أنساق الحبّ المؤرخنة - مقاربة الجدل في أدب الجاحظ وابن حزم -
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
08
09
10
11
12
13
14
15

العدد 20 جوان 2015 N°20 Juin 2015

أنساق الحبّ المؤرخنة - مقاربة الجدل في أدب الجاحظ وابن حزم -
pp: 260 - 270

خيرالدين دعيش
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

تلخص هذه المداخلة مقاربة الجدل بين ما هو نسقي وبين ما هو تاريخي في التراث الأدبي العربي، وذلك من خلال مراجعة نصوص ابن حزم الأندلسي ونصوص الجاحظ، وكيفيات تمثّل حالات الحبّ والعشق وتمثيله في النصوص الأدبية، وكيف أنّ هذه النصوص تعقد مقاربة بين ما هو من الحالات النفسية والأهواء والطبائع البشرية في شكله النسقي البنيوي وبين ما هو تجريبي فعلي منتج للتاريخ وللواقع، إنّ تمظهر الحالات النفسية والشعورية لا يمكنه أن ينكشف إلاّ من خلال ممارسة الإنسان للفعل التاريخي عبر الزمن وداخل العلاقات الإنسانية الفعلية.

الكلمات المفاتيح:النسق، التاريخ، الزمن، التزمن، الجدل، التراث.

Cette feuille résume l'approche dialectique entre ce qui est systématique et ce qui est diachronique dans le patrimoine littéraire arabe et ce, à travers la relecture des œuvres d'Ibn Hazm el-Andaloussi et celles d'el-Jahidh, et comment arrivent-elles à présenter et représenter l'amour dans les textes littéraires. Ces derniers tentent d'établir une approche entre les états psychiques, les mœurs et les caractères humains dans leurs formes structurelles et entre ce qui est expérimental et effectif, disant productif de l’Histoire et de la réalité. La manifestation des états psychiques et émotionnels ne peut être découverte que par la pratique de l’Homme des actes historiques à travers le temps et dans les relations humaines réelles.

Mots Clés: Système, Histoire, Temps, Dialectique, Tradition.

This paper summarizes the dialectical approach between what is systematic structural and what is diachronic in the Arab literary heritage, through rereading the works of Ibn Hazm Al-Andaloussi and those of Al-Jahidh and how they arrive to present and represent love in literary texts. These texts try to establish an approach between mental states, morals and human characters in their structural forms and between what is experimental and effective, and even productive of History and reality. The manifestation of psychic and emotional states can be discovered through the human being practice of historical acts through time and human relationships.

Keywords:System, History, Time, Dialectic, Tradition.

Quelques mots à propos de :  خيرالدين دعيش

 أستاذ محاضر أ فسم اللغة والادب العربي، مدير مخبر البحث "الجماليات في الدراسات الأدبية والنقدية"، كلية الآداب واللغات جامعة محمد لمين دباغين سطيف2

مقدمة

"إنّ الإنسان منتج كلّ ما هو إنساني ... والبشر هم الذين يخلقون اللغات والأساطير والأديان والمجتمعات، ولولا ذلك لانتهينا إلى تصوّر مستلب للبنية، فبدلا من أن نرى فيها نموذجا علميا بناه الإنسان، سنمنحها قواما أنطولوجيا"1.هذا ما نقله "روجيه غارودي"Roger Garaudyعن "بول سيباغ" Paul Sebagفي محاولةً منه لمقابلة الذات العارفة بالذات الفاعلة، وتأطير التصوّر الجدلي العالق بين القول بالنسق العام ونموذجيته وبين الإقرار بحقيقة الممارسة التاريخية للإنسان (Praxis)*

لقد بات واضحاً في فهم أصحاب المنظور البنيوي وعند دعاته التسليم بمقولة النسق العام، وكذا الأساس الشامل المحدّد لأنساق السيرورة التاريخية، هذه السيرورة التي تشتغل -في شكلها ومضمونها- وفق أنموذج ثابت وكلّي متعالٍ على الزمن، بل إنّ المزاعم فوق كلّ تصوّر حين يصبح هذا الأنموذج أسبق في الوجود على كلّ الأنظمة البشرية وليس لهذه الأنظمة حينئذ إلاّ أن تُعيد تمثيل صورة الأنموذج الأوّل لتشكيل نماذج Modelsمتكرّرة، يقول فؤاد زكريا: "فالبنائية -مثل فلسفة كانت- تبحث عن الأساس الشامل اللازماني، الذي ترتكز عليه مظاهر التجربة، وتؤكّد وجود نسق أساسي ترتكز عليه كلّ المظاهر الخارجية للتاريخ ..."2. ولم يتجاوز حقلُ الدراسات الأنثروبولوجية مثلَ هذا الطرح والاعتقاد، حين تقرّر عندها تأكيد مراجعة النموذج الأوّل فيما تعلّق بالبحث في الثقافات والأديان والسلوك والأساطير وكلّ الأنماط الاجتماعية، من منطلق أنّ هذه الأنماط تنحدر من نموذج بدائي في صورتها المتكرّرة عند أغلب الأجناس البشرية. ويُعدّ "نورثروب فراي" NorthropFryeأبرز ممثلي هذا التصوّر من خلال نظرية (الأنماط العليا والنماذج البدائية) التي عرضها في كتابه (تشريح النقد) سنة 1957ومفادها: "أنّ كلّ إنسان يرث من جنسه البشري قابلية لتوليد (الصورة الكونية) التي وُجدت منذ دهور سحيقة في النفس حين كان الإنسان مرتبطاً بالطبيعة" 3، وهي الفكرة نفسها التي استوحى منها "كارل يونج" Carl Jungمقولته (اللاشعور الجمعي) ضمن مدرسة التحليل النفسي.

بينما ينزع النقد الوجودي إلى تفتيت هذه المعادلة الفلسفية الرائجة في فكر أصحاب الاتّجاه البنيوي، ومحاولة عرضها في شكل جدل أنطولوجي، تستقيم وفقه حركة قطبَيْ المعادلة ( البنية والتاريخ )، ولعلّ ما قدّمه "سارتر" Sartreفي كتابه (دفاع عن المثقّفين) أوضح تعريف بهذا النقد للاتّجاه البنيوي، حيث عاب على هذا الأخير إبعاد القطب الثاني من حقل الدراسات البنيوية والاهتمام المفرط بالبنية Structureفي ذاتها، بل إنّ التاريخ -بدوره- ينتج البُنى كما أنّ البُنى تنتجه وتثري سيرورته: "...والواقع أنّ البنية تصنع الإنسان بقدر ما أنّ التاريخ -أي الممارسة السيرورية هنا- يصنع التاريخ، إنّ الدراسة البنيوية إذن لحظة من أنثروبولوجيا يُفترض فيها أن تكون تاريخية وبنيوية معًا"4.

