنسبة إلى الصدق والكذب القسمة التي يتبيّن بها كيف يقع الكذب في صناعة الشعر، وما الذي يسوغ منه فيها وما لا يسوغ"100

فوصل إلى أنّ: "الأقاويل الشعرية منها ما هو صِدقٌ محض، ومنها ما هو كَذِبٌ محض، ومنها ما يجتمع فيه الصدق والكذب".101

والتقسيم الجديد الذي اقترحه منبثق من نوعية الأفعال الإنسانية التي تنقسم إلى أفعال تستحق المدح وأخرى تستحق الذم، والحكم على كلّ فعل منها بالمدح أو الذّمّ في الخطاب الشعري لا يتمّ إلّا بمراعاة الأحوال المطيفة بها، وهي: "الزمان والمكان وما منه الفعل وما إليه الفعل وما عنده الفعل وما به الفعل"102،وأمّا غاياتها فهي: "استجلاب المنافع واستدفاع المضار ببسطها النفوس إلى ما يراد من ذلك وقبضها عمّا يراد بما يخيّل لها فيه من خير أو شر"103، وعن ذلك تنتج معاني الشعر الكبرى وهي: التهنئة والتأسي والتأسف والتعزية والتفجيع والمديح والهجاء والرثاء.104

وهذه القسمة تابعة لسلسلة الأفكار التي طرحها سابقاً، والتي لا تخرج عن الجانب النفسي المسؤول عن النظم والتلقي، لذلك ربط الأغراض بالحالة الشعورية للمبدع والمتلقي معا، وهي: "التهاني وما معها، والتعازي وما معها، والمدائح وما معها، والأهاجي وما معها، وأنّ كل ذلك راجع إلى ما الباعث عليه الارتياح، وإلى ما بالباعث عليه الاكتراث، وإلى ما الباعث عليه الارتياح والاكتراث معا".105

وهذه الطرق الأربعة تتفرّع عنها أنواع هي: المديح والنسيب والرثاء والتذكرات وأنواع المشاجرات وما جرى مجرى هذه الطرق من المقاصد الشعرية، وهي وليدة أجناس هي الارتياح والاكتراث.106

وتعمّقاً في التحليل، قرّر أنّ جهات الشعر نوعان: جهات أوّل وهي أساسية ومقصودة لنفسها، وأخرى ثواني متعلقة ببعض جهات الغرض المقصود، فهي تابعة له وليست أصلية كالأولى، لكنّها مفيدة للجهات الأوائل، لأنّها تقوّي الكلام فيها وتفتح الباب على معاني ثانوية كثيرة، وقد تبلغ من الأهمية ما يفوق الجهات الأوّل، وهي بذلك دليل تفاوت بين الشعراء -كما يقول- القرطاجني: "واعلم أنّ الشعراء تتفاوت طبقاتهم في التصرف في الجهات الأوّل، وتتفاوت في الجهات الثواني. والتفاوت في الثواني أكثر، لأنّ الجهات الأوّل يمكن حصرها في كلّ فنّ وأمّا الجهات الثواني فقلّما يتأتّى حصرها لكثرة ما يمكن أن يستطرد من الشيء إليه أو يحال به عليه أو يحاكى به أو يعلّق على الجملة به لنسبة في المعنى تقتضي ذلك".107

وهذا العامل- أي عامل التفاوت المرتبط هو الآخر بميل الشاعر وحالته الشعورية- أمكنه من اقتراح عدد كبير من الأنواع الشعرية بعضها أجناس والأخرى أنواع تندرج تحتها أنواع أخرى، أضاف إليه عاملاً آخر هو العامل الزمني وقد أسمته الباحثة فاطمة عبد الله الوهيبي بالمرتكز الزمني بعد أن أسمت الأول بالمرتكز النفسي بأبعاده الفلسفية والأخلاقية والاجتماعية، تقول في ذلك: "أمّا المرتكز الأوّل المستند إلى مقولة الباعث أو المؤثّر الذي يقبض النفس أو يبسطها، ويجعلها تتحرك بارتياح أو اكتراث فأساسه النفسي الأرسطي واضح ... أما المرتكز الثاني فالمرتكز الزمني، حيث يلاحظ أنّ حازماً في أوّل شروعه في مسألة التصنيف والتقسيم حسب الأغراض بين الأقاويل الشعرية إمّا يقصد بها استجلاب المنافع (الخيرات) أو استدفاع المضار (الشرور)، وتلك الخيرات أو الشرور منها (ما حصل) ومنها (ما لم يحصل) ومن المهمّ التوقف عند هذين القطبين ما حصل (الماضي) وما لم يحصل (المستقبل)".108

مخطط الأغراض والمعاني الشعرية كما وردت في (المنهاج) موزّعة حسب غايات الشعر النفسية والاجتماعية:

المصدر:سعد مصلوح، 1400ه، 1980م، حازم القرطاجني ونظرية المحاكاة والتخييل في الشعر، ط 1، عالم الكتب، مصر، ص142

ويدافع عن هذا التوزيع الجديد الذي اقترحه -باعتباره الطريق السليم لتقسيم الشعر القسمة الصحيحة- بكونه مرتبط بغايات نفسية هي: القبض والبسط، استجلاب المنافع واستدفاع المضار، التحبيب والتنفير، وبحسب هذه المنافع تختلف الطرق الشعرية وأساليب المبدعين فيها، لارتباطها بأحوال القائلين والمقول فيهم، يقول حازم القرطاجني: "والأقاويل الشعرية أيضاً تختلف مذاهبها وأنحاء الاعتماد فيها بحسب الجهة أو الجهات التي يعتني الشاعر فيها بإيقاع الحيل التي هي عمدة في إنهاض النفوس لفعل شيء أو التي هي أعوان للعمدة. وتلك الجهات هي ما يرجع إلى القول نفسه، أو ما يرجع إلى القائل، أو ما يرجع إلى المقول فيه، أو ما يرجع إلى المقول له. والحيلة فيما يرجع إلى القول وإلى المقول فيه وهي محاكاته وتخييله بما يرجع إليه أو بما هو مثال لما يرجع إليه هما عمودا هذه الصناعة، وممّا يرجع إلى القائل والمقول له كالأعوان والدعامات لها." 109

ومثلها أساليب الشعر، فهي تتفرّع حسب طرائق الشعراء كما يقول:"إنّ أساليب الشعر تتنوع بحسب مسالك الشعراء في كل طريقة من طرق الشعر، وبحسب تصعيد النفوس فيها إلى حزونة الخشونة أو تصويبها إلى سهولة الرقة أو سلوكها مذهباً وسطاً، بين ما لان وما خشن من ذلك"110، ولهذه الاعتبارات فإنّ التدرّب على الأغراض بحفظ ما حسن أسلوبه ومنحاه أمر ضروري، لأنّ الشعراء متفاوتون من حيث الإقبال على الغرض أو النفور منه تحقيقاً للإعجاب وتيّسِيراً للتلقي.111

لقد قام هذا الناقد إذن بتقسيم الأغراض والمعاني الشعرية -كما سبق بيانه- باعتبار أحوال النفس المبدعة والمتلقية، فذهب إلى أنّ تنوّع الشعر راجع إلى أساليب الشعراء العائدة إلى الأحوال النفسية وما يعتريها من حزن أو فرح أو رقة أو خشونة أو توسطها بينهما، وبحسب البساطة والتركيب، وهذا أوصله إلى أنّ أساليب الكلام المبنية على الرقة أو الخشونة عشرة أنحاء تتوزّع بين الرقة المحضة أو الخشونة المحضة أو التوسط بينهما، ومنها ما هو راجع إليهما معاً مع رجحان كفة أحدهما على الآخر.

وأمّا الأغراض فتختلف حسب اختلاف موضوعاتها ونفسيات المخاطبين الذين يقصدهم الشاعر بموضوعه، ويود التأثير فيهم واستمالتهم إلى ما يقول ليحقق مآربه النفسية والتربوية، غير أنّ الاحتكام لعوامل النفس ومعطيات الحالة الشعورية، لابدّ أن يتبع بعمليات إجرائية يسلكها المبدع حتى يبلغ غايته، وهي ما عبّر عنه القرطاجني بجملة من الشروط ملخصها: أن يستحضر الشاعر المعاني التي تناسب مقصده فيتخير لها ما يلائمها من عبارات ووزن وقافية وروي كي تكون قوافيه تابعة لمعانيه، ويحقق مبدأ (التناسب) في النظم، ثمّ يقسّم العبارات والمعاني على فصول القصيدة على أساس من التدرّج فيربط اللاحق بالسابق، علماً أن القرطاجني استرسل في عَدِّ هذه الشروط وتفصيلها بعد إشارته إلى وصية أبي تمام التي يحث فيها الشعراء على ضرورة تخير الأوقات المساعدة على الإبداع.112

وهذه مرتبطة هي الأخرى بملكات النظم التي ذكرها في باب التخييل، وبالقوى المساعدة عليه والمساندة لعمل المحاكاة، وهي بمثابة القوى الذهنية والمكتسبة المحصلة للقدرة على الإبداع.

وفي أثناء ذلك على المبدع أن يتعرّف على ما يناسب معانيه من أوزان الشعر، فلكلّ معنى وزن يلائمه، وهذا أدّى به إلى أن يفصّل على عادته في أنواعها وكيفية اختيار المناسب منها على حسب المعنى، بحيث تطابق البنية العروضية للوزن البنية النفسية والشعورية للغرض، فتكون "صورة الإيقاع العروضي عاكسة في تلوّن تموّجاتها لحركات وإيقاع وجدان الشاعر في تجربة شعرية معينة، وفي لحظة شعورية محددة".13

ولكنّ حديثه عن أهمية الولع بالغرض والتميّز فيه، لم يمنعه من ملاحظة ميل بعض المبدعين إلى غرض معيّن والإكثار منه دون أن يكون لذلك علاقة بشخصياتهم أو حياتهم الخاصة، فجرير -على عفّته- كان صاحب نسيب رقيق حسن الأسلوب، والفرزدق -رغم ولعه بالنساء- كان نسيبه جافّاً حتى قال عنه:"قاتله الله ما كان أحوجني مع فسقي إلى رقة شعره، وما كان أحوجه مع عفته إلى خشونة شعري"114، وهذا يؤكد نسبية العلاقة بين النص ومبدعه، ويدحض فكرة أنّ النص وثيقة أكيدة ومفيدة لتفسير حياة المبدعين.

إنّ عمل القرطاجني، وإن نال ما ناله من الثناء، لم يسلم من الانتقادات، منها نظرته إلى صفتي المدح والهجاء وكأنهما ثابتتان عند جميع البشر، غير مؤمن بفرضية تغيّر الشخص من السِلب إلى الإيجاب أو العكس، والتي تعطي الشاعر فرصة الوقوع على معنى جديد، فالتغير يخلق أمامه وضعيات عدّة وجديدة صالحة لأن تكون مواضيع لقصائد المدح أو الذم، يقول محمد أديوان: "وبما أن الشعر ليس مجالاً لمدح الأباليس أو الملائكة، وإنّما هو مجال لمدح الناس أو ذمّهم، وجب تعديل تصوّر حازم السابق لكي يصير صالحاً للتطبيق على أحوال البشر..."115

ورغم ذلك فإنّ ما يُحمد له في مسألة معالجته لأغراض الشعر أنّ دراسته لم تتوقف على مستوى التحليل الفني لها وعلاقتها بالحالات النفسية والشعورية التي تكتنف المبدع لحظة النظم، إنما أردفها بالوقوف على العلاقة بين الغرض والوزن الذي يلائمه حرصاً على تمكين الشعر من أداء الوظائف الموكلة إليه، وحسبه فإنّ الأوزان الخليلية غير صالحة لكلّ الأغراض، إذ منها ما يناسب غرضاً دون آخر بما يتضمنه من أصوات تخلق -بدورها- تفاعيل تختلف حسب الحركات والسكنات من حيث الطغيان، وهذا يترتب عليه صفات صوتية تناسب أغراضاً دون غيرها، قال في ذلك: "لمّا كانت الأوزان متركّبة من متحركات وسواكن اختلفت بحسب أعداد المتحركات والسواكن في كل وزن منها، وبحسب نسبة عدد المتحركات إلى عدد السواكن، وبحسب وضع بعضها من بعض وترتيبها، وبحسب ما تكون عليه مظان الاعتمادات كلّها من قوة أو ضعف أو خفة أو ثقل، وصار لكلّ وزن بحسب مخالفته لجميع الأوزان في الترتيب والمقدار ومظان الاعتماد ونسبة عدد المتحرّكات إلى عدد السواكن أو في بعض هذه الأنحاء الأربعة دون بعض... ولا بدّ أن يكون كل وزن مناسباً لغيره من إحدى هذه الجهات مناسبةً قريبة أو بعيدة."116

ولمّا كانت الأغراض مختلفة بين الرصانة والرقة كما الأوزان، قرّر القرطاجني أنّ لكلّ لون مختصّ بغرض بذاته فإذا قصد الشاعر الفخر حاكى غرضه بالأوزان الفخمة الباهية الرصينة، وإذا قصد في موضع قصداً هزلياً أو استخفافياً وقصد تحقير شيء أو العبث به حاكى ذلك بما بناسبه من الأوزان الطائشة القليلة البهاء".117

ويبدو أنه أخذ فكرة الربط بين الوزن والغرض من خطابات الفلاسفة الإغريقية والعربية، إذ جاء عن أرسطو وابن سينا (ت595ه) قولهما بذلك. 118

ثم واصل حازم طريقه فأبان كيفية مناسبة الوزن للغرض، كأن يعمد الشعراء إلى اختيار التفاعيل كثيرة الحركات، وتفادي تلك التي تكثر فيها السواكن لأنّها تتميّز باللين، وتؤدي أثناء التأليف فيها إلى الكزازة والتوعر في الشعر فلا يتحقق ضمنها التناسب، بينما التفعيلات كثيرة المتحركات، ففيها ليونة ورٍقةٌ وبساطة، فإذا وقع الشاعر على عدد من الأوزان كثيرة السواكن فعليه التعديل فيها إمّا بالحذف أو التعديل شريطة ألا يتعدّى حدود الاعتدال لأنه بحاجة إلى السواكن كما هو بحاجة إلى المتحركات.

وبعملية حسابية دلّ هذا الناقد على عدد السواكن التي يجب أن تتوفّر عليها التفاعيل حتى يحدث التناسب الذي يخلق التلاؤم الصوتي والإيقاعي مع المعنى والغرض، كما يقول: "فالتأليف من المتناسبات له حلاوة في المسموع، وما ائتلف على غير المتناسبات والمتماثلات فغير مستحلى ولا مستطاب. ويجب أن يقال فيما ائتلف على ذلك النحو شعر، وإن كان له نظام محفوظ لأنّا نشترط في نظام الشعر أن يكون مستطابا. وما ائتلف من أجزاء تكثر السواكن فإنّ فيها كزازة وتوعّرا. وما ائتلف من أجزاء تكثر فيها المتحرّكات فإنّ فيه لدونة وسباطة. والكثير السواكن إذا حذف بعض سواكنه ولم يبلغ ذلك الحذف الإجحاف به اعتدل. وهم يقصدون أبدا أن تكون السواكن حائمة حول ثلث مجموع المتحركات والسواكن إمّا بزيادة قليلة أو نقص ولأن تكون أقل من الثلث أشدّ ملاءمة من أن تكون فوقه".119

