جمالية التّناص ومظاهر التّعلق النّصيّ في روايات واسيني الأعرج (رمل الماية أنموذجا)
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 22 جوان 2016 N°22 Juin 2016

جمالية التّناص ومظاهر التّعلق النّصيّ في روايات واسيني الأعرج (رمل الماية أنموذجا)

رضـــا زواري
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

      إنّ إستراتيجية التّناص مثّلت إحدى استراتيجيات الكتابة الرّوائيّة عند واسيني الأعرج فلا يمكن للقارئ أن يفكّ شفرة النّص إلاّ بالعودة إلى تلك النّصوص السّابقة والمعاصرة الّتي استلهمها و كان لها الأثر البالغ في خطابه ودلالاته، إذ تنوّعت أغراض التّناص من موقع إلى آخر، فمنه ما كان لغاية فنيّة جماليّة، ومنه ما كان استجابة لاقتناع إيديولوجي فـ"رمل الماية"، وهي تنهض في متنها على خاصيّة التّناص، فكان الخبر والتّاريخ والأسطورة والموروث الشّعبي والدّين ، وتناسلت في حوار إبداعيّ جعل " رمل الماية" جامع الأنواع. 

 التّناص، تداخل النّصوص، حوار إبداعيّ، واسيني الأعرج،رمل الماية الكلمات المفتاحيّة: 

La stratégie de l'intertextualité représentée une nouvelle stratégies d'écriture quand  Waciny Laredj pas le lecteur peut décrypter le code de texte pour revenir à ces  textes antérieurs et contemporain qui a inspiré et a eu un impact profond dans son discours et de ses implications, comme des fins variées intertextualité d'un endroit à un autre, il y a certains qui étaient techniques très esthétique, et certaines d'entre elles étaient en réponse à une conviction idéologique «RamlMaya», un jeu sur leconseil  en immobilier  d'intertextualité, il étaient les nouvelles, l'histoire, le mythe et du patrimoine folklorique et de religion, et a donné naissance à un dialogue créatif faire les types de capteurs «RamlMaya».

   Mots-clés : intertextualité, textes ci-joints, le dialogue créatif, Waciny Laredj , RamlMaya          

The intertextuality strategy represented a novel writing strategies when Waciny Laredj not the reader can decrypt the text code only to return to those earlier texts and contemporary that inspired and have had a deep impact on his speech and its implications, as varied purposes intertextuality from one location to another, there are some that was up to artistic aesthetic, and some of it was in response to the conviction ideological  "Raml  Maya", a play in carrying on intertextuality property, was the news, history, myth and tradition and popular religion, and spawned in creative dialogue make the “Raml  Maya” collector types

Keywords:intertextuality, attached texts, creative dialogue, Waciny Laredj, RamlMaya.

Quelques mots à propos de :  رضـــا زواري

استاذ مساعد أ بجامعة العربي التبسي -تبسة

   مقدمة

من المعروف أنّ قضية انفتاح النّص، أقصد النّص الإبداعيّ على نصوص أخرى، قد أثارت اهتمام الدّارسين والنّقاد على اختلاف آرائهم وتوجّهاتهم وقد أولتها الدّراسات النّقدية أهميّة بالغة، ذلك أنّ النّص لم يعد مغلقا على ذاته، إنّما له امتدادات عميقة داخل سياقاته الخارجية سواء كانت تاريخيّة أم اجتماعيّة أم ثقافيّة فتحول إلى بؤرة لمجموعة من النّصوص السّابقة، ظاهرة أو مستترة و تجيئه عن أيمانه وعن شمائله، فتدخل نسيجه، وتحيط به من كل أقطاره، فيمتلئ به حتى يعانق أحدهما الآخر، ثمّ يذوبا في بعضهما، فيغدو النّص مع جميع تلك النّصوص نصّا كلّيّا، جامعا. لذلك حاولت مقاربة وفكّ بعض شفرات "رمل الماية " لواسيني الأعرج.

1-رواية "رمل الماية "* لواسيني بين انفتاح النّصّ وجمالية التناص

أ-مظاهر التعلق النصي في رمل الماية

إنّ استراتيجية التّناص مثّلت إحدى استراتيجيات الكتابة الرّوائيّة عند واسيني الأعرج الرّوائيّ الجزائريّ، فلا يمكن للقارئ أن يفكّ شفرة النّص إلاّ بالعودة إلى تلك النّصوص السّابقة والمعاصرة الّتي استلهمها و كان لها الأثر البالغ في خطابه ودلالاته، إذ تنوّعت أغراض التّناص من موقع إلى آخر، فمنه ما كان لغاية فنيّة جماليّة، ومنه ما كان استجابة لاقتناع إيديولوجي .(1) فقد سعت التّجربة الرّوائية الجزائريّة من خلال تفاعلاتها النّصيّة مع التّراث إلى تحديد أساليب التواصل مع النّص السابق ورسم الإطار الجمالي الذي يتحقق ضمنه تفعيل البنى الفنية للخطاب الروائي الجديد.

لكن السؤال، هل تستفيد الرواية من علاقتها بالأساليب التراثية استفادة تحديثية شكلا ومضمونا من "خلال تفجير البنى السرديّة ومعارضة أساليبها؟ أم أنّ هذا النهج في الرّواية يوقعها في التّكرار والإعادة والتّنميطّ؟ ".(2)   

   فالفاعلية النصية المحققة بين الخطاب الروائي والخطابات السردية الموروثة لا تقف عند حدود التداخل والانسجام لتحقيق الدلالة أو دعم الجماليات الفنية ، بل تتجاوز ذلك إلى آفاق نصية أخرى يصبح عدم الانسجام أو التناقض فاعلية إبداعية انزياحية تحقق جمالياتنصية من نوع خاص، تقول "جوليا كريستيفا " : (Julia Kresteva) إن التداخل النص ( التناص) هو" النقل لتعبيرات سابقة متزامنة، هو "اقتطاع" أو "تحويل" وهو عينة تركيبية تجمع لتنظيم نص معطى التعبير المتضمن فيها أو الذي يحيل إليه" (3)وعلى هذا الأساس يمكن تحديد التفاعلات النصية المحققة بين النّص الروائي والنص التراثي بفصل آليات التواصل والاستيعاب الحاصلة على مستوى الخطاب الروائي على اختلاف الصفة اللّغوية أو الإشارية أو البنائية التي جاءت وفقها صور التفاعل أو التعلق النصي .

