فلسفة المرض وإطيقا العلاج في الجزائر: رصد نماذج تاريخية ونموذج الجزائر
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 21 ديسمبر 2015 N°21 Décembre 2015

فلسفة المرض وإطيقا العلاج في الجزائر: رصد نماذج تاريخية ونموذج الجزائر

العمري حربوش
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

لا شك أن التطورات السريعة التي شهدتها العلوم وبالأخصالطب والبيولوجيا Médecine et Biologie، مكنت الإنسان معرفيا من خلال الكشف عن أسرار الحياة، كما مكنته عمليا من التحكم في كثير من الأمراض وبالتالي علاجها، وذلك بتوظيف الكثير من التقنيات. إلاّ أن هذه الأخيرة (التقنيات)تثير مشكلات أخلاقية ودينية واجتماعية وقانونية وحتى سياسية، لما تفرزه من نتائج لم يستطيع البعض الحكم عليها لتعقيدها. ولماّ كانت نتائج البحوث الطبية والبيولوجية تعود على كل إنسان، كان لا بد من الاعتقاد بأن الجزائر معنية هي كذلك ومُشارِكَة أحيانا في صنعها.من هنا، ضرورة التفكير في هذه التطبيقات العلاجية، والحكم عليها انطلاقا من منظومة القيم التي لدينا الأخلاقية والاجتماعية، سواء في إطار ما يسمى بأخلاقيات الطب Déontologie Médicaleأو في إطار ما يسمى بالأخلاق الحياتية أو بالبيوإطيقا   La bioéthiqueالتي نعتبرها غائبة في بلدنا.

الكلمات المفاتيح: الطب، البيولوجيا، المرض، التقنيات الطبية، الديأنطولوجيا (أخلاقيات الطب)، البيوإطيقا

Le développement rapide de la science, en particulier la médecine et  la biologie ont permis   le contrôle et le traitement de certaines maladies par l’emploi de  beaucoup de techniques. Toutefois, celle-ce (la technique) soulève des problèmes moraux, religieux, sociaux, juridiques et mêmes politiques. Et puisque les résultats de la recherche médicale ou biologique sont destinés à tout être humain, et que les résultats produits  ne  peuvent  être jugés pour leur complexité, nous sommes convaincu que l'Algérie devait être concernée par ce qu’elle participe  parfois à leur fabrication, d’où vient, la nécessité de penser de ces techniques doit être jugée, à partir de notre système de valeurs morale et sociale, à la fois dans le cadre de la déontologie médicale ou dans celui de La bioéthique considérée absente dans notre pays.

Mots clés:    Médecine, Biologie, Maladie, Techniques médicales, Déontologie médicale, Bioéthique

Undoubtedly, the rapid progress and development of sciences and, especially Medicine and biology, enabled Man not only to uncover life’s secrets, but also to overcome and treat many diseases as well by means of various techniques. However, these techniques gave rise to many religious, moral, social, legal and political polemic issues. Since the results of medical and biological research affect every human being, Algeria also is concerned. Therefore, it has to think about these new applications and their implications within our system of medical ethics, commonly referred to as Bioethics, unfortunately missing in our country.

Keywords:Medecine, Biology, Diseases, Medical techniques, Medicale Deontology, Bioethic

Quelques mots à propos de :  العمري حربوش

أستاذ محاضر ب، عضو في فريق بحث Cnepruأبستمولوجيا العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية، كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية جامعة محمد لمين دباغين سطيف2

مقدمة

أضحى التفكير حول قضايا العلم ونتائجه يفرض نفسه في راهن الفكر العلمي والفكر الفلسفي على حد سواء. وهذا يؤكد في كل مرة، مشروعية هذا التفكير حول الواقع وما يفرزه من مظاهر وصور متنوعة تتعلق بالفرد والمجتمع والعالم. فقد أصبح الإنسان يمثل الإشكال الأكبر، خصوصا ما يتعلق بحياته وطريقة عيشه، لذلك كانت العلوم البيولوجية والطبية في صميم اهتمامات الباحثين. ذلك أن استقراء تاريخ الطب يُظهر حقيقة لا يمكن نكرانها وهي ظاهرة تلفت الانتباه، ويتعلق الأمر بتحول الكثير من الأطباء والبيولوجيين إلى فلاسفة خاصة خلال القرن الثامن عشر. سواء من خلال المذهب الحيوي الذي طوره علماء مدرسة مونبلييه Montpellierالفرنسية، أمثال الطبيب الفرنسي بارتيز Paul Joseph Barthez(1734-1806م) وبوردو Théophile de Bordeu(1722-1776م)، أو فلاسفة مذهب الحياتية، أو الإحيائيون، أمثال ادوارد تايلور Edward B.Tylor(1832-1917م). وآخرون معاصرون أمثال الطبيب والفيلسوف الفرنسي جورج كانغيلهم Georges Canguilhem(1904-1995م)، وكذا تلميذه الطبيب والفيلسوف والإبستولوجي فرانسواداغوني François dagognet1924م، وغيرهم كثيرون.

والسؤال المطروح هنا ما هو الدافع إلى هذا التحول، أليس لأنهم لم يجدوا إجابات عن بعض الأسئلة؟ مثل: ما الحياة؟ أم كيف يمكن التجريب على الإنسان مع الحفاظ على كرامته وحريته؟ أسئلة لم يجد لها الطبيب ولا البيولوجي إجابة في العلم فلجأ إلى الفلسفة.

لا شك إن التطورات السريعة التي شهدتها العلوم وبالأخص البيولوجيا والطب Biologie et Médecine، مكنت الإنسان من الكشف عن البنية ووظائف العضوية، كما مكنته عمليا من خلال التحكم وعلاج الكثير مما يتعرض له الإنسان من أمراض، وذلك بتوظيف الكثير من التقنيات التي عملت العلوم الأخرى على تطويرها كالفيزياء والكيمياء. إلا أن كثيرا من التقنيات العلمية المختلفة، التي توظفها البيولوجيا والطب، يثير مشكلات وتساؤلات أخلاقية ودينية واجتماعية وقانونية وحتى سياسية، لما تفرزه من نتائج لم يستطيع البعض الحكم عليها لتعقيدها.

ولماّ كانت البحوث الطبية والبيولوجية تسعى إلى حفظ الحياة، وإطالتها، واستقرارها، كانت نتائجها الناجعة تعود على الإنسان، وكل إنسان، أي نتائج عابرة للحدود، وكان لا بد آنذاك من الاعتقاد أن كل الناس معنيين بهذه النتائج وما تشهده هذه العلوم من تطور. وتصبح بذلك الجزائر معنية هي كذلك ومُشارِكَة أحيانا في صنع هذه النتائج. سواء على المستوى المعرفي أو المستوى التطبيقي. من هنا، يحِق لنا التفكير في كيفية التعامل مع هذه الممارسات وهذه التطبيقات أو التقنيات العلاجية، بالاستناد إلى مجموعة من المعايير في الحكم عليها انطلاقا من منظومة القيم لدينا الأخلاقية والاجتماعية، سواء في إطار ما يسمى بأخلاقيات الطب Déontologie Médicaleأو في إطار ما يسمى في الغرب بالأخلاق الحياتية أو بالبيوإطيقا La bioéthique. على هذا الأساس يعرض البحث مقاربة ابستيمولوجية حول المرض، ويتعرض للبعد الإطيقي للممارسة الطبية في الجزائر، ويحاول الإجابة عن مجموعة من الأسئلة منها:

-  ما هي مبررات التفكير حول المرض والمسائل العلمية خاصة منها البيولوجية والطبية؟

- هل هناك اعتبار ومراعاة للبعد الأخلاقي في الممارسة البيوطبية Biomédicaleفي الجزائر؟

- هل يمكن الحديث عن بيوإطيقا جزائرية؟

1-المرض والطب

لا بد من الإشارة إلى أن الطب La médecineهو أقدم نشاط إنساني، لأنه يرتبط بأقدم ظاهرة يتعرض لها الإنسان وهي المرض La maladie، وهذا الأخير يستدعي العلاج، الذي لم يكن في نظر القدامى إلا مظهرا من مظاهر العقيدة الدينية، وفي الوقت نفسه كان ممزوجا بالسحر والشعوذة. ولذا كان الطب ميزةُ من كانت له القدرة الخارقة على الدخول في علاقة مع القوى الماورائية. وقد بقيت هذه المظاهر إلى اليوم في بعض التجمعات البشرية البدائية، وفي بعض الأماكن المتخلفة أو المنعزلة. لكن، بوادر التفكير العلمي والطبي المنظم كان مع الحضارات القديمة أهمها اليونانية، والإسلامية أين كان الطب فيها من أهم الصناعات.

    لذلك يمكن أن نستنتج دون الدخول في التفاصيل (لأنه غير ممكن الإلمام بها في هذه الدراسة) أن منذ فجر الإنسانية لم تكن الممارسات الطبية تخلو من آداب التعامل مع المريض، وهذا يجعل من الطب يتصف بأخلاقيات تُلزم من كانت له القدرة على شفاء الناس، وقد ظلت هذه الأخلاقيات ملازمة للممارسة الطبية إلى اليوم. ولكن تطور الطب وأساليب العلاج، وتغير علاقة الطبيب بالمريض، يكون قد غيّر من مضامين هذه الآداب، بحيث لم تبقى خاضعة لتلك العفوية، بل أصبحت تتجلى في شكل قواعد وقوانين على الطبيب احترامها طوعا أو كرها. ومن جهة أخرى تطور المجتمع وظهور طرق جديدة للتعامل مع المرض باستعمال التقنية، ولد ردود فعل مُنَظمة تحت مفاهيم جديدة مثل مفهوم البيوإطيقا Bioéthique

وحتى نميز بين ما يشير إليه هذا المصطلح الأخير وما تنص عليه آداب التعامل مع المريض، أو ما يسمى بأخلاقيات الطب Déontologie1يتعين علينا الحديث عن المفهومين من الوجهة التاريخية.

2-المرض والأخلاق الطبية في الحضارات القديمة (اليونانية والإسلامية)

كون موضوع الطب هو المرض أو الصحة عموما، والمرض خطر على الحياة والإنسان. أدى هذا إلى إعطائه العناية التامة في مجال التفكير الفلسفي، خاصة منه الأخلاقي. سواء من خلال التعامل مع المرض أو التعامل مع المريض كإنسان، ذلك أن الإنسان والحياة والموت، من الموضوعات التي اشتغل بها الفلاسفة منذ نشأة التفكير الفلسفي إلى اليوم. وهذا يبرز دون شك ذلك الارتباط الوثيق بين الطب والفلسفة وارتباطهما بالأخلاق. خاصة إذا علمنا أن الأخلاق هي القسم الأساسي في الفلسفة، وهي مرادفة لها ببعض المعاني.

    على الرغم من اهتمامات الطب الكثيرة كالحياة، والموت، والصحة والمرض وغيرها، إلا أنه لا يُطلب منه إطالة الحياة وتجنب الموت. كما لا يُطلب منه حفظ الصحة لأن هناك طرقا كثيرة لحفظها، من تغذية ورياضة والبيئة الملائمة. من هنا يبقى المرض La maladieهو المجال الأهم في النشاط الطبي معرفة كان أم تطبيقا، ولذا يشكل الموضوع المحوري في كل نقاش فلسفي نظري أو إبستمولوجي. وما يبرر ذلك أكثر هو تعريف الطب، فقد جاء في مقدمة "معجم الفكر الطبي" لـدومنيك لوكور Dominique Lecourtتعريف الطب في قوله:<<الطب هو علم الأمراض>>Science des Maladies. المشكلة هي أن المرض في حد ذاته أمر ليس من السهل بيانه وضبط تعريفه لأنه يقترن بكلمة Malوتعني ألم، ضرر، شر، أذى، سوء، ألم...إلخ. والخصوصية أو الفردية التي يتصف بها المرض، قد لا تجعل من الطب ذلك العلم الدقيق ذا القوانين القابلة للتعميم.  ثم إن الأمراض لا تعتبر مجرد حوادث فيزيائية (طبيعية)، ولكنها بالنسبة للإنسان مأساة تاريخه، والتي بواسطتها أدرك أنه فان أو قابل للموت. لقد كانت هذه الحقيقة بالنسبة إليه، دافعا لمواجهة تحديات الوجود الذي يعترضه أو يفرض عليه محيطه، دون خسائر كثيرة.2 لا شك أن الأبعاد الفلسفية والأنطولوجية، والاجتماعية وحتى السياسية، للمرض هي التي تجعل من الطب قابلا للتناول الفلسفي الإبستمولوجي.  

    لقد تحدث الكثير من الفلاسفة، والفلاسفة الأطباء عن المرض بشكل دقيق وبيّنوا صعوبة ضبط مفهومه. ففي أول الأمر يعتبر الإنسان أكثر عرضة للمرض لأنه أكثر هشاشة من الحيوان والنبات على العموم. ثم يطرح تساؤل: ما معنى أن أكون مريضا؟ إن أغلب المنظّرين ينظرون إلى المرض نظرة سلبية. ومن هؤلاء العلماء، نجد ف. بروسيه Broussais François(1772-1838م) الطبيب الفرنسي. الذي لا يرى في المرض إلا مبالغة في وظيفة فيسولوجية وأحيانا، يمثل نقص في هذه الوظيفة. وبالتالي، كان الطبيب بروسيه يحاول تقريب المفهومين اللذين كانا متميزين وهما يشكلان أهم الفروع سواء بالنسبة للبيولوجيا أو الطب وهما: الفسيولوجيا La Physiologie(علم وظائف الأعضاء) وهو أهم فرع من فروع البيولوجيا. والباثولوجيا La Pathologie(علم من العلوم الطبية التي تهتم بدراسة أسباب وأعراض المرض) وأهم فرع من فروع الطب. أما إذا تناولنا علم الأجنة الممسوخة والمخلوقات الغريبة La Tératologie  فإن هذا العلم لا يطلعنا إلا على المراحل التي يمر بها الجنين لأن الوحشية (المخلوق الغريب) تكمن في توقف نمو الجنين، ولكن الوحش لا يُظهر شيئا إلا ماضي الجنين.3

ومن الذين تحدثوا عن المرض والصحة جورج كانغيلهم في كتابه "الصحي والمرضي" Le Normal et le Pathologiqueبحيث يعتبر أن الكائن الحي (الإنسان خاصة) هو الكائن الوحيد الذي يحتاج إلى معيار Norme، ذلك لأنه الوحيد الذي يمكن أن يكون في حالة الصحة4أو حالة المرض أو حالة بينهما. ولا نجد ذلك في الظواهر الطبيعية الفيزيائية أو الكيميائية أو حتى في ظواهر المادة الحية التي تؤوَل تأويلا علميا حسابيا أو كميا، مثلما هو معمول به في الفسيولوجيا.

    يعتقد كانغيلهم أن حالة المرض أو حالة اللاسوي، ليست حالة خالية من كل ما هو سوّي أو عادي، بل أن المرض هو مقياس أو معيار للحياة، ولكنها حالة أقل مستوى، لأنها من جهة، لا تطيق أي وضعية أخرى خارج الشروط التي تحدد قيمتها، ومن جهة أخرى، غير قادرة على التحّول إلى حالة أو معيار آخر. ومنه فإن الكائن الحي (الإنسان) المريض منسجم في إطار الشروط المحددة لوجوده، وقد ضيع القدرة المعيارية السوية، وبالتالي ضيّع القدرة على إنشاء وضعيات أخرى في شروط أخرى.5

من الذين تحدثوا عن المرض الطبيب الأمريكي هولينغس جاكسون Hughlings J.Jackson(1835-1911م) الذي يرى فيه عودة إلى الأفعال البسيطة والحركات البدائية الأوتوماتيكية (الآلية). فالمصاب بالأفازيا (الحُبسة) Aphasie(فقدان القدرة على التعبير بالكلام أو بالكتابة أو هي عدم القدرة على فهم الكلمات المنطوق بها)، لا يستطيع التلفظ بكلمات لغته لكن يهذي ويستعمل كلاما غير مفهوم في موضع الكلام الصحيح. حتى علماء النفس شاركوا بنظرتهم في هذا الموضوع واعتبروا المرض خللاً في التوازن. مهما كانت الآراء حول هذا الموضوع فالمرض في نظر البعض لا يعلمنا شيئا إلا خللا في وظيفة من الوظائف، سواء ضعفا أو مبالغة فيها، بعد تحرير ما كان مراقباً وممنوعاً.

من جهة أخرى مر الطب وهو علم الأمراض، بمراحل كثيرة قبل أن يصل إلى ما هو عليه اليوم، اختلفت فيها نظرة الفلسفات والفلاسفة له. ففي الحضارة البابلية (ألفي سنة قبل الميلاد أو أكثر بقليل) نشأت مهنة منتظمة للأطباء ذات أجور وعقوبات يحددها القانون، فكان المريض الذي يستدعي طبيبا لزيارته يعرف مقدما كم من المال يجب عليه أن يؤديه نظير هذا العلاج أو ذاك، ونظير هذه الجراحة أو تلك، وإذا كان هذا المريض من الفئات الفقيرة نقص الأجر لكي يتناسب مع فقره، وإذا أخطأ الطبيب أو أساء كان عليه أن يِؤدي للمريض تعويضا.6أعظم وثيقة تتعلق بالطب البابلي هي قانون حمورابي.7إلا أن هذا القانون لا يتحدث عن الأطباء الباطنيين، بل عن الجراحين فقط، لأن الطبيب الباطني كان شخصا مقدسا، أما الجراح فكان صاحب حرفة. ومن بعض المواد من هذا القانون: المادة (215) -إذا أجرى جراح عملية كبيرة لنبيل من النبلاء بمبضع من البرونز. وأنقذ حياة النبيل، أو إذا فتح محجر عين نبيل من النبلاء بمبضع من البرونز، وأنقذ عين النبيل، يأخذ عشرة (شيقلات) من الفضة أجرة له. وتذكر المادة (218) أنه إذا أجرى جراح عملية كبيرة على رجل شريف بمبضع من البرونز. وتسبب عن ذلك موت النبيل، أو إذا فتح محجر عين نبيل من النبلاء، وتسبب عن ذلك في تلف العين فتقطع يد الجراح. ويمتلئ الطب البابلي بالتعاويذ، لكونه ثيوقراطيا 8Théocratiqueفالآلهة هي خالقة الخير والشر، وما الأمراض إلا دلالة على سخطها الذي تقصر عنه الأفهام. والطبيب بهذا المعنى "كاهن"، مع أنه يبدو منفصلا عنه في عمله. والأرجح، أنهما كانا يعملان معا، الطبيب الكاهن، والكاهن الطبيب.9

أما في حضارة فارس فقد كان القانون ينص على أن يعالج الكهنة من غير أجر وكان يطلب إلى الطبيب الناشئ عند الفرس أن يبدأ حياته الطبية بعلاج الكفرة والأجانب. إذ يقضي الطبيب المقيم سنة أو سنتين في المران على أجسام المهاجرين والفقراء لذلك قضى ربّ النور نفسه إذ قال:" يا خالق الكون يا قدوس، إذا أراد عبد من عباد الله أن يمارس فن العلاج فأي الناس يجب أن يجرب فيهم حذقه؟ أيجربه في عباد أهورا-مزدا، الإله الحكيم، إله الفرس أم في عَبَدَةُ الشياطين؟ فأجاب أهورا-مزدا بقوله: <<يجب أن يجرب نفسه في عبدة الشياطين لا في عباد الله. >>10نفهم من هذا النص أنه إذا وفق الطبيب في علاج عبدة الشيطان وأحسن معهم العمل بالرغم من كونهم كذلك أي عبدة الشيطان، فلا شك أنه يوفق وبشكل تام في علاج عباد الإله أهورا مازدا.

