النص الشعري في النقد ببلاد الغرب الإسلامي بين القيم الأخلاقية والخيال، حازم القر...
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

N°20 Juin 2015

النص الشعري في النقد ببلاد الغرب الإسلامي بين القيم الأخلاقية والخيال، حازم القر...


pp: 176- 167

سعاد ترشاق
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

قدّم حازم القرطاجني في كتابه:"منهاج البُلَغَاء وسراج الأدباء" بحثاً مميّزاً عن وظيفة الشعر وعلاقته بالأخلاق، وذلك بمنطلقات فلسفية وبلاغية مكّنته من التأكيد على قيمة الشعر الاجتماعية، وعدم تعارضه مع قوانين العقل، ومتطلبات الدين، دون أن يهدم جوهره القائم على الخيال باعتباره الواسطة التي تجمع الفكرة بجمهورها، والمدخل لتفاعله مع موضوع المتخيّل والصورة المشكّلة عن طريقه، ما يفتح أمام المتلقي آفاق التجربة الإبداعية فينشط لها خياله ويستجيب لمقتضاها.

الكلمات المفاتيح:شعر، إبداع، صورة، خيال، متلقي،نقد، بلاد الغرب، حازم القرطاجني

Hazim al-Qartajanni a présenté dans son livre« Minhaj al-Bulgha' wa Siraj al-Udaba » une recherche singulière sur la fonction de la poésie et sa relation à l’éthique, en partant de connotations philosophiques et rhétoriques qui lui ont permis de souligner la valeur sociale de la poésie, et sa conformité avec la raison et la religion, sans pour autant toucher à son essence basée sur l’imagination et l’innovation.

Mots clés :Poésie, Créative, Image, Imagination, Interlocuteur, Critique, Pays occidentaux, HAZEM EL KARTAJNI

In his book “Minhaj El Boulagha Wa Siraj El Udaba”, HAZEM EL KARTAJNI reviewed the role of poetry and its relationship with ethics. Thanks to philosophical and rhetorical connotations, he was able to discover the social value of poetry and its respect to reason and religion and keeping at the same time its essence based on imagination and innovation.

Keywords:  Poetry, Creative, Picture, Imagination, Receiver, Criticism, Western countries, HAZEM EL KARTAJNI.

Quelques mots à propos de :  سعاد ترشاق

أستاذ مساعد أ، قسم اللغة والادب العربي، كلية الآداب واللغات جامعة محمد لمين دباغين سطيف2

 مقدمة

أُثِيرت مقاربة الإمتاع والفائدة -التي سعت إلى البحث في علاقة الشعر بالأخلاق- بشكل لافت منذ القدم، وقد ساعد على إثارتها خلاف النُقاد العميق وانقسام وجهات نظرهم ومواقفهم من هذا الفن، واعتماد كثيرين منهم في التعامل معه بوجهات نظر مختلفة منذ سقراط وأفلاطون وأرسطو1وفي النقد العربي القديم طرحت القضية ببعدين، بعد ديني تعرّض لموقف الإسلام من الشعر، وآخر مرتبط بالصدق الفني، وقد مسّ الشعراء المتصنعين، أو الذين لم تكن معانيهم تصدر عن تجارب حقيقية أو طبع سليم، بقدر ما كانت قائمة -في جانب كبير منها- على التكلّف.

الإشكالية

احتل الشعر في بلاد الغرب الإسلامي مكانة هامة بعد تعرّب المنطقة وتشبّعها بالثقافة المشرقية، كما ظهر بها اتجاه نقدي اتخذ من الفلسفة وسيلة لنقد النصوص ودراستها بعد شيوع مباحثها على أيدي فلاسفة ونقاد كثر كما فعل حازم القرطاجني كتابه (منهاج البلغاء وسراج الأدباء)، فكيف نظر هذا الناقد إلى النص الشعري؟ وما هي آليات ومعايير قراءته وما موقفه منه؟ وكيف أمكنه تحوير نظرية المحاكاة والتخييل الأرسطيين من تحليل الصورة الشعرية والإفلات من أسر قضية الصدق والكذب التي أرّقت النقاد قبله قرونا طويلة؟ هذه الأسئلة وغيرها سيسعى المقال للإجابة عنها مبرزا مفهوم الشعر عند الناقد وأركان العملية الإبداعية، وموقفه من صراع النقاد حول دور الشعر بالنسبة للفرد وللمجتمع.

أولا- مقاربة الإمتاع والفائدة في النقد القديم ببلاد المغرب الإسلامي

عرفت هذه البيئة النقدية -رغم اندفاعها نحو الشعر إعجابا– نداءات عالية تريد منه أن يتكيّف مع متطلبات التربية الخلقية، كذاك الذي صدر عن عبد الكريم النهشلي في كتابه (الممتع في عمل الشعر وصنعته) حين وزّع أغراض الشعر توزيعا أخلاقياً كالآتي:

1.                       شعر هو خير كلّه، وأنواعه: الزهد والمواعظ الحسنة والمُثُل.

2.                        شعر ظرف كلّه، وأنواعه: الأوصاف والنعوت والشبه وما يفتن به من المعاني والآداب.

3.                        شعر شرّ كلّه، ومنه: الهجاء وأعراض الناس.

4.                        شعر يُتَكَسَّبُ به.2

وتكملة لوظيفة الشعر الاجتماعية أسند له قيمة نفسية مضافة، إذ جعله المأوى الذي يسكنه القلب بهدوء وترتاح فيه النفس من كلّ وهم أو حزن.3

كما لم تخل هذه البيئة النقدية من نداءات معارضة للشعر بحجة تنافيه والأخلاق على غرار الناقد والمُفكِّر الأندلسي ابن حزم (ت456ه) الذي وصفه عبّاس ثابت حمّود بالأخلاقي المتطرّف لتحكيمه المعيار الأخلاقي في تقويم الشعر4، حجته موقف الناقد من معاني الغزل والتغرب والهجاء، ونهيه عنها لخطرها على الأخلاق، ولفساد الذوق فيها، وتنافيها مع الشرع.5

كما نلمح موقفاً أخلاقياً شبيها بالذي لمسناه عند ابن حزم في دراسة أندلسية أخرى هي (الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة) لابن بسام الذي أظهر نظرته الأخلاقية للشعر في تعريفه له، وفي موقفه من الهجاء، وعزوفه عن إيراد نماذج منه لأنّها قائمة على الطعن والهدم والإساءة6، موقف دفعه إلى ترتيب الشعراء بعد الكُتّاب لأنهم أقل درجةً إلّا من استوجب تقديمه بسبب حظّه من الرئاسة أو السياسة7، وكأنّ هذا الكتاب يُقرُّ بوجود نوعين من الشعر، شعر أخلاقي، وهو ما وافق الدين واتفق مع أعراف العربيِّ وتقاليده، وآخر غير صالح لعدم جوازه أخلاقياً وخاصةً منه الفلسفي، لتنافيه مع الدين ومع تاريخ الشعر العربي في حدّ ذاته، كقول السميسر الذي أرجع فساده إلى خوضه في مسألة فلسفية اقتداء بالمعرّي اقتداء أعمى مقصّر.8

والواقع أنّ الاهتمام بمعاني الشعر في بلاد المغرب الإسلامي خاصة، وفي مختلف عصور النقد العربي عامة، ليس إلّا تأكيداً على دور الشاعر الذي قرنت مكانته -كما قال ابن سينا (ت428ه)- بمكانة النبي9، لذلك استمر البحث في قيمة إنتاجه، دحضاً للقائلين بتعارضه والدين،ويرجع الفضل في ذلك إلى الفلاسفة الذين قاموا بدراسة الخيال دراسة خلصت إلى أنه "تابع للحس ومستند إليه"10، وينشط في إطار قوانين الصور المختلفة من تشبيه واستعارة ومماثلة ما يجعله بعيداً عن المرور بالمناطق المحرّمة11من ضروب الغلوّ والإغراق والكذب، وإن اقترنت فيه صفة الصدق بالكذب، فلأنّه يحاكي الواقع ليس على حقيقته، ولكن بما يتخيّله الشاعر من غير تناقض، لأنّ الكذب فيه ما هو إلّا حقيقة مقدّمة على غير العادة.

وبفضل فكرة اقتران الخيال بالشعر تجاوز كثير من المغاربة مسألة تعارضه مع الدين بعد أن عرفوا كيفيات تجنّب ما يُوقِع ذلك، مستفيدين ممّا وجدوه أمامهم من تراث نقديّ كبير فيه تأييد جليّ للشعر وتأكيد على قيمته النفسية والاجتماعية، وأبرز مثال نقدي على ذلك، كتاب ابن رشيق (العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده) في الباب الذي استعرض فيه أهميته في المجتمع القبَلي الجاهلي وفي صدر الإسلام.12

ثانيا- مقولة الصدق والكذب في فلسفة القرطاجني النقدية وعلاقتها بالخيال

يُعتَبر حازم القرطاحني من أبرز نقاد المغرب الإسلامي بفضل كتابه (منهاج البلغاء وسراج الأدباء) الذي اجتمعت فيه روافد النقد العربي على تنوع مصادرها، إذ يُعدُّ أكثر النقاد العرب على الإطلاق وليس المغاربة فقط-قدرةً على الاستفادة ممّا وفّرته القرون السابقة لعصره من معارف، وهذه شهادة أجمع عليها أكثر النقاد الذين تناولوا كتابه وخاصة في العصر الحديث، لما أبداه من طريقة مختلفة في التنظير النقدي معتمداً على ذكاء، وعلم غزير محصّل، وقراءة فلسفية أعانته على التعمق في الدرس والتحليل، ما جعل كتابه "خلاصة مكثّفة رصينة لكلّ ما سبق، إذا أضفنا أساليب المناطقة التي تظهر في دقّة تقسيماته وتسلسلها وتفرّعها، وله مصطلحات في التقسيم المنهجي لم يسبقه أحد إليها (الأقسام، المناهج، المعلم، المعرف، الإضافة، التنوير) وفق ترتيب منطقي"13

وفيما يخص قضية علاقة الشعر بالأخلاق وأهميته في بلورتها وتثبيت الحَسَن منها، قدّم الناقد تحليلاً للمسألة أقلّ ما يُوصف به أنّه أكثر وعياً من سابقيه، لأنّه عالجها بتروٍّ شديد، حيث نظر إليها من زاوية المعاني وارتباطها بتجارب الإنسان ومجال مدركاته من عدمها، فالمعاني الشعرية وإن كانت تخييلية، فإنّها تنبثق من مدركات الإنسان الحسية والذهنية، لكن برؤى الشاعر ومقاييس الشعر، الذي يغيّر ويبدّل فيها حتى يحصل على الصور التي تجعل من الكلام قويّاً مؤثّراً، لأنّ الانفعال لا يكون إلّا إذا عَلِم المتلقّي بمادّة التخييل لأهميته في كلّ عملية إبداع وتلقّ، أو على الأقلّ قادراً على إدراكها وتخيّلها، كدليل على سلامة الرسالة الأدبية، وعلى وجود قناة تواصليّة بين القائل والمقول له، يقول حازم: "لمّا كان المقصود بالشعر إنهاض النفوس إلى فعل شيء أو طلبه أو اعتقاده أو التخلّي عن فعله أو طلبه أو اعتقاده بما يخيّل لها فيه من حسن أو قبح وجلالة أو خسّة وجب أن تكون موضوعات صناعة الشعر الأشياء التي  لها انتساب  إلى ما يفعله الإنسان ويطلبه ويعتقده".14

فالخيال -إذن-لا يتعارض مع الواقع رغم أنّه لا يتمثّله في دقائقه، وتحريفه له ليس إلا إخراجاً للقول عن الحقيقة أو انزياحاً بها إلى ما يشبه الكذب، وما دام صفة جوهرية في الشعر، فإنّ مسألة الكذب فيه لم تكن من اهتمامات القرطاجني، لذلك لم يبذل جهده في الدفاع عنه، بل ركّز على ضرورة أن يكون الوصف بالأشياء التي تدرك بالحسّ أو التي يتصوّر إدراكها، ما جعله يعيب الاختلاق عند اليونان.15

