مكانة العلوم الاجتماعية بين الواقع التطبيقي والإشكالات المعرفية
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
08
09
10
11
12
13
14
15

العدد 21 ديسمبر 2015 N°21 Décembre 2015

مكانة العلوم الاجتماعية بين الواقع التطبيقي والإشكالات المعرفية

سهى حمزاوي
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

 لم يستطع تخصص علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية بشكل عام في عدد من الجامعات العربية بعد مضي عدة سنوات من تأسيسها، أن ينجح في تأصيل وجوده لا على المستوى الابستمولوجي لمفهوم المعرفة العلمية والمنهج والنظرية، ولا على المستوى الاجتماعي لتقبل مخرجاتها العلمية من البحوث والإنتاج العلمي، نتيجة عدم قراءة الواقع قراءة علمية، وتحليل قضاياه الاجتماعية والسياسية والثقافية الملحة تحليلا يقود إلى رؤى استشرافية، فالواقع التطبيقي لتخصص علم الاجتماع نظريا ومنهجيا بالجامعات العربية يعكس وجود فجوة معرفية بين النظرية والمنهج، وبين محيط تقديمها للطلبة، مما يجعلنا نطرح جملة من الأسئلة عن طبيعة علاقة المعرفة العلمية لتخصص علم الاجتماع بالمختبر اليومي للحيز العلمي والعملي المكون من الطلبة والمقررات والمحددات الإدارية كجزء من النظام الجامعي ككل.

الكلمات المفاتيح:  العلوم الاجتماعية، علم الاجتماع، الخصوصية التاريخية، المنهج، النظرية.

Après plusieurs années de leurs créations et dans certaines universités arabes, les sciences sociales n'ont pas été en mesure de réussir à consolider leur présence non seulement sur le plan épistémologique dans les notions fondamentales, la méthode et la théorie, mais aussi sur le plan social et ce afin de rendre leurs notions ou découvertes accessibles et rentables.

Cela est dû au manque d’objectivité et scientificité des recherches entreprises jusque-là. La réalité de la recherche sociologique révèle un écart cognitif entre la théorie et la méthodologie, et ainsi que sa présentation au public universitaire.

Ce qui nous a conduit  à travers cet article  à poser certaines questions sur la nature de la relation entre les savoir  sociologique  des sciences humaines et la réalité  quotidienne composée des étudiants, des savoirs théoriques et des contraintes administratives appartenant aux  systèmes universitaires.

Mots clés :sciences sociales, sociologie, particularité historique, méthode, théorie

Social science has not been able in general in a number of Arab universities after several years of its founding, to succeed in consolidating its presence not only on the epistemological level of the concept of the scientific knowledge, method and theory, but also on the social level to accept their scientific output of research and scientific production, because the fact is not read scientifically, and analyze its urgent issues in a way that leads to a forward-looking vision. In fact, the applied fact of  these sciences reveals a  cognitive gap between theory and methodology, and between the environment of their presenting to the students, this issue makes  us asking through this article a number of questions about the nature of the relationship between the scientific knowledge related to social sciences with the  daily laboratory of the  scientific and practical space made up of  students, courses and administrative constraints as part of the university system as a whole.

Key Words :Social science, sociology, historic privacy, method, theory.

Quelques mots à propos de :  سهى حمزاوي

أستاذ محاضر أ رئيس فرقة بحث بمخبر العنف، الاتصال، الظاهرة الدينة وآثارها الاجتماعية والاقتصادية كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية جامعة عباس لغرور خنشلـة

مقدمة

لا أحد ينكر اليوم الإنجازات المعتبرة التي أحرزتها العلوم الاجتماعية، وخاصة علم الاجتماع في الدول الغربية نتيجة الطفرة الهائلة التي أحدثتها التكنولوجيا الجديدة التي وفرت أساليب متطورة لجمع البيانات وتحليلها لتعزيز القدرات العلمية وملائمتها لوضع السياسات التنموية. إلا أن هذه القدرات مازالت بحاجة إلى تعزيز وتطوير في العالم العربي، فقد تحددت هوية علم الاجتماع في جامعات الدول الغربية، إلا أنها غير قادرة في الوقت الراهن على تحديد موقعها ودورها في المنطقة العربية، حيث توصف وضعية علم الاجتماع في المنطقة العربية مقارنة بمحاولة التجديد البحثي في الدول الغربية بالمتأخرة على الرغم من الجهود المبذولة في بعض البلدان. وهذا الوضع العام لا يعكس مشكلات تمويل البحوث ولا عدد المؤسسات البحثية؛ بقدر ما يعكس حالة عامة تتعلق بمكانة هذا العلم في المجتمع.

إن الحديث عن علاقة العلوم الاجتماعية بما فيها علم الاجتماع بمحيطها الأكاديمي والاجتماعي يستدعي الحديث عن الشروط الذاتية والموضوعية لاستيعاب وتوطين علم الاجتماع وغيره من العلوم الأخرى في جامعاتنا للخروج من مرحلة التكرار الاجتماعي إلى مرحلة الإبداع، مما يمكننا من غرس أدنى حس معرفي لدى الطلبة بأن علم الاجتماع هو أحد العلوم الاجتماعية المساعدة على فهم الواقع، وتحسين شروط الحياة الاجتماعية للمجتمع مؤسسات وأفراد ونظاما.  تأسيسا على ما سبق نصل إلى طرح الإشكالات الآتية:

1.هل يوجد لدينا فكر فلسفي محدد وواضح، وفلسفة اجتماعية منهجية تبنى عليها العلوم الاجتماعية في المحيط الجامعي كتلك المنبثقة عن المرجعية الحضارية والاجتماعية التي تأسست عليها العلوم الاجتماعية في الغرب؟

2.هل يستطيع علم الاجتماع في المحيط الاجتماعي والجامعي القائم تأسيس مرجعية منهجية؟

3.هل نجح أو فشل علم الاجتماع وسواه من العلوم الاجتماعية في خلق تقبل لمنهج التفكير العلمي لدى الأساتذة والطلاب؟

إن الإجابة عن التساؤلات السابقة تقتضي منا مناقشة العناصر الآتي ذكرها:

1- واقع العلوم الاجتماعية في العالم العربي (الخصوصية التاريخية).

2-الدراسات السوسيولوجية في العالم العربي من خلال بعض المؤشرات.

3-معوقات تطور العلوم الاجتماعية في الوطن العربي.

4-واقع علم الاجتماع في الجامعة الجزائرية.

5- طبيعة العلاقة بين علم الاجتماع والمحيط الجامعي.

6-بعض المقترحات للنهوض بالسوسيولوجيا في الجزائر.  

أولا-واقع العلوم الاجتماعية في العالم العربي (الخصوصية التاريخية)

تواجه العلوم الاجتماعية مع نهاية القرن العشرين مشكلة الشك والتساؤل حول الأصول والثوابت، فعلم الاجتماع بالذات ميدان معرفي شديد التنوع والاتساع بحيث يصعب احتواء مكوناته وعناصره. وقد كانت هذه حالته منذ نشأته وتأسيسه واستقلاله عن العلوم الأخرى، هذا ما يجعله عرضة للتأثر بالتحولات والتطورات التي تعيشها البشرية الآن في المجالات العلمية والتكنولوجية والمعرفية والمجتمعية.

ويشير واقع العلوم الاجتماعية في المجتمعات العربية إلى وجود مشاكل متعددة، فقد سعى كثير من المشتغلين بعلم الاجتماع العرب إلى التأسيس لهذا العلم في محاولة لحل الكثير من المعضلات والمشكلات الاجتماعية، إلا أن المنطلقات لم تكن بقدر الطموحات، والبدايات ولم تكن نابعة من إشكالية خاصة بالمجتمعات العربية مثل ما حدث في الغرب عند ظهور علم الاجتماع، حيث كان نتيجة للأزمة العميقة التي عرفها المجتمع، وما خلفته الثورات السياسية والثقافية والاقتصادية، أما في المجتمعات العربية فقد جاءت الدعوة إلى ظهور علم اجتماع عربي نتيجة للأزمة التي ظهرت في الغرب في السبعينيات من القرن الماضي.

إنه من الواضح أن مجتمعاتنا العربية بحاجة إلى علم الاجتماع في المرحلة الراهنة لفهم حقيقة ما يجري، وإيجاد حلول للمشكلات المتراكمة، فعلم الاجتماع في المجتمعات العربية لم ينل الاعتراف الكامل كمجال معرفي خاص قادر على فهم مشاكل وأزمات المجتمعات العربية، فقضايا العنف بشتى أنواعه عند كل الفئات، والانحرافات، وصراع القيم الذي فرضته العولمة، ووسائل الإعلام والاتصال الحديثة وعلاقتها بالقيم والوعي والثقافة، والروابط الاجتماعية، وقضايا التنمية والتعليم، والمرأة، والبيئة وغيرها من القضايا، كلها مازالت بحاجة إلى دراسات جادة تقدم رؤى واستراتيجيات ملائمة وحلول حقيقية لهذه المشكلات. فالجمود الثقافي والفكري الذي يحاصر الواقع العربي يعود بالمقام الأول إلى العجز عن تجديد مناهج الفكر والمعرفة، وغياب التفاعل بين هذه المناهج والتغيرات المجتمعية المحلية والعالمية، فعلم الاجتماع في المجتمعات العربية لا يدرس الواقع ومن ثم لا يمكن أن يستشرف المستقبل، فهو لا يولد مناهج على مستوى اللحظة التاريخية التي يمر بها المجتمع العربي، ولا يستند إلى المناهج الكيفية وإغفال أهميتها في تجديد مناهج البحث والفكر والثقافة. وبهذا الصدد كتب عدد من الاجتماعيين عن فكر الأزمة في العلوم الاجتماعية في البلدان العربية والتي تتمثل في الفقر النظري والتفسير المغترب، والوصول إلى نتائج منفصلة عن الواقع في معطياته المجتمعية والتاريخية والاقتصادية والثقافية.

وتواجه المجتمعات العربية إشكالية الخصوصية التاريخية في مواجهة عمليات التحديث التي طالت كل مجالات الحياة والفكر في عالم يتقدم بسرعة هائلة رغم الصراعات والتناقضات. "ونعني بالخصوصية في حالة البحوث الاجتماعية جعل المفاهيم محلية، بالإضافة إلى الجمع بين الفهم (فيبر) والتفسير (دوركايم) عند دراسات الواقع" 1

إن فهم خصوصية الوطن العربي لن يتأتى بدراسة تاريخ المنطقة فقط، بل بفهم علاقة هذا التاريخ بتاريخ المنظومة العالمية ككل، " كما أن فهم أوضاع علم الاجتماع في الوطن العربي بحاجة إلى تحليل تاريخي ومعاصر لهذه الأوضاع، وضرورة ربطها بالإطار المجتمعي الذي أحاط بها، استنادا إلى منطلقات أساسية تقود عمليات التحليل والفهم، وإلا فقد الباحث طريقه، وأحاط به عدم وضوح الرؤية." 2

إن ممن درس المجتمع العربي الحديث على أسس العقل الاجتماعي المعاصر ووقع في إشكالات علمية كثيرة هم ممن انخرطوا بحماس كبير للمنتج الغربي، وحاولوا نقل المنتج الغربي الصناعي بكل أشكاله العلمية سواء الفلسفية الفكرية أو السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو النفسية... بدون التفات لموضوع الخصوصية العربية، مما أنتج بصورة طبيعية عملية إرباك اجتماعية للمجتمع العربي على كافة الأصعدة العلمية، وبدلا من أن تسهم تلك الأطر الفكرية في تطوير المجتمع العربي أو معالجة مشاكله الاجتماعية، قامت بتشتيت الصورة العربية، وزرعت داخل كيانه الازدواجية الفكرية وحدث أن خضع العقل الاجتماعي العربي للانبهار الطبيعي لمنظومة القيم الوافدة من الغرب الحضاري المعاصر، وأصبح ينظر للظواهر الاجتماعية العربية بعيون غربية، وبمنظومات فكرية جاءت مع دراساتهم الأوروبية التي حملوها للعالم العربي، مما أنتج تشوها في علم الاجتماع العربي فكرا وممارسة.

وفيما يخص عدم ملائمة النظريات الغربية لبيئتنا، يقول على الكنز: "إن علاقتنا بالنظريات الغربية كأية علاقة وضعية براغماتية لا يمكن أن تؤدي إلى النتائج التي توصلت إليها النظريات الغربية، وهي نتائج غير ملائمة لبيئتنا كونها جردت من إطارها الاجتماعي والتاريخي، وانفصلت عن مسار تكوينها المعرفي... فكل النظريات الغربية قد نتجت عن علاقتها بالعاملين التاليين: خصوصية مجتمعاتها وقضاياها الاجتماعية والتاريخية من ناحية، والحقل المعرفي الذي نمت بداخله وطورت   قضاياها النظرية المحددة من ناحية أخرى." 3

كذلك نشير بهذا الصدد إلى ما جاء به الأستاذ المرحوم الدكتور علي الوردي -أستاذ علم الاجتماع العراقي-عندما التفت إلى كون علم الاجتماع هو وليد بيئته ومجتمعه وتراثه وتاريخه الخاص، والذي له منتجات ومشاكل وتصورات وتراكيب اجتماعية تختلف حسب اختلاف هوية الأمة ومرتكزاتها القومية لهذا الشعب أو ذاك، حيث يؤكد على أننا بحاجة إلى علم اجتماع خاص بنا يستمد إطاره من تراثنا الاجتماعي وواقعنا. 4         

ولسعد الدين إبراهيم اعترافات أخرى في هذا الموضوع نجملها في الآتي:5

1.أنه منذ الحرب العالمية الأولى واستقلال الدول العربية لم تظهر مساهمة علمية يعتد بها الوطن العربي.

2.أن المتخصصين لم يسهموا بالقدر الكافي أو الدرجة المطلوبة في صياغة مشكلات المجتمع العربي وتفسيرها أو في اقتراح الحلول المطلوبة لهذه المشكلات.

3. أن المعرفة التي أنتجها علماء الاجتماع معرفة هزيلة، وأن وجودهم هامشي وتأثيرهم على المجتمع محدود. 

4.أنه يندر أن يأتي المتخصص في علم الاجتماع بمحض إرادته ورغبته، وإنما غالبا ما يأتى الطلاب إلى علم الاجتماع بمحض الصدفة، أو لعدم وجود بديل أفضل.

5.بالنسبة للمؤلفات العربية في علم الاجتماع، نادرا ما يجد طالب المعرفة إنتاجا سوسيولوجيا عربيا يطفئ ظمأه لفهم الواقع العربي المعاصر بصورة منضبطة أو موضوعية أو شاملة أو حتى جزئية، فأكثر من ثمانين بالمائة من إنتاج أساتذة الاجتماع يكاد ينصرف كلية إلى الكتب المدرسية التي تحاول أن تعلم الطلاب مبادئ العلم وفروعه ونظرياته وتاريخه، لكنها أي هذه الكتب المدرسية مليئة بالعيوب والثغرات أهمها أنها:

أ‌.  تضخم الوعود بقدرات علم الاجتماع على فهم الواقع والتعامل الفاعل مع المشكلات الاجتماعية.

ب‌.تعتمد اعتمادا شبه كامل على مصادر المعرفة الأجنبية والترجمة المباشرة أو من خلال آخرين.

ج. تتسم بالتعقيد اللغوي والمعنوي عند طرحها لمفاهيم ومقولات علم الاجتماع.

ومن الناحية المنهجية لم يسلم البحث الاجتماعي والمؤسسات البحثية من انتقادات رجال الاجتماع عامة والعاملين منهم في هذه المؤسسات خاصة، وقد وجه الأكاديميون والعاملون في مراكز البحوث انتقادات لا تقل حدة عن سابقتها إلى البحث الاجتماعي ومؤسساته يمكن إيجازها فيما يلي:

1.  تأسست معظم مؤسسات البحث الاجتماعي في العالم العربي بدون هدف واضح عام، ونظمت بطريقة قاصرة ولا تستقطب إلا القليل من العناصر القادرة على العطاء، كما يستغل جهد الباحثين فيها بطريقة غير موضوعية، ولهذا نجدها لم تنجح في تناول القضايا الحيوية في المجتمع العربي بالتحليل، بل ولم توفق في دراسة ما عرضت له من موضوعات.

2.البحوث الاجتماعية معظمها مبعثر غير هادف، وغير متكامل مع قطاعات الإنتاج والخدمات والسياسة والثقافة والتعليم، فهي لا تستمد المشكلات البحثية من هذه القطاعات، ولا تفيد في ترشيد أي قرارات، ولا تلعب دورا في تكوين وعى اجتماعي على أساس علمي، لهذا قلما يكون لنتائج هذه البحوث الدور الفعال في التخطيط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

3. المداخل المنهجية المستخدمة في البحوث الاجتماعية قاصرة وتستخدم أساليب بحث وأدوات لجمع المعلومات معيبة وهي أصلا مستوردة من سياق حضاري مختلف.

ثانيا-الدراسات السوسيولوجية في العالم العربي من خلال بعض المؤشرات

يذهب الدارسون في هذا المجال بأن وضع العلوم الاجتماعية وأبحاثها المختلفة يتسم بالضعف على المستويين المنهجي والنظري، فقد أكد التقرير الذي صدر عام 2002م على الوضع المتأخر للمحاولات البحثية التي يقوم بها العرب مقارنة بالصين وتركيا. وهذا الوضع لا يعكس مشكلات تموين البحوث، ولا حجم وعدد المؤسسات البحثية بقدر ما يعكس حالة عامة تتعلق بمكانة هذه العلوم الاجتماعية في المجتمع.

وبهذا الشأن يؤكد فوزي العربي هذه المسألة بتأسفه على الوضع الراهن لعلم الاجتماع في البلاد العربية نظرا للتحديات التي يواجهها مثل انحياز الأساتذة في مؤلفاتهم ومحاضراتهم للمدارس الغربية، مما ينعكس على الطلاب الذين يتعرضون لآراء المفكرين الغربيين أو الماركسيين أكثر من الفكر الاجتماعي عند العرب، إضافة إلى تأثرهم بالنظريات الغربية المستوردة.

وعموما يمكن تشخيص هذا الوضع من خلال ظهور عدة فجوات حالت دون نمو هذه العلوم أبرزها: 6

1.الفجوة بين التنامي الكمي للعلوم الاجتماعية والجودة النوعية للبحوث

لوحظ في السنوات الأخيرة تنام متزايد لعدد الطلبة المسجلين في العلوم الاجتماعية في الدول العربية، ويتسم هذا المعطى بتوجه قوي نحو استعمال اللغة المحلية في البحث والتعليم، وذلك مقابل استعمال قليل للغات الأجنبية (الانجليزية والفرنسية) التي تمكن أصحابها غالبا من المشاركة الدولية في البحوث والنشر، كما أن الإنتاج العلمي باللغة المحلية قليلا ما يخضع للمعايير العلمية للتحكيم، ونادرا ما يحتسب ضمن الإحصاءات الدولية المعتمدة في نشر المقالات العلمية المحكمة.

2.الفجوة بين تعليم العلوم الاجتماعية وتراكم الخبرة البحثية: يمكنتحديد مستويات هذه الفجوة من خلال جانبين اثنين هما:

أ‌.  ضعف مستوى التراكم

هناك علاقة قوية بين التعليم والبحث في مجال التنمية والسياسات العامة. ومن دون هذه العلاقة الجدلية يصبح العلم غير قابل للتطور أو

التراكم أو التجديد. ومثل هذا الوضع ينطبق على العلاقة بين توسيع دائرة العلوم الاجتماعية في الجامعات، وبين استثمار البحث في هذه العلوم في مجال التنمية والسياسات العامة. كما أنه لا تتحدد قيمة العلوم الاجتماعية في أي بلد إلا بمدى تراكمها كمعرفة.

إن مستوى تراكم الخبرة يبدو ضعيفا في المنطقة العربية سواء في مستوى تطوير منهجيات البحث أو البناء النظري، ويمكن التدليل على هذا الضعف باعتماد مؤشرين، يتعلق الأول بعدد الدوريات الخاصة بالعلوم الاجتماعية الصادرة في المنطقة، إذ نلاحظ وجود تراكم للبحوث العلمية في دول أمريكا اللاتينية من خلال النشر المتخصص، وهو يمثل عشر أضعاف عن ما هو موجود من تراكم لدى الدول العربية.

وفيما يخص هذه المسألة المتعلقة بعدم وضوح الرؤية في النظرية والمنهج عند رجال علم الاجتماع في بلادنا يقول سالم ساري مدرس علم الاجتماع في جامعة الإمارات العربية: "إن الاجتماعيين العرب يعانون من عدم وضوح الرؤية في النظرية وفي البحث المنهجي. فهم يميلون في معظم الأحيان إلى نقد كل ما يطرح في المجتمعات العربية، دون التوصل إلى نظرية للمجتمع العربي، كما أن إشكالات بحوثهم لا تمت بصلة إلى الواقع المجتمعي العربي. 

أما المؤشر الثاني فيتعلق بمستويات ترجمة مقالات العلوم الاجتماعية النادرة جدا (300كتاب في السنة مقارنة بآلاف الكتب في أوروبا)

ب‌. ضعف مستوى التوطين

يقصد بالتوطين التعاون الإقليمي (جنوب – جنوب). وتشير المعطيات المسجلة للبحوث العلمية المنشورة في مجلات محكمة إلى تدني واضح في مستوى البحوث المنجزة بالمشاركة بين باحثين أو بين مؤسسات من بلدان مختلفة في المنطقة. "ففي حالة دول الشرق الأوسط تؤكد المعطيات أنه من بين 2716مقالا محكما في جميع العلوم تم نشره خلال عام 1995م لا تمثل المقالات والبحوث المشتركة فيها سوى 6%، وفي شمال إفريقيا سجل 11بحث منشورا مشترك بين بلدين مختلفين من أصل 804بحث مشترك، مما يفسر بغياب مؤسسات وبرامج بحث فاعلة على المستوى الإقليمي." 7

3. الفجوة الرقمية في البحث

يصعب اليوم تحديد مستويات تفاعل الباحثين أو المؤسسات في مجال العلوم الاجتماعية، ومدى استفادتهم في أعمال تطوير البحث من

تكنولوجيا الاتصال والمعلومات على الرغم من تزايد الدراسات في هذا الشأن، على أن بعض المؤشرات تؤكد على ظهور محتشم للدوريات الإلكترونية في الجامعات ومراكز الأبحاث.

وعلى الرغم من الإمكانات المتاحة في مستوى التمويل، فإنه يبدو أن العلوم الاجتماعية في المنطقة لم تستفد من الحامل الرقمي الجديد، فمن بين 72جمعية ومؤسسة أبحاث موزعة في المنطقة العربية تعمل في مجال العلوم الاجتماعية، لم يتسن التأكد إلا من 41منها بصفتها مستعملة للعناوين الإلكترونية، في حين لا تمتلك إلا 22منها فقط محطات إلكترونية غالبا ما تكون غير تفاعلية ومدمجة كصفحات إعلامية ثابتة ضمن محطات رئيسية أخرى.

ثالثا-معوقات تطور العلوم الاجتماعية في الوطن العربي

إنّ السمة الغالبة على الإنتاج السوسيولوجي في العالم العربي، هي التراجع من حيث الكم والمضمون، فالعلوم الاجتماعية والإنسانية تعيش أزمة، هي نتاج ومحصلة طبيعية للأزمة المركبة التي تعيشها المجتمعات العربية، بسبب تعطل الحراك الاجتماعي والسياسي؛ ما أدى إلى عدم توفر الأرضية والمناخ المناسب لخلق حركة بحث جادة، في مختلف مجالات المعرفة وخاصة علم الاجتماع. هذه الحالة العربية، الموسومة بالأزمة، يجب أن تكون حافزا لكسب المعرفة والعلم الذي يهبنا القدرة على التحليل والتفسير والفهم. ولعلّ غياب الشروط الضرورية لإنتاج المعرفة، جعل المشتغلين في حقل علم الاجتماع غير قادرين على أداء أدوارهم، والوفاء بحاجات أوطانهم الراهنة والمستقبلية برغم مرور قرن على إدخاله رسميًّا للجامعات العربية. كما أنه من أهم أسباب ركود المعرفة الاجتماعية، وهو تفسير ينطبق على حالة علم الاجتماع في الوطن العربي.

ويذهب الكثير من المفكرين إلى أنه "توجد أزمة ثقة بين العلوم الاجتماعية في البلدان العربية وبين المؤسسات الرسمية، بعكس ما يحصل في الدول المتقدمة صناعيا في العالم، والجدير ملاحظته أن سبب حذر القائمين على الأمور السياسية، قد يعود إلى عدم اكتشافهم لأهمية الدراسات والبحوث الاجتماعية في ميدان التخطيط الاجتماعي والاقتصادي، ودراسات الرأي العام، وأساليب التوقع والتنبؤ، والاستطلاعات الاجتماعية، حيث أن العلوم الاجتماعية تظل سلاحا مزدوجا، يمكن أن يختار كل طرف يستخدمه ما يتناسب مع مصلحته أو توجهاته أو تطلعاته." 8

كما يمكننا حصر جملة من المشاكل التي تعيق تطور علم الاجتماع في النقاط التالية:

1. المعوقات النظرية

وتتمثل في الضعف النظري لدي الاجتماعيين العرب، حيث أن غالبيتهم لا يطلعون إلا على النصوص الأساسية للنظريات المطروحة لذلك يواجهون صعوبات حقيقية في الحكم الموضوعي على الآراء والاتجاهات.

وبهذا الصدد يرى عبد الباسط عبد المعطي " أن الطابع الغالب على الدراسات السوسيولوجية العربية، تمثل في التأليف المدرسي المعتمد على النقل والترجمة والدراسات الجزئية حول مشكلة محددة، أو نظام اجتماعي محدد كالأسرة والتعليم في الغالب، الأمر الذي يحدد الجهود البحثية بدراسة الأبعاد والثوابت للمجتمع العربي والمبالغة فيها، وإغفال الأبعاد الدينامية خاصة موضوعات التغير الاجتماعي". 9

2. المعوقات المنهجية

وتؤدي دورا كبيرا في عرقلة تطور العلوم الاجتماعية في الوطن العربي، وتتجسد في إهمال بعض التخصصات الهامة، كما أن هذا العلم يعتمد كثيرا على الدراسات التي تعود إلى الاتجاه المادي والصراعات والاتجاه البنيوي الوظيفي، أو على الاتجاهات التي لا تلتزم بأي منهج. مما يجعلها متضاربة وغير واضحة.

إن أصل أزمة المنهج في علم الاجتماع هو الرغبة الملحة في استخدام طرق ومناهج وأساليب العلوم الطبيعية وتطبيقها بحذافيرها في دراسة الظواهر الانسانية والاجتماعية على أمل أن يساعد ذلك على الوصول إلى نفس الدرجة من الدقة التي بلغتها العلوم الطبيعية.

والمنهج باعتباره الطريقة الصحيحة والسليمة التي توصلنا إلى نتائج أفضل في أسرع وقت وأقل جهد لم يستطع أن يتلائم مع موضوع علم الاجتماع الذي لم يتحدد بعد، فتعددت المناهج بتعدد المواضيع، وتفاقم الصراع المعرفي داخل النسق السوسيولوجي، وأصبح موضوع علم الاجتماع هو الصراع الداخلي حول أفضل منهج وأحسن أداة وأسلوب " 10

هذا الاختيار لنوع معين من المواضيع والمقاربات المنهجية في الممارسة البحثية السوسيولوجية العربية، انعكس على التصميم المنهجي للبحوث وتنفيذها.

3.المعوقات الاجتماعية

يؤكد أغلب الباحثين بالمؤسسات التي يعملون بها أنها لا توفر أو تحفز على تطوير البحوث سواء من ناحية أهمية هذه البحوث وخدمتها للمجتمع، أو من حيث تطبيق نتائجها أو التشجيع على البحث في آفاق أوسع للمشكلات.

كما يمكننا إدراج أهم الصعوبات التي تعيق تطور السوسيولوجيا العربية في النقاط التالية:

1.أن العلوم الاجتماعية في المجتمعات العربية تواجه عملية العولمة على مستويات عديدة أهمها المستوى المعرفي، حيث تقاربت المعارف والعلوم وتداخلت لدرجة قد تلغى ما يسمى بالتخصصات الدقيقة واستبدالها بتكامل العلم أو المعرفة التي أصبحت غير بينية.

2.اختلاف الواقع العربي في ميدان العلوم الاجتماعية، إذ يصل التخصص الدقيق لدرجة التفتيت ليس لأسباب معرفية أو فكرية ولكنه مرتبط بالوظيفة والمهنة والتنافس الإداري وسباق الامتيازات.

3.ضعف الطلب الاجتماعي الذي لم يشجع تطور علم الاجتماع، الأمر الذي جعل الأبحاث والدراسات السوسيولوجية حبيسة أسوار الجامعة.