إنّنا نتصوّر -تبعا لهذا المفهوم- شكلاً نمطياً يتكرّر في كلّ لحظة تاريخية، وتتكرّر معه اللحظة التاريخية في نظامها الأفقي، فالشكل النمطي اللازمني إنّما هو نمذجة لسلوك إنساني أو مظهر اجتماعي أو طقس ثقافي لا يمكن أن يوجِد لنفسه كينونة ومعنى إلاّ داخل الحيّز الزمني، وليس للنموذج (النسق) أنطولوجيا إلاّ داخل أنطولوجيا الفعل والممارسة التاريخية، بل إنّ الجدل يتّضح تدريجيا في أفهامنا كلّما أمكننا التفريق بين وعي الذات بالبنية معرفيا خارج حدود الزمن، وبين وعيها بهذه البنية وهي تتموضع سلوكاً وحدثاً داخل سياق تعاقبي يصنع التاريخ، يقول "ريمون آرون"  R. Aron: "ولئن كانت سلسلة المضامين التاريخية تَرد إلينا ما يعادل الحياة المنقضية، فذلك لأنّ استمرارية التجربة المعيشة، تتواصل مع التركيب العقلي"5. وليس المقصود بهذه الأسطر المتقدّمة محاولة لعرض أشكال متعدّدة في تعريف البنية أو التاريخ، بقدر ما هي تقريب نظري لفكرة الجدل الحاصل بين الثنائية وبين القطبين، وهو الجدل الذي حاولت كلّ نظرية -على اختلاف مناهلها الفلسفية والفكرية- أن تشدّه إليها وإلى مبادئها. إنّ ما يكوّن المادة الأولى للتاريخ كشكل، إنّما هي تلك البنى والأنصاف في أبسط صورها وفي أعقدها، فهو جملة من الأحداث والوقائع والأنماط والصور والمظاهر التي يمكن أن نقول عنها إنّها تتكرّر وتتزمّن، ولكن دونما نمذجة Modalitéأو نمط أعلى، إنّنا نعيش ماضينا بصورة وبأخرى وهو ممتد فينا، ولكن لا نشعر باستمرار بهذا الماضي لأنّ الحاضر له ما يطبعه ويفسّره، ولأنّ كلّ بنية قد تشبه بنية أخرى ولكنّها ليست هي بعينها كما يوضّحه "برغسون" H.Bergson: "إنّنا نرى أنّ الديمومة شيء واقعي بالنسبة للشعور الذي يحتفظ بأثرها، ولا يحقّ لنا من ثمّة أن نتحدّث هنا عن حالات متشابهة، لأنّ اللحظة الواحدة لا تظهر مرّتين" 6. والواقع أنّ وعينا بالأشياء هو الذي يصنع علاقات المشابهة بينها وبين مختلف الظواهر، وهو ما يفسّر حضور الذات في تأطير العلاقات وترتيبها والحكم عليها، فالذات حاضرة هنا حضوراً تاريخياً ولا يمكنها أن تتعالى على الزمن لأنّ الربط بين الأشياء ومختلف الظواهر يستوجب حركة نفسية وفكرية واعية لا يمكنها أن تضع الزمن جانباً، وهو في النهاية وعيناً بالتاريخ وبالبنى معًا. إنّنا إذن، نمسك بالبنى وندركها ولكن الذي يفسّر وجودها إنّما هو تعاقبها واختلافها من لحظة إلى أخرى، حتّى ولو كانت كلّ البنى تكرّر إنتاج صورة النموذج الأوّل والنمط الأعلى على حدّ قول "فراي" F. Northrop، أمّا التزامن فلا يفسّر البنية إلاّ في ذاتها لأنّها تعالت على الذات: "إذا كان التعاقب يعني وجود ذات شاهدة على مجرى التغيير والانتقال بالظاهرة من حال إلى حال، بل قد تتدخّل الذات في هذا الانتقال، فإنّ التزامن هو منطق تغييب الذات "7.

لقد شدّ انتباهي وأنا أعود إلى قراءة بعض النصوص الأدبية من تراثنا العربي حضور هذا الجدل ووقوعه في محلّ إعرابها، ولست أدري إنْ صحّ لي أن أسمّي هذه النصوص "طوق الحمامة لابن حزم ورسائل الجاحظ" عملاً أدبياً بالمعنى الذي يتداوله أهل النقد حول مفهوم الكتابة والإبداع الأدبي؟ والحقيقة أنّ هذه النصوص قد استوقفت قراءتي لها بما حوته من مادة مضمونية أتصوّر أنّها تعكس صورة معرفية ما عن الجدل الذي أشرنا إليه، وإن كنتُ أدرك تمام الإدراك أنّ صاحبيْ هذين الكتابين لم يقصدا تقديم المادة بالشكل المفاهيمي والطرح الفلسفي الذي نروم البحث فيه، بل إنّ محاولتنا نحن، ونحن وحدنا، مَن أراد تقريب تلك النصوص من مفاهيم متجاوزة للإقليمية وللزمانية والقومية، ذلك أنّ المعرفة نتاج بشري تراكمي لا تختص به أمّة دون أخرى ولا هي وقف على عقل دون آخر.

1-طوق الحمامة، جدل المتزامن والمتزمّن

يتأسّس الكتاب على مادة سيكولوجية في عموم مضامينه، من خلال ما أراده " ابن حزم" من سبْر لأغوار النفس البشرية ولكوامنها، من نوازع وأهواء وطباع تتأرجح بين التواري والظهور ضمن سلوكيات عملية وإشارات وعلامات لغوية وغير لغوية، فهي ما يترجمه المرء عن عالمه الداخلي المعقّد والمركّب من شعور نحو موضوع معيّن يدركه أو يحْدِسُه أو يشتهيه أو ينقبض منه أويهيم به، وهي علاقات داخلية متداخلة ومتنوّعة تنوّع الإنسان في عوالمه النفسية. فكتاب "طوق الحمامة في الألفة والألاّف" وبدءا بعنوانه، يكشف عن صورة ما لبنية متكرّرة، وعن نسق نمطي شامل يحوي جميع النماذج والأشكال، والعنوان -بما تضمّنه من أدبية ما في تركيبه واصطفاء ألفاظه- يعكس دلالة مُتَبَنْينَةً ومغلقة معنوياً في المستوى الوظيفي للفظة ومع ما يجاورها من ألفاظ، لذلك نتساءل: ما الذي جمع بين الطوق وبين الألفة والألاّف في تركيب واحد؟

إنّ التحليل النصّي للتركيب يستدعي في كثير من الحالات الاستعانة بعناصر الإجراء الدلالي، لكشف العلاقات التركيبية القائمة والمتفاعلة بين البنى السطحية وبين البنى العميقة في مستوى كلّ لفظ وكلّ سياق، وكذا كشف الأنساق الدلالية التي تشتغل داخلها هذه البنى وتتفاعل، بما يعين على تقريب الدلالات من مرجعياتها وفهم كفاءاتها وكيفيات أدائها، فالطوق -في شكله المستدير- يشير إلى لا نهائية استدارته وإلى استحالة معرفة نقاط بدايته من نقاط نهايته، إذ كلّ نقطة فيه تشكّل البداية والنهاية معا في كامل شكله والطوق وفق هذا العرض يعكس مبدأ البناء والانبناء والعودة في كلّ مرّة إلى المحورية والتمركز الذي يوقف الزمن لكي يتعالى على الذات، فهو: "تعطيل الممكنات التي تختبئ في لحم الشيء، والاكتفاء بلحظة السكون الحيادي حيث تستدعي الآن الـــــــ "هُنا""8. ثمّ إنّ الطوق، في تركيبه وصناعته، مجموع حبّات متكرّرة تأخذ الشكل نفسه والنموذج النظير عادة، وإذا كنّا نكشف في واقعنا عن أطواق مختلفة التركيب كأن نقول: طوق الياسمين وطوق اللؤلؤ وطوق اللوريا Lauréate، فإنّنا نجدها في النهاية مجموع وحدات متماثلة ومصفوفة ومرتّبة في نسق واحد، لذا فإنّ هذه النمذجة هي تراتب وتواتر بنية واحدة تكشف دلالةً ما متعلّقة بمَتْنِ الكتاب، وما يحاول هذا المتن تقديمه من حالات شعورية وأهواء وعواطف وبُنى نفسية متكرّرة، ولا نكاد نستثني منها نفساً بشرية باعتبار أنّ  النموذج واحد وأنّ البنية ذاتها لم تتغيّر، يقول "ابن حزم" في ماهية الحبّ: "والذي أذهب إليه أنّه اتّصال بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخليقة في أصل عنصرها الرفيع... "9.

