من أجل ابستيمولوجيا جهوية في البيولوجيا عند جورج كانغيلامG. Canguilem
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 22 جوان 2016 N°22 Juin 2016

من أجل ابستيمولوجيا جهوية في البيولوجيا عند جورج كانغيلامG. Canguilem

توفيق بن ولهة
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

يعتبر فرع الابستيمولوجيا الذي اشتغل عليه كانغيلام من الفروع الفلسفية كثيرة التعقيد، لكن الأكيد أن عمله في هذا الميدان ليس بعمل ابستيمولوجي محض، وإنّما هو عمل فلسفي بالأساس يبحث عن تفاعل الإنسان مع الطّبيعة من خلال العلوم البيولوجية، ويبحث عن تأكيد أسبقية الحياة وأولويتها بالنسبة إلى أي نشاط يقوم به الإنسان، وهي مقالة ابستيمولوجية لها نتاجات وتخريجات قد تنعكس على التراتب الكلاسيكي، الذي يقدم العلم كمنتوج فكري عن التقنية كنشاط عضوي، ولذا يجب على الابستيمولوجيا أن تشمل في دراستها الإنسان في كليته، وليس في كونه كائنًا عارفًا فقط.

الكلمات المفاتيح:الابستيمولوجيا، الحيوية، التقنية، البيولوجيا، الحياة، المعرفة....

Canguilhem a été travaillé sur la branche de l'épistémologie, qui est considéré autant de branches du philosophie complexes, mais son travail dans ce domaine n’est pas purement épistémologique, mais c’est un travail philosophique principalement à la recherche pour l'interaction humaine avec la nature à travers les sciences biologiques et la recherche de confirmer de la priorité de la vie, et la priorité de de n'importe quelleactivité faisant par l’humain, et c’est un article épistémologique qui a des résultats et peut être réfléchi sur la hiérarchie classique, qui fournit la science comme un produits intellectuel pour la technique comme une activité organique. C’est pourquoi la recherche d’épistémologie comprend l’humain dans son intégralité, non seulement comme un être connu.

Mots clés :¶épistémologie, vitalité, technique, biologie, la vie, la connaissance¶

Canguilhemworked in the Branch of epistemology, which is considered as many complex philosophy branches, but his work in this field is not purely epistemology, so it is a philosophical work first of all,looking for human interaction with nature through the biological sciences, and looking for  the confirmation of the precedence of life and the priority of any activity doing by human, which is an epistimological article that have outcomes and may be reflected on the classical hierarchy, which provides science as an intellectual product for technique as an organic activity.So that’s why research of epistimology includes human in its entirety, not only in beingknowing object.

Key words:epistemology,vitality,technique,biology,life,knowledge.

Quelques mots à propos de :  توفيق بن ولهة

، جامعة محمد لمين دباغين سطيف -2-. أستاذ مساعد صنف أ،

مقدمة

لعله من الضروري قبل النّظر في فلسفة الحياة لدى جورج كانغيلام[i]، علينا البدء أولا بالتقاط الجهاز المفاهيمي الذي اتخذه جورج كانغيلام كوسيلة لمقاربة هذه الإشكالات المتسمة بالتعقيد، وهي من الضروريات المنهجية التي يثيرها هذا الحقل المتميز من الدراسة، فهذه المفاهيم تحتل مكانة خاصة داخل المقاربة الكانغيلامية، إذ من خلالها يمكن أن نحل بعض الإشكالات والغموض والارتباك، الذي قد يلاحظه البعض في كتابات كانغيلام، كما يمكن أن يساعدنا ذلك على حل الكثير من المسائل الابستيمولوجية الخاصة بميدان البيولوجيا والطب، باعتبار أن الأول يبحث في طبيعة الحياة بينما يبحث الثاني في كيفية المحافظة عليها.

كما لا يمكن لهذا المقال أن يدعي استيفاء كل جوانب المسألة الابستيمولوجية التي طرحها كانغيلام، بل يروم عرض قضية من القضايا، الكثيرة و المتنوعة التي عالجها هذا الفيلسوف، بدءًا بتاريخ العلوم، وجذور سبك المفهوم، مرورًا بمختلف القضايا التي تمس طبيعة الإنسان المريض والمشوه، وإجحاف المعايير الاجتماعية بحقه، إلى غير ذلك من القضايا التي تستدعى تدخل الكثير من حقول الدراسة من أجل مقاربتها، وأول ما قد يسترعي انتباهنا في هذه القضايا هي قضية علاقة الحياة بالتقنية، هذه العلاقة التي يسهب كانغيلام في ذكرها تدعونا إلى وضعها على طاولة النقاش ومحاولة تحليلها.

إن معالجة كانغيلام لمشكلة الحياة وعلاقتها بالمعرفة و التقنية، كان تقريبا الخط الناظم لمعظم مؤلفاته، فالانشغال التقني يعد أحد أركان فلسفته[ii]، ففي مقال له حول موضوع التقنية في الملتقى الدولي الذي عقد حول ديكارت R.Descartes(1546-1650)سنة 1937م، جعل هذا المقال المسألة تطفو إلى السطح بشكل أوضح في نسقه الفكري العام، هذا المقال الذي أعطى له عنوانًا موافقا للغرض الذي عقد من أجله الملتقى، وهو دراسة أثر التقنية في فلسفة ديكارت، و كان عنوان المداخلة التي تقدم بها كانغيلام "ديكارت والتقنية"Descartes et la technique  ، أين اعتبر هذا المقال نقطة تحول كبيرة في فكر كانغيلام، وفي الكثير من القضايا، خاصة فيما يتعلق بموقفه من مسألة التقنية وعلاقتها بالحياة La technique et la vie humaine.

تجدر الإشارة هنا بأن كانغيلام كان متأثرًا في الكثير من المسائل بالجو الثقافي والسياسي والابستيمي لتلك المرحلة في معالجته لمشكلة الحياة، حيث لا يمكن قراءة كانغيلام خارج السياق الذي كان ينشط فيه، ولهذا جاء تساؤلنا عن السياق الإشكالي الذي تحركت داخله الابستيمولوجيا الكانغيلامية، من خلال طرح مجموعة من التساؤلات، والتي سوف تؤطر مراحل تحليلنا هذا: فما هي دواعي تخلي كانغيلام عن الفلسفة السلبية في مقاربة الحياة؟ وما هي المقولات التي استطاع أن يستعيرها من الابستيمولوجيا الباشلارية، رغم اختلاف حقل اشتغال كل منهما؟ وما هي التقاطعات التي جعلته يلتقي مع فوكو في معالجة قضية الحياة؟ وهل رجوعه إلى غولدشتاين ساعده في فهم الحياة أم هي محاولة لتبيئة مفهوم غريب عنها؟ ثم ما علاقة الحياة بما أنتجته من معرفة وتقنية؟ كل هذه الأسئلة سنحاول في ورقتنا هذه مقاربتها من خلال النص الكانغيلامي.

1-                        آلان Alainوالحياة بمعناها السلبي

لقد كان آلان (1868-1951) الملهم الأول لكانغيلام في بداية تكوينه الفكري، أي مرحلة الشباب بالتحديد، أين كان النص الآلاني يمارس حضوره القوي داخل النسق الكانغيلامي، وهذه الملاحظة كان قد أبداها ج.ف.بريسته J.F.Braunsteinفي دراسة له عن فكر كانغيلام، حيث يقول "لقد كان كانغيلام متأثرًا كثيرًا بالفكر الذي كان يدعو إليه "إميل شارتي" E. Chartier، والذي كان يوقع كتاباته بالاسم المستعار "آلان" "[iii].

تعرف كانغيلام على هذا الرجل في بداية مرحلة النضج، وبالتحديد في المرحلة الثانوية، أين درس عنده مدة ثلاث سنوات(1921-1924)، انبهر فيها التلميذ من سلاسة الأسلوب الفلسفي الذي ميزت محاضرات آلان، والتي كان يركز فيها على أهمية الحياة وطبيعتها المسالمة. لقد بقي كانغيلام بعد ذلك قريبًا من أستاذه في الكثير من الآراء التي كان يتبناها، هذا التأثر جعل الكثير من الدارسين يضع كانغيلام ضمن الآلانيين الجدد، حتى بعد وفاة آلان سنة 1951م، ظل كانغيلام يستحضر ذكره في الكثير من المناسبات، خاصة بعد العام الأول من وفاته حين كان كانغيلام يشتغل كمفتش عام للفلسفة[iv].

لقد تأثر كانغيلام بآلان في الكثير من النواحي الفكرية، وبشكل أخص آراءه حول السياسة، والتي ألقت بظلها على المسائل الأخرى. كان آلان يعتبر بأن الحرب العالمية القادمة حتمية لا يمكن الهروب منها[v]، وهذا ما حاول أن يدافع عنه، خاصة في المقالات التي كان يصدرها في المجلة التي كان يشرف عليها في تلك الفترة "آراء حرة"Libre Propos، وكان يشجع طلبته على الكتابة فيها، ومن بين هؤلاء كانغيلام، الذي كان نشاطه في تلك المرحلة يوسم بالسلبية وعدم الاستقلالية برأيه[vi]، ونقصد بها مرحلة العشرينات والنصف الأول من الثلاثينيات، أين كانت آراؤه لا تخرج عن الصدى الذي كانت تحدثه فلسفة التيار السلبي، الذي يعتبر بأن الحياة تبقى إذا استكنت أمام العواصف التي تريد اقتلاعها، لأن المجابهة هي نوع من المخاطرة، وخروج من الحالة العادية إلى حالة الحرب.

فقد كانت تسيطر على تلك الآراء نزعة سلبية Pacifisme intégralمسالمة، نابعة من تمثلها للمد النازي على أنه محرر من ربقة الآراء المتحجرة، والتي كانت تعتبر هذا المد طبيعي، نتيجة للحالة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي كانت تعيشها أوربا، ومنها فرنسا على وجه الخصوص التي كانت واقعة تحت حكم الجيش، وقد كتب آلان في يومياته في 23جويلية 1940"من وجهة نظري فإني أتمنى نجاح الألمان، على أن يحكمنا شخص مثل ديغول De Gaulle"[vii].

كان آلان يرى بأن السلطة القائمة آنذاك تدفع إلى العنف، والعنف لا يولد إلاّ عنفًا مضادًا، والسلطة التي يكون لديها هذا الاعتقاد سلطة دكتاتورية، يجب إخضاعها لحكمة العقل ورقابته، لأن الإرادة المندفعة غالبًا ما تأتي نتائجها عكسية، هذه الفكرة كانت موجودة كعقيدة لدى أغلب الفلاسفة الراديكاليين، الذين كانوا يرون بأن الجسد المفعم بالانفعالات يجب أن تكبحه سلطة العقل، ولهذا عملوا على تكريس هذه الفكرة في خطاباتهم وكذا في المقالات التي كانوا ينشرونها، هذه الأفكار جلبت لهؤلاء الكثير من العداء من طرف الثوريين، أين اتهم أغلبهم من طرف المقاومة المسلحة بالموالاة للقوة الأجنبية، ويعد بعض مؤرخي الفلسفة هذا الرأي له جانب كبير من الصحة، لأن الكثير من أتباع هذا الاتجاه اتخذوا موقفًا سلبيًا من المد النّازي.

لقد كان كانغيلام في بداية الأمر من الذين رفضوا الحرب والمعارضة بشتى أشكالها، لأن الحرب دمار والمعارضة تعطيل لعملية التغيير، لذا دعا إلى إبعاد صورة الجيش عن المشهد السياسي للمجتمع الفرنسي، فالحرب التي تُقرع لها الطبول ما هي إلاّ زحف نحو الموت للطبقات البسيطة والفقيرة، ومجد وفخار للطبقات البرجوازية، حيث كان يقول "إن الحرب تُعظم حفلات الرقص وسهرات الأوبرا، وترفع من شأن الاستعراضات الكولونيالية والاحتفالات المختلفة، كل هذا تصنعه الحرب وهو في حد ذاته حرب"[viii].

إن هذا الكلام المعارض للعمل الحربي من طرف كانغيلام كله يندرج في السياق العام الذي كانت تكرسه النزعة الآلانية، والتي كانت تعتقد بأن الفعل العنيف لا يجب أن يجابه بردة فعل من نفس الجنس، فهناك ترو وتدبير لفهم هذا الفعل، وردة الفعل الأولية التي يقوم بها الجسم دون تدخل العقل غالبًا ما تؤدي إلى نتائج سلبية، فهي نزعة تأخر ردة فعل الجسد وتقنياته على التنظير العقلي. 

إن هذه السلبية المفرطة من النزعة الآلانية، هي التي ستجعل كانغيلام يثور عليها فيما بعد، رغم الود والاحترام الذي كان بين التلميذ وأستاذه، إلا أن ذلك لم يمنع من بروز الكثير من الاختلافات بين الرجلين، وقد بدأ يطفو هذا الخلاف إلى السطح في بداياته الأولى سنة 1936، وذلك بسبب النزعة المسالمة "Pacifisme intégral" التي كان قد تبناها آلان تجاه صعود النازية للحكم، وتنامي سلطتها في ألمانيا وبداية توسعها لتشمل باقي الدول الأوربية، فقد بدأ كانغيلام يقف ضد هذا المد النّازي، حيث كان يقول "لا يمكن أبدًا التعامل مع هتلر"[ix]، بعدