الصحافة الجزائرية الخاصة وبناء المعنى الاجتماعي. - مقاربة استقرائية –
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
08
09
10
11
12
13
14
15

العدد 21 ديسمبر 2015 N°21 Décembre 2015

الصحافة الجزائرية الخاصة وبناء المعنى الاجتماعي. - مقاربة استقرائية –

لحسن رزاق
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

تعتبر وسائل الإعلام إحدى أبرز الآليات التي يحصل من خلالها الفرد على فهم ذاتي للحقيقة الموضوعية، سيما عبر الوظيفة الأكثر شيوعا لتلك الوسائل وهي وظيفة مراقبة البيئة، التي غالبا ما تنجح بواسطتها في صياغة الواقع بما يتماشى والفضاء الأيديولوجي الذي يتموضع ضمنه. وبهذا نقارب الوضع الإعلامي للصحافة الجزائرية الخاصة، التي قمنا بنقد موقفها التحريري ومؤاخذته على الإسراف في استحضار عنصر الإثارة فيما يرتبط بمعالجة الأحداث والقضايا الاجتماعية، إذ أن مؤدى هذه المعالجة هو تكوين صورة سلبية عن المجتمع الجزائري فحواها أنه مجتمع آيل إلى التحلل من قيمه الأساسية، وفي ذلك بعد عن الواقع رغم سابق علمنا بحالة التأزم التي يكابدها هذا المجتمع.

الكلمات المفاتيح: الصورة، الواقع، المعنى، الحقيقة الاجتماعية.

Les medias sont l’un des mécanismes les plus importants qui aident les individus à la compréhension subjective de la réalité objective, surtout à travers la fonction la plus connue celle du contrôle de l’environnement, dont elle adopte pour classer les priorités du public, pour dessiner leurs vécus selon la sphère idéologique où elle se trouve.

On essaye à travers cette étude d’aborder la situation médiatique de la presse algérienne privée, en critiquant ses lignes éditoriales et en l’inculpant de son excès d’excitation dans le traitement des événements et des affaires sociales, car ce type de traitement vise à créer une image négative sur la société algérienne ; une société résolvante des ses principes fondamentaux, alors que ce n’est pas du tout la réalité sociale vécue.

Mots clés :l’image, le vécu, le sens, la réalité sociale

The media are one of the most important mechanisms that help individuals to get the subjective understanding of the objective reality, especially through the most important function; the control of the environment, which it adopted to sort out the priorities of the public, and to draw their experiences according to the ideological sphere where it is located.

We try through this study to deal with the Algerian private  press by criticizing its editorial line, and accusing it for its excess of excitation in the treatment of events and social affairs, because this type of treatment is planned to create a negative image on the Algerian society; that it is a society resulting of its fundamental principles, while this is not at all the social reality.

Keywords:the image, the social experience, the sense, and the social reality

Quelques mots à propos de :  لحسن رزاق

طالب دكتوراه كلية علوم الاعلام والاتصال والسمعي البصري جامعة قسنطينة 3

أهمية الموضوع والأهداف

تتأسس أهمية الوسائط الإعلامية على قدرتها الفائقة على صناعة الرأي العام وتحديد مساراته ورسم توجهاته الفكرية والأخلاقية، ويتمحور اهتمامنا بالصحافة الجزائرية الخاصة على ذلك الأساس، وذلك بما يرتبط بتغطيتها للشؤون الاجتماعية، هذه التغطية التي ستفضي ولاريب إلى صناعة صورة معينة للواقع الاجتماعي الجزائري. إن الكشف عن ملامح هذه الصورة هو غايتنا ضمن حدود هذه الورقة الاستقرائية، حيث سيتم ذلك وفق الخطة التالية:

01-الصحافة الجزائرية الخاصة كممثل للنظام الاتصالي المستقل.

02-التفاعلية الرمزية كمنظور إرشادي.

03-ظهور المسألة الاجتماعية ونهاية " المانشيت " الأمني في الجزائر.

04-جدلية المعجم التوصيفي للأحداث والقضايا الاجتماعية في خطاب الصحافة الجزائرية الخاصة.

05-رهان الحقيقة بين موقف اجتماعي مأزوم وموقف تحريري متأزم.

أولا: الصحافةالجزائرية الخاصة كممثل للنظام الاتصالي المستقل

شكل ميلاد الصحافة الخاصة لحظة فارقة في تاريخ الجزائر المستقلة على المستويين السياسي والإعلامي وحتى الاجتماعي، فقد أنعش ظهورها الحراك النخبوي والجماهيري على حد سواء، وأضاف مؤشرا جديا على حصول نوع من التغيير في النسق السياسي للبلاد أصبحت بموجبه حرية الرأي والتعبير مكفولة دستوريا، وتغيرت تبعا لذلك النظرة إلى الصحفي حيث أضحت تستند فقط إلى التأهيل المهني الذي يستند هو الآخر إلى ضرورة احترام أخلاقيات وآداب مهنة الصحافة. وفي ظل هذا السياق الزمني المنفتح على أشكال متعددة من التغيير عرفت الصحافة الجزائرية الخاصة نجاحا سريعا وترحابا كبيرا مقترنا بالحراك العام الذي أشرنا إليه بداية، ولعل أهم أسباب النجاح والترحاب ومن ثم الحراك على الأقل من حيث المبدأ هي:

- تعطش القارئ الجزائري إلى الأخبار ذات الرأي المخالف – الرأي والرأي الآخر – ونقد المسؤولين وكشف عيوبهم وأخطائهم التي كانت تتستر عنها صحف القطاع العام ولا تكشفها للجمهور بسبب الاحتكار الممارس من طرف السلطة، هذا ما دفع الصحف الخاصة للسعي دوما لنشر مقالات تحليلية تتميز بالجرأة والنقد مما أكسبها جمهورا كبيرا وإقبالا ورواجا منقطع النظير.1

- تناسب القناعات السياسية التي كانت لدى أقطاب الصحافة الخاصة مع أفكار الكثير من الأحزاب السياسية وفعاليات المجتمع المدني التي كانت تنشر رؤاها ومواقفها على صفحات هذه الجرائد، ورغم نسبية التطور النوعي الذي رافق التطور الكمي لهذه الصحافة ونقصد به حرية التعبير، إلا أنه لم يحل دون تناول الصحافة الخاصة لبعض المسائل التي كانت قبل 1990من المحظورات.

- طريقة معالجة الصحافة الخاصة للأحداث والتي تتميز بالجرأة في النقد أكسبتها مصداقية للجمهور، جعلته يهجر صراحة الجرائد التابعة للقطاع العام التي تتميز بالمعالجة الرتيبة للأحداث على نحو لا يختلف كثيرا عن الخطاب السلطوي الذي يتميز بسيادة لغة الخشب، وهو ما لا يتناسب مع قيم حرية التعبير وحق المواطن في الإعلام.2

- استفادتها من مساحات إشهارية معتبرة ومخصصة من طرف الدولة.

لقد كانت هذه الأسباب وغيرها بمثابة القوة المحركة التي منحت الصحافة الخاصة في الجزائر دفعا متجددا سيما في المراحل الأولى من نشأتها، وإذا كنا في هذه الأيام نعيش مشهدا إعلاميا يبدو أكثر كثافة وتعقيدا من السابق فإن هذا لن يمنعنا من القول – على الأقل إلى غاية هذه اللحظة – أن الصحافة الخاصة ما زالت تحتفظ بقدر معتبر من القوة على صناعة الرأي العام في الجزائر، وهو ما تشهد به الوقائع اليومية التي نخضعها باستمرار للملاحظات العابرة المقترنة باختلاطنا واحتكاكنا بعديد القوى والفعاليات الاجتماعية، حيث لايزال حجم تعاطي القارئ الجزائري مع الصحف الجزائرية الخاصة سيما اليومية منها ذو دلالة تنم عن إيلاء قدر لا بأس به من الاهتمام بمضامين تلكم الصحف ومتابعة تحليلاتها ومن ثم توصيفها للواقع بكل تجلياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية...إلخ. يأتي ذلك والصحافة في أي بلد مازالت تلعب أدوارا متميزة على صعد مختلفة، وربما يعزى ذلك عموما إلى طابعها البنيوي الذي يمكن فئة القراء من الاستفادة

منها، فهي تتيح لهم فرصة كافية لاستيعاب المعنى وتترك لهم حرية اختيار الوقت المناسب للرجوع إليها، وبذلك تعتبر في معظم الأحيان وسيلة الإعلام الأساسية لقطاعات واسعة من الناس؛ إنها تجذب الانتباه إلى كثير من المواضيع بمتابعة النشر والتعليق عليها واستجلاء آراء الأطراف التي تعنيها هذه القضية أو تلك3.  ويشترط ضرورة أن تتم هذه العملية وفق سلوك إعلامي يحظى بمنسوب عال من الاستقلالية حتى يمكن الجزم بمهنية القائم بالاتصال واستبعاد رضوخه للضغوطات متعددة الجهات أو تبعيته إلى أطراف محددة بما يخل بعلاقته مع الجماهير المعنية بالفعل المستقل.

إن الصحافة المستقلة هي الصحافة التي تهدف إلى البحث عن الحقيقة  إذ ليس من المنطقي أن تكون تحت أي شكل من أشكال الضغط أو الوصاية لأي جهة كانت وخاصة إذا كانت هذه الجهة هي الحكومة أو السلطة السياسية، أو حتى أطراف أخرى لا يهمها مطلقا مصلحة المجتمع أو الوطن.ومن هنا يتضح أن المناط الأساسي لمعنى الاستقلالية هو التحرر من أي علاقة غير سوية لهذه الصحافة مع أي طرف كان، لأن عائد هذه العلاقة سيكون على حساب الأداء المهني وبالتالي على حساب الحقيقة ومن ثم الرأي العام، فالاستقلالية  من حيث المبدأ تعني قيام الأفراد أو الهيئات بإنتاج الفعل غير المملى وغير الموجه أو المتحيز، وبذا يصير للنظام الاتصالي المستقل كنسق فرعي للنظام الاتصالي عموما مخرجات ذات مواصفات متمحورة أساسا حول :

1.صحافة الخبر. 

2.الرأي ونقيضه.

3.الابتعاد عن التحيز والتأويل.

4.الانفتاح على كل الآراء.

5.صحافة الحقيقة المجردة من أي انتماء.

وهي تعتبر بمثابة الأسس السليمة التي يبني عليها المتلقي وعيه إذا ما أضفنا إليها مراعاة أعضاء النظام الاتصالي المستقل لمسؤوليتهم تجاه البناء الاجتماعي برمته.

إن كلا من مواصفات مخرجات النظام الاتصالي المستقل وكذا المسؤولية الاجتماعية المقترنة بها من حيث هي جملة المبادئ والقيم التي يفترض أن يلتزم بها الصحفي إزاء محيطه الاجتماعي، لم تكن لتتبلور كما هي عليه اليوم إلا بعد تدافع على مستوى عالم الأفكار والأشخاص على مر التاريخ، وقد شهدت كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية إرهاصات هذا التدافع ومآلاته أيضا، والتي منها تشكل النظام الاتصالي المستقل الذي تبدو ضمنه الصحافة كمهنة أكثر كثافة وكوسيلة لصنع الرأي العام أكثر حضورا وتأثيرا. ولا نشك في معرض توصيفنا لما يمكن أن تكون عليه حقيقة هذا النظام أن قطاع الصحافة الخاصة في الجزائر هو من يمثل ذاك النظام على الأقل مبدئيا، متميزا بذلك عما يمكن أن يتوافر من أنساق فرعية أخرى للنظام الاتصالي الجزائري، والتي منها الصحافة العمومية كجزء من النظام الاتصالي الرسمي والصحف الحزبية التي يفترض أن يصطف جزء معتبر منها ضمن النظام الاتصالي المعارض.

والواقع أن التصنيف المبدئي الذي يقضي بالنظر إلى الصحافة الخاصة في الجزائر كجزء أصيل من النظام الاتصالي المستقل، من شأنه أن يجعل عملية تحليل مخرجات هذا النظام أكثر صعوبة وتعقيدا مقارنة بنظيراتها في الأنساق الفرعية الأخرى، ذلك أن الصبغة الرسمية ( الحكومية ) أو المعارضة لا تحتاج من الباحث أو المتابع جهدا وعناء كبيرين لكشفها، فهي تكفيه ذلك لأنها في الغالب الأعم تكشف عن نفسها من منطلق أحادية اتجاهها، أما الصوت المحايد ففيه مكمن الصعوبة البالغة حين التصدي لتحليله، سيما وأن عملية التحليل لابد وأن تأخذ في الحسبان جملة العوامل التي يفترض أن تتداخل دائما كيما يتشكل القرار الإعلامي في صورته النهائية  التي يطالعها الجمهور، وهذه العوامل هي :

- العنصر البشري (القائم بالاتصال).

- سياسة الصحيفة وتوجهاتها العامة.

- تأثير المصادر الصحفية.

- طبيعة النظام السياسي وأيديولوجية الدولة.

- الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع.4

حيث يمارس الإعلامي أثره في المنتوج الصحفي من خلال ما يملك من مقومات المهنة وكذا قيم شخصية، التي لاشك تتأطر بالتوجه الأيديولوجي للمؤسسة الإعلامية، التي يتحدد عطاؤها بما تملك من مصادر معلوماتية، التي وإن كانت موفورة فإن أثرها يخضع في النهاية لمنظومة المسموح والممنوع ضمن البيئة السياسية المتاحة وكذا البيئة الاجتماعية التي تفعل فعلها عبر الضغط القيمي.و يدخل ضمن إطار هذه العوامل الجهة التي تمتلك المؤسسة الصحفية وما سينشأ وينجر عن هذا التملك من ارتباطات مالية تمتد لتصل إلى فئة المعلنين أو أصحاب الإشهار.

إن جميع العوامل التي ذكرناها وما يتبعها وينشأ عنها من ارتباطات ستفيد الباحث المهتم بدراسة أي قرار إعلامي – ضمنيا – في إبطال أي عجب (تعجب) قد يترتب عن مجهوده الاستقرائي، ذلك أن كثيرا من الجهود العلمية التي تمحورت حول تحليل العديد من المضامين لوسائل إعلامية تدعي سلفا أنها تنتمي إلى فريق الصوت المحايد توصلت إلى نتائج مفادها طرح تساؤلات كبرى حول حقيقة هذا الحياد وصدقيته. وهذه التساؤلات التي كانت تطرح ولا زالت إنما كان هدفها المباشر هو الحقل السياسي بالدرجة الأولى وشبهة أو لنقل جدلية العلاقة مع الحقل الإعلامي الذي يدعي الاستقلالية، لكننا اليوم ندعو أنفسنا لنكون أكثر جرأة في طرح التساؤلات حول حيادية ومن ثم مهنية هذا القطاع الإعلامي تجاه المجتمع نفسه، الذي يفترض أنه حاضنة بريئة لكل الأطياف الفكرية المتواجدة على الساحة الجزائرية بمكوناتها المعهودة السياسية وغيرها.

إن من مهنية الصحافة الجزائرية الخاصة كصوت محايد يمثل نسقا فرعيا للنظام الاتصالي في الجزائر يسمى بالنظام الاتصالي المستقل أن تسهر على عدم المساس بالصرح القيمي للبناء الاجتماعي الجزائري وذلك ليس من منطلق وظيفيتها داخل هذا البناء وإن كان ذلك واردا في الحسبان، إنما من منطلق طبيعة المجتمع الجزائري في حد ذاته ومن ثم طبيعة الارتباط الذي سينشأ مع هكذا مجتمع له – دون أدنى ريب – خصوصية ثقافية نجمت عن ظروف تاريخية مميزة. ذلك أن  المهنية الإعلامية التي نشأت وارتبطت من البداية بقيم الموضوعية والحياد وعدم التحيز ليست مسألة من مسائل العلوم الدقيقة في نهاية المطاف، لأن العامل الثقافي يطرح نفسه بقوة في هذا المجال ويستجلب جرأته على الحضور في الشأن المهني للإعلام الخاص ( المستقل ) على وجه التحديد، من الوقائع التاريخية التي أسهمت تدريجيا في بلورة موقف معين من النشاط الإعلامي مكن فيما بعد من اعتبار ذاك النشاط مهنة لها أصول معاملاتية( احترافية) ينبغي الالتزام بها مع ضرورة تكييفها وأقلمتها مع الحقائق الاجتماعية والثقافية الأصيلة للمجتمع الذي تتحرك ضمنه.

أثر العامل الثقافي في تبلور المهنية الصحفية

وعليه فمن غير المنطقي أن ننكر أو على الأقل نتغاضى عن الدور البارز  والمتميز الذي لعبه العامل الثقافي زمنيا منذ البدايات الأولى للصحافة في كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، كيما تتشكل بوضوح قيم الموضوعية والحياد ثم المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام سيما منها التي تنشط ضمن النظام الاتصالي المستقل، إن تلكم القيم قد أنشأتها ظروف خاصة بمجتمعات بعينها وهو ما يجب أن يحفز أي جهد بحثي جاد – برأينا – على الاعتراف بسلطة أي مجتمع وفق تشكيله الأصيل في تحديد الوضع النهائي لتلكم القيم ضمن السيرورة الاتصالية إنما دون المساس بجوهرها، لأنه ليس من المعقول أن تتخذ قيم بعينها تشكلت ضمن ظروف نفسية-اجتماعية ما ذريعة للمساس بالسياج القيمي المسؤول عن سلامة شبكة العلاقات الاجتماعية لأي مجتمع، وبالتالي فإن المجتمع لا بد له أن يفرض سطوته كيما تكون قيم المهنية الصحفية في خدمته لا أن يكون هو نفسه تحت رحمتها تفعل به ما تشاء تحت مسمى الموضوعية والحياد. وإذا أردنا أن ندلل عن صدقية هذا الطرح فالأمثلة كثيرة على ضفتي الأطلسي وصولا إلى "إسرائيل " التي هي نموذج لدولة غربية على أرض عربية، حيث يتم باستمرار تقييم الوضع المهني لقطاع الإعلام المستقل وترك المجال مفتوحا لتجسيد معاني الموضوعية والحياد والصدق، ولكن في حدود قواعد الاشتباك المحددة سلفا على المستويين الداخلي والخارجي، ما معناه عدم المساس بجوهر النظام الاجتماعي الداخلي لصالح الظهور بمظاهر القوة وتكريس مزيد من الهيمنة على الخارج.

فهل نعي ضمن إطارنا الاجتماعي الجزائري الأبعاد الحقيقية التي من المفترض أن تتكرس ضمنها قيم المهنة الصحفية؟ لا شك أن النصوص القانونية لعبت وتلعب دورا مركزيا في هذا المجال ولكننا نعتقد في الآن نفسه أنها هي ذاتها تحتاج إلى دراسات مستفيضة على مستوى متونها وتطبيقاتها. ورغم ذلك فإنا لا نسعى ونحن في مبتدأ هذا الجهد التحليلي إلى مناقشة تموضع المهنية الصحفية ضمن المشهد الإعلامي الجزائري – بعد تأكيدنا سلفا على قابلية هذه المهنية كقيمة استعمالية للمناقشة – بقدر ما نود الاقتراب من طبيعة العلامات النصية الواصفة لبعض تقاسيم المجتمع الجزائري في الخطاب الإعلامي لحيز من الصحف الجزائرية الخاصة. فقد لاح لنا أن هناك تجاوز واضح من طرف الصحافة الجزائرية الخاصة لوظائفها الظاهرة لصالح الوظائف الكامنة، وهو ما دعانا إلى مناقشة هذا الموضوع ومحاولة فك تجلياته على مستوى خطابها  المرتبط بالأحداث والقضايا الاجتماعية في الجزائر، وذلك طبعا استنادا إلى خلفية نظرية نستمد منها مشروعية النظر  في علاقة الصحافة الخاصة بالواقع الاجتماعي، هذا الأخير الذي سنسعى فيما بعد إلى محاولة تشخيصه لتسهيل عملية النظر في الحقيقة الاجتماعية التي يرمي القرار الإعلامي لحيز من الصحافة الخاصة إلى تشكيلها، دون أن ندخر جهدا في نهاية المطاف كيما نجد تفسيرا معقولا ومقبولا على الأقل من الناحية النظرية لمغزى تلكم الحقيقة الاجتماعية.

ثانيا: التفاعلية الرمزية كمنظور إرشادي.

تحدث والتر ليبمان في كتابه " الرأي العام " سنة 1922عن الصحافة كبيئات زائفة، وقد كان الطرح الذي ساقه متناغما مع إيقاع الظروف النفسية-الاجتماعية الوليدة آن ذاك، إلا أن ذلك لا يمنع من القول أن ليبمان أثار أهم مشكلة كان قد طرحها قبله لقرون خلت أفلاطون وغيره من رجال العلم والفكر، وتتعلق هذه المشكلة بأصل المعرفة وكيف نفهم الأشياء والتجارب خارج ذواتنا؟ ونحن وفي حدود الجهد الذي بين أيدينا لا نرمي إلى التنقيب في ثنايا هذه المشكلة إلا بقدر علاقتها بميدان تخصصنا، فلطالما اعتبرت وسائل الإعلام إحدى أهم الأدوات والآليات التي يتم من خلالها الحصول على فهم ذاتي للحقيقة الموضوعية؛ وعلى هذا الأساس ظهرت كثير من المفاهيم والافتراضات النظرية التي انضوى جزء منها تحت مسميات التأثير المختلفة، وجزء آخر تحت مسمى نظريات بناء الواقع الاجتماعي، وكله يأتي كما أشرنا سلفا من منطلق الوظيفة المركزية لوسائل الإعلام وهي مراقبة البيئة.

إن وسائل الإعلام حين سعيها الدؤوب للاضطلاع بوظائفها المتعددة بقطع النظر عن المنطلق الوظيفي في ذلك، فإنها ضمنيا لا تسعى إلا كي تعكس الواقع وهو الذي يجعل من لغة خطابها في العادة سهلة وبسيطة يفهمها كل الناس لأنها لغة الواقع. لكن المثير أن ليبمان تفطن وفي البدايات الأولى للصحافة أن هذه الأخيرة يمكن أن تتحول بل وتحولت إلى أداة تزييف وتضليل، وأنها غالبا ما تصنع صورة مغايرة تماما لما هو عليه الواقع، وفي ذات السياق يقول عزي عبد الرحمن أن محتويات وسائل الاتصال ليست الواقع في حد ذاته، بل تشكل تعبيرا عن الواقع، ويحدث التأثير السلبي عندما يتم المزج بين العاملين فيصبح الرمزي هو الواقع عند المتلقي. 5

إن هذه الجدلية في النظر إلى العلاقة بين ما هو رمزي وما هو واقعي دعتنا بإلحاح إلى تبني الموقف الفكري للتفاعلية الرمزية كمنظور قياسي إرشادي، نستمد منه وإن بصفة غير حصرية مشروعية النظر فيما يمكن أن ينشأ عن الصحافة الجزائرية الخاصة من معان حين تصديها لمعالجة الشؤون الاجتماعية في الجزائر، " فالرمز معنى يدل على معقول أو متصور أو متخيل، وفي الأصل فإن الرمز حلول الكلمة محل ما تدل عليه ماديا أو معنويا، ويعني ذلك قيام الأسماء أو الصفات مقام مسمياتها وموصوفاتها، هكذا فإن اللغة بوصفها خطابا تستثير ما تستثير مسمياتها.6وهذه المسميات نعتبرها نحن مستويات صغرى للمعنى نود من خلالها الكشف عن المستويات الكبرى للمعنى، والتي تصح تسميتها بالحقيقة الاجتماعية المصنوعة من طرف الصحافة عن المجتمع الذي تغطي أحداثه، إذ أن " الإنسان يقترب من المعنى بالاجتهاد والقياس وإدراك العلاقات العلية في تجربة الحياة التي تبدو حادة ومبهمة أحيانا، وينبثق المعنى في فعل التأويل الذي يؤدي إلى فعل التصور المرتبط بالخيال "7.

إننا إذ نسترشد بالنموذج النظري للتفاعلية الرمزية ضمن هذا الجهد الاستقرائي فإننا لا نغض الطرف البتة عما يمكن أن يتلبس به من سلبيات أو تعقيدات، لكننا في واقع الأمر لسنا في وارد مناقشتها لأننا نود فقط أن نستند إلى طرحها الجوهري المتعلق أساسا بتشكل المعاني الذي يتم حسب افتراضات التفاعلية الرمزية وفق الآتي:

1-إن البشر يتصرفون حيال الأشياء على أساس ما تعنيه تلك الأشياء لهم.

2-هذه المعاني هي نتاج للتفاعل الاجتماعي في المجتمع الإنساني.

3-وهذه المعاني تحور وتعدل ويتم تداولها عبر عملية تأويل يستخدمها كل فرد في تعامله مع الإشارات التي يواجهها.8

ويرتسم وجه العلاقة بين هذه الافتراضات وبين السيرورة الإعلامية (الصحفية منها تحديدا) فيما تقدمه وسائل الإعلام حين تغطيتها للأحداث اليومية من " تفسيرات للواقع بالكلمة والصورة والحركة واللون فتضفي على من يتلقون الرسالة الإعلامية صبغة ذاتية، ويبني الأفراد معان مشتركة للواقع المادي والاجتماعي من خلال ما يقرؤونه أو يسمعونه أو يشاهدونه. ومن ثم فإن سلوكهم الشخصي والاجتماعي يمكن أن يتحدد جزئيا من خلال التفسيرات التي تقدمها وسائل الإعلام للأحداث الاجتماعية والقضايا التي لا توجد مصادر معلومات بديلة عنها "9

هكذا إذن تسهم الصحافة ولو على نحو جزئي في إثراء نظام المعاني لدى الفرد بما يدعم ويعزز الموقف الفكري لنظرية التفاعلية الرمزية، كمنظور يركز جل اهتماماته على مستوى الفعل الاجتماعي حين يعبر عن تموضع يتم فرضه غالبا وبصفة حصرية من قبل مصفاة الوعي، هذا الأخير الذي يدفع الفرد في كثير من الأحايين إلى أن يعيش تجربة إدراكه للواقع بدل أن يعيش الواقع ذاته. وفي إمكاننا التعبير عن هذا الوضع المعرفي من خلال العلاقة القائمة بين الإنسان والأشياء أو غيرها من الموجودات، فعلى قاعدة هذه العلاقة حاول اللغوي الفذ الخليل بن أحمد الفراهيدي البحث حول فكرة المعنى وتجريدها من خلال عبارته التي يقول فيها أن المعنى هو " محنة الشيئ وحاله الذي يصير إليه أمره، فجعل المعنى ذا وجهين: المحنة والحال، إنه الداخل والصورة وفي عبارة أخرى الجوهر والصورة " 10. إن هذا يدخلنا ولا ريب مضمار التبادل بين الدال والمدلول من بابه العتيق، كيما نغوص بعيدا إلى غياهب علم العلامات الذي نعتقد جازمين أن له حدا فاصلا يتوقف عنده مهما تشعبت ارتباطاته، فكلها إلى مرد واحد ووحيد إنه الصورة. وإننا نتساءل تبعا لذلك هل المعرفة في النهاية إلا صورة مهما اختلفت أشكالها؟ والصحافة من أهم الوسائل والأدوات التي تصنع الصورة بل وتتفنن في تشكيلها حصرا في أذهان الجماهير ليشكل في ذات السياق ما يسمى سياسيا وإعلاميا بالرأي العام، ومن وراء ذلك لا ندري بالتحديد ما هو غرض الصحافة الرئيسي من وراء تلكم الصناعة وذلكم التشكيل في ظل ظروف نفسية-اجتماعية معينة؟

إن الصورة كتمثيل رمزي للحقيقة ستفيدنا في بناء موقف نقدي محصن منطقيا تجاه الخطاب الإعلامي للصحافة الجزائرية الخاصة، ومرد ذلك عل وجه التحديد هو الخصائص والسمات المتعلقة بالصورة كهيئة لانتظام عناصر معينة، ومن بين الخصائص نذكر مثلا أن الصورة قد تكون:

- صحيحة/غير صحيحة.