4.ضعف المنهج وطرائق البحث بسبب اللجوء إلى بعض الأدوات والطرق البحثية الأسهل في الحصول على المعلومات. إذ نلاحظ غلبة المنهج الاحصائي واستخدام الاستمارة والاستبيان والمقابلات.

رابعا-واقع علم الاجتماع في الجامعة الجزائرية            

تتحدد مكانة علم الاجتماع في المجتمع من خلال نظرة المجتمع إلى هذا العلم، وكذا الحضور الفعلي للمشتغلين به كنخبة مؤثرة وفاعلة في المجتمع. وفي المجتمع الجزائري تنتشر نظرة سلبية لعلم الاجتماع، حيث ينظر إليه على أنه علم لا يفيد المجتمع بشيء. وقد تشكلت هذه النظرة نتيجة لعوامل متعددة ومتداخلة.

"وبالرجوع إلى تاريخ الممارسة السوسيولوجية في الجزائر، نجد أن فترة الثمانينيات تشكل منعرجا حاسما في تاريخ الممارسة السوسيولوجية، فبعدما كان هذا العلم علما تقدميا وثوريا في السبعينيات، أصبح مع التوجه الإيديولوجي الليبرالي الذي تبنته السلطة السياسية، علما منبوذا فاقدا لكل المكاسب التي تحصل عليها في المرحلة السابقة، إلى درجة أن أصبح المسؤولون ينظرون إلى هذا العلم نظرة عدائية." 11

1.غياب الدور الجاد للمشتغلين في الحقل السوسيولوجي كنخبة في المجتمع  

تعد مسألة الحضور الفعلي والمؤثر للنخب من الإشكالات التي تطرح نفسها بقوة في المجتمع الجزائري. وهو ما ينطبق على المشتغلين في الحقل السوسيولوجي، فانطلاقا من دور النخب والمتمثل في الإنتاج الفكري والقدرة على التأثير والتغيير والتميز الإيجابي، يمكن القول أن هذا الدور منعدما في المجتمع الجزائري إذ يشهد المجال العام (الفضاء العمومي) في المجتمع الجزائري غياب تام للنخب، كما أن حضور المختصين في علم الاجتماع على مستوى وسائل الإعلام لتقديم تحاليل حول قضايا معينة، لا يختلف عن تحليل غير المختصين، وفي بعض الأحيان ينسبون وجهة نظرهم الشخصية في موضوع ما لهذا العلم، وهو ما يسهم في نشر صورة مشوهة عن علم الاجتماع في الأوساط الاجتماعية " 12

2. واقع علم الاجتماع في الجامعة الجزائرية من حيث التكوين والبحث العلمي

تواجهالمجتمع الجزائري أزمة حقيقية تتمثل في عدم قدرتها على سد الفجوة المعرفية بينها وبين العالم المتقدم، ويتحتم عليها إعلاء شأن المنهج العلمي، وتطوير نظام المعرفة العلمية، وتفعيله على كافة مستويات النظم ومؤسسات المجتمع، وحتى مستوى الممارسة والفعل الاجتماعي السائد داخل المجتمع.

وقبل التطرق إلى طبيعة التكوين في علم الاجتماع لابد من الإشارة إلى التحول الكبير الذي عرفته الجامعة الجزائرية منذ سنوات قليلة، وهو التحول التدريجي من النظام الكلاسيكي نحو نظام LMD، وما ترتب عنه من ارتباك كبير في طبيعة التكوين ونوعيته ومدته الزمنية، والتي يتفق معظم المراقبين وحتى الكثير من المختصين على محدودية تطبيقه لكونه غير مدروس جيدا، وكونه لا يتناسب مع واقع الجامعة الجزائرية، ومع المتطلبات التي تفرزها الوضعية الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع الجزائري.

ومن هنا يمكن القول أن ضعف التكوين وهشاشته قضية عامة، لا تقتصر فقط على علم الاجتماع.

خامسا-طبيعة العلاقة بين علم الاجتماع والمحيط الجامعي

 من أجل تشكيل صورة واضحة حول أوضاع علم الاجتماع في الجامعة الجزائرية، سنعتمد في ذلكعلى المؤشرات التالية:

1.  موقع تخصص علم الاجتماع بين بقية التخصصات

 يصنف تخصص علم الاجتماع في المؤسسات الجامعية الجزائرية في آخر قوائم التخصصات العلمية، فمن ناحية التوجيه يوجه إلى تخصص علم الاجتماع الطلبة الذين لم تؤهلهم معدلاتهم الضعيفة للتسجيل في تخصصات أخرى من جهة، ومن جهة أخرى تعاني أقسام علم الاجتماع في العديد من الجامعات من نقص في الوسائل والإمكانات المادية، مقارنة بالتخصصات التقنية والتكنولوجية، وهو ما يعكس حالة التهميش والإقصاء.

وتجدر الإشارة إلى أن الفتح المكثف لأقسام العلوم الاجتماعية خصوصا والإنسانية عموما في السنوات الأخيرة عبر الجامعات الجزائرية-مقارنة بالعلوم التكنولوجية والطبية-لا تعكس الاهتمام التي تحظى به هذه التخصصات من طرف المسؤولين وأصحاب القرار، بقدر ما يشكل ذلك وسيلة لاستيعاب تدفق بشري ناتج عن ارتفاع أعداد الطلبة.

2.  الطلبة

 إن ما نلاحظه اليوم هو عزوف الطلبة عن التوجه إلى تخصص علم الاجتماع أو تخصصات العلوم الاجتماعية الأخرى، وإن حدث وتوجهوا إلى التخصص المذكور فذلك يرجع إلى عدم تمكنهم من الحصول على تخصص آخر نتيجة العلامات والدرجات المحصل عليها في امتحان البكالوريا.

إن هذا التردد الطلابي الواضح في الالتحاق بتخصصات العلوم الاجتماعية يحدث في الوقت الذي يواجه فيه المجتمع العربي العديد من القضايا الشائكة كالحروب والبطالة والإرهاب وغيرها من القضايا التي يؤدي علم الاجتماع دورا رياديا في حلها بعد دراستها دراسة سوسيولوجية معمقة.

