مشروع توشيهيكو إيزوتسو (Toshihiko Izutsu) في تأصيل علم دلالة القرآن
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 22 جوان 2016 N°22 Juin 2016

مشروع توشيهيكو إيزوتسو (Toshihiko Izutsu) في تأصيل علم دلالة القرآن

خديجة حاج مدني
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

إنّ ما  يرنو إليه المقال هو محاولة تلمّس الأسس المنهجية التّي أصّل بها الباحث الياباني "توشيهيكوإيزوتسو" لعلم دلالة القرآن، وكيف تتبّع برؤية وصفية التّغيّر الجذري للبنية المفهومية الشّاملة للمعجم العربي بإجراء مقارنة تحليلية بين النّظام الجاهلي والنّظام القرآني كاشفا عن نتائج دقيقة تفسّر بعلميّة وموضوعيّة الرّؤية الجديدة التّي صاغها القرآن الكريم لعصره ولعصرنا، فخلص إلى أنّ التّحليل الدلالي يسعى لأن يكون علما للثقافة إذا أردنا تصنيفه لأنّه تحليل يعيننا على تنظيم مجمل لبنية الثقافة كما تعاش في الواقع، وقد بحثهذا من خلال الرّؤية الدلالية للعالم الخاصة بثقافة القرآن الكريم، في كتابه "الله والإنسان في القرآن، علم دلالة الرؤية القرآنية للعالم".

الكلمات المفاتيح: علم دلالة القرآن، المعجم القرآني، السّياق القرآني، الكلمات المفتاحية، الرّؤية القرآنية للعالم.

Le but de cet article est d’essayer de toucher les fondements méthodologiques qui sont posés par le chercheur « ToshihikoIzutsu » sur sémantique Coran, et comment il prescrit le conceptuel global de la structure du lexique arabe appliquant comparaisonanalytique entre le système pré-islamique et le système coranique, révélant des résultats précis qui explique la nouvelle vision scientifiquement et objectivement formulée par le coran pour son temps et pour notre temps, il a conclu que l’analyse sémantique décide d’aller loin et cherche à être une note de la culture parce que l’analyse nous aide àorganiser la structure globale de la culture telle qu’elle est vécue dans la réalité. « ToshihikoIzutsu » chercha dans cette vision à travers monde sémantique de la culture particulière du coran, dans son livre « Dieux et l’Homme dans le Qoran .

Motsclés :sémantique Coran, dictionnaire coranique, le contexte coranique, mots-clés, la vision coranique du monde.

The aim of this article is to understand the methodological foundations which were put by the researcher “Toshihiko Izutsu” on the semantics of the Qur’an, and how he described the radical change of the overall conceptual structure of the Arabic lexicon applying analytical comparisons between the pre-Islamic system and the Quranic system, revealing accurate results which explain the new vision scientifically and objectively formulated by the Qur’an for its time and for our time, he concluded that the semantic analysis seeks to be a science of culture of we want to categorize it, because the analysis helps us organize the overall structure of  culture as it is lived in reality, Toshihiko Izutsu studied this, through the world’s semantic vision of the special culture of the Quran in his book “god and man in Quran”.

Key terms : semantics of the Qur’an, Quranic lexicon, Quranic context, keywords, Quranic vision of the world.

Quelques mots à propos de :  خديجة حاج مدني

 جامعة محمد لمين دباغين سطيف2، قسم اللغة والادب العربي

مقدّمة

لقد جاء القرآن الكريم ليؤسّس بعنانِه اللّغوي والبلاغيّ المطلق أسلوبه الفذفي إعجاز لفظيّ وبيانيّ وحياً يتحدّى به كلّ من يودّ الخوض فيه بحثا ودراسة، فهو طفرة لغويّة فريدة في مجال السّقف اللّغوي مقارنة بما كان سائدا من شعر أو نثر يتّسم بفخامة اللفظ وعمق المعنى، الأمر الذّي أعجز أرباب الفصاحة وجهابذة الشّعر على الإتيان بمثله وقد تحداهم على فعل ذلك؛ لإنّ الخصائص التّي ميّزت هذا النّص السّماويّ عن كلّ ما سبقه هيّأته ليؤدي دورا حضاريا فبالإضافة إلى البُعد القدسي الإيماني الذّي طوّقه هنالك بعد دلالي جُعل حجة لنبوّة الرّسول المصطفى-عليه الصّلاة والسّلام- تبليغا وإفهاما لرسالة ربّه الجليل رغم أمّيته. وهذا النّص بتحدّيه لفكر زمانه أسّس أفقا معرفيا مغايرا يرتبط بمفاهيم تناسب الرّؤية الجديدة، حيث عمل على تغيير دلالة ما كان مستعملا وبذلك خلق ثقافته ونظامه وكينونته ليُحقّق معجزته حينما خرق المألوف في نظام الحياة وربطها بالتّحدي حتّى يؤكّد عجزهم على المجاراة تأكيدا على صدق المعجزة؛ فالقرآن الكريم بهذا التّغيير كان يبني نظاما جديدا يُضاف إلى ما سبق ليُطهّره ويكمّله عن طريق إعادة بلورة الوعي بما يتلاءم مع الواقع الجديد الذّي أراد أن يصوغه، ومن ثمّ خلق نظام اجتماعي أخلاقي ضمن حدود ثقافة جديدة تمثّل مركزالثّقافة العربيّة الكلّية التّي تؤدّي دورا بارزا في إفهامه.

وبالرّغم من كون القرآن الكريم نصّا عربيا، إلاّ أنّ دراسة لغته ليست حكرا على العرب وحدهم، بل تجاوز الحدود ليكون النّص الثّقافيّ الكونيّ مرتحلا عبر الأمكنة والأزمنة كيف شاء نصّا يصلح للدّراسة بكلّ المناهج والمقاربات. ولأنّ علم الدّلالة هو الدّراسة العلميّة الموضوعيّة للمعنى في سياقاته المتعدّدة وعلم للثّقافة في المقام الأوّل، فقد طبّق الباحث الياباني "توشيهيكو إيزوتسو Toshihiko Izutsu"* هذا المنحى على مادة القرآن الكريم ليُخرج دراسة حداثيّة تنظر إليه بوصفه بِنية دلالية محكمة التّرابط، مؤصّلا لعلم دلالة القرآن بغية إدراك الرّؤية الجديدة للعالم التّي صاغها هذا النّص لعصره ولعصرنا، حيث وضع بين أيدي الباحثين دراسة مليئة بالنّتائج العلمية التّي يُستفاد منها في تطبيق الدّراسة الدّلالية على مادة القرآن العظيم وذلك في كتابة "الله والإنسان في القرآن، علم دلالة الرّؤية القرآنيّة للعالم".