وارتباط الشعر بالخيال عند هذا الناقد سهّل عليه مسألة توظيف كلمة (كذب) كمرادف لكلمة (الخيال)، بل قسّم الأقاويل الشعرية حسبه (أي حسب الكذب) إلى أصناف: صنف هو صدق محض، وآخر كذب محض، وثالث اجتمع فيه الصدق والكذب16، وبعد أن تمكّن من التأسيس لعلاقة الشعر بالكذب والإقناع بشرعيّتها قسّم المعاني وفق درجات الكذب أو الخيال فيها أنواعاً وهي: المستحيل والممتنع والممكن، محذّراً من الوصف بالمستحيل لأنّه دليل جهل لبعده عن الحقيقة.17

وكي يؤكد على أهمية حضور صور الأوصاف في أذهان المتلقين، قال مفرّقاً بين الممتنع والمستحيل: "الفرق بين الممتنع والمستحيل هو أن المستحيل لا يمكن وجوده ولا تصوره في الوهم مثل كون الشيء أسود أبيض وطالعاً نازلاً في حال واحدة. والممتنع هو ما يمكن تصوره في الوهم وإن لم يمكن وجوده مثل أن يتصور تركيب بعض أعضاء نوع من الحيوان على جسد نوع آخر".18

 فحصول التواصل بين الشاعر وسامعه أو قارئه مستحيل إذا خرجت الأوصاف عن دائرة الإدراك والتصوّر، والإيغال في المبالغة التي تؤدي إلى الاستحالة وهي من أشدِّ عيوب الشعر لأنّها تسيء إلى المعاني.

وتكملة لتلك القسمة، أقرّ القرطاجني بوجود نوعين من الكذب هما: اختلاق وإفراط، ثمّ جعل الأول صنفين هما: اختلاق إمكاني لا يُعاب لعدم قيام الدليل على كذبه، ومثله واقع في أغراض العرب، كأن يقف أحدهم على الطلل ويتغزل ويذكر تعلّقه دون أن يقع له ذلك على الحقيقة، واختلاق امتناعي وهو معيب.19

 وأمّا الإفراط فأرجعه إلى ما يمكن تصوّر وقوعه رغم استحالته، وهو ما عَدَّه القدامى غلوّاً وانحرافاً وقد اتفق العلماء والبلاغيون على قبح معانيه لبيان الكذب فيها.20

وكلٌّ من الاختلاق والإفراط كذب، لكن يمتاز الكذب في النوع الأول بجوازه فنياً، لقبول النفس له، أمّا الإفراط -وإن كان يجمع بين الصدق والكذب، وبالتالي جواز حدوثه-، فإنّه معاب لتجاوزه الحدّ.

يبدو أن مَنطقة القرطاجني لقضية الصدق والكذب في الشعر هو دفاع عنه بإعلان جواز الكذب فيه بقياس درجاته بمقياس الصدق بدليل قوله: "وإنما احتجت إلى إثبات وقوع الأقاويل الصادقة في الشعر لأرفع الشبهة الداخلة في ذلك على قوم، حيث ظنوا أن الأقاويل الشعرية لا تكون إلّا كاذبة. وهذا قول فاسد قد ردّه أبو علي ابن سينا في غير موضع من كتبه، لأنّ الاعتبار في الشعر إنّما هو التخييل في أي مادة اتفق، لا يشترط في ذلك صدق ولا كذب، بل أيهما ائتلفت الأقاويل المخيلة منه فبالعرض، لأنّ صنعة الشاعر هي جودة التأليف وحسن المحاكاة، وموضوعها الألفاظ وما تدلّ عليه".21

ويأخذ الكذب في الشعر عند حازم صفة الجواز من باب الحيل لأنّها "عمدة في إنهاض النفوس لفعل الشيء أو تركه"22، مهمتها التمويه والإيهام23، والتمويه الذي يتحدث عنه القرطاجني هو "فنّ اللعب بمهارة"24، الذي أخذ على عاتقه مسؤولية أن يُعلِّم الشعراء كيفية إتقانه.25

وعليه، فمقولة حازم بجواز الكذب في الشعر لا تنفصل عن تصوّره العام لمفهومه وجوهره، كونه ينبثق عن مخيّلة الشاعر ويتوجه إلى مخيلة المتلقي، لكنّه شديد الاشتراط على ضرورة أن ينطلق من الواقع إبقاء لدور العقل في الإبداع، وليس هذا ممّا يُقيِّد الشعر أو يضعفه بقدر ما يقوّيه ويعضده للقيام بوظيفته الإصلاحية والتأثيرية، لأنّ ما خاطب العقل بالقلب أبقى أثراً وأبعد تأثيراً، وهو الجانب الأكثر أهمّيّة في الشعر، أي كيفيّة التّحايل في إيصال المعنى بغضّ النظر عن صدقه (صدق المعنى) أو كذبه، وهذا تحرير للشعر من أسر النظرة الدينية الضيّقة، لأنّ الحديث سيصبح عن طرق وقوع التخييل ودرجات تزييفه للواقع جمالياً، وليس نقضاً للصدق لأنّ "مادّة التخييل يمكن أن تكون صادقة أو كاذبة، وللشاعر أن يختار ما يراه أكثر إفادة للغرض الشعري ومناسبة له، وأشدّ تهييجاً للخيالات وإثارة للانفعالات".26

ثالثا- قوانين الخيال الشعري في كتاب المنهاج

بما أنّ الحديث عن مهمّة الشعر لا يكون إلّا بعدد من الإجراءات العملية، والشاعر لا يُبْدِع إلّا إذا كانت له قدرة فائقة على صياغة المعاني بالاختيار والانتقاء وحسن الوضع، فقد ضبط القرطاجني مجموعة القوانين التي تكفل ذلك في قوله: "الأقاويل الشعرية يحسن موقعها من النفوس من حيث تختار مواد اللفظ وتنتقي أفضلها وتركّب التركيب المتلائم المتشاكل وتستقصي بأجزاء العبارات التي هي الألفاظ الدالة على أجزاء المعاني المحتاج إليها حتى تكون حسنة إعراب الجملة والتفاصيل عن جملة المعنى وتفاصيله"27، فأسلوب الشعر يتطلّب تنقيح الأداة وتجويدها على أساس من الاختيار، ليسقط ما من شأنه أن يعرقل ذلك، وهذا التعديل الأسلوبي ليس الطريق الوحيد للوصول إلى المتلقي كهدف، وإنّما يكون أيضاً بالحرص على انتقاء المعاني، وتكييفها مع الصالح العام، فلا تكون نابية أو بعيدة عنه زمانياً أو مكانياً، لذلك لخّص حازم القرطاجني جوهر المعاني الشعرية فجعلها لا تتعدى ثلاث درجات وهي: الممكن أو الممتنع أو المستحيل لتفادي عدم حصول التجاوب بين النص والمتلقي، وهذا حرصٌ على أن يكون هناك تكافؤ بين المبدع والنص والمتلقي على الأصعدة الاجتماعية والثقافية واللغوية والشعورية أيضاً، وبأن يتواجد الطرفان القائل والمقول له على خطّ مستقيم واحد حتّى يسهل مرور الرسالة الأدبية دون عرقلة أو قطع.

وقد قدّم هذا الناقد سبل نجاح ذلك، وكيفية تحريك المتلقي نحو الانفعال المرجو، الذي يتمّ بالتركيز على كيفية اجتلاب المعاني وإبداع المحاكاة، وإخراج الصور على غير ما هي عليه في الواقع، وجعل المتلقي عنصراً حاضراً، في قوله: "وليستأالمحاكاة في كلّ موضع تبلغ الغاية القصوى من هزّ النفوس وتحريكها، بل تؤثّر فيها بحسب ما تكون عليه درجة الإبداع فيها، وبحسب ما تكون عليه الهيئة النطقية المقترنة بها، وبقدر ما تجد النفوس مستعدّة لقبول المحاكاة والتأثّر بها".28

