أنموذج إنسان الحداثة في المقاربة الرؤيوية إلى العالم
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 21 ديسمبر 2015 N°21 Décembre 2015

أنموذج إنسان الحداثة في المقاربة الرؤيوية إلى العالم

نصر الدين بن سراي
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

في الواقع الفكري العالمي اليوم هناك رؤى متعددة ومتنوعة، تحاول كل رؤية أن تقدم نفسها على أنها رؤية تحمل الخلاص للإنسانية ؛ فيما تقدمه من مفاهيم ومشاريع، ومن جملة تلك المشاريع ما قدمته الحداثة التي أخذت طابعا أثيريا في صدى العالم الفكري، وباعتبارها رؤية للعالم حاولت أن تقدم تصورا لبناء إنسان حديث وفق نظرتها للعالم، حيث أعلت من شأن العقل وتقديس الذات الإنسانية ؛ من خلال النزعة العقلية وتوريثها للعلم المادي ،حيث قاربت مفهوم الإنسان من خلال هذين التصورين الضيقين، واستبعدت بعده الروحاني بعد أن أصبح الإنسان مرجع ذاته، وفي هذه الدراسة نحاول مساءلة الطابع الرؤيوي للحداثة حول مفهوم إنسان الحداثة، مستخدمين في  ذلك  الرؤية إلى العالم كأداة إجرائية لهذه المساءلة ،حتى نتقصى ما هو غير مرئي في العوالم المفهومية والفكرية للحداثة.

الكلمات المفاتيح : العالم، الرؤية، الإنسان، الحداثة، القيم.

Dans le fait intellectuel mondial, il existe aujourd'hui de nombreuses visions qui essaient de représenter le salut de l'humanité avec des concepts et des projets avancés. Parmi ces projets, celui présenté par la modernité, qui a eu le caractère éthéré en écho du monde intellectuel, considéré comme une vision du monde qui a essayé de présenter une vision pour construire un homme moderne en fonction de sa vision du monde, qui confirme la primauté de l'esprit et le respect de l'être humain, à travers la tendance mentale, héritée de la science physique, rapprochant la notion d'humanité à travers ces deux visions étroites, après à exclu le spirituel après que l'homme est devenu la référence de lui même, et dans cette étude nous essayons de questionner le caractère visionnaire de la modernité sur le concept de la modernité humaine, en utilisant cette vision du monde comme un outil procédural ; afin d'enquêter sur ce qui est invisible dans les mondes conceptuels et intellectuels de la modernité.

Mots clés :Monde, Vision, Homme, Modernité, Valeurs.

In the World's Intellectual fact, today there are many and varied visions, which tries to present itself as a vision bringing the salvation of humanity with concepts and projects. among them, the one presented by modernity, which took the ethereal character echoing the intellectual world, considered as a world view that tried to provide a vision to build a modern man according to his worldview, which confirmed the primacy of the spirit and respect for the human being, through the mental tendency, inherited to physical science, to approximate the notion of humanity through these two narrow aims, later excluded the spiritual after the man has become the reference of himself, and in this study we try to question the visionary character of modernity on the concept of  modern humanity, using that vision to the world as a procedural tool for this questionning, to investigate which is invisible in the conceptual and intellectual worlds of modernity.

Keywords:World, Vision, Human, Modernity, Values.

Quelques mots à propos de :  نصر الدين بن سراي

 طالب دكتوراه، قسم الفلسفة، كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية، جامعة محمد لمين دباغين سطيف2

مقدمة

تسعى الفلسفات والأفكار التي تقدم في العالم الفكري اليوم، إلى محاولة صناعة الإنسان، وتقديمه كأنموذج صالح لأداء المهام والوظائف التي توكل إليه، ودمجه في أطر إنسانية واجتماعية، وإدخاله في طور التحضر والتمدن، من خلال أساليب تربوية وعلمية، إلا أنه هناك رؤى مضمرة تقبع خلف كل أنموذج، ومن بين تلك الرؤى؛ الرؤية الحداثية التي تحاول أن تصيغ لنا أنموذجا لبناء الإنسان وفق فلسفتها، حيث نحاول تقصي هذا التوجه الفكري للحداثة من خلال أنموذج إنسانها. إلا أن هذه المساءلة لابد لها من عدة منهجية، لتتبع ذلك المشروع الممتد على فترة زمنية تقارب القرنين ،ومن ثمة فالباحث في الغالب، ما يجد نفسه محوجا إلى آليات منهجية ،ومفتقرا إلى تقنيات عملية على المستوى الفكري، ليسائل بعض المشاريع الفكرية، ومنتجات الفكر الإنساني، وإنها لمن الصعوبة بمكان خاصة إذا كانت تلك المشاريع أو المصطلحات، ذات معاني غير محددة البٍنيَة المفاهيمية، وهنا تزداد درجة الصعوبة وعدم الوضوح ،مما يؤدي بالباحث إلى صعوبة المساءلة وصعوبة القبض على معاني وآثار تستوجب أن تكون ممكنة ،حتى يقبض على بعض التمظهرات، لتلك المشاريع ليمارس عليها عملية التساؤل  والنقد الفلسفي.

وهنا يتحتم على الباحث أن يمارس فعل التنقيب بين ثنايا المناهج، عسى أن تسعفه عملية البحث من أن يعثر على منهج مناسب، ولكن كثيرا ما يقف عاجزا حتى وإن بدت له تلك المناهج أنها مسعفة، فيقع في كثير من الأحيان في الإهدارات والإفلاسات المنهجية، من حيث إنه قد حاول ممارسة فعل المساءلة النقدية لتلك المشاريع، بل أقصى ما صنعه هو أنه طبق تلك المناهج على تمظهرات لتلك المشاريع الفكرية الإنسانية، دون اللجوء إلى المساءلة البٍنية الكلية، التي تطمح إليها الفلسفة من حيث هي بحث في الكلي.

من تلك المصطلحات والمفاهيم الفكرية التي نسعى لمساءلتها: مصطلح الحداثة، ذلك أنه من المصطلحات الحاضرة حضورا أثيريا في الأوساط الفكرية العالمية. وفي هذه الدراسة نحاول أن نُسائل الحداثة في بنائها لمفهوم الإنسان الحداثي، مستخدمين في ذلك الرؤية إلى العالم كإجراء منهجي لمقاربة مفهوم إنسان الحداثة.

أما إشكالية البحث فتتحدد فيما يلي:

ما هي الرؤية إلى العالم ؟، وكيف يمكن استخدامها كإجراء منهجي لمقاربة مفهوم الإنسان الحداثي؟ وكيف حاولت الرؤية الحداثية بناء مفهوم جديد للإنسان وبأي معنى؟.

هل يمكن للمنتج الإنساني الذي قدمته الحداثة، أن يلقى قبولا لدى أصحاب الرؤى غير الحداثية؟ وماهي أهم مثالب المشروع الحداثي في تقديمه للمقاربة المفهومية لإنسان الحداثة؟

1/ مفهوم الرؤية إلى العالم (The wordview)

يمكن اعتبار الرؤية إلى العالم : كخريطة إدراكية تصورية أو بنية مفاهيمية، يحملها كل فرد في هذا الوجود عن الله والكون ، والإنسان بحيث لا يستطيع أي فرد أن يدعي أنه لا يملك رؤية إلى العالم أو أنها :" الإجابة الشاملة والدقيقة عن تلك الأسئلة والاستفسارات والتساؤلات1، التي تشكل بدورها نسقا متكاملا من المفاهيم والأفكار والنظريات والقوانين والأحكام"2،و هنا يمكن القول بأن تصور الرؤية إلى العالم له أهمية كامنة في معالجة مشكلة المعنى لارتباطه الوثيق بها فمن خلال تصور: "رؤية العالم " يمكن التعرف على الحلول ،التي تقدمها الثقافة لمشكل المعنى المتعلق بجوانب متعددة من حياة الإنسان، وأهمية تصور رؤية العالم تتمثل في أنه يجعل من " الذات " محورا أساسيا في عملية بناء وتبني التصورات الأخرى المتعلقة بالكون والمكان  والزمان."3وعليه يدعونا جميعا:" أن نتأمل في لغة تصورات العالم... وأن نعي أسلوب باقي الناس، فنتمكن بذلك أولا من فهم الآخرين، ثم التواصل معهم من خلال مجتمعنا المتعدد...و هنا نجد أنفسنا مجبرين للإجابة على ماهية الأسئلة الواقعية الرئيسة ؟ أو أسئلة الحقيقة الواقعية أهو الله أم الكون؟ ما هو الإنسان؟ ماذا يحدث عند الموت؟ كيف نعيش بعد ذلك؟ هذه الأسئلة ذات صلة بالأدب وعلم النفس والدين والعلم"4.

فقد قام ليو أبوستيل leo apostelبعرض للمكونات الأساسية، والأسئلة الجوهرية باعتبار الشروط الضرورية؛ التي يجب أن يستوفيها كل تصور للعالم وهي كالتالي:


الأسئلة الناظمة لأنواع الرؤية إلى العالم(5)

السؤال

المقولات

المجال الفلسفي

التصور العلمي

التصور الديني

ما الذي يوجد؟

المادة فقط

الأنطولوجيا

والثيولوجيا

الذرة، ومكوناتها «الإلكترون والبروتون، والنترون والكواركات  "الأوتار الفائقة "

"المادة، الفكر، الروح "

ما مصدر العالم؟

وما أصل الأنواع؟

أصل العالم

والحياة

التفسير

الانفجار الأكبر خلق المادة

نشأت الأنواع المختلفة عن الطفرات والبقاء يكون للأصلي " الأكثر تكليف "

الخلق من عدم – خلق الله آدم من تراب، وخلق باقي الكائنات الحية

الى أين نسير؟

مصير العالم

التنبؤ

يتوسع الكون وينتشر في الزمان والمكان  

الحياة بعد الموت

ما الخير والشر  ؟

القيم الواجبة

نظرية القيم

الموضوعية والعقلانية والصحة والنجاعة  

الخير هو تحقيق مقاصد الشريعة والعكس هو الشر

كيف يجب أن نسلك ؟

السلوك

نظرية الأفعال

المنهج العلمي: البحث في الظواهر القابلة للقياس

طاعة الأوامر والنواهي  

ما الصواب والخطأ؟

معايير الحقيقة

نظرية المعرفة

المعارف القابلة للتحقق أو الإبطال

الكتاب المنزل مصدر المعرفة أولا ثم التجربة الدينية

 

المصدر: يوسف تيبس ،2014، التصورات العلمية إلى العالم،ط1، ابن النديم للنشر والتوزيع، الجزائر، ص 32


إن الأسئلة السابقة هي أسئلة الرؤية إلى العالم والتي تتعلق بالمباحث الكبرى:الأنطولوجيا، الأكسيولوجيا، الإبستيمولوجيا (نظرية الأفعال)، وهنا يمكن أن نصنف كل رؤية حسب تصورها للعالم إلى أربعة أصناف:

1-                       الرؤية الكونية الفلسفية: وتنبثق ماهيتها عن العمليات العقلية التي يقوم بها العقل.

2-                       الرؤية الكونية العلمية: وهي منبثقة عن التجارب ونتائجها العلمية.

3-                        الرؤية الكونية الدينية: وهي نابعة عن الإلهام الديني والوحي الإلهي.

4-                       الرؤية الكونية العرفانية: وهي منبثقة عن القلب وصفاته المباشرة دون اللجوء أو :" الاعتماد على العقل أو التجربة "6فالأسئلة الكبرى والإجابة عليها هي التي تحدد لنا طبيعة الرؤية، ماهي؟ هل هي مادية أم دينية أم غيرها؟.

  ولعل السؤال الذي يطرح بعدما عرفنا الرؤية إلى العالم وعناصر الأسئلة الكبرى المكونة لها:

2/ لماذا الرؤية إلى العالم كأداة إجرائية لمقاربة مفهوم الحداثي للإنسان؟.

وللإجابة عليه لابد لنا أن نعود إلى مفهوم الحداثة*، ذلك أنها مفهوم مُلتَبٍس فمن الصعب وضع تحديد للحداثة:" فكل تحديد للثابت مشروع مناقض للحداثة، وعملية اغتراب تسير في الاتجاه المعاكس"7  أضف إلى ذلك أن الحداثة:" مشروع غير مكتمل "8على حد تعبير هابرماس فكيف يتأتى لنا مساءلة مفهوم الإنسان الحداثي في مشروع لم يكتمل بعد ؟

إن المشروع الحداثي حتى وإن لم يكتمل ،إلا أن مآلات التصور الرؤيوي للحداثة، قد اكتملت منذ بداية هذا المشروع، فالنهايات والنتائج يمكن سَبْرُهَا بملاحظة نقطة الانطلاق الأولى حتى و:" إن كانت الحداثة لا تمثل مدرسة فلسفية واحدة بل هي مجموعة فلسفات واتجاهات في فهم الكون والحياة والإنسان، وقد تبدو مختلفة متضادة...لكن الأمر الذي نريد تأكيده، هو وجود أسس وجذور فلسفية واحدة لجميع تلك الاتجاهات الحداثية، تلك الأسس نستطيع أن نصطلح عليها الأسس الفلسفية للحداثة "9، وهو ما نسميه الرؤية الحداثية إلى العالم.

وهنا نشير إلى أن المصطلح الذي نتبناه هو الحداثة، وتمظهراتها التي تأبى التحديد؛ ذلك أن البعض يميز بين الحداثة وما بعد الحداثة أو الحداثة البعدية ونحن نريدها – أي الحداثة - ولا نتبنى مصطلح الحداثة البعدية:" فمن جهتنا نحن لا نحبذ استخدام مصطلح ما بعد الحداثة لأنه مصطلح مخاتل؛ لا يسمي الأشياء بأسمائها، وأسماؤها هي الإمبريالية والليبرالية الجديدة ومجتمعات المراقبة "10وهذا المعنى الذي يؤكده ميشال فوكو fouCault  M. إذ يقول :" وما هذا الذي يسمى ما بعد الحداثة إني لست على علم بذلك "11. ذلك أن فعل الحداثة لا يزال يتمظهر في التحديث ويأبى الاكتمال على حد تعبير هابرماس المشار إليه آنفا.

 

3/ الرؤية المادية إلى العالم في النسق الحداثي

إن المسعى الاختياري للحداثة نحو تأسيس رؤية مادية إلى العالم، والتي لم تكن وليدة اختيار محض بل فرضه الاختيار البشري في لحظة ما ،فهو تصور يَنْبَنِي على مقولات عقلانية محضة ؛ أي عقلنة الرؤية إلى العالم حيث :" ترتبط فكرة الحداثة إذن ارتباطا وثيقا بالعقلنة، والتخلي عن إحداهما يعني رفض الأخرى "12، فالحداثة بهذا المعنى :" هي العقلنة، أي تنظيم وضبط الحياة الاجتماعية والفكرية والاقتصادية؛ ضبطا عقلانيا أي على هدى العقل ،كذلك إخضاع كل شيء لفحص العقل، فلا شيء يعلو على العقل أو يشذّ عن سلطته، بما في ذلك مجال المعتقد المقدس لا الاجتماعي والسياسي فقط"13

وبذلك تكون المعرفة الحداثية معرفة عقلية بحتة حيث: " تتميز الحداثة بتطوير طرائق وأساليب جديدة في المعرفة، قوامها الانتقال التدريجي من المعرفة التأملية إلى المعرفة التقنية، فالمعرفة التقليدية تتم بكونها...كيفية ذاتية وانطباعية وقيمية ،فهي أقرب أشكال المعرفة إلى النمط الشعري الأسطوري القائم على تجلي جماليات الأشياء... أما المعرفة التقنية ّ؛فهي نمط من المعرفة قائم على إهمال العقل بمعناه الحسابي، أي معرفة عمادها الملاحظة والتجريب والصياغة الرياضية والتكميم"14، فالحداثة بهذا المعنى يقصد بها عملية العقلنة ؛ أي أن هناك تساوقا بين العقلانية والحداثة كما يتجلى لنا ذلك عندماكس فيبر (1920-1864) M.weberالذي اختزل الحداثة في العقلانية :"ففي مقدمته الشهيرة لمجموعة الدراسات في سوسيولوجيا الدين، عرض ماكس فيبر هذه المسألة... لما لم يتجه التطور العلمي والتقني والسياسي والاقتصادي إلا في أوربا على دروب التعقيل الخاص بالغرب ؟ إن وجود صلة داخلية بين الحداثة، وما كان يدعوها العقلانية الغربية، كان لا يزال أمرا مفروغا منه، فك السحر حسب وصفه لها، الذي تلاه تفكك الثورات الدينية للعالم تفكيكا أوجد في أوربا ثقافة لا دينية هو عملية عقلانية "15

إن تعميم هذا التصور العقلاني أحدث أزمة في الرؤية للعالم على مستويات محددة؛ فقد استبعدت وأُقْصِيَتْ كل التصورات التي لا تستمد من العقل لا سيما  التصورات التي تستقي من المقدس والمتعالي، مما أحدث اغترابا للإنسان عن عالمه الجُوَانِي، الذي يجد فيه صدى صيحات الضمير ليجيب على الأسئلة الكبرى ،حيث أصبحت التقنية المتولدة من عقلانية الوجود، هي المتحكمة في الوجود وتصوره، وتخضعه وفق ما تراه مناسبا :"يقيني هو أن العقلانية والتقنية وكل التنظيم البشري ،يلقي بنا في خضم عالم من اللاعقلانية، وأن العقلانية التقنية يطوقها نظام من القوى اللاعقلانية، ومن ثمة فالأمر ليس هو الحصول على الطمأنينة، من نقاشات العقلانية والتي لا يمكن أن تتعدى كونها اعتذارات وتبريرات ،فقد تمكنت العقلانية كما فعل الدين من قبل تبرير كل شئ... وأن تؤدي العقلانية الخالصة إلى كل الضلال والشذوذ "16، وعلى حد تعبير  الفيلسوف إدغار موران (Edgar Morin)أن : "العقل أصبح هو الأسطورة الكبرى الموحدة للمعرفة ،وللأخلاق والسياسة يجب على المرء في هذا المنظور أن يحيا تبعا للعقل ،أي أن يبتعد عن نداءات الوجدان والاعتقاد"17.