وبالمقابل، لا نستطيع اليوم أن نلوم طلبتنا على عدم الإقبال على دراسة تخصص علم الاجتماع في مجتمعات قد تطرح إلغاء التخصص، نظرا لعدم معرفتها ماذا تفعل بخريجيها، كما أنه ليس منا من يلوم الطلبة عن العزوف عن الالتحاق بالعلوم الاجتماعية في مجتمع لا يجد فيه خريج مثل هذه التخصصات مكانا له في سوق العمل. فقد أثبتت الدراسات أن نسبا كبيرة من المتخرجين في هذه التخصصات تعاني من البطالة، أو تعمل في مجالات بعيدة كل البعد عن التخصص الأصلي، ناهيك عن نظرة الاستخفاف المجتمعية بالمعرفة العلمية في مجال الدراسات الاجتماعية، مقرونة بنظرة الشك في جدواها العلمية والعملية. وهذا ما يعكس طبيعة العلاقة بين العلوم الاجتماعية وبين محيطها." 13

3.  تردي الإنتاج المعرفي

 تعد مسألة الإنتاج المعرفي السوسيولوجي من المسائل التي تحتاج إلى اهتمام خاص. فمن منظور نظرية الأنساق العامة، يعتبر الإنتاج السوسيولوجي من أهم مخرجات النظام الجامعي في هذا الحقل العلمي، وهو بذلك يشكل مؤشرا لقياس فعالية وكفاءة المنظومة الجامعية في هذا المجال. فضلا عن ذلك فإن مكانة علم الاجتماع وحضوره على المستوى الأكاديمي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي مرتبط بنوعية المعرفة المنتجة، ومدى قدرتها على تقديم إضافة حقيقية لفهم الواقع الاجتماعي بتجلياته وتحولاته المختلفة.

وفي الجزائر يمكننا تشخيص الوضع المتردي للإنتاج المعرفي السوسيولوجي، من خلال تسليط الضوء على ثلاثة أبعاد رئيسة هي مواضيع البحث،التناول المنهجي، ومدى استجابة الإنتاج السوسيولوجي للواقع الاجتماعي. 14

سادسا-بعض المقترحات للنهوض بالسوسيولوجيا في الجزائر

لقد بين الواقع أن موضوع السوسيولوجيا العربية موضوعا واسعا جد وبحاجة إلى بحوث معمقة تبدأ من البناء الحقيقي لصرح علم اجتماع عربي ينظر للظاهرة الاجتماعية نظرة علمية خاصة تأخذ بعين الاعتبار المكونات الاجتماعية والتراثية والتاريخية والقومية، وتبتعد قدر المستطاع عن التأثيرات القيمية الحضارية الغربية.     

لذا ينبغي على علماء الاجتماع في العالم العربي، وفي الجزائر على الخصوص أن يثبتوا وجودهم كأصحاب مهنة علمية مهمة وضرورية للمجتمع، وأن يتسلحوا بالدقة والموضوعية والوعي واليقظة السوسيولوجية حتى يتمكنوا من تجاوز الوضعية التي يوجد عليها علم الاجتماع والتهميش الذي يميزه.

ومن خلال ما تقدم ذكره من عوائق كثيرة ومتداخلة تحول دون الإسهام الفعال للسوسيولوجيا في المسيرة التنموية في المجتمع. نصل إلى أنه لا يمكننا تجاوز هذه الوضعية المتأزمة، إلا من خلال توفر فضاء مناسب وإيجابي، يساعد على العطاء وإنتاج المعرفة وتوظيفها لخدمة التنمية في المجتمع.

ومن أجل النهوض بالبحث السوسيولوجي وتفعيل دوره في العملية التنموية في بلادنا نقترح:

1. إصلاح المنظومة الجامعية وإيجاد الآليات الكفيلة لانفتاح الجامعة على محيطها واسترجاعها لمكانتها ودورها الريادي في المجتمع، والاهتمام بالكيف وليس بالكم.                         

2. ضرورة ربط الجامعة بالمحيط الاجتماعي والاقتصادي، من خلال تشجيع الطلاب على البحث العلمي الميداني في مجال العلوم الاجتماعية. 

3. الاستفادة من تجارب الغرب، والابتعاد عن أدلجة علم الاجتماع.

4.إعادة النظر في مضمون برامج علم الاجتماع حتى تواكب التغيرات الحادثة على مستوى البناء السوسيوثقافي للمجتمع الجزائري،وتكييفها بما يتوافق واحتياجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.  

5.تحسين ظروف الباحثين والأستاذة والطلبة في شتي الجوانب الاجتماعية والاقتصادية.

6.   ينبغي أن تتضمن الرسالة التي تحملها العلوم الاجتماعية إعادة التشكيل المعرفي القيمي للمجتمع الجزائري بأصالته وتاريخه (الخصوصية التاريخية)، بما يتوافق ومتطلبات التنمية.

7.تبني إستراتيجية واضحة لتطوير البحوث السوسيولوجية تحقق الأهداف المجتمعية المرجوة منها وتواكب التكنولوجيا.

خاتمة

إن واقع علم الاجتماع في العالم العربي وفي الجزائر بصفة خاصة يحتاج منا إلى الكثير من الدراسة والبحث بغرض الكشف عن العراقيل التي تحول دون تحقيق هذا العلم لأهدافه في مجتمعاتنا، خاصة وأن البحث السوسيولوجي مازال في أشواطه الأولى يبحث عن هويته. إضافة إلى أن المجتمع مازال يشكل في حد ذاته تحديا لدى الكثير من الباحثين والمختصين في الاجتماع.

 وعليه حاولنا من خلال هذا المقال إبراز مكانة علم الاجتماع في الوطن العربي بصورة عامة، والجامعة الجزائرية بصورة خاصة، من حيث الخصوصية التاريخية، وواقع الدراسات السوسيولوجية العربية من خلال بعض المؤشرات، أي تقديم نظرة تشخيصية لمكانة هذا العلم في ظل الرؤى الابستمولوجية المتعددة.

 وقد تم التوصل إلى أن هناك هوة كبيرة بين واقع علم الاجتماع في الجامعات العربية والجامعات الجزائرية على حد سواء، وبين ما هو مأمول منه على المستوى المعرفي، كما تبين أن مستوى الخريجين مازال بعيدا عن محاكاة المستوى الذي يحتاجه سوق العمل.

وأخيرا، يمكن القول أن تعدد العلوم الاجتماعية في الجامعة الجزائرية على اختلاف فروعها وتخصصاتها من العوامل الأساسية لدفع عملية التنمية الاجتماعية في بلادنا، مما يستوجب الانسجام بين المضامين التعليمية والقضايا الأساسية للمجتمع، ليس من الجانب التنظيري فحسب، وإنما من خلال الممارسات والتطبيقات الواقعية من أجل إيجاد علوم اجتماعية تتماشى مع خصوصيتنا التاريخية.

ولا يتأتى هذا المطلب إلا من خلال:

1.صبغ هذه العلوم بقيم مجتمعنا واهتماماته الكبرى في الحياة، أثناء بناء برامج التكوين الرسمية، ومن خلال إعداد عروض التكويـــن.

2.التحليل النقدي للتراث العالمي في علم الاجتماع، والتحليل النقدي للتراث العربي الاجتماعي.

3.إجراء دراسات مسحية تاريخية ومعاصرة في ضوء التوجه المقترح تكون غايتها تحقيق التنمية الشاملة مرتكزة على الفهم والتفسير.

4.ضرورة إعادة النظر في مقررات تدريس علم الاجتماع في الجامعات الجزائرية.


1.حيدر إبراهيم: النسبي والعام في علم اجتماع المجتمعات العربية-ملامح المستقبل الممكن، أوراق الأوسط -1، -مركز الدراسات والبحوث الاجتماعية، سلسلة التحاليل والاستشراف، تونس، العدد 01، 2008م، ص13.

2.   عبد الباسط عبد المعطي،1981م، اتجاهات نظرية في علم الاجتماع، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد 44، ص166.                              

3.أحمد إبراهيم خضر،2000م،اعترافات علماء الاجتماع-عقم النظرية وقصور المنهج في علم الاجتماع-كتاب المنتدى الإسلامي، ط1، لندن، إنجلترا، 2000ص31.

4.حميد الشاكر: الصورة العربية كما يطرحها العقل الإسلامي 2009، مدونة حراء الالكترونية، مدونة فكرية اجتماعية وسياسية، أنظر الموقع:

http://www.hiramagazine.com/،   تاريخ زيارة الصفحة : 2014.                              

5.أHYPERLINK "http://www.alukah.net/Authors/View/culture/1869/"HYPERLINK "http://www.alukah.net/Authors/View/culture/1869/"حمد إبراهيم خضر:علم الاجتماع، قرن كامل من الفشل في مصر والعالم العربي، 2010، موجودة على الرابط:

شبكة الألوكة، ثقافة ومعرفة.  www.http://www.alukah.net/culture/0/28207

تاريخ زيارة الصفحة: جوان 2014.                              

6.سهى حمزاوي وآخر: علم الاجتماع بين أزمة المجتمع الرأسمالي وواقع المجتمع العربي،إصدارات مخبر التغير الاجتماعي والعلاقات العامة في الجزائر، عدد خاص بأعمال الملتقى الوطني حول الدراسات السوسيولوجية والتغير الاجتماعي في الوطن العربي، بسكرة، 2013م، ص ص 116-119، نقلا عن: عبد الوهاب بن حفيظ: مستقبل العلوم الاجتماعية في العالم العربي من خلال بعض المؤشرات، مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية، تونس 2008م، ص ص38-39.

7.عبد الوهاب بن حفيظ:مستقبل العلوم الاجتماعية في العالم العربي من خلال بعض المؤشرات، أوراق الأوسط -1مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية، تونس 2008م، ص40.

8. بلقاسم سلاطنية: بين الدراسات السوسيولوجية والحراك الاجتماعي في الوطن العربي، إصدارات مخبر التغير الاجتماعي والعلاقات العامة في الجزائر، عدد خاص بأعمال الملتقى الوطني حول الدراسات السوسيولوجية والتغير الاجتماعي في الوطن العربي، بسكرة، الجزائر، 2013م، ص20.

9.عبد الباسط عبد المعطي، مرجع سبق ذكره، ص 188.

10.عماد الدين خواني: " تطور علم الاجتماع الغربي من النشأة الى الأزمة"، مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية، جامعة باتنة، الجزائر، العدد 12، 2005، ص 107.

11. وسيلة يعيش: الممارسة السوسيولوجية في الجزائر، مقاربة سوسيومعرفية، مجلة الباحث، يصدرها قسم علم الاجتماع بجامعة منتوري، قسنطينة، العدد 10سبتمبر2010م، ص313.

12. حسان تريكي: أزمة الممارسة السوسيولوجية في الجزائر-الواقع والتحديات، مداخلة مقدمة للملتقى الوطني حول دور علم الاجتماع في تنمية المجتمع الجزائري، كلية العلوم الاجتماعية والانسانية، قسم العلوم الاجتماعية، جامعة خنشلة، مارس 2014، ص 09.

13. فوزية أبو خالد: علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية، حالة باثولوجيا "التوحد الذهني"، أوراق الأوسط-2، مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية، تونس، العدد 02، 2009م، ص200.

14.حسان تريكي، مرجع سابق، ص 05.

Pour citer ce document

سهى حمزاوي, «مكانة العلوم الاجتماعية بين الواقع التطبيقي والإشكالات المعرفية»

[En ligne] مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales العدد 21 ديسمبر 2015N°21 Décembre 2015
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2016-10-06,
mis a jour le : 05/12/2016,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=1486.