الالتزام الاجتماعي في الشعر الجزائري الحديث
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 22 جوان 2016 N°22 Juin 2016

الالتزام الاجتماعي في الشعر الجزائري الحديث

إبراهيم لقان
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

تهدف هذهالدراسة إلى استنطاق النص الشعري الجزائريالحديث للكشفعنالقضاياالتيكانتمحورالتزامالشعراء والأسباب التي دفعتهم إلى ذلك.وتكشف أن توجهالشعر الجزائري في تلك المرحلة كان محكوما بسياقه التاريخي، فقد تَحَرَّكَ الشعراء وِفْقًا لمِاَ أَمْلَتْهُ عليهم ظروفهم الاجتماعية ووضع البلاد في ظل الاستعمار.

هذا الوضع الذي كان يتطلب أن تكون الكَلِمَةُ سلاحا للدفاع عن الوطن وإصلاح مَا أَفْسَدَهُ المستعمر، فكان تصوير البؤس والدعوة إلى إصلاح المرأة ومحاربة الفساد ونشر العلم من القضايا التي التزمها الشعراء في تلك المرحلة وغذّت الكثير من نصوصهم الشعرية التي يرصدها هذا المقال.

الكلمات المفاتيح: الالتزام، الاجتماعي،الشعرالجزائري، الحديث

This study aims to analyze the modern Algerian poetic text in order to show up the commitment issues that were held by the Algerian poets as well as the reasons for this commitment  . The  study also explores the orientation of the Algerian poetry during that era which was shaped  by its historic context. Poets reacted according to their social conditions and the position of the country during the colonial period. This situation made the word  a weapon for defending the country and for mending the damages of the colonizer. Picturing misery, calling for reinstructing woman, fighting corruption and spreading knowledge were the main issues adopted by the poets of the twenties. These issues fed many poetic texts that are discussed in this article

Key words: Commitment, social, Algerian poetic, modern.

Cette étude vise à analyser le texte poétique algérien moderne afin de confronter l'objet de l'engagement des poètes et leurs raisons de le faire. En outre, cette étude montrera l'orientation de la poésie algérienne au cours de cette époque qui était dirigée par son contexte historique. Les poètes ont réagi selon leurs conditions sociales à l'ombre du colonialisme.

Le poète contraint le mot à se transformer en l’arme pour défendre son pays. Il écrit sur la misère, il réclame les droits de la femme, lutte contre la corruption.Ce sont les principaux points adoptés par les poètes des années vingt.

Mots clés : Engagement, Social,Poésie Algérienne, Moderne

Quelques mots à propos de :  إبراهيم لقان

المركز الجامعي عبد الحفيظ بوالصوف ميلة

  لقد شاع مفهوم الالتزام في الخطاب الأدبي والنقدي العربي الحديث منذ عدة عقود،ولا يزال من المفردات المغرية للحديث عنها، فلقد قيل الكثير عن حرية المبدع،ووظيفة الإبداع.وإذا بحثنا عن مصدر هذا المصطلح في تراثنا الأدبي القديم،فإننا نجد أن العرب قد لامسوا هذا المفهوم عبر شبكة هائلة من الألفاظ،ولكن ليس بغرض التأصيل كما هو الشأن في العصر الحديث، ولنا أن ندرك ذلك في الكثير من نماذج الشعر الجاهلي حيث تجلى الالتزام عند الشعراء، في الولاء الكامل للقبيلة، ومن الشعراء الذين جسّدوا هذا الجانب عمرو بن كلثوم ودريد بن الصمة والحارث بن حلزة اليشكري وغيرهم، فقد كان لأشعارهم صدى بين أفراد القبيلة لما تضمنته من مفاخر بأيامهم وتسجيل لأمجادهم.

 أ -الالتزام في اللغة

الالتزام لفظة عربية قديمة وفصيحة، فقد جاء في لسان العرب أن الكلمة مشتقة من الفعل لَزِمَ، يقال: "لَزِمَ الشيء يَلزِمُه لَزْما ولزوما، ولازمَه ملازمة ولِزاما، وألزمه إياه فالتزمه، ورجل لُزْمة يلزم الشيء فلا يفارقه، واللزام الملازمة للشيء والدوام عليه، والالتزام: الاعتناق"[i].

وقد وردت الإشارة إلى هذا المعنى في القرآن الكريم أكثر من مرة، قال الله تعالى: "قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذّبتم فسوف يكون لِزاما"[ii]، ( أي ما يصنع بكم ربي لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام –فقد كذبتم فسوف يكون لزاما- أي عذابا لازما لكم).  وقال تعالى:" وكُلَّ إِنْسانٍ أَلْزَمْناهُ طائرَه في عُنُقهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا"[iii].

ويتماشى الالتزام مع سنة الله في الكون الذي لم يخلق شيئا عبثا، فإن كانت الكلمة مسئولية وأمانة فإن الأدب الذي مادته الكلمة لا بد أن يكون ملتزما بأداء هذه الأمانة في الحياة:" ما يَلفظُ من قول إلاّلَديْهِ رَقيِبٌ عَتِيد"[iv]. أي ما يتكلم من كلام يلقيه من فيه إلا وكان هناك رقيب يسجله له ليثاب عليه، أو ليعاقب.

ب-الالتزام في الاصطلاح

أما تعريف الالتزام في الاصطلاح الحديث فلا يقتصر –إذا أطلق-على الالتزام الأدبي فقط؛ بل إن هناك أنواعا من الالتزام الخلقي أو السياسي أو العسكري إلى آخر ما هناك من أنواع الالتزام التي يحددها الوصف. كذلك لم يتفق الأدباء والنقاد على تعريف الالتزام الأدبي وذلك لاختلاف مذاهبهم ونزعاتهم ومواقفهم من هذا المصطلح. ومع ذلك فلا ضير أن نورد بعضا من هذه التعاريف لتقريب هذا المصطلح من الأفهام.

فقد ورد في (معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب) أن الالتزام هو: "اعتبار الكاتب فنه وسيلة لخدمة فكرة معينة عن الإنسان لا لمجرد تسلية غرضها الوحيد المتعة والجمال"[v].

وجاء في (المعجم الأدبي) أن مفهوم الالتزام هو: "حزم الأمر على الوقوف بجانب قضية سياسية أو اجتماعية أو فنية، والانتقال من التأييد الداخلي إلى التعبير خارجيا عن هذا الموقف بكل ما ينتجه الأديب أو الفنان من آثار، وتكون هذه الآثار محصَّلا لمعاناة صاحبها، ولإحساسه العميق بواجب الكفاح، ولمشاركته الفعلية في تحقيق الغاية من الالتزام"[vi].

كما ورد في (المعجم المفصل في الأدب) أن الالتزام: "مصطلح أدبي وفني معاصر يدعو إلى وجوب إحساس الأدباء والفنانين بالمسئولية أمام مجتمعهم ووطنهم، وهم يرفضون جعل الأدب والفن تسلية يرسل بحرية، ويرون أن الأديب الملتزم هو المقدر لمسئوليته نحو وطنه وأمته"[vii]

والأديب الملتزم هو-على حد تعبير الدكتور محمد مندور- "المقدر لمسؤوليته إزاء قضايا الإنسان والمجتمع في عصره"[viii].

أما في الغرب فقد اتخذ الالتزام حدودا رسمتها له المذاهب الأدبية والفلسفية، كالواقعية الاشتراكية والوجودية، فبعد ظهور الواقعية الاشتراكية أصبح أساس الابتكار الفني هو إدراك الفنان للحقيقة الموضوعية، لا الخيالية الذاتية الشخصية. والذي يقرر درجة الإنتاج الفني في الأدب الواقعي هو مدى قدرة الصورة الفنية على دعم الحياة الاشتراكية[ix]. ففي فلسفة كارل ماركس يبقى الأدب والفن قوة اجتماعية فاعلة ذات تأثير عظيم في المجتمع، ولهذا السبب اعتبر الماركسيون "أن الأدباء هم مهندسو الأرواح البشرية"[x].

وبناء على موقف الشيوعيين، يكون الفن ملتزما، إذا عرف مساره الحقيقي وتدخل في المجتمع كقوة ثورية تعمل على منحه العطاء الثوري وأن أصالة الأثر الفني ونبله تتوقف على مدى إسهامه وتعمقه في الحياة الطبيعية، وكذلك الحياة الاجتماعية[xi].

وقد ازدادت فكرة الالتزام تبلورا مع الوجوديين، وأبرز الممثلين لهذا التيار، وأكثرهم غوصا في قضية الالتزام، هو الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، الذي بنى نظريته في الالتزام على نقيض نظرية ( الفن للفن) حيث رأى أن لا أحد يستطيع قبول هذه النظرية وأنها من النظريات التي يضيق الناس بها درعا، فيقول: " كلنا على يقين من أن الفن الخالص والفن الفارغ شيء واحد، وأن الدعوة إلى الفن الخالص لم تكن سوى حيلة بارعة، تذرع بها نكرات القرن الأخير، وإذ فضلوا أن يهتموا بضيق الأفق والتقليد على أن يسلكوا طريق الكشف والتجديد. على أنهم قد اعترفوا هم أنفسهم بأن على الكاتب أن يتحدث عن شيء من الأشياء. وما هو ذلك الشيء؟".[xii] وما هو هذا الشيء حسب الفيلسوف سارتر، إلا أن يكون قضية من قضايا الحياة التي تخص الإنسان "ارتباط بتعديل الحاضر لبناء المستقبل"[xiii].  

والالتزام ليس هو الإلزام "فإن الالتزام شيء والإلزام شيء آخر، فالالتزام يعني حرية الاختيار وهو يقوم على المبادرة الايجابية الحرة من ذات صاحبه مستجيبا لدوافع وجدانية نابعة من أعماق نفسه وقلبه...ولعل هذه الحرية هي التي تضفي على الالتزام معنى الشعور بالمسؤولية"[xiv].

أما الإلزام فتنبعث منه رائحة الإكراه والجبر الذي يتنافى مع مبدأ الحرية والاختيار، والإنسان بطبعه فيه نفور شديد من القسر والإرغام، وما يوضح معنى (الالتزام) بالإكراه قوله تعالى على لسان (نوح) عليه السلام: " قَالَ يَا قَومِ أَرَأِيْتٌمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَأَتَانيِ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعَمِيَتْ عَلَيْكُمْ أنُلْزِمُكُمُوهَا َوَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُون"[xv].

إن الالتزام لا يعد بدعة في الشعر ولا يتعارض مع نزعتي الفكر والجمال فيه طالما ظل متحررا من قيود الانغلاق وهيمنة السلطة، إذ ليس من المعقول أن يبقى الأديب أو الشاعر سابحا في الخيال، غارقا في ذاته دون أن ينصهر في واقع مجتمعه وأمته، وإن الأدب - وإن كان صاحبه يعبر عن ذاتيته- فلا بد أن يكون في الوقت نفسه مرتبطا بمن حوله ينبض وجدانه بهمومهم ويخفق قلبه بآمالهم، "ولعل خير ما يلخص حقيقة الأمر أن يقال إن الالتزام هو الجانب الإيجابي من علاقة متبادلة بين الشاعر والمجتمع"[xvi].

ومهما تكن المعاني التي دارت حولها كلمة (الالتزام)، فإنها لا تخرج عن إطار تبني الأديب موقفا معينا في المجتمع يكرس فنّه لخدمته مع تحمل تبعات ما ينجم عن ذلك، فالكتابة كانت وستبقى "مرآة لالتزام المبدع تجاه الظرف التاريخي، السياسي والاجتماعي، الذي ينتمي إليه"[xvii]، لهذااختار الأدباء عموما والشعراء خصوصا طريقهم عبر العصور في تحمل نصيبهم من المتاعب والتضحيات التي اقتضتها مصلحة مجتمعاتهم حين جعلوا من الكلمة وسيلة وسلاحا للمنازلة غير آبهين بنظريات الأدب ومواقف النقاد التي تريد أن تخلي الأدب عن الميدان الاجتماعي وتقصر ه على الميدان الفني[xviii].

ولم يحد شعراء الجزائر عن تبني هذا الموقف، إذ مع بداية الحركة الإصلاحية في العشرينيات، حين بدأ الشعب الجزائري يحس بكيانه، وبدأ الشعراء يدافعون عن مصيرهم تحت الضغط الواقع عليهم من الاستعمار، وجدوا أنفسهم عُزَّلا في معركة الوجود أو اللاوجود، ليس لهم من وسيلة إلا الكلمة، فأخرج محمد السنوسي الزاهري كتاب (شعراء الجزائر في العصر الحاضر) الذي يضم شعرا نابضا بالحياة، معبرا عن وعي سياسي ووطني كبيرين، تجلى فيه بقوة التزامُ الشعر بالحياة ومساهمته في حل قضايا المجتمع، فتنوعت وظائفه ومهماته بتنوع المشاكل الناجمة عن الاستعمار، فتحمل الشعراء عبء الدعوة إلى العلم ومحاربة الجهل، وتصوير المأساة الاجتماعية، وما نتج عنها من بؤس وبيان سبل تجاوزه، و إصلاح أوضاع المرأة، ومحاربة الفساد والانحراف. تلكم هي القضايا الاجتماعية التي التزمها الشعراء في العشرينيات، وغذّت الكثير من نصوصهم الشعرية التي يرصد بعضها هذا المقال.

أولا: تصوير المأساة الاجتماعية         

كان للاستعمار الفرنسي أثرٌ سلبي على المجتمع الجزائري بنواحيه المختلفة، فبالإضافة إلى مصادرة الهوية الوطنية والتضييق على اللغة العربية والدين الإسلامي، قام بغلق المدارس ومنع المساجد وعمل على تجهيل الشعب وإفقاره وتشتيته، وقد عبر أبو اليقظان عن ذلك: "لقد تسلط على الأمة عوامل ثلاثة، لو تسلط عامل واحد منها على أمة كبيرة، لزعزع ركنها وهدّ بناءها، ألا وهي الجهل، والفقر، والفرقة"[xix].

إن هذا الوضع ترك بصمته على الشعراء، يقول الطيب العقبي يوم عاد إلى الجزائر سنة 1920، وهو يتحدث عن خمس من السنين قضاها في الجزائر، مُظهرا حزنه على ما آلت إليه الأوضاع، إن صورة الفقر الجماعي، وحالة البؤس لتدعو إلى الفرار من هذا الوطن:

إن خمسا من السنين قضينا      ها، بأرض الجزائر المحرومة

لَسنين من العذاب، طوال     محزنات لأهلها مشئومـة

أَطِلْ الفكرَ في الجزائر وانظرْ     هل ترى أمة الهدى المعلومة

بل ترى أمة تُهان، وتُخزى       وهي في الحق دائما مخصومة

ربِّ عجِّلْ إلى الحجـاز مآبا     فهـي أرض لأمة محرومـة[xx]

في مثل هذا الظرف التزم شعراء الجزائر بالدفاع عن قضية الوطن الذي كان يقع في موضع الاختيار بين الخضوع التام للاستعمار أو التحدي، وكان صوت هذا الوطن يعلو –على الرغم محاولات الخنق- مناديا الشعراء لتحمل مسئولياتهم، وفي هذه الحالة "يتجلى الالتزام في أَنَّ الموقف من المجتمع قضيةٌ، وهُنا يسخر الشاعر فنَّه لذلك"[xxi]، وإنْ لم يظهر الشعراء  التزاما في هذه الحالة فلن يكونوا ملتزمين في حياتهم، لأن الشعر الملتزم ينظم "بدافع الشعور بالتبعة الوطنية والفكرية عند كل كلمة نكتبها، لأننا نكتب معبرين عن شعبنا، عن مطامح هذا الإنسان الذي يناضل في سبيل سعادته وكرامته وطمأنينته"[xxii]،  وعن هذا المعنى عبّر  محمد اللقاني بن السائح:

ألا فدع التغزل في غـوانٍ        فتلك طريقة المستهترينا

فمن صوت البلاد لنا نداء         يكاد المرء يسمعه أنينا[xxiii]

وتمكن الشعراء من التعبير عن المظالم، والإفصاح عنها بأسلوب قوي، ولم يتركوا للخوف في نفوسهم مكانا، أو يجعلوا للإحساس الذاتي مجالا يطغى على الإحساس بالتزامهم نحو الوطن، "فالكتابة بدافع الشعور بالتبعة الوطنية والفكرية أو الواجب تحدد المنظور السياسي والأخلاقي"[xxiv]. وكان أحمد سحنون علامة لامعة في ذلك فها هو يحدد وجهة شعره ويعبر عن التزامه كما يتجلى في هذه الأبيات:

لا تطل لومي ولا تطلب نشيـدي     أنا في شغل بتحطيم قيودي؟

أأغني ويـــــدي مغـلولة     وبرجلي قيود من حديـد؟

أيغني من غـدت أمــــته      بعد عزّ الملك في ذل العبيد؟

  أيغني من غـدا موطــــنه       بين أنياب ذئاب وأسـود؟[xxv]

إن صلة الشعر بالمجتمع نابعة من مدى مساهمته في حل مشاكل هذا المجتمع، لذا كانت للشعر وظائف ومهمات متنوعة "فالشاعر يضع نصب عينيه دائما الظروف التي تحيط بالحياة، إذ إنه لا يمكن أن يجرِّب الحياة دون أن يضطر إلى التفكير في المشاكل الإنسانية الجوهرية "[xxvi].

ولئن التزم شعراء الجزائر -من الناحية الفنية- سبيل المدرسة المحافظة التي سار شعراؤها مع النهضة العربية الصاعدة وعبّروا عن أزمات ويقظة الشعب العربي، واتخذوا من الواقع العربي والإسلامي موضوعات خصبة[xxvii]، فإنه من الناحية الفكرية لم يكن التزامهم متأثرا  بمدرسة شرقية أو غربية، وإنما كان هذا الالتزام منطلقا من مبادئهم، ومن الوعي بالواقع الاجتماعي والسياسي لوطنهم المغتصب، وهذا الالتزام هو الذي جعلهم يشعرون بالمسئولية إزاء هذا الشعب، ويتخذون موقفا دون غيره من المواقف...ليس توجيها أو ضغطا خارجيا، بل نوعا من النضج والشعور بالمسئولية فالأديب الملتزم هو الذي يعي الواقع، ويستوعب القضايا الكبرى، ويعبر عن أمراض المجتمع[xxviii].

وأمام هذا الوضع اختار الشاعر رسالة مقدسة لشعره وهي التوجه إلى الشعب لأن "الشعر الذي لا يحرك نفوس العامة ولا يذكرها في واجبها المقدس ووطنها المفدى، فهو خيانة كبرى وخنجر مسمم في قلب المجتمع الشريف"[xxix].، إدراكا لهذه الحقيقة، يخاطب الشيخ العقبي الشعب الجزائريالنائم في سبات عميق، لعله يستفيق من غفلته ويفهم إشارة الغضب، ويلتفت إلى المصائب، ويثور في هبّة ترفع الظلم:              

يا معشر القوم هبّـُوا من سباتكم    طال الزمان وكم غـنى مُــغنينا

 هبُّوا بني وطـني من نوم غفلتكم     جلَّ المصاب، وخطب الدهر يَرمينا[xxx]

هذه هي المواقف التي يجب على الشاعر أن يقول الشعر فيها، وعلى الكاتب أن يمارس الكتابة حولها كما يقول إدوارد الخراط: "لأني أتمنى أن يكون في كل كلمة من تلك التي أكتب –أو في مجمل ما أكتب-شيء يدفع ولو قارئا واحدا أن يرفع رأسه في كبرياء، وأن يحس معي أن العالم ليس أرض الخراب واللامعنى. أكتب لأني أتمنى أن أرى هذه الأرض التي أعيش فيها، وقد انجابت عنها تماما غاشية الظلم والظلام"[xxxi].

إن الإيمان بحق الآخرين في الحياة الكريمة هو الذي يخلق في الشاعر روحا تدفعه إلى الالتزام بقضايا وطنه والعمل من أجل مواطنيه، والسعي في سبيل تحقيق أهداف إنسانية سامية "والشاعر عندما يعبر عن قضية اجتماعية أو سياسية يعاني منها شعب من الشعوب لا يفعل ذلك اعتباطا وتلهية، بل يقوم بذلك لأنه شيء واجب عليه، ولأنه المساهمة الوحيدة التي يريد هذا الشاعر أن يسهم بها في خدمة الإنسان"[xxxii].

وفي هذا المجال يتحدث محمد الهادي الزاهري –الذي حوصرت حريته من كل جانب شأنه شأن الشعب الجزائري- عن دور المأساة في الإلهام الشعري فيقول: "إن الشعر هو الشعور وأبناء الجزائر يشعرون جميعا بهذه الآلام، فما بالهم لا يكونون شعراء أجمعين؟"[xxxiii]، لأن الشعر فن "والفن هو أسمى فعل من أفعال الحرية يمكن أن يأتيه الإنسان"[xxxiv]، ثم يتعجب محمد السعيد الزاهري من حال قومه الذين تعاقبت عليهم صروف الدهر، تاركة عليهم آثارها السلبية من فرقة وتشتت، وفقر مدقع، وحالك جهل، وهم سادرون لا يشعرون بذلك، يمضون نهارهم وليلهم في القيل والقال:

ولولا خطوب الدهر ما كنت شاعرا      بما فتَّ في أعضادنا وفي أوصال

فيا ويح قومي، كم يعض عليهــم     من الفقر أنياب، وأنياب إقلال

  على أنهم لا يقطعون نهـــارهم      ولا ليلهم، إلا على القيل والقال[xxxv]

إن المتتبع للمتن الشعري مع بداية الربع الأول من القرن العشرين، يجد ما يروي غليله في مجال الشعر الملتزم، فقد لمعت أسماءُ شعراء كبار أشهرهم محمد العيد خير من صور ذلك الوضع في قصيدته (أسطر الكون)، و شخص أسباب المأساة الاجتماعية التي حلت بالجزائريين عامة والشعراء خاصة في ريعان الشباب، وهذه مسؤولية الشاعر الذي يجب عليه" أن يكون على نحو من الأنحاء ملتزما في حريته، بالمعركة الاجتماعية ضد البؤس والظلم الاجتماعي –بل ضد الجور الكوني نفسه- وإنَّ حَقَّ الحلم – في الفن وفي الحياة – هو نفسه فريضة الالتزام"[xxxvi]:  

سئمت على شرخ الشباب حياتي      فحرت ولم أملك  علي ثبـاتي

أرى حظ أرذال النفوس مواتيـا،     وحظ كريم النفس غير مـواتي

وأقرأ من آي الشقاوة أســطرا     على صفحات الكون مرتسمات

فسطر: عياييل أمضهم الطـوى      عـراة، على لفح الأثير حفـاة

وسطر: أيامى يصطرخن توجـعا     من البؤس، لا يفتأن مكتئبـات

وسطر: يتامى مرهقيـن  تكبهم      على جرف البلوى يد العثرات[xxxvii]

إن الأدب مرآة المجتمع ووثيقته التي تنبض بكل خلجات حياته، ولمّا كان الشاعر ابن بيئته منها يستمد موضوعاته التي تكشف الواقع بجلاء، فإن ذلك يلزمه أن يتفاعل مع مجتمعه ويسخر شعره لخدمة قضاياه، وأن يقوم بدوره الرسالي في الميدان الاجتماعي "فالشعر الذي لا يحمل رسالة ولا يخدم هدفا اجتماعيا يصبح نوعا من الأصوات المجردة قد تكون جميلة وربما مفيدة في الظروف السوية للمجتمعات المتقدمة ولكنها مهما كان جمالها غير مفيدة ولا جميلة للمجتمعات التي تعاني من التخلف والظلم السياسي والاجتماعي"[xxxviii].  

إن هذا الوضع الذي آلت إليه الجزائر المستعمرة قد اضطر بعض الجزائريين للهجرة إلى فرنسا بشتى السبل، فقد تسلل مجموعة من الشباب إلى فُرْنِ باخرة مسافرة إلى فرنسا فاحترقوا، ورفع الشعراء لواء المجاهدة لدفع هذا الظلم والانتصار لحق المظلومين، في أسلوب مليء بالنقمة على الأوضاع القائمة والدعوة إلى تغييرها، فصور محمد العيد المأساة في قصيدة (أسطر الكون)، فبدأ بذكر أسباب الهجرة، مثل صعوبة الوضع وضيق سبل العيش، والاعتقاد أن في باريس جنة، وأن فرنسا سترد الجميل، وختمها بتصوير المأساة، أجسام محترقة بالغاز ممزقة ملقاة على الأرض في منظر مذل تكاد تشيب له النواصي:

قسا البلد الجريح وضاق  ذرعا     بهم، فتيمموا البلد الرحيبا

وأدرك بعضهم جذب  مشـتٌّ    لهم فاستقبلوا الربع الخصيبا

وقالـوا إن في باريس عيشـا    يروق غضاضة ويلذ طيـبا

 فسدت في وجوههم النواحي      مسالكها ولم ترحم حبيبا

جسوم في (فروش) مجدلات     تعاني تحته (الغـاز) الرهيبا

   وأجساد ممـزقة الحشـايا     تكاد لها النواصي أن تشيبا[xxxix]

في مثل هذه المأساة يجب أن يكون للشعر وظيفة وللشاعر دوره، فقد تحمل محمد العيد مسئوليته وجاء شعره واضحا في دلالته، عميقا في أصالته، صادقا في تعبيره عن هموم شعبه وأمته، فلم يترك فرصة للمجاهرة بالحقوق دون أن يغتنمها ويشارك فيها، ولو أدى به ذلك إلى السجن، فقد كان إنتاجه مشحونا بحب الوطن، وكرس شعره لمعالجة قضاياه، وهذا هو الالتزام بمعناه الاجتماعي الذي ينسجم مع فكر الشاعر وتوجهه العربي الإسلامي الذي رسمه لنفسه في شعره حيث يقول:

قِفْ حيثُ شَعْبُك مهما كان موقفه      أَولاً  فإنَّك عُضوٌ منه مُنْحَسِمُ

 تَقولَ أَضْحى شَتيتَ الرّأْي مُنقسما       وأنت عَنْه شتيتُ الرأي مُنقَسِمُ

   فَكُنْ مع الشعْب في قَوْلٍ وفي عَمَلٍ       إِنْ كُنْتَ بالرَّجُلِ الشَّعْبيِّ تتَّسِمُ[xl]

ومن الطبيعي أن يصل هذا الوضع إلى نهاية، هذه النهاية يحدد فيها الشعراء هدفا أسمى، لأن غاية الشعر الملتزم أن تكون مضامينه قريبة من الواقع، تكشف عنه، وترسم الخطى للجماهير، أن يكون هذا الشعر أحد الأسلحة في المجتمع للنضال ضد الاستعمار الذي كثرت جرائمه، ونشر الوعي الوطني والثوري الذي يفضي إلى الثورة التي تضع حدا للظلم، وها هو محمد العيد ينادي الشعب الجزائري طالبا منه أن يطّرح الخوف ويكون الحصن الذي يحمي بلاده:

ويا ولد الجزائر صُن حماها    وكُنْ بَرًّا بساحتها أديبا

ولا تخش الوقاع بها، فإني     رأيت الله مطّلعا رقيبا[xli]

إن شعراء الجزائر على اختلاف مشاربهم الفكرية والثقافية كابدوا المعاناة وذاقوا مرارتها، وتركت المأساة على شعرهم بصماتها، فطغت عليه موجة من التشاؤم والقتامة والتذمر والشكوى، حتى لتعجب وأنت تتصفح تراجمهم بأقلامهم في كتاب (شعراء الجزائر) لهذه الغلالة السوداء المنسدلة على أعينهم، وهذه الحشرجة الخانقة لأصواتهم. وهي ظاهرة انسحبت على أكثر من عشرين شاعرا، هم كل أفراد الطليعة التي ترجم لها كتاب (شعراء الجزائر) بجزئيه[xlii]، و النموذج التالي من شعر محمد اللقاني بن السائح يعكس هذه الرؤية الممزوجة بالألم والمعاناة، إنه يرسل صرخة تَفَتَّحُ لها آذان بني وطنه ليهبوا من هذا السبات العميق الذي أمات فيهم الهمم، ويتخلصوا من الجهل الذي أقعدهم عن كل مكرمة، ومن الفرقة والخلاف الذي دبّ بينهم على غير عادة:

بني الجزائر هذا الموت يكفيـنا     لقد أُغِلَّتْ بحبل الجهل أيديـنا

بني الجزائر ما هذا التقاطع من    دون البرايا. عيوب جُمِعت فينا

فقر وجهل وآلام ومسغــبة     يا رب رحماك هذا القدر يكفينا

فالجهل قاتِلُنا، والفقر مُهلِكُنـا    والبأس خاذلنا، واليأس مردينا[xliii]

إن هذا الواقع الأليم يدعو "إلى أنه يمكن بل يجب أن يكون للأدب وللشعر وظيفة...إنه يجب أن يكون للأدب عامة وظيفته، وإنه يجب أن يكون للأدب عامة، وللشاعر دوره. وفي هذا الضوء نستطيع أن نحدد هذه الوظيفة بأنها اجتماعية "[xliv].

وقد نفذ صبر الشعراء لهذا الوضع الأليم، فلم يعودوا يكتفون بالتنديد به أو التعبير عنه، وبدأت تباشير التمرد تلوح في الأفق، كيف لا و "أديب هذا العصر يكتب لا ليعبر عن شخصه، بل ليتحرر من شخصيته، ليتحرر من خوفه وسخطه وألمه ويأسه، وليساعد قراءه على التحرر من هذه الانفعالات التي تشل إرادتهم وتحول حياتهم إلى جحيم"[xlv]،  لذا نجد الزاهري قد تجاوز مرحلة الشكوى والتعبير عن المظالم إلى الثورة وكسَّروا القيود:

لقد كسر الناس القيود وحطَّموا       ونحن بقيـنا في قيـود وأغـلال[xlvi]

أما رمضان حمود فقد لخص حقيقة التزامه، ورؤيته الواضحة للشعر،وكانت دعوته إلى الثورة على مضامين الشعر السائدة في عصره شاملة، فأنكر على الشعراء ما يلجأون إله من التشطير والتخميس وأنواعهما، ورأى في ذلك ضربا من العبث فقال: "فمن شاء منكم التشطير فليشاطر مواطنيه في الأمور العظام والأعمال الجليلة، ومن أراد المعارضة فليعارض الخونة سماسرة السوء، ويعاكسهم في أعمالهم الخبيثة. ومن كان له غرام بالاحتذاء فَلْيَحْتَذِ أجداده الكرام وأسلافه العظام في إبائهم ونخوتهم وعزهم وقوّتهم وسلطانهم، ومن تعلّقت نفسه بالمدح، فليمدح الأخلاق الفاضلة وينشرها بين قومه، ومَن مال إلى الهجاء فليهجُ العادات الفاسدة، ويذم الرذيلة بأنواعها، ومن أحبّ التغزل فليتغزل في وطنه الجميل"[xlvii]، وبعد أن جسّد رمضان حمود حقيقة التزامه ناقدا، يجسدها شاعرابقوله:

وشعري كالحسام يصون عرضا     بلا حرب عـوان ولا قتال

يصادم من يعيث بمجد قومـي     ويطعن ذا الضلال بلا نزال

ويضرم فحمة الألباب حتـما      ويشعل أنفسا أي اشتعال

فحينا كالنسيم لــه هبوب       يرى بين الحدائق والظلال

    يمرّ على نفـوس بائســات      فيبعث في العروق دم الآمال[xlviii]

إن علاقة هذا الشعر بالحياة الاجتماعية تتمثل في كونه ذا هدف اجتماعي يتجاوز القضايا الذاتية، ليصبح عاملا من عوامل البناء والتغيير، يدافع به عن كرامة الإنسان وينازل خصوم وطنه ويحثهم على اليقظة والنضال، وإيمانا بهذه الرسالة يعبر رمضان حمود عن المشاعر التي تختلج في نفسه ونفوس بني قومه، وعن مدى تعاطفه معهم، و يتجلى هذا الموقف في تعبيره عن مأساة الشعب الجزائري من حزن وكآبة  وظلم وبؤس وشقاء وهو لا يستطيع إيصال صوته إلى الآخر، فلا يجد الشاعر من وسيلة إلا رفع يديه متضرعا إلى الله تعالى أن يعجِّل برفع هذا البلاء  عن الشعب الذي يساق إلى الفناء جماعات:

ما لشعبي الكئيب بات حزينـا      يرسل الدمع تـارة، والأنيـنا

بات يشكو الهوان، والليل داج      مثل حظ  الشقي و البائسـينا

                                                     ذاب قلبي، ومات جسمي شهيدا    من هموم  تنهال كـالغيث فينا

يـا إلهــي، وأنت تعلم سري    بين قومي صرت الغريب الحزينا

 عجِّــلْ بنصر للبلاد فإنــا     لِمــهاوي  البلا  نساق عِزِينا[xlix]

 إن الشاعر الملتزم هو المسئول الذي يعيش هموم المجتمع، وينزل بأدبه إلى عمق الشعب ليحرك مشاعره ويوقظه من سباته ويعرفه بأعدائه ويبعث فيه الأمل، هو من اتخذ شعره كما يرى أبو اليقظان: "منبها للشعور والإحساس موقدا لنار الغيرة والحماس، موقظا للنفوس من النعاس، منشطا للأعضاء الفاترة، مجددا للقوى الخائرة، آلة يحرك بها الأعصاب الهامدة، ويهز بها الأنباض الخامدة، غِراء يلحم به ما تصدع من قلوب الأضداد، مرهما لجروح المجتمعات والأفراد"[l]، فلو تتبع الدارس ما في الأبيات السابقة وفي ما قبلها من ضعف يبعدها عن الشعر الجميل، لَتَبَيَّنَ له أن الشعراء لم يُعنوا بالجانب الجمالي في شعرهم، وإنما نظموا شعرهم إرضاءً لعواطفهم الوطنية، وتعبيرا عما يُحسون به من آلام مجتمعهم.

ومن صور الحياة الاجتماعية المفجعة المبكية التي تمس أعماق النفس عن الحياة الاجتماعية، تلك التي نجدها عند الشاعر (محمد الأمين العمودي) لِواقع تفاقم بأسُه واشتد فيه الزور والبهتان لا يبعث إلا على الأحزان، أصبح العيش فيه متكدرا أدى بالشاعر إلى كره الحياة والغرق في مصائبها

إني أرى الدنيا  تفاقم بأســها   واشتد فيها الزور والبهــتان

وأرى الحياة ضئيلة، فنعيمــها    متكدر، وســرورها أحزان

فسئمتها، و سئمت حتى ذكرها    ذكر القبائح تركـه إحـسان

يا صاح، هذي الدار دار إذايـة    يأوي إليها جاهـل، وجبـان

  قد كدت أغرق في خضم مصائبي     وأموت، لولا الصبر والسلوان[li]

هذه الموجة من اليأس ومرارة العيش التي طغت على الشعر الجزائري ما بين (1925- 1931) "لم تنحسر إلا بعد أن تأسست جمعية العلماء التي انضوى تحت لوائها جميع الشعراء، فقد أخذت الحركة الإصلاحية منذ(1931) تسجل الانتصار تلو الانتصار في الميدانين الاجتماعي والثقافي، مما كان له الأثر المباشر في بعض الشعراء الذين دبَّ فيهم روح الأمل، فأخذوا يتخلون عن كآبتهم ويأسهم إلى التغني بالجهود التي أخذت تحققها جمعيتهم"[lii].  

وبدأت بوادر نهضة فكرية وأدبية في الجزائر أسفرت عن ردود فعل إيجابية هزت نفوس الشعراء، فاستمد الشعر مادته من الواقع الجزائري استجابة لمتطلبات المرحلة، التي فرضت على الشعراء أن يلتزموا بتسخير شعرهم للتعبير عن واقع  وعن آمال وآلام شعبهم، وكان لهم صوت مسموع في هذه المأساة لأن "الأديب حامل الثقافة العربية كان الضحية الأولى للمأساة، والمرمى المستهدف بشظاياها، فهو العدو الألذ للمستعمر، يفسد عليه خططه ومشاريعه، ويفضح غاياته ونواياه"[liii].

ومن القضايا الاجتماعية التي التزم الشعراء بمعالجتها في تلك المرحلة قضية الفقر والفقراء واليتم والأيتام، فقد جعل الاستعمارُ الجزائريين يعانون شظف العيش، ومرت بهم سنون عجاف كسني يوسف القاسية، لا أحد يجبر كسر الآخر لأنه يشق عليه الرغيف الخفيف وتعوزه السترة البالية، وفي المقابل يوجد أناس تَبلّد فيهم الحس وماتت المشاعر يتطاولون في العمران ولا ينظرون إلى من دونهم، فيصور محمد العيد هذه المآسي ويتوجه إلى الأغنياء الجزائريين يحثهم على مدّ يد العون لإخوانهم المعوزين:

فشا الجوع واشتد عسر المعاش      وعادت سنو يوسف الغابرة

تفاقم كرب الفقــير الكسير      أما عندكم من يـد جابرة

يشـق عليه الرغيف الطفيف      وتعوزه الخــرقة الساترة

فـيا أيهـا الرافعون القصور      إلى الجو في الأمـة القاصرة

  ألا تذكــرون حفـاة عراة       أصابــهم الفقر بالفاقرة[liv]

إن القضايا التي عالجها الشعراء الجزائريين تؤكد أنهم كانوا متفاعلين مع واقعهم ملتزمين بقضايا مجتمعهم، لأن الأديب الملتزم بقضايا المجتمع "متأثر ومؤثر في آن واحد، متأثر بما يستوحيه من المجتمع من موضوعات وتجارب إنسانية واجتماعية، ومؤثر بما يسهم به في بلورة الأفكار والآراء التي تؤمن بها الجماهير"[lv]..

ثانيا: الدعوة إلى إصلاح أوضاع المرأة:

من الموضوعات الاجتماعية التي التزم الشعراء بمعالجتها في العشرينيات من القرن الماضي موضوع المرأة لما كان يحتاجه هذا الموضوع من أهمية وعناية ترجع إلى دور المرأة في المجتمع وقدرتها على توجيهه وجهة معينة، هذا من جهة ومن جهة أخرى نظرا للوضعية المزرية التي كانت تعيشها المرأة الجزائرية من جهل مطبق وأمية فظيعة مما كان يدفعها إلى الانحراف والفساد والمتاجرة بالعرض أحيانا، يقول أحمد توفيق المدني مصورا وضع المرأة الجزائرية زمن الاستعمار: "ولقد تبلغ الفاقة أحيانا بنساء البادية حداً يجعلهن يَنْزَحْن إلى المدن فيعملن بصفة خادمات في المنازل الأوروبية والإسرائيلية، وتقودهن الحاجة والفاقة إلى المواخير، ويُعبث بهن عبثا تتفتت له القلوب، وتنفطر منه الأكباد. فأغلبية النساء في الجزائر تعاني من المهد إلى اللحد آلام الفاقة والاحتياج والعمل الشاق، ولا تكاد تعرف للحياة معنى، ولا للذة العيش سبيلا "[lvi].

وكانت قضية الحجاب والسفور من أهم القضايا التي تخص المرأة في تلك المرحلة "التي عاشت فيها المرأة الجزائرية والعربية عموما وإلى مطلع النهضة في عزلة عن المجتمع، محرومة من جميع أشكال الإسهام الفكري والثقافي فيه"[lvii]. ولاشك أن أول من تصدى لهذا الموضوع في الشعر الجزائري الحديث هو الشاعر (محمد الصالح خبشاش) كما عبّر عن ذلك أحد معاصريه، وهو (محمد الهادي السنوسي الزاهري): الذي يقول "لم أعرف من أدبائنا من طرق هذا الموضوع قبل هذا الأديب"[lviii]، ففي قصيدة ( المرأة الجزائرية والحجاب)  يصب الشاعر جام غضبه على المجتمع المتزمت الذي يسجن المرأة بين جدران أربع، مغلولة الأيدي بالجهل، ملفوفة في عباءة سوداء باسم الدين، محجوزة محرومة من أبسط حقوق الإنسانية، في وضع شبيه بالموت، كأنها جنت على الزمان وأهله، فهي تدفع ثمن جنايتها، يقول محمد الصالح خبشاش:

تركــوك بين عباءة وشقاء     مكؤوبة في الليلة  الليلاء

مغلولة الأيدي بأسوأ بقـعة      محفوفة بكـتائب الأرزاء

دفنوك من قبل الممات وحبذا     لو متِّ قبل تفاقم الأدواء

مسجونة، مزجورة، محـرومة،    محـفوفة بملاءة سـوداء

ماذا جنيت على الزمان و أهله    حتى رموك بطعنة  نجلاء[lix]

وبعد أن يصف الأوضاع السيئة للمرأة الجزائرية وما أدى إليه إهمال تعليمها والتشدد في حجابها من نتائج سيئة، يشير إلى موقف مشايخ الطرق وأصحاب الزوايا الرافضين رفع غلالة الجهل عنها باسم الدين، وينكر عليهم أن يكون الإسلام حرم تعليم المرأة وفرض عليها الجهل والجمود، وببريء العقيدة الإسلامية من وصمة هذا  الموقف المزري، يقول الشاعر ناقما على الطرقيين، متحديا لهم على أن يأتوا بدليل على مزاعمهم:

قد أوعدوا وتتجهموا وتهددوا     من حل قيد حليفة  الأرزاء

إني لأعتــقدن أن عـقولهم     ممزوجة بمجمدات المــاء

فهل الشريعة حرمت تعليمـها    يا نخبة الأشياخ و الصلحاء

  إن كان ذاك فبينوا بحقــائق     قَطْعِيَّةٍ لِيُمــاطَ كل رداء[lx]

ولا شك أن التأثير المصري في هذه الدعوة واضح، فقد كانت هناك صلة ثقافية بين الجزائر ومصر عن طريق الصحف المصرية التي كانت تصل الجزائر والتي كانت مسرحا للصراع بين دعاة الحجاب وودعاة السفور "وللمرحوم قاسم أمين أنصار يدعون المغربيات إلى السفور وترك الحجاب، غير أن دعوتهم لم تجد ملبيا ولا مجيبا فأخفقت إخفاقا شديدا"[lxi].

ولنا أن نتساءل عن أيِّ حجاب يريد الشاعر خلعه عن المرأة، هل هو حجاب الستر الذي نص عليه الإسلام أم هو حجاب الجهل الذي نتج عن المأساة التي تعيشها المرأة؟ أعتقد أن حجاب الجهل هو ما يجب خلعه عن المرأة، لأنه نتاج مجموعة من العوامل التي فرضتها سياسة الاستعمار، ومعالجة هذه المشكلة لا يتم بمجرد تقليد ظاهري للمرأة الغربية، وإنما يتم بتغيير جوهري لحياة المرأة العربية ومنها الجزائرية.

هكذا تصدى الشاعر الملتزم لواقع المرأة الجزائرية البائس، ودعا إلى تغييره، وتتمثل صلة القطعة الشعرية السابقة بالحياة الاجتماعية في أن وضع المرأة السيئ أدّت إليه السياسة الاستعمارية، وتحالفها مع مشايخ الزوايا وأن مهمة الشاعر هي الشعور بالمسئولية الاجتماعية تجاه هذا الوضع الذي يدفعه إلى العمل على تغييره لأن "الأدب عامة والشعر خاصة له دوره في التغييرات الاجتماعية التي تهدف إلى تأكيد القيم الأساسية الحرية، والعدالة ونحوها"[lxii].      

ولم يكن محمد الصالح خبشاش هو الشاعر الوحيد الذي شغله موضوع حجاب المرأة، فحمد العيد آل خليفة تناول القضية من زاوية أخرى ورأى أن مشكلة المرأة ليست في رفع حجاب الستر عنها، وإنما هي في رفع حجاب الجهل، فقد نادى بالحجاب للمرأة، لأنه في نظره أحسن وقاء لها من الشرور، وصَوْنٌ لعرضها وعصمة لها، وعفة وحياء، وحثّ على تعليمها هذه الحقائق من الدين، لا ممن يريدون بها شرا، فمن تَربى حَسَناً يُرَبي حسنا:

كيف تنجو من الشرور نساء     لا يواري وجوهــهن لثام

عصمة المرأة احتجاب وصون     و إبــاء وعفة واحتشـام

علِّموا المرأة الحقائق في الـدِّ     ين  فقد طوَّحت  بها الأوهام

علِّموها كيف الوقــاية مما      هاجمتــها بشرِّه  الأيـام

لا تغرَّنَّك بضاعة نـخــا      سين كانت بها الإماء تسام[lxiii]

ولم تَخْلُ دعوات تحرير المرأة من ردود أفعال لدى بعض الشعراء الذين اعتبروا ذلك شكلا من أشكال الافتتان والاستلاب الحضاري بالغرب، ونسيان آمال الوطن وتطلعاته وآلام الشعب وأنَّاته، يقول الشاعر الشهيد الربيع بوشامة:

قُلْ لمن يدّعي السفور       وعلى العاد يثــور

ويرى دون حــياء      كشف سوق وصدور

أين أنت اليـوم مِن       شعبك الفادي الغيور

                                                                    ومعاليـه الــتي        أصبحت شُعَل الدهور[lxiv]

إن موقف الشاعرين السابقين (محمد العيد آل خليفة والربيع بوشامة) من قضية حجاب المرأة ينسجمان مع موقف عبد الحميد ابن باديس "هناك سفور إسلامي وهو كشف المرأة وجهها –دون شعرها وعنقها –عند أمن الفتنة...وهناك سفور إفرنجي فيه كشف الشعر والعنق والأطراف مع التبرج بالزينة وما إليها فعلينا –معشر المسلمين –أن نوجه قوتنا كلها إلى منع السفور الإفرنجي الذي قد طغى حتى على نساء أمراء الشرق ووزرائه، وأن نحذَر كل ما يؤدي إليه وأن نحافظ على الوضعية الإسلامية العفيفة الطاهرة"[lxv].

ومن القضايا التي تتعلق بالمرأة وأولاها الشعراء الاهتمام البالغ قضية التعليم، الذي رأوه تتساوى فيه المرأة والرجل لأنه ضرورة تقتضيها نهضة المجتمع الجزائري بل هناك من الشعراء من رأى أن المرأة أولى بالعلوم من الرجل، لأنها مدرسة حقيقية تضمن التربية الصالحة للجيل، يقول زهير الزاهري:

والبنت أولى بالعلوم من الفتى     إذ هي مدرسة لكل وليد

إني أريد لها الكرامة و الحيـا     أما السفور فمنية المفؤود[lxvi]

ويستغل محمد الهادي الزاهري تأسيس جمعية (الإخاء العلمي) في العشرينيات من القرن الماضي ليسقط ذلك على المرأة، ويتحدث بلسانها، وينظر بعينيها إلى الواقع الثقافي لها وما هي عليه من جهل وجمود قياسا بمثيلاتها من بنات المستعمر، مقارنا وضعها الراهن بما كانت عليه من عزة، ثم يناشد من يعيد لها هذه المكانة ويبعثها بالعلم:

إنا على ما تعلمون بحـالة      مُلئت بها بنت النبوغ جمودا

 إنا بنات الشعب في أمـية       ملأت رؤوس الناشئات خمودا

كانت لنا في الغربيات مكانة     تُرعى فأصبحن لهن عبيـدا

 ناشدتكم بالله والرحم التي       في الكتب مُجّد ذكرها تمجيدا

      أن تبعثوا للعلم في أبنائكم        روحا  ومن كيس المشح نقودا[lxvii]

إن مواقف الشعراء السالفة من المرأة كانت متباينة قبل تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكان كل شاعر ينضح من إنائه الخاص، لكن بعد ذلك استقطب موقف هذه الجمعية جميع الشعراء وتوحدت أساليب التفكير ومنطلقات الإصلاح لديهم قناعة منهم بضرورة تضافر الجهود لتوطيد علاقة الجزائر بأصالتها العربية الإسلامية في مواجهة موجة المسخ التي سببها الاستعمار الفرنسي. 

ثالثا: الدعوة إلى محاربة الانحراف والفساد

لقد فرضت ظروف الاستعمار على الشعراء أن يدركوا مهمتهم التاريخية و ينزلوا إلى الساحة الاجتماعية مصلحين موجهين مرشدين، يستمدون العزم من إيمانهم أن الإصلاح الاجتماعي ومحاربة الفساد ومقاومة نتائج الاستعمار على ذلك المستوى هي أول طرق البناء الثوري، وقد تجلى هذا الموقف الالتزامي في مقدمة كتاب (شعراء الجزائر في العصر الحاضر) إذ بيّن صاحبه طبيعة الشعر الذي يريد أن يوشي به كتابه قائلا:  "أخرجت هذه المواضيع (يقصد الرثاء والمديح والهجاء) لما بينها وبين الحقيقة اليوم من التباين، لما في المديح من التنازل عن الكرامة وفي الهجاء من البذاءة وفي الرثاء من التعداد الذي قلما يصدق فيه قائله والجميع في الأكثر لا يفيدنا معنى اجتماعيا ولا غيره وعلى الأخص في بيئتنا"[lxviii].

وبناء على هذا الموقف لم يبق الشاعر الجزائري متفرجا أمام الفساد والانحراف الذي نتج عن العملية الممنهجة التي قام بها الاستعمار لتدمير الوطن الجزائري، ولم تقتصر وظيفة شعره على الأغراض التي اعتاد الشعراء التطرق إليها في العصر القديم، وإنما أصبحت وظيفة الشعر جديدة تتماشى مع الواقع، لأن الأوضاع الاجتماعية حتّمت على الشعراء المواجهة وتحمل المسئولية أمام المجتمع ومحاربة الفساد والانحراف وتأكيد القيم للالتزام بها والحث على المثل العليا للاقتداء بها، وفي هذه الحال لا بد أن يكون الشاعر قدوة يحمل المشعل في قومه، يقول محمد اللقاني بن السائح موضحا موقفه في قومه:

أنا ذاك الشهم الأبيّ ومن له      عند المكاره صولة الآساد

أنا ذاك الحر المدلل في الوغى     كل الصعاب بفكره الوقاد[lxix]

ثم يشخص الشاعر حال قومه وما لحقهم من ذل وهوان نتيجة ما تفشى بينهم من كيد لبعضهم البعض وانشغالهم بكل ما يلهيهم عن تحقيق الكرامة والمجد من قرع الدفوف ورنَّات الغناء ومعاقرة الخمر، فأفسدوا عقولهم وجنوا على أجسادهم، فلم يعد ينفعهم نصح وإرشاد:

                                                         لبسوا شعار الذل طـول حياتهم    وتسارعوا للكيد والإفسـاد

                                                          عبدوا المزامر، واسترقَّ  رقابهـم   نقر الدفوف ورنة الإنشـاد

  باعوا ببنت الحان  فضل عقولهم     فبغوا على الأرواح والأجساد

                                                           علمتهم بالعلم كـل فضيـلة     ودعوتهم من حاضر أو بـاد

      فوجدت في الأٍرواح موتا كامنا    و علمت أني صارخ في وادي[lxx]

إن حالة الشعب تدعو الشاعر أن يكون ملتزما بصد موجة الفساد، لأن مثل هذا الالتزام في الأدب "يكون أكثر ضرورة في البلدان التي تحدث فيها الرجات الاجتماعية أو الاقتصادية أو الفكرية، لأن الأديب يجد نفسه - من حيث يدري أو لا يدري- ملزما ومرغما على نصرة الحق والأخذ بيد المظلوم والدعوة إلى الخير، والمشاركة الوجدانية مع أبناء مجتمعه أو أبناء البشرية كلها"[lxxi]، و يختم الشاعر قصيدته، بالدعاء إذ يمد يديه إلى السماء داعيا الله أن ينفخ في هذا الشعب من روحه كي ينهض من غفلته التي طالت ويحقق مراده:

فامدد بروح منك ينهض شعبنا    من غفلة أودت به ورقاد[lxxii]

ولعل أكثر الظواهر التي استرعت انتباه الشعراء هي ظاهرة الاستهتار واللهو ومغازلة الغواني واحتساء الخمر التي كانت سببا في انحطاط الأخلاق وخراب الأمم وفساد القيم، فقد كان للعامل الاجتماعي أثر كبير في توجيه الشعراء إلى نبذ هذه الظاهرة ومحاربتها، وقد عبَّر أكثر من شاعر عن ذلك، يقول ابن باديس وهو في العشرين من عمره:

ودع غزلا للغانيات، فطالمــا     سلا عن وصال الغانيات نبيل

  فديدني الآداب والعلم مقصدي      ولازلت في نيل المعالي أجول[lxxiii]

ويقول محمد اللقاني بن السائح في قصيدة (إلى رجال العمل إلى الشباب الناهض) يأمر بترك التغزل الذي يراه من طباع المنحرفين، ويدعو للابتعاد عن الخمر التي تفسد العقول، وينبه إلى أولوية الشعر في الاستجابة لنداء الوطن الذي يئن تحت وطأة الظلم والاضطهاد:

ألا فدع التغزل في غـوان     فتلك طبيعة المستهترينا

 وما شأن المُدامة في كؤوس     بها تستنزف العقل الثمينا

  فمن صوت البلاد لنا نداء     يكاد المرء يسمعه أنيـنا

     فمن جرح تغلغل في بنيها      إلى جرح يضاف لآخرينا[lxxiv]

وليس غريبا أن نسمع مثل هاته الدعوة عند شاعر آخر هو الشيخ الطيب العقبي، الذي يرى أن إصلاح البلاد أولى من ذكر سلمى وسعاد:

دع ذكر سلمى وسعـاد      وانـهض لإصلاح البلاد[lxxv]

إن القصائد التي نظمها الشعراء في الربع الأول من القرن العشرين معظمها قصائد ملتزمة، سلك أصحابها المسلك الإنساني الذي حملته الحركة الإصلاحية، وحاولوا انتشال الفرد من الضياع الذي طاله بسبب الأوضاع الاجتماعية والسياسية، وكان هذا بقناعة وبتوجيه ذاتي يقول الشاعر محمد الهادي السنوسي الزاهري: "إن الشاعر هو الفذ القادر الذي قد أوقف نفسه على بني جلدته، أو بني الإنسان أجمعين، يجاهد بفكره في سبيلهم ليهدي الضال، ويعلم الجاهل، ويضرب لأبناء البشر المثل العالية في السعادة وكمال الإنسان..."[lxxvi].

