إدارة المعرفة والمُنظمة المتعلمة -مدخل للتعلم التنظيمي في مجتمع المعرفة-
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
08
09
10
11
12
13
14
15

العدد 21 ديسمبر 2015 N°21 Décembre 2015

إدارة المعرفة والمُنظمة المتعلمة -مدخل للتعلم التنظيمي في مجتمع المعرفة-

حسان حامي
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

تحاول هذه الورقة مُلامسة موضوع إدارة المعرفة وجملة ارتباطاته بمفهوم المنظمة المتعلمة والتعلم التنظيمي، على اعتبار كون المعرفة بالمنظمة باختلاف تفرعاتها وأنواعها من أكثر الموجودات قيمة وتجددا وبقاءا في إطارها، كما ستحاول أيضا استجلاء آليات ومبادئ التعلم التنظيمي والممارسات المعرفية الهادفة للاستفادة أكثر من جهود التنمية البشرية.

كما ستحاول فهم متطلبات إدارة المعرفة الهيكلية والثقافية والتكنولوجية والقيادية ومبررات التحول من تلك الأنماط التقليدية للتنظيم إلى منظمات قائمة على المعرفة ورأسمال الفكري قبل المادي، وأيضا معوقات ذلك التحول.

الكلمات المفاتيح: إدارة المعرفة، التعلم التنظيمي، المنظمة المتعلمة، الثقافة التنظيمية، القيادة.

Cet article a comme objectif  l'analyse de la relation entre lagestion des connaissances, l'organisation apprenante et l'apprentissage organisationnel, en tenant compte du fait que la connaissance de l'organisation dans ces différents types est la plus importante et la plus renouvelable. Cette recherche a un autre objectif  celui  de dégager les mécanismes et les principes de l'apprentissage organisationnel et les pratiques cognitives visant à capitaliser les efforts du développement humain.

Il s’agit aussi de  comprendre les besoins de la gestion des connaissances ,du leadership structurel , culturel ,et technologique et les causes de la  transition de l'organisation traditionnelle vers  une organisation basée sur le savoir et le capital intellectuel , en passant par l'étude des obstacles qui font ralentir celle-ci.

Mots clés :gestion des connaissances, apprentissage organisationnel, l'organisation de l'apprentissage, la culture organisationnelle, le leadership

The main objective of this paper is to analyze the relationship between knowledge management and learning organization and organizational learning, given the fact that organizational knowledge in various types are the most valuable and the most enduring, as well as trying to figure out mechanisms and principles of learning and practice of knowledge organization aims to promote and benefit from the efforts of human development.

 Also this paper will try to understand the needs of knowledge management and leadership structure, culture, and technology, and the reasons for the shift from the traditional organization to the capital-based on knowledge and intellectual capital before the physical capital, and also the obstacles of that transformation.

Keywords:knowledge management, organizational learning, and the learning organization, organizational culture, leadership.

Quelques mots à propos de :  حسان حامي

أستاذ مساعد أ، عضو مخبر المجتمع الجزائري المعاصر، قسم علم الاجتماع، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة محمد لمين دباغين سطيف

المقدمة

لقد حَظي موضوع المنظمة المتعلمة في الوقت الراهن باهتمام متزايد لدى الباحثين، أين أصبح من أكثر الموضوعات حيوية في حقول علمية متداخلة من الاجتماع والاقتصاد وعلم النفس، باعتبار التعلم موضوعا تتجاذبه جميع هذه السياقات المعرفية، ولم يظهر هذا المفهوم بشكل مفاجئ بل تطور عبر مراحل متعددة، فوَصف المنظمة بذلك الكيان دائم الُتعلم ليس بالطارئ، فقد كانت رؤية فريدريك تايلور Fredrick taylorفي نقل المعرفة من أهم مبادئ الإدارة العلمية التي كانت ترنو الى بناء العاملين منظمة أكثر كفاءة. كما كان اهتمام هنري فايول Henry Fayolبتكوين المديرين من أهم المبادئ الإدارية لضمان نجاحهم في العمل التنظيمي، أما ماكس فيبر Max weberفقد تأسس جُل تصوره على كيفية إدارة المنظمات الكبيرة على أسس العقلانية والبيروقراطية، من خلال نموذجه المثالي والمتطلبات التي يجب توافرها في المنظمة بغية النجاح في تحسين إنتاجية العاملين وكفاءة المنظمات وفاعليتها.

غير أن هذه الرؤية تغيرت مع تطور الفكر التنظيمي وفهمه لكينونة الفرد داخل التنظيم منذ ظهور دراسات وأعمال كل من  ثيودرشولتز Theodore Schultzeإلى بيتر دروكر Peter Druckerإلى بيتر سنينج  Peter singe، والذين لم يَتماهو مع ذلك التصور  للفرد على أنه مجرد إنسان /آلة،  بل إلى اعتباره موردا إستراتيجيا،  وطاقة ذهنية،  وقدرة فكرية،  والمعرفة الكامنة،  وعنصرا فاعلا على المشاركة الإيجابية،  فهو يبحث دائما عن المبادرة والمُضِيْ نحو التطوير والإبداع، وبالتالي فقد تأسس فهم جديد ورؤية ثورية للموارد البشرية، تمثلت في ضرورة تقدير الفرد واستثمار قدراته،  وطاقاته وتوظيفها، واعتباره طرفا فاعلاً في كل العمليات التنظيمية،  الأمر الذي جعل مفاهيم  هذا الفكر تختلف بشكل جذري عن مفاهيم تسيير الأفراد أو تسيير الموارد البشرية، فالقيمة الحقيقية للمؤسسة تكمن أساسا في قيمة مواردها البشرية، وكفاءاتها الفردية والجماعية كرأس مال فكري، وقدرة توظفيها للمعرفة الكامنة فيها.

ومن هنا تأتي هذه الورقة والموسومة بـ إدارة المعرفة والمنظمة المتعلمة مدخل للتعلم التنظيمي في مجتمع المعرفة،  لتوضيح وفهم تلك العلاقة التي تربط بين منظومة إدارة المعرفة كآلية، والتأسيس للمنظمة المتعلمةككيان،  من خلال تناول جملة من الموضوعات المتعلقة بمفهوم إدارة المعرفة بالمنظمة على اعتبار كونها رديفًا للقيمة المضافة في التنظيم، إضافة إلى استجلاء مبررات التحول لإدارة المعرفة، ودوافع الانتقال من المنظمات التقليدية القائمة على أنساق التسيير الكلاسيكية إلى أنساق المعرفة والتَعلُم، وكذا متطلبات بَثِ فلسفة وروح إدارة المعرفة في المنظمة أي تلك الهيكلية، والقيادية، والتكنولوجية والأهم الثقافية.