ب – تداخل النصوص (التعلق الاستيعابي)

إن التعلق الاستيعابي الذي يحدث على مستوى الخطاب الروائي بين النص اللاحق (الرواية) والنص السابق (السرد التراثي) يشير إلى مدى ارتباط الخطاب الجديد الحامل لتقنيات حديثة على مستوى السرد بالبناء الجمالي الفني الذي يتمتع به النص التراثي، لأجل اكتساب وظيفة جمالية تسهم في تمتين البناء النصي الجديد وتعزيز مقوماته الفنية من جهة، وإبراز خصوصية الخطاب الجديد في مدى اختلاقه لإجراءات الانزياح عن المألوف من جهة ثانية.

يقوم التعلق الاستيعابي على مبدأ الحوارية (Dialogisme) الذي استخدمه باختين (Bakhtin) للدلالة على العلاقة بين أي تعبير منتج وتعبيرات أخرى، وهو ما يفترض " أن لا وجود لنص ينشأ من أطراف الفراغ..."(4) مما يعني إمكانية الاقتراب والتلامس بين نصوص سابقة ولاحقة أساسه الحوار داخل بنية التعلق أو التداخل.

ولتفعيل الحوار يحتاج الخطاب الجديد إلى مستويات الهدم وإعادة البناء من جهة، والاستيعاب من جهة ثانية لتحقيق إنتاجية النص، والتي تولد عن طريق تحويل النص القديم إلى ما يناسب أنظمة النص الجديد وأبنيته، وكذلك أهدافه الداخلية الذاتية.

من هنا تأخذ الخطابات الجديدة الدور المركزي بحسب قدرها على استيعاب النصوص القديمة وتقبلها لمعطياتها التقليدية وانضمامها فيها ثم معالجتها وفق رؤية حداثية واستغلال طاقاتها  الإبداعية وجمالياتها الفنية، لتصبح النصوص السابقة، وفق هذه الرؤية، هامشية سائرة في طريق التحويل المنجز من قبل الخطاب الجديد ، إذ " لا يترك النص المولد حديثا النص الأصلي دون مساس، ويمكن لكلا النصين أن يدخلا في نزاع مع بعضهما "(5)والنزاع هنا محاورة وتجاوز، إذ يحاول النص اللاحق العودة إلى نص أنموذج ليقيم معه علاقة تكون مبنية على أساس المحاكاة النوعية التي تستثمر ما يتمتع به النص السابق من فنيات وآليات سردية من شأنها تفعيل البنية النصية للرواية.

ورواية "رمل الماية" تشير إلى ارتباط الماضي بالحاضر عبر الزّمان والمكان، الماضي التّاريخي والحاضر، الأندلس والمغرب، ويبدو أنّ الجزء الأول من العنوان "رمل الماية " لا علاقة له بألف ليلة وليلة، لكن العنوان الفرعي "فاجعة الليلة السابعة بعد الألف " تدخل العنوان في حيز استلهام ألف ليلة وليلة، وتشير الليلة السابعة إلى ليلة الانقطاع والغيبة عن العالم المعيش التي عاشها البشير الموريسكي، وهي نومة شبيهة بنومة أهل الكهف، وعندما يعود الموريسكي من غيبته لا يسرد ما رآه في منامه، بل يحاكم (6)التّاريخ العربي الذي مارس القتل ضد أبنائه.

تتمظهر آليات استيعاب النص السابق في رواية "رمل الماية" لواسيني بالانفتاح على النصوص السردية عن أدبنا العربي القديم وأنموذجها الأمثل "حكايات ألف ليلة وليلة "، فقد حاول الروائي من خلال خطابه المعنون بـــ" فاجعة الليلة السابعة بعد الألف أن يقيم علاقات تعلق نصي أساسه احتواء  النص الأنموذج والاستيلاء على خصوصيات سرده العجائبي الممثل في صوت الراوي"شهرزاد" ومتلقي الحكي "شهريار"، والوسائل التشويقية التي تلجأ إليها الراوية لجذب انتباه الملك "شهريار"،  و من ذلك ما تبدأ به حكايات الليالي الألف والممثل في قولها:" بلغني أيها الملك..."(7)

يشتغل تفعيل آليات السرد في رواية"رمل الماية" على هذا المستوى، انطلاقا من مكتسبات النص المتعلقة بآليات الحكي السردي "النموذج المستند إلى تفعيل وظائف العناصر التي يقوم عليها الحكي، وهي الراوي والمروي له.

فعلى مستوى تفعيل وظيفة الراوي، فقد تقمصت "دنيزاد" وظيفة الحكي والإخبار عن "شهرزاد" راوية الليالي، فاسترسلت في سرد حكاية التاريخ في علاقته بالواقع الخرافي بمتناقضاته اللامنطقية، فكانت حكاية مشوقة تستهوي العقل للبحث في معطياتها الحقيقية، وأسباب وجودها، والوقوف عند خباياها ومقتضياتها. إنها حكاية "البشير الموريسكي" الشخصية التي يلتقي فيها الواقع المعيش بتاريخ غرناطة، تحكيها "دنيزاد" فتتحول على مستوى سردها الشهزادي من مجرد تأريخ لأحداث مأساوية إلى استثمار فني جمالي لطبيعة الحدث المأساوي؛ " حكاية الموريسكي روتها دنيزاد ورواها قبلها أناس كثيرون، رسمها القوالون في الأسواق على شاكلة أيام القيامة. عشقها الرعاة ورووها بمسحة حزن وحنين، ابتهجت لسماعها النساء داخل القصر وخارجه. الزمن توقف مع نهاية الحكاية ليبدأ زمن آخر كان من الصعب تتبع ملامحه ومعرفتها. لكن الأمر الذي لم تختلف عليه الرعية في الجملكية، هو أن شيئا جديدا مثل خيط النار في الرفاعة والنقاء كان يصّاعد من الموجات التي كانت تتكسر بالتتابع على الحائط الـهَـرم  " (8)

من هنا، وعلى مستوى المحكي أو المرويبدا حكي "دنيزاد" مستوعبا لحكي "شهرزاد"في خطاب الليالي، فاستدعى منه التلميح في الشخصية الراوية والتلميح في الحكي أو السرد، وإدارة التشويق والاسترسال وعرض الأحداث بطريقة خرافية، وهي آليات استدعتها طبيعة المأساة التي تخبر عنها "دنيزاد"، لكنها ومع هذا الاقتراب بين سردها وسرد "شهرزاد"، قد تجاوزت المحكي القديم إلى محكي جديد يفصح بتلميح فني عما خبأته "شهرزاد" عن الملك "شهريار"، فهي لا تقف عند حدود استماع الملك للحكاية بل تخترق حكايتها الأهداف المرجوة من وراء التلقي القديم، والبحث عن الانتقام من الملك ودرأ فعل القتل، وذلك بمحاولة إيجاد آليات سردية تحقق إنتاجية فعل الإخبار وإنتاجية الفعل النصي الجمالي الموجه للمروي له( قارئ الحكاية)،  وهذا ما يشير إليه المقطع الذي يتصدر رواية "رمل الماية ": "  دفنت دنيزاد آخر الابتسامات في قلبها ثم انسحبت باتجاه الفراغ الذي كان يملأ القلب والذاكرة، كانت تعرف أكثر من غيرها أن العد الزمني توقف عند هذه اللحظة بالذات. فالليلة السابعة استمرت زمنا لم يستطع تحديده حتى علماء الخط والرمل ولا حتى الذين عرفوا أسرار النجوم والبحار حين تفيض وتملأ الشواطئ المهجورة والأصداف كانت دنيزاد تعرف الكثير مما خبأته شهرزاد عن الملك شهريار فالأسرار والأخبار المنسية كانت تأتيها من القلعة والحقول المسّيجة والبراري وأسوار المدينة والحيطان الهرمة التي كانت تدفع أمواج السواحل الرومانية ".(9)

هذا التقديم الجديد الذي نلمس فيه محاكاة نمطية للسرد في النص الأنموذج، وتجاوز مبني على تصور جديد نابع من وعي الكتابة الحداثية قد أنتج لغة تداخلية عملت على تفعيل وظيفة السرد في إنتاج النص واقتراح آفاق تأويلية واسعة النطاق باعتبار النص بنية دلالية يتم إنتاجها بفعل القراءة.

ج -التوازي النصي (التعلق الجواري)

يرتبط التفاعل النصي المبني على أساس التوازي أو المجاورة  بين النصين المتفاعلين:الرواية الجزائرية الجديدة والنص السردي الموروث بإمكانيات تواجد النص القديم باعتباره بنية نصية مستقلة بين ثنايا الخطاب السردي الروائي وبصورة نسق حيادي يساهم في البناء الكلي للنص الجديد إنه استدعاء من نوع خاص، تلعب فيه قراءات المبدع للنصوص المرجعية الدور الكامل في عملية التضمين أو التفاعل تلك، سواء تعلق الأمر بالجانب الدلالي أو الفني الجمالي، ورواية "رمل الماية" ترتقي ارتقاءها الإبداعي على خاصية التناص الذي يصبح إطارها وبؤرتها في آن، فتتقاطع المناصة مع الميتانصية والنص السابق ألف ليلة وليلة بالنص اللاّحق رمل الماية معارضة إيّاها ومتحدّية لبنيتها الأمّ لتتجلى بعد ذلك كلّه معمارية النّصّ الرّوائيّ الّتي تروم الشّعريّة في أبهى تجلّياتها.(10)

فعلى مستوى تفعيل الكتابة الإبداعية في الخطاب الجديد يكون استدعاء النص القديم عن طريق المجاورة دعامة أساسية يستند إليها المبدع لينمي إمكانات نصه من حيث التعدد اللغوي، ويؤكد بالحاضر الإبداعي في ظل الماضي النصي عن طريق الانحرافة و الإنزياحية التي ينجزها المبدع تجاه النص القديم حتى يتخلى عن سياقه المرجعي ويندمج في سياق جديد مما يكسبه قيم جمالية جديدة تسهل عملية التعاضد النصي بينه وبين الخطاب الروائي. 