أمّا لفظ "الألفة" فإنّه يتعالق مع لفظ "الطوق" دلالياً، فالألفة تحوي صورة الثبات على هيئة ما والبقاء على تلك الحال المتكرّرة، ونحن نألف الشيء إذا ما صار من عاداتنا، وإذا تكرّر في كلّ مرّة بالشكل وبالصورة المعهودة حتّى ليكاد يقع ويقبع في هامش شعورنا وإدراكنا، فالألفة إذن، حالة من كمون الذات وسكونها أمام موضوع ما ثابت ومتكرّر، يتجلّى في كلّ مرّة بنية متنمذجة تلغي المسافة تدريجيا بينها وبين الذات، وهي المسافة الجمالية التي تحدّد نوع العلاقة بين الذات وبين موضوعها، فالمتكرّر دائما بشكله وخصائصه وصورته المألوفة يمتص الذات تدريجياً في إدراكها وفي تأطيرها له حتّى ينتهي الأمر إلى إلغائها نهائيا، لأنّ بقاء المسافة مشروط بتجدّد الموضوعات وتعدّد المحتويات، وهو ما يخرج هذه العلاقة "الذات/الموضوع" من دائرة المتداول والمُسْتَهْلَك .

أمّا التداول فيمكن أن نستشفه من صيغة الجمع التي تعرض لنا لفظ "الألاّف" وهو آخر كلمة من العنوان، فيبدو أوّل الأمر أنّ الاشتقاق من الاسم "الألفة" قد حمل معه صفة السكون والثبات، غير أنّ المناورة تكاد تفضح حالتها بين الثابت والمتغيّر، بسبب ما يوقعه هذا اللفظ من أثر في مخيّلة القارئ وفي إدراكه، فحركة الانتقال أثناء القراءة البصرية من لفظ الألفة إلى لفظ الألاّف توهم القارئ بانتقال ما وقع على اللفظ الأوّل من حكم إلى اللفظ الثاني، لولا الصيغة الصرفية التي تشكّل بها لفظ الألاّف، فصيغة المبالغة والجمع هي التي أنتجت هذا الجدل بين حالة اللفظين، على أنّ الأوّل ثابت بينما الثاني متغيّر، لأنّ صيغة الجمع "الألاّف" قد فتحت معنى التعدّد والتغيّر، وكذا اختلاف الحالات بين هؤلاء الألاّف درجةً وكيفًا. إنّ التداول هو الذي من شأنه أن يضفي على الشيء وعلى المفهوم وعلى الحالة صفة الحركة والتغيّر، في كيفها وشكلها وعددها ودرجة تأثيرها، لأنّ الذي يتداولها ذوات، والذوات تتفاوت إدراكاً وشعوراً وتفاعلاً.

فعنوان الكتاب إذن، يفصح عن حركة دلالية تتراوح بين الثبات والتغيّر، من خلال قراءة متأنية تتجاوز اللفظ في بنيته السطحية وصولاً إلى بنيته العميقة، وما تحيل عليه هذه البنية من مرجعيات متنوّعة تُفَعّل مِخْيالَ القارئ وتستدرج ردّة فعل التفكير عنده، في محاولة لكشف العلاقات الموجودة بين اللّغة المعروضة وبين ما تستحضره هذه اللّغة وما تستدعيه من الفضاء الدلالي.

والحقيقة أنّ ملامح الجدل بين البنية وبين التاريخ لا تلوح إلاّ في تضاعيف متن الكتاب، الذي عكف صاحبه على تقديمه بين يديْ القارئ نصّاً متداخلاً ومتعالقاً مع نصوص أخرى كالشعر والحكايات والأخبار، ممّا قد يعضد أساليب الإقناع والإمتاع فيما أورده من تلك النصوص، فقد اعتمد "ابن حزم" نظام الأبواب في تقسيم مادة كتابه مشيرا إلى هذا التقسيم قائلا: "وقسّمتُ رسالتي هذه على ثلاثين بابًا، منها في أصول الحبّ عشرة.... ومنها في أعراض الحبّ وصفاته المحمودة والمذمومة اثنا عشر بابا .... ومنها في الآفات الداخلة على الحبّ ستّة أبواب .... من هذه الأبواب الستّة بابان لكلّ واحد منهما ضدٌّ من الأبواب المتقدّمة الذكْر..."10. والمؤلِّف يحاول في كلّ باب تعزيز مادته بنسج من الشعر والنظم أو بسرد لوقائع عايشها أو بأخبار سمعها هنا وهناك، ولعلّ هذا التنوّع والتضمين النصّي هو الذي أوحى بفكرة الجدل القائم بين ما هو مشترك ثابت في النفس البشرية وبين ما هو فردي متغيّر متوقّف على الممارسة الفردية لكلّ واحد منّا إزاء هذا الثابت والمشترك. فلقد اعتمد "ابن حزم" الوصْفَ في عرض المادة النفسية المتضمِّنَة لمجموع الحالات والعواطف والأهواء والصفات المحمودة والمذمومة التي تصاحب الشعور بالحبّ، على افتراض أنّ هذه المادة تشكّل بنية ثابتة تتمحور حولها النفس البشرية قاطبة ولا يعتريها التغيّر، فهي دائمة دوام تلك النفس ومتأصّلة تأصّلها، يقول: "...فعلمنا أنّه شيء في ذات النفس، وربّما كانت المحبّة لسبب من الأسباب وتلك تفنى بفناء سببها "11.

بينما ينهج الكاتب -في إيراد الأخبار والحكايات- نهج القاص والسارد للأحداث والوقائع، مقتفياً في ذلك أثر الحالات النفسية وخبايا الحبّ وأعراضه داخل فضاء الممارسة التاريخية للإنسان، فالأخبار التي يرويها الكاتب هي مَشاهد إنسانية واقعة في زمن ما من الأزمنة، وهي يقين "ابن حزم" فيما ذهب إليه من عرض ووصف ومعاينة للنفس في مشاعرها وأحوالها، والأخبار في هذا الكتاب تأتي على مسلكين أحدهما يكون الخبر فيه مُضمَّنًا داخل الحديث عن الحبّ وأصوله وأعراضه وصفاته فيمتزج حينئذ الخبر مع الوصف، والثاني يتفرّد فيه الخبر بقصّة مستقلة عن الحديث والوصف، فتكون غالباً في آخر الكلام تحت عنوان "خبر".

أمّا الشعر فيكاد يكون الميزة الأدبية الوحيدة في هذا الكتاب، وهي أشعار نظمها "ابن حزم" وقوفًا عند كلّ باب من أبواب كتابه تقريبا، ولم يستعر فيها بيتاً واحدا لشاعر من الشعراء بل هي نضمه وأسلوبه وإبداعه، فغالباً ما نجده يستبق أشعاره قائلا: "وفي ذلك أقول -وفي ذلك أقول قطعة منها-وأقول في ذلك شعرا -وأقول- وفي مثل هذا أقول شعرا منه..." ثمّ يورد أبياته بين مقاطع لا يتجاوز عدد الأبيات فيها الستّة ولا يقلّ عن البيتين وبيْن قصائد تربو الأبيات فيها على العشرة والعشرين. والمقاطع والقصائد في عمومها محاولة لترجمة ما هو منثور من حديثه ووصفه وعرضه، فالأبيات تأتي تكملةً وامتداداً لحديثه أو تأكيداً لِمَا ذهب إليه أو تأتي تشبيهاً وتفسيراً وتعليقاً، ومن نماذجها قوله:

ولقد كانت هي وجميع أهلها ممّن لا تتعدّى الأطماعُ إليهن، ولكن الشيطانَ غيرُ مأمون الغوائل، وفي ذلك أقول:

لا تُتْبِع النفْـــــــــــــــــــــــــــسَ الهَوى             ودَعِ التعرُّضَ للمِـــــــــــــــــــــــــــــحَنْ

إبليــــــــــــــــــــسُ حـــــــــــــــــيٌّ لمْ يَمتْ           والعــــــــــــــــــــيْنُ بـــــــــــــــــــــابٌ للفِتنْ

وأقول:

وقـــــــــــــــــــــــــــــائلٌ لــــــــــــــــــي هذا                   ظنٌّ يزيــــــــــــــــــــــــــــــــــدُكَ غـــــــــــــــَيَّا

فقلتُ دعْ عنكَ لوِمـــــــــــــــي                      أليْسَ إبليــــــــــــــسُ حيَّـــــــــا12

ولم يخضْ "ابن حزم" في كتابه هذا خوْض المستهتر اللاهي، بقدر ما أبدى شخصية المتديّن الورع في تناول موضوع الحبّ والهوى والعشق، إذ لم يكن المبتغى منه إلاّ دفعاً إلى الخُلُق الكريم الفاضل والخاطر الطيّب والنفس السامية، يقول: ".. ليكون خاتمة إيرادنا وآخر كلامنا الحضُّ على طاعة الله عزّ وجلّ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فذلك مفترض على كل"مؤمن"13. فلمّا كان ذلك مقصده عكف على تضمين كتابه شيئاً من آي القرآن الكريم والأحاديث الشريفة والأقوال المأثورة عن الصحابة والصالحين، فضلا على النصوص الشعرية والأخبار والحكايات، فهو في النهاية فضاء من النصوص المتعالقة والمتلاقحة شكلاً ومعنى لاستيفاء غرض الكتاب.

إنّ طوق الحمامة يشكّل مصبّاً فكرياً لمختلف أجناس الكتابة والتعبير، فيلغي بذلك الحدود بينها ويقرّ بنظرية تعدّد الأنواع وتداخلها ضمن نصّ واحد متفرّد في شكله ونوعه، بل لقد بدا "ابن حزم" في هذا الكتاب مؤرّخاً ومبدعاً في حركة حديثه بين السرد والتأليف وبين اشتغاله ناقلاً وقائلاً، ولعلّ فضاء الجدل يمتد بين حركتَيْ نقله وقوله، ولسنا نعني هنا بما نقله، إلاّ الأخبار والحكايات ولا نعني أيضا بما قاله إلاّ ما جاء في حديثه عن الحبّ وأعراضه وماهيته وما حُمِد منه وما ذُمَّ فالمادة التي يعرضها الكاتب من خلال كتابه تكشف عن حركة ما وراء صورة ضبابية للجدل القائم بين الثابت وبين المتحوّل، لهذا فإنّ الجدل لا يتجلّى إلاّ باستقراء هذا الثابت وهذا المتحوّل وخرق تلك الصورة التي يتوارى خلفها.

تقوم حركة الجدل داخل الكتاب بين مادة أصلها ثابت ثبات الطبيعة الإنسانية، وبين أخرى متغيّرة تغيّر ممارسة الإنسان حيال هذه الطبيعة الثابتة، وليس الجدل إلاّ حصيلة تلك الحركة الممتدة بينهما، لأنّ البنية تعاود تشكيل نموذجها الثابت من خلال حركة ما هو متغيّر: "إنّ التعريف المبدئي للبناء أو البنية structureيقوم على اعتباره مجموعة من العلاقات الثابتة بين عناصر متغيّرة يمكن أن ينشأ على منوالها عدد لا حصر له من النماذج"14. والواقع أنّ المادتين تشغلان نصّاً واحداً في معناه وفي تركيبه، ولكن ليس من حيث الزمن المستخدم في تقديم المادتين، ذلك أنّ "ابن حزم" في معرض الحديث عن أحوال النفس وعن الحبّ وأعراضه وماهيته إنّما يعتمد الآنية "التزامن" التي تستقيم مع الوصف والمعاينة والإحاطة بدقائق الموضوع، وهو سبيله في كلّ باب من أبواب الكتاب، ولا أدلّ على ذلك من صيغ الأفعال المضارعة ومصادرها التي تصاحب كلّ عرض ومعاينة، وهذه نماذج من حديثه وعرضه يقول:

- ولا يعرض في شيء من هذه الأجناس المذكورة، مَنْ شُغْل البال والوسواس "باب الكلام في ماهية الحبّ".

-ومن الدليل على هذا أيضا أنّك لا تجدُ اثنين يتحابان إلاّ وبينهما مشاكلةٌ" باب الكلام في ماهية الحبّ".

- وللحبّ علامات يقفوها الفَطِنُ، ويهتدي إليها الذكيّ "باب علامات الحبّ".

- ومن غريب أصول العشق أن تقع المحبّة بالوصف دون المعاينة "باب من أحبّ بالوصف".

- ومن الناس مَن لا تصحّ محبّته إلاّ مع المخافتة، وكثير المشاهدة ومتمادى الأنس"باب من لا يحبّ إلاّ مع المطاولة".

- واعلم أنّ العيْنَ تنوب عن الرسُل، ويُدرَك بها المراد"باب الإشارة بالعين".

- وقد تعرض في الحبّ الإذاعة، وهو منكر ما يحدث من أعراضه "باب الإذاعة".

- ومن عجيب ما يقع في الحبّ طاعة المحبّ لمحبوبه "باب الطاعة".

- وأوّل مراتب الوفاء أنْ يفيَ الإنسان لمَنْ يفي له "باب الوفاء"15.

فهو يقف على المادة النفسية في صورتها الخام التي لا يمكن أن يضبطها الزمن إلاّ زمن الوقوف عندها وزمن تأطيرها وهو زمن الآنية المتعالية على الفعل، ولا يمكن معاينتها داخل الفضاء الزمني بعيداً عن الممارسة الإنسانية للتاريخ فهي في حقيقتها مادة تشكّلها مجموعة البُنى القارة في العوالم الداخلية للنفس البشرية، والتي قد لا يستقيم معها إخضاعها للقياس الزمني والكمّي، وانظر، تَبعًا لذلك، إلى القوالب اللغوية (التركيب) التي حُوِّرَتْ داخلها هذه المادة، فهي قوالب فضفاضة لا تشير إلى تخصيص أو استثناء أو قصر أو حصر بقدر ما تدلّ على شمولية في الإحالة والتعيين، فابن حزم حين يقول: "وأوّل مراتب الوفاء أن يفي الإنسان لمن يفي له" فإنّه يقف أمام نموذج خُلُقي وإنساني عام "الوفاء" لا يمكن أن يكون حكراً على شخص دون آخر، لهذا جاء بلفظ الإنسان والاسم الموصول "مَنْ" على سبيل التعميم والشمولية والأمثلة كثيرة من هذا الكتاب التي لا يسمح مقامنا هنا أن نذكرها جميعا.

ويختلس "ابن حزم" مساحات كثيرة من الفضاء النصّي ليوظّف نمطا آخر من الكتابة، هو الكتابة التاريخية التي تفترض بدورها شكلاً جديداً من أدوات التعبير والأسْلبة فهو من خلال هذه النصوص المتسلّلة يعرض لوحات تاريخية الأصل فيها الممارسة والتعاقب في الوقائع والمشاهد الواقعة تحت منظار الذات وتأثيرها، والحقيقة أنّ هذه الممارسة ليست إلاّ تفعيلاً لتلك المادة النفسية الخام، وتحويرها مِن قِبَل الذات الإنسانية داخل سيرورة تطوّرية تفترض حضور الزمن واشتغاله "التزمّن"، وهنا بالضبط تطفو إلى السطح ملامح الجدل بين ما هو ثابت وبين ما هو متحوّل. فالكاتب في أخباره التي نقلها يوظّف مادة تاريخية متحرّكة باستمرار تستلهم عناصرها من مادة ثابتة قارة هي المادة النفسية التي يعرضها في كلّ باب، وهو ما يستدعي حضوراً واعياً للذات القارئة لتأطير هذه العلاقة الجدلية وفهمها في امتدادها بين ثنائية (البنية/ التاريخ)، وإذا قلنا بأنّ التزامن هو خصوصية ما هو نسقي وبنيوي وأنّه ثابت من خلال الأفعال المضارعة والمصادر والأسماء التي رصدناها قبل، فإنّ السرد المستخدم للأفعال الماضية وللحكي التأْريخي والتسجيلي هو خصوصية ما هو متحرّك ومتغيّر، من مثل ما جاء في كلامه في هذه التراكيب:

- ولقد علمتُ فتى من بعض معارفي قد وَحِلَ في الحبّ وتورّط في حبائلِه "باب الكلام في ماهية الحبّ".

- إنّه كان بيني وبين رجل من الأشراف ودٌّ وكيدٌ وخطاب كثير، وما تراءينا قطّ ... فما مرّت إلاّ أيام قلائل حتّى وقعت لنا مُنافرة عظيمة "باب مَن أحبّ بالوصف".

- وأنا أعرف فتى وجارية كانا يتحابان، فأرادها في بعض وصلها ...فقالت: والله لأشكونّك في الملإ علانية ولأفضحنّك فضيحة مستورة "باب التعريض بالقول".

- وإنّي لأعرف جارية اشتدّ وجدها بفتى من أبناء الرؤساء، وهو لا علم عنده "باب الوصل".

- ولقد شاهدتُ يوما محبّين في مكان قد ظنّا أنّهما قد انفردا فيه وتأهّبا للشكوى ...فلم يلبثا أن طلع عليهما مَن كانا يستثقلانه "باب الرقيب".

- ولقد وطِئتُ بساط الخلفاء وشاهدتُ محاضر الملوك فما رأيتُ هيبة تعدل هيبة محبّ لمحبوبه "باب الهجر".

إنّ هذه النماذج المستقاة تكشف بوضوح عن تمَوْضُعَ المادة النفسية -التي تحدّث عنها "ابن حزم"- داخل السيرورة التاريخية الممتدة بين التزامن والتزمّن، وليس الإنسان أو الذات، في حدود هذا المفهوم، إلاّ حلقة واصلة بين هذه المادة النفسية "البنية" وبين الممارسة الأنطولوجية والتاريخية لتلك البنية، لذلك فإنّنا كما بدأنا أوّل قول نعيده: ليس للنموذج "البنية" من أنطولوجيا إلاّ داخل أنطولوجيا الفعل وفي تضاعيف السيرورة التاريخية، يقول "روجيه غارودي": "...يمكننا أن نعطي البنى في التاريخ الإنساني مكانها، مكانها كلّه، وهو عظيم، من دون أن نجمّد في الوقت نفسه دينامية التاريخ بما ندّعيه من إقصاء، باسم البنية للمبادرة التاريخية ولفعل البشر الخلاّق"16. والواقع أنّ الالتباس confusionهو أوّل ما يطبع واجهة هذا الجدل الحاصل بين المادتين، حين يغدو الترتيب والتفاضل بينهما عملاً مضنياً بالنسبة إلى الذات القارئة، إذ إنّ الوعي بهذا الجدل يستوجب فتح إشكالية فلسفية عميقة ترجو الفكاك والخلاص من شغب السؤال التالي: أيّ المادتين ينتج الآخر البُنى أم التاريخ؟ أم إنّ الإنسان -على حدّ تعبير سيباغ- منتج كلّ ما هو إنساني ... والبشر هم الذين يخلقون اللّغات والأساطير والأديان والمجتمعات؟

2-رسائل الجاحظ، المتشاكل والمتضاد

ولدى الجاحظ في "رسائله" ما يُنبئ عن الجدل ويعزّز دلائله، ذلك أنّ بعض الرسائل عنده اجتمعت على بيان ما يختص بطبائع الإنسان، من غيرة وعشق ووشاية وحسد وشوق وصبابة ... (رسالة مفاخرة الجواري والغلمان/كتاب القيان/ رسالة العشق/ كتاب النساء ....)، وكلّها طبائع البشرية الأولى والأخيرة، قِسْمة بينهم وإرث الخالف عن السالف، لا يحوزها قوم دون قوم، ولا هي وقف على أمّة دون أمّة، إنّها بنية نفسية وشعورية قارة ومتواترة، وإنّما تتفاوت في الحضور والغياب بدرجات، وتسري في النفوس وتثبت في الوجدان وتطفو في السلوك بما تفاضَلَ به الناس بعضهم على بعض، في أجسامهم وكلامهم وأنماط عيشهم ومعيشتهم، وفي تقاليدهم ونماذج علاقاتهم الاجتماعية والثقافية والطبيعية، فالتفاوت والاختلاف إذن في نماذجهم لا في أنموذجهم، وفي أشكال تعاطيهم للطبائع والغرائز لا في أصلهم وجِبِلَّتِهم: "إنّ الفروع لا محالةَ راجعةٌ إلى أصولها  والأعجاز لاحقةٌ بصدورها، والموالي تبعٌ لأوليائها، وأمور العالم ممزوجة بالمشاكَلة ومنفردة بالمضادة"17. فأمّا ما تشاكل منها فمن طريق التشابه والتماثل والتواتر، وتلك أنساق "بنية" متكرّرة قارة في النفوس والأهواء والغرائز، لا تتبدّل من إنسان إلى إنسان، وأما ما تضاد منها فمن طريق أحوال الناس المتقلّبة من حال إلى حال ومن وضع إلى وضع، وهي منسوبة -في كلّ ذلك- إلى أوضاعهم وعلاقاتهم وأفعالهم وتفاعلاتهم وتلك مادة التاريخ الأولى (الفعل الإنساني/ المنتَج الإنساني) وَسيرورة لأفعال الناس في الأزمنة والأمكنة، شواهد وَترجمان عن الأنماط العليا المودَعَة في النفوس، ولولا المتضاد المختلف، الساري في حركة المعيش التجريبي "التاريخي"، ما دلّ على المتشاكل أمرٌ، وَما تكشّف من أخباره سرٌّ، وهي حقيقة في المتطابق والمتشابه والمتماثل، أنّى لكَ أن تَميزَ بعضه عن بعض من غير آية في التفاضل والاختلاف، وهي حال في الألوان والأقوال والأبعاد والأحجام والأجسام تفاوتُها معرفةٌ وتدرّجها إدراكٌ، وكيف للأصل أن يُعرف أصلا ما لم تدلّ عليه الفروع، فكيف لأنساق المتشاكل أن تُدرك ما لم يؤرخنها المتضاد اختلافا في مجرى الزمان والمكان، يقول "هربرت " H. Marcuse: "إنّ حقيقة الوضع الإنساني خفّية، وهي تُقهر -لا من قِبَل مؤامرة من أيّ نوع- بل من قِبَل المجرى الفعلي الواقعي للتاريخ"18.

وليس في رسائل الجاحظ من دلائل ما نسوقه على جدل الثابت والمتحوّل إلاّ ما كنّا قد أوضحناه من دلائل ابن حزم في"طوق الحمامة"، فتارة من المنظوم حجّةٌ وأخرى من المنثور شاهدٌ، وجميعها أقوال وأفعال داخل أشعار وأخبار وقصص وحكايات، يستهلها الجاحظ بكلام عن الطبائع الإنسانية والشرائع الإلهية، وكيف أودع الله في الناس أنماطاً نفسية خفية وأخرى جليّة يتفاوت جلاؤها بدرجات تفاوت أفعال البشر وتفاضلهم في السلوك والأقوال والحركة، كالحبّ والشوق والحسد والعداوة والغيرة والغيبة ...، وكلّها مترجمة في أفعال العباد وأقوالهم وسلوكهم: "... والعداوة عارية من ذلك، لا تتّصل إذا اتّصلت إلاّ بأفعال العباد ..."19، والعباد بعد كلّ ذلك شركاء في جواهر النفس وحقائقها، منها ما تمسكه الفطرة ويحفظه الطبع والسجية، ومنها ما تسوؤه المخالطة والمعاشرة والفعل.

وإذا كنّا قد أشرنا مع "ابن حزم" إلى أنّ حركة الجدل داخل كتابه "طوق الحمامة" تتراوح بين مادة أصلها ثابت ثبات الطبيعة الإنسانية، وأخرى متغيّرة تغيّر ممارسة الإنسان حيال هذه الطبيعة الثابتة، وليس الجدل إلاّ حصيلةً لهذه الحركة بين الثابت والمتغيّر، فإنّنا -ومع الجاحظ- ما نفتأ نستشعر حضور هذا الجدل بين تضاعيف رسائله المخصوصة في مراسيم العشق والشوق والنساء والقيان، وما نفتأ نقف على حالات "التزامن" التي يعقدها في معرض وصفه لأحوال النفس وأعراض الصبابة واليأس والكآبة المُركّبة في الخلق والخليقة، وهي حالات الجوهر الممتنع عن الفعل وعن "التزمّن" من الداخل، أي في تركيبها وفي عناصرها المكوّنة والمحدّدة، لكونها تعرض بنيات نمطية مطلقة، وتكشف عن أنساق كلّية مغلقة وشاملة ومنتظمة آلياً أو ذاتياً على حدّ تعبير "جان بياجيه" J. Piaget: "إنّ الخاصية الثالثة والأساسية في البُنى هي انتظامها ذاتيا، هذا الانتظام الذاتي هو ما يبقي على تحصّنها وبعض انغلاقها"20، والتحصّن والانغلاق لا يعني عدم تمثّلها وتمثيلها في الخارج المعيش /المتحرّك/المتزمّن بل إنّ حياتها ومبرّرات بقائها ووجودها مرهونة بالانتقال من حال التزامن "الثابت" إلى حال التزمّن "المتغيّر" الفاعل في التاريخ والمنتج للتاريخ في الآن نفسه، وإلاّ بقيت فاقدةً للمعنى والفهم والوجود حتّى، ما لم يعانقها الفعل والحركة والأثر، وهذا ما عني به "أرسطو" Aristoteفي إشارته إلى أنّ الحياة والسعادة والشقاء إنّما هي في الفعل 21.

والواقع أنّ الجاحظ -فيما أورده من شأن ذلك- كثيرُ الاستشهاد والإيراد للحقائق الفعلية وللنصوص المروية على سبيل الحجّة والدليل، قليلُ الكلام والإشارة إلى عموم المفاهيم ومطلق الأحكام المنوطة بالبنية النفسية والطَبْعية في البشرية، فنألفه لا يعطي المفاهيم والأحكام إلاّ ما يوفي حقَّها من النعت والبيان والتفصيل من غير تعليل أو تدليل ذلك أنّ ما يجري من حياة الناس وأفعالهم وعلاقاتهم هو القمين بالتعليل والتدليل، بما يوضّح اختلافهم في المعيش والظروف والمناسبات والمقامات والمنظورات، فإنْ كثُر كلامه وطال حديثه في النفوس والأهواء والطباع بما يصوّر طبيعة الخلق والخليقة فذلك من جهة التفصيل لا من جهة التعليل والتدليل،  ولعلّ هذا ما يبيّنه كلام الجاحظ في كتاب "القيان" حيث يطيل ويسهب في نعت العشق والحبّ وما تشاكل بينهما من حالات التعلّق والأنس، يقول :

- والعشق داءٌ لا يُملَكُ دفعه، كما لا يُستطاع دفع عوارض الأدواء إلاّ بالحمية.

-  وأنا واصف لكَ حدّ العشق لتعرف حدّه: هو داء يصيب الرّوح ويشتمل على الجسم بالمجاورة.

- وداء العشق وعمومه في جميع البدن بحسب منزلة القلب من أعضاء الجسم.

ثمّ يأتي إلى تفصيل ذلك بقوله:

- وصعوبة دوائه تأتي من قِبَل اختلاف عِلَلِه، وأنّه يتركّب من وجوه شتّى.

- فالعشق يتركّب من الحبّ والهوى، والمُشاكلة والإلْف، وله ابتداءٌ في المصاعدة، ووقوفٌ على غاية، وهبوط في التوليد إلى غاية الانحلال ووقف الملال.

- والحبّ اسم واقع على المعنى الذي رُسم به.

- ثمّ يتبعه حبّ الهوى، فربّما وافق الحقّ والاختيار وربّما عدَلَ عنهما.

- وهذا سبيل الهوى في الأديان والبلدان وسائر الأمور22.