لقد أصبحت العقلانية محط انتقاد على الصعيد الفكري وغيره :"فلم يكن هناك فقط المقاومة التي يبديها الدين والوحي، بل ظهر أيضا رفض الطابع المجرد، وغير المشخص للعقلانية...إن هذه الانتقادات الموجهة للعقلانية ،ما تزال قائمة لكن نقدا جديدا داخليا، ينبثق من قلب العقلنة ذاتها حسب هذا النقد المعاصر يُدَانُ العقل، لا فقط من حيث كونه مفرطا في العقلانية، بل يُدَانُ كذلك على أنه غير معقول، إن الأزمة الحديثة للعقلانية هي الكشف عن اللا عقل ضمن العقل... ،إن الأزمة الجديدة للعقل أزمة متولدة من الداخل، أزمة متولدة من تمرد العقلنة على التبرير العقلاني، إنها تبرز فجأة وجود اللا عقل، إنها كملازم للعقل أو كمسيطر عليه، بحيث يصبح هذا اللا عقل أحيانا سكران وأحمق مخربا، إنما هو محل تساؤل هو كفاية العقل، بأن المطروح للتساؤل هو لاعقلانية  النزعة العقلانية، ولا عقلانية التبرير العقلي "18، فلابد إذن من مراجعات وممارسة النقد للعقلانية ،التي تريد أن تكون محل المتعالى،وتمدنا بالنهايات لجميع التصورات والمشكلات ،التي تعترضنا في هذا العام، :" فينبغي للعقلانية الحقة أن تصارع العقلنة ؛التي تَمْتَح من المصادر نفسها التي تمتح منها، غير أنها لا تحتوي في لغزها المنسجم الذي يراد له أن يكون شموليا، على غير شذرات من الواقع، فما هي بالناقدة فحسب، بل وناقدة لذاتها أيضا... وأن نَصِير واعين بهذا الأمر شيء يدفعنا إلى الإقلاع عن الوهم  الغربي الخالص، ونقلع عن الاعتقاد بأننا نمتلك العقلانية وأن نتعود أن نحكم على كل ثقافة حسب إنجازاتها التقانية، فينبغي أن ننظر إلى الهوية الأرضية للكائن البشري في تعقدها "19

إن القارئ في السيرورة التاريخية لتطور الأفكار في العالم الغربي،  يجد أن العقلانية التي تحمست لها فلسفة الأنوار ودعت إليها ،كانت تهدف إلى:" عقلنة العالم وتحرير الإنسان من الأوهام والخرافات ؛التي استعبدته وكبلت إرادته وحرمته من حريته، غير أنها أخذت بعد ذلك طابعا لا عقلانيا في سياق التطور التاريخي... ،و ارتد التنوير فأصبحنا نشهد عودة الأسطورة من جديد في عصرنا هذا "20،فأصبح يفسر الواقع عبر رموز غير واقعية ؛بل تتمثله في وسائط رمزية تعكس مدى أسطرة العقل ونزعة وثوقية ،تكاد تجزم بكل ما يجنح العقل للحكم عليه ،فهذا التصور الجديد للعقل في المنظور الفكري الغربي الحديث ،سيكون معه ميلاد الإنسان الحداثي الراشد ؛ بعقل متنور وبمرجعية لا تحتكم إلا إليه.

فقد غدا :" العقل الغربي مهددا منذ ولادته بخطر اللا عقل، إذ كلما اكتسب العقل الدقة والسيطرة على موضوعه ،ازداد انغلاقا على نفسه لأنه يفرض على نفسه معايير الدقة التي يفرضها على الموضوع الخارجي ،و بالتالي فإن العقل في صورته الراهنة لا يقل عن الأسطورة – لقد وقع العقل فيما أراد  التحرر منه – كون المعرفة العلمية تسربت إلى العقل الفلسفي المعاصر، الذي أصبح يعتبر التقنية أو الآلية هي جوهر المعرفة الفلسفية "21فالعقل الذي كان يريد التخلص من التصورات المثالية والأسطورية، ما لبث أن سقط في أسطرة ذاته والإنفاق على نفسه، ففكرة المتناهي والمطلق لازالت تسكن العقل، حتى وإن ادعى التحرر من كل ما هو غير عقلاني، ليقع العقل في التقديس، استخلافا للمقدس الذي تم تجاوزه وإعدامه، فحل العقل محله – المقدس -.

فقد قامت مدرسة فرانكفورت* بممارسة النقدية للعقلانية، التي تحولت إلى ضرب من اللاعقلانية، بالرغم من أنها نشأت من رحم التنوير العقلاني.

4/ النزعة العقلانية وتوريثها للعلم المادي كرؤية إلى العالم

تعتبر المادية من القواعد الأساسية التي يبنىعليها المشروع الحداثي، حيث تؤمن بأن المادة هي الأصل الأساسي للوجود،" فالعقل جزء لا يتجزأ من الطبيعة / المادة / خاضع لقوانينها ولهذا نسميه (العقل المادي)، فهو صفحة بيضاء تتراكم عليها المعطيات الحسية المادية، وتصبح أفكارا بسيطة، وتتجمع الأفكار من تلقاء نفسها، لتصبح أفكار مركبة، وتستمر عملية التركيب إلى أن تصل إلى ما نتصور أنه الأفكار الكلية والثوابت والمطلقات، مع أنها في واقع الأمر مجرد أحاسيس مادية "22. فالعقل الحداثي المادي يؤكد على أنه لا يمكن تصور وجود لشيء، خارج الواقع المادي. هذا التصور هو عبارة عن عقلنة الرؤية للعالم:" لقد غدا مفهوم فك سحر العالم، نتاج عملية التثقيف التي رافقت تشكل الغرب الحديث، فالتثقيف هو الاسم الآخر المرادف للعقلنة "23.

الرؤية العقلانية للعالم لا تنسحب فقط على العالم كتصور يفسر العالم ،ويبرر وجوده فقط ؛ بل تكتسح جميع الوجود حتى العلاقات الإنسانية ومن ثم الارتماء في حقل العلاقات النفعية لا الإنسانية ولا التراحمية :" ذلك أن العقلنة والارتقاء الواعي في علاقات الإنسان ،بمختلف دوائر ملكية الخيرات الخارجية والداخلية، الدينية والدنيوية سيؤدي إلى مزيد من الوعي، بالأمور المنتظمة الداخلية والخاصة بمختلف الدوائر، وكذلك بالنتائج المترتبة عنها ومن هنا يترك لها التعبير عن التوترات المتبادلة...،وفقا لمبدأ صراع المنفعة الذي يقوده الناس فيما بينهم "24، فالمبدأ الوحيد الذي ترتبط به العلاقات الإنسانية، هو ذلك المبدأ الذي يسبح في فلك العملة،و المصلحة والمنفعة، فلا يمكن تصورعلاقة أخوة دينية وفق المبدأ السابق ،فكل العلاقات أساسها عقد منفعي تنتهي بانتهاء تلك المنفعة.

إن التصور العقلاني المادي للوجود يقوم بإقصاء كل التصورات غير المادية ،و غير متحققة الوجود في العالم الخارجي ؛ يقول ويل ديو رانت :" إن المادية هي أول فلسفة يعتنقها ذلك الذي خلع عن نفسه رداء المعتقدات الغيبية، فهي كذلك أول تصور عن العالم يظهر في أمة أخذ دينها الرسمي في الزوال كان المفكرون قبل سقراط، وهم الذين رفع بيكون ونيتشه من شأنهم على خلفائهم، جميعا من الماديين تقريبا، فقد فسر طاليس وأناكسمندريس وأنكسمانس الكون على أنه من مشتقات ،الماء أو النار أو الهواء ،و قدملوقيبوس وديمقريطس للمادية تلك الصورة الذرية التي أرضت سائر الهراطقة الصميميين، إلى أن تفتتت الذرة تحت تأثير علمي الطبيعة والكيمياء الحديثة "25، فطغيان النزعة العقلانية أورثت لنا العقل المادي:" الذي يوجد داخل حيز التجربة المادية ولا يمكنه تجاوزها، يسري عليها كما يسري على الطبيعة من قوانين، فهو أداة  الطبيعة يمكنه تسييرها بمقدار ما يمكنه الالتحام بها ،والإذعان لها وهو عقل محايد لا علاقة له بالأخلاق أو بالأسئلة الكلية الخاصة بالغرض من وجود الإنسان في الكون أو بالمقدس، أو بما يتجاوز عالم الحس... ،و إن الحقيقة هي الحقيقة المادية المحضة التي يتلقاها العقل من خلال الحواس وحدها ،و بأن العقل يوجد داخل حيز التجربة المادية ،محدودا بحدودها، فيعيد إنتاج الواقع محكوما بمقولات الطبيعة/ المادة فيرصد الواقع باعتباره كما وأرقاما وسطحا خاليا من الأسرار والتفاصيل المتناثرة، هذا هو العقل الذي يسقط في الأداتية والإجرائية "26فهو عقل عاجز على تجاوز حدود المادة ،ولا يمكنه أن يفرق بين المادية البسيطة والظواهر الإنسانية المركبة، فهو عقل يساوي بين جميع الموجودات.

إن التصورات المادية للوجود من أجل السيطرة عليه، وإخضاعه للإنسان أورثت شروخا وأزمات في مجال القيم، حيث أصبح الهدف هو السيطرة والتقدم على حساب أي معنى، حيث يقول عالم الإجماع أنطوني غدينز:" بأن العالم الذي خلقته الحضارة الصناعية الحديثة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون مرادفا لمفهوم التقدم "27

إن العلم المادي الحداثي أنتج لنا علما مجردا عن القيم، غايته تحقيق الذات ماديا وحصرهافي أبعاد متعية، واختزال معاني الإنسانية في بعد واحد  ،فقد استبعدت الأسئلة الكبرى ولم تعد محط اهتمام هنا :" فإن الثورة العلمية قوضت الإيمان بالله وفعلا وتاريخيا وبعمق،فالواقع أن نشأة العلم عقبها مباشرة نزعة شكية دينية كبرى "28لقد رشح العلم المادي نفسه للإجابة على جميع الأسئلة، التي تعتري خاطر الإنسان فلا مكان ولا مجال لللا أدرية  :"وحجتهم في ذلك أن الكون آلة تدير نفسها بنفسها ،بالتالي لا تحتاج البتة إلى أي سبب فوق الطبيعة، وإذا كانت المادة أزلية فلا يبدو أن هناك حاجة إلى خالق ،و هكذا اعتبر الكثيرون أن الإلحاد أدنى إلى الصدق، وأكثر اتساقا مع النظرة العلمية القديمة "29.

هذه الصورة الهزيلة لرؤية العالم وفق التصور المادي، لم تحظ بإعجاب لدى الكثير من الباحثين في علوم المادة نفسها :" ويشتكي آيرون شرو دينغر في كتابه " العقل والمادة  mind and matterمن صوره الهزيلة التي يقدمها عالم العلم "30ليقول لقد أضحى :" عالم العلم  من الإيغال الرهيب في الموضوعية ،بحيث لم يعد يترك مجالا للعقل والأحاسيس المباشرة، وعالم العلم مجرد من كل ما كان معناه مرتبطا على وجه الحق  بالذات المتألمة والمدركة والواعية ،و أنا أعني بالدرجة الأولى القيم الأخلاقية والجمالية... والوعي والإرادة والحرية والقيم ثلاث شوكات قديمة العهد في جنب العلم. وقدأثبت العلم المادي عجزه عن معالجتها، حتى بصورة مبدئية بمجرد كونها عسيرة المركب فحسب، بل لأنها تتعارض تعارضا مباشرا مع النماذج الأساسية، ولقد اضطر العلم إلى التخلي عنها بل إلى إنكار وجودها أو القول إنها واقفة خارج نطاقه"31.

    لقد تخلى العالم الحداثي – المادي– عن دوره وإهماله للأسئلة الكبرى، حيث أصبح العلم لا يوقفنا على أي جديد عن الإنسان وإنسانيته، هَمُهُ فقط إحراز التقدم بلا معنى؛ بل كلما ازداد تقدماأفرز العديد من المشاكل يقول جاكالول: " فإن أعظم المتفائلين إيمانا في حاجة للوقت لاكتشاف مؤشرات إيجابية، فليس هناك طريق بدون نجوم، لكن سمة التقدم التقني هي بالتحديد أنه بدون نجوم، فنموه سببي وليس نهائيا. فالتقدم التقني لا يعرف إلى أين المسير؟ "32

إن مثل هذا التصور العلمي في مآلاته الغربية لن يخلق لنا مجتمعات إنسانية سليمة، تسعى إلى التواصل والاحترام والتراحم  والاعتراف بالآخرين بل على العكس من ذلك تماما، إنه يخلق لنا أنموذجا  من إنسان ومجتمع يسعى فقط إلى الامتلاك والسيطرة ،لذا فهناك حاجة لتأسيس علم جديد :" وكذلك الحلم بالمجتمع الإنساني الفاضل، الحلم بجنس بشري جديد متحد يعيش في سلام ،و تكافل متحرر من الحتميات الاقتصادية والصراعات  الطبقية والحروب، هذا الحلم يمكن تحقيقه إذا بذلنا في سبيل ذلك من الجهد والذكاء والحماس، بقدر ما بذلنا في سبيل تحقيق الأحلام التكنولوجية، لم يستطع  الناس صناعة الغواصة بقراءة ما كتبه جول فيرن وكذلك لن يستطيعوا بناء المجتمع الإنساني المنشود بقراءة رؤى المتنبئين، لا أحد يستطيع أن يتنبأ إن كان مثل هذا الانتقال، من سيادة العلوم الطبيعية إلى علم اجتماعي جديد...، إن الهدف هذه المرة ليس هو السيطرة على الطبيعة، وإنما على التكنولوجيا وعلى القوى والمؤسسات الاجتماعية اللاعقلانية ،التي تهدد البقاء للمجتمع الغربي والجنس البشري كله "33.

الحقيقة أن المعضلة ليست في مجرد إعطاء قيمة للعلم المادي فحسب، بل لا يمكن الاستغناء عنه في كثير من الأحيان، ولكن الأزمة تكمن في تأليه العلم المادي، وإلغاء صوت الضمير في العالم الجُواني الإنساني، الذي مافتئ يتساءل عن الوجود. فبعد التقدم العلمي أضحت الرؤية الحداثية التي تنفي وجود الإله، لتصور لنا أن الكون يعمل بمفرده من خلال قوانين المادية دون تدخل للإله، وبالتالي إنكار غاية الوجود. حيث يقول روني ديكارت RenéDescartes:" حل ضروب الغائية لا قيمة لها في الأشياء المادية أو الطبيعية "34، حتى إن كان نيوتن غير مستعد :" لاستبعاد الله من العلوم فلم يكن هذا شأن غيره... فالفلكي الشهير بيبر سيمون لابلاس ( pierre simon laplace) حين سألهنابليون عن مكان الله  في نظامه الميكانيكي الخاص بالأجرام السماوية أجابه بما يلي :" يا سيدي لست بحاجة إلى هذا الافتراض وبحلول القرن 19كان الكثيرون يذهبون إلى أن الله لا يرى بالعقل ولا بالعين،  وأصبحت العلوم شيئا فشيئا أقرب إلى اللا أدرية*  "أو الغنوصية* "... وذهب مفكرون آخرون إلى أن العلم لا يفسح المجال لللا أدرية ،و حجتهم في ذلك أن الكون آلة تدير نفسها بنفسها ،و بالتالي لا تحتاج إلى سبب فوق الطبيعة "35فلا مجال للعلم أن يقول لا أدري، فجميع الأسئلة لها إجابة وفق تصور العلم الحديث.

وهذا بخلاف ما هو سائر في المنظومات المعرفية  الأخرى، حيث أن المنظومة المعرفية الإسلامية تقر بحقائق خلاف ذلك، قبلها العقل أم لم يقبلها لأنه في كثير من الأحيان تتجاوز العقل، قال تعالى "۞إِنَّ ٱللَّهَ يُمۡسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ أَن تَزُولَاۚ وَلَئِن زَالَتَآ إِنۡ أَمۡسَكَهُمَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا ٤١" فاطر 41، فالعقل المادي لا يمكنه أن يدرك هذا النظام، من وجهة رؤيته للوجود الذي يعتمد فقط على مجال التجريب، فأزمات العلم المادي لا تتوقف في مجال واحد الذي يشتغل فيه، بل أفرزت أزمات في البيئة والعمارة والإنسان وغيرها، إذن ماذا يبقى من وجود لمعنى لإنسان في الرؤية الحديثة ؟.

5/ الرؤية الحداثية للإنسان

ماذا عن ميلاد الإنسان الحداثي بعد الأزمات التي أنتجتها العقلانية والعلم المادي؟

إن الرؤية الحداثية تؤمن بالمركزية الإنسانية، فقد أصبح الإنسان هو معيار الحقيقة، وبالتالي صارت الذات العارفة أي الكوجيتو، هي المرجع الذي لا يَركَنُ الإنسان إلا إليه، فقد تم ميلاد الإنسان في الرؤية الحداثية، وإعلان جنائزي لموتالإله ولكن بأي معنى سيكون هذا الميلاد...؟

ترتهن الحداثة بمرجعية وثيقة هي مرجعية الإنسان المتأله: " فلم تعد هناك مرجعية إلا مرجعية الذات التي تحمل في ذاتها مأزق التفسير والتشريع، إنه إنسان الكوجيتو، الذي انقطع عنه كل مدد إلا مدد عقله، وسينقطع عنه في فضاء فلسفي آخر إلا من مدد طبيعته التجريبية "36، إنها الذات التي تخلق كل ما تريد وتقولبه وفق ما تراه :" فالحديثون يعيشون في عالم مكون من الأفراد، عالم متسم بالمساواة بدون غاية طبيعية ،كما أنه عالم غير معروف مباشرة في واقعه... ،فالإرادة الإنسانية هي التي ستحل محل الإرادة التنظيمية المستوحية لمصدر متعال، وإذا كان القدماء يتصورون الإنسان ككائن مساعد على تحقيق الغايات الطبيعية، فإن الحديثيين يتصورون الإنسان كفاعل وخلاق للغايات.وسيكون لهذه الثورة على مستوى الأنطولوجيامفعولا أيضا على القانون والحق (droit) لأنها ستتسبب في اختفاء التصور السائد لدى القدماء"37

لقد أصبح الإنسان هو مركز العالم، خاصة بعد ما أعلن الفيلسوف الألماني نيتشه بموت الإله، وميلاد الإنسان الأعلى يقول نيتشه " فسأل زارا: وما هو عمل القديس في هذا الغاب؟.

فأجاب القديس: "إنني أنظم الأناشيد لأترنم بها، فأراني حمدت الله إذا أسر نجواي...؛ لأنني بالنشاد والضحك والبكاء والمناجاة أسبح الله ربي، ومع هذا. فماهي الهدية التي تحملها إلينا؟ فانحنى زارا مسلما وقال للقديس: أي شيء أعطيك دعني أذهب عنك مسرعا كي لا آخذ منك شيئا...، وعندما انفرد زارا قال في نفسه:إنه لأمر جد مستغرب ألا يسمع هذا الشيخ في غابة أن الإله قد مات؟... إنني آت إليكم بنبأ الإنسان المتفوق فما الإنسان العادي إلا كائن يجب أن نفوقه، فماذا أعددتم للتفوق عليه؟"38، وبهذا الموت الإلهي يحيا الإنسان معزولا عن كل مرجعية يمكن أن يركن إليها، ليؤسس عليها عالمه القيمي، وهذا التصور:" وبصورة أعمق، لأنها تطبع بشكل قاطع الإنسية المأزومة عينها، والتي تجد نفسها في هذه الحالة أنها أمست عاجزة عن التماس أساس متعال. من وجهة النظر الأخيرة هذه، يمكن قبول الأطروحة القائلة بأنالإنسية في الأزمة، لأن الله مات؛ أي جوهر أزمةالإنسية الحقيقي هو موت الله، المعلن ليس مصادفة على يد نيتشه الذي يبقى هو أيضا المفكر اللا إنسي الراديكالي الأول في عصرنا "39

6/ الفردانية كأساس لميلاد المأزق الإنساني

ارتبطت الحداثة بمبدأ الذاتية:" فهو يعني مركزية ومرجعية الذات الإنسانية وفاعليتها وحريتها وشفافيتها وعقلانيتها "40، ويشرح لنا

هبر ماس هذا المعنى لدى الفيلسوف الألماني هيجل أن الفردية لها دلالات منها:

أ– الفردية:وهي في العالم الحديث التفرد الخاص بشكل لا متناه الذي يحق له المطالبة بما يتطلع إليه، فالحداثة تجعل من الفرد مركز الأشياء جميعا.

ب – حق النقد:إن مبدأ العصر الحديث يطالب كل فرد؛ بأن لا يقبل إلا بما يبدو له أمرا مبررا، بمعنى آخر رفض لأي مصدر خارج الذات العارفة، فهذه الأخيرة لا تستمد قناعاتها إلا من ذاتها فلا سلطة فوق سلطة الذات، فلا سلطة متعالية خارج الذات الإنسانية.

جـ-استقلال العمل:من خصائص الأزمنة الحديثة إرادتها لضمان ما تقوم به، فالاستقلالية هي مظهر من مظاهر الفردانية وتكريس لمبدأ حرية الذات.

د-الفلسفة المثالية نفسها:يرى هيجل أنها من عمل الأزمنة الحديثة بمقدار ما تدرك الفلسفة:" الفكرة التي تعي ذاتها "41، فالإدراك للفكرة عبارة عن وعي للذات العارفة، هوتَجَلِ لفردانية الذات.

فقد صاغت هذه المبادئ تصورات جديدة إلى العالم حيث أصبح كل شيء، تحت محك النقد:" وتحول العالم الإلهي إلى واقع نضعه نحن بأنفسنا، على نقيض الإيمان بسلطة الموعظة، والتقليد تؤكد البروتستانتية سيادة الذات بقدرتها على التمييز، فما القربان إلا عجينة، وما الأثر المقدس إلا عظام...، وقانون نابليون مبدأ حرية الاختيار... بوصفه الأساس الجوهري للدولة "42

ولعل هذا التحول في الشخصية الحديثة يمكن رده إلى الرؤية العلمية الحداثية التي تقدس العلم، فقد:" استمد الإنسان من العلم إيمانا جديدا، ليس بالمعرفة العلمية وحسب، بل وبنفسه هو، وفي حين أن المرجعية السابقة كانت مرتبطة نمطيا مع مبدأ متعال مــا ،آلهة أسطورية بذكاء كوني، فإن الوعي الحديث صار هو نفسه تلك المرجعية، مستوعبا ذلك النفوذ. أخلت التوحيدية في القرون الوسطى والكونية القديمة مواقعها للنزعة الإنسانية الحديثة "43

وفي هذا الصدد يرجع راسل (  BertrandRussell) مبدأ الفردانية إلى التحرر من السلطة الدينية المتمثلة في الكنيسة يقول : " وأفضى  التحرر من سلطة الكنيسة إلى النزعة الفردية، حتى إلى بلوغ حد الفوضوية  فقد كان الانضباط الأخلاقي والعقلي والسياسي، يرتبط في أذهان الناس في عصر النهضة بالفلسفة المدرسية وبالحكومة الكنسية "44

وقد شكل هذا المبدأ طريقا موصلا إلى اللامعنى والفوضوية في عالمنا اليوم، يقول جون موريس كلارك: " لقد خدعنا أنفسنا زهاء مائة وسبعين عاما، فحسبنا أننا نستطيع لمراعاة المصالح الخاصة دون أية مسؤولية إزاء الصالح العام، أن نقيم مجتمعا لا يتقدم فيه الناس فحسب، بل يعيشون فيه أيضا خلال تقدمهم مكرمين منسجمين. لقد وضعنا ثقتنا في سوق آلية تهتم برواج السلع، وتهمل الأشخاص وفي السياسة لا تقيم وزنا ضئيلا للأخلاق "45، ويؤكد موريس كلارك على أن هذه النظرة لا يمكن أن تصلح لتخلق لنا مجتمعا سليما؛ أي بمعنى آخر إنسانا سليما يقول:" النظرة الغربية للفرد والمجتمع لا تصلح أساسا سليما لبناء صرح اجتماعي "46

إن الرؤية الحداثية في تحديدها لمبدأ الذاتية والحرية الإنسانية، لا شك أنها ستنتج، لنا إنسانا ذا متعة ورغبة، يلهث وراء ما تمليه عليه جوانبه الحيوانية ليس إلا، وهذا ما يؤكده عالم النفس أبراهام ماسلو "  Abraham Maslow" حيث يطلقون العنان لأهوائهم الذاتية، وما يتسم به هؤلاء هو الصراع الداخلي حيث  يقول : " ما يريد أن يفعله قد يضربه وحتى لو فعله فقد لا  يستسيغه... بحيث تصبح المتعة ذاتها مسمومة... ،و تبعا لذلك يتحتم عليه أن يرتاب في حوافزه وملذاته التي تضلله، وهكذا يتورط في صراع وانفصام وحيرة، وباختصار يتورط في حرب أهلية "47، هذه حقيقة يؤكدها التاريخ المعاصر في الحروب العالمية  الأولى، والثانية والمتواصلة إلى حد الساعة في أشكال ونماذج مختلفة.