ونظرا لشيوع ظاهرة الانحراف والانغماس في اللهو وتعاطي الخمر، فقد أفاض الشعراء في تصوير الوضع، يقول محمد المولود بن الموهوب مبينا وضع قوم لازموا الخمور فضاع منهم الشرف والمال وانتشر بينهم الكيد والحقد والفرقة والتنافر:

رمت أمواج بحـر اللهو منا     أناسا للخمور ملازمــينا

 أضاعوا عرضهم والمال حبا      لبنت الحان، فازدادوا جنونا

                                           تواصوا بالتنـافر فاطمأنت     لحقدهم قلـوب الكائدينـا[lxxvii]

أما الأمين العمودي فكان أكثر واقعية وجرأة حين طرق في قصيدته (أَمْرٌ دُبِّر بِلَيْل)[lxxviii]موضوعا غريبا عن المجتمع الجزائري المسلم وتحدث دون مواربة عن انحراف "العدالة الاستعمارية" مشبها سلوك الوكيل بسلوك البغي في التحايل على الزبائن لابتزاز أموالهم، وقد عبّر  عن ذلك بلغة متدنية متجردة بذيئة في غاية التجاوز للأعراف والتقاليد والأخلاق السائدة، نترفع عن ذكرها لأنها تثير الاشمئزاز في نفس المتلقي.

وقد ازداد نشاط الشعر الملتزم بقضايا الأخلاق مع ظهور جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي كان من أهدافها التربية والتعليم، وحفل شعر الثلاثينيان من القرن العشرين بالقصائد الغر التي تتحدث عن فساد الأخلاق وانحراف الشباب، يقول محمد العيد في قصيدة (تحية الشبيبة) سنة 1933:

قف معي بالجزائر اليوم واسبر    غور أحداثها بعيـن وأذن

تجد الطفل في الأزقة يلهـو      والفتى يشرب الخمور ويزني

    تجد الطفلة اليتيمة تشقـى      تحت خدر تنوء أو تحت خدن[lxxix]

إن صورة الطفل الذي يلهو في الأزقة والفتى الذي يتعاطى الخمر ويمارس الزنا، والطفلة اليتيمة التي تشقى في مواضع الخنا يتطلب أن يكون الشاعر مسئولا أمام الله وأمام المجتمع عن شعره فيم يسخره، وعليه فإنه من الطبيعي أن يكون الشعراء في تلك الفترة يصدرون مفهومهم للشعر عن النظرة التي تولي الجانب الأخلاقي أهمية في المجتمع، ولا تتصوره إلا في خدمة الوجدان الاجتماعي للأمة، فكان شعرهم شعر قضية لا شعر ذات.

رابعا: الدعوة إلى نشر العلم ومحاربة الجهل

لقد أدرك شعراء إلى خطر الجهل على مجتمعهم وكيف يمكن أن يكون عاملا من عوامل بقاء الاستعمار بمساوئه وتبعاته، عارفين في الوقت ذاته قيمة العلم والتعليم في نشر الوعي في أوساط المجتمع، لذلك ركزوا بقوة على ضرورة نشر العلم، وكانت قضية التعليم من أولويات الحركة الإصلاحية التي كان للشعراء نصيب وافر من المشاركة فيها دعوة وممارسة.

وإذا أردنا الحديث عن الدعوة إلى العلم في الشعر الجزائري، فلا بد أن نقرّ أن جمعية العلماء كانت تشرف على الإصلاح المتكامل اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا وسياسيا، وكان دأبها في إصلاح القضايا السابقة هو إحداث ثورة علمية بعدما تهيأت أسبابها: "بعد تذليل العقبات وتمهيد الطرق التفت أولئك المصلحون إلى الناحية الثانية، ناحية الإصلاح العلمي، فدرسوا مسارب الجهل إلى جسم الأمة وكيف تكون مكافحتها، وأساليب العلم القديمة وكيف يكون إصلاحها...فتحوا المدارس وهذبوا أساليب التعليم، وقربوا منال العرفان إلى الأفهام فكانت في الشعب الجزائري الذي كان مضرب الأمثال في الأمية والرطانة، نهضة علمية مباركة، تضم بين أبنائها ثلة من العلماء الفطاحل، والخطباء المصاقع، والكتاب المجيدين، والشعراء الفحول"[lxxx].

وعُرِف الشعراء: رمضان حمود وأبو اليقظان وحمزة بوكوشة ومحمد العيد وأحمد سحنون في ميدان الصحافة، فكتبوا القصائد التي تشيد بدور الصحافة في إنهاض الهمم وتوحيد الصفوف ونشر المعرفة ودعوا إلى بناء المدارس وتعليم النشء، ومن ثم نجد كمًّا غزيرا من القصائد التي تلح طويلا على العلم، وتلك هي صرخة رمضان حمود التي طالما رددها على لسان الصحافة:

أصيح فيهم بصوت عز قائـلة     ألا حـياة بها في الـناس نرتفـع

فمزقوا الجهل وانجوا من مخالبه      فالجــهل بالعلم والتفكير ينقطع

                             وحيثما كنتم ولوا وجوهكـم     وجهدكم شطر شمس العلم واندفعوا[lxxxi]

ويعلق صالح خرفي على شعر رمضان حمود والتزامه بالإصلاح بما يلي: "ومنذ القراءة الأولى لشعره، يتجلى حمود وقد ملك عليه إصلاح شعبه وأمته تفكيره، وكأني بالفكرة الإصلاحية وقد امتزجت بدمه، فأعطاها كل ما يملك من قواه، ولم يثنه عن عزمه مستعمر حاول إذايتهم مرارا"[lxxxii].

ويظهر الأسلوب المباشر في الدعوة إلى العلم في شعر محمد العيد آل خليفة، فهو أكثر شعراء تلك الفترة التزاما بالإصلاح، وقد ساير شعره النهضة وواكبها في جميع مراحلها فكان له "في كل ناحية من نواحيها وفي كل طور من أطوارها وفي كل أثر من آثارها القصائد الغر"[lxxxiii]، يدعو فيها الشعب إلى بناء المدارس وتعليم النشء، لأنه "في بداية أية نهضة يكون العلم بمعناه الواسع سلاحا أساسيا لها، يهبها السطوة والنفوذ والقوة، ويملأ قلوب الناهضين بالإيمان الراسخ والوعي اليقظ"[lxxxiv]، يقول محمد العيد: إن العلم هو سلطان الوجود، وهو وسيلة السيادة والمجد ومناعة الأوطان، ويرى أن أغلى ما يشيده الإنسان من حصون وما يرفعه من قلاع يتمثل في المدرسة التي تنتج العقول والمصنع الذي ينتج وسائل التنفيذ، أما الجهل فهو كالغراب الذي لا يحوم إلا على الخراب:

 العلم سلطان العقول فسد  به          من شئت أو ذد عن حياضك وادفع

والْجأ له بدل الحصون فلا أرى         حصنا كمدرسـة سمت أو مصنع

قـل للجزائـر انشـئي كلية          تمـحو جـهالة شعبـك المتسكع

الجهل غيم فوق أرضك ضارب         غطى على أرجائــها والأربـع

 الجهل أشبه بالغراب فما لـه            من منزل غير الخراب البــلقع[lxxxv]

ويوم واصلت النهضة الإصلاحية رسالتها بعد الحرب العالمية الثانية، أسفرت المدرسة الحرة عن وجهها الحقيقي، وفرضته على المستعمر في وضح النهار، وغدت مدرسة حربية رسالتها تخريج دعاة الثورة وحملة السلاح، وأصبحت رسالة المعلم فيها الجهاد والتحرير وفك الأسر، وأصبح الطلبة هم الجند والعتاد والفداء كما نلمس ذلك في قصيدتي أحمد سحنون: ( إلى المعلم) وإلى ( التلميذ) اللتين رفعتا شعارا لكل مدرسة حرة[lxxxvi].

هات من نشء الحمى خير عتاد      وأدخرهم  لغد جنـد جـهاد

هاتـه جـندا  قويا باسـلا        إنْ دَجى الخطب يكن أول فادي

إن في يمنـاك شعبا كامــلا       يتـنزى بيـن ظلم واضطهاد

لم يزل في القيد منهوك القـوى       منذ ألقـى للأعـادي بالقيـاد

يا مربي النشء، يا باني النـهى        يا محـلَّ الحب في كـل فـؤاد

                                                  قُدْ إلى العلياء أشبال الحمـى        وإلى تحريرهم، كُنْ خيـر حاد[lxxxvii]

وتنعكس الصورة ذاتها على (التلميذ) الملجأ الوحيد للشعب في محنته، بعد أن قعدت به كل وسائل النهوض، حيث أصبح التلميذ هو السلاح المنتظر، وإن الشاعر سحنون ليستعجل تخرجه، ليخوض المعركة، فهو لا يتوسم في مستقبله رسالة علمية، بقدر ما يتلمس فيه موقفا بطوليا وهو ما تتطلبه المرحلة:

لك في كل حشا نبع وداد         يا رجاء الضاد، يا ذخر البلاد

شعبك الموثق لم يبـق له         من عتاد فلتكن خير عتــاد

لجّ الاستعمار في طغيـانه          كل يوم مـنه ألوان اضطهاد

فمتى تحمي حِمى سيمَ الأذى      فعلى نشء الحمى كل اعتماد

ومتى تفدي بلادا، طالمـا         سامـها أعداؤها فالحر فادي

هذه غايتك المثــلى، التي         إن تحصلها، تنل كـل مراد[lxxxviii]

ومعظم شعر أحمد سحنون لا يخرج عن هذه المضامين التي يمكن تلمس سماتها في ثنائية الإسلام والعروبة "وهي الثنائية المشكلة لقصائد هذه الفترة. والمؤكد أن أحمد سحنون إنما يمارس بها نوعا من تأكيد الذات المؤيد بالثورة على الواقع الذي يفرض ثنائية حضارية مضادة غريبة عن مجتمعه، والتي تتجسد في اللغة الفرنسية المؤيدة بالنصرانية"[lxxxix].  