كما ستحاول هذه الورقة أيضا تحديد آليات التحول من مفهوم المنظمة التقليدية إلى مفهوم المنظمة المتعلمة القائمة على المعرفة ومفهوم التعلم التنظيمي، مع إعطاء نموذج عن التصورات التي هدفت إلى تجسيد مفهوم المنظمة المتعلمة والتي يُقصد بها نموذج بيتر سينج ومبادئه الخمس لبناء المنظمات المتعلمة وأخيرا طرح جملة المعوقات التي تحول دون ذلك.

مدخل مفهومـاتي

1-1إدارة المعرفـة

يصعب إيجاد تعريف موحد لإدارة المعرفة، فقد اختلفت الفُهوم حسب التخصص والمذاهب الفكرية للقائلين بهذه التعاريف، كما يرجع هذا التباين إلى اتساع ميدان المفهوم وديناميكيته والتغييرات السريعة التي تدخل عليه، وفي المجمل يمكن حصر بعض منها في المفهوم التالية:

§تشير إدارة المعرفة إلى "تلك المنظومة والآليات التي تُعَظِمُ من الموارد الفكرية والمعلوماتية، من خلال قيامها بعمليات شفافة وتكنولوجية تتعلق بإيجاد وجمع ومشاركة وإعادة تجميع وإعادة استخدام المعرفة، بهدف إيجاد قيمة جديدة من خلال تحسين الكفاءة والفعالية الفردية والتعاون في عمل المعرفة لزيادة الابتكار والمساعدة في اتخاذ القرار"1.

§هي إدارة المعرفة الحرجة التي تعتمد على قاعدة المعرفة، تهدف إلى إضافة قيمة للأعمال، تتم من خلال عمليات منتظمة تتمثل في تشخيص واكتساب وتوليد وتخزين وتطوير وتوزيع وتطبيق المعرفة في المنظمة2.

§ويمكن إيجاد تعريف آخر لإدارة المعرفة على أنها العملية الهادفة إلى توفير المعرفة العلمية والتقنية لدى كل العاملين في المنظمة من خلال: التكوين والتدريب من أجل مواكبة المعرفة الحديثة3.

وكمحصلة لجملة التعاريف السابقة يمكن تلخيصها في المعادلة الرمزية التالية:

إدارة المعرفة = المعلومات + المشاركة + الفهم + التوظيف.

كما يمكن فهم المعرفة من خلال فهم نمطين منها، هما المعرفة الصريحة، والمعرفة الضمنية:

أما المعرفة الصريحة فيمكن فهمها من خلال أنها:

معلومات مُجمعة ومنظمة، وهي أعلى من الإحاطة والإدراك، تؤدي إلى الحل أو الخبرة أو السلوك المتخذ بالفعل، كما أنها منظمة قابلة للاستخدام في حل مشكلة معينة، أو هي معلومات مفهومة، محُلّلة، ومطبقة4.

أما المعرفة الضمنية فيمكن فهمها من خلال أنها:

هي ذلك المزيج من الخبرة والقيم السابقة والرؤى الخبيرة التي تقدم إطارا لتقييم الخبرات والمعلومات الجديدة، أو أنها ذلك المزيج المتكامل والمترابط من المعلومات والخبرات والتجارب والمهارات والاتجاهات، ووجهات النظر والمعتقدات والمفاهيم التي يمتلكها الفرد، والتي تُشكل بنيته المعرفية، وتحدد طبيعة سلوكه حِيال القضايا والمواقف المختلفة5.

1-3المنظمة المتعلمة والتعلم التنظيمي، محاولة للفهم

المنظمة الُمتعلّمة هي في الأساس ذلك الحقل الذي تتفاعلفيه الجهود لتبادل المعرفة والأفكار الإبداعية الخلاقة؛ فبقدر ما كان الاهتمام في الماضي بالمنظمة التينُظِر إليها على أنها ذلك الهيكل البيروقراطي الذي يحتضن الفرد في كل مراحل حياته، فإن الاهتمام الحالي هو بالمنظمة التي تتعلّم من الآخرين أفضل قيمهم وأفعالهم وأفكارهم وحتى هواجسهم، أين يتم نقل المعرفة بسرعة وفاعليةفي كل كيانها بشكلٍ تشاركيٍ. غير أنه لا يمكنها -أي المنظمة-أن تصل إلى درجة التنافسية أين يمكن أن تُوسم بـ "منظمة متعلّمة" بالاكتفاء بإلباسها لحاف اللّفظ أو الاصطلاح، دون الانتقال من نظم تفكير تقليدية إلى الاستنجاد بأنماط تفكيرية حديثة. والتي تنبني أولا على تغيير الثقافةالسائدة وثانيا ضرورة التحول الإداري للتخلصمن البيروقراطية المعيقة، والتوجه نحو نُظِمِ أقل مركزية وتوزيع منظومة السلطة وإتخاذ القرار، وذلك بمرافقة اعتماد آليات تكوينية تسمح لضمان نجاحالمهمة لإثراء ثقافة التعلّم ونُموها.

وعليه يمكن اعتبار مفهوم المنظمات المتعلمة بمفاهيمها الحديثة بمثابة انتقال فكري وعملي من مفاهيم البيروقراطية القديمة إلى مفاهيم المنظمات الحديثة6. أين تقوم على رُكنين أساسين هما: قدرة المنظمة على الابتكار المستمر وبتسارع أكبر من نظيراتها من المنظمات الأخرى، ويكمن الثاني في أن الركن الأول لا يمكن حدوثه إلا من خلال إطلاق العِنان للقدرات المنظورة وغير المنظورة لجميع أفراد المنظمة، وعلى اختلاف مستوياتهم الإدارية وتخصصاتهم العلمية وتجاربهم العملية. وضمن هذا الإطار فإن مفهوم المنظمات المتعلمة هو مفهوم "ثوري" على الأطُر الإدارية والاقتصادية لإدارة المنظمات ولدور القيادات وبالتالي للقائمين على العملية التعليمية في المنظمة بكل أشكالها.

ومن أجل فهم جملة الفروق بين المفهومين فإنه من المهم الإشارة إلى أكثر الباحثين والكتّاب الذين اضطلعوا بهذا الموضوع، ونقصده هنا الباحث بيتر سينج Peter singé، والذي حدد معالم المنظمة المتعلمة على أنها تلك المنظمات التي يسعى فيها الأفراد وباستمرار إلى تطوير وتوسيع قدراتهم لتحقيق النتائج التي يرغبون في الوصول إليها، هذه المنظمات التي يكون فيها الطموح الجماعي حراً ومفتوحاً، أين يجتهد الأفراد فيها ويتعلمون"7. أما التعلم التنظيمي فيُفهم على أنه" العملية التي يتم من خلالها اكتساب المعرفة واستخدام المعلومات التي تمُكن المنظمة وأعضاءها من التكيف مع البيئة المتغيرة باستمرار" 8.

وتأسيسا على ما سلف من تعاريف فإنه يمكن تحديد الفواصل الفارقة بين التعلم التنظيمي والمنظمات المتعلمة،بالنظر للمنظمات المتعلمة على أنها تلك التي تتوفر لديها بيئة مثالية للتعلم والمنسجمة مع أهداف التنظيم وتطلعاته، أما "التعلم التنظيمي فيمثل تلك العملية التي يتم من خلالها تحري وتصحيح الأخطاء، فالمنظمات تتعلم من خلال كون الأفراد مكونات تَشتغلُ لخدمة المنظمة، فنشاطات الأفراد التعليمية تتم (أو لا تتم) من خلال البيئة التنظيمية والتي يمكن وصفها بنظام التعلم التنظيمي"9.

.2المعرفة كَرديفِ للقيمة المضافة في المنظمة

إن المعرفة بمفهومها الواسع تُعد مصدرا تنظيميا أساسيا يرتكز على الكفاءات الفردية،  "فالكفاءات الفردية هي التي تحوز بشكل دائم على المعرفة وقدرة فهمها،  وترجمتها،  كما أن اعتبار المعرفة والقدرة على التعلم،  ومعالجة المعلومات موارد تساهم في خلق القيمة لا يعد أمرا مُستحدثًا،  بل هو صيانة واستخدام،  وتطوير تلك الموارد الإستراتيجية بما يؤدي إلى خلق ميزة تنظيمية تنافسية مُستدامة"10،  وبالنظر إلى الدور الإستراتيجي الذي أصبحت تحتله المعرفة ضمن الحقل التسييري باعتبارها من أهم الموارد الداخلية غير الملموسة المساهمة في حصول المؤسسة على الميزة التنافسية،  فإنه من المهم التعرف على أنواعها ومدى ارتباطها بالمنظمة،  ويتطلب ذلك تناول أنواع المعرفة التنظيمية،  سواء من حيث شكلها أو صفتها،  أو بالنسبة للفرد أو المنظمة،  أين يمكن تصنيفها إلى فرعين أساسين هما الصريحة والضمنية:

2-1المعرفة الصريحة

 يقصد بالمعرفة الصريحة معرفة المنظمة (الحسية)، والتي تكون مخزنة في وسائل مادية مثل الأرشيف، والمعطيات والإجراءات، والمخططات والنماذج... الخ، كما تعرف بالمعرفة المُعلنة لأنها الشائعة والرائدة بين الأفراد.

2-2المعرفة الضمنية

وهي التي يقصد بها المهارة الفردية والجماعية التي نجدها في القدرات أو الكفاءات، وتعرف أيضا بالمعرفة الكامنة لأنها مخزنة في عقول أصحابها، والتي يتم تبادلها واقتسامها من خلال التفاعل المُتميز الذي قد يحصل بين الأفراد، كما يمكن أن تتحول هذه المعرفة الضمنية إلى معرفة صريحة أين تساهم في توسيع حقل المعرفة11.

2-3المعرفة التنظيمية

وهي كل أشكال المعرفة التي تتعامل بها المنظمة، والتي تنتج من تفاعل أفرادها، ومن تعاملهم مع البيئة المحيطة بالمنظمة، حيث تتشكل هذه المعرفة من حصيلة التجارب، والخبرات، والتوجهات، والمعلومات، والدراسات، والقرارات، والسياسات والاستراتيجيات التي تكون القاعدة الفكرية التي توجه وتنظم كافة النشاطات بالمنظمة12.

3-                        مبررات التحول إلى إدارة المعرفة

يُطرح دائما سؤال متعلق بضرورات ذلك الانتقال الذي عرفته المنظمات التقليدية إلى المنظمات المؤسسة على المعرفة، والإجابة تكون أن ذلك الانتقال كان استجابة لعدة متطلبات ومؤثرات بيئية داخليةوخارجية، يمكن تلخيصها في جملة من النقاط:

§تعاظم الإدراك حول قيمة المعرفة الحقيقية والبعيدة المدى،و التي لا تعتمد بالضرورة بتلك اللحظة الآنية في توليدها؛بل أن قيمتها تكمن في الطبيعةالمتغيرة والمُتَحولة للموجودات المعرفية وإمكان تعزيزها المستمر بتطوير معرفة جديدة يجعل من إدارتها عملية معقدة، تُحتمالتوجه نحو تطوير برامج لإدارة المعرفة.

§تمدد الحقول التي استطاعت إدارة المعرفة معالجتها، خاصة في مجال التنافس والإبداع والتجديد والتنوع؛ حيث تَنزُع منظومة إدارة المعرفة إلىالإبداع والوعي والتَكيف لمواجهة الاضطراب وتعقيدات البيئة المحيطة.

§انسحاب مسار التطوير التقني والتحديث العلمي على كل مجالات الحياة، حتى أصبح لِزامًا اللّحاق بتلك التطورات أمراً حيوياً للإدارة في المنظمات المختلفة، حتى تستطيع النّيلَ والحصول منها علىما يناسبها ويوافق ظروفها، أو العمل على التكيف مع متطلباتها وتعديل أوضاع المنظمة وإعادة هيكلة عناصرها الرئيسية لتتوافق مع المتطلبات التي يفرضها استخدام المُكتَشفَاتِ العلمية والتقنية المتجددة13.

§علاقة استدخال المعرفة في نجاح المنظمات، وذلك لإرتباطها بتخفيض التكلفة ورفع أصول المنظمة بغرض خلق إيراداتجديدة، إضافة لإمكانية قياس أثر هذه المعرفة، حيث أصبحت غالبية المنظمات قادرة على تلمس أثر المعرفة في عملياتها، وقادرةعلى قياس هذا الأثر بشفافية أكبر14.

4-متطلبات تطبيق منظومة إدارة المعرفة

ترتبط منظومة إدارة المعرفة بشكل حيوي على جملة من المتطلبات المتعلقة بالبيئة المتوافرة في المنظمة للوصول إلى أقصى استفادة ممكنة من المعرفة، بحيث يجب أن تكون بيئة مشجعة على الإدارة الفعّالة للمعرفة، ومن ثم يمكن تخزين ونقل وتطبيق المعرفة. وبصفة عامة، فإن هذه المتطلبات يمكن اختصارها في العناصر التالية: الهياكل التنظيمية الملائمة لإدارة المعرفة، وقيادة وثقافة تنظيمية تشجع على ذلك، وتكنولوجيا المعلومات.

4-1الهياكل التنظيمية الملائمة

يتمأسس شكل الهيكل التنظيمي في الغالب على مفهوم  وتقسيم العمل تبعاً لأشكال التخصصات الوظيفية؛ أين يحتل كل فرد مجالا وظيفيا محددا وتحت سلطة مسؤول بصلاحيات محددة، وحيث تتحكم الإدارة العليا في كل متطلبات تسيير المنظمة ككل، أين يرتبط هذا البناء الهيكلي على شكل إنسياب المعلومات في المنظمة، بحكم تمركز هذه المعلومات في ذلك المجال المحدود من المسيرين ثم يتم تَاليًا توزيعها من قبل الإدارة على الأفراد، وهذا يعني عدم وجود علاقات مباشرة بين الأفراد،  وبالتالي تكون إمكانية نقل المعرفة والمشاركة فيها محدودة، لذا فإن الهياكل التنظيمية الأكثر ملائمة لإدارة المعرفة هي تلك الهياكل التي تتسم بالمرونة والتكيف مع البيئة وسهولة الاتصالات وقدرتها على الاستجابة السريعة للمتغيرات.

وعليه فإن ترتيب الفضاء المناسب الأكثر لتطبيق إدارة المعرفة التنظيمية تتطلب بالضرورة التحول من الممارسات الإدارية المعتادة إلى أخرى أكثر توافقاً مع معطيات عصر المعرفة،  "مثل التحول من الهيكل التنظيمي الهرمي الشكل المتعدد المستويات إلى الهياكل التنظيمية الأكثر تفلطحاً"11، والأبعد عن الشكل الهرمي، والتحول من النظم المركزية التي تعتمد على احتكار المعرفة وتركيزها في مستوى تنظيمي واحد،  إلى النظم اللامركزية التي تستند إلى تدفق وانتشار معرفيٍ يُغطى المنظمة كلها ويشارك الجميع في تخليقها، وكذاالتحول من أنماط التنظيم القائمة على العمل الفردي المنعزل إلى نمط العمل الجماعي في فرق العمل الذاتية.

4-2الثقافة التنظيمية

يساهم العامل الثقافي بشكل جدير بالاهتمام بالنظر إلى أهمية متغير الثقافة التنظيمية، وخاصةً تلك القيم التي تساهم في توجيه السلوك التنظيمي، فهذا العامل يعد من أهم العوامل التي تساعد على إدخال مفهوم إدارة المعرفة في المنظمة،  حيث أن الثقافة التي يمكن وسمها بالقوية تساهم في خلق مناخ تنظيمي تسوده القيم المشتركة والإتفاق حول أهداف محددة وصولا الى شكل من الإنسجام والتواءم،ممّا يزيد من معدلات الالتزام التنظيمي، وبالتالي فإن تطبيق إدارة المعرفة في أية منظمة يتطلب أن تكون القيم الثقافية السائدة ملائمة ومتوافقة مع مبدأ الاستمرار في التعلم ونقل المعرفة، وأن تكون مشجعة لما يعرف بروح الفريق، وكلها تمثل عوامل ايجابية لذلك الفعل الانسيابي للمعرفة في المنظمات، أي ثقافة تشجع التواصل بين الأفراد وتبادل الأفكار ومساعدة الآخرين،  ثقافة تساهم في "تضائل أسباب الصراع الهيكلي الذي يمثل قوة للضعف التنظيمي"12كما عبر عنه بيتر سنج، إضافة إلى توافر القدوة والمثل الأعلى للقيادة الفعالة التي تعتني بالمعرفة والعوامل التي تساعد وتحفز على تبنى مفهوم إدارة المعرفة.

4-3القيادة التنظيمية

كما لا يمكن التغاضي عن أهمية الدور الذي تلعبه القيادة كدور في إدارة المعرفة، فالقائد هو النموذج وهو من يمكنه ان يقدم أسلوبا للتعلم من خلال العمل، بالنظر الى إمكانية بناء نموذج تعلّميّ مؤسسا على القدوة، فالقائد هو المسئول عن بناء واستمرار ونجاح منظمه بها أفراد وجماعات وفرق عمل يَسْعَونَ إلى تطوير قدراتهم بشكل مستمر ومتواصل. ويقع على القائد عبء تصميم استراتيجيات إدارة المعرفة في المنظمة وتوجيه الأفراد والجماعات نحو أهدافها بشكل منظم ومنهجي، حيث هنالك دائماً ما هو جديد وما يجب ويمكن تعلمه وإضافته إلى قدرات المنظمة.

ومن ثَمَةَ فإنه يتعين عليه أن يكون مُبتكراً وخلاقاً في إيجاد طرق وأساليب جديدة، من شأنها تضخيم وتطوير القاعدة المعرفية للمنظمة، وجعل العاملين شركاء، والأخذ بآرائهم تَقَفيًا وبحثا عن تكوين رؤية موحدة في المؤسسة بشكل عام، إضافة الى ذلك فإن أهمية منظومة القيادة تنبع من دورها في بناء إطار تنظيمي لإدارة المعرفة، بالإضافة إلى دورها في تبسيط جملة الإجراءات والعمليات لكافة التخصصات الإدارية بالمنظمة، وكذلك تؤدي دوراً مهماً في إيجاد ثقافة تنظيمية ملائمة تتيح المشاركة في المعرفة والتعلم من الآخرين بصفة مستمرة، وفي الغالب يمكن تقسيم القيادات التنظيمية إلى نوعين رئيسين هما:

4-3-1قيادات لامركزية تعتمد على تفويض السلطة للمرؤوسين، لاتخاذ الكثير من القرارات مع الحفاظ على ميكانيزم الرقابة على الموضوعات المهمة والضرورية.

4-3-2قيادات مركزية: تعتمد على تركيز السلطة، والمركزية في اتخاذ القرارات وهي مرتبطة بشكل كبير بنمط التعقيد التنظيمي والامتداد الجغرافي للمنظمة.

4-4العامل التكنولوجي

يقودنا الحديث عن التكنولوجيا وعلاقتها بإدارة المعرفة إلى التنويه أنها أهم متطلب من متطلباتها، فالمنظمات التي توظف التكنولوجيا بأحسن اسلوب ممكن تكون مُهيأة أكثر من غيرها للبقاء والاستمرارية في ظل المنافسة، "وتُستمد أهمية العامل التكنولوجي في إدارة المعرفة من قدرته على جمع المعلومات وتصنيفها وإعدادها وتخزينها وتوصيلها، وإعداد البيانات بين الأجهزة والأفراد والمنظمات من خلال الوسائط المتعددة"13.

 فاستخدام تكنولوجيا المعلومات في برامج إدارة المعرفة تُمَكِنُ من تحسين قدرة العاملين على الاتصال ببعضهم، لغياب تلك الحواجز التي تتعلق بعوائق المكان والزمان والمستوى الوظيفي، وإتاحة مرونة أكثر في التعامل مع المعلومات والبيانات؛ وذلك لوجود قواعد بيانات وإمكانية تشغيلها عن بعد وفى أي مكان بحكم أنها متاحة لجميع الأفراد، وليست محتكرة لدى أشخاص بعينهم.

5-                       العلاقة بين إدارة المعرفة والمنظمة المتعلمة

إن إدارة المعرفة هي انشقاق من أدبيات المنظمة المتعلمة، حيث يتطلب التَعلمُ في المنظمات إلى معرفة شخصية فردية للتحوّل إلى المعلومات التي يمكن استخدامها من قبل الأعضاء الآخرين في المنظمة. إن إدارة المعرفة في فضاء التنظيم هي "تلك استجابة إلى القلق الذي ينتاب الأفراد في قدرتهم على ترجمة التعلّم إلى معرفة صالحة للاستعمال. فالمنظمة لا يمكن أن تتطور وتتعلم وتنمو أو تتبنى فعلاً، من دون الاعتماد على رأسمالها البشري، وإذا ما أرادت المنظمة أن تضيف إلى رأس مالها الفكري فإن عليها أن تحدد الآليات التي تُمكنها من أن تَأسُر المعرفة الضمنية للفرد وتحويلها إلى معرفة ظاهرية في الهيكل التنظيمي"14.

ويمكن أن نتصور العلاقة بين بناء المنظمة المتعلمة وعمليات إدارة المعرفة على إنها علاقة تتأسس على الترابطية والتبادلية في الأدوار، ويمكن اختصار زوايا الارتباط بين المفهومين في السطور التالية:

§التعلم التنظيمي ذلك الشكل من التكامل هو الذي تتساند فيه الجهود لاكتساب المعرفة النظرية والتطبيقية، ثم محاولة خزنها ونقلها وتوزيعها والأهم توظيفها تجسيدا لإستهدافات الأفراد والمنظمة معا.

§يسعى كل من التعلم التنظيمي وإدارة المعرفة معا إلى إحصاء و"رسملة المعارف المتاحة واكتساب وإنتاج معارف جديدة واعتبارها كرصيد وثروة"15، ويوجد التعلم التنظيمي عندما يَبني أعضاء المنظمة معارف فعّالة بالنسبة إلى مهمة المنظمة، وتكون هذه المعارف مُشفرة أو مُخزنة في ذاكرة المنظمة.

§يمكن اعتبار عمليات خلق المعرفة تعَلمًا، على اعتبار التعلم هو اكتساب المعرفة أو الفهم أو البراعة من خلال تعلمِ أي أننا عند اكتساب معرفة، نحتاج لعمليات تَعلُمِ لمساندة لذلك الجهد، وتحدد غاية التعلم عندنا بشكل معرفتنا، وينتج عن وجود غايات مختلفة حول التعلم مجموعات متعددة من المعارف، وتتطلب أنواع المعارف المختلفة عمليات تعلم مختلفة.

6-آليات التحول من المنظمة التقليدية إلى المنظمة المتعلمة القائمة على المعرفة

يعتمد ذلك الانتقال من المنظمة التقليدية إلى حالة المنظمة المتعلمة أساسا، بالتركيز على جملة من المؤشرات التنظيمية، والتحول بها من حالة عدم الموائمة مع متطلبات المنظمات المتعلمة إلى حالة استجابة هذه المنظمات لها وذلك عن طريق الانتقال بالمؤشرات التالية:

6-1من الهياكل العمودية إلى الأفقية:

لأن الهيكل العمودي يُوِجد مسافات بين المدير والعاملين، في حين أن الهيكل الأفقي يَخلُق تدفقات في العمليات أكثر من الهياكل العمودية، ويظهر ذلك من خلال التحول إلى ثقافة فرق العمل16.

6-2ومن المهام الروتينية إلى أدوار التمكين:

 إذ أن الدور جزء من النظام الاجتماعي الحركي، يوفر المسؤولية، ويسمح للشخص باستخدام قدراته، ويتيح له حرية التصرف لمقابلة الهدف، كما أن الأدوار يمكن تعديلها وإعادة تعريفها وهذا يولّد الكثير من المرونة17.

6-3من أنظمة الرقابة الرسمية إلى مشاركة المعلومات

 ضرورة مشاركة المعلومات والمعرفة حول أداء المنظمة وأوضاعها المالية، وسلم الرواتب وغيرها، فتوسيع نطاق المشاركة يحافظ على وظائفالمنظمة، ويجعلها تعمل في المستوى الأفضل، كما أن المنافسة تتطلب توفير هذه المعلومات لكلالعاملين، لتمكينهم من سرعة اتخاذ الإجراء والفعل18.

6-4ومن إستراتيجية صِرَاعِية إلى التعاونية

 تحرص المنظمات المتعلمة على تجميع النشاطات من خلال تمكين العاملين، ومشاركتهم في تطوير إستراتيجيتها في مقابل أن تقوم بفرضها بصورة فوقية، إلى جانب كونهم عارفين بالحاجات والمشكلات فإنهم يعرفون كذلك الحلول والمشاركة في بناء الإستراتيجية، مما يُعمق من التعاون والتعلم والتكيف.

6-5من الثقافة القاسية إلى الثقافة المتكيفة:والتي تشجع على الانفتاح وإزالة الحدود والمخاطرة، والتحسين المستمر لصياغة منظمات المستقبل19.

ويمثل الجدول الموالي جملة الاختلافات التي تميز المنظمة المتعلمة عن مثيلتها التقليدية، والتي فُصلت على أساس جملة من المؤشرات المفتاحية التي يشترك فيها كلا النوعين:


 

 المؤشر

المنظمة التقليدية

المنظمة المتعلمة

أساس التنظيم

المهام، العلاقات الوظيفية، طبيعة العمليات

مصادر واستخدام المعرفة

الأفراد

هم ذوي القدرات والمهارات العلمية

هم من ذوي المعرفة

مصدر السلطة

الموقع التنظيمي

المعرفة

صاحب السلطة

شاغل المنصب

صاحب المعرفة

نجاح المؤسسة

شكله التراكم الرأسمالي

شكله التراكم المعرفي

اتخاذ القرار

على أساس الخبرة والرؤية الذاتية

على اساس المنهجية العلمية

الثروة الحقيقية

الأموال والأصول المادية

رأس المال الفكري

 


جدول يمثل الفواصل بين المنظمة المتعلمة والمنظمة التقليدية حسب Yvon Pesqueux(بتصرف من الباحث)20.

7-                        مبادئ بيتر سينج*Peter sengéلبناء المنظمة المتعلمة

يمكن القول إنه تم ابتكار العديد من النماذج المُؤَسِسَة للمنظمة المتعلمة منها نموذج وواتكنز مارسك، نموذج ماركواردت غير أن نموذج بيتر سينج يُعد من أهم النماذج المقترحة، والتي اهتمت بخمسة عناصر أساسية هي:                                                                                           

7-1الالتزام الشخصي 

وهي العملية التي يكون فيها الفرد تواقًا لتوسيع وتعزيز رؤيته وتركيز طاقاته، وأن يكون في حالة دائمة للتعلم، وأن يتوفر لدى الفرد التزام واستعداد طويل الأمد لذلك، وأن يتطلع ليصبح شخصاً متميزاً بين نُظرائه21.

7-2النماذج العقلية (الذهنية)

وفيها يكون العقل الإنساني جاهزاً وحاضراً للتعامل مع التحديات واعتبارها فُرَصاً لأفكار، وإبداعات جديدة ونهج لتغيير حقيقي وإيجابي، وهذا يعني الاستعداد الذهني لدى الفرد للتخلص من القوالب الذهنية والتعميمات الجامدة والجاهزة التي قد تمنع الفرد من الانطلاق نحو ما هو مُستحدث22.

7-3بناء الرؤية المشتركة

إن الرؤية المشتركة هي محرك ومحفز قوي لجميع الأفراد، فقد لا تكون رؤية القائد مشتركة مع أولئك الذين يقودهم، فالأساس في المنظمات المتعلمة أن يتم تحرير وترسيخ هذه الرؤية والمتعلقة بمستقبل المنظمة لجميع أفراد التنظيم، فالرؤى لا يمكن إملاؤها على الأفراد؛ لأنها لا بد وأن تبدأ من الرؤية الفردية والتي قد لا تتفق مع رؤية القائد23.

7-4التعلم من خلال الفريق

وهي الحالة التي يكون فيها أعضاء الفريق يفكرون سوية لتحقيق أهداف مشتركة. ويؤكد هذا الجانب على بناء مستقبل المنظمة على الرؤية المشتركة بين الأفراد وتعزز عنصر التعاون وروح فريق العمل الجماعي، والجانب الأهم لبناء هذا العنصر هو توفير بيئة الحوار في المنظمة.

7-5أنظمة التفكير

وتعد أنظمة التفكير الركن الأساس ضمن عناصر المنظمات المتعلمة، والذي يعطي الفرق بين المنظمة وغيرها من المنظمات ودون توفر هذا المتطلب لا يمكن أن نتحدث عن المنظمات المتعلمة، ويعني ذلك التعامل مع المنظمة كنظام معقد يتكون من أنظمة جزئية وفرعية، وهذا يستدعي أن يتمكن الفرد من فهم الكل وإدراك المكونات الفرعية أيضاً، والإحاطة بكيفية ارتباط هذه المكونات بالنظام ككل، بمعنى آخر القدرة على رؤية الصورة الأكبر للمنظمة24.

8-السمات الرئيسية للمنظمة العاملة بالمعرفة

دأَبَ الباحثون في مجال التنظيمات النظر للإدارة على أنها جملة من الأنشطة والمهام (الكلاسيكية) الهادفة، في حين أن مهمتها الرئيسية هي إدارة المعرفة "بمعنى التخطيط والإعداد لتكوين وتنمية الرصيد المعرفي بالمنظمة وتوجيه تدفقاتها وتيسير توظيفها في كافة سياقاتها الوظيفية، والعمل الدائب على تحديثها وإنماءها واستخراج الكامن منها وتوريد الخارجي منها"25. وعلى هذا المُستند فإنه لا يمكن تصور المنظمة المؤسسة على المعرفة إلا من خلال إتباعها للمنهجية العلمية وطريقة التفكير النُظمي، والاستخدام الذكي والواعي للمعرفة الُمتاحة في تحديد الأهداف والغايات، والتوجهات المستقبلية.

كما لا يمكن تصورها-أي المنظمة العاملة بالمعرفة-دون احتلال العاملين من ذَوِي المعرفة(المباشرين للأنشطة المعرفية) النسبة الغالبة من كتلة الأفراد في التنظيم، وهم الذين يَحوزُونَ على مستويات عالية من الخبرة والإحاطة بتطورات العلوم والتقنيات، وقدرتهم على الإبداع والابتكار وتحديدا حلّ المشكلات، وبالتالي فإن تحديد مواقع العاملين في هيكل السلطة بالمنظمة، يرتبط وجوبا بطاقاتهم المعرفية والذي يَتَأتى منه إسناد الصلاحيات وكل أصناف التحفيز والتقدير. إضافة إلى ضرورة مَيّلِ وتوجه المنظمة لِلتَمْكِينِ للعاملين ذوي المعرفة والتحّوَلِ قدر المستطاع عن أنماط التنظيم المركزية العمودية التقليدية وصولا الى مزيد من اللامركزية.

إن التوجه نحو التطور المعرفي وزيادة وتيرة استخدام المعرفة وتوظيفها في عمليات التنظيم، لا يتأتى أساسا إلا من انسياب المعرفة وتدفقها في قطاعات المنظمة المختلفة؛" فحالة التوازن المعرفي تعني بالضرورة ذلك التعادل الحاصل في استخدام المعرفة وتوظيفها، كما أن هذا الانسياب مرتبط كذلك باختفاء أو تدني الحواجز والمعوقات التنظيمية التقليدية لزيادة فرص التعلم التنظيمي وشموله"26.

 إن التعلم يتخذ ذلك الشكل الفردي في أحيان كثيرة، غير أنه لا يكتمل إلا في سياقه الاجتماعي، ومن خلال ذلك الشكل من التفاعل الهادف مع الآخرين، وهذا مضمون نظرية التعلم الاجتماعي، فهذه النظرية تقوم على أساس أن التعلم يتحقق من خلال التفاعل مع الآخرين ولا يجري في فراغ، ففي المنظمات ذات الثقافات المحافظة يكون ما هو سلبي سائدا، وهذا النمط يَنحُو نحو المحافظة على الحالة القائمة ومبادئها وافتراضاتها، خلافا للتنظيمات ذات الثقافة المرنة الموجهة للتعلم بشكله الايجابي في ظل علاقات اجتماعية تُشَجِعُ على التعلم بدورة متفاعلة تؤسس للتعلم الإيجابي.

9-معوقات التعلّم التنظيمي والتأسيس للمنظمة المتعلّمة

إن التغيرات المتسارعة في الفضاء الخارجي للمؤسسات والتنظيمات( خاصة الاقتصادية منها)، ونقصد بذلك مجال التنافسية والتميّز والبحث عن مكان في هذا الفضاء المزدحم والمتُعاركِ، ونظراً للتغيرات المتلاحقة في حقل الإدارة والذي أدىإلى تغير طبيعة ووظائف المؤسسات في الحقبة المعاصرة، فقد حاولت الدراسات الحديثة فهم العلاقة بين المحدداتالثقافية وطبيعة الأفراد داخل المؤسسات،  وتوصلت الدراساتإلى وجود قيم ومعتقدات وأنماط تفكيرية قد تساهم في بلورةنماذج تسييرية تكون بانية للمنظمة أو أخرى تكبحها تَتَمظهرُفي جملة من  المعوقات التي تعيقعملية بناء المنظمة وتحقيق التعلّم التنظيمي، ومن أبرز هذه المعوقات:

أولاً: المعوقات التنظيمية الداخلية

 إن غالبية المنظماتوأغلبية العاملين بها يَنشغلون بتحقيق التعلّم الأحادي الاتجاهوليس الثنائي الاتجاه أو المزدوج، نظراً لسهولة وسرعة نتائجهالملموسة، فإن بعض المنظمات ترفض فحص النماذج الذهنيةفيما يتعلق بالمعتقدات والسلوك والقواعد،  وتعمل على إعاقةالتغيير والعقاب، إضافة إلى غياب القيادات التنظيميةالواعية بأهمية التعلّم التنظيمي، وتغير المعرفة على المستويينالفردي والتنظيمي بشكل مستمر، كذلك ثقافة المنظمة التي تحول دونتشجيع الأفراد على التعلّم، إضافة إلى اعتماد جود الهياكل الهرمية التي تعيق التطوير الفردي والمشاركةالجماعية 27.

ثانياً: المعوقات التنظيمية الخارجية

 التغيرات الخارجية المفروضة على المنظمة كالسياساتالحكوميةوالعمليات المركزية، والاختلافات الثقافية بينالمنظمات من حيث الحجم والموارد، والتي تحد من قدرةالمنظمة المتعلّمة على التعلّم والاستفادة من تجارب المنظمات الأخرى.

ثالثاً: المعوقات الفردية

قلة بناء فرق العمل، وضُعف نظام الاتصالبين الموظفين، وتجزئة القسم إلى عدة دوائر،  والاعتقادالخاطئ لدى المديرين بأن التعلّم التنظيمي يستلزم  فقط إجراءدورات للتدريب وإعادة استنساخها دون جدوى وتخطيط، وكذا محدودية معرفة المديرين بغايات  التعلّمالتنظيمي والمنظمة المتعلّمة،  وقلة الحوافز المساندة لتطبيق هذا المفهوم والفهم الصحيح لأبعادالمنظمة المتعلّمة من قبلهم، كما يمكن الإشارة أيضا إلى ذلك الروتين وضعف  التفاعل مع المتغيرات المستجدة،  وقلة الموارد المالية، وعدم مشاركة الأفراد في اتخاذ القرار، وعدم استقرار العاملين،  بالإضافة للمحسوبية في المشاركة في الدورات التدريبية، فضلاً عن وجود أفراد يقاومون التغيير.

كما يمكن اعتبار تلك الأشكال الدفاعيةعلى مستوى المنظمة كتجنب الاتصالات المباشرةوالمناقشات العلنية بخصوص الموضوعات الحساسة، ومحاولة التغطية على كل أشكال القصور والضعف وتحييد كل أشكال النقد والتقويم، والذي يؤدي بالضرورة إلى الاحتفاظ بوجهات النظر والرؤى وعدم التصريح بها أمام الآخرين، وكل هذا الذي يؤدي بالضرورة إلى تدني مستوى دافعية الأفراد للتعلم التوجه نحو التعلم، إضافة كذلك لعدم انتظامالمعلومات ودقتها، وعدم توافر الوقت والمال الكافي للتعليم.

خاتمة

يمكن لنا من خلال هذه الورقة أن ننتهي إلى خاتمة نُضمنها مجموعة من النتائج نوردها في الشكل الاتي:

- إن توصيف العلاقة بين بناء المنظمة المتعلمة وعمليات إدارة المعرفة لا تُفهم إلا من خلال الرابطة التبادلية التي تجمع كلاً من السياق أو الفضاء المساعد والمحفِز للمعرفة، وبين إستراتيجية وجملة من التراكيب التي تُعظم الأفكار وتطمح لتعظيم الرأس المال الفكري داخل هذا السياق، وذلك في حالة من الارتباط الوظيفي والانسيابية والاعتماد المتبادل بين المنظمة ومنظومة إدارة المعرفة، فلا يمكن وصف منظمة بالمتعلمة من دون توافر إدارة للمعرفة بشكليها الصريح والضمني، فالتعلم التنظيمي المتكامل هو الذي تتضافر فيه الجهود لاكتساب المعرفة العلمية والعملية المتخصصةوتوزيعها ونقلها وحفظها وتغذيتها وتوظيفها، والمنظمة المتعلمة كمدخل مطلوب لإدارة المعرفة يمكن اعتبارها ذلك الكيان العام الذي يمكنه احتواء هكذا منظومة المؤسسة على التعلم، والذي لا يتحقق إلا عندما تُستحدث تغييرات على مستويات المعرفة لدى الأفراد من خلال تراكم المعرفة الجديدة لدى لديهم.

- يعتمد المعنى الواسع لإدارة المعرفة في المنظمات على توافر جملة من المتطلبات المتعلقة أولا بالهياكل التنظيمية المتميزة بعدم التمركز؛ فالمعرفة المنسابة أفقيا تتمدد لكل مستويات المنظمة وكذا أفرادها خلافا للهياكل الممركزة هرميا وسلطويا، ثم توافر ثقافة تنظيمية قوية تتماشى ومبدأ الاستمرار في التعلم وإدارة المعرفة وقيادة تنظيمية يتمحور دورها في إنشاء إطار تنظيمي لإدارة المعرفة، وتبسيط إجراءات وعملياتها لكافة الإدارات بالمنظمة وكذلك محاولة إيجاد ثقافة تنظيمية ملائمة تتيح المشاركة في المعرفة والتعلم، دون إغفال دور العامل التكنولوجي فتوظيف التِقَانة بأفضل السبل هي الأساس للاستمرار والبقاء،  فالعامل التكنولوجي وتطبيقاته في منظومة إدارة المعرفة تسعى لرفع قدرة الأفراد  على الاتصال ببعضهم البعض وتَحيِيدْ كل الحواجز سواء كانت متعلقة بحيز المكان أو الزمان والمستوى الوظيفي.

- إن التعلم التنظيمي هو ذلك الانتقال الذي يجب أن تعرفه المنظمة للوصول لحالة المنظمة المتعلمة، والذي لا يمكن أن يكون أليا دون تجاوز جملة من المعوقات والمشكلات، فأما على المستوى المُنظمي فإن الهياكل التنظيمية التي تتصف بالجمود والمرتكزة على ذلك التسلسل الوظيفي الذي لا يمكن أن يوفر فضاءًا مساعدا لانسياب المعلومة بين قطاعات التنظيم،  إضافة إلى المواصفات القيادية المتمسكة بالإجراءات الروتينية ومقاومة التغيير، واحتكار المعلوم ومحدودية نشرها، وذلك في ظل ثقافة تنظيمية تُعيق التعلم وما يساندها من عادات وقيم وأنماط الاتصال، خاصة إذا لم تتوفر "رغبة"لدى المنظمة في التغير مقابل جمود وقبول الواقع الراهن، أما على المستوى الأفراد فإن عد م توافر أفراد مؤهلين قادرين على التعلم وذوي خبرات متدنيّة القيمة، أو مستويات من التعليم الضعيفة،  في ظل مناخ تنظيمي سلبي، وعدم الرضا عن العمل، وعدم الولاء للمنظمة وتعاظم عوامل الصراع التنظيمي،  كلها مثالب تمثل كذلك حواجز نفسية لدى الأفراد تجعلهم أبعد ما يكون عن أهداف التعلم التنظيمي.

 1. إبراهيم الخلوف الملكاوي،2007، إدارة المعرفة الممارسات والمفاهيم، ط1، دار الوراق للنشر والتوزيع، عمان، ص29.
2. د. عبد الستار العلي وآخرون،2006، إدارة المعرفة، الطبعة الأولى، دار المسيرة، الأردن، ص26.
3. حسان عبد مفلح المومني، مدى استعداد المؤسسات العامة في الأردن لتطبيق إدارة المعرفة، بحث مقدم إلى المؤتمر العلمي الدولي السنوي الخامس تحت عنوان: «اقتصاد المعرفة والتنمية الاقتصادية»، جامعة الزيتونة الأردنية، الأردن، 2005، ص17.
4. عمر أحمد الهمشري،2013، إدارة المعرفة الطريق إلى التميز، ط1، دار صفاء للنشر والتوزيع، عمان، 2013، ص38.
5. مرجع سابق، ص56.
6. خالد أحمد بوبشيت، (المنظمة المتعلمة وتطبيقاتها في المملكة العربية السعودية)، ورقة مقدمة بالمؤتمر الدولي التنمية الإدارية، 1-4 نوفمبر 2009.
7. Senge, P. The Fifth Discipline: The Art and Practice of the Learning Organization. Doubleday.1990.New York. P124
8. Senge, P, op cit.p 13
9. عبد اللطيف محمود مطر،2008، إدارة المعرفة والمعلومات، دط، دار كنوز المعرفة العلمية للنشر والتوزيع، عمان، ص27.
10. سملالي يحضية،تسيير المعرفة وتحسين الأداء التنافسي للمؤسسة الإقتصادية،ورقة مقدمة في إطار الملتقى الدولي حول الأداء المتميز للمنظمات والحكومات،جامعة ورقلة،مارس 2005.
11. إبراهيم الخلوف الملكاوي،مرجع سابق، ص38.
12. رابح زبيري، دور أنظمة المعلومات في تنمية القدرة التنافسية، الملتقي الوطني الأول المؤسسات الاقتصادية وتحديات المناخ الاقتصادي الجديد جامعة ورقلة. أيام 22-23 أفريل 2003.
13. محمد أحمد إسماعيل،"مفهوم إدارة المعرفة في العصر الحديث،مقال منشور على الحامل"، http://www.hrdiscussion.com/hr4521.html#
14. مرجع سابق.
15. عادل هادي حسين البغدادي وآخرون،2010، التعلم التنظيمي والمنظمة المتعلمة وعلاقتها بالمفاهيم الإدارية المعاصرة،دط، دار الورّاق للنشر والتوزيع، عمان، ص96.
16. بلعلى فريال،"المنظمات المتعلمة توظيف للذكاء والمعارف"،مجلة دراسات إقتصادية،العدد1،2014،ص185.
17. مرجع سابق.
18. مرجع سابق.
19. Senge, P,op Cit.p140.
20. حسن احمد الخضيري، اقتصاد المعرفة، مجموعة النيل العربية، القاھرة، 2001، ص.1
*يُعد بيتر سينج Peter singé رائد مدرسة التعلم التنظيمي بأبحاثه ودراساته حول المنظمات المتعلمة. هو صاحب كتاب البعد الخامس (1990)، والذي يحدد فيه جملة من المبادئ التي يعتقد أنها أساسية في بناء المنظمة المتعلمة (ولقد تم الإشارة لها سالفا)، كما يمكن إضافة بيتر دروكر Peter Drucker والذي يوصف بالمؤسس للإدارة الحديثة صاحب ونظرية الإدارة بالأهداف، قام بتأليف أكثر من 40 كتاباً من أهم المؤلفات في مجالات السياسة والاقتصاد والإدارة من أهمها: مجتمع ما بعد الرأسمالية، نظرية العمل، الإدارة بالنتائج وغيرها.
21. عادل حسين البغدادي وآخرون، مرجع سابق، ص38.
22. MICHEL GRUNDSTEIN , Le Management des Connaissances dans l'Entreprise, , [En ligne]. michel.grundstein -.pagesperso orange.fr/References/Rr050207.pdf juillet 2002, (consultéele 03-09-2014).
23. عمر أحمد الهمشري، مرجع سابق،ص404.
24. Yvon Pesqueux ,les normes et l’apprentissage organisationnel, [En ligne]. http://hal.archives-ouvertes.fr/docs/00/50/96/82/PDF/TexteYPpour_Mondher.pdf (consultéele 03-09-2014)
25. صلاح عبد القادر، باسم فيصل، "دور عمليات ادارة المعرفة في بناء المنظمة المتعلمة"، مجلة كلية بغداد للعلوم الاقتصادية، العدد الحادي والثلاثون 2012، ص183.
26. عمر أحمد الهمشري، مرجع سابق، ص371.
27. إبراهيم الخلوف الملكاوي، مرجع سابق، ص157.
 

Pour citer ce document

حسان حامي, «إدارة المعرفة والمُنظمة المتعلمة -مدخل للتعلم التنظيمي في مجتمع المعرفة-»

[En ligne] مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales العدد 21 ديسمبر 2015N°21 Décembre 2015
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2016-10-05,
mis a jour le : 05/12/2016,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=1467.