وتحقيق مبدأ التوازن بين الغرض والوزن -إضافة إلى ما يضفيه على النص من انسجام صوتي- يمنحه حصانة من الأخطاء، كأن يكون المعنى أطول أو أقصر من الكلام فيضطر الشاعر عندئذ إلى اللجوء إلى بعض الإجراءات حتى يعطي الوزن حقه، لذلك وضع للشاعر بعضاً من الحلول التقنية مثل: العدل والبدل والتقديم والتأخير. 120

ومن الإشارات المهمة التي تقدّم بها القرطاجني وهو بصدد معالجة مسألة العلاقة بين الوزن والغرض أنّ الشاعر لا يجوز مقارنته مع آخر إلّا إذا تحدّثا في الغرض الواحد والوزن الواحد لأنه قد "يجيء شعر الشاعر الأضعف في الأعاريض التي من شأنها أن يقوي فيها النظم مساويا لشعر الشاعر الأقوى في الأعاريض التي من شأنها أن يضعف فيها النظم، ليس ذلك إلّا لشيء يرجع إلى الأعاريض لا إلى الشاعرين."121

ودراسته -وإن كانت فريدة من حيث النقاش والتحليل- فإنّها لا تخلو من التقاطع مع دراسات النقّاد اللذين في نقاط عدةّ، ومنها اشتراكه مع ابن رشيق في ضرورة مراعاة خصوصية كلّ غرض باختيار ما يلائمه من الكلام كحديثه عن النسيب122، كما اتفق معه في أنّ الإكثار من الغزل في المدح عيب، إلّا إذا كان النسيب مجازاً كالذي يؤتى به في القصائد المركّبة123، وبضرورة مراعاة المتلقي في المديح خاصة إذا كان من طبقة الملوك من حيث التطويل والتقصير ووضع العبارة موضعها124، ناهيك عن التقائه مع غيره من النقاد كقدامة في حديثه عن الفضائل وقد تمثّل مبدأه في المدح بالفضائل النفسية ابن رشيق أيضاً125، وإن كان القرطاجني يفضلهم في التحليل والتوزيع للجزئيات، فما قام به في هذا الباب لا شكّ مهمّ ويدلّ على ترابط في التفكير يتميّز به عمله النقدي.

خاتمة

نخلص إلى أنّ القرطاجني قدّم من خلال فهمه للخيال الشعري وطرق المحاكاة في رسم الصورة الإبداعية، تصوّراً مميّزاً لدور الشعر الاجتماعي وقيمته التي طعن فيها نقّاد كثر بحجّة ما فيه من خيال، فقارب بذلك بين غاية المتعة التي يرجوها القارئ من هذا الفن والفائدة من غير تعارض أو تناقض، معتمداً على ذوقه النقدي والبلاغي، الذي أمكنه من مناقشة قضاياً الشعر بعيداً عن صراعات النّقاد وانشقاقاتهم حول قضايا الشعر، حيث قام بفلسفة بعض قضاياه كماهية الشعر وكيفية التأثير والوقوع على المعاني والأساليب دون أن يخفي مدى تلذّذه بالنص الجميل القادر على الولوج إلى أعماق النفس البشرية لتغييرها قبضاً أو بسطاً.

1.ينظر: عز الدين المناصرة، 1428ه، 2007م، علم الشعريات، ط1، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ص: 29.

أشرف محمود نجا، د ت، مدخل إلى النقد اليوناني القديم، د ط، دار الوفا للطباعة والنشر، الإسكندرية، مصر، ص: 116، 117، 129.

2.                        ينظر: ابن رشيق، د ت، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، تحقيق عبد الحميد هنداوي، ج1، د ط، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، لبنان، ص: 106.

3.ينظر: عبد الكريم النهشلي، د ت، الممتع في صنعة الشعر، تحقيق محمد زغلول سلام، د ط، منشأة المعارف، الإسكندرية، مصر، ص: 271.