إنّ اشتراك المُتَلَقِي في العملية الإبداعية إخطار بأنّ "الشعرية أو الحدث الجمالي هو نشاط مشترك، أو فلنقل هو حدث يقع بين قطبين الأول القائل والثاني المقول له، وهي عملية متحركة متوازية، ولذلك فقوى الإبداع تحتاج إلى قوى مقابلة واستعداد مماثل، حيث الاستعداد لدى المقول له أمر مهم ولازم يتحرّك للأقوال المخيلة".29

وهذا الاستعداد -كما رآه القرطاجني- نوعان: نوع أوّل بأن تصادف المعاني هوى لدى متلقيه فيتهيّأ للتحرك لمقتضاها، ونوع ثان متعلّق بموقف المتلقي من الشعر بعامّة، بأن يكون معتقداً به وبمكانته وبعظيم أثره كاعتقاد العرب به قديماً لفرط الغايات التي يؤدّيها لهم، وهي الوعظ والحضّ على المصالح، والتي جعلتهم يتخذونه كاتخاذهم الإبل لارتياد الخصب والحبل للعز والمنعة.30

ويعني هذا الاعتقاد والاهتمام أنّ تقويم الشعر خضع منذ الجاهلية للمعيار الأخلاقي، فالجاهلي كان يضمّن قصيدته ما توافقت عليه الجماعة التي يعيش في كنفها من أخلاق كالكرم والشجاعة والإغارة وغيرها، وكلّ شاعر احتفل بتلك القيم عُدَّ مجيداً وفرحت القبيلة به نابغة.31

والشعر إضافة إلى جملة المآرب التي يحققها، فهو نوعٌ من العلوم، يهدف إلى كمال الحياة، ويهدي إلى الفضيلة والسعادة من خلال وسيط نوعي يقدم مخططه الأخلاقي تقديماً فنياً مؤثراً ينطوي على قيمة مضافة هي القيمة الجمالية التي "تقترن بلذة التعرف المجدد، والمتعة الكامنة في تكامل الشكل، وتناسب العناصر المكونة له. ومن هنا تبدأ أهمية الشعر لو قورنت بأهمية الأخلاق"32، ولذلك فلابدّ أن يكون صاحبه على خلق علميّ يساعده على تقديم المعرفة التي يرغب في توصيلها.

وعليه فإنّ الحديث عن أخلاق الشاعر ضروري ما دام سيحمل المجتمع على التأثر به وأخذ أقواله مأخذ الجدّ، من هذا المبدأ قام ابن رشيق (ت456ه) بوضع باب تحدّث فيه عن آداب الناص وما يجب أن يكون عليه حتى يبلغ مرتبة ضمن طبقات المجتمع، ويعتقد في عمله.33

وبالنسبة للقرطاجني، فإنّ الحديث عن شعرٍ مفيد قائم على أُسُس بلاغية مقترن بصدوره عن وعي وعن عِلمٍ خاص وهو (علم اللسان الكلي) الذي يتولى إصدار الشعر القادر على خدمة المجتمع ونقده أيضاً، وإخراجه من حالة الفوضى التي شاعت فيه34، وكأن الناقد يتحدث عن مسؤولية أخرى للشعر زيادة على مسؤوليته أمام الجماعة، وهي إعادة الذوق العربي إلى سابق عهده، وتخليصه ممّا علق به من نقائص بعد تحوّله إلى فئة من القرّاء لا تمتلك مفاتيحه الفعلية، وهذا يتحقق بنوع خاص من المبدعين ممّن لا يكتفون إلّا بموهبة الطبع القوية، وهي -كما عرفها القرطاجني- "استكمالاً للنفس في فهم أسرار الكلام والبصيرة بالمذاهب والأغراض التي من شأن الكلام الشعري أن ينحى به نحوها"35، وبعدد من القوى هي:

1.                       القوّة على التشبيه.

2.                       القوّة على تصور كليات الشعر ومقاصده ومعانيه وما يحتاجه من قوافٍ وأوزان.

3.                        القوّة على تصوّر شكل القصيدة من حيث المعاني والأبيات والفصول.

4.                       القوّة على تخيّل المعاني.

5.                       القوّة على ملاحظة وجوه التناسب بين المعنى والإيقاع.