ليست هذه الأزمة جغرافية الموقع حسب ما يظنه الكثير، بل هي عالمية لعالمية الفكرة التي تريد أن تهيمن على العالم في ظل العولمة الحاضرة حيث يقول ماسلو : " نستطيع الآن أن نرفض الخطأ الذي يكاد يكون علمي النطاق ،و هو أن مصالح الفرد والمجتمع ،هي بالضرورة متنافية ومتضادة وإن الحضارة هي بالدرجة الأولى آلية تحكم وضبط لحوافز الإنسان الشبيهة بالغرائز "48

إن الرؤية الحداثية لم تنتج لنا إلا إنسانا بِسُعار رَغبِي يدفعه إلى عالم التملك، والتشيء والاستهلاك، ذا بعد جنسي؛ إنه عصر اضمحلال الروحانية وازدواجية المعايير القيمية، وإسكانها في تربة النسبية، هذا الإنسان المعاصر شأنه:"شأن الحاج الذي أجهده عناء السفر الطويل عبر الصحراء، يسوغ الإنسان الحديث خطاه صوب الواحة، التي طال انتظاره لها، ويتحقق بذلك الحلم الذي ظل يراوده مئات السنين: الامتلاك والاستمتاع والحصول على كل شيء على الفور "49

إن الزمان الذي يحيا فيه الإنسان الحديث لا يبعث إطلاقا على التفاؤل، بعد أن أصبح الإنسان الحديث مرجع ذاته، وفقدانه للأبعاد الجُوَانية التي تمده بمدد من التواصل الروحاني الذي يسعى من خلاله إلى إكمال مسيرة الاستخلاف، لذا فقد:" اِتَسَمَ العالم الحديث بكثير من الظلام والحيرة، وفقدان القداسة، وربما أيضا بزيادة هائلة في عدد المرضى العصابيين، والانهيارات العصبية في عصرنا، وفي استطاعتنا أن نتعقب ذلك عائدين إلى فقدان الإيمان بوجود أية غاية أو خطة لمسار العالم "50

إن المنتج الإنساني الذي قدمته لنا الرؤية الحداثية، لا يمكن أن يحظى بالقبول لدى جميع البشر، أولئك الذين لا يزالون يمتلكون شيئا من إنسانيتهم التي لم تغترب ولم تستلب بعد، خاصة بعد أن تم إقصاء التصورات الكبرى وإهمال الإجابة على أسئلة البدايات والنهايات، والانهماك في تحقيق مطالب الذات الآنية، فمن دواعي الأسف فقد:" أبدى معاصرونا دأبا عجيبا على التعويض عن فقدان مركزهم الروحي بالعودة إلى حيوانيتهم، وسط جو من الصخب والابتهاج. وارتفع شأن الجسد وأصبح العمل على استمراره عملا مجزيا وراجت سوق الصور العارية، وغدت الثياب تلتصق بالأجساد لتبدي مفاتنها، ورد الاعتبار  إلى الجنس وشرع في استغلاله... وطغيان الغث والبذيء على كل ما له صلة بالفكر أو الروح "51

    إن رحلة الإنسان في بحثه عن السعادة لن تكون متحققة مهما سعى إليها، وعلى حد تعبير نقيب العطاس حيث يقول:" فالنسق الفلسفي العلمي الذي أسميه – السكيولاريه – يتضمن ثلاثة أمور هي أولا: تجريد المعاني الروحية من عالم الطبيعة، وثانيا: سلب الهدى الإلهي في السياسة منالشؤون الحياتية، وثالثا: استقاء القيم من العقل والسلوك البشري، والأمران الأخيران هما نتيجة منطقية للأمر الأول الذي كان مصدره وأساسه تجربة الرجل الغربي وصحوته مجسدة في الأسس الفلسفية، التي أرسى معالمها أرسطو بصورة أساسية "52.

فهذه القواعد الثلاثة والأسس التيتؤسس للتصور الحداثي، وهي:

أولا: علمنة الطبيعية: وفصلها عن الممارسة الأخلاقية، فعلاقة الإنسان بالطبيعة علاقة صراع لا علاقة تسخير، فلابد أن نجعل أنفسنا أسيادا لها، من خلال إخضاعها وتذليلها لنا.

ثانيا: علمنة السياسة: وفصلها عن الأخلاق فالممارسة السياسية لا تخضع لسلطان القيم والأخلاق وقواعد الفعل السياسي متحرر من كل قد أخلاقي.

ثالثا: علمنة الأخلاق: بفصلها عن مصدرها المتعال أي المصدر الإلهي، واستمداد الأخلاق من العقل كمرجعية وحيدة.

وبهذا التصور لن تتحقق إلا أوهام السعادة، التي لا تنفتح إلا على أزمات، تقود الإنسانية إلى تجربة الشقاء والعدمية في أقصى صورها:" إن المفهوم الحديث للسعادة هو السائد الآن في الغرب وهذا بالنسبة للحضارة الغربية ،يعني أن السعادة وكل الفضائل التي تقود إليها عرضة للتغيير وهذا لن يؤدي إلى الأزمة والتدهور الخلقي فقط ؛بل سيؤدي حتما إلى النزاع والشقاق السياسي أيضا "53، وهذا ما نراه في واقع الحداثة السياسي والاقتصادي ؛ أفول لأخلاق الاعتراف والتواصل مع الآخر ،وتجلٍ لحياة الشقاق والنزاع والحروب، التي قوضت الإنسانية ؛حتى تكون إنسانا حداثيا لابد أن تتخلص من كل ما يحدثك عن الديمومة والاستمرار، فكل شيء خاضع للتناقضات، يقول مارشال بيرمان(Marshall Berman): " أن تكون حديثا يعني أن تعيش حياة مفعمة بالمفارقات والتناقضات...،إنه يعني  أن تكون ثوريا ومحافظا في الوقت نفسه، حيا مؤهلا للإفادة من إمكانات جديدة للتجريب والمغامرة، مصابا بالرعب إزاء الأعماق السحيقة العدمية التي تفضي إليها مغامرات حداثية كثيرة، تواقا للخلق  والتمسك بشيء حقيقي ما، حتى في اللحظة التي ترى فيها الأشياء كلها وهي تتبدد وتتلاشى "54، فالحياة الحديثة حياة ضبابية وشاحبة، فمقولة الحقيقة هنا هو :" منظور الحداثة، حيث تبدو الحقيقة هشة متشظية ،لا يمكن الإمساك بها في كليتها ،ويعتبر فورد مادوكس هوفر (fordmadox hueffer) غيبة التصميم العام للإنسان إلى هذا عملية متتالية متدرجة، تغير من مسار المنظور العام للإنسان ،إلى أن يصل حد يستحيل فيه ،تبين أي عنصر موحد يسبغ على الحقيقة الحس بالاتساق والكلية "55

إن المساءلة القيمية للرؤية الحداثية تثبت لنا بما لا يدع مجالا للشك، أن الفكر الحداثي مهما تنوعت مصطلحاته؛ حداثة، ما بعد حداثة وبنيوية يسير في خطقهقرى نحو خطوات تجاه القيمة، بداية من:"الحياد القيمي الذي رفعته الحداثة دعوة إلى مقتضيات المنهج التجريبي، قد جرفه تيار ما بعد الحداثة باسم الدفاع عن التنوع الثقافي إلى التسيب القيمي، هذا التنوع تعمل العولمة للقضاء عليه، من أجل تنميط الثقافة خدمة لمآرب خاصة وذلك هو الإهدار القيمي "56

ولعل من أهم الأزمات والمعضلات التي يتسم بها عصر الحداثة هي:" تلك الإشكاليات التي تَسِمُ أكثر معضلات الأنسنة التي لا يمكن اختزالها ولا يمكن معالجتها بحلول محسنة بشكل جذري تم الوصول إليها، من خلال تحليل منطقي لأفراد أو مجموعات صغيرة. وبشكل خاص لا يمكن للذكاء المعزز للأفراد أن يروض حقيقتين أساسيتين في الحالة الإنسانية: صراع حول القيم، وعدم التيقن بما سيأتي في المستقبل "57

    إن إنسان الحداثة هو صناعة لإنسان – شبيه بالآلة – يراد له دور معين في هذا الوجود، قد اغتصب عالمه الجواني واضمحلت فيه معاني الإنسانية فاضمحل فيه صوت الروح، فلا نلمس فيه إلا صوت المادة والغريزة والاستهلاك والتملك، هذا هو الرهان الذي لابد أن يكون مسعى البشرية للعمل عليه، لأجل استرداد إنسانية الإنسان التي قد استلبت لصالح أبعاد لا إنسانية.

خاتمة

ننتهي في هذه الدراسة إلى أن الرؤية الحداثية الغربية ؛قد أنتجت لنا إنسانا ذا بعد مادي  صرف ،و هذا التوجه له ما يبرره إذا رجعنا إلى السياق التاريخي للفكر الغربي والمنعرجات التي مر بها، فمن الطبيعي جدا قبول مقولة علمنة الحياة ،و إبعاد مسمى الدين عن الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية وغيرها ،بالنظر إلى الدور اللاأخلاقي ،الذي كانت قد تبنته الكنيسة إزاء حركة النهضة، لإقصائها دور إعمال العقل تحت مسمى شعار "اعتقد ولا تنتقد "، ولكن تبقى هذه النظرة – الرؤية الحداثية – قاصرة ؛و ليست مؤهلة لتحتوي المفهوم الإنساني بعد أن أقصت أهمالأبعاد والجوانب  التي تشكل حقيقة مفهوم الإنسان، فإذا أخذنا بطرح أحد الباحثين- إسماعيل الفاروقي- في اعتبار الإنسان كائنا أخلاقا وظيفته ملء الوجود بالقيمة؛ فإننا نقول إن هذه الوظيفة ستبقى بعيدة ،و مغيبة في الرؤية الحداثية ،بعد أن استبعدت المصدر المتعالي للأخلاق، فبعد تلك الصيحة المدوية التي أعلنها الفيلسوف الألماني نيتشه، في عبارة موت الإله ،حيث تزايد عدد الذين غاب عندهم إلههم وصار عليهم مواجهة العالم وأحواله  بكثير من القلق والرعب والوحشة وصار اللامعقول ،هو التحدي الكبير حيث حتم على الإنسان بأن يجد معنى في اللا معنى، فبعد أن غاب الإله غدا وجود الإنسان يضمحل ويبهت، إلى أن أصبح هذا الإنسان بحالة مغادرة ،بل أصبحنا نتحدث عن موت الإنسان ذاته في عصر البنيوية.

    فإنه لا يختلف المفكرون في اعتبار أخلاقيات الناس صارت تتهاوى، وقد تنهار يوما مثلما تنهار العمارات، وسيكون سقوطها مهولا ومخوفا كما قال الفيلسوف الألماني كانط (Immanuel Kant): " الدين والأخلاق بنايات ضخمة في المجتمع الإنساني عسير رفعها إذا هوت، وسقوطها لا يكون إلا مروعا "  58

    إذن فإن رهاننا المعاصر ولاسيما نخب المفكرين والباحثين، أن يجددوا العمل والبحث إلى خلق حداثة خاصة بنا، تحترم فيها الخصوصيات الثقافية والأبعاد الدينية، وفتح ثقافة التواصل والاعتراف للاستفادة مما هو مشترك إنساني، وفسح المجال للرؤى المختلفة لتمارس فعل النقد وإبداء الرأي وخلق ثقافات بديلة، بدل ثقافة التنميط العولمية، التي تسعى إلى قولبة البشرية في نمط ثقافي وسياسي واقتصادي واحد، هذا حقا ما فعلته الرؤية الحداثية بالإنسان كما رأينا.

فالإنسانية مسعاها هو البحث عن الخلاص، فهل من رؤية جديدة تحاول ترميم الشأن الإنساني، بعد هذا الخراب العام الذي حل في حضارتنا الإنسانية المعاصرة؟

الهوامش

1.هي أهم الأسئلة التي يطرحها كل إنسان في هذا الوجود: المبدأ، المسير، المصير من وكيف؟ وإلى أين؟

2.جعفر عباس حاجي ،1986، نظرية المعرفة في الإسلام دراسة مقارنة لأهم الأسس والمفاهيم،ط 1، مكتبة الألفين، الكويت، ص 44

3.سيف الدين عبد الفتاح ،2009، العولمة والإسلام رؤيتان للعالم، ط1، دار الفكر، دمشق سوريا، ص 30

4.James w.sine_ the universe next door : A basic woldview-  education ( nouvember 30 ;2009) - catalog 5thedication in tervassity press 512-15-16

5. يوسف تيبس ،2014، التصورات العلمية إلى العالم،ط1، ابن النديم للنشر والتوزيع، الجزائر، ص 32

6.محمد تقي الدين مصباح اليزدري ،1992، الايديولوجيا المقارنة، ترجمة عبد المنعم الخاقاني، ط1، دار المحجة البيضاء، بيروت لبنان، ص 19.

*الحداثة Modernism" هي ظاهرة غربيةانطلقت من أوربا مع الثورة الفرنسية 1789وعنت التغير في النظام السياسي من النظام الملكي إلى الديمقراطي الذي يقوم على سلطة الشعب والمجالس الممثلة للشعب، واعتماد الليبرالية نظاما اقتصاديا، والمساواة بين الجنسين على الصعيدالاجتماعي. وإلزامية التعليم للأطفال والانتقال من أنموذج الجماعات والطوائف الدينية المتحاربة إلى المواطن لا ابن الطائفة أو الدين وتذويب الطوائف والأديان في بوتقة مدنية علمانية واحدة، لا تمييز فيها على أساس عرقي أو ديني أو علمي وبهذا تكون علاقة المواطن بالدولة لا بسلطة أخرى " عبد الوهاب المسيري، فتحي التريكي ،2003، الحداثة وما بعد الحداثة، ط1، دار الفكر، دمشق سوريا، ص 349

وعند آلان تورين هي – أي الحداثة -:" بناء صورة عقلانية للعالم الذي يدمج الإنسان بالطبيعة -الكون المتناهي في الصغر (الميكروكزم) في الكون المتناهي في الكبر (الماكروكزم)، وترفض كل أشكال الثنائية بين الجسد والنفس، وبين عالم الإنسان والعالم المفارق " توران آلان، 1998، نقد الحداثة، ترجمة أنور مغيث، ط1، المشروع القومي للترجمة، لبنان، ص53،52

7. نورة بوحناش ،2013، الاخلاق والحداثة، ط1، افريقيا الشرق، المغرب، ص 8

8.طه عبد الرحمان، 2006، روح الحداثة، المدخل إلى تأسيس الحداثةالإسلامية، ط1، المركز الثقافي العربي، المغرب، ص 23

9.صدر الدين القابنجي ،2011، الأسس الفلسفية للحداثة، دراسة نقدية مقارنة بين الحداثة والإسلام، ترجمة وتحقيق عادل الفتلاوي، ط1، مركز تنمية الفكر الإسلامي، بيروت لبنان ص 5-6

10.                      عبد العزيز العيادي ،2007، فلسفة الفعل، ط1، دار الصفاقس، تونس، هامش ص 185

11.                       M-fouCault, ditset, Ecrits, T4, Galimard, paris 1994, p446

12.                        توران آلان، 1998، نقد الحداثة، مرجع سابق، ص 30

13.                        محمد سبيلا، 2003، دفاعاعن العقل والحداثة، ط1، منشورات الزمن، بغداد، ص 73

14.                      محمد سبيلا ،2000، الحداثةوما بعد الحداثة، ط1، دار توبقال، دار البيضاء المغرب، ص 8

15.                      هبرماس يورجن، 1995، القول الفلسفي للحداثة، ترجمة فاطمة الجيوشي، ط1، منشورات الثقافة السورية، دمشق سورية، ص 7، أنظر أيضا ماكس فيبر، مفارقاتالعقل الحديث فيليب راينو، ترجمة محمد جديدي، ص 183

16.                      جاك الول  ،2004، خدعة التكنولوجيا، ترجمة فاطمة نصر، ط1، دار السطور، مصر، ص 197