- دقيقة/غير دقيقة.

- مبنية على التعصب.

- فيها تبسيط مبالغ فيه للواقع.

- تقود إلى تجاهل الفروق الفردية.

- تقود إلى التحيز.11

ولأن عامل النسبية يفرض حضوره دوما في ميادين العلوم الإنسانية والاجتماعية فبالإمكان التوسع في تعيين خصائص وميزات أخرى للصورة في بعديها المادي (المحسوس) والمعنوي (الذهني)، وهو توسع لا يمنع في اعتقادنا من اتخاذ كل هذه الخصائص منصة انطلاق سليمة من أجل تقييم الخطاب الإعلامي للصحافة الجزائرية الخاصة عبر النظر في الأسلوب المستخدم والإيحاءات المكرسة، التي لا شك أنها مفضية لا محالة إلى حقيقة اجتماعية تنم في نهاية المطاف عن تموضع أيديولوجي معين لهذه الصحافة على اختلاف مكوناتها.

ثالثا: ظهور المسألة الاجتماعية ونهاية " المانشيت " الأمني في الجزائر.

في تحركنا نحو استقراء المعاني الاجتماعية الكامنة وراء معالجة الصحف الجزائرية الخاصة لعديد الأحداث التي يزدحم بها المجال العمومي الاجتماعي الجزائري، لابد وأن تستوقفنا حقيقة قد لا تتماثل للبعض ممن ينصب اهتمامهم العلمي وحتى العامي حول الظاهرة الإعلامية، وهذه الحقيقة هي أننا كمجتمع جزائري بدأنا نعيش مع مطلع الألفية الثالثة حالة من الاستقرار السياسي، الذي يترجم ببساطة نهاية مرحلة حرجة في تاريخ الجزائر اتسمت بشكل أساسي بمقدار غير مسبوق من العنف السياسي، انعكس سلبا على الأداء الاقتصادي والاجتماعي وكذا الدبلوماسي للوطن الجزائري عبر مؤسساته المختلفة.

لقد واكبت الصحافة الجزائرية الخاصة تلك المرحلة بأن كانت شاهدا متميزا على إرهاصاتها ثم تعاظم مظاهرها وكذا آثارها فيما بعد، ولم تسلم هي ذاتها من تداعياتها، فقد طالتها يد الإرهاب الذي نعتقد أنه خشي من سعي أطراف إعلامية داخل النظام الاتصالي المستقل الوليد والفتي آن ذاك، إلى بلورة حقيقة سياسية لا تتناغم مع المنهج الذي ارتسمه كيما يثبت أقدامه أعمق على الأرض الجزائرية. وهذا يثبت وفق رؤية تحليلية متواضعة أن الصحافة الجزائرية الخاصة على اختلاف مكوناتها  وأطيافها خاضت نوعا من النضال السياسي تحت العباءة الإعلامية، وهذا الفعل النضالي من قبل تلكم الصحافة يعتبر دورا إضافيا اضطلعت به أملاه عليها واجب وطني يتجاوز كل القواعد البروتوكولية المتحكمة في المهنة وفق بعدها التقني، إلا أن هذا لا يعني انتفاء تاما أو تدهورا واسعا على مستوى البعد التقني لمهنة المتاعب إبان مرحلة الإرهاب الدموي  التي نتجت عن محاولة إجراء تغيير عميق في النسق السياسي للبلاد، على العكس من ذلك، فقد كانت العناوين الدائرية العريضة (المانشيتات) لكثير من الصحف اليومية وأبرزها مثلا صحيفة الخبر إطارا لتغطية أهم ما تجود به ساحة الصراع المحتدم والمتزايد في دمويته، وربما هذه الدموية التي هيمنت على شكل الصراع هي ما أثر على نوعية التضمينات التي ظلت تلك العناوين العريضة ترسلها حتى سميت عموما بالعنوان الأمني.

إن العنوان الأمني هو الوجه الآخر المصاحب والمزاحم للوجه النضالي للصحافة الجزائرية الخاصة، لقد كان نوعا من التأطير الإعلامي للأزمة الحاصلة في الجزائر آن ذاك، ونظن أن الظروف العامة لم تكن لتسمح بدراسته باستفاضة حتى يتم الوقوف على خلفياته وفق ما تقتضي الإجراءات العلمية الصارمة.

إن فصلنا بين وجهتين من المتابعة الإعلامية لأحداث ما سمي بالعشرية الحمراء في الجزائر من طرف الصحافة الجزائرية الخاصة، لا يعني غياب إمكانية التداخل بينهما من حين لآخر وحلول أحدهما في الآخر، ولكن رغم ذلك يبقى القرار الإعلامي الخاضع لإستراتيجية العنوان الأمني مثيرا للجدل أكثر في تقديرنا من الآخر الخاضع للبعد النضالي على ما يترتب عنه من تكلفة باهضة. إنها مجموعة من الأسئلة كان يجب أن تطرح في حينها حول الحقيقة السياسية التي سعت لتكريسها أطراف لها مواقع متميزة داخل النظام الاتصالي المستقل، وقد كان العنوان الأمني أبرز آليات ترسيخ تلك الحقيقة، فهل يا ترى كانت الصحف الخاصة الجزائرية بيئة محصنة ضد التزييف؟ لا شك أن جهودا مضنية من التنقيب والتقليب العلمي والمنهجي الذي يأتي عبر تظافر العديد من الفعاليات السياسية والإعلامية والمجتمعية في ثنايا المسألة من شأنه أن يفرز تقييما أقرب إلى الموضوعية، بخصوص مرحلة ذات ظروف بالغة الحساسية والتعقيد في تاريخ الجزائر، استبشرنا أيما استبشار حين سرت في الأفق جملة من الإجراءات أعلنت وقفا فوريا لسيرورتها ومن ثم تداعياتها، حيث جعلتها في حالة موت سريري إلى غاية الآن. انتهى العنوان الأمني إذن على الأقل كما عهدناه في ذروة المرحلة لأنه انكفأ وانحسر إلى داخل الصفحات الداخلية، وفي ذلك إيذان بطي صفحة العنف السياسي في الجزائر وهي الحقيقة التي بات يعكسها  الخطاب الإعلامي للصحافة الجزائرية الخاصة، سيما بعد انخراطه في النقاش العام حول مسار المصالحة الوطنية، هذا المسار الذي انطلق وهو يرمي إلى تحقيق هدف بدا منذ الوهلة الأولى خيارا استراتيجيا ليس للنخب السياسية وحسب بل للشعب الجزائري برمته وهو : استرجاع السلم الاجتماعي، هذا الأخير أصبح فيما بعد مكسبا تسعى كل أطياف المجتمع الجزائري إلى الحفاظ عليه، لكن وجهة هذا الحفاظ كانت سياسية خالصة، وهو ما من شأنه أن يجعل من السلم الاجتماعي رهانا أقرب إلى الضعف منه إلى القوة، لاسيما حين نلغي من حساباتنا شدة التأثير التي من الممكن أن تحدثها عوامل أخرى في معادلة الاستقرار السياسي، ومن هذه العوامل في الحالة الجزائرية العامل الاجتماعي، الذي نرى أنه يفرض نفسه كموضوع للبحث والمساءلة ضمن المجال العمومي الجزائري، انطلاقا من قوة المؤشرات الميدانية التي ما فتئت تتفاقم وتتراكم وتنبؤ بشدة عن تحولات جرت في المشهد الاجتماعي الجزائري. وقد التبست بداية هذه التحولات بنهاية مرحلة العنف السياسي وهي الحقيقة التي أردنا أن نقف عندها مليا حيث أشرنا إلى ذلك في البداية. إذ من المفترض مبدئيا أن يكون للاستقرار السياسي آثارا إيجابية على باقي الصعد الحياتية في أي مجتمع، لا سيما من جهة المجهود التنموي الذي عادة ما يتناسب على نحو طردي مع عامل الاستقرار السياسي، وقد شهدت الجزائر فعلا جملة من الإنجازات تركز جلها على صعيد البنية التحتية، فضلا عن مختلف أوجه السعي لتعديل/إضافة مواد قانونية ونظم تعليمية، إلا أنه يمكن الأخذ بجدلية هذه المنجزات كونها نمت جنبا إلى جنب مع مظاهر أزماتية أضحى يعيشها المجتمع الجزائري، استفحلت تلك المظاهر وتعاظمت وأمست تهدد السلم الاجتماعي وبتنا جراء ذلك نخشى من العودة إلى المربع الأول. ولعل كل مظاهر تأزم المجتمع الجزائري تلتقي في مظهر واحد وربما وحيد أصبح يشكل النافذة السحرية التي تسمح بالإطلالة على جميع الأمراض التي تغلغلت إلى مفاصل البناء الاجتماعي الجزائر، إن هذا المظهر هو: العنف، لكنه هذه المرة يأتي في ثوب آخر غير الثوب الذي لبسه طيلة ما ينيف عن عقد من الزمن، إنه عنف اجتماعي رمقنا من بعيد بوادره وشهدنا تمدده وها نحن هؤلاء نعيش استفحاله.

إن للمجتمع الجزائري خصوصية ثقافية يستمدها من انتماء جغرافي إقليمي وعالمي ومن تاريخ حافل ومميز، وهذه الخصوصية لم تكن لتسمح في يوم من الأيام للعنف الاجتماعي أن يكون سيد الموقف في حياة الناس، فالعنف كفعل اجتماعي لا ينتفي وجوده في أي مجتمع مهما كانت درجة تحضره ورقيه، لكنه حينما يتمدد لتصبح له سلطة قهرية (رمزية) تفرض سطوتها وهيبتها على الجميع، فإنه لابد من طرح الأسئلة العميقة حول حقيقة وجود:

- الدولة (المؤسسات).

- المؤسسات الوسيطة (جماعات الأعيان مثلا).

- المجتمع المدني.

- مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وغيرها....

لقد بدأت القصة الكبرى للعنف الاجتماعي في الجزائر بقصص صغرى هنا وهناك أبطالها هم على وجه التحديد:

- مدمنوا خمور في البداية.

- مدمنوا مخدرات في النهاية.      

وبين هؤلاء وأولئك تجار ذوي أحجام متفاوتة لمختلف أنواع السموم التي تجد لها منفذا في أجساد الشباب والكهول الجزائريين. وفق هذا الطرح تتضح خصوصية العنف الذي نود أن نجلي من حوله الغبار، إذ هو عنف وصل إلينا محمولا على سفن المخدرات بأنواعها الفسيفسائية، وقد ساهم الانفتاح التكنولوجي-العولمي في جعله أكثر تميزا من حيث الفتك بمقدرات المجتمع المادية منها والقيمية، وهو في بعض تموضعاته داخل المجتمع الجزائري يصح أن يسمى بالجريمة المنظمة، التي تظل من التمظهرات المهمة للعنف الاجتماعي في الجزائر، وقد تصبح أكثر أهمية إذا حاولنا جادين كشف مختلف ارتباطاتها المتشعبة داخل الكيان الاعتباري ضمن إطارنا المجتمعي.

إن مظاهر العنف في الجزائر ما انفكت تتزايد، وقد عبرنا منذ البداية عن اعتقادنا النابع من الملاحظات اليومية المتأنية إما معايشة أو قراءة واطلاعا، أن ذلك التزايد تزامن على نحو ما مع استعادة الاستقرار السياسي، ومن المحطات المتكررة البارزة لهذا العنف:

- ظاهرة قطاع الطرق (الحرابة).

-الاعتداء على الأصول (الوالدين).

- الاغتصاب.

- زنا المحارم.

- خطف واغتصاب وقتل الأطفال.

-حرق مصاحف وتدنيس مقابر.

- الانتحار (بأشكال درامية).

- تربية نوعية من الكلاب على درجة عالية من الضراوة والتوحش.

- عنف الملاعب الآخذ في التنامي.

- عنف المدارس وتنامي ترويج المخدرات فيها.

لقد بدأت جل مظاهر العنف عادية، بمعنى أن صورة الانحراف الحاصلة يمكن إلحاقها بالفعل البشري الذي لابد أن تترتب عليه عقوبة يحددها القانون ضمن مجتمع ذي خصوصية عربية إسلامية، لكن الصورة فيما بعد اختلفت تماما حيث أصبح الانحراف مرعبا إلى درجة يمكن أن يقاس فيها على أنه إرهاب من نوع جديد، قوامه عدوانية متزايدة لدى الفرد الجزائري تجنح به إلى التفنن في القتل، وهو قتل أثبت مرات عدة أنه يمكن أن يطال حتى أقرب المقربين وهم الأم والأب وكذلك الزوج. ونحن إذ وصلنا إلى هذه النقطة نتساءل بدورنا: ما سر هذه العدوانية التي تترافق مع أكبر معدلات الأريحية المالية في الجزائر من جهة عائدات الصادرات من البترول والغاز؟ لا شك أن الإجابة عن هكذا تساؤل تحتاج إلى جهد تحليلي عميق ليس هذا محله، ولكن رغم ذلك يمكن الإفادة من موضوع السؤال وكذا موضوع الإجابة بغية الانتقال إلى محطة أخرى ضمن الحقيقة التي نستجلي منذ البداية ملامحها وتقاسيمها، وفي تقديرنا فإن هذه المحطة بدأت مباشرة مع نهاية العقد الأول الذي مر على نهاية مرحلة العنف السياسي وحالة موتها السريري، ومبتدأ هذه المحطة كان ولا ريب ما سمي تداولا بأحداث السكر والزيت التي عرفتها مدن عديدة في الجزائر على رأسها العاصمة.

لقد كانت هذه الأحداث في بعدها الميداني موجة من التخريب غير المسبوق، شمل حيزا معتبرا من الممتلكات العامة وكذا الخاصة في ظرف قياسي، فخرجت بذلك في نظر أي مراقب منصف عن الإطار الذي يجب أن تتموضع ضمنه أية احتجاجات شعبية مسنودة بمطالب مشروعة. لقد كانت نوعا من العدوانية المفرطة تجاه كل شيئ وتجلى فيها الميل الحاد إلى العنف بقطع النظر عن أي مطلب عادل، وليس أصدق في مشابهة هذه الحالة إلا عنف الجماهير الغاضبة على خسارة فريقها المفضل في كرة القدم، بفارق أننا لا نعرف بالتحديد من الفريق الخاسر في أحداث جانفي 2011وبالتالي لصالح من خرجت الجماهير آن ذاك؟

إن هذا الطرح يتأكد أكثر حينما نتحدث عما أصبح يسمى بحرب العصابات المدنية وهو ما أطلق توصيفا لكثرة المشادات التي باتت تنشب بين شباب بعض أحياء العاصمة وغير العاصمة، وتستخدم فيها الأسلحة البيضاء كالسكاكين والسيوف والسواطير تضاف إليها الزجاجات الحارقة وغيرها من أدوات مبتكرة أساسا من أجل العنف والقتل أو الإعاقة في كثير من الأحيان، وفي ذلك إشارة صريحة إلى نوع من الاحتكام إلى العنف، وما يبعث على الحيرة أن هذا الاحتكام امتد ليصل إلى حلبة السياسة، حيث أضحت بعض الفعاليات السياسية تصفي خلافاتها المقترنة بالقنوات التنظيمية عن طريق العنف وبصفة علنية، وهي التي من المفترض أن تؤطر الفعل الجماهيري ليكون عامل نهوض بطاقات ومقدرات البلاد.

إن هذه الخلفية الاجتماعية المترهلة قد باتت جزءا من حقيقة الوضع الذي يعيشه المجتمع الجزائري، وقد ألزمنا أنفسنا أن ندرجها على بساط المباحثة وفق توغل محدود في معطياتها، من شأنه أن يسمح لنا في النهاية من الإمساك بالهدف النهائي لمجهودنا الاستقرائي لتضمينات القرار الإعلامي الخاص بعديد الصحف الجزائرية الخاصة، إزاء أحداث وقضايا المجتمع الجزائري ، لكننا في الآن نفسه نقول أن تلك الخلفية ليست كل الحقيقة، وتأثيرها في مجريات الحياة الطبيعية للناس مرهون بتفعيل المرجعيات الأصيلة التي يستند إليها المجتمع الجزائري في معركة وجوده، يضاف إليها جملة الإجراءات الوقائية التي يمكن أن تصدر عن السلطة التي من المفترض أن ترسم ملامحها اختيارات هذا المجتمع.

رابعا: جدلية المعجم التوصيفي للأحداث والقضايا الاجتماعية في خطاب الصحافة الجزائرية الخاصة.

لقد كان لزاما علينا التوقف في محطة توصيفية لبعض تقاسيم الوجه المجتمعي للجزائر التي طفقت في الارتسام على نحو تقريبي مطلع الألفية الثالثة، ولم نكلف أنفسنا أن نتعدى ذلك إلى محطة تالية نضمنها بعضا مما يمكن أن يصلح لتفسير الوضعية المجتمعية الجزائرية التي اعتبرناها مأزومة وفق مؤشرات محددة، والمانع من ذلك هو البوصلة الإعلامية التي يرتبط بها الهدف الأساسي لمجهودنا، الذي يرمي إلى تحسس العلاقة بين صحافة تدعي الاستقلالية ومجتمعها الذي يمر بظروف اعتبرناها غير عادية تماما.

إن التفكير المبدئي في هذه العلاقة يأتي من الهيئة التي تأخذها ارتباطات النظام الاتصالي المستقل ضمن البناء الاجتماعي برمته، إذ وفق هذه الهيئة يفترض أن تنساب الرسائل الإعلامية، ولذلكم لا غنى عن توصيف ولو جزئي لطبيعة الظروف النفسية- الاجتماعية التي يعيشها المجتمع، حتى يصبح في الإمكان بناء حكم أقرب إلى الموضوعية بخصوص موقف الصحافة الخاصة المتجلي  فيما تقدمه للجمهور الجزائري عن البيئة التي يتفاعل داخلها، وفي مقدورنا القول أن هذه البيئة ستجعل مهمتنا أكثر تعقيدا طالما أنها هي نفسها بيئة الاتصال، ففيها تتفاعل العوامل التي تتوج في النهاية بصناعة القرار الإعلامي الذي لا شك أن له تأثيرا متميزا على النسق الاجتماعي، وهنا تحديدا تتعدد مظاهر الاشتباك ضمن السيرورة الاجتماعية من خلال جملة العوامل التي قد تتحكم في إنتاجها، وأبرزها العامل الاقتصادي  وأحايين كثيرة يفعل العامل السياسي فعله، والضحية في كل الأحوال هو المجتمع الذي يتحول إلى مادة استعمالية لأغراض خارجة عن كينونته، وقد سبق معنا مثلا أن أشرنا إلى جدلية ما سمي بالعنوان الأمني إبان فترة التسعينيات، فقد كان فيه نوع من التأطير الإعلامي لجوهر القضية التي عاشتها الجزائر خلال تلك الفترة، وربما نستنتج منه كوضع إعلامي شاذ تساوقا مع طرح كانت تسوق له جهات نافذة في السلطة، وهو ما يلقي بظلال الشك والريبة على استقلالية الصحافة الخاصة إزاء ذلك، هذه الاستقلالية التي صرحنا منذ البدء أنها لا ينبغي أن تتساوق إلا مع النسق القيمي للمجتمع الذي لا يجب بأي حال أن تعلو وتفرض نفسها عليه. فهل يا ترى تتساوق تغطيات الصحف الخاصة في الجزائر لشؤون المجتمع مع روح القيم التي بنى عليها هذا المجتمع وجوده؟

تتكشف الحقيقة المتعلقة بالإجابة عن هذا السؤال حين إمعان النظر في جملة المدلولات الآتية من:

– طبيعة الكلمات المستخدمة فهي مفزعة.

– طبيعة العناوين فهي صادمة.

– طبيعة الصور فهي مقلقة.

وتجتمع هذه كلها في بؤرة واحدة وهي مدلول ما توحي به هذه الصحافة أو لنقل قطاع معتبر منها أضحى يمتلك معدلات توزيع عالية نسبيا في ربوع القطر الجزائري، وهو على الأرجح يستخدم اللغة العربية في الوصول إلى جمهوره.

على صعيد الكلمات دأبت بعض الصحف الخاصة من اليوميات الإخبارية على استخدام كلمات تبدأ بالقتل ولا تنتهي بالاغتصاب، والمشكلة الحاصلة هنا لا تكمن في الاستخدام في حد ذاته بقدر ما تكمن في تكثيف هذا الاستخدام إلى درجة ملفتة مع مرور الزمن، فنجد الكلمات ذات الاستخدام المتفاوت الكثافة : اعتدى، قتل، سرق، اختلس، اغتصب، لواط، ساطور، سيوف، دعارة، اختطف... إلى غيرها من المفردات ذات الدلالة المتشابهة  الباعثة على الخوف، ومنبع الطابع المخيف لذه الكلمات لا يأتي من هيأتها كأفعال معزولة تحدث في أي مجتمع، إنما مرد ذلك إلى طابها المتكرر الذي يجعلها ترتقي إلى مصاف الظاهرة. ولن ندخل الآن في تقييم حجم هذه الظاهرة في الواقع الاجتماعي لأننا بصدد تقييم حجمها في واقع الرسالة الإعلامية ومن ثم النظر في الآثار الدلالية لهذا الحجم على بنية المجتمع، الذي يعد ولا ريب ذي خصوصية ثقافية عربية-إسلامية في المجمل لها طابعها المحدد وفق عامل التاريخ والجغرافيا.

أما على صعيد العناوين وكذا الجمل فتصبح المسألة أكثر حساسية لأنها المرحلة التي يصبح فيها المعنى أكثر تبلورا ووضوحا، وتتحد الكلمات لتحدد منحى جديدا لقوة المعاني المتفرقة، لكن هذا المنحى الجديد قد لا يبتعد كثيرا عن أصول المعاني الأولى بل ربما يزيدها قوة وتركزا، مثلما هو حال كثير من العناوين والجمل التي يتم استعمالها في بعض الصحف الجزائرية الخاصة لتغطية أحداث وشؤون اجتماعية متفرقة، وإذا شئنا أن نقف مع عينة من هذه العناوين أدرجنا الآتي:

- مراهق يقتل أمه بساطور من أجل مائتي دينار.

- إمام يعتدي على طفل في مقصورة المسجد.

محام يمارس اللواط مع عامل في مرحاض محطة لنقل المسافرين.

إن هذه العينة فقط ولوحدها تكفينا وتغنينا عن الاستطراد في إدراج عناوين أخرى إذ أننا نعتقد أنها تنطلق من نفس البؤرة الدلالية مع اختلاف في التفاصيل وحسب، كما أن هذه العناوين عادة ما تتكرر بصفة دورية تكاد تكون شبه يومية، ونحن ضمن السياق الذي نطرحه لا نود الحكم على المجتمع بقدر ما نود محاكمة المضمون الإعلامي إلى الضوابط التي يفترض أن يتقيد بها والتي تدخل في صميم المهنية الإعلامية، ومحاكمته أيضا إلى حقيقة ما يعيشه المجتمع الجزائري وإن كنا قد أجرينا قبل الآن تقييما ضمناه الإشارة إلى حالة من التأزم يعيشها هذا المجتمع، ولنا وراء هذه الإشارة غرض ستتضح معالمه فيما بعد.

إننا نعتبر عينة العناوين التي أدرجناها ممثلة لمجتمع يخطو خطوات حثيثة نحو الانهيار والتفكك والانحلال، وليس في ذلك مبالغة طالما أن مظاهر التأزم والمرض الاجتماعي امتدت لتصل إلى مرتكزات القوة في المجتمع الجزائري على خلفية انتمائه الثقافي، وهذه المرتكزات هي كما يبدو مؤسسات التنشئة الاجتماعية المتمثلة في:

1-الأسرة.

2– المسجد.

وثالثة الأثافي هي المدرسة التي وإن لم يأت ذكرها في العناوين، فإننا لا شك نصادف يوميا أخبار متفاوتة الأحجام تروي قصصا تبعث على القلق الشديد بخصوص ما يجري في المؤسسات التربوية من ترويج للمخدرات واعتداءات على الأساتذة، وكذا جرائم أخلاقية وغيرها من مشاهد ومظاهر التأزم الاجتماعي. إن هذه المظاهر التي امتدت إلى الوحدات الأساسية التقليدية لصنع الفعل الاجتماعي، وفق ما تطالعنا به بعض الصحف الجزائرية الخاصة ليست عادية على الإطلاق، كما أنها ليست هامشية طالما يقع التعاطي معها إعلاميا بصفة شبه يومية، وإذا أردنا أن نناقش خروجها عن الصور المألوفة للحالات المرضية في مجتمع ذي خصوصية ثقافية كمجتمعنا فإنه يمكن القول:

1– على مستوى الأسرة:

نشهد غالبا في مجتمعاتنا حالات صراع اجتماعي داخل الأسر يمكن أن تتجسد فيما يسمى بالعنف الأسري الذي يأخذ المسارات الأفقية والعمودية، من خلال عنف متبادل بين الأبناء أو خضوع هؤلاء الأبناء لقسوة متفاوتة  الشدة من طرف الآباء وأحيانا الأمهات، وهي قسوة تأتي في إطار تكريس  الانضباط الاجتماعي داخل وخارج الأسرة وتتحكم فيها وجهة نظر ورؤية خاصة بالوالدين، الذين لا نستثنيهما من حالات الصراع التي عادة ما تنشأ داخل الأسرة وتؤثر على الأبناء، ونحن إذ نورد هذه الحالات لا نود أن نغوص في تحليلها ومن ثم تصنيفها من جهة السلب والإيجاب، فتلك مهمة متروكة لمجهود آخر، إنما غايتنا أن تتوضح مختلف التموضعات التي اعتبرناها عادية للصراع الاجتماعي داخل الأسرة الجزائرية، حيث يأتي هذا الصراع في الغالب إما على شكل عنف مادي محدود العواقب أو رمزي على أقل تقدير، لكن الجديد  الذي دأبت على تأكيده صحف جزائرية خاصة هو وصول حالة العنف داخل الأسرة الجزائرية إلى درجة غير مسبوقة، تمثلت في قتل الوالدين ( إحداهما أو كلاهما ) من طرف الابن، وهي جريمة بكل المقاييس الإنسانية والاجتماعية والأخلاقية ثم أخيرا القانونية. والمثير للغرابة الشديدة هو تفاهة الأسباب التي لأجلها تحدث هذه الجرائم وفق ما تطالعنا به هذه الصحف، وبالتالي إذا شئنا أن نستبق أي إجراء تحليلي صارم على هذا الصعيد قلنا من حيث المبدأ في حق هذا المشهد الصادم أنها حالة انهيار تام على مستوى القيم سادت الأسرة الجزائرية.

2-على مستوى المسجد:  

المسجد مبدئيا هو مكان للارتقاء الروحي والهروب من التوتر الدنيوي وله في عرف الجزائريين مكانة أكثر من الخاصة، طالما أنه مرتبط فقط بالخالق جل شأنه، ورغم ذلك فإنه بالإمكان ملاحظة حالات من التصادم الاجتماعي بين الفينة والأخرى تحدث داخل المساجد، ولكنها هي أيضا تبقى محدودة جدا من حيث تداعياتها على المنظومة المسجدية وكذا على الوعي الاجتماعي إزاء هذه المنظومة. إلا أن القرار الإعلامي لعدد من الصحف الخاصة في الجزائر يشي بأكثر من ذلك بكثير، إذ عادة ما يتكرر تدفق نوعية غريبة جدا من المعلومات بخصوص المساجد على مستوى مناطق متعددة من التراب الوطني، وقد بلغت تلكم الغرابة مستويات قياسية جدا لا يمكن التغافل عنها وتركها دون دراسة وتحليل، فكيف يعقل بالمكان الذي يفترض فيه أنه محل معراج الأرواح إلى خالقها أن يتحول إلى فضاء لممارسة الرذيلة بأشكالها المختلفة. والأخطر من ذلك أن تمارس هذه الرذيلة من طرف رأس الهرم المسجدي.

إن للشيخ أو الإمام مكانة اجتماعية مرموقة طالما حظي بها من قبل أفراد المجتمع، وذلك لا شك مستمد من طبيعة المحيط الذي يمثله ويفترض أنه ينوب عنه ويتكلم باسمه، وهو محيط مقدس لارتباطه بالمعبود الأعلى جل شأنه، ولهذا السبب شكل الإمام باستمرار صمام أمان داخل المجتمع الجزائري إذ هو دوما محل إجماع من جهة رضى الناس عن تحكيمه لجل الخلافات التي تطرأ بينهم، لكننا بدأنا نلاحظ وعلى صفحات بعض الصحف الخاصة تحديدا تحولا في هذا الاتجاه أدخل الإمام بموجبه إلى معادلة الانتهازية الاجتماعية العادية للأفراد، وتلك نعتبرها فاتحة لنقض الإجماع المتأتي من محيط الظاهرة الدينية المقدسة، ثم أصبح الإمام تدريجيا وفق متوالية الخطاب الإعلامي محل النقاش محط شبهة وأخيرا نراه مرتكبا لأبشع الجرائم الأخلاقية وفي مكان له الحرمة القصوى ضمن المنظومة الدينية الإسلامية.

أليست هذه أيضا صورة أخرى لحالة انهيار وتردي مريع على مستوى القيم يشهدها المجتمع الجزائري، حسبما يحمله لنا الخطاب الإعلامي لبعض الصحف الخاصة الجزائرية، هذه الأخيرة التي تنبؤنا كذلك أن هذا التردي شمل بعضا من أرباب المهن الحساسة والمؤثرة في مجرى الأحداث الاجتماعية، فالمحامي الذي يعتبر رجل القانون والمدافع عن الحقوق بات منتهكا للحرمات والآداب العامة وهو فوق ذلك من رجال الصفوة والمثقفين.

أما على صعيد الصور وفق التصنيف الذي أوردناه آنفا فإنها تبعث فعلا على القلق طالما أنها أضحت إطارا لشبكات الدعارة التي عادة ما يتم ضبطها، مع حضور ملفت لمندوبي بعض الصحف الخاصة التي لا تضن على المتلقي ببعض الصور لبعض النساء والفتيات في وضعيات غير محترمة، والمقلق فعلا أن يتم أحيانا الربط بين هذه الأفعال المخلة بالحياء سيما لدى العنصر النسوي وبين الإقامات الجامعية للبنات، وهكذا تدخل مؤسسة من مؤسسات التعليم العالي إلى مضمار الفساد. وهكذا أيضا يصبح الفساد هو الحقيقة الاجتماعية المهيمنة إزاء صورة المجتمع الجزائري في الخطاب الإعلامي لبعض الصحف الجزائرية الخاصة، لكن المنطق الجدلي الذي يكتنف هذه الصورة في خطاب الصحف المعنية والذي نوهنا له حين البدء في هذه الجزئية ،لا ينبع من مدى واقعية تلكم الصورة أي مطابقتها للواقع بقدر ما أننا قصدنا به أساسا إثارة مسألة مدى التزام الصحافة الجزائرية الخاصة بضوابط معالجة أحداث الجريمة والانحرافات الاجتماعية المختلفة، ولن يتعدى الأمر حدود " إثارة المسألة "فذلك كفيل بتحقيق هدفنا من المجهود الاستقرائي الذي لا نود أن يتشتت بالدخول في مسار بحثي آخر.

إن الطابع الجدلي الذي يأخذه تعاطي بعض الصحف الخاصة الجزائرية مع أحداث وقضايا المجتمع الجزائري في حال صحته ومرضه، ينبع من مسألة نظرية ذات أهمية بالغة بخصوص المهنة الصحفية والتنظير لهذه المهنة وهي : المسؤولية الاجتماعية، إذ تبعا لهذه المسؤولية لابد وأن تساعد الصحافة على حماية المجتمع عبر التفريق الواعي بين ما يهم القارئ وما يثير اهتماماته، والتركيز على ما يفيده لا ما يثير حفيظته ويجعله في حيرة من أمره ويوقعه في شباك الوسواس القهري، وتفصيل هذا البعد التنظيري لا شك باتت تتضمنه جل القوانين ومواثيق الشرف المعنية بضبط وتنظيم مهنة الإعلام بما في ذلك في  الجزائر، لكن الملفت هو الاختلاف الفكري الحاصل حول ضوابط المعالجة الصحفية لشتى أنواع الانحراف الاجتماعي التي  تحدث ضمن أي تجمع بشري، وتفصيل هذا الاختلاف أن هناك من ذهب إلى اعتبار نشر أخبار الجرائم والانحرافات إجراء غير سليم من منطلق أن ذلك قد يكون مصدرا للإيحاء بفكرة الجريمة، في حين ذهب آخرون إلى اعتبار أن لهذا النشر أثرا إيجابيا يتمثل في كونه وسيلة للتنفيس عن الرغبات الإجرامية المكبوتة وإشباعها بما يقي الفرد والمجتمع، وهناك اتجاه آخر سلك مسلك التوفيق بين الوجهتين حين اعتبر أنه لا معنى لأن تمتنع الصحيفة نهائيا عن النشر طالما أن ذلك من صميم مهنيتها، فتنشر ولكن وفق المنحى الذي يخدم المجتمع الذي لا شك أنها جزء أصيل منه.

خامسا: رهان الحقيقة بين موقف اجتماعي مأزوم وموقف تحريري متأزم.

في مضمار الصحافة يفترض أن تكون الحقيقة هي رأس مال الصحفي وهاجسه الأول والأخير، الذي يفرض عليه في أحايين كثيرة خوض أشكال متعددة من النضال، على المستويين الميداني -المهني والسياسي-الحقوقي، حتى يربأ بنفسه أن يتحول إلى أداة للتضليل، ذلك أن هذا الأخير يشكل البديل الوحيد في حال انتقص من الحقيقة ولو الشيء اليسير أو أسيئت تغطيتها، فأنصاف الحقائق أحيانا أشد فتكا من الأكاذيب المحضة نفسها. وقد تعددت مصادر الحقيقة باختلاف النظم الإعلامية التي تعمل تبعا لمذاهب فكرية بعينها، فمصدر الحقيقة في المذهب الليبرالي هو العقل وفي المذهب السلطوي هو الحاكم، إلا أن مناط الحقيقة يبقى في النهاية مرتبطا بمطابقتها للواقع، ونرى بهذا الشأن أن هذه المطابقة بدورها لا ينبغي أن تقيم تقييما فيزيو-كيميائيا، فهي في الحقيقة مرتبطة بالكينونة الإنسانية التي تحتمل التعقيد في تركيبتها ولا تتآلف مع النظرة التبسيطية الاختزالية، التي تدفع في اتجاه التحمس إلى نقل كل ما هو جليل أو تافه طالما أنه حدث وانتهى الأمر، إذ أن هذا النقل شبه الروتيني سيفضي إل تحول الأخبار إلى مجرد ثرثرة ونميمة، وهو تحديدا ما يتآلف مع سيكولوجية الجماهير التي لا تستجيب لتحدي التدفق الكثيف للمعلومات وفق مقتضيات عقلية تحليلية واعية.

إن الأهم حين مطابقة الواقع حسب رؤية تقديرية قد لا تخل من الخلل والنقص هو طرح التساؤلات الهامة بدل اللهث وراء اللحظة ومن ثم الخضوع لإملاءاتها، مما يجعل التغطية الصحفية بعيدة عن إعمال البصيرة وتدقيق النظر الذي سيفضي ولا ريب إلى استدرار المعلومات وتحريك آلة التحليل والتفسير، وهي جوانب في نظرنا يجب أن تحظى بقدر وافر من الحماسة تفوق تلك التي تبديها جل وسائل الإعلام ومن ضمنها صحافتنا الخاصة لعامل السرعة والمتابعة الآنية المتعجلة، التي تكرس عبرها عديد الصحف الجزائرية الخاصة وعلى نحو مبالغ فيه عادة عنصر الإثارة، وذلك حتما لأجل لفت انتباه المتلقي دونما مراعاة جادة لما يهم هذا المتلقي، كما ويتذرع الصحفيون دائما مثلما يوضح بورديو بمقولة " هذا ما يريده الجمهور " لتمرير السياسة الديماغوجية المسرفة في التبسيط، ولكن الحقيقة هي أنهم يسقطون على الجمهور ميولهم وآراءهم الخاصة، ولأنهم يخشون أن يصبحوا مملين في نظر الجمهور فهم يفضلون المواجهات الصورية على الجدل المنطقي ويفضلون المناقشات العدوانية الفارغة على تبادل الآراء الحقيقية المتعمقة، وهم يحاولون جهد طاقتهم تشجيع الصراعات "12. وتتدعم فكرة بورديو هذه بما قاله كارل بيرنشتاين carl bernesteinوهو صحفي تحقيقات ارتبط اسمه بالتحقيق الذي تلته الفضيحة السياسية water gateحيث قال: " إننا لا نفيد القراء والمشاهدين بل نتملقهم ونقدم لهم ما يضرهم ولا ينفعهم، إننا بذلك نهبط إلى مستوى القراء، ونهبط بمستوى الصحافة فنقدم لهم ما نعتقد أنهم يريدونه، وما نتوقع أن يزيد من معدل توزيع الصحافة ويزيد عدد القراء " 13.

إن طرحا كالذي يتبناه بورديو أو رأيا مثل الذي عبر عنه برنشتاين من شأنه أن يستدرجنا إلى مناقشة عديد القضايا المرتبطة رأسا بما ألزمنا أنفسنا على تسميته بالاستهواء الإعلامي، على غرار الثقافة الجماهيرية وحلقتها المفرغة وفكرة الوظيفة الكامنة لميرتون وكذا فهم الظاهرة الإعلامية الحديثة في إطار أطروحة الهيمنة. وجميعها يصلح ولو جزئيا كي يكون مستندا نظريا لتوصيف وتفسير العلاقة التي تربط القرار الإعلامي لبعض الصحف الجزائرية الخاصة بالمجتمع الجزائري، لكنها تعجز بالمطلق عن تفسير تلكم العلاقة بمعنى تقديم المبررات الكافية والمقنعة لتشكل العلاقة ومن ثم التموضع الإيديولوجي للقائم بالاتصال.

إننا معنيون بمباحثة هذه العلاقة في حدود ما من شأنه أن يفضي إلى الاقتراب من الحقيقة الاجتماعية الحقة للمجتمع الجزائري، والتي ستكشف حتما عن طبيعة الفضاء الأيديولوجي للقائم بالاتصال الذي كثيرا ما نراه يسارع بحماس إلى تبني خيار المعالجة الإعلامية المتمركزة حول الإثارة، التي يصاحبها بين الفينة والأخرى شيئ من الدعاية، وهذه الوضعية الإعلامية تسهم على نحو غير مباشر وأحيانا مباشرة في:

- تفكيك القيم الاجتماعية والدينية.

- زرع ثقافة العنف والانحطاط الأخلاقي.

وهو الأمر الذي كان مدعاة لنقص الأمان الاجتماعي، بمعنى أن تأزم القرار الإعلامي فاقم من أزمة المجتمع الجزائري عبر إثارة دون مخرجات تفيد المجتمع، إذ تشمل هذه الإثارة:

- إثارة في الطرح.

- إثارة من أجل الإثارة.

- إثارة من أجل المال.

- تهيئة الرأي العام من أجل قضايا معينة.

إن هذا يدعونا حقا وبإلحاح إلى التساؤل حول هوية القائم بالاتصال أو المسؤول النهائي عن شكل ومضمون الرسالة الإعلامية، وحدود ما يتحلى به من مسؤولية اجتماعية؟ وما هي أهدافه بالتحديد وكذا طبيعة ارتباطاته؟

إن فهم حقيقة ارتباطات القائم (الحقيقي) بالاتصال مفيد، سيما حين نهم بالقيام بجهد تحليلي معمق للظروف النفسية-الاجتماعية للمجتمع الجزائري، كيما نكتشف على الحقيقة مواطن الخلل التي ستنبؤ ولا ريب عن مسؤولية مبيتة لتعطيل أي مجهود تنموي للخيرات الفكرية والترابية للمجتمع الجزائري. إننا نرى أن واجب الصحافة الجزائرية الخاصة كممثل للنظام الاتصالي المستقل هو توضيح حقيقة ذاك التعطيل، وفضح المتسببين في تكريسه وتثبيته على مر الأوقات، وهو بالذات رهان الحقيقة الذي قصرت تلكم الصحافة في تقديمه للجمهور، وسبب هذا التقصير واضح في تقديرنا، ذلك أنها كنظام فرعي نالت حصتها من الأزمة التي ألمت بالمجتمع الجزائري وامتدت إلى كياناته القاعدية، فاكتفت بأن عكست صورة هي في الحقيقة مخادعة لواقع المجتمع ولا تعبر بصدق عن حقيقة الأزمة التي يعيشها هذا المجتمع.

خاتمة

إن الطابع الجدلي – الذي وقفنا عليه – للقرار الإعلامي لقطاع من الصحافة الجزائرية الخاصة حيال عديد القضايا والأحداث التي يزدحم بها الفضاء العمومي الجزائري، يعكس في تقديرنا أزمة تعيشها هذه الصحافة، وهذه الأزمة ليست سوى استمرارا وامتدادا لأزمة مجتمع وفق هيئة أخرى، ونعتقد تبعا لذلك أن المسؤول عن تكريس صورة هي أقرب إلى السلبية منها إلى الإيجابية عن المجتمع الجزائري في الصحافة الوطنية هي أطراف أخرى، لها ميزة القدرة على التمركز خارج النظامين الاجتماعي والاتصالي.

...المقال محاولة لاستقراء الصورة التي ينتجها القرار الإعلامي لقطاع من الصحافة الجزائرية الخاصة عن الواقع الاجتماعي الجزائري، و          السند النظري للعنوان هو مقدرة الإعلام على صياغة الواقع وبناء الحقيقة الاجتماعية.

...ابتكرنا هذا المصطلح بناء على التقسيم الذي أورده حمادة إبراهيم بسيوني للنظم الفرعية للنظام الاتصالي وهي:

            - النظام الاتصالي الرسمي.

           - النظام الاتصالي المعارض.

وذلك في دراسته المعنونة ب: دور وسائل الاتصال في صنع القرارات في الوطن العربي.

1نور الدين تواتي ،2008، الصحافة المكتوبة والسمعية البصرية في الجزائر، ط1، دار الخلدونية للنشر والتوزيع، الجزائر، ص 31

2إسماعيل معراف قالية ،1999، الإعلام حقائق وأبعاد، د م ج، الجزائر، ص 58.

3أنظر في هذا الشأن: عزيزة عبده ،2004، الإعلام السياسي والرأي العام، ط1، دار الفجر للنشر والتوزيع، القاهرة. سيما الصفحات 113، 114، 115.

4عبد الفتاح إبراهيم ،1989، سوسيولوجيا الخبر الصحفي، العربي للنشر والتوزيع، القاهرة، ص 86.

5عزي عبد الرحمن ،2003، دراسات في نظرية الاتصال، ط1، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ص 120.

6نفس المرجع، ص 134.

7نفس المرجع، ص 135.

8إيان كريب، 1999، النظرية الاجتماعية، ترجمة: محمد حسين غلوم ومحمد عصفور، عالم المعرفة، الكويت، ص 119.

9ليلى حسين السيد وحسن عماد مكاوي ،1998، الاتصال ونظرياته المعاصرة، ط1، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، ص 154.

10أحمد سمير معلوف، الصورةالذهنية دراسة في تصور المعنى، مجلة جامعة دمشق، مجلد 26، عدد 1و2، 2010، ص117.

11أنظر: أيمن منصور ندا، الصورة الذهنية والإعلامية، المدينة برس، القاهرة، الصفحات من 43إلى 53.

12ستيوارت آلان ،2008، ثقافة الأخبار، ترجمة: هدى فؤاد، ط1، مجموعة النيل العربية، القاهرة، ص 345.

13.نفس المرجع ص343 

Pour citer ce document

لحسن رزاق, «الصحافة الجزائرية الخاصة وبناء المعنى الاجتماعي. - مقاربة استقرائية –»

[En ligne] مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales العدد 21 ديسمبر 2015N°21 Décembre 2015
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2016-10-08,
mis a jour le : 11/12/2016,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=1644.