ولا يختلف دور المدرسة عند إبراهيم أبي اليقظان عن سابقه فالمدرسة هي المهد الذي منه يتخرج حملة السلاح، وفيه يتكون الجند المنتظر لتحرير الوطن ليعيش حرا طليقا كسائر البلدان التي تنعم بالحرية، ولهذا فمن الواجب على أهل الفضل إذا كان همهم تأسيس أركان للشعب أن تكون عنايتهم الأولى بهذه المدرسة:  

وما الفضل إلا للمدارس إنهـــا      مغارس مجد الشعب في كل أزمان

هي الأم هي المهـــد للأمة التي        رأت أن تعيش بين سائر أقـران

هي القلعة الكبرى هي الحصن في البلى      يصد به حراسه كـل طغيــان

فما مات شعب ضم بين ربوعــه        مدارس علم وهي مورد ظمـآن

تهيئ نشأ كي يذودوا عن الحمــى       ويعلوا منار الحق في كل بلـدان

جدير بأهل الفضل أن يحفلوا بهــا       إذا همهم في الشعب تأسيس أركان[xc]

ونافلة القول إن ارتباط الشعر الجزائري الحديث بالمجتمع كان أمرا طبيعيا، فقد استمد الشعر مادته من الواقع الجزائري استجابة لمتطلبات المرحلة التي فرضت على الشعراء أن يُسخّروا شعرهم للتعبير عن آمال وآلام شعبهم "ويكفي الشعر الجزائري أنه احتفظ بميزة الصدق، وأنه كان صدى لخلجات الشعب وأنّاته، وصوتا لكفاحه"[xci]، فقد سجل همومه وحثّه على السير في طريق التطور، ولم يكن شعر طبقة خاصة أو هيئة خاصة، والشاعر الحقيقي في نظر رمضان حمود[xcii]، هو الذي يكون صورة صادقة لنفسه ولعصره، ولا ينقاد في إبداعه إلا لصوت ضميره، وليس معنى هذا أن يكون شاعرا ذاتيا أنانيا، يتغنى باهتماماته الشخصية وحدها، بل بالعكس من ذلك، إن الشاعر من هذا المنظور هو الذي يتحمل دور الريادة في الحياة والمجتمع في المجال السياسي و الديني والاجتماعي. عليه أن يقاوم الاستبداد بلسان حاد لا يرده عن ذلك اضطهاد أو قوة أو جبروت، فإن الشعر الذي لا يحرك همة الشعب ليتطلع إلى الاستقلال والحرية، ولا يذكر بواجبه المقدس ووطنه المفدى خيانة كبرى وخنجر مسمم في قلب المجتمع الشريف.

   

 


[i]-ابن منظور،1997لسان العرب،(مادة لزم ) مجلد 12، ط12، دار صادر، بيروت، لبنان، ص541/542.

[ii]- سورة الفرقان، الآية 77.

[iii]- سورة الإسراء، لآية 13.

[iv]-سورة ق، الآية 18.

[v]- مجدي وهبة وكامل المهندس، 1984، معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، ط2، مكتبة لبنان، ص58.

[vi]- عبد النور جبور، 1984، المعجم الأدبي، دار العلم للملايين، بيروت، ط2، ص31.

[vii]- محمد التونجي، 1999، المعجم المفصل في الأدب، ج2، ط2، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ص123.

[viii]- مجدي وهبة، وكامل المهندس، معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، ص58.

[ix]- ينظر، بدوي طبانة، 1984، قضايا النقد الأدبي، دار المريخ للنشر، الرياض، المملكة العربية السعودية، ص16.

[x]- أحمد أبو حاقة، 1979، الالتزام في الشعر العربي، ط1، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ص30.

[xi]-  ينظر، رجاء عيد، 1988، فلسفة الالتزام في النقد الأدبي، منشأة المعارف، الإسكندرية، مصر، ص 131.  

[xii]- جان بول سارتر، 1990، ما الأدب؟ ترجمة محمد غنيمي هلال، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، الفجالة، القاهرة، ص24.

[xiii]- مجدي وهبة، وكامل المهندس، معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، ص58.

[xiv]- أحمد أبو حاقة، الالتزام في الشعر العربي، ص14.

[xv]- سورة هود، الآية 28.

[xvi]- إحسان عباس، 1988، اتجاهات الشعر العربي المعاصر، عالم المعرفة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ص160.

[xvii]- سهيل إدريس وآخرون، 2003، تحولات مفهوم الالتزام، في الأدب العربي الحديث، ط1، دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، ص137.

[xviii]- ينظر، عبد المعين الملوحي، 1980، الأدب في خدمة المجتمع، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، سوريا، 1980، ص5.

[xix]- صالح خرفي، 1984، الشعر الجزائري الحديث، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ص 16.

[xx]-  صالح خرفي، شعر المقاومة الجزائرية، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، ص138.                        

[xxi]-إحسان عباس، اتجاهات الشعر العربي المعاصر، ص 160.

[xxii]- شكري الماضي، 2011، مقالات في النقد الحديث والمعاصر، ط1، العالم العربي للنشر والتوزيع، دبي الإمارات العربية المتحدة، ص123.

[xxiii]- ا محمد الهادي الزاهري السنوسي، شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ج1،داربهاء الدين للنشر والتوزيع، قسنطينة، الجزائر، 2007، ص112.

[xxiv]- شكري الماضي، مقالات في النقد الحديث والمعاصر، ص123.

[xxv]- أحمد سحنون، 2007، الديوان، ج1، ط2، منشورات الحبر، الجزائر، ص 143.

[xxvi]- محمد زكي العشماوي، الرؤية المعاصرة في الأدب والنقد، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ص151.

[xxvii]- ينظر، أبو القاسم سعد الله، 1985، دراسات في الأدب الجزائري الحديث، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ص52

[xxviii]- ينظر، محمد مصايف، 1984، النقد الأدبي الحديث في المغرب العربي، ط2، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ص238.

[xxix]- محمد ناصر، 1985، رمضان حمودرمضان حمود حياته وآثاره، ط2، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ص63.

[xxx]- محمد الهادي الزاهري السنوسي، شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ج1، ص 231

[xxxi]- سهيل إدريس وآخرون، تحولات مفهوم الالتزام، ص 89.

[xxxii]-  محمد مصايف، 1988، دراسات في الأدب والنقد، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ص79.

[xxxiii]- محمد الهادي الزاهري السنوسي، شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ج1، ص138

[xxxiv]- شكري محمد عياد، 1978، الرؤيا المقيَّدة (دراسات في التفسير الحضاري للأدب)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص 3.

[xxxv]- محمد الهادي الزاهري السنوسي، شعراء الجزائر في العصر الحاضر ج1، ص147.

[xxxvi]-  سهيل إدريس وآخرون، تحولات مفهوم الالتزام في الأدب العربي الحديث، ص76.

[xxxvii]-محمد الهادي الزاهري السنوسي، شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ج1، ص 85.

[xxxviii]- عبد العزيز المقالح، الأبعاد الموضوعية والفنية لحركة الشعر المعاصر في اليمن، ط2، دار العودة، بيروت، لبنان، ( د ت)، ص83.

[xxxix]-  محمد الهادي الزاهري السنوسي، شعراء الجزائر في العصر الحاضر ج1، ص82.

[xl]- محمد العيد آل خليفة، 1967، الديوان، ط1، المؤسسة الوطنية للنشر والتوزيع، مطبعة البعث، قسنطينة، ص371

[xli]- المصدر نفسه، ص 84.

[xlii]- ينظر، صالح خرفي، الشعر الجزائري الحديث، ص 17.

[xliii]- محمد الهادي الزاهري السنوسي، شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ج1، ص109.

[xliv]-  سهيل إدريس وآخرون، تحولات مفهوم الالتزام في الأدب العربي الحديث، ص83.

[xlv]-  شكري محمد عياد، الرؤيا المقيَّدة (دراسات في التفسير الحضاري للأدب)، ص 3.

[xlvi]- محمد الهادي الزاهري السنوسي، شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ج1، ص147.

[xlvii]- صالخ خرفي، 1985، رمضان حمود، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر،ص48-49.

[xlviii]- المرجع نفسه، ص49

[xlix]- المرجع نفسه، ص 286.

[l]- إبراهيم أبو اليقظان، 1989، الديوان، ج1، ط2، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، وحدة الرغاية، الجزائر، ص60.

[li]-  المصدر نفسه، ج2، ص38.

[lii]- محمد ناصر، 2006، الشعر الجزائري الحديث اتجاهاته وخصائصه الفنية (1925-1975)، ط2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ص89.

[liii]- صالح خرفي، الشعر الجزائري الحديث، ص 17.

[liv]- محمد العيد آل خليفة، ص 251-252.

[lv]- محمد مصايف، النقد العربي الحديث في المغرب العربي، ص240.

[lvi] - أحمد توفيق المدني، 1984، كتاب الجزائر، ط2، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ص362.

[lvii]- ينظر، عبد الله ركيبي، دراسات في الشعر العربي الجزائري الحديث، الدار القومية للطباعة والنشر، ص 14.

[lviii]- محمد الهادي الزاهري السنوسي، شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ج2، ص149

[lix]- المصدر نفسه، ص149.

[lx]- المصدر نفسه، ص 152.

[lxi]- محمد السعيد الزاهري "مكانة مصر في المغرب العربي"، مجلة الرسالة، القاهرة، مصر، العدد 135، السنة الرابعة، 3/2/1936، ص180.

[lxii]- سهيل إدريس وآخرون، تحولات مفهوم الالتزام في الأدب العربي الحديث، ص 88.

[lxiii]- محمد العيد آل خليفة، الديوان، ص179.

[lxiv]- الربيع بوشامة، 1994، الديوان، جمع وتقديم جمال قنان، منشورات المتحف الوطني للمجاهد، طبع المؤسسة الوطنية للنشر والإشهار، الرويبة، الجزائر، ص 231.

[lxv]- عبد الحميد بن باديس، م1، ج2، ط3، إعداد وتصنيف، عمار الطالبي، الشركة الجزائرية لصاحبها الحاج بوداود، الجزائر، ص207.

[lxvi]- زهير الزاهري (قصيدة صورة المجتمع الجزائري)، الشهاب، ج5، المجلد 6، (محرم1349، جوان 1930)، ص 305.

[lxvii]- محمد الهادي الزاهري السنوسي، شعراء الجزائر في العصر الحاضر ج1، ص 320.

[lxviii]- المصدر نفسه، ص73.

[lxix]- المصدر نفسه، ص122.

[lxx]- المصدر نفسه، 124.

[lxxi]- محمود الجومرد، 1980، الأديب والالتزام، مطبعة المعارف، بغداد، العراق، ص 34.

[lxxii]- محمد الهادي الزاهري السنوسي، شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ج1، ص125.

[lxxiii]- المصدر نفسه، 77.

[lxxiv]- المصدر نفسه، ج1، ص112.

[lxxv]-  محمد ناصر، الشعر الجزائري الحديث اتجاهاته وخصائصه الفنية، ص77.

[lxxvi]- محمد الهادي الزاهري السنوسي، شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ج2، ص26.

[lxxvii]- المصدر نفسه، ص69.

[lxxviii]- تنظر القصيدة في المصدر نفسه، ص41.

[lxxix]- محمد العيد آل خليفة، الديوان، ص110.

[lxxx]-  إبراهيم أبو اليقظان (موجة الإصلاح الديني والعلمي بالقطر الجزائري)، البصائر، دار البعث، قسنطينة، العدد 1ليوم:27/12/ 1935، ص5-6.