وعلى مستوى آخر يأخذ النص الجواري داخل السياق النصي الجديد شكلا مغايرا بحيث يحافظ على بنيته وشكله كجزء مستقل يزيد السرد الروائي قوة ومصداقية، ففي "رمل الماية" يرد النص التاريخي في الخطاب على شكل بنية سردية مستقلة، أو كنص استشهادي على لسان الشخصية المركزية "البشير الموريسكي" يضعه السارد ( المبدع) عادة بين قوسين للحفاظ على صيغته وبنيته الخاصة الموروثة رغم ما حدث على مستوى الاستدعاء النصي من نقل الموروث من سياقه التاريخي السابق إلى سياق روائي جديد لصنع دلالة الواقع .يقول " الموريسكي" في إحدى أحاديثه المأساوية الناتجة عن وعي ذاكرته الواقعية التي تماهت في الماضي: " ترامى السؤال القديم إلي ليعيد إلى ذاكرتي وجه مريانة، أيعقل أن تكون الأرض الأخرى أردأ من محاكم التفتيش ؟؟؟  السؤال لم يكن وهميا لأني سأتذكر فيما بعد كلاما قرأته لصاحب نفح الطيب"المقري" حين كانت أول وآخر مدينة دخلتها بعد مأساة الكهف تحترق مثل لعبة كبيرة صنعت من التبن، " وتسلط عليهم الأعراب لا يخشى الله تعالى في الطرقات، ونهبوا أموالهم، وهذا ببلاد تلمسان وفاس ونجا منهم القليل من هذه المعرة، وأما الذين خرجوا في ضواحي تونس فسلم أكثرهم، وهم لهذا العهد عمروا قراها الخالية وبلادها وكذلك بتطوان وسلا، ومتيجة والجزائر..."  اتضح لي في نهاية المطاف أن ما رأيته في الكهف، عن الحاكم الرابع، لم يكن إلا جزءا يسيرا من مأساة خيط الدم الرفيع الذي ينطلق من ظلمة الليلة السابعة..." (11)

لقد تماهى التخييلي في الواقعي والتاريخي الموروث دون ضياع هوية النص التاريخي المنقول، كما ساهم وجود هذا النص على حاله الأولى في توثيق الحدث المأساوي التخييلي الممزوج بالواقع الراهن، وهو ما يحتاج إليه الموريسكي لترسيخ تجربته ومعاناته.

وتتعالق شخصية البشير الموريسكي مع شخصية السندباد في ألف ليلة وليلة، فالسندباد كان كثير التّنقل برّا وبحرا سعيا وراء إرضاء فضوله في حبّ الكشف عن المجهول، وكان يقوم برحلاته طوعا من تلقاء نفسه، وفي كلّ رحلة من رحلات السندباد السبعة (12) كان يتعرض لمجموعة من الأحداث الخارقة تؤدّي إلى إيقاعه في مأزق لا يمكن الخروج منه إلاّ بتدخّل خارق من قوى الطّبيعة المختلفة(لاسيما الحيوانات مثل طائر الرّخ)، أمّا البشير الموريسكي، فقد كانت رحلته من الأندلس إلى المغرب العربي رحلة قسريّة واجه خلالها صعوبات كادت تودي بحياته وذلك من خلال ما تعرّض له من أزمات ومؤامرات من قبل قراصنة السّفن الّتي نقلت الموريسكيين، وسرقت أموالهم وتركتهم في جزر نائيّة كانت نجاتهم منها أمرا خارقا، ولكن ليس من خوارق الحيوانات الخرافيّة بل من الخوارق الإنسانيّة.

ورحلة البشير الموريسكي رحلة بين الأزمنة و الأمكنة، بين زمن الأندلس وزمن الحكم العثماني (13) والزمن الحاضر وهذا يعكس عدم الشعور بالزّمن بالمعنى الفلسفي أي إحداث فعل /كينونة في الزّمن،فلا يوجد فرق بين الأزمنة العربيّة المتعاقبة، لأنّ أزمنة الاضطهاد واحدة. (14)وقد انتقل الحديث عن البشير الموريسكي من حديث خرافي إلى واقعي معيش. (15)  فدنيزاد كانت تسرد للملك (شهريار بن المقتدر) قصّة البشير الموريسكي، وهو الآن يعيش هذه القصّة ويستمع إلى الشّخصيّة المحوريّة فيها وهي شخصية البشير الموريسكي الّتي تتحدّث عن معاناتها، فدنيزاد نقلت شهريار بن المقتدر من مستمع للحكايات (كما كان شهريار شهرزاد) إلى مستمع بداية ثمّ إلى معايش للحكاية معايشة حقيقيّة، وقد يكون السّبب في ذلك أنّ دنيزاد لم يكن هدفها تسلية الملك شهريار بن المقتدر، بل تعريته وكشف زيفه واضطهاده، لأنّ نظامه يقوم على القمع والاضطهاد، لأنّه أسّس على ذلك،فقد أطاح هو برأس والده المقتدر، لذا لا يجد حرجا في أن يقوم نظامه على الاستمرار في الدّمويّة المفرطة ويرى أنّ من حق الملوك فعل ذلك، أمّا شهريار الرّواية فلم تستطع دنيزاد أن تفعل معه ذلك، ولعلّ السّبب أنّه كان مشاركا في صنع الأحداث الّتي تقصّها دنيزاد (قصّة البشير الموريسكي)،فهو ليس مستمعا، وإنّما مقتنع بما قام به محمد الصّغير في غرناطة، من قتل وتقتيل واضطهاد وتسليم البلاد للقشتالين (الإسبان)، وهو بدوره يفعل ذلك فيضطهد شعبه ويتعاون مع الغربيين في قتله لوالده وتفرّده بالسّلطة (16)وإن ّ حالة التّماثل هذه قد تكون هي السّبب في عدم تأثّره بما ترويه دنيازاد عمّا حدث على أيدي محاكم التّفتيش في غرناطة .  

د – المفارقة النصية (التعلق العميق)

إن التوجهات الجديدة التي تبنتها الرواية الجزائرية في الإجراءات اللغوية والجماليات الشكلية والتعبيرية المجسدة للتجربة الإبداعية المبنية على أساس علاقة النص بالوجود قد ألزمت الخطابات الروائية بتغيير آلياتها وأجهزتها المفاهيمية ومكوناتها الداخلية؛ بحيث أصبح الخطاب الروائي فضاء مشحونا بالتوترات مزدحما بالحواجز والمطبات، ترميزيا مشتتا يصعب السيطرة عليه. يرتكز التحول التناصي المبني على المفارقة بين النصين المتفاعلين: الرواية والموروث السردي، على خصوصيات تركيبية لبنية الخطاب الروائي قوامها الميتانصية التي تعتبر من أرقى صور التفاعل بين النصوص في الكتابة الحداثية، وهي عملية استدعاء النص السابق لأجل أن يخدم أغراض النص الجديد ولكن بصفة عكسية يخرج فيها النص المستدعى عن سياقه الأصلي خروجا كليا، بحيث تتراجع الدلالة التي حققها هذا النص في زمن إنتاجه وتحل مكانها دلالة جديدة مناقضة لها تماما.(17)

معنى ذلك أن هذا النوع من التحول التناصي، يجعل النص المسترجع ينسلخ عن سياقه البنيوي الأول وينضم في بنية جديدة يؤدي ضمنها دور خاضعا لمتطلبات البنية الجديدة التي يتم على مستواها نقد السياق الأول ( المرجعي) الذي أنتج فيه، ويصبح التحول، هنا دليل على مرونة النص التراثي في الاستجابة للبنى النصية المستقبلية مهما علا شأنها في الإبداع .

2– جمالية التناص في رمل الماية

ونحن إذ نواجه رمل الماية التي تضعنا وجها لوجه أمام الفجيعة، تخلخل السّاكن فينا تـبتـلينا بفاجعة اللّيلة السّابعة بعد الألف، فاجعة التّاريخ ذلك/ هذا الذي يمتدّ كيما لاينته أبدا من دم إلى دماء، ومن منفى إلى منافي، ومن صحراء إلى صحاري، لا فرق بين " بني كلبون الآن والحاكم الرّابع ومحاكم التّفتيش المقدّس.(18)

هي ذي الرّواية تنهض نهوضها الإبداعيّ على التّناص في كلّ تجلّياته وأبعاده التّرميزيّة بدءا بالعنوان الذي يحيل إلى ألف ليلة وليلة ليخترقها، معارضا إيّاها حين يسكت النّاص شهرزاد عن الكلام المباح و إلى الأبد، لأنّها " دابة الغواية" و لأنّ شهرزاد ليست سوى شهريار وهو يتقمّص دور المرأة، شهرزاد النّاطقة بلسان حاله وحافظ عليها لأنّها أكدت ما كان يعتقده تماما، وهكذا تصبح مقهورة مدحورة على صعيد الخطاب والتّاريخ والرّمز...ولهذا ظلّ شهريار ينصت إليها لأنّ الّذي بلغها هو ما كان يعيشه، ما كان يعاني منه، وهي لم تتقاطع معه بقدر ما تداخلت ببلاغها، وقد احتفظ بها لتكون شهادة حيّة على  ( دونية) النّساء لاحقا . (19)

إنّنا بإزاء نصّ روائيّ مكتنز، ثري، مليء حتّى الفيضان بالنّصوص الغائبة والمغيّبة في آن حتّى ليصعب على القارئ، عن قصد أو غير قصد والحالة هذه أن يجد مراجعها، و أن يحيل تلك النّصوص إلى مظانها، فتغدو الكتابة لعبة فنيّة، إبداعيّة خلاّقة لما يمكن أن يسميه سعيد علوش خطابات المستنسخ  Les discours clichés( 20)  ، لأنّ الرّواية " جامع الأنواع" تستحضر التّاريخ، إنّه موضوعها الرّئيس، تعيده لتخرقه خرقا إبداعيا،" كتابة تواجه النّظام بالفوضى، و المتأسّس بالتّفكيك والبعثرة، وتعلن عن نفسها في مشكل مساءلة لا تكلّ ولا تهدأ، لذلك تتعلّق بالتّاريخ لا لتسايره، بل لتنشدّ إليه لتخاتله وتشرع في خلخلة قيم صارت - وهما- جزءا من ذلك التّاريخ" .(21)

إنّها رواية تدين التّاريخ، لأنّه تاريخ مزيف، أفّاق، لم يكتبه غير الكذّابين، الدّجالين، خدّام السّلطة – أية سلطة-ونواطيرها وفزّاعاتها، تلك السّلطة/ هذه الّتي تحاول عبر الزّمان أن تعمل على تبييض وجهها وقد أكله الجدري والتهمه البرص، واستوى فوقه الجذام " أدركت بعد زمن طويل، أن الفضل، كل الفضل يعود إلى جدّي الأخير. كان كلّما قرأ كتابا في التّاريخ، يرفع صوته عاليا، يصيح دون حدود. يا الله لماذا؟ لماذا؟ إنّهم يكذبون يا البشير، وعليك ألا تصدّق، لم تتح لنا فرصة واحدة لنقول أحلامنا إنّهم يكذبون حتّى على الله " (22)

فإذا كانت شهرزاد في " ألف ليلة وليلة " تحكي الزّيف والكذب حتّى تتمكّن من البقاء حيّة، فإنّ دنيازاد لبوءة المدن الشّرسة تحكي صدقها حتّى وتسرد حقيقة البشير الموريسكي الآتي من هزائم غرناطة، إنّها والبشير يبحثان عن الموت عبر قول الحقيقة ولاشيء سوى الحقيقة ولهذا صراخها/ صراخه:" أيّ تاريخ أيّها المساكين؟ التّاريخ الذي تروونه في السّاحات، أم التّاريخ الّذي يزوره الورّاقون في القصور؟؟" (23)

وحين يستعيد البشير الموريسكي، قوّال السّاحات الشّعبيّة، شخصية الفيلسوف العربي "ابن رشد"، بل إنّه ليتماهى فيه فيغدوان معا صوتا واحدا، وهو إذ يستعيده أو يتماهى فيه سيان، إنّما يؤكد أنّ الدّين غُيّب و أنّ الفسلفة واقع:" آه يا فيلسوف الفردوس المفقود، قرطبة سرقوها. فسرقت حلمك الّذي رفضه زبانية الموت. قلت الدّين دين، والفلسفة فلسفة (...) أبناء الكلبة خافوا منه مثلما يخافون من وباء الطّاعون، قال افصلوا فستربحون الدّين والدّنيا. لكنّ المنصور أبا يعقوب كان دابّة لا تسمع إلاّ صوتها والرّجع الّذي يتركه نفاه على أطراف قرطبة وأحرق كتبه وسائر كتب الفلسفة ومنع الاشتغال بالعلوم(...) قلت افصلوا ولا تجمعوا ما لا يجمع. لا تجمعوا بين المختلفين: عالم الطّبيعة، وعالم ما بعد الطّبيعة. عالم الغيب وعالم الشّهادة. الاستدلال لا يصحّ إلاّ حين تكون النّقلة معقولة بنفسها وذلك عند استواء الشّاهد والغائب" (24)   

وهنا إحالة تناصيّة، تمنح وجودها من كتاب الفيلسوف العربي ابن رشد " فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من اتّصال" والنّاص هنا اتّخذ من مقولة الفيلسوف موقفا فكرياّ موظّفا إياّه كميتانصيّة يحاجج بها الواقع الهشّ الّذي أدّى إلى الخراب وإلى التّخلّف منذ الحاكم الرّابع حتّى الآن! ( 25)

وهكذا يستمرّ التّناص مزهوا بنفسه، فاتحا أجنحته المتلألئة، مانحا النّصّ قيمته ومعناه كيما نتمكّن من فضّ آليات نظامه وإشاراته، خاصّة حين يشتغل اشتغاله المعرفي على ثنائيات ضدّيّة تهيمن كلّية على المتن الرّوائيّ، لتجعله نصّا منفتحا على كلّ الاحتمالات الممكنة وغير الممكنة، ومتفرّدا في آن.  

وها نحن أمام أبي ذر الغفاري والحلاّج،فهما معا في صراع شرس لا يني يتوقف ضدّ السّلطة القامعة دينيّا وسياسيا، حينما تتّهم الأوّل بتحريض الفقراء على الأغنياء فينفى في صحراء الربذة والآخر يتّهم بالزّندقة و الحلولية فيصلب ثمّ تقطّع أطرافه ثمّ يحرق و النّاس ينظرون!!، هذه الثنائيّة الّتي تسمح للنّصّ الرّوائيّ كيما يصّاعد وينمو وكيما يحدث المفارقة والّتي تقود حثيثا لما يمكن أن نطلق عليه شعريّة العنف في أرقى تجلّياتها حين يعرّي النّاص حادثة الحرق والقتل:" فصلب هو وصاحبه ثلاثة أيّام.كان يوم ذلك من أوّله إلى انتصافه فينزل بهما إلى الحبس (...) و أخرج من الحبس، فقطّعت يداه، ورجلاه ثم ضرب عنقه و أحرق بالنّار". ولم يبق إلاّ صراخه الحنون، الشّكور يملأ الذّاكرة والتّاريخ دمي حرام، دمي حرام، وما يحلّ لكم أن تتقاتلوا عليّ فالله الله. الله الله في دمي، في دمي ..." (26)

وهكذا أصبحت الرّواية، رمل الماية، عملا أدبيّا لا تنهض شعريته إلاّ على التّناص في مادّته التّاريخية والفلسفيّة والصّوفيّة وشذرات من لغة الواقع و الصّحافة و السينما، في تقطيع الزّمن وتكسير خطّيته، بل إنّه ليتعدّاها ليكون النّص القرآني حاضرا كأشدّ ما يكون الحضور امتلاء وفيضا، بالمعنى الفلسفي للكلمة، ذلك لأنّ " الرّواية تسمح بأن تُدخل إلى كيانها جميع الأجناس التعبيريّة، سواء كانت أدبيّة (قصص، أشعار، قصائد، مقاطع كوميديّة ) أو خارج أدبيّة (دراسات عن السّلوك، نصوص بلاغية وعلميّة و دينيّة ...) وتختلط تلك الأجناس، عادة، بمرونتها واستقلالهاّ، وأصالتها اللّسانيّة و الأسلوبيّة "(27)   

ولذلك فإن ّ الرّواية تدخل الأسطورة حين تتأطّر في حكيها بسورة الكهف، كيما يكون السّرد بعثا واستمرارا للحياة، وكيما يكون في جوهره قداسة وطهارة فيعانق بذلك "الماء" الذي لا يني يحمل الرّواية من الميتانصّ حتّى آخرها، وكأنّما البشير الموريسكي لم يجيء إلاّ من الطّهارة، كفتية الكهف أنفسهم، و كأنّما لا يقول غير الحقيقة، كالفتية أيضا، ولن يعود في آخر الرّواية إلاّ للطّهارة زمنها الإلهي، مثلما عاد الفتية أيضا وقد آوى إلى الكهف ثانية و إلى  الأبد، وهكذا يجد البشير الموريسكي نفسه متحرّرا من خطّية الزّمن فيجيئه مثلما شاء: " من آخره، أو من أوّله سيّان، ذلك أنّ الزّمن الأسطوريّ ليس له أوّل وليس له آخر، قال تعالى :" أم حسبت أنّ أصحاب الكهف والرّقيم كانوا من آياتنا عجبا.إذ آوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربّنا آتنا من لدنك رحمة وهيّئ لنا من أمرنا رشدا" (28)        

واستعادة الكهف تترك للرّواية أن تكتب حكايتها و أن تذهب في الزّمن ذهابها الّذي لا يحدّه حدّ، ممّا يتيح للسّارد أن يتحرّر من ربقته، قال تعالى :" ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا" (29) ونجد المفارقة التّناصيّة حين يصبح التّضاد ماثلا بين الشيخ النينوي على مستوى المتخيّل الرّوائي بسيدنا الخضر ومثار تلك المفارقة أنّ الشيخ النينوي الاسم نسبة لمدينة " نينوى" بالعراق، وهي مدينة الصّوفيّة و الأولياء الصّالحين، فالنينويّ على هذا المستوى وليّ صالح، وسيدي " الخضر" يتحوّل في النّصّ إلى خادم للسّلطة وفزّاعة للرّعيّة والشعب ليس هو سينا الخضر العالم الجليل، لقد بُتر لسانه، وسملت عيونه ورُمي على أطراف المدينة وتُرك يدور في حلقة مُفرغة على ظهر دابّة عجوز" (30)   

ويتحوّل الشيخ النينوي إلى سيدنا الخضر، رمز المعرفة وإحقاق الحقّ، وإقامة العدل، موازيا في ذلك النّصّ القرآنيّ حين يتحدّث عن موسى – عليه السّلام-وسيدنا الخضر في قوله تعالى:" فوجدا عبدًا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلّمناه من لدنّا علماً، قال له موسى هل أتّبعُكَ على أن تعلّمني ممّا عُلمت رشدا "(31)   

وهكذا فإنّ " التّناص شيء لا مناص منه لأنّه لا فكاك للإنسان من شروطه الزّمانيّة والمكانيّة ومحتواهما، ومن تاريخه الشخصي أي من ذاكرته " (32)

هذه الذاكرة التّناصيّة التي تعيد إدماج بنية السّرد التّقليديّة، نقصد القديمة والّتي يتجلّى حضورها في النّصوص التّراثيّة القديمة، هذا التّناص الذي  يهبُ الحكاية صياغتها الجديدة ويمنحها شعريتها، ألم تنهض " رمل الماية " على " ألف ليلة وليلة" هذه الّتي تتشكّل من قصّة إطاريّة، ثمّ تنفتح بعدها على أخرى، وهذه على أخراة في متتالية من القصص يأخذ بعضها ببعض في تناغم أخّاذ و إيقاع مستمرّ، وفي " رمل الماية" يتم التّداخل على مستوى الأصوات السّردية، وليس أدلّ على ذلك من انفتاح النّصّ الرّوائيّ على جمل من الصّيغ التّراثيّة :" بلغني يا ملكي العظيم..." أو بلغني يا مولاي السّعيد ..."، كما نجد أيضا الصيغ اللّغويّة الّتي تنفتح بها الحلقة في الأسواق الشّعبيّة حتّى لكأنّ الرّواية تعيدنا إلى دورة الحكي في بدئه الأوّل، صادقا، حارّا، طاهراً:" يا السّامعين ما تسمعوا إلاّ الخير، عام الجوع راح.والزّمان ولّى. والقصر اللّي عالي طاح، والطّير المحبوس علّى.  يا السّامعين ما تسمعوا إلاّ الخير". (33                                                                                                            و يصل التّناص إلى مداه حين يتحوّل النّص الرّوائيّ ليصبح نصّا معارضا Le texte pastichant في معارضته لحكاية  " فاطمة العُرّة " في ألف ليلة و ليلة النص المعارض زوجة الملك معروف التي تحاول خلسة أن تستولي بالسرقة على خاتم زوجها وقد كان مع محظية من محظياته، فيراها ابن الملك، فيختبئ حتّى يمكّنها ممّا تريد، وعند خروجها "رفع يده بالسّيف وضربها على عنقها فزعقت زعقة واحدة ثمّ وقعت مقتولة " (34)

وفي "رمل الماية " تقع المعارضة، إذ لا ينقذ الابن قمر الزّمان أباه شهريار بن المقتدر من دنيازاد بل يعملان معا على قتله شرّ قتلة" كان قمر الزّمان قد قطع رأسه ورماه بعيدا داخل القاعة العريضة الواسعة ".(35)

خلاصة

إنّ "رمل الماية"، وهي تنهض في متنها على خاصيّة التّناص، قد أكّدت حضور تقاليد الكتابة، فتضافرت أساليب الكتابة العربيّة، فكان الخبر والتّاريخ والأسطورة والموروث الشّعبي والدّين، فتناسخت تناسخها (36)الخصب الخلاّق، وتناسلت في حوار إبداعيّ جعل " رمل الماية" جامع الأنواع، ذلك أنّ" السّرد العربيّ الحديث (القصّة والرّواية وبعض أنماط القصيدة الدراميّة أو الحواريّة أو المتعدّدة صوتيا ) يجاري إحساسا هائلا بالمحنة، أو ربّما يتنبّأ بأبعاد هذه المحنة، وعندما تحتوي السّرود أجناسا تعبيريّة أخرى، تكون قادرة على الاتّساع للتّعدّديّة اللّسانيّة، تماما كما اتّسعت حكايات شهرزاد لذلك، مفصحة عن حياة معقدة، أو متشابكة يختلط فيها الكلام الآمر بأصنافه بالآخر الميسور العادي أو المقنع ". (37)

رواية " رمل الماية " تتموقع بفخر إبداعي ضمن المراتب الأولى للرّوايات الحداثيّة في العالم العربي للأسباب الّتي نجملها فيما يلي:

- رواية جعلت التّناص شعريّة وجعل منها رواية شعريّة.

- بنيتها السّرديّة القائمة أساسا على نصّ تراثي سابق "hypertexte" أذهل العالم كلّه وما يزال بثرائه وامتلائه وهو " ألف ليلة وليلة "، والرّواية لم تقم على محاكاته ولكنّهاقامت إبداعيّاعلى معارضتهبل إنّها انتقدته من داخل منطقها السّرديّ الّذي اصطنعه النّاص لها.

- رواية " رمل الماية" رواية " جامع الأنواع "، وليس أدلّ على ذلك إلاّ هذا الزّخم من تداخل الخطابات: تراثيّة وشعبيّة ودينيّة وتاريخيّة وسياسيّة وأسطوريّة وعجائبيّة.

- رواية تكسر خطّية الزمن وعموديّة السّرد، انبنت سرديا على تعدّد الرّواة والقائمين بالسّرد تعاليا عن الابتذال.