ا) الممارسة الطبية الأخلاقية عند اليونانيين

من أهم الحضارات التي انتظم فيها التفكير بشكل واضح، الحضارة اليونانية. ذلك أن اهتمام الفلاسفة اليونانيين بالبحث في الطبيعة، وفي المبادئ التي يمكن من خلالها فهم وتفسير الظواهر الطبيعية. جعل منهم فلاسفة وعلماء في الوقت نفسه، ولعل هذا ما يبرر قول البعض منهم، وهم يجيبون عن السؤال الأنطولوجي "ما هو أصل الوجود" بأن الأصل هو الماء، لأن كل شيء يرتد في الأخير إلى الماء، وقول بعضهم بأن أصله

هو التراب لأن كل شيء يتحول في النهاية إلى تراب، وقول لآخرين بالهواء أو النار كأصل للكون وهي كلها محاولات رد شتات الظواهر الطبيعية

إلى المبدأ الواحد. وفي النهاية يبدو أن الأمر استقر على اعتبار العناصر الأربعة (الماء، التراب، الهواء، والنار)، كلها مكونات لجميع الأجسام على الأرض بما في ذلك جسم الإنسان11.

هذه الفكرة تبنتها فيما بعد المدرسة الطبية التي تنسب إلى أبقراط12 Hippocrateوهيمن أبرز المدارس الطبية التي نضج فيها الطب في العهد اليوناني، وتسمى مدرسة كوس Cos.13 يقوم مذهب أبقراط على نظرية الفيزيس Physis، من أهم المفاهيم في الفلسفة اليونانية، وقد ترجمه الرومان إلى Natura، ترجع أصوله إلى معنيين: الميلاد Naitre   والنمو Croîtreوهي عند أنبذقليس تعني الميلاد Naissanceوالتوليد أو الإنشاء Génération. ينتج من هذا المفهوم اتجاهان إحداهما فلسفي خالص، والآخر أخلاقي. ومن كلمة فيزيس ركبت كلمة" فيزيولوجيا" والتي تعني علم الطبيعة، والمقصود طبيعة الإنسان.14لقد اعتمد أبقراطفي نظريته في الأخلاط والأمزجة، على نظرية يونانية طبيعية، هي نظرية العناصر الأربعة التي ترجع إلى الفيلسوف إمبذقليس Empédocle، الذي أشرت إليه من قبل. وكان هو كذلك طبيبا ومؤسسا لمدرسة صقلية الطبية. كما نجد عند متأخري الفيثاغوريين النظرية الأمباذوقلية في العناصر الأربعة مرتبطة بالأضرار وهي: الحار والبارد، والرطب واليابس15.

ترتكز النظرية الأبقراطية على فكرة الأركان أو العناصر أو الاسطقسات الأربعة وهي: النار، والهواء، والماء والأرض أو التراب، ولكل منها صفة خاصة بها. فقد كان التشخيص والعلاج في الطب القديم مبنياً على هذه الأخلاط الأربعة " البلغم، المرة الصفراء، المرة السوداء، الدم ". وعلى الأمزجة " الحرارة، الرطوبة، البرودة، اليبوسة". وجعلوا الغالب على كلِّ خلط منها طبيعة، فجعلوا طبيعةَ الدَّم طبيعة الهواء التي هي الحرارة والرطوبة، وطبيعة المرَّة الصفراء طبيعة النار التي هي الحرارة واليبوسة، وطبيعة المرَّة السوداء طبيعة الأرض التي هي البرودة واليبوسة، وطبيعة البلغم طبيعة الماء التي هي البرودة والرطوبة16.

 لقد كان أبقراط شديد الرصانة كثير التحفظ بالغ التواضع، وكانت وسائل العلاج لديه قليلة النفع وقد كان على علم بذلك. واستعمل منها الكثير في علاج مرضاه: من المسهلات، المقيئات، المنعشات، المحيضات، والحقن الشرجية والجلدية، والقصد، المسكنات، والحمامات، والفرك والتدليك، ووضع حساء الشعير وأنواع كثيرة من النقيع Tisane. إن استعمال عبارات مثل: (قوة الطبيعة الشفائية) -دليل على اهتمام أبقراط بالطب الوقائي أكثر من وصف العقاقير، وهو أسلوب التعامل مع المرض في طب اليوم-فكرة قوة الطبيعة الشفائية تعبر من جهة أخرى عن فكرة أساسية في التعليم الأبقراطي، وهي في التعبير الطبيعي الحديث:" أن العافية حالة من التوازن المستقر، والعلة تصدع في ذلك التوازن، وحيث لا يكون التصدع بالغ العمق، لا يلبث التوازن أن يستعيد مكانته من تلقاء نفسه. فينبغي، أن يوفر للمريض من الراحة الجسدية وهدوء النفس ما يتسنى معه للطبيعة تحقيق قوتها الشافية... فواجب الطبيب أن يرعى المريض ويعين الطبيعة في عملها." 17

كما عمل على نفي الاعتقاد السائد من أن الأمراض ترسلها الآلهة، خاصة ما كان يسمى بالمرض المقدس، ويقصد به الصرع. ويرى بأن جميع الأمراض طبيعية، وفي هذا يقول:<<ها أنذا أبدأ ببحث المرض المعروف "بالمقدس". وليس هو، في رأيي، أرقى في الألوهية أو القداسة من سواه من الأمراض، بل له سبب طبيعي. >>18بآراء كهذه يكون أبقراط صاحب الفضل في تحرير الطب من الشعوذات الدينية والآراء الأسطورية. وبهذا يكون للإغريق في فترتهم الأولى، الفضل في تخليص معارف الشرق من جوانبها السحرية، وصِلاتها بالعمل المباشر. فانفصلت المعرفة لأول مرة عن التجربة اليومية، التي يراد بها النفع العاجل. فإذا كان تراث الشرق في نظرهم ضرب من التجربة، فإن علومهم وفلسفتهم هي المعرفة. ومن هنا يتضح الفرق الواضح بين صاحب النظر وصاحب العمل.19

فالطبيب البارع عندهم هو الذي يستطيع أن يُكوِن فكرة عامة عن المرض في عهده الباكر. ويتمكن من أن يستشف الأخطار (الأيام الحرجة) فيعمل على تقوية إرادة المريض كي يصمد لها.20إن المعرفة العلمية للطب عند اليونان، لم تمنعهم من وضع قواعد أخلاقية تعمل على توجيه، ومراقبة الطبيب، سواء في عمله أو في علاقته مع المريض. وهو مضمون كتب واجبات الأطباء. ومنها كتب الواجبات المهنية. ككتاب القسم، كتاب القانون، كتاب اللياقة، كتاب النصائح، والفصل الأول من كتاب الطبيب. وأحسن مثال يمكن أن أقدمه في هذا الشأن، ما يعرف بقسم أبقراط، وهو أقدم النصوص، وأهمها، الخاصة بواجبات الأطباء، وهو بمثابة ميثاق Syngrapheأو يمين كان الطلاب المتدربون يحلفونها قبل أن يقبلوا كأعضاء في النقابة أو جمعية الأطباء الكوسيين، وفيها يتعهد المتدرب أن يعامل أبناء الأستاذ، كما لو كانوا إخوته، وأن يشرك أستاذه في الرزق، ويساعده إذا دعت الحاجة إلى ذلك وأن يعلم أولاده دون مقابل أو قيد، كما يعلم أولاده هو وقليلا من الطلاب الذين أقسموا. وهذا دليل على احتكار هذه المهنة.21

    إلى جانب القَسم، يقدم أبقراط مجموعة كبيرة من النصائح للطبيب، نجدها ضمن مؤلفات الحِكَمْ في قوله:<<ألح عليك أن تكون بالغ الجفاء، بل خذ بعين الاعتبار –جديا-موارد مريضك القليلة أو الكثيرة. أمنح خدمتك بغير مقابل أحيانا، ذاكرا إحسانا سابقا أو رضا تناله في الحال. وإذا عرضت عليك فرصة لخدمة غريب معسر فأبذل معونتك لكل من هذه الحالة. وحيث يكون الحب الإنساني يتجلى أيضا حب الفن نفسه. ذلك لأن بعض المرضى، وإن كانوا على علم بخطورة حالتهم، يستعيدون العافية بمجرد شعورهم بعطف الطبيب. من الخير أن نراعي المرضى لكي يظفروا بالشفاء، وأن نعتني بالأصحاء لتدوم العافية. وينبغي أن يعتني المرء بأمر نفسه، فيلزم ما هو لائق به. >>22

    أما في مرحلة القمة من العهد الإغريقي الجديد، في عهد أرسطو فقد كانت فترة إحياء للعلم وكان الطب آنذاك هو المهنة اليدوية الوحيدة المحترمة، وربما هذا أحد العوامل التي مكنته من السير على منهج علمي سليم في مدرسة الأبوقراطيين. وبعد دراسته للفلسفة الأفلاطونية طيلة ثلاثين عاما، أنشأ أرسطو اللوقيون23 Lyceumوكرس جزءا هاما من حياته للبحوث البيولوجية فوصف خمسمائة نوعا من الحيوان. وعليه، تندرج العلوم الطبيعية منذ عهد أرسطو ضمن الفلسفة، وقد ظلت كذلك إلى بدء انفصال العلوم عنها. إن العلم الطبيعي في نظر أرسطو هو العلم الذي يتعلق بالمادة أو الأجسام الحية، لأن الجسم الحي موجود، متحرك، بالنمو والنقصان. ومن ذلك أعتبر الطب الذي يبحث في صحة الجسم الإنساني ومرضه فرعا من أهم فروع العلم الطبيعي، وهذا الأخير فرعا من فروع الفلسفة.

ب) الممارسة الطبية الأخلاقية عند المسلمين

عوامل كثيرة جعلت من العلم ينشأ في العالم العربي الإسلامي من شروط ثقافية مواتية وسماحة الدين الجديد، الإسلام، وبساطته واعتداله، ومرونة اللغة العربية. ببساطة لقد كان العلم القديم في حاجة إلى حاضنة ثقافية جديدة يفرخ من خلالها في ظل أوضاع جديدة.24لقد كان للطب الإسلامي فلسفته، فلسفة تستند إلى تصور كامل لطبيعة الجسد الإنساني، ليس فقط تشريحيا بل تتعداه إلى توضيح العلاقة الوطيدة بينه وبين عناصر الوجود من حوله.25وهذا لا يدفعنا إلى نكران ما لليونان من تأثير على المسلمين وعلى حضارتهم فالفلسفة الإسلامية فلسفة متأثرة بالفلسفة اليونانية حتى أصبحت مشابهة لها، في أصولها ومبادئها، لكن متباينة معها في المقاصد والغايات.26

    تُميز الطب العربي الإسلامي أربعة مبادئ (التوحيد، الاعتدال، الغائية، الإنسانية).

التوحيد: عقيدة المسلمين تبنى على أن الله واحد، وهو الحقيقة، وأن الوصول إليه يكون عن طريق المعرفة ووسيلتها العلم. كما تبنى على أن الهدف من كل الأعمال هو مرضاة الله تعالى والفوز بالجنة عن طريق العمل الصالح وفعل الخير. والطب من الأعمال الصالحة وأفعال الخير، لأنه يخفف من آلام البشر وأمراضهم. من جهة أخرى، ينظر الطب للإنسان نظرة شمولية. فالطب لدى كثير من علماء الدين، نذكر منهم الإمام أبو حامد الغزالي، هو من العلوم التي هي فرض كفاية المحمودة، لأنه علم لا يُستغنى عنه في قوام أمور الدنيا، فهو ضروري في حاجة بقاء الأبدان. فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء، وأرشد إلى استعماله وأعدّ الأسباب لتعاطيه. فلا يجوز في نظر أبي حامد الغزالي التعرض للهلاك بإهماله.27

الاعتدال: ويقصد به التوازن بين الحياة والصحة الجسدية والحياة الروحية، التي تؤمن للإنسان انسجاما بينه وبين بيئته، وهذا ما يؤدي إلى السعادة. يقول ابن سينا 28(980-1037م)في كتابه "القانون في الطب":<< إن المعتدل الذي يستعمله الأطباء في مباحثهم مشتق من العدل في القسمة، وهو أن يكون قد توفر فيه على الممتزج بدنا كان بتمامه، أو عضواً من العناصر بكمياتها وكيفياتها، القسط الذي له في المزاج الإنساني إلى أعدل قسمة ونسبة>>ويقول كذلك:<< إن الله جل جلاله أعطى الإنسان أعدل مزاج ممكن أن يكون في هذا العالم.>>29والاعتدال هو حال الصحة. أما المرض فهو فساد الاعتدال، واختلال التوازن، بحيث أن أحد الأخلاط الأربعة يزداد حتى يطغى على البقية فيكون المرض. وتكون المعالجة برد الاعتدال.

 الغائية: وتعني أن هناك حكمة في خلق كل مخلوق. وقد كان جالينوسGallien يؤمن بهذه الفكرة بالرغم من أنه كان وثنيا. ولذا أعجب به المسلمون ولقبوه بالفاضل. يؤمن المسلم بأن دراسة ال تزيد إيمانا تماشيا مع قوله تعالى "ضَرَبَ لَكُم مَّثَلٗا مِّنۡ أَنفُسِكُمۡۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ فَأَنتُمۡ فِيهِ سَوَآءٞ تَخَافُونَهُمۡ كَخِيفَتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٢٨" [الروم: 28]. ولذا يقول ابن رشد:<< من اشتغل بالتشريح أزداد إيمانا. >>30

الإنسانية: من مظاهرها احترام الوالدين والمسنين، اليتامى، أبناء السبيل، وعلى احترام الفقير ومساعدته، وعلى احترام الأديان السماوية والتسامح مع المؤمنين. ومن نتائج هذه الإنسانية إقامة المستشفيات الكثيرة، ودور التعليم الطبية، بناء المياتم ودور العجزة. فالطب ليس علما فقط بل هو طريقة من طرق الموصلة إلى الحقيقة الأزلية. أي إلى الله. وهو نوع من أنواع العبادة وضربا من ضروب الجهاد. إن من دواعي اهتمام المسلمين بالطب على وجه الخصوص، حث الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك. ففي مسند الإمام أحمد، من حديث زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك، قال كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، وجاءت الأعراب،فقالوا: يا رسول الله،أنتداوى؟فقال نعم يا عباد الله،تداووْا:فإن الله لم يضع داء،إلا وضع له شفاء،غير داء واحد. قالوا:ما هو؟ قال:الهرم.31وقوله كذلك:<< العلم علمان علم الأديان وعلم الأبدان. >> وعلم الأبدان هنا، هو الطب.32

وليست وظيفة الطب في رأي أطباء الإسلام أكثر من تقديم العون على تحقيق ذلك المتوازن في حالة اختلاله ليعمل الجسم بصورة سليمة. ومما يستوقف النظر بعد هذا، إعلاء المسلمين من شأن علم الطب، أن انشغل به معظم الفلاسفة والعلماء المسلمين سواء من المغرب أم من المشرق. فهذا ابن رشد القرطبي33الذي أشتهر بالطب من خلال مؤلفه "الكليات". وفي سنة 1182م استدعاه الخليفة أبو يعقوب إلى مراكش وجعله على رأس أطبائه، وقد وصفه ابن الأبار بقوله:<< كان يفزع إلى فتواه في الطب كما يفزع إلى فتواه في الفقه>>34.  لكن الملاحظ هو أن الأخلاق الطبية على العموم كانت تستمد قواعدها من العقيدة الدينية لدى المسلمين وقد ظلت كذلك عند المسيحيين، ولكن النزعة العلمية التي ظهرت في أوروبا غيرت المفاهيم والقيم، بما في ذلك العقائدية.

3-بينالديأنطولوجيا Déontologieوالبيوإطيقا Bioéthique

أثار التطور العلمي والتكنولوجي، في جميع المجالات خاصة منها البيولوجية والطبية، تساؤلات فلسفية حول القيمة الأخلاقية للتقنيات والتطبيقات العلمية بشكل عام والطبية البيولوجية بوجه خاص. دفع الفلاسفة الذين يمكن أن نسميهم فلاسفة أخلاقيين Philosophes Moralistes، إلى وضع قواعد أخلاقية تقترب أكثر من الواقع. تعمل على حل المشكلات التي يواجهها المجتمع. يترتب عن هذا، ظهور الأخلاق بمظهر جديد وبطبيعة جديدة من خلال اتصالها بالواقع جعل منها أخلاقا عملية Ethique appliquée.

لقد كانت دعوة بعض الفلاسفة والعلماء إلى إخضاع العلوم ومنتجاته إلى القيم والمعايير الأخلاقية، مظهرا من مظاهر "عودة الأخلاق" على حد تعبير محمد عابد الجابري، فالتساؤلات ذات الطابع الأخلاقي، المتولدة عن الإحراج والتحدي الناتجين عن ذلك التطور المذهل الذي شهده العلم في الآونة الأخيرة هو دليل على ذلك. ويبدو أن ما حصل هو في الحقيقة عكس ما كان حاصلا في القرن الماضي، حين كانت بعض النزعات في أوروبا تنادي بتأسيس الأخلاق على العلم. وذلك من خلال إثارتها لمشكلة قديمة، وهي "مشكلة أساس الأخلاق"، ومحاولة الإجابة عن السؤال: علام تستند القيم الأخلاقية في مشروعيتها؟

    إن المقصود بالأخلاق هنا ليست تلك العادات والأعراف أو ما يصدر عن الطبيعة البشرية بل المقصود بها هنا الخير والشر، وما يتفرع عنهما من قيم تشكل الضمير الخلقي الفردي أو الجمعي.35ما يهمنا هنا هو أن الأخلاق ترتبط ارتباطا وثيقا بالفلسفة، بل كانت في مرحلة معينة تعني إحداهما الأخرى. حتى أن الفيلسوف هو الحكيم والحكمة قيمة أخلاقية، وهي خير. لقد اتسع مفهوم الأخلاق بحيث أصبحت لا تستند إلى دعامة صورية بل غدت إرشادا أو اختيارا معززا بالواقع وتتعلق أكثر بالعلوم.36لقد بدأ التساؤل فيما إذا كان العلم مؤسسة تعمل لصالح الفرد والمجتمع، أم يحمل تأثيرا سلبيا على حياة ومستقبل الإنسان ومن هذه التساؤلات، نشأ نوعان من الأخلاق: أخلاق الثقة وأخلاق الخوف.  أما أخلاق الثقة، فهي ناتجة عن تطور العلم الذي يقدم للإنسان في كل مرة مختلف الوسائل التي تخفف عنه متاعب الحياة، والأكثر من هذا، الارتقاء به إلى المستوى الحضاري، وبالتالي تخليصه من الوحشية والهمجية التي كان يتصف بها. أما أخلاق الخوف، فهي ناتجة عن الآثار السلبية التي يمكن أن يحدثها التطور العلمي، والأكثر تأثيرا منها البيولوجي والطبي.

إن العالم منشغل بالتقنية وبتطبيقاته، وهذا يجعل منه قليل التساؤل حول ما يمكن أن ينجم في المستقبل عن القرارات التي يتخذها. إنه متقوقع في مجال القضايا التي تحتاج إلى السرعة في الإنجاز، وليس في مجال نظرية القيم نفسها، حتى تكون له لغة أكثر فلسفية.

    في هذا الصدد يعتقد الفيلسوف الفرانسوا داغوني أن للفلسفة، اليوم أهمية خاصة أكثر من أي وقت مضى. لأنها تهتم بالمستقبل، تهتم بما تعده العلوم. وهذا يصدق أكثر على البيولوجيا، أين نجد القلق الأكثر، من أي ميدان آخر. إن العالِم لا يستطيع تقرير ما ينبغي فعله، أو ما لا ينبغي، فهو لا يحتار في مجال القيم. إنها مهمة الفيلسوف متمثلة في صنع نوع من التفكير حول البيولوجيا Une Bio réflexion، أو بسط نوع من النفوذ خاص بالبيولوجيا Un Biopouvoirالتي تخبرنا بما هو مسموح به، وبما هو غير مسموح.

إن مبدأ الاحتياط له قيمة في الفلسفة، في مجال الحياة.37ولذا نجد أن من أهم المجالات التي أثيرت فيها هذه التساؤلات. مجال البيولوجيا والطب لما لهما من تأثير على حياة الفرد والمجتمع من جهة، والمفاهيم التي تقدمها حول الإنسان والحياة والموت من جهة أخرى. وهي مفاهيم كانت ولا تزال تشكّل محور نقاش فلسفي حاد. ولعل من بين هذه المفاهيم الجديدة، تلك التي تتعلق بالبيوإطيقا. أو ما يطلق عليه في اللغة الفرنسية لفظتي BIO-ETHIQUEوقبلها مفهوم الديأنطولوجيا (أخلاقيات الطب). DEONTOLOGIE

    لقد كان لأخلاقيات الطب وجودا سابقا عن البيوإطيقا، وهذا ما أشرت إليه من قبل عند الحديث عن الضوابط الأخلاقية الطبية في الحضارات القديمة. واليوم نفس الشيء نلاحظه في كل المجتمعات، أي القواعد والآداب العامة المنظمة للممارسة الطبية.لذلك يمكن القول دون أدنى شك أن مصطلح البيوإطيقا Bioéthiqueلم يكن له وجود قبل الثورة البيولوجية والتطورات التي شهدتها هذه الأخيرة، والتقنيات الطبية الجديدة التي أصبحت في كثير من الأحيان تهدد بشكل مباشر أو غير مباشر الكيان الإنساني، وكل ما يحيط به. ولذا يعتبر هذا المصطلح جديدا، طبعا بعد تمييزه عن الأخلاق الطبية Déontologie.

إن التخصص في مجال الأخلاق من الأمور التي لا يمكن ضبطها، لأننا نعجز تماما عن وضع معايير للمتخصص في مجال الأخلاق، وبالرغم من ذلك فإن المفكرين المعاصرين يعتقدون أن فكرة التطور في مجال الأخلاق يمكن تحقيقها بتوفر قدر كاف من القدرات الذهنية التحليلية والاستقامة في استيعاب المفاهيم المجردة. ولكن تراكم المعرفة يثير تساؤلا فيما إذا كان التحدي في مجال الأخلاق يكمن في عدم استيعاب هذا التراكم المعرفي، أم في الاستعداد السليم الذي يتمثل في أن كل معرفة تعيننا على الامتثال لما نمتلكه من قبل وهو الضمير الخلقي؟ بهذا فإن مجال البيوإطيقا، ليس مجرد معرفة بل هو مؤسسة منظمة في إطار النمو.

    هذا الأمر يزيد صعوبة في تكييف مفهوم (البيوإطيقا). مع مختلف اللغات والأنماط الثقافية. فإذا كان محتوى هذه الكلمة من الصعب احتواؤه أو الإحاطة به في اللغة الفرنسية أو الإنجليزية، فالصعوبة تكون أكثر حين نحاول تحويل هذه الكلمة إلى اللغة العربية، والتي تستعمل للدلالة على"أخلاقيات الطب وعلوم الحياة"، أو أخلاق حياتية.وحين نحولها إلى اللغة الفرنسية تصبح Ethique médicale et des sciences du vivant ou de la vie38  نشير هنا، أن الدكتور محمد عابد الجابري، قام بردها إلى العربية بالإبقاء عليها كما هي أيبيوإطيقا.   

إن كلمة أخلاق في معجم دومنيك لوكور Dominique Lecourt  تستعمل عند القدامى كوسيلة بها نحكم ونميّز الأفعال الخيّرة من الأفعال الشريرة. أما مع كلمة Bioéthiqueفإن الأمر يتعلق بكلمة مولدّة (جديدة) استعملت لأول مرة في سنة 1970م من طرف الطبيب الأمريكي المختص في مرض السرطان فان رانسيلر بوتر  Van Rensselaer Potterفي مقالة بعنوان: "البيوإطيقا علم البقاء" Bioethics, the Science of Survivalوأعاد الحديث عنها في كتابه البيوإطيقا جسر إلى المستقبل Bioethics bridge to the future. فهو لا ينظر إلى البيوإطيقا على أنها أخلاق الطب، أو على أنها أخلاق البيولوجيا، ولكنها بمثابة أخلاق تأخذ بعين الاعتبار الارتباطات أو العلاقات الموجودة بين الكائنات الحية.

إن كلمة البيوإطيقا تعني اليوم، فضاء متميزا للنقاش الأخلاقي يضمّ كل الشرائح. حول توجهات البحوث الطبية والتطبيقات العلاجية التابعة لها. هذا الفضاء للنقاش يكون قد شجع على بروز مجال معرفي، تتداخل فيه مختلف النشاطات والذهنيات، وهو دلالة على تعقيد المسائل المطروحة في هذا الصدد. كما أنه تسبب في وضع مجموعة من الحدود والقوانين التي تسمح بتنظيم الممارسة الطبية والعلمية بشكل عام، ولِما لا تكون واحدة من رهانات الفلسفة القادمة.39فكيف ما كانت معاني البيوإطيقا، فإن التفكير في مجال البيولوجيا، كثيرا ما يصطدم بتنوع القيم التي تميز المجتمعات ذات القيم المتنوعة.40من ناحية أخرى يمكن التساؤل عن الأساس في مقابلة المعيّن القبلي bioبكلمة Ethique؟. هذه دلالة على أن هناك نسيانا تاما لتقاليد الطب وهذا النسيان لا يخلو من الخطر. لكن يوم ارتباط هذه الكلمة(إيتيك)  بكلمة (بيو). يعني تحول كلمة أخلاق إلى تخصص معرفي، أو نظام جامعي، أو عمل الخبراء.

   حتى نقترب أكثر من معنى كلمة Bioéthiqueوالمحاطة بكثير من الغموض، لا بد أن نعي تمام الوعي، أن الكلمة هي في الصميم تقنية لحسم الصراعات Techniques de résolution des conflitsولا يمكنها أن تكون شيئا آخر غير ذلك، إنها تستعمل لحل المشاكل أو الصراعات التي تحمل قيمة، بين التقدم في مجال البيوتكنولوجيا Biotechnologiques، وقوانين حفظ الكرامة الإنسانية. إنها مجال تفاعل Interactionلمختلف النشاطات التي تجتمع حول إشكالية خاصة تضع القيم في خطر بمناسبة التطبيقات في مجال البيولوجيا. وعليه، لا يتعلق الأمر بمجال خاص، مثلما هو الحال بالنسبة للبيوكيميائي (كيمياء حياتية). كما لا يمكن فهمها على اعتبار أنها طريقة لإنشاء أو وضع القيم. إن القيم وسلم القيم، ينشأ من تأثير الثقافات والحضارات والأديان، ويكون بذلك مفهوم البيوإطيقا، ينتمي إلى سجل ما هو نفعي أو ذرائعي.

ويمكن تلخيص مختلف الأسباب التي أدت إلى ظهور البيوإطيقا وفرض نفسها في أمريكا:

- أولا: كمقاربة تخص جيل العصر Approche Séculaireالكل فيها يبحث عن لغة موحدة وإجابات تلاءم الجميع، بعيدة عن كل الاعتبارات الدينية، والثقافية والعرقية، ومحاولة بناء حوار عقلاني وإنساني يمثل الجميع.41- ثانيا: كمقاربة متناظمة (تتعلق بعدة فروع من العلم) Approche Interdisciplinaireبالرغم من أن البيولوجيين والأطباء هم المسئولون عن هذا التطور، لكن هذا لا يعطيهم الحق في اتخاذ القرارات، تريد البيوإطيقا أن تكون مقاربة لكل الأنشطة وكل العلوم، للاشتراك في البحث عن الحلول المناسبة.       

-ثالثا: كمقاربة إستشرافية أو تنبؤية Approche Prospectiveوهذا راجع إلى تتبعها ونظرتها في أسباب التطور، وتنبؤها بالأوضاع التي يمكن أن تنجم عن تأثير هذه الأسباب. 