4.ينظر: عباس ثابت حمود، 2001، المعيار الأخلاقي في نقد الشعر العربي من القرن الثالث حتى نهاية القرن السابع الهجري، ط1، دار دجلة، عمان، الأردن، ص: 193.

5.ينظر: ابن حزم، رسائل ابن حزم، 1983، التقريب لحدّ المنطق، تحقيق إحسان عباس، ج 1، د ط، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، ص: 67، 68.

6.ينظر: ابن بسام، د ت،الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، تحقيق إحسان عباس، ق 1، م 1، د ط، دار الثقافة بيروت، لبنان، ص: 544.

7.المصدر نفسه، ق1، م1، ص: 32.

8.هو أبو القاسم خلف ابن فرج الإلبيري وقوله:

لَقَدْ نَشَبْنا فِي الْحَيَاةِ الــــتِي            تُورِدُنَا فِي ظُلْمَةِ الْقَبــــــــْـــــــــــرِ

يَا لَيْتنَا لَمْ نَكُ مــــــــــــِنْ آدَمَ                 أَوْرَطَنَا فِي شِبْهِ الْأَسْــــــــــــرِ

إِنْ كَانَ قَدْ أَخْرَجَــــــهُ ذنْبَهُ                  فَمَا لَنَا نُشْرَكُ فِي الْأَمْــرِ؟

وقد وصفه ابن بسام بالغلوّ والتقليد الأعمى للمعري. ق1، م2، ص: 890.

9.ينظر: حازم القرطاجني، 1981، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تقديم وتحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة، ط2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ص: 124.

10.                      محمد مفتاح، 2000، مشكاة المفاهيم، ط1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ص: 20.

11.                       ينظر: المرجع نفسه، ص: 34.

12.                      ينظر: ابن رشيق، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ج1، ص: 13-29.

13.                      عز الدين المناصرة، علم الشعريات، ص:132.

14.                      حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ص: 106.

15.                       ينظر: المصدر نفسه، ص: 77، 78.

16.                       ينظر: المصدر نفسه، ص: 76، 77.

17.                      ينظر: المصدر نفسه، ص: 133.

18.                       المصدر نفسه، ص: 145.

19.                       ينظر: المصدر نفسه، ص: 78.

20.                      ينظر: المصدر نفسه، ص: 133، 134.

21.                       المصدر نفسه، ص: 81.

22.                      المصدر نفسه، ص: 346.

23.                      ينظر: المصدر نفسه، ص: 64.

24.                     محمد بنلحسن بن التجاني، 2011، التلقي لدى حازم القرطاجني من خلال منهاج البلغاء وسراج الأدباءـ ط1، عالم الكتب الحديث، إربد، الأردن، ص: 219.

25.                      ينظر: المرجع نفسه، ص: 219.

26.                     يوسف الإدريسي، 1433ه، 2012م، التخييل والشعر حفريات في الفلسفة العربية الإسلامية، ط1، منشورات ضفاف، بيروت، لبنان، منشورات الاختلاف، الجزائر، دار الأمان، الرباط، المغرب، ص: 181.

27.                     حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ص: 119. 

28.                     المصدر نفسه، ص: 121.

29.                      فاطمة عبد الله الوهيبي، 2002، نظرية المعنى عند حازم القرطاجني، ط1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ص 235.

30.                       ينظر: حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ص: 121، 122.

31.                       ينظر: ابن رشيق، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ج1، ص: 53.

32.                     جابر عصفور، 1422ه، 2003م، مفهوم الشعر، دار الكتاب المصري، القاهرة، مصر، دار الكتاب اللبناني، بيروت، لبنان، ص: 134.

33.                       ينظر: ابن رشيق، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ج1، ص: 177.

34.                       ينظر: حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ص: 133.

35.                      المصدر نفسه، ص:199.

36.                      ينظر: المصدر نفسه، ص:200، 201.

37.                      ابن رشيق، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ج2، ص: 246. الحصري، د ت، زهر الآداب وثمر الألباب، تحقيق زكي مبارك، د ط، دار الجيل، بيروت، لبنان، ص: 151.

38.                      ينظر: حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ص: 109، 110.

39.                      ينظر: ابن رشيق، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ج2، ص: 246.

40.                      حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ص: 109، 110.

41.                      ينظر: المصدر نفسه، ص:206.

42.                     عبد القادر هني، 1999، نظرية الإبداع في النقد العربي القديم، د ط، ديوان المطبوعات الجامعية، ص:322.

43.                      عبد القادر الرباعي، 1430ه، 2009م، الصورة الفنية في النقد الشعري، ط1، دار جرير للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ص: 17.

44.                      ينظر: حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ص:214.

45.                      ينظر: المصدر نفسه، ص:214.

46.                      ينظر: المصدر نفسه، ص:215.

47.                      المصدر نفسه، ص:111.

48.                      المصدر نفسه، ص:111.

49.                      ابن رشد، 1953، تلخيص كتاب أرسطوطاليس في الشعر، ترجمة وتحقيق عبد الرحمان بدوي، مكتبة النهضة، القاهرة، ص209.

50.                      المصدر نفسه، ص:210.

51.                      ينظر: عبد القادر هني، نظرية الإبداع في النقد العربي القديم، ص: 340، 341.

52.                     ينظر: مصطفى سويف، 1420ه، 2000م، دراسات في الإبداع والتلقي، ط1، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، مصر، ص: 160.

53.                      حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ص: 119.

54.                      المصدر نفسه، ص: 119.

55.                      ينظر: يوسف الإدريسي، التخييل والشعر، ص: 219.

56.                      جابر عصفور، مفهوم الشعر، ص: 244.

57.                      المرجع نفسه، ص: 244.

58.                      سعيد حسين العنبكي، 2010، الشعر الجاهلي دراسة في تأويلاته النفسية والفنية، ط1، دار دجلة، عمان، الأردن، ص: 143.

59.                       ابن رشد، تلخيص، تلخيص كتاب أرسطوطاليس في الشعر، ص: 213، 214.

60.                      حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ص: 89.

61.                      المصدر نفسه، ص: 71.

62.                      ابن رشد، تلخيص كتاب أرسطوطاليس في الشعر، ص: 201.

63.                      حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ص: 96.

64.                      فاطمة عبد الله الوهيبي، نظرية المعنى عند حازم القرطاجني، ص: 86.

65.                      ينظر: حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ص: 96.

66.                      محمد مفتاح، مشكاة المفاهيم، ص: 20.

67.                      حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ص: 38، 39.

68.                       سعيد عدنان، 2011، الاتجاهات الفلسفية في النقد الأدبي في العصر العباسي، ط1، طباعة ونشر وتوزيع دمشق، سوريا، ص: 201.

69.                      الأخضر الجمعي، د ت، نظرية الشعر عند الفلاسفة، د ط، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ص: 25.

70.                      فاطمة عبد الله الوهيبي، نظرية المعنى عند حازم القرطاجني، ص: 71.

71.                      ينظر: حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ص: 81.

72.                     ينظر: أرسطو، 1420ه، 1999م، فن الشعر، ترجمة وتقديم وتعليق إبراهيم حمادة، ط1، هالة للنشر والتوزيع، ص: 79.

73.                      حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ص: 96.

74.                      يوسف الإدريسي، التخييل والشعر، ص: 219.

75.                      حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ص: 94، 95.

76.               عبد السلام محمد رشيد، 1429ه، 2008م، لغة النقد العربي القديم بين المعيارية والوصفية حتى نهاية القرن السابع الهجري، ط1، مؤسسة المختار للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، ص: 128.

77.                      ابتسام أحمد الحمدان، 1997، الأسس الجمالية للإيقاع البلاغي في العصر العباسي، ط1، دار القلم العربي، سوريا، ص: 260.

78.                      حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الادباء، ص: 42.

79.                      عبد القادر هني، نظرية الإبداع في النقد العربي القديم، ص: 96.

80.                      ينظر: جابر عصفور، 1992، الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب، ط3، الدار البيضاء، المغرب  ص 89، 90.

81.                      حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ص: 43.

82.                      ينظر: عبد القادر هني، نظرية الإبداع في النقد العربي القديم، ص:101.

83.                      ينظر: جابر عصفور، الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب، ص: 89.

84.                      حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ص: 43.

85.                      المصدر نفسه، ص: 42.

86.                      المصدر نفسه، ص: 43.

87.                       جابر عصفور، مفهوم الشعر، ص: 157.

88.                      المرجع نفسه، ص: 157.

89.                      يوسف الإدريسي، التخييل والشعر، ص: 220.

90.                      ينظر: حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ص: 43.

91.                       ينظر: ابن رشيق، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ج1، ص: 116.

92.                      المصدر نفسه، ج1، ص: 180.

93.                      ينظر: جابر عصفور، الصورة الفنية والبلاغية عند العرب، ص: 89، 90.

94.                      ابن رشد، تلخيص كتاب أرسطوطاليس في الشعر، ص: 204، 205.

95.                      عبد القادر هني، نظرية الإبداع في النقد العربي القديم، ص: 164، 165.

96.                      أرسطو، كتاب فن الشعر، ترجمة وتقديم وتعليق إبراهيم حمادة، ص: 80.

97.                      عبد القادر هني، نظرية الإبداع في النقد العربي القديم، ص: 162.

98.                       ينظر: ابن حزم، رسائل ابن حزم: التقريب لحدّ المنطق، ج4، ص: 68، 69.

99.                      ينظر: القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ص: 336.

100.                    المصدر نفسه، ص: 76.

101.                    المصدر نفسه، ص: 76.

102.                   المصدر نفسه، ص: 377، 378.

103.                    المصدر نفسه، ص: 377.

104.                    المصدر نفسه، ص: 377.

105.                    المصدر نفسه، ص: 341.

106.                    المصدر نفسه، ص: 13، 14.

107.                    المصدر نفسه، ص: 216، 217.

108.                    فاطمة عبد الله الوهيبي، نظرية المعنى عند حازم القرطاجني، ص:80.

109.                     حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، 346.

110.                    المصدر نفسه، ص: 354.

111.                     المصدر نفسه، ص: 344.

112.                    المصدر نفسه، ص: 204.

113.                    محمد أديوان، قضايا النقد الأدبي عند حازم القرطاجني، ص: 377، 378.

114.                    حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ص: 343.

115.                    محمد أديوان، قضايا النقد الأدبي عند حازم القرطاجني، ص: 244.

116.                    حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ص: 265، 266.

117.                    المصدر نفسه، ص: 266.

118.                     ابن سينا، كتاب الشفا ضمن كتاب فن الشعر لأرسطو، ترجمة وشرح وتحقيق عبد الرحمان بدوي، ص:168. 

119.                    حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ص: 267.

120.                   ينظر: المصدر نفسه، ص: 203.

121.                     المصدر نفسه، ص: 270.

122.                    ينظر: ابن رشيق، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ج2، ص:137.

123.                    ينظر: المصدر نفسه، ج2، ص: 143.

124.                    ينظر: المصدر نفسه، ج2، ص:148، 149.

125.                   المصدر نفسه، ج2، ص: 15.

Pour citer ce document

سعاد ترشاق, «النص الشعري في النقد ببلاد الغرب الإسلامي بين القيم الأخلاقية والخيال، حازم القرطاجني أنموذجا»

[En ligne] مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales العدد 20 جوان 2015N°20 Juin 2015
Papier : pp: 176- 167,
Date Publication Sur Papier : 2016-01-15,
Date Pulication Electronique : 2016-01-12,
mis a jour le : 31/01/2016,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=1350.