وقد تنبه الدارسون إلى أهمية الجانب التركيبي النحوي لدراسة الوظيفة والدور الذي تؤديه الكلمة في الجملة، لعلّ ما أورده (سوسير) يعدّ حجة القول حيث اعتبر اللّغة نظاما محكما من العلامات الاعتباطية (arbitraire) له ترتيبه الخاص الذي يحدد قيمة أيّة عبارة. ولأهمية ذلك أحاط "عبد القاهر الجرجاني" هذا الجانب بالدراسة، واضعا نظرية تعنى بنظم الكلم**؛ فالنّظم وكما يُفْهمنا إيّاه "الجرجاني" تبعُ الألفاظ لمعانيها في ترتيب الكلام وفقا لقواعد النحو وأحكامه، وهذه النظرية التي طرحها في كتابه "دلائل الإعجاز" جاءت لتبرهن أنّ القرآن نص معجز بالنظم،وأنّ المعنى كلُّ ما تولّد من ارتباط الكلِم بعضها ببعض، لذا فالحديث عن بلاغته وفصاحته لن يكون عمّا تحمله اللّفظة المفردة من معاني، بل عمّا بين المعاني من ترابط يحكمه النحو ويُمليه عليها، وهي دراسة تكشف عن أهمية النظرة الكلّية للّغة التي تعكس المعنى في مُجمله، بالتركيز على العلاقات القواعدية التي بين أجزاء الكَلِم، فالبنية في النهاية لن تُفهم إلاّ باستيفاء جميع أجزائها وما تضمه من معاني تدور حول المعنى الجامع لها. لذلك، يؤكّد "إيزوتسو" في عديد المواضع أنّ المعجم القرآني، دقيق التّرابط والانتظام تتوالى فيه الكلمات حسب الترتيب الذي يفرضه عليها السياق القرآني وحسب ما يمليه عليها طابع المعنى، فكل التراكيب القرآنية تجري إلى بنية مفهومية خاصة تأخذ فيها كلّ كلمة موقعها المخصوص بحيث يصعب فهمها دون الشّبكة المفهوميّة الكليّة، ومن خلال النّظام المفهومي الذّي يعمل في القرآن يتم تحديد قيمة الكلمات المفتاحية وقيمة الحقول الدلالية لا المفهومات المستقلّة الفردية منظورا إليها بعيدا عن البِنية العامة.

               I.علم دلالة القرآن

 دراسة الباحث "توشيهيكو إيزوتسو" تساعدنا على معرفة الأسس التّي تُطبّق بها مبادئ علم الدّلالة على لغة معيّنة لإدراك رؤيتها الخاصة للعالم، باعتبارها أداة ليست للتّعبير والتّفكير فحسب، إنّما أداة لمفهمة الوجود بالنّسبة للنّاطقين بها، على هذا الأساس وضع تصوّره الخاص لعلم الدّلالة (semantique) بأنّه من أعقد المباحثكونه يُعنى بأيّ شيء ذيمعنى، الأهميّة التّي جعلته فلسفة من نوع جديد تعبّر عن الرؤية المغايرة للكينونة والوجود.

إنّ علم الدّلالة لدى الباحث نوع من علم الرّؤية للعالم أو دراسة لطبيعة رؤية العالم وبِنيتها لأمّة ما في مرحلة من مراحلها التّاريخية، وهي دراسة تستهدي بوسائل التّحليل المنهجي للمفاهيم الثّقافية التّي أنتجتها الأمّة لنفسها وتبلورت في المفاهيم المفتاحيّة للغتها، ومن ثمّ يكون علم الدّلالة بالنّسبة إليه: "دراسة تحليليّة للمصطلحات المفتاحيّة الخاصّة بلغة ما تتطلّع في النّهاية لإدراك مفهومين لـ "الرّؤية للعالم" الخاصة بالنّاس الذّين يستخدمون تلك اللّغة كأداة ليس للكلام والتفكير فحسب، بل الأهم، كأداة لمفهمة العالم الذّي يُحيط بهم وتفسيره1. وقد صرّح بأنّ دراسته تُعدّ إسهاما جديدا من أجل فهم أفضل لرسالة القرآن لعصره ولنا2، بتطبيق منهج التّحليل الدّلالي*** لمادة مستمدّة من المعجم القرآني، ليكون مصطلح "علم دلالة القرآن" دالا على تحليل المفاهيم الكبرى المهمّة الموجودة في القرآن التّي تهدف إلى الوصول إلى فهم التّحوّل الفكريّ والثّقافيّ الذّي أحدثه نزوله في البيئة الجاهليّة، والنّظرة الجديدة التّي صاغها للعرب في رؤيتهم للكون، وكيفية تبنين عالم الوجود، ومكوّنات العالم وكيف تتعالق فيما بينها، فهو بذلك نوع من الأنطولوجيا3الحيّة والبحث في الوجود كما تعكسه آي القرآن، وهو المفهوم الذّي بحث عنه في "علم دلالة الرّؤية القرآنيّة للعالم" بالتّركيز على العلاقات الأساسيّة الموجودة بين "الله والإنسان في القرآن".

             II.الكلمات المفتاحيّة والمعجم القرآني

أكّد الباحث أنّ إدراك الرّؤية القرآنيّة للعالم يكون بدراسة الكلمات المفتاحيّة الخاصة بمعجم القرآن الكريم، وهذا الأخير، أي المعجم القرآني، يُعدّ منظومة مفهوميّة شديدة التّرابط والتّنظيم تأخذ فيه كلّ كلمة موقعها بدقّة بحيث يصعب فهمها دون ربطها بغيرها من الكلمات وبالشّبكة المفهوميّة الكليّة التّي تنتمي إليها سواء صغر حجمها أم كبر، وعلاقة هذه الشّبكات فيما بينهالتركّب في النهاية كلاّ موحّدا، فمن خلاله يتم تحديد الكلمات المفتاحيّة؛ أي من خلال النّظام المفهومي الذّي يعمل في القرآن لا المفهومات المستقلّة الفردية منظورا إليها بعيدا عن البِنية العامة، "فهذه الكلمات أو المفاهيم لا توجد هكذا ببساطة في القرآن، بحيث تكون كلّ منها معزولة عن الأخرى، بل يتوافق بعضها ببعض بإحكام، وتستمدّ معانيها العيانيّة من نظام العلاقات المحكم بينها... وهذا النّوع من النّظام المفهومي الذّي يشتغل في القرآن هو المهمّ حقا بالنّسبة إلى هدفنا الخاص، فذلك أكثر أهميّة من المفاهيم المستقلّة التّي تُؤخذ هكذا منعزلة."4        

وقد بيّن الباحث أنّ تحليل المعنى في أبعد تصوّراته ما هو إلاّ تقصٍّللوضع الثّقافي العام لأنّه بحث في المدوّنة اللّغوية التّي أفرزها المجتمع في زمن معيّن، فضلا عن مزيد من الدّراية اللّغويّة المتخصصّة بالكلمة المفتاحية كونها تجليّاًعيانيّاً أو بلورة لروح الثّقافة والعصر والنّاس الذّين يستخدمونها كجزء من معجمهم5. وعلى هذا، راح يُعرّف المعجم بأنّه: "مجموعة من الحقول المتعالقة التّي يتكوّن كلّ حقل منها من عدد من المفاهيم المتعالقة أيضا بدورها، والمعجم بهذا الفهم ليس مجموعة الكلمات المرتّبة ألفبائيا، بل هو العلاقةبين كلمات اللّغة المهمّة في مرحلة من مراحل تطوّرها"6، ومن خلال هذا النّظام المترابط تتحدّد الكلمات ذات الأهميّة الخاصة في تشييد البِنية المفهوميّة لرؤية العالم؛ ذلك أنّ الكلمات القرآنيّة تسير جميعا نحو التّرابط المنظّم لتؤلّف فيما بينها النّمط العام للمعجم القرآني، ولأنّ تلك الكلمات تتفاوت حسب أهمّيتها في تشكيل البنية الأساسيّة للمعجم اصطلح عليها الباحث بـ"المصطلحات المفتاحية"، وهي كما يُعرّفها: "كلّ كلمة ذات أهميّة خاصة يؤطّرها حقل دلالي بعينه ضمن النّظام المفهومي الكلّي وتؤدّي دورا حقيقيا حاسما في تشكيل البِنية المفهوميّة لرؤية العالم"7، وتمثّل كلمات كالله والإيمان والكفر والرّسول والإسلام بعض الأمثلة البارزة عليها.