- رابعا: كمقاربة إجمالية Approche Globaleمن حيث أنها تهتم بالمريض ككل، جسما ونفسا، وليس المريض فقط، بل كذلك المجتمع. فنظرتها الإجمالية تفسح المجال للجميع في المشاركة وإبداء الرأي، ووضع القواعد اللازمة والتي يتعين على كل واحد احترامها.

- خامسا: مقاربة نسقية Approche Systématiqueالبيوإطيقا لا تهتم بحل المسائل الجزئية، فهي تحليل دقيق ومنطقي يتم وفقا لمخطط، ونظام بين القضايا ذات الطابع الأخلاقي، وذلك بإرجاعها إلى مبادئ أساسية واحدة، وعليه يؤسس مفهوم البيوإطيقا مقاربة أصيلة للواقع البيولوجي والطبي وهذا يؤدي إلى تعدد تعاريفها (البيوإطيقا).42

    لقد كان ظهور البيوإطيقا نتيجة الملاحظة ما يتعرض له المرضى وأشخاص آخرون من تجارب طبية، ومن خلال الأمثلة التي قدمها هنري بيشر43  Honry Beecherعرض فيه نماذج من التجارب التي كانت تجرى على الأشخاص والمدعمة من طرف الدولة الألمانية آنذاك (برامج سرية). ابتداء من ذلك الحين أصبحت تعرض على المواطنين نماذج أكثر خطورة عمن يتعرضون للتجارب العلمية والطبية خاصة. مكن هذا من إطلاع الرأي العام على مختلف التجارب اللاإنسانية التي كانت تجرى على مستوى المراكز الإستشفائية والتي كانت تتسبب في مأساة بالنسبة للأشخاص أو العائلات أو المجتمع. في الأول كان الاهتمام موجها إلى المعاملة اللاإنسانية، وليس إلى عدم احترام حقوق المرضى والمجرب عليهم. لكن الأمر تحول إلى نقاش حول القيمة الأخلاقية للممارسات العلمية الطبية على وجه الدقة.                                                                                      

وبهذا يكون أول دافع لظهور البيوإطيقا هو التطبيقات البيولوجية الطبية اللا إنسانية. أما الدافع الثاني فيتعلق بالاهتمامات والتساؤلات الجديدة التي يطرحها التطور الطبي والبيولوجي. وهذا أدى إلى الشك في كل الأفكار التي بنيت وبشكل تام، حول الحياة والموت والكائن الحي الإنساني. وهي من غير شك من أهم المسائل الفلسفية في تاريخ الفلسفة.44إن آثار الاختراعات، ينبغي أن تؤخذ إذن بعين الاعتبار من طرف الفيلسوف. حتى يتم وضع تصور وخلق مستقبل أفضل، وذلك باحترام القيم الأساسية، وهذا يبين من دون شك أن مفهوم الأخلاق قد تغير بفعل هذا التطور، فلو تأملنا مسألة التقييم الأخلاقي للتقنيات. لوجدنا فيه تلك الدعوة إلى ربط الأخلاق بالواقع كدعوة ربط الفلسفة كذلك بالواقع.

4-أخلاقيات الطب في الجزائر

في الجزائر مثلها مثل كل الدول، وفي مجال الممارسات الطبية يوجد ما يسمى بأخلاقيات مهنة الطب Déontologie Médicaleوهي مجموعة القواعد التي تضبط الممارسة الطبية أخلاقيا، بحيث تحدد طبيعة العلاقة بين الطبيب والمريض، بين الطبيب والطبيب أخلاقيا وقانونيا. لذلك كان الطابع العام لهذه القواعد جزائي، عقابي إن صح التعبير ولا يتمتع بالبُعد الأخلاقي فحسب. ثم إن وراء هذه القواعد الأخلاقية، قواعد قانونية أخرى تتحكم فيها تابعة للقانون الجزائري، الجزائي والجنائي، لذلك نلاحظ على مستوى صياغة هذه القواعد إشارة (مثال: الرجوع إلى الوثيقة: بمقتضى...)45

    إن هذه القواعد تنظم تقنية التعامل مع المريض، أي تنظم طرق العلاج وتقنياته فقط، ولا تهتم بما نعالج أو من نعالج أو النظر في التقنيات التي نستعملها في المعالجة ومدى تطابقها مع المنظومة الأخلاقية المميزة لمجتمعنا، كما أنها تتصف بالغموض في كثير من الفقرات 24-25-وكذا 33-35وأخرى تتعارض مع الممارسة الطبية. مثال على المادة 20من الواجبات العامة: «يجب ألا تمارس مهنة الطب وجراحة الأسنان ممارسة تجارية، وعليه يمنع كل طبيب أو جراح أسنان من القيام بجميع أساليب الإشهار المباشر أو غير المباشر". قاعدة غامضة إذا ما حاولنا مطابقتها بواقع مهنة الطب، والمقابل الذي يدفعه المريض. ربما هذا الذي دفع إلى التفكير في استكمال هذه القواعد وذلك من خلال تنصيب ما يسمى بالمجلس الوطني للبيوأخلاقيات: ماهي مهمته؟

استحدث الجزائر مشروعا تمهيديا للقانون المتعلق بالصحة خاصا بالمجلس الوطني للبيوأخلاقيات ومجالس وطنية وجهوية ومحلية، مهمتها معالجة المشاكل التي تطرح أثناء ممارسة مهنة الطب. ويوضح نص المشروع في الباب المتعلق بالأخلاقيات والأدبيات والبيوأخلاقيات أنه يتم استحداث "لجنة وطنية للبيوأخلاقيات" تعمل لدى الوزير المكلف بالصحة. وتكلف هذه اللجنة حسب المادة 351من المشروع بــ"تقديم أرائها وتوصياتها حول المشاكل المعنوية التي تطرح أثناء ممارسة المهنة والبحث العلمي وتطبيق التكنولوجيات في مجالات علم الأحياء والطب والصحة التي يكون موضوعها الكائن البشري"46.

أما عن سير هذه اللجنة وتنظيمها فقد أحال مشروع القانون الأمر إلى التنظيم. وتتعلق البيوأخلاقيات بمجموع "التدابير والأنشطة المتصلة بالتبرع وبنوع الأعضاء والأنسجة والدم البشري ومشتقاته، وبالمساعدة الطبية على الإنجاب وبالبحث في مجال طب الأحياء". كما نص مشروع القانون على استحداث مجالس وطنية وجهوية ومحلية للأدبيات الطبية، ويتعلق الأمر بالمجلس الوطني، الجهوي والمحلي للأطباء والمجلس الوطني الجهوي والمحلي لجراحي الأسنان وكذا المجلس الوطني، الجهوي والمحلي للصيادلة. وحسب نفس المصدر، تتولى هذه المجالس إنشاء جهاز تنسيق وتحديد نظام المجالس الداخلي. وتضطلع "المجالس الوطنية والجهوية والمحلية لأدبيات المهنة في كل ما يخصه بالسلطة التأديبية والبث في المخالفات المتعلقة بقواعد الأدبيات الطبية" حسب المادة 361من نفس النص47. في الحقيقة لسنا بحاجة إلى عرض كل وقواعد والمراسيم التي جاءت في الوثيقة، لكن المتأمل فيها، أي في هذه القواعد والأهداف التي وضعت من أجلها، يعثر على نوعين من القواعد:

- إحداها تضبط الممارسة الطبية، أي مهنة التطبيب وتتعرض للمخالفات الصادرة عن الطبيب أثناء أدائه لوظيفته، وهو الإجراء المطابق لوظيفة مجلس أخلاقيات الطب في الجزائر.

- قواعد تتجاوز وظائف المجلس ومهامه، حين تحاول رسم خريطة توضح من خلالها مجموعة التدابير والأنشطة المتصلة بالتبرع بنوع الأعضاء والأنسجة والدم البشري ومشتقاته، وأحكام حول التقنيات الطبية وغيرها.

هذه الأخيرة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون من مهام مجلس أخلاقيات الطب، سواء من خلال مفهوم أخلاقيات وآداب مهنة الطب المعمول بها عالميا، والتي أشرت إليها من قبل، أو من خلالوظيفة هذا المجلس قياسا على ما هو معمول به في مختلف أنحاء المعمورة.

   إذن، إذا كانت مهمة مجلس أخلاقيات الطب في الجزائر هي التوجيه الأخلاقي لمهنة الطب، أي ضبط العلاقة بين الطبيب والمريض، العلاقة بين الأطباء، بين الطبيب والإدارة، مع طبيعة قواعده الأخلاقية والقانونية وهنا نشير إلى الطابع الجزائي والجنائي الذي يضبط هو كذلك مهنة الطب، ويعرض الطبيب إلى وضعيات جزائية وجنائية عقابية إذا تسبب فيما يخل بهذه المهنة، وآدابها. فمن يتولى، إذن، توجيه الشطر الثاني أي مجموعة التدابير والأنشطة المتصلة بالتقنيات الطبية؟ والتي يمكن أن نذكر منها؟

- التبرع بالأعضاء وزرعها Donation et greffe d’organes

- تقنيات الإخصاب الصناعي بجميع أشكاله  Insémination artificielle

- التشخيص القبولادي Diagnostique prénatal.

- الموت الرحيم Euthanasie

- الإجهاض Avortement

- الاستنساخ Clonage   بجميع أشكاله، وغيرها من التقنيات سواء التي نعرفها أم تلك التي لا نعرفها.

يتميز الطب في عصرنا الحاضر بالتقدم السريع وربما غير المنضبط في تقنياته وممارساته، مما يفرض على الطبيب ضرورة النظر في الجوانب الشرعية والأخلاقية والعلمية والاجتماعية لما يستجد من تقنيات وممارسات طبية، ويجب أن يتم ذلك من خلال الضوابط التالية:

- أن يتأكد لدى الطبيب سلامة الممارسة الطبية من كل النواحي، الشرعية والأخلاقية، والقانونية، والعلمية والاجتماعية وغيرها من الضوابط. فإذا تأكد عدم توفر دراسة تامة من جميع النواحي لتلك الممارسة، فعليه أن يتريث حتى يحصل على ذلك، بل أن يسعى إلى الحصول على ما يسمح له بتلك الممارسات.

- أن يثبت لدى الطبيب الفائدة العلمية للممارسة الطبية، وأن يترجح لديه سلامتها وعدم إضرارها بالمريض.

- أن يترجح لدى الطبيب أن الممارسة الطبيبة تحقق مصلحة المريض، دون النظر إلى مصلحة الطبيب الخاصة، أو مصلحة المرضى الآخرين.

- أن يعلم المريض أو وليه إذا كان قاصرا بهذه الممارسة، خاصة إذا تمت لأول مرة.

- أن يراعي الطبيب القواعد والأنظمة الناتجة عن المستجدات فيما يتعلق بالممارسة والتقنيات الطبية المختلفة.

    بالنظر إلى هذه الضوابط وأخرى كثيرة ليس بوسعنا ذكرها كلها في هذا المقام، يمكن الجزم بأن الطب ليس مهنة بل رسالة. "فأنت كطبيب ليس لك أن تفكر أنك صاحب مهنة، بل عليك أن تفكر أنك صاحب رسالة، وأن إنسانيتك هي في احتضانك لإنسانية هذا الإنسان معك"48. ومعنى ذلك إن الطبيب ومن خلال امتلاكه لآليات حماية الحياة، فهو مسؤول عنها وعن إنسانية الآخر، لذلك أن تكون طبيبا في دائرة الأخلاق يعنى أن تعيش الطب رسالة وليس مهنة.

    تقتضي هذه الرسالة الإلمام بكل ما يتعلق بالممارسة الطبية، سواء من الناحية العلمية أو من الناحية القانونية، أو من الناحية الأخلاقية. وفي هذه الحالة نحن بحاجة إلى ليس مكمل بل إلى قواعد بيوإطيقية Bioéthiquesالتي يمكن استنتاجها من خلال المناقشات التي من المفروض أن يشترك في وضعها كل الشرائح الاجتماعية، من بيولوجيين، وأطباء، فلاسفة أو مفكرين، رجال دين، علماء اجتماع، سياسيين، وحقوقيين، ولما لا الرأي العام. انطلاقا من مفهوم البيوإطيقا باعتبارها حقلا ومجالا للنقاش يجمع كل الشرائح الاجتماعية حول التقنيات الطبية المستجدة. قد يقال لنا بأننا لا نملك ناصية العلم البيولوجي والطبي، وبالتالي لا يمكن أن نشكل طرف نقاش في هذه المسائل، ونقول لهؤلاء إننا معنيون بهذه التطورات التي تحدث في العالم، ومستعملون لكل التقنيات المستحدثة، حتى إن لم نكن طرفا في استحداثها، وبالتالي من حقنا تكييف هذه المستجدات في مجال البحث والعلاج مع نمط حياتنا ومع منظومتنا الأخلاقية والدينية والقانونية والاجتماعية.

5-البيوإطيقا في تونس والجزائر

إن القصد من هذه المقارنة البسيطة هو بيان أسبقية البلد المجاور (تونس) لبلدنا (الجزائر)، في وضع إطار أخلاقي أكثر سعة وشمولية، من خلال استحداث مجالس وطنية للبيوإطيقا Bioéthique، يضاف إلى مجالس أخلاقيات وآداب مهنة الطب Déontologie. وهو دليل على التفكير الدقيق في المساءل المتعلقة بالمرض والصحة، وما يتصل بهما من بحوث في المجال التقني البيولوجي، للأسف الشديد، لا نعثر في الجزائر على هذه الصورة، وهذه الكيفية في التعامل مع القضايا سالفة الذكر. يُظهر المثال التالي هذه الحقيقة:  

في تونس هناك لجنة وطنية للأخلاقيات الطبية Comité National d’Ethique Médicaleويتضمن الفصل الأول: من الأمر المؤرخ في 1994، تحديدا لوظيفة هذه اللّجنة قائلا: "تتمثل مهمة اللجنة الوطنية للأخلاقيات الطبية في إبداء الرأي بشأن المشاكل الأخلاقية التي يثيرها البحث في ميادين البيولوجيا والطب والصحة سواء كانت هذه المشاكل تهم الإنسان أو المجموعات أو المجتمع بأسره".

- وتنكب اللجنة كذلك على وضع المبادئ الكبرى التي تمكن من التوفيق بين التقدم التكنولوجي في الميادين المبنية بالفقرة السابقة والقواعد الأخلاقية والقانونية والقيم الإنسانية وحقوق الإنسان والواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي".

- الفصل الثاني: من الأمر 1994: "تتولى اللجنة في إطار صلاحياتها تنظيم ندوة سنوية تتناول علنا المسائل الهامة المرتبطة بالأخلاقيات الطبية".

- الفصل الأول من الأمر 2001: " كما يمكنها تنظيم ملتقياتوأيام دراسية ذات مواضيع لها علاقة بالأخلاقيات الطبية".  

- من ضمن مهامها أيضا التحسس للمسائل المعنوية والأخلاقية والإعلام وهذا في إطار الحلقات المفتوحة بمشاركة المتخصصين: أطباء، فلاسفة، رجال دين، ممثلي الإعلام ومواطنين عاديين بغرض أخذ بعين الاعتبار وجهات نظر مختلفة القابلة للتوضيح. 

الأنشطة: تشارك اللجنة بصفة فعالة في توضيح وترسيخ الأخلاقيات الطبية في جميع الميادين في المجتمع التونسي وذلك بالندوات السنوية (مفتوحة للجمهور) والآراء التي قدمتها للحكومة، الملتقيات التي نظمتها والمحاضرات التي تقدمها بمناسبة التظاهرات العلمية والتي يشارك فيها أعضاء اللجنة.  

المنشورات:تنشر اللجنة وبصفة منتظمة، أشغالها التي تدرسها في مهام صلاحياتها مثل الآراء، أشغال الندوات السنوية، الملتقى الدولي حول الأخلاقيات، الملتقى المغاربي حول الأخلاقيات. 

أعضاء اللجنة: تتركب اللجنة علاوة عن رئيسها:

- عشرة أعضاء (أو من يمثلهم): عمداء كليات الطب وكلية طب الأسنان وكلية الصيدلية -رؤساء المجالس الوطنية لعمادات الأطباء وأطباء الأسنان والأطباء البياطرة والصيادلة.

- اثني عشرة عضوا ممثلو المؤسسات التالية وهم: المجلس الدستوري، المجلس الإسلامي الأعلى، الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، مستشار من محكمة التعقيب، مستشار من المحكمة الإدارية، أستاذ تعليم عالي في الفلسفة وأستاذ تعليم عالي في علم الاجتماع وأستاذ تعليم عالي في القانون وباحثان مهتمان بالمواضيع الداخلة في مجال نشاط اللجنة يقترحهما كاتب الدولة لدى الوزير الأول المكلف بالبحث العلمي والتكنولوجيا، ممثل عن وزارة الشؤون الاجتماعية وشخصية من القطاع الإعلامي 

- وستة شخصيات مهتمة بمواضيع الأخلاقيات الطبية يقع تعيينهم من طرف وزير الصحة العمومية49.بذلك يكون المجموع ثمانية وعشرون عضوا على الأقل، كلهم يشاركون في النقاش حول مختلف التقنيات والمستجدات على الساحة العلمية الطبية والبيولوجية، واتخاذ القرار النهائي.

    إن المتأمل في هذا المثال يدرك، من غير أدنى شك، الفارق الواضح بين التأسيس للمراقبة الطبية من خلال وضع آليات المراقبة والعقاب، وهو ما تتضمنه البنود والقوانين التي تتشكل منها مجالس أخلاقيات مهنة الطب خاصة في الجزائر،وما ينبغي أن نوفره من مجالس ذات الطابع التفكيري، والتنظيري للمسائل الناتجة عن التطور العلمي في مجال الطب والبيولوجيا، مثلما هو معمول به في تونس. مما يدعونا إلى التفكير في إنشاء مثل هذه المجالس، ليس بالضرورة على منوال البلد المجاور تونس، وإن كان هناك تقارب تاريخي وثقافي واجتماعي، بل يمكن أن نأخذ بالاعتبار كل خصوصيات المجتمع الجزائري.  

خاتمة

يتضح مما سبق أن ما نطلق عليه معنى الأخلاق الطبية أو أخلاقيات مهنة الطب أو آداب مهنة الطب أو ما يسمى باللّغة اللاتينية  Déontologie، لا يتطابق مع مفهوم الأخلاق الحياتية Bioéthiqueبالرغم من أن المبحثان ينتميان لنفس السجل، أي السجل الأخلاقي أو الإطيقي بوجه عام، هذا ما يؤكده استقرائنا لتاريخ الطب، الذي يؤكد على قدم هذه الآداب. ويتواصل وجود هذه الآداب إلى وقتنا الحالي وفي جميع دول العالم وعليه إذا كانت الممارسة الطبية في الجزائر تؤطرها ضوابط أخلاقية قانونية، فإنها تفتقد إلى البعد الإطيقي بالمعنى العملي الواقعي والعالمي الذي يمكّنها من مسايرة التطورات العلمية الطبية والبيولوجية الراهنة، وبالتالي تفتقد إلى القدرة على الحكم عليها بما يتطابق مع منظومتنا الأخلاقية، والعقيدة الدينية، والنصوص القانونية، والأعراف والعادات الاجتماعية، والتوجهات السياسية وغيرها من الأطر التي نعيش ضمنها والتي تميز المجتمع الجزائري عن غيره ببعض المعاني.