فالجاحظ في مقام النعت والإبانة بما يفيد التزامن والوصف للأحوال العامة والأهواء المودعة في النفس البشرية على مطلق وجودها وشمول دلالاتها، وما نحسب هذه العبارة الأخيرة إلاّ سوْقًا للشاهد على عموم الحال في سائر الأقطار والأمصار والأديان والبلدان، ثمّ انظر إلى الألفاظ كيف ســـــــاقها الكاتب عامةً شاملةَ الدلالة، لم يُرَد بها وضعًــــــا مخصوصـــاً ولا حالة متزمّنة في الفعل الإنســـاني، بقدر مـا أراد بهـا نعت البنية العامة للنفس البشرية حيث ما حلّـت وحيث ما نشأت فالألفاظ من مثل (العشق/ العوارض/ الأدواء/ الحبّ/ الهوى/ المشاكلة/ الإلْف/ الابتداء/ الهبوط/ التوليد) قارة ساكنة سكون النفس وقرارتها، بعيدة عن التصريف وعن الفعل وعن الزمنية، بما يَعْضُدُ كلام الجاحظ عن الحدّ في تعريف العشق (وأنا واصف لكَ حدَّ العشق لتعرف حدَّه)، والحدّ منتهى الشيء وحافته وحرفه وشموله، لا يزيد على بُعده ولا ينقص من طرفه، كأنّها خاصية الانغلاق والشمولية التي رأينا بيانها مع "بياجيه" في تعريف خصوصيات البنية، وليس وصف الجاحظ وتصنيفه بأبعد عمّا يحيل إلى خصوصية البنى النفسية الشاملة الواقعة في وعاء كلّ ذي تركيبة شعورية وطبيعية، وهذا ما يستطرد به قائلاً : "فاعلم أنّه إذا أضيف إلى الحبّ والهوى المشاكلَةُ، أعني مشاكلة الطبيعة، أي حبّ الرجالِ النساءَ وحبّ النساءِ الرجالَ، المركّب في جميع الفحول والإناث من الحيوان، صار ذلك عشقاً صحيحاً"23. فالمركّب والمودَعُ في جميع النفوس (الفحول والإناث)، إنّما يتمّ بيانه بالوصف والنعت دون الفعل والتزمّن والحَدَثية، وهذا معنى قول الجاحظ (وأنا واصف لكَ حدَّ العشق)، والمعنى بيان أماراته وأحواله في الطبيعة على نحو ما تعارف عليه الخلْق وما توارثته العقول والنقول، وعلى نحو ما اتفقت حوله النفوس واجتمعت حوله الطبائع: "وممّا ينجر عن القول بالمشاكلة افتراض الاشتراك في العشق بين العاشق والمعشوق"24.

فإذا أردتَ استبيان ما لكلام "الجاحظ" من حقيقة الوصفية والتزامنية/السانكرونية، لاحظتَ معنا أسماءه وأفعاله التي أوضح بها المقصود، فعلمتَ معنا أنّ الأسماء عامة ســــاكنة يعتري أكثرها التعريف والتنوين والإضــــــــافة (الهوى/ المشاكلة/ حبّ الرجال/ حبّ النساء/ المركّب/ جميع/ عشقًا)، بما يتناسب وحالة الوصف والشرح والبيان لأمر العامة من أحوال تتّفق ولا تفترق، ولا يختص لأحد بها سبْقٌ ولا كسْبٌ ولا أهليةٌ، إلاّ ما تقاسمته الخليقة والنفوس بعضها من بعض سواء: "... وذلك من المشاكلة، وإجابة بعض الطبائع بعضا، وتوقان بعض الأنفس إلى بعض، وتقارب الأرواح ..."25، وعلمتَ معنا أنّ الأفعال (فاعلمْ/ أُضيفَ/ أعني/ لتعرفَ ...) مصروفة في مجملها إلى الحين وإلى الآنية "الآن"، بما يعضد حالة الواصف في وصفه، وبما ينفي الحدثية والتقرير عمّا اختصّ بعرض الأمارات وشرح الحدود والتصوّرات، وما شأن أداة التفسير في إحضارها (أي حبّ الرجال للنساء .....) ما لم تعزّز كلامه في الحدّ ووصفه للحبّ وللودّ؟

فأمّا إذا جئنا إلى أفعاله التقريرية الحاكية أو العيانية المنوطة بالتزمّن والحدثية، فالنسق يستتر وتخبو الآنية في مقابل بروز المنقضي والفردي والجزئي، فالفردية والجزئية صفتان للتزمّن ولإنتاج التاريخ، وكذا للمنقضي الذي يؤطّر زمكانيا فعل الفرد وتفاعله في كلّ لحظات حياته ومعاشه والواقع أنّ ما يطبع تلك الأفعال من حيث الخصوصية الزمنية والمكانية أنّها إنتاج تلك اللحظة بالذات دون غيرها من اللحظات، ودون غيرها من المعطيات الظرفية، لأّن كلّ ظاهرة محكومة ومحدّدة بشروطها 26، ما يجعل كلَّ فعل محكوماً بالخلفيات النفسية والمرجعيات السلوكية التي تؤسّس لكلّ فرد حياته الخاصة وعالمه المتميّز.

فإذا تتبعنا قول "الجاحظ": "وقد رأيْنا وبلغنا عن كثير ممّن قد تَلِفَ وطالَ جهدُه وضناهُ بداء العشق"27، وجدنا الخطاب قد تحوّل عن مسار الحالة الوصفية البيانية إلى الحالة الحكائية العيانية المتوافقة مع أغراض التقرير والتحقيق في الفعل، فلم يعد مقام الخطاب مقام الحديث عن البُنى والأنساق النفسية الشعورية الشاملة والعامة، بقدر ما تحوّل إلى مقام الحديث عن لحظات تجسّد تلك البُنى وتمظهر تلك الأنساق، ضمن سلسلة من الأفعال الفردية والوقائع الجزئية المنسوبة إلى كلّ فرد في فرديته وذاتيته.

وبيان ذلك في معنى قوله "مِمّنْ" الدالة على"مِنْ" التبعيضية المُدغمة مع "مَنْ" الوصلية، أي جزءاً وبعضاً من الخلق والناس وليس جميعهم، أمّا الأفعال فمصروفة إلى ما انقضى من الزمن وانتهى من الوقائع والأحداث، دلالة على التحقّق إمّا من طريق العيانْ أو من طريق الخبر المنقول باللسانْ : "وقدْ رأَيْنا وبَلَغَنا..."، فلا تكون " قدْ" مع الماضي إلاّ دالة على التحقيق والتقرير للأفعال المنقضية في الزمن، بما يفيد أنّ ما رآه الكاتب وما بلغه من أخبار الناس لم يكن إلاّ من جهة الأحوال الفردية والأحداث المخصوصة عند بعضهم، وهذا متناسب مع قوله: "مِمَّنْ قدْ تَلِف وطالَ جهدُه وضناه بداء العشق..."، حيث يتعاضد التبعيض "ممّنْ"  والفعل الماضي "تَلِفَ وطالَ" وحرف التقرير والتحقيق "قدْ"لاستفاء ما للتزمّن وللحَدَثية من معنى في حديث الكاتب وفيما جرى ووقع "فعلا وتأكيدا" من أحوال الناس وأمورهم، فهم في ذلك درجات تتفاوت تفاوت أحوالهم النفسية والاجتماعية والثقافية، وكذا ظروف الحياة عندهم وأحكام العقول والأفهام، وشروط المناسبة والمقام، لذلك نجد أنّ الأفعال وردودَها ليست واحدة فيما بينهم، موقوفة على درجات البنية الشعورية والنفسية والعاطفية لدى كلّ فرد منهم، وإنْ كانت واحدة عند جميعهم من حيث جوهرُها وماهيتُها، يقول الجاحظ: "فكذلك الظفر بالمعشوق يُسرع في حلّ عشقه، والعلّة في ذلك أنّ بعض الناس أسرع إلى العشق من بعض، لاختلاف طبائع القلوب في الرقّة والقسوة، وسرعة الإلْف وإبطائه"28، فليس الاختلاف، كما ترى، في الجوهر والحيازة والماهية، بقدر ما هو في السرعة والإبطاء والظفر والحلّ باعتبارها أفعالا مقرونة بالحدثية والتزمّن، وباعتبارها تجسيدا للمضادة التي أشار إليها "الجاحظ"، بينما تظلّ بنية العشق واحدةً بالمشاكلة ويظل نسق الأُلْفَة جامعا للجوهر وللماهية، سابقاً في الوجود قبل كلّ فعل وتزمّن : "إنّه مركّب في كلّ قلب، ممثّل في كلّ لبّ، توحّش النفس ممّا لم يمض على العُرف، ونفارها عمّا لم يجْر على الإلْف ...وقد زعموا أنّ المعاني البارزة إنّما قبلتها الطباعُ، وأذنت لها الأسماعُ، لقيامها في القوّة قبل الفعل، وتصوّرها في طبيعة العقل"29.

خاتمة

إنّ المعاني والصور والجواهر -كما جاء بها "ابن حزم" و"الجاحظ"- خلْقٌ في النفوس ومستودعةٌ في القلوب نسقاً منتظماً لا تحوير في تكراره وفي انتظامه، وليس العشق والحبّ والصبابة والألفة والشوق وغيرها من المعاني والجواهر إلاّ مضمون ذلك النسق ومادته الأولى في صورتها الخام وأساسها الماهوي، فهذا النسق موجود بالقوّة قبل وجوده بالفعل والحدثية، وإنّما تتنافر تلك المعاني والجواهر وتتضاد وتختلف حين يشحذها الفعْلُ ويستخرجها من كمونها التزامني/الوصفي إلى حال من الممارسة الإنسانية للتاريخ، أو إلى حال من الجدل الممتد بين المشاكلة وبين المضادة عند "الجاحظ" وبين الزمنية وبين التزمّن عند "ابن حزم"، وهل الإنسان غير تلك العلاقات المتشاكلة والمتضادة بينه وبين أقرانه ممّن رُكّب فيه ذلك النظام وتلك البنية؟ وهل الإنسان غير ذلك اللقاء الفعلي الواقع في الزمن بين النفوس والطبائع والأهواء، ليحصل الجدل ويُنتَجُ التاريخُ بفعل لقائه وممارسته: "الحبّ كامن في النفوس، بل سابق لخلقها، يكفي التقاء النفوس والصور لكي يخرج من كمونه ويظهر"30، ولعلّ هذا ما أشار إليه "غارودي" بأنّ الإنسان منتج كل ما هو إنساني.


1.         غارودي روجيه، 1979،البنيوية فلسفة موت الإنسان، ترجمة جورج طرابيشي، د ط، دار الطليعة، بيروت، ص 28.

Praxis  *  تعني التطبيق العملي، أو محاولات تغيير العالم، وبخاصة وسائل الإنتاج التي تقوم عليها البنى الاجتماعية. بينما تعني في الفلسفة الوجودية: ما ينكشف به الوجود في التاريخ.

2.        زكريا فؤاد، 1980، الجذور الفلسفية للبنائية، حوليات كلية الآداب، الكويت، ص 08.

3.        رومية وهب أحمد، شعرنا القديم والنقد الجديد، عالم المعرفة، ع 207، مارس 1996، الكويت، ص 33.

4.        سارتر جان بول، 1973، دفاع عن المثقفين، ترجمة جورج طرابيشي، دار الآداب، بيروت، ص 261.

5.        آرون ريمون، 1999، فلسفة التاريخ النقدية (بحث في النظرية الألمانية للتاريخ)، ترجمة حافظ الجمالي، وزارة الثقافة، دمشق، ص 197.

6.H.Bergson,1970,Essaisur les données immédiates de la conscience, édition puf, paris, p 88.

7.        إبراهيم عبد الله، 1996، معرفة الآخر (مدخل إلى المناهج النقدية الحديثة)، ط 2، المركز الثقافي العربي، بيروت، ص 64.

8.        المرجع نفسه: ص 63.

9.        ابن حزم الأندلسي، 2000، طوق الحمامة في الألفة والألاف، ط 1، دار ومكتبة الهلال، بيروت، ص 20.

10.      المرجع نفسه، ص 23.

11.       المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

12.      المرجع نفسه، ص 159.

13.      المرجع نفسه، ص 21.

14.      الشاروني حبيب وآخرون، 2002، الفلسفة المعاصرة، دط،دار المعرفة الجامعية، مصر، ص 96.

15.      ابن حزم، طوق الحمامة في الألفة والألاف، ص ص 22/104.

16.      غارودي روجيه، البنيوية فلسفة موت الإنسان، ص 113.

17.      الجاحظ، 1964، رسائل الجاحظ، تح: عبد السلام هارون، ج 2، دط،مكتبة الخانجي، القاهرة، ص 164.

18.      ماركوز هربرت، 2011، فلسفات النفي (دراسات في النظرية النقدية)، تر: مجاهد عبد المنعم،ط1،مكتبة دار الكلمة، القاهرة، ص 232.

19.      الجاحظ، رسائل الجاحظ، ج 1، ص 346.

20.          Jean Piaget ,1968 ,Le Structuralisme , édit ( Que sais-je ? ) , puf , Paris ,  p 13.

21.      أرسطوطاليس في الشعر، 1993، تحقيق: شكري محمد عياد، د ط، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ص 53.

22.     الجاحظ، رسائل الجاحظ، ج 2، ص ص 166/167.

23.     الجاحظ، رسائل الجاحظ، ج 2، ص 168.

24.     رجاء بن سلامة، 2003، العشق والكتابة، ط 1، منشورات الجمل، ألمانيا، ص 324.

25.     الجاحظ، رسائل الجاحظ، ج 2، ص 169.    

26.          H.Bergson, Essai sur les données immédiates de la conscience, p 88.

27.     الجاحظ، رسائل الجاحظ، ج 2، ص 168.

28.     المرجع نفسه، ص 169.

29.     أبو إسحاق القيرواني، 1989، المصون في سرّ الهوى المكنون، تحقيق: النبوي عبد الواحد شعلان، دار العرب، القاهرة، ص 67.

رجاء بن سلامة، العشق والكتابة، ص 322.



 

Pour citer ce document

خيرالدين دعيش, «أنساق الحبّ المؤرخنة - مقاربة الجدل في أدب الجاحظ وابن حزم -»

[En ligne] مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales العدد 20 جوان 2015N°20 Juin 2015
Papier : pp: 260 - 270,
Date Publication Sur Papier : 2016-01-15,
Date Pulication Electronique : 2016-01-12,
mis a jour le : 12/01/2016,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=1359.