فالكلمات في المعجم القرآني لا تأخذ نفس القيم الدّلالية بالنّظر إلى الحقل الذّي تنتمي إليه، فقد نجد "كلمة مفتاحية" في حقل، كما قد نجدها كلمة مركزا" في حقل آخر: تأخذ أهمّية استثنائية حيث تحمل تكثيفا في الدّلالة أكثر من الأولى؛ بمعنى آخر، إنّ مجموعة الكلمات المفتاحيّة تنعقد حول "كلمة- مركز" تمثّلها جميعا كنواة مفهوميّة أو كنقطة مركزيّة يتشكّل منها مجال مفهومي (حقل دلالي) خاص ضمن المعجم القرآني الكلّي، وتكون لهذه الكلمات المفتاحية المتمركزة حول الكلمة المركز طبيعتان، إحداهما إيجابية والأخرى سلبيّة، نأخذ على سبيل المثال كلمة (الإيمان) على نحو ما حلّله "إيزوتسو":

-من جهة أولى: تؤدي هذه الكلمة دورا مركزيا في معجم القرآن بأكمله، تدور حولها مجموعة من الكلمات المفتاحيّة من جانب الإيجاب: الله، تصديق، شكر. ومن جهة السّلب: استكبار، تكذيب، كفر، وتشكّل جميعا بترابطها قطاعا دلاليا مخصوصا تمثّله الكلمة-المركز: الإيمان.

-من جهة ثانية: قد نجد الكلمة- المركز في حقل معيّن مجرّد كلمة مفتاحيّة تتمركز إلى جانب كلمات مفتاحيّة أخرى حول (الكلمة-المركز) لحقل دلالي آخر، على مثال كلمة (الله)؛ فبعدما كانت في حقل الإيمان كلمة مفتاحيّة، نجدها بالمقابل هي (الكلمة-المركز-العليا) للمعجم القرآني ككل، وذلك لأنّ الله في حقل (الإيمان) لم يُؤخذ بوصفه موضوعا للإيمان بل على أنّه أحد التّعبيرات السّائدة في القرآن (آمن-بــِ-الله)؛أي اختار الصّراط المستقيم الذّي دعا إليه الله، لكن إذا قلب الأمر لأرجع لفظ الجلالة (الله) هو المركز الذّي تنعقد حوله الكلمات المفتاحيّة بما فيها (كلمة الإيمان). وهذا الذّي جاء لأجله الإسلام، قلب الرّؤية الجاهليّة لعبادة "إله واحد" فيكون (الله) بذلك هو الكلمة المركز العليا بحيث لا يوجد حقل دلالي غير مرتبط بالله وغير محكوم بمفهومه الأساسي.

           III.التّطّور الدّلالي في السّياق القرآني

حدّد سوسير موضوع علم اللّغة بأنّه الدّراسة العلميّة الموضوعيّة للّغة في ذاتها ولذاتها، وهذا التّحديد برهن عليه بثنائيات سلّم بها الدّرس اللّساني الحديث وجعلها أساسا في معالجة الظّواهر اللّغوية، خصوصا فيما يتعلق بالآنيّة والتّعاقبيّة والمثال الذّي أفرده لطريقة تقطيع النّبتة أو اللّغة، وكيف أنّ التّقطيع (العرضي) يُتيح أكثر من (الطّولي) بإجراء مسح شامل ومعرفة أعمق بخصائص ذلك السّطح (النّظام) من كلّ النّواحي8، الأهميّة التّي جعلت الدّراسة الآنيّة (الوصفيّة) هي الأجدر بالتّطبيق بالنسبة للباحث "إيزوتسو" لأنّها تُعنى بنقطة محدّدة من السّلسلة التّاريخيّة، ما يُسهّل أكثر فحصها ومقارنتها بغيرها من النُّقط أو الأنظمة المعرفية التّي سبقتها أو لحقت بها، فما السّطح الآني إلاّ نظام جديد أحياه التّطوّر الدّلالي وشكّل معجمه اللّغوي الذّي يعبّر عن رؤية مغايرة للعالم بالنسبة لمستعمليه، ومن شأن هذا التّطوّر أن يغيّر في معاني الكلمات التي تجري داخله بدمجها في أسيقة لم تُعرف من قبل****، أو لنقل:إنّ التّغيّر الدّلالي قد يقتل بعض القديم الشّائع، أو يبثُّ الحياة في جديد يبدأ تاريخه من تلك النّقطة، أو يحتفظ ببعض ما يُثبت استمرارية الأنظمة وترابطها فيما بينها وفقا للفسحة المختارة للتّحليل سواء أطال زمنها أم قصر9.

لذلك دعا الباحث في دراسته الدّلالية للمعجم القرآني إلى ضرورة اتّباع وجهة النّظر التّي تقطّع عرضيا المسارات التّاريخيّة للكلمات عند بعض النّقاط المعيّنة لنتمكّن من الحصول على العدد المرغوب من السّطوح (الأنظمة)، وهذه الأخيرة إن كانت تبدو عيانيا ساكنة ثابتة فإنّها مجهريا تموج بالحياة والحركيّة والاستمرارية في التّجدّد10؛ لأنّ الدّراسة الدّلاليّة للغة معيّنة –حسب الباحث- تكون من زاويتين، الأولى آنية (synchronic) بالنّظر إلى بنية اللّغة في زمن محدّد، والثّانية من زاوية تعاقبية (diachronic) بالنّظر إلى التّطوّر الدّلالي الذّي أصاب المنظومة المفهوميّة، والتّغيّر الذّي أبدل معاني الكلمات فأدخلها استعمالا جديدا، وعلى هذا الأساس يكون المعجم من وجهة النّظر التّعاقبية: مجموعا ضخما من الكلمات كلّ واحدة منها تنمو وتتغيّر باستقلاليّة عن غيرها وبطريقتها الخاصّة بها؛ فبعض الكلمات قد تتوقّف عن التّغيّر عند توقّف المجتمع عن استعمالها في مرحلة معيّنة، وبعضها الآخر قد يبقى مستعملا لزمن أطول، وبعضها قد يبدأ بالظّهور لأوّل مرّة في نقطة محدّدة من الزّمن11.

كما يعدّ السّياق (contexte) أحد أهمّ مستويات التّحليل الدّلالي يُعتمد عليه في تعيين المعنى الدّقيق لكلّ كلمة من التّركيب؛ "ففي كلّ مرة تستعمل فيها الكلمة تكتسب معنى محدّدا مؤقّتا. ويفرض السّياق قيمة واحدة على الكلمة هي المعنى الذّي تدلّ عليه في سياق معيّن دون آخر"12، حيث يُتكأ عليه لتتبع المسار الذي تسلكه اللّفظة في تغيّر معناها، فلكل كلمة مدلولها السياقي الذي يؤكده بناء النص، إذ نجد للفظ معنىً مخصوصا حسب موقعه من التّركيب اللّغوي يُعتمد عليه في تحديد المعنى الدّقيق فلو احتمل اللّفظ معنيين احتكم للسّياق كي يفصل في اللّبس ويرجّح أحدهما على الآخر كما أنّ للمعنى وظيفة دلالية حيوية في السّياق لأنّه يدخل في تركيب علائقي وفق قرائن لغوية مقامية خاصة، ذلك أنّ اللغة نظام سياقي إفهاميولذا، فاستحضاره يُعدّ هاما لدى المحللين، وهذا دليل على أنّ المعاني لا تنكشف من المفردات في ذواتها بل بالإحاطة بمختلف الأسيقة التّي ساهمت في تشكيل كيان اللّغة وبلورةِ معناها المركزي، فالكلمات لا تعرف من معانيها المعجمية الثّابتة فحسب بل تتبعها ظلال من المعاني.

كما أنّ التّغيير الجذري الذّي أحدثه القرآن الكريم في مفاهيم الكلمات التّي تداولت في العصر الجاهلي حدث بدمجها في منظومة مفهوميّة جديدة لها تركيبها الخاص وحقلها المركزي الخاص، لأنّ الكلمات القرآنيّة قد استعملت في النّظام الجاهلي لكن بصيغة تختلف عن الصّيغة الجديدة حيث دمجها القرآن في السياق الفكري المغاير، فخلق بذلك أفقه المعرفي مغيّرا في رؤية العرب للعالم وللوجود الإنساني، وذلك عندما بدأ الوحي الإسلامي باستعمال هذه الكلمات في سياق دينيّ جديد صدم المكيين المشركين لكونه غريبا غير مألوف، "ومن وجهة نظر المختص بعلم الدّلالة الذّي يهتم بتتبّع تاريخ الأفكار، فإنّ هذا، وليس شيئا آخر هو ما أعطى الرّؤية القرآنيّة للعالم هذا الطّابع المميّز الواضح جدا"13، إضافة إلى تأثير السّياق في معاني الكلمات؛ إذ القيمة الدّلالية للكلمة تؤخذ من السّياق الذّي ترد فيه، وكذلك السّياق القرآني الذّي اقتلع المفاهيم من تراكيبها الجاهليّة التّقليدية ودمجها في سياق جديد يختلف كلّيا عن سابقه، وهو ما أحدث تغييرات عميقة في ترتيب المنظومة المفهوميّة الكبرى التّي تحكم المعجم القرآني، ومن الأمثلة التّي دلّل بها الباحث على حجّته لفظ الجلالة "الله"؛ فقد كان معروفا مقبولا في الفكر الجاهلي، يظهر في الأشعار وأسماء الأعلام المركّبة والنّقوش القديمة، وكان يمثّل إلها في أعلى تراتبيّة الآلهة (ربّ البيت) فكانت الآلهة بمثابة وسطاء بين هذا الإله الأسمى وبين البشر، ومع ذلك لم ينل اهتماما مركزيا بل كان واحدا من بين الآلهة فحسب14.

 فما أحدثه القرآن كان إعادة التنظيم الكونية للمفاهيم، وإعادة توزيع القيم التّي جاءت بها تعاليم الإسلام التّي بدّلت بشكل جذري تصوّر العرب للعالم، ما جعل اسم "الله" يدلّ على المطلق في سموّه وانحطّت دلالة "الشّركاء و"الآلهة" إلى منزلة "الباطل" نقيض "الحق" فأثّر ذلك التّحوّل في بنية الرؤية للكون وفي النظام المفهومي ككل، ذلك أنّ نظاما يحتل مركزه "إله واحد" قد تأسّس للمرة الأولى في تاريخ العرب، مصدرا متفرّدا للكينونة والوجود15. ومن خلال الاستعمال السّياقي للمصطلح نلاحظ أنّ المعنى الأساسي للكلمات لم يتغيّر بل تغيّر التّصميم العام والنّظام العام، حيث تجد المصطلحات مواقع جديدة في النّظام الجديد، فكلمة "تقوى" على سبيل المثال معناها الأصلي في الجاهلية هو الموقف الدّفاعي عن النّفس الذّي يتّخذه الكائن الحيّ حيوانا أم إنسانا تجاه قوّة مهدّدة تأتي من الخارج، فأدخلت هذه الكلمة في النّظام الإسلامي للمفاهيم حاملة معناها الأساسي نفسه لكنّها وبتأثير النّظام ككل أدخلت في حقل دلالي خاص يتألف من مجموعة من المفاهيم التي ترتبط بـ"الإيمان" الذّي غيّره "التّوحيد" فصارت ذات معنى ديني له أهمية فائقة، لقد صارت "التّقوى" في النّهاية: الورع الذّاتي الخالص المجرّد، دالة على الخشية من العقاب الإلهي يوم القيامة16. بهذا، أصبحت كلّ الأشياء الموجودة والقيم رهنا بإعادة تنظيم كاملة وتوزيع جديد؛ أي إعادة تنظيم الأنظمة المفهوميّة وترتيبها،حيث أخذت كلّ واحدة موقعا جديدا، وارتبطت بعلاقات جديدة فيما بينها.

           IV.الرّؤية الدّلالية القرآنية للعالم

التّحليل الدّلالي حسب "إيزوتسو" ليس مجرّد تحليل بسيط للبنية الشّكلية لكلمة ما بدراسة أصلها أو تاريخها، إنّما التّحليل الدّلالي يعتزم الذّهاب بعيدا وراء ذلك ويسعى لأن يكون علما للثّقافة إذا أردنا تصنيفه؛ فهو تحليل يُعيننا على تنظيم مجمل لبنية الثّقافة كما عيشت أو كما تُعاش في الواقع ما دامت القضيّة قائمة في تصوّر النّاس، وقد بحث في هذا من خلال مفهوم "الرّؤية الدّلالية للعالم" الخاصّة بثقافة ما؛ فمن أدقّ التّعاريف للغة أنّها "أصوات يعبّر بها كلّ قوم عن أغراضهم"17، لتحمل المتتاليات الصّوتيّة طابع التّدليل حينما ترتبط بما يؤكّده الواقع المعيش فيه، فالمداليل المشار إليها باللّفظ هي وليدة اتّفاق الجماعة اللّغويّة التّي تضبط تنسيقها وتفتح مجال التّداول والاستعمال للأفراد، ومن ثمّ تكون اللّغة هي "النّظام المركزيّ الدّال في بنية ثقافيّة بشكل عام."18بالإضافة إلى هذا المفهمو، نجد أغلب الباحثين في الوقت الرّاهن يسلّم بما ذكره "أحمد مختار عمر" من كون علم الدّلالة (semantique) هو: "العلم الذّي يدرس المعنى"19وفق المنهج الوصفي الذّي يتيح إمكانية المقارنة بين الأنظمة اللغوية المختارة للدراسة ضمن السلسلة التاريخية محدّدة مع النظر إلى اللغة على أنها نظام متكامل.

يبيّن الباحث أنّ الدراسة الدّلالية للقرآن الكريم هي دراسة تحليلية للمفاهيم المهمة التي تُساهم في تشييد البنية المفهومية العامة للرؤية القرآنية للعالم، فهي ليست مجرد تحليل آلي للمصطلحات التي وُجدت في المعجم القرآني من حيث هي وحدات دلالية مستقلة، بل دراستها بشكل ترابطي نظامي حسب السياق القرآني الذي وردت فيه باعتبار هذه الوحدات -التي تشكّل بترابطها النظام المفهومي الذي يُعتبر مفتاحا لفهم معانيها-هي التي تحدد لنا البناء الداخلي للمعجم القرآني ومن ثم صياغة رؤية قرآنية شاملة للعالم. وقد توصّل إلى أنّ القرآن الكريم يقوم على مجموعة من المتضادات الحيوية التي تخلق فيما الحركية والديناميكية لتبادل العلاقات فيما بينها، يكوّن كلّ واحد منها حقلا دلاليا مخصوصا، ويعدّ الله والإنسان والعلاقات المتبادلة بينهما من أوّل هذه المتضادات وأهمها.

 إنّ لفظ الجلالة (الله) في القرآن يمثّل القطب المفهومي الأعلى الذي يُهيمن على جميع الحقول الدلالية وعلى النظام القرآني بشكل عام، ويُعدّ (الإنسان) القطب الثاني الذي يوازي لفظ (الله) ويتبادل العلاقات معه نظرا للأهمية العظيمة التي أوكلت له وهي خلافة الأرض، {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}[البقرة: 30]، وهاتان الكلمتان هما القطبان المفهوميان المركزيان لعالم الوجود القرآني وما يحويه من درامات تخلق التوتر الروحي الذي ميّز الرؤية القرآنية للعالم عن نظيرتها الجاهلية ذات المركزية الإنسانية فحسب؛ أي لا وجود لمقابل يتبادل مع الإنسان العلاقات وذلك لمكانته المركزية في القبيلة كونه شاعرا، وفارسا، وكريما، وبحكم العقلية القبَلية التي يتباهى بها الفكر الجاهلي20،"أمّا الآن، وفي عالم الإسلام الجديد، فإنّ التوتّر الروحي والدرامي...     لو تحدثنا عنه بمصطلحات علم الدلالة بسبب العلاقة الخاصة بين القطبين المفهوميين الأكبرين، أعني الله والإنسان، ولم تكن هذه العلاقة بسيطة ولا أحادية الجانب، بل معقدة ثنائية، بمعنى أنّها علاقة تبادلية"21، وقد رأى "إيزوتسو" العلاقة بين الله والإنسان في القرآن على أنّها رباعية الأوجه، وهي:

1.                      العلاقة الأنطولوجية (الوجودية)

تكون بين الله بوصفة المصدر الحق للوجود باعتباره الخالق وبين الإنسان بوصفه المخلوق الممثل للوجود البشري والذي يدين بوجوده عينا لله {أَلَمْ تَر أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالحَقِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيد}[إبراهيم: 19]، ذلك أنّ (الله) لا يكون بمعزل عن البشر إنّما يُؤثّر بعمق في جميع الشؤون الإنسانية، كما أنّ (الإنسان) لا يمارس مركزيته إلاّ بتبادل مع خالقه، فالقرآن حدّث في رؤية العرب لهذه القضية بنقلها من المركزية الإنسانية إلى المركزية الإلهية المتبادلة مع الإنسان. من جهة ثاننية الإنسان الجاهلي كان يؤمن بوجود (الله) "بوصفه الإله الأسمى المتعالي فوق مستوى المعبودات المحلية"22وهو مصدر الوجود لكنه لم يولأهمية بالغة لبداية الوجود ومصدره وخالقه كالتي أولاها للدّهر (العدو المهلك المفني) كما عبّر عنه الباحث، "أيضا يرى أنّه مدين لكينونته ووجوده إلى قوة الله الخالقة، لكن ثمة مسألة غاية في الأهمية جديرة بالملاحظة وهي أنّ الإنسان حالما يخلقه الله يقطع روابطه –إذا جاز التعبير- مع خالقه، ومنذ تلك اللّحظة فصاعدا يُصبح وجوده على الأرض في قبضة سيد آخر أكثر قوة إلى حد بعيد"23، {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرِ}[الجاثية: 24]، وعلى هذا غيّب الجاهليون حقل الأخرويات بما فيه القضاء والقدر، فجاء القرآن ليُعيد الاعتبار له؛ أي لأصل الإنسان الذي مصدره الله وللقضاء والقدر والموت المقدّر على كل نفس، بأن جَعل "الأجل" وسيطا بين الحياة الدنيا التي هو نهايتها والحياة الآخرة التي هو بدايتها، ليكون القرآن قد غيّر الرؤية الجاهلية لهذه القضية {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ}[النساء: 78].

2.    العلاقة التواصلية

ثمّة نوعان أساسيان من التفاهم المشترك بين الله والإنسان، الأول لفظي أو لغوي باستعمال اللغة الإنسانية المعروفة لدى الجانبين، والآخر غير لفظي من خلال الآيات الطبيعية من جانب الله، والإيماءات والحركات من جانب الإنسان، وهذا التفاهم، لفظيا كان أم غير لفظي ليس أحادي الجانب، إنّما هو علاقة متبادلة بينهما24.

§   النوع اللفظي: ممثل أساسا في (الوحي)؛ تلك الحالة الخصوصية من التنزيل وغير الاعتيادية لأنّها تتم بين عالم وجودي فوق طبيعي المتكلم فيه هو الله وعالم وجود طبيعي المتلقي فيه هو (الرسول) الذي كيّف بقوة خارقة كي يحدث التلاؤم بين العالمين لتحقيق التواصل عن طريق حمل الصفات العلوية (الملائكية) متجردا عن الصفات البشرية لمدة معجزة يسمع فيها ما يوحى إليه من كلام ربه الذي تجلى لغة {إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً}[المزمل: 5وبين المتكلم (الله) والمستمع (الرسول) قناة ناقلة للرسالة مكيفة لخصوصية هذا التواصل وهو أمين الوحي (جبريل عليه السلام) ثم يكلَّف الرسول الذي يتحول إلى متكلم –بالرجوع إلى الذات البشرية- بنقل الرسالة (كلام الله) وتبليغها إلى بني البشر (المستمع) الذين يتشاركون معه عالم الوجود نفسه {فَاعْلَمُوا أَنَّ مَا عَلَى رَسُولِنَا إِلاَّ البَلاَغُ المُبِينْ}[ المائدة: 92]25.

إنّ هذه المسألة (الوحي) كانت معروفة في النظام الجاهلي لكن ليس بهذا القدر من الروحانية والتقديس، إذ برزت بين الشاعر/ الكاهن وبين الجن/ الشياطين التي توحي إليه باللّغة غير المألوفة التي يقولها، هذه الميزة جعلت الشاعر يحتل مكانة بارزة في قبيلته نظرا للخصوصية التي يتميز بها عن العيان، وكذلك بالنسبة للكاهن، والقرآن الكريم غيّر جذريا في رؤية العرب إلى هذه القضية بأنْ نقلها من جانبها المادي إلى سياق ديني مبيِّنا أنّ ما كانت توحي به الجن والشياطين للشعراء والكهان إنّما هو إِفْكٌ مفترى26: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَيَاطِينْ. تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} [الشعراء: 221، 222]، فنفى بذلك صفة الشاعرية عن رسوله الكريم لأنّ ما يوحى إليه هو الحق {وَالذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الكِتَابِ هُوَ الحَقُ}[فاطر: 31]، "ووفقا للنظرة القرآنية، فإنّ المصدر الحقيقي للإلهام النبوي، ليس الجن بل (اللّه)، وأنّ بين الاثنين اختلافا مطلقاً، لأنّ الله هو خالق العالم كله، بينما الجن هي مجرّد كائنات مخلوقة، وأنّهم تماما مثل البشر، وأنّ جهنّم ستمتلئ بكلِّ من الإنس والجن. وفي المقام الثاني، ثمة فرق جوهري ومطلق بين الشاعر والنبي أيضاً، فالشاعر "أفّاك" بطبيعته، وما يقوله "إفك" محض، وهي كلمة لا تعني بالضرورة "الكذب"، بل شيئا ليس له أساس من الحق أو الصدق، شيئاً لا يقوم على "الحق". و"الأفاك" هو الرجل الذي يتلفّظ من دون أيّ شعور بالمسؤولية، بكل ما يريد قوله، من غير توقف للتأمل فيما إذا كان لكلماته أساس حقيقي أم لا. أما ما يقوله النبي فحقيقة، وحق مطلق، ولا شيء آخر غيره"27.