- رواية تروم شعريتها من التّناص، وتبحث عن أدبيتها فيه وبه. سيأأ

 

- رواية "رمل الماية" تشير إلى ارتباط الماضي بالحاضر عبر الزّمان والمكان، الماضي التّاريخي والحاضر، الأندلس والمغرب.

* -رمل المايةهي إحدى النوبات المستعملة في الموسيقى الشعبية المغربية ذات الأصول الأندلسيّة، ينظر: الشرفاوي عبد العالي، الطرب الأندلسي من الفردوس المفقود إلى الأمل المنشود، على شبكة الأنترنت 06/11/2003http://www.classicalarabicmusic.com%20language/andalusian-art.htm                

1- كمال الرّياحي،2013،من خصائص الكتابة الرّوائيّة في رواية "حارسة الظلال " لواسيني الأعرج، تقديم و إعداد: زهرة ديك:واسيني الأعرج:هكذا تكلّم..هكذا كتب...سلسلة أدباء جزائريون،دار الهدى،عين مليلة الجزائر، ص : 408.  

2- عمر صبحي جابر،2012،الرواية والتّراث "ألف ليلة وليلة في الرّواية العربيّة الحديثة"، حمادة للدراسات الجامعية والنشر والتوزيع،الأردن، ص : 137.

3 -جوليا كريستيفا ، 1997، علم النّص، ترجمة: فريد الزّاهي، ط،2، دار توبقال، الدار البيضاء، المغرب ، ص : 57.

4-  واسيني الأعرج " أحلام بقرة،العجائبية/ التّأويل، التّناص، مجلة آفاق، الرباط،  المغرب،ع 1، 1990.

5-بول ديمان،1995، العمى والبصيرة (مقالات في بلاغة النقد المعاصر:قراءة جاك دريدا لروسو)، ترجمة: سعيد الغانمي، ط1، منشورات المجمع الثقافي، ،الإمارات، أبو ظبي ، ص : 179.

6-محسن جاسم الموسوي،1999، انفراط العقد المقدس: منعطفات الرّواية العربيّة بعد محفوظ، القاهرة، د ط، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص :57.

7-ألفليلة وليلة،1997، ج1، ط3، موفم للنشر، ص: 08.

8-واسيني الأعرج،1993، رمل الماية، ط 1، دار كنعان للنشر والتوزيع، دمشق، ص: 08.

9  - رمل الماية،ص :07.

10-جمال فوغالي، 2007، واسني الأعرج "شعرية السرد الرّوائي"، د ط، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعيّة، الجزائر، ص : 89.

11- رمل الماية، ص: 41.

  12-ألف ليلة وليلة، ج 4، ص 1-39.

13-رمل الماية، ص: 291.

14-رمل الماية، ص: 304.

15-رمل الماية، ص: 315

16-رمل الماية، ص 324.

17نجوى منصوري، الموروث السردي في الرواية الجزائرية، "روايات الطاهر وطار وواسيني الأعرج أنموذجا " مقاربة تحليلية تأويليّة، أطروحة دكتوراه في الأدب الحديث، تحت إشراف الدكتور الطيب بودربالة، جامعة الحاج لخضر باتنة، الجزائر، السنة الجامعية 2011/2012، ص :216.

18-جمال فوغالي، "رمل الماية، كتابة المعصية. معصية الكتابة"،مجلة المدى، دمشق، عدد 8،1994، ص: 04.

 19-. إبراهيم محمود، بلغني أيّها الملك السّعيد، القول والتّأويل، احذروا بلاغة شهرزاد، مجلة كتابات معاصرة، بيروت، عدد 22أوت/ سبتمبر،1994، ص 99.

20-سعيد علوش، عنف المتخيّل في أعمال إميل حبيبي، الدار البيضاء، المغرب،1986، ص : 05.

21-محمد لطفي اليوسفي، نداء الهوامش، مجلة المدى، العدد 7، مشق، سورية، 1994، ص: 04.

22-رمل الماية، ص: 365.

23-رمل الماية، ص: 272.

  24-رمل الماية، ص: 14.

25-جمال فوغالي، واسني الأعرج "شعرية السرد الرّوائي"،مرجع سبق ذكره، ص: 93.

26-رمل الماية، ص: 162.

27-ميخائيل باختين، 1987، الخطاب الرّوائي، تر: محمّد برادة، دط، دار الأمان، الرّباط، ص: 78.

28   -القرآن الكريم، سورة الكهف، الآيات 10و 11.

29   -القرآن الكريم، سورة الكهف، الآية 25.

30-رمل الماية، ص: 361.

31-القرآن الكريم، سورة الكهف، الآيات 65 و66.

32-محمد مفتاح، 1992، تحليل الخطاب الشعري – إستراتيجية التناص، ط 3، المركز الثقافي العربي، المغرب، ص: 123.

33-رمل الماية، ص: 392.

34-ألف ليلة وليلة، مرجع سبق ذكره، ص ص 432، 433.

35-رمل الماية، ص: 389.

36-عبد الفتاح كليطو، 1985، الكتابة والتناسخ، مفهوم المؤلف في الثقافة العربيّة، تر: عبد السلام بنعبد العالي، ط1، المركز الثقافي العربي، المغرب، ص 17وما بعدها.

37-د. محسن جاسم الموسوي 1993، ثاراتشهرزاد، فنّ السّرد العربيّ الحديث، ط 1، دار الآداب، بيروت، لبنان، ص 21-22.

Pour citer ce document

رضـــا زواري, «جمالية التّناص ومظاهر التّعلق النّصيّ في روايات واسيني الأعرج (رمل الماية أنموذجا)»

[En ligne] مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales العدد 22 جوان 2016N°22 Juin 2016
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2016-11-10,
mis a jour le : 10/11/2016,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=1779.