6.                        القوة على وضع اللفظ بما تقتضيه الدلالة.

7.                       القوّة على جعل العبارات متّزنة.

8.                        القوّة على الالتفات والتنقل من معنى إلى آخر.

9.                       القوّة على وصل الأبيات والفصول.

10.                    القوّة على تمييز الحسن من الكلام عن غيره. 36

وكلّ قوّة من هذه القوى تدلّ على ذكاء، فلو شئنا تغيير لفظة (قوة) بلفظة (ذكاء) لصحّ القول إن هذا الناقد شديد التأكيد على أن يكون الشاعرُ قويّاً في موضعي التشبيه والتتخييل وما تحتاجه قصيدته من ضوابط شكلية، وما يناسب معناه من إيقاع ودلالة لربط أفكار أبياته، ومتى حصلت له هذه القوى العشر المختصرة في قوة (الذكاء) كان أهلا لتأدية ما نيط به من وظائف اجتماعية ونفسية، وفق قوانين الشعرية التي تحدّ من سطوة العقل وتضعه موضعاً غير بعيد عن الخيال، وهذه سمة (الطبع الذكي) و(الطبع الفطن) الذي يميّز بين المدركات، ويملك القدرة على تنظيم العلاقات بين الأشياء وصياغتها بما يليق بها من التعابير جلباً للمتعة والإفادة.

فالشعر، وإن كان وليد انفعالات خاصة وتأثيرات تصيب المبدع فلا يقدر على مقاومتها، فإنه يعني -كذلك-التفكير والتروي والتزود بمختلف العلوم، وقد شعر المبدعون بقوة ذاك العامل وأهميته، وفي ذلك نقل ابن رشيق والحصري على لسان بشار بن برد حين سُئِل عن عِلّة تفوّقه على أقرانه،"لأنني لم أقبل كلّ ما تورده عليّ قريحتي ويناجيني به طبعي ويبعثه فكري، ونظرت إلى مغارس الفطن، ومعادن الحقائق، ولطائف التشبيهات، فسرت إليها بفكرٍ جيّد وغريزة قوية، فأحكمت سبرها وانتقيت حرّها، وكشفت عن حقائقها واحترزت عن متكلفها..."37

إنّ النص الجيد الذي يحمل معاني الابتداع والاختراع يعني التفكير والاختيار والانتقاء، وهذه من خواص العقل والفكر، وخطوات النظم، وهي كما أقرّها حازم القرطاجني عشر مراحل، حيث يضع الناص وفقها معانيه بعد أن يتصوّر كلّيات عمله الفنّي من حيث الموضوع والأسلوب وترتيب المعاني38،  وما دام الشاعر ينظم ليخلّف -على من يستقبل نصه- أثراً معيّناً، فإنّه بالضرورة يعتمد -تحقيقا لهدفه- على إستراتيجية معينة لضمان وصول الرسالة وبلوغ الغاية، وفي أحاديث الشعراء أنفسهم ما يدلّ على أنّ عمل الشعر بحاجة إلى إعمال للفكر وليس مجرد الانصياع وراء القريحة، وهذا سرّ تفوق بشار بن برد على أقرانه كما ذكر، فقد كان لا يقبل الاعتماد على القريحة والخاطر وحدهما.39

فالتفكير في الكيفية التي تترجم المعاني أساسي، وهذا يدلّ على عدم تجرّد الخيال الشعري من قوانين العقل والفكر ما دام ينقاد خلف عمليتي الاختيار والانتقاء، ولعلّ هذا ما أغرى حازم القرطاجني إلى أن يجعل الشعر عملية مخطط لها وتتم عبر مراحل معينة هي:

1.                       المرحلة الأولى: يتخيل فيها الشاعر مقاصد غرضه الكلية التي يريدها موضوعا لنصه.

2.                       المرحلة الثانية: يتخيل فيها الأسلوب الأمثل لتلك المقاصد.

3.                       المرحلة الثالثة: يتخيّل فيها ما يليق بمقاصده وأسلوبه من العبارات اللائقة.

4.                       المرحلة الرابعة: يقوم فيها بترتيب تلك المعاني وجعلها في مواضعها المناسبة ويتخيل لها مواضع التخلص والاستطراد.

5.                       المرحلة الخامسة: وفيها يتخيّل المعاني الجزئية التي تتفرّع عن غرضه الكليّ، ثمّ جعل هذه المراحل متبوعة بأخرى يتخيّل فيها الشاعر الوزن المناسب وما يكمّل معانيه من عبارات.40

وهذا التصور المنطقي لمراحل الإبداع موزّع في مواضع عدّة من منهاج حازم41، وهو محطّ انتقادات كثيرة، فقد لاحظ عبد القادر هني تناقضاً واضحاً بين ما يدعو إليه القرطاجني من ضرورة خضوع العمل الفني إلى حركات النفس وانفعالاتها، وبين ما ذهب إليه من أنّ المبدع يفكّر في موضوعه عبر مراحل منفصلة زمنياً بينها، لأنّ هذا التصور يسيء إلى درجة الانفعال المطلوبة في الإبداع، فبموجبه تصبح العملية الإبداعية "صورة لفكر المبدع لا صورة لتجربة نضجت في أغوار النفس واختمرت بها زمناً طويلاً وهنا تضعف علاقة العمل الأدبي بالنفس وتقلّ أهمية حوافز الإبداع ومحركات الانفعال التي تحدّث عنها حازم نفسه".42

ولعلّ القرطاجني تحمس لفكرة الوقوف المطوّل أمام أجزاء القصيدة بحثاً عن الجودة التي افتقدها زمنه، وحينئذ لا حرج من أن يدعو الشاعر إلى أن يكون في حالة وعي دائم، قال عبد القادر الرباعي أن الشعر: "يؤلفعادة في غفلة من إرادة صاحبه ووعيه، وإذا أرادت تلك الإرادة وذلك الوعي أن يتدخلا فدورهما يأتي في عملية التنقيح، والشاعر هنا يتحول إلى حكم بين الذات والكلمة، إنه يظلّ يحور ويبدل حتى تطمئن نفسه إلى أنها أوجدت ذاتها في كل كلمة في القصيدة، عند ذلك يتولد لديه الرضا عن العمل فيهنأ وتهدأ نفسه ودواخله".43

وحديث القرطاجني عن مراحل الإبداع ساقه إلى اعتبار ما ينتج عن البديهة من شعر لا يكون جيّداً كالذي تروّى فيه صاحبه، لأنّه يسير على منهج سليم يؤدي به إلى الإبداع الجيّد، وهذا المنهج ملخّص في محطات زمنية يتوقّف عندها المبدع وهي: قبل الشروع في النظم، وفي حال الشروع، وعند الفراغ حتّى يبحث عمّا هو راجع إلى النظم، وعمّا يكمّل به معانيه ويستوفي به أركان أغراضه ومقاصده44، ولكلّ فصل وموطن قوة تساعد عليه، فأمّا الأوّل فتعين عليه قوة التخيّل، والثاني القوة الناظمة معتمدة على ما يحفظه المبدع من لغةٍ مع حسن التصرف فيها، والثالث القوة الملاحظة مع البصيرة بطرق اعتبار الألفاظ والمعاني، والرابع القوة المستقصية الملتفتة يعينها حفظ المعاني والتواريخ وضروب المعارف45، ولا يتوقف عمل المبدع هنا، بل يعرض ما نظم على نفسه ليلاحظ ما يمكن إضافته أو إنقاصه أو تعديله في نصه.46

وكأنّ حازم القرطاجني -في هذه النقطة- واقع تحت تأثير ثنائية اللفظ والمعنى لأنّه نظر إلى القصيدة على أنّها مجموعة من الأجزاء المنفصلة، بعضها مرتبط بالمضمون والآخر بالشكل، وهو ما أدّى به إلى أن يتصوّر الشاعر يفكّر في كيفية وضع معناه، ثم سبل تجسيده باللفظ والعبارة والأسلوب والوزن اللائق به، مع الأخذ بعين الاعتبار الأوضاع الثقافية المتدنية في عصره، ما جعله يؤكّ