لذلك ندعو إلى إقامة مجلس جزائري للبيوإطيقا Un conseil Algérien de Bioéthique، ليس كمكمل لمجلس أخلاقيات مهنة الطب، لكن كمجلس يعمل بالتوازي معه وأحيانا مستقلا عنه على الشاكلة المعمول بها دوليا. مهمته ليست مراقب العلاقة بين الطبيب والمريض ولا العلاقة بين الأطباء والعمال في هذا الحقل، ولا هي ردعية. كما أن المجلس لا يتدخل في الإجراءات العقابية إذا تطلب الأمر اتخاذها ضد ممارسي مهنة الطب أو الأعوان، بل مهمته المراقبة المستمرة لكل مستجد على الساحة العلمية الطبية والبيولوجية سواء في مجال العلاج أو الدواء أو التقنيات الموجهة إلينا، والنظر فيها بما يتطابق مع مقتضيات وضعيتنا، واتخاذ القرارات والمواقف الصحيحة والدقيقة إزاءها. إن هذا المجلس الذي نتصوره لا ينبغي أن يكون صورة طبق الأصل للمجالس السائدة في العالم خاصة منه الأوروبي وذلك بحكم التباين الثقافي والحضاري والتربوي، من جهة، ومن جهة أخرى، لا يمنع هذا من التفتح على الآخر والمشاركة في البحوث، ولما لا الإبداع.


1.Déontologieأو أخلاقيات الطب، وهي الآداب العامة التي ينبغي على الطبيب التحلي بها في تعامله مع المريض أو زملائه.

2.Dominique Lecourt (Sous la direction), 2004, Dictionnaire de la pensée médicale,puf ; Paris ; France, p. 10.

3.François Dagognet, 2003, Penser Le Vivant ; L'homme, Maitre de la vie ? Bordas, Paris, France, p.182.

4.يقول عنها كانغيلهم    أي الصحة "هي صمت الأعضاء" Le silence des organes    ويمنك استنتاج تعريف المرض والقول هو "فوضى الأعضاء" Le broui des organes

5.Georges Canguilhem, , 1998,  Le normal et le pathologique,  7èm Edition, Quadrige et puf, Paris, France, p. p. 119. 120.

6.ول وايريل ديورانت، 1988، قصة الحضارة، ترجمة، زكي نجيب محمود، ج2، الكتاب1، دار الجيل، بيروت، لبنان،،ص.252.

7.حمورابي 1686-1728ق م، الملك السادس من ملوك الدولة الأشورية، وهي بلاد قديمة نشأت في شمال ما بين النهرين

8.تيوقراطيّة، Théocratieيطلق على كل نظام سياسي مبني على سلطان إلهي تمثله السلطة الروحية.-   المعجم الفلسفي، جميل صليبا، ج.1، دار الكتاب اللبناني بيروت. لبنان. 1978، ص.369.

9.جورج سارتون، 1976، تاريخ العلم، ترجمة، جورج حداد وآخرون، ج 1، الطبعة الثالثة، دار المعارف، مصر، ص. ص. 199-200.

10.ول  وايريل  ديورانت، قصة الحضارة، ج. 2، ص. ص.445-446. 

11.محمد عابد الجابري، 2001، العقل الأخلاقي العربي، الطبعة الأولى، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، ص. ص. 257- 258.

12.يمكن أن يكون قد ولد بجزيرة كوس سنة 460ق م. ولذا يعرف بـ أبقراط الكوسي. توفي سنة 377ق م بمدينة لاريساLarissa  .

13.جزيرة كوسCosتقع جنوب شرق اليونان، في بحر إيجه، خارج ساحل تركيا وهي ثاني أكبر جزردوديكانيزي Dodecaneseحوالي 40كم طولاً و8كم عرضا. ويعتقد أنها كانت مسقط رأس أبقراط.

-   جورج عفاكي،أبقراطبين الأسطورة والتاريخ،http://www.alepdent.net/hippocrates.htm ، تاريخ الدخول، 12/01/2013

14.محمد عابد الجابري، العقل الأخلاقي العربي، ص. 258.

15.جورج سارتون، تاريخ العلم، ج. 2، ص. 213.

16.يمكن الرجوع إلى كتاب "مصالح الأبدان والأنفس" للكلخي أو إلى هذا الموقع   http://cupping.khayma.com/fourmix.htm

17.المرجع نفسه، ص. ص.228-229.

18.المرجع نفسه، ص. 258.

19.صلاح قنصوة، 1987، فلسفة العلم، دار الثقافة والنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، ص. 106.

20.جورج سارتون، تاريخ العلم، ج. 2، ص. 224.

21.المرجع نفسه، ص. 295.

22.المرجع نفسه، ص. 231.

23.اللوقيون  Lyceumمؤسسة تعليمية ومنها كلمة Lycée، مثل الأكاديمية التي أنشأها أفلاطون وهي واحدة  من أهم المدارس  الفلسفية الأربع لدى الإغريق، إلى جانب رواق الرواقيين، وحدائق أبيقور.           

24.جورج سارتون، تاريخ العم، ج. 2، ص. 117.

25.أشرف العناني، فلسفة الطب العربي،  25/10/2014م   Jeeran.  com http

26.جميل صليبا، 1989، تاريخ الفلسفة العربية، الشركة العالمية للكتاب، ص. 23.

27.أبو حامد الغزالي، 1983، احياء علوم الدين، ج 1،  دار المعارف، بيروت، لبنان، ص. 16.

28.هو بن عليبن الحسن ابن سينا.طبيب وفيلسوف مسلم من أصل فارسي.طبيب للخليفة شمس الدولة. اشتهر بقوله عند يأسه من الشفاء: لقد عجز المدبّر الذي يدبّر بدني عن التدبير، فلا تنفع المعالجة. من  مؤلفاته في الطب كتاب القانون.

-   إبن أبي أصيبعة، 1965،  عيون الأنباء في طبقات الأطباء، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان، ص. 444.

29.إبن سينا، القانون في الطب، الكتاب الأول( الأمور الكلية في الطب)، حد الطب وموضوعاته، التعليم الثالث، ص، 5.  www.topdf.el-mostafa  com.

30.إبن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، ص. 532.

31.ابن القيم الجوزية، 1988، الطب النبوي، ج. 1، دار الكتب، الجزائر، ص. 26.

32.رحاب عكاوي، 1993، موسوعة عباقرة الإسلام، ج 2، الطبعة  الأولى، دار الفكر العربي، بيروت، لبنان، ص. 12.

33.هو محمد بن أحمد بن محمد بن رشد، ولد في قرطبة سنة 1126م، وتوفي في مراكش سنة 1198م.

34.جميل صليبا، تاريخ الفلسفة العربية، ص. 446.

35.محمد عابد الجابري، 2003، قضايا في الفكر المعاصر، الطبعة الثانية، مركز دراسات الوحدة العربية،  بيروت، لبنان، ص. ص. 37- 39.

36.ح. ب غريس، 1981، طبيعة الميتافيزيقا، ترجمة، كريم متىّ، الطبعة الأولى،  منشورات عويدات، بيروت، لبنان، ص.120.                                                                                                                            

37.A quoi  sert La Philosophie, débat animé par, Robert Maggiori, édition de la    bibliothèque d’information, Centre Pompidou, 2005,document P.D.F

-   http://www.bpi.fr,rubrique. 25/04/2015.

38.Antoine Courban, « Ethique de la Bioéthique », travaux et jours, Thème d'une conférence donné à Damas, N°73, , Printemps 2004. p. 77.

39.محمد جديدي، البيوإطيقا ورهانات الفلسفة القادمة، محاضرة ألقية خلال الملتقى الدولي الثالث للفلسفة، المنعقد بالمكتبة الوطنية، الجزائر العاصمة، يومى 25-26/أفريل/2007م

40.Dominique Lecourt, (Sous la direction),Dictionnaire de la pensée médicale, p. p.158-161.

41.Guy  Durand,  1989, La   bioéthique  (Nature,  Principe  Enjeux), Les éditions du cerf, France?  p. 23.

42.Ibid, p.p.24-26.

43.هنري بيشر، نشر مقالتين سنة 1990م في جريدة  New England Journal of  medicineحول التجارب اللاإنسانية  مثل تقنية تبريد الإنسان التي كانت تقام في مركز التعذيب داشوDachau   بألمانيا.

44.Hubert Doucet, Religiologique, Religion et Bioéthique, Réflexion sur leur  relation  Daniel Callahan, Why America Accepted Bioethics, The hastings center report,   23novembre. Décembre, 1993-1996.http://www.unites.uqam.ca/religiologiques, 20/04/2015.

45.مدونة أخلاقيات مهنة الطب في الجزائر،  الجريدة الرسمية عدد 52سنة 1992.

46.المرجع نفسه.

47.المرجع نفسه

48.محمد حسين فضل الله،  2002، الأخلاقيات الطبية وأخلاقيات الحياة، دار الملاك للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت،  لبنان، ص. ص. 15ـ16.

49.Composition et les modalités de fonctionnement du Comité National d’Ethique Médicale.

-   http://www.comiteethique.rns.tn/ethique/ethique.html, 03/08/2014.

Pour citer ce document

العمري حربوش, «فلسفة المرض وإطيقا العلاج في الجزائر: رصد نماذج تاريخية ونموذج الجزائر»

[En ligne] مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales العدد 21 ديسمبر 2015N°21 Décembre 2015
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2016-10-09,
mis a jour le : 11/12/2016,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=1708.