17.                      ادغار موران ،2004، العقلانية الكلاسيكية ونقدها، ط1، ضمن / محمد سبيلا، عبد السلام بن عبد العالي، العقلانية واعتقاداتها، دار توبقال، المغرب، ص 21

18.                      ادغار موران: المرجع السابق ص 21، 24، 25

19.                      : ادغار موران ،2012، هل نسير الى الهاوية، ترجمة عبد الرحيم حزل، ط1، افريقيا الشرق، المغرب، ص 58

20.                      كمال بومنير، 2010،جدل العقلانية في النظرية النقدية لمدرسية فرانكفورت، ط1، منشورات الاختلاف، الجزائر، ص 21

*هناك مبرر منهجي للإشارة إلى النقد الذي مارسته مدرسة فرانكفوت ،ذلك أن هذه المدرسة قد مارست فعل النقد بشكل واسع في النسق الحضاري الفكري الغربي ،وفي نقد العقلانية لهذا الفكر، ولم نشأ أن نسائل الحداثية الغربية في نقد نسقها العقلي من أنموذج فيلسوف واحد ينتقد العقلانية ،حتى لا نسقط في مصادرة منهجية ،التي مفادها أنانتقاد مفكر واحد أو اثنين، للعقلانية الغربية لا يعني بالضرورة أنها ذات بعد سلبي بالضرورة، لذا فالإشارة إلى مدرسة والتي تضمعددا لا بأس به من فلاسفة ومفكرين غربيين، ينتقدون هذا النسق في توجهه العقلاني جعلنا نشير إلى مدرسة فرانكفورت.

21.                      عبد الله موسى ،2011، قوام التعقل عند "ثيودور ادورنو" ضمن/ كتابثيودور أدرنو من النقد إلى الإستيتيقا مقاربات فلسفية " إشراف وتقديم كمال بو منير، منشورات الاختلاف، الجزائر ط 1، ص 97

22.                      عبد الوهاب المسيري، 2006، دراسات معرفية في الحداثة الغربية، ط1، مكتبة الشروق، بمصر، ص 351

23.                       ماكس فيبر، 2008،عقلنة رؤية العالم، ضمن /محمد سبيلا، العقل والعقلانية، دار توبقال، المغرب، ص 41

24.                       كاترين كوليو-تيلين، 1994، ماكس فيبر والتاريخ، ترجمة جورج كتورة، ط1، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت لبنان، ص 122،123

25.                      ويل ديورانت ،1957، مباهج الفلسفة، ترجمة أحمد فؤاد الأهواني، ط1، مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، ص 62،63

26.                      عبد الوهاب المسيري،2009، العلمانية والحداثة والعولمة، ط1، حوارات تحرير سوزان حرفي، دار الفكر، دمشق سوريا، ص 29-30

27.                       انتوني غدينز ،2005، علم الاجتماع، ترجمة فايز الصياع، ط1، المنظمة العربية للترجمة، بيروت لبنان، ص 93

28.                      ولتر ستيس ،1998، الدين والعقل الحديث. ترجمةإمام عبد الفتاحإمام، ط1، مكتبة مدبولي، مصر القاهرة ص 104

29.                      روبرت أغروس، جورج ستانسيو ،1989،العلم في منظوره الجديد، ترجمة كمال الخلايلي، ط1، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ص 124

30.                      المرجع السابق نفسه ص 124

31.                      المرجع نفسه، ص133

32.                       جاك الول، خدعة التكنولوجيا، مرجع سابق: ص 52

33.                      إيريك فروم ،1989، الإنسان بين الجوهر والمظهر، ترجمة سعد زهران، ط1، سلسلة عالم المعرفة، الكويت ص 167

34.                      روبارت غروس وآخرون، العلم في منظوره الجديد، مرجع سابق ص 54

اللا أدرية " Agnosticisme1/ يطلق على الرأي القائل بأن الميتافيزيقا عبث.

2/ يطلق على المذاهب الفلسفية التي تقرر وجود موجودات يستحيل على الإنسان إدراكها مثل وضعية كونت وتطورية سبنسر ونسبية هاملتون ونقدية كانط" أنظر: مراد وهبة ،2007،المعجم الفلسفي، ط5، دار قباء الحديثة، القاهرة مصر، ص 529

الغنوصية Gnosticisme" تطلق على نزعة فلسفية معينة نشأت بتأثير الديانة اليودية والبوذية والمجوسية والصينية وتهدف إلى إدراك كاة الأسرار الربانية. ظهرت في القرون الأولى من المسيحية (كرد فعل ضدها) في فلسطين على يد سيمون الساحر الذي تأثر باليهودية والمسيحية والوثنية اليونانية فارتأى أن الكون يتكون من قوى إلهية لها تجليات تتسلسل في الهبوط. كما ارتأى أن النفس في حالة تناسخ حتى تتطهر وتعود إلى حضن الألوهية الذي انفصلت عنه" مراد وهبة، مرجع نفسه ص 449

35.                       روبرت غروس أفرون،العلم في منظوره الجديد، مرجع سابق ص : 55

36.                      نورة بوحناش ،2013، الأخلاق والحداثة، ط1، إفريقيا الشرق، المغرب ص 22

37.                      نوبرتكامبانيا ،2006، عالم الحديثين في نظر قيللي، ط1ضمن / محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي ،الحداثة وانتقاداتها، نقد الحداثة من منظور غربي، المغرب ،دار توبقال ،،ص 12

38.                      فريدريك نيتشه، هكذا تكلم زراد شت، ترجمة فليكس فارس، ط1، دار القلم، بيروت لبنان، ص 30

39.                      جياني فاتيمو، 2014،نهاية الحداثة، ترجمة نجم بو فاضل، ط1، المنظمة العربية للترجمة، بيروت لبنان، ص 43،44

40.                      محمد سبيلا: الحداثةوما بعد الحداثة، مرجع سابق ص 18

41.                      يورغن هابرماس : القول الفلسفي للحداثة، مرجع سابق ص 31

42.                      المرجع السابق ص 31

43.                      تارناس ريتشارد، 2010،آلام العقل الغربي " فهم الأفكار التي قامت بصياغة نظراتناإلى العالم"، ترجمة فاضل جكتر، ط1، مكتبة العبيكان، المملكة العربية السعودية، ص 381-383

44.                      برتراند رسل،1977، تاريخ الفلسفة الغربية، ترجمة محمد فتحي الشنطي، ج3، ط1، دار العربية العامة للكتاب، مصر، ص8

45.                      جون موريس كلارك ،1963، ضمن / أدربين كوخ: آراء فلسفية في أزمة العصر، ترجمة محمود محمد، الانجلو مصرية، ط 1، القاهرة مصر، ص 169، 170

46.                      المرجع السابق ص 158

47.                      روبرت غروس وآخرون، العلم في منظوره الجديدة: مرجع سابق ص 86

48.                      المرجع السابق ص 88

49.                      جان ماري بيت: عودة الوفاق بين الانسان والطبيعة، مرجع سابق ص 32

50.                      ولتر ستيس : الدين والعقل الحديث : مرجع سابق ص 120

51.                      جان ماري بيلت. عودة الوفاق بينالإنسان والطبيعة، مرجع سابق ص 25

52.                      محمد نقيب العطاس ،1995، حقيقة السعادة ومعناها في الإسلام، ترجمة حسن عبد الرزاق النقر، ط1، نشر المعهد العالمي للفكر والحضارة الإسلامية، ماليزيا كوالالمبور، ص 14

53.                      محمد نقيب العطاس، مرجع السابق، ص 14

54.                      مارشال بيرمان، 1993،حداثة التخلف – تجربة الحداثة -، ترجمة فاضل جكتر، ط1، مؤسسة عيبال للدراسات والنشر، دمشق سوريا، ص 5،6

55.                       لطيفة الزيات ،1996، فوردمادوكس فورد-والحداثة دراسة نقدية، ط1، الهيئة المصرية للكتاب، مصر، ص 56

56.                      محمد بلفقيه،2007، العلوم الاجتماعية ومشكلة القيم تأصيل الصلة، ط1، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط المغرب،ص184

57.                      برادن ر.اللنبي ودانيال سارويتز، 2013،حالة الآلة – الإنسان-، ترجمة حسن الشريف، ط1، المنظمة العربية للترجمة، بيروت لبنان، ص 140

58.                      يوسف زيدان، 2013، دوامات التدين، ط1، دار الشروق، القاهرة مصر، ص 246

Pour citer ce document

نصر الدين بن سراي, «أنموذج إنسان الحداثة في المقاربة الرؤيوية إلى العالم»

[En ligne] مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales العدد 21 ديسمبر 2015N°21 Décembre 2015
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2016-09-22,
mis a jour le : 11/12/2016,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=1431.