وقسيم هذا النوع اللّفظي (الوحي) من التواصل بين الله والإنسان هو (الدعاء)، حوار قلب الإنسان مع ربه وسؤاله الخير والرحمة والمغفرة، كنوع لفظي من التواصل بالاتجاه الصاعد، "إنّ السبب المباشر الذي يدفع الإنسان إلى استعمال اللغة بهذه الطريقة قد يكون مختلفا من حالة إلى أخرى. فقد يكون ورعاً عميقا تجاه الله في أقصى حالاته، أو يكون... موقف خطرٍ داهمهم"28، وكما أنّ الوحي قد تنزّل ويقصد من وراء ذلك الاستجابة الإنسانية، سواء أكانت إيجابية أم سلبية، كذلك فعل (الدعاء) الإنساني حين يريد أنْ يُستجاب له من قبل الله، فالإنسان يُوجّه دعاءه إلى الله متوقعا تحقق ما يتمنى، ويشار إلى رد الفعل الإلهي لـ"الدعاء" في القرآن بكلمة استجابة، "ويمكن لنا أن نصف هذا من وجهة نظر دلالية بالقول إنّ مفهوم "الدعاء" يقيم علاقة تبادلية مع مفهوم الاستجابة، وخلافا للدعاء الذي هو لفظي أساساً فإنّ الاستجابة غير لفظية"29، مصداقا لقوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أسْتَجبْ لَكُمْ}[غافر: 60].

 

§  النوع غير اللفظي: بالطريقةالأولى نفسها، ثمة تواصل إلهي غير لفظي بالاتجاه النازل ممثَّلا في الآيات غير اللّفظية، " إنّ الله يبيّن الآيات في كلّ لحظة، "آية" بعد "آية"لأولئك الذين لديهم قدرة عقلية كافية لإدراكها كـ"آيات". ومعنى هذا، وفقاً للفهم الذي يُتيحه القرآن، آنّ كلّ ما نسميه ظواهر طبيعية كالمطر، والريح وبناء السماء والأرض، وتعاقب الليل والنهار، وتحوّلات الريح، إلى آخره، كلّ ذلك ينبغي ألا يٌفهم كظواهر طبيعية مجردة، بل بوصفه علامات أو رموزاً كثيرة تدلّ على التدخل الإلهي في شؤون البشر، وأدلة على العناية الإلهية ، والرّعاية والحكمة الممنوحة من الله لصالح البشر على الأرض"30، ومن ثمّ يكون فهم معنى "الآية" في القرآن من خلال تحليله ضمن الحقل الدلالي الذي تشكّله هذه الكلمة- المركز والكلمات المفتاحية التي تحيط بها في السياقات القرآنية، ووفقا للقرآن الكريم فإنّ ردّ الفعل الإنساني اتُجاه هذه الآيات يكون إمّا "قبولا" أو "رفضا"؛ أي "التصديق" حرفياً والإقرار بأنّها  صادقة، وهو الخطوة الأولى إلى "الإيمان"، أو "التكذيب" حرفياً، واعتبارها "كاذبة" وهو الأساس الحقيقي لـ"الكفر"، ومن ثمّ تعد العلاقة بين "التصديق" و"التكذيب" المحور المركزي الذي يدور حوله الحقل الدلالي لـ"الآية" العبادات وفي مركزها الصلاة، التعبير ذو الهيئة الخاصة من الإجلال العظيم الذي يشعر به الإنسان في حضرة الله إعلانا واعترافا بالإيمان.

3.                      علاقة الرب-العبد

تكون بين الله بوصفه المليك المطلق، والإنسان رمز الاستسلام غير المشروط للنفس وخضوعها للطاعة الإلهية المطلقة تذللا، وتواضعا، ومحبة، وخشية: {قل إنّي أُمرتُ أن أعبد الله مخلصا له الدّين}[الزمر: 11].31

4.                      العلاقة الأخلاقية

بين إله الخير والرّحمة والمغفرة والكرم للشّاكرين الأتقياء وإله العدالة والحساب والعقاب للجاحدين الكفار {وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2].32

إذاً، قام القرآن بإحداث تغيير جذري في رؤية العرب الجاهليين للعالم بنقلها من سياق التفكير العصبي المادي، إلى سياق ديني رَوْحنه وجعل (التوحيد) هو مركزه، يبقى على (الإنسان) أن يختار طريقه {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}[آل عمران: 118]إما قبولا بالتصديق بما جاء به الرسول كحق، وهو الأساس الحقيقي للإيمان، وإمّا رفضا وتكذيبه كباطل وهو الأساس الحقيقي للكفر، وذلك إمّا اهتداء باتّباع الهدى المقدّم والسير على الصّراط المستقيم، وإما إضلالا بالتباع الضلال والسير على الصّراط العوج، ليكون مآل الأوّل الجنة بعدما استجاب لهدى ربّه إيمانا وشكرا وتقوى، ومآل الثاني نار جهنّم، بعدما عصى أمر ربه جحودا وكفرا.{وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ{ [التوبة: 106].

الخاتمة

قيمة تجربة الباحث "إيزوتسو" في الدّرس الدّلاليّ الحديث تبرز من خلال جملة النتائج التي يستفاد منها في تطبيق الدّراسة الدّلاليّة على القرآن الكريم، إذ يفتح الوعي العلميّ المنهحيّ لدى الدّارس العربي بأن ينفتح على المناهج غربيّها وشرقيّها.

علم الدّلالة بالنّسبة إليه تحليل للمعجم اللّغوي الذّي يعكس البنية الثّقافيّة كما يعيشها المجتمع وكيفية تبلور رؤيته الخاصة للعالم وتعبيره للموجودات، ومن ثمّ فـ"علم دلالة القرآن" مصطلح يكشف عن أبعاد الرّؤية الدّينيّة التّي وضّحها القرآن الكريم ورسم حدودها وضبط قيمها للعرب في تعاملهم مع الموجودات.

المعجم القرآنيّ في الدّراسة الدّلاليّة لا يُنظر إليه بوصفه ترتيبا للكلمات، إنّما هو التّرابط الدّقيق للأنّظمة المفهوميّة والحقول الدّلاليّة التّي تتعالق فيما بينها، وهنا وضع لنا تعبير "الكلمات المفتاحيّة" التّي تؤدّي دورا هاما في تشييد البنية المفهوميّة العامة للقرآن الكريم ومعجمه الشّامل، فالتّحليل الدّلالي ليس مجرّد تحليل بسيط للبِنية الشّكلية لكلمة ما بدراسة أصلها أو تاريخها، إنّما هو تحليل لشبكة من التّرابطات الدّلالية؛ لأنّ الكلمات تقدّم نفسها بوصفها نظاما معقّدا يموج بالحياة وبالعلاقات والتّشابكات.

علم الدّلالة التّاريخي لا يقوم كما فُهم من قبل على تتبّع تاريخ الكلمات المفردة في أنفسها من أجل رصد كيفية تغييرها لمعانيها في مجرى التّاريخ، بل يبدأ عندما ندرس تاريخ الكلمات في إطار الأنظمة السّكونيّة التّي تنتمي إليها كلّها؛ أي عندما نقوم بمقارنة سطحين أو أكثر، وهنا يؤكّد الباحث ولاءه للمنهج الوصفي حيث أجرى تطبيقه على الفترة الزّمنيّة المحدّدة والتّقطيع العرضي الذّي مكّنه من المقارنة بين النّظام الجاهلي والنّظام القرآني.

الكشف عن التّحوّل الدّلالي الذّي أحدثه نظام القرآن كان مرهونا بالاتّكاء على النّظام الجاهلي السّابق زمنيا له، هذا ما جعل المقارنة بينهما مثمرة في الكشف عن المعاني الأساسيّة وكيف برزت الأفكار الجديدة وكيف تغيّرت الأفكار القديمة في البيئة العربيّة.

اقتلع السّياق القرآني المفاهيم من تراكيبها الجاهليّة ودمجها في سياق جديد يختلف كلّيا عن سابقه، ما أحدث تغييرا جذريا في ترتيب المنظومة المفهوميّة الكبرى التّي تحكم المعجم القرآني، إذ المعيار الذّي استند إليه في كشف ذلك هو التّغيّر الدّلالي للمفاهيم التّي تمّ تداولها في الفكر الجاهلي وكيف استعملت بصيغة جديدة في حقل مفاهيمي وسياق فكري مغاير، فخلق بذلك "الرّؤية القرآنية للعالم".

القرآن الكريم.

*يعدّ المستعرب الياباني "توشيهيكو إيزوتسو" (1914-1993) من العلماء الذين ذاع صيتهم في دراسات اللغة والفلسفة خصوصا المتعلّقة بالدراسات العربية والإسلامية، حيث وضع لبنة معرفية يستفيد منها الباحثون المتخصصون في هذا المجال بالأخص في طوكيو وكندا وإيران إذ عمل في معاهدها، وبالإضافة إلى بحثه الممنهج في عديد الأديان، فقد صوّب الرؤية العلمية الموضوعية أيضا على القرآن الكريم وتعمّق في الكشف عن النظام الثقافي للعرب سواء المعيش في العصر الجاهلي أو الذي خلقه القرآن الكريم من خلال التتبّع التّاريخي لحياة العرب قبل وفي الإسلام، مما أنتج دراسة دلالية هامة يُستفاد منها للبحث في القرآن الكريم، وذلك في كتابه الله والإنسان في القرآن علم دلالة الرؤية القرآنية للعالم، كما ترك العديد من المؤلّفات منها: المفهومات الأخلاقية- الدينية في القرآن، مفهوم الإيمان في علم الكلام الإسلامي؛ تحليل دلالي للإيمان والإسلام، مفهوم وحقيقة الوجود، وغيرها.

** تبرز قيمة "نظرية النظم" في الدّرس الدلالي التحليلي من خلال قضية اللفظ والمعنى التّي طرحها "عبد القاهر الجرجاني" في كتابه دلائل الإعجاز، لتأكيد أنّ الفصاحة سمة في النظم حيث يتبع  اللّفظ معناه ويحمله وفقا لمبادئ النحو وأحكامه، وقد نظر فيها بتفحص دقيق مبينا ما قصّر فيه دارسو البلاغة قبله حين حمّلوا المزيّة للفظ وحده، وموقفه هذا ناتج عمّا خلّفه الإعجاز القرآني في عقول علماء اللغة خاصة الذين أدركوا إعجازه الكامن في بيانه وبلاغته على نحو لم يألفوه من قبل إلاّ في لغة الشعر الجاهلي حيث كسر أفقها، وقد أكّد "الجرجاني" أنّ النّص القرآني شديد الترابط فليس إعجازه في لفظه وحده ولا في معناه وحده إنّما إعجازه في نظمه مدللا على ذلك بعديد الشواهد الشعرية والقرآنية التي تؤكد نظريته، حيث اعتبر "الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللّغة لم توضع لتعرف بها معانيها في أنفسها، ولكن لأن يظم بعضها إلى بعض فيعرف فيما بينها فوائد"1. عبد القاهر الجرجاني، 1992، دلائل الإعجاز، تح: محمود محمد شاكر، ط3، دار المدني، مصر، ص73. بالإضافة إلى هذا، وضّح "الجرجاني" دور السياق في تحديد الدلالة من خلال التّرتيب الذّي تأخذ فيه كلّ كلمة قيمتها ومما أورده حول الموضوع قوله: "واعلم أنّ ما ترى أنّه لا بدّ منه من ترتّب الألفاظ وتواليها على النّظم الخاص، ليس هو الذّي طلبته بالفكر ولكنه شيء يقع بسبب الأوّل ضرورة (الألفاظ)، من حيث إنّ الألفاظ إذْ كانت أوعية للمعاني فإنّها لا محالة تتبع المعاني في مواقعها، فإذا وجب لمعنىً أن يكون أوّلا في النّفس وجب للفظ الدّال عليه أن يكون مثله أوّلا في النطق"2. دلائل الإعجاز، ص52.

***تقوم الدّراسة الدّلالية في أصلها على المنهج الوصفي الذّي يُتيح وصف الظاهرة اللّغوية وتحليلها ومن ثمّ إمكانية مقارنتها مع غيرها من الظّواهر اللّغوية في حقب زمكانية معيّنة؛ فعلم الدّلالة الحديث لم يعد مقتصرا على طرق دراسة المعنى فقط، إنّما  الطريقة التيتُفهم  بها ثقافة مجتمع ما ورؤيته الخاصة للوجود من خلال المدوّنة اللّغوية التّي يُتيحها للدّارس، وهذا ما تتبّعه الباحث "إيزوتسو" تأصيلا لرّؤية دلاليّة منهجيّة في دراسة القرآن الكريم.

1.                       إيزوتسو توشيهيكو، 2007، الله والإنسان في القرآن؛ علم دلالة الرّؤية القرآنيّة للعالم، تر: هلال محمد الجهاد، ط1، المنظّمة العربيّة للتّرجمة، بيروت، ص32.

2.                        المرجع نفسه، ص27.

3.                       الأنطولوجيا مبحث الوجود (Ontology) على أنّها: "دراسة الكائن في ذاته مستقلا عن أحواله وظواهره، أو بعبارة أخرى "علم الموجود من حيث هو موجود" (أرسطو)، ويطلق عليها "الميتافيزيقا العامة"، والدليل الوجودي برهنة على وجود الله أساسها فكرة الألوهية في كاملها المطلقة واستغنائها عن غيرها تستلزم الوجود أصلاً". مجدي وهبه، كامل المهندس، 1984، معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، ط2، مكتبة لبنان، بيروت، ص66.

4.                       إيزوتسو توشيهيكو، الله والإنسان في القرآن، ص34.

5.                       المرجع نفسه، ص ص50، 51.

6.                       إيزوتسو توشيهيكو، الله والإنسان في القرآن، ص374. يهتم علماء الدلالة بمسألة السياق والترابط بين الوحدات اللغوية والأجزاء النصية لتحديد معاني الطلمات بدقة، حيث تأخذ كل كلمة موقعها وقيمتها متى تغيّرت تغيّر المعنى المركزي معها. ينظر: بالمر، 1999، علم الدلالة إطار جديد، تر: صبري إبراهيم السيد، دار المعرفة الجامعية، ص62. ينظر أيضا، جان بيرو، 2001، اللسانيات، تر: الحواس مسعودي، مفتاح بن عروس، دار الآافاق، الجزائر، ص119.وقد لخّص منقور عبد الجليل العلاقات بين الحقول الدلالية: (علاقة: التّرادف، الاشتمال، الجزء بالكلّ، التّضاد، التّنافر، الاشتراك اللّفظي) 2010، علم الدّلالة أصوله ومباحثه في التّراث العربي، ط1، دار الكتاب الحديث القاهرة، ص 83. كما وضّح "محمد محمد يونس علي" أهمية الحقل الدلالي في أنّه يحمع مختلف الوحدات المعجمية في حقل دلالي يحكمه معنى أساسيا مركزيا، مع بيان العلاقة بين الوحدات وبين الحقل الدلالي من جهة، وبين أجزاء الحقل من جهة ثانية، وهذا من شانه يُسهّل على الباحث إدراك العلاقات وإيجاد الكلمات التي تعبّر عن غرضه بدقة. 2007، المعنى وظلال المعنى، أنظمة الدلالة العربية، ط2، دار المدار الإسلامي، ليبيا، ص125(بتصرف).

7.                       إيزوتسو توشيهيكو، الله والإنسان في القرآن، ص374.

8.                       فردينان دو سوسير، 1985، علم اللّغة العام، تر: يوئيل يوسف عزيز، راجعه، مالك يوسف المطلب، سلسلة كتب شهرية تصدر عن دار آفاق عربية، ص ص105، 106. وقد قام عبد السلام المسدي بشرح الآنية والتعاقبية بقوله: "المنهج الآني (Synchronique) الذي قامت عليه اللسانيات المعاصرة، قد تولّد بموجبه المنهج البنيوي (structural) إنّما هو ضرب من المصادرة في البحث، لأنّ الآنية في حقيقة أمرها تستند إلى زمن افتراضي يرمز إليه بنقطة على المحور إلاّ أنّ حيّز هذه النقطة قد يكون يوما أو سنة أو عقدا. فالآنية ليست إقرارا للزّمن أو نقضا له، وإنّما هي استيعاب لأبعاد الزمانية (la diachrinie) فهي تعكس المنطق الصوري للأحداث لأنّ الزمانية تبدو متركبة من سلسلة نقط الآنية، أي أنّ الزمانية تحتوي الآنية." 1986، التفكير اللساني عند العرب، ط2، الدار العربية للكتاب، ص39.

**** لعلّ معرفة التطور الدلالي الذي يصيب نظام اللّغة يبقى مرهونا بالنقطة الزمنية التي تحدد المدونة المختارة للدراسة؛ هذا الوجه الثنائي الذي يحكم اللّغة لا غنىً عنه في فهم نظام لغة ما، فشكل الكلمات ليس المعيار الوحيد لمعرفة معانيها، بل الوقوف على القواعد التي تنتظم تغيّر معانيها هي ما يفعل ذلك، هذا من شأنه طرح تساؤلات راح دارسو الدّلالة الغربية يبحثون فيها، ومنها: ما أسباب التطور الدلالي؟ وكيف يتطوّر نظام اللّغة؟ فوجدوا أنّ التغيّر الذي يصيب اللّفظ تقف وراءه ظروف خارجية تخل بالعلاقة الدلالية التي بينه وبين معناه، ما يُخل بنظام المعجم اللّغوي الشّامل؛ كأن تُضاف ألفاظ جديدة وتُحذف أخرى، تُوسع دلالتها أو تضيق، تُرفع قيمتها أو تنحط، ولأن اللّغة وليدةالمجتمع فإنّ الاستعمال والتداول هما من يتحكم في ذلك.

9.                       ينظر: عبد السّلام المسدّي، 1986، التفكير اللساني عند العرب، ط2، الدار العربية للكتاب، ص39.

10.                     ينظر، عودة خليل أبو عودة، 1985، التّطوّر الدّلالي بين لغة الشّعر الجاهلي ولغة القرآن الكريم، (دراسة دلالية مقارنة)، ط1، مكتبة المنار، بيروت، ص540.

11.                     إيزوتسو توشيهيكو، الله والانسان في القرآن، ص71.

12.                     علي زوين، 1986، منهج البحث اللّغوي بين التّراث وعلم اللّغة الحديث، ط1986، دار الشّؤزن الثّقافيّة العامة، ص94.

13.                     إيزوتسو توشيهيكو، الله والإنسان في القرآن، ص 35.

14.                    المرجع نفسه، ص ص 35، 38. لقد تنبّه أهل التفسير إلى أنّ خير طريق لتبيين القرآن الكريم هو نفسه بنفسِه، وأحسن تفسير هو من فسّر القرآن بالقرآن؛ فما أُجمل في موضع قد فُصّل في موضع غيره، وما اختُصر في مكان فإنّه قد بُسط في مكان آخر3. ينظر: أمير عبد العزيز، 1988، دراسات في علوم القرآن، ط2، دار الشهاب، الجزائر، ص145(بتصرف).

15.                     إيزوتسو توشيهيكو، الله والإنسان في القرآن، ص 38.

16.                    المرجع نفسه، ص ص 41، 42.

17.                     ابن جنّي، دت، الخصائص، تح: محمّد علي النّجار، دط، دار الهدى للطّباعة، بيروت، ج1، ص33.

18.                    نصر حامد أبوزيد، 1998، مفهوم النّص دراسة في علوم القرآن، ط1، المركز الثّقافي العربي، بيروت، ص178.

19.                     أحمد مختار عمر، 1998، علم الدّلالة، ط5، عالم الكتب، القاهرة، ص11.

20.                    إيزوتسو توشيهيكو، الله والإنسان في القرآن، ص129.

21.                    المرجع نفسه، ص ص129، 130.

22.                    إزوتسو توشيهيكو، الله والإنسان في القرآن، ص 160.

23.                    المرجع نفسه، ص199.

24.                    إزوتسو توشيهيكو، الله والإنسان في القرآن، ص213.

25.                    المرجع نفسه، ص ص239، 300.

26.                    ينظر، نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص دراسة في علوم القرآن، ص ص38، 42.

27.                    إيزوتسو توشيهيكو، الله والإنسان في القرآن، ص ص271، 272.

28.                    المرجع نفسه، ص302.

29.                    المرجع نفسه، ص ص303، 304.

30.                    المرجع نفسه، ص ص214، 215.

31.                     ينظر: إيزوتسو توشيهيكو، الله والإنسان في القرآن، ص314.

32.                    ينظر: المرجع نفسه، ص355.

Pour citer ce document

خديجة حاج مدني, «مشروع توشيهيكو إيزوتسو (Toshihiko Izutsu) في تأصيل علم دلالة القرآن»

[En ligne] مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales العدد 22 جوان 2016N°22 Juin 2016
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2016-11-10,
mis a jour le : 15/03/2017,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=1777.