[lxxxi]-  محمد ناصر، رمضان حمود حياته وآثاره، ص 33.

[lxxxii]- المرجع نفسه، ص 27.

[lxxxiii]- محمد البشير الإبراهيمي، مقدمة ديوان محمد العيد آل خليفة، ص ج.

[lxxxiv]-محمد ناصر، رمضان حمود حياته وآثاره، ص 33.

[lxxxv]- محمد العيد آل خليفة، الديوان، ص145.

[lxxxvi]- ينظر، صالح خرفي: لشعر الجزائري الحديث، ص153.

[lxxxvii]- أحمد سحنون، الديوان، ج1، ص14.

[lxxxviii]- المصدر نفسه، ص16.

[lxxxix]- عمر بوقرورة، 2007، حول المضمون الإسلامي في شعر أحمد سحنون، ط1، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ص42.

[xc]- إبراهيم أبو اليقظان، الديوان، ج1، ص129.

[xci]- أبو القاسم سعد الله، دراسات في الأدب الجزائري الحديث، ص32.

[xcii]- ينظر: صالح خرفي، رمضان حمود، ص118.

[1]-ابن منظور،1997لسان العرب،(مادة لزم ) مجلد 12، ط12، دار صادر، بيروت، لبنان، ص541/542.

[1]- سورة الفرقان، الآية 77.

[1]- سورة الإسراء، لآية 13.

[1]-سورة ق، الآية 18.

[1]- مجدي وهبة وكامل المهندس، 1984، معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، ط2، مكتبة لبنان، ص58.

[1]- عبد النور جبور، 1984، المعجم الأدبي، دار العلم للملايين، بيروت، ط2، ص31.

[1]- محمد التونجي، 1999، المعجم المفصل في الأدب، ج2، ط2، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ص123.

[1]- مجدي وهبة، وكامل المهندس، معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، ص58.

[1]- ينظر، بدوي طبانة، 1984، قضايا النقد الأدبي، دار المريخ للنشر، الرياض، المملكة العربية السعودية، ص16.

[1]- أحمد أبو حاقة، 1979، الالتزام في الشعر العربي، ط1، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ص30.

[1]-  ينظر، رجاء عيد، 1988، فلسفة الالتزام في النقد الأدبي، منشأة المعارف، الإسكندرية، مصر، ص 131.  

[1]- جان بول سارتر، 1990، ما الأدب؟ ترجمة محمد غنيمي هلال، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، الفجالة، القاهرة، ص24.

[1]- مجدي وهبة، وكامل المهندس، معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، ص58.

[1]- أحمد أبو حاقة، الالتزام في الشعر العربي، ص14.

[1]- سورة هود، الآية 28.

[1]- إحسان عباس، 1988، اتجاهات الشعر العربي المعاصر، عالم المعرفة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ص160.

[1]- سهيل إدريس وآخرون، 2003، تحولات مفهوم الالتزام، في الأدب العربي الحديث، ط1، دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، ص137.

[1]- ينظر، عبد المعين الملوحي، 1980، الأدب في خدمة المجتمع، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، سوريا، 1980، ص5.

[1]- صالح خرفي، 1984، الشعر الجزائري الحديث، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ص 16.

[1]-  صالح خرفي، شعر المقاومة الجزائرية، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، ص138.                          

[1]-إحسان عباس، اتجاهات الشعر العربي المعاصر، ص 160.

[1]- شكري الماضي، 2011، مقالات في النقد الحديث والمعاصر، ط1، العالم العربي للنشر والتوزيع، دبي الإمارات العربية المتحدة، ص123.

[1]- ا محمد الهادي الزاهري السنوسي، شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ج1،داربهاء الدين للنشر والتوزيع، قسنطينة، الجزائر، 2007، ص112.

[1]- شكري الماضي، مقالات في النقد الحديث والمعاصر، ص123.

[1]- أحمد سحنون، 2007، الديوان، ج1، ط2، منشورات الحبر، الجزائر، ص 143.

[1]- محمد زكي العشماوي، الرؤية المعاصرة في الأدب والنقد، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ص151.

[1]- ينظر، أبو القاسم سعد الله، 1985، دراسات في الأدب الجزائري الحديث، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ص52

[1]- ينظر، محمد مصايف، 1984، النقد الأدبي الحديث في المغرب العربي، ط2، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ص238.

[1]- محمد ناصر، 1985، رمضان حمودرمضان حمود حياته وآثاره، ط2، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ص63.

[1]- محمد الهادي الزاهري السنوسي، شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ج1، ص 231

[1]- سهيل إدريس وآخرون، تحولات مفهوم الالتزام، ص 89.

[1]-  محمد مصايف، 1988، دراسات في الأدب والنقد، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ص79.

[1]- محمد الهادي الزاهري السنوسي، شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ج1، ص138

[1]- شكري محمد عياد، 1978، الرؤيا المقيَّدة (دراسات في التفسير الحضاري للأدب)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص 3.

[1]- محمد الهادي الزاهري السنوسي، شعراء الجزائر في العصر الحاضر ج1، ص147.

[1]-  سهيل إدريس وآخرون، تحولات مفهوم الالتزام في الأدب العربي الحديث، ص76.

[1]-محمد الهادي الزاهري السنوسي، شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ج1، ص 85.

[1]- عبد العزيز المقالح، الأبعاد الموضوعية والفنية لحركة الشعر المعاصر في اليمن، ط2، دار العودة، بيروت، لبنان، ( د ت)، ص83.

[1]-  محمد الهادي الزاهري السنوسي، شعراء الجزائر في العصر الحاضر ج1، ص82.

[1]- محمد العيد آل خليفة، 1967، الديوان، ط1، المؤسسة الوطنية للنشر والتوزيع، مطبعة البعث، قسنطينة، ص371

[1]- المصدر نفسه، ص 84.

[1]- ينظر، صالح خرفي، الشعر الجزائري الحديث، ص 17.

[1]- محمد الهادي الزاهري السنوسي، شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ج1، ص109.

[1]-  سهيل إدريس وآخرون، تحولات مفهوم الالتزام في الأدب العربي الحديث، ص83.

[1]-  شكري محمد عياد، الرؤيا المقيَّدة (دراسات في التفسير الحضاري للأدب)، ص 3.

[1]- محمد الهادي الزاهري السنوسي، شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ج1، ص147.

[1]- صالخ خرفي، 1985، رمضان حمود، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر،ص48-49.

[1]- المرجع نفسه، ص49

[1]- المرجع نفسه، ص 286.

[1]- إبراهيم أبو اليقظان، 1989، الديوان، ج1، ط2، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، وحدة الرغاية، الجزائر، ص60.

[1]-  المصدر نفسه، ج2، ص38.

[1]- محمد ناصر، 2006، الشعر الجزائري الحديث اتجاهاته وخصائصه الفنية (1925-1975)، ط2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ص89.

[1]- صالح خرفي، الشعر الجزائري الحديث، ص 17.

[1]- محمد العيد آل خليفة، ص 251-252.

[1]- محمد مصايف، النقد العربي الحديث في المغرب العربي، ص240.

[1] - أحمد توفيق المدني، 1984، كتاب الجزائر، ط2، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ص362.

[1]- ينظر، عبد الله ركيبي، دراسات في الشعر العربي الجزائري الحديث، الدار القومية للطباعة والنشر، ص 14.

[1]- محمد الهادي الزاهري السنوسي، شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ج2، ص149

[1]- المصدر نفسه، ص149.

[1]- المصدر نفسه، ص 152.

[1]- محمد السعيد الزاهري "مكانة مصر في المغرب العربي"، مجلة الرسالة، القاهرة، مصر، العدد 135، السنة الرابعة، 3/2/1936، ص180.

[1]- سهيل إدريس وآخرون، تحولات مفهوم الالتزام في الأدب العربي الحديث، ص 88.

[1]- محمد العيد آل خليفة، الديوان، ص179.

[1]- الربيع بوشامة، 1994، الديوان، جمع وتقديم جمال قنان، منشورات المتحف الوطني للمجاهد، طبع المؤسسة الوطنية للنشر والإشهار، الرويبة، الجزائر، ص 231.

[1]- عبد الحميد بن باديس، م1، ج2، ط3، إعداد وتصنيف، عمار الطالبي، الشركة الجزائرية لصاحبها الحاج بوداود، الجزائر، ص207.

[1]- زهير الزاهري (قصيدة صورة المجتمع الجزائري)، الشهاب، ج5، المجلد 6، (محرم1349، جوان 1930)، ص 305.

[1]- محمد الهادي الزاهري السنوسي، شعراء الجزائر في العصر الحاضر ج1، ص 320.

[1]- المصدر نفسه، ص73.

[1]- المصدر نفسه، ص122.

[1]- المصدر نفسه، 124.

[1]- محمود الجومرد، 1980، الأديب والالتزام، مطبعة المعارف، بغداد، العراق، ص 34.

[1]- محمد الهادي الزاهري السنوسي، شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ج1، ص125.

[1]- المصدر نفسه، 77.

[1]- المصدر نفسه، ج1، ص112.

[1]-  محمد ناصر، الشعر الجزائري الحديث اتجاهاته وخصائصه الفنية، ص77.

[1]- محمد الهادي الزاهري السنوسي، شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ج2، ص26.

[1]- المصدر نفسه، ص69.

[1]- تنظر القصيدة في المصدر نفسه، ص41.

[1]- محمد العيد آل خليفة، الديوان، ص110.

[1]-  إبراهيم أبو اليقظان (موجة الإصلاح الديني والعلمي بالقطر الجزائري)، البصائر، دار البعث، قسنطينة، العدد 1ليوم:27/12/ 1935، ص5-6.

[1]-  محمد ناصر، رمضان حمود حياته وآثاره، ص 33.

[1]- المرجع نفسه، ص 27.

[1]- محمد البشير الإبراهيمي، مقدمة ديوان محمد العيد آل خليفة، ص ج.

[1]-محمد ناصر، رمضان حمود حياته وآثاره، ص 33.

[1]- محمد العيد آل خليفة، الديوان، ص145.

[1]- ينظر، صالح خرفي: لشعر الجزائري الحديث، ص153.

[1]- أحمد سحنون، الديوان، ج1، ص14.

[1]- المصدر نفسه، ص16.

[1]- عمر بوقرورة، 2007، حول المضمون الإسلامي في شعر أحمد سحنون، ط1، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ص42.

[1]- إبراهيم أبو اليقظان، الديوان، ج1، ص129.

[1]- أبو القاسم سعد الله، دراسات في الأدب الجزائري الحديث، ص32.

[1]- ينظر: صالح خرفي، رمضان حمود، ص118.

Pour citer ce document

إبراهيم لقان, «الالتزام الاجتماعي في الشعر الجزائري الحديث»

[En ligne] مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales العدد 22 جوان 2016N°22 Juin 2016
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2016-11-10,
mis a jour le : 13/03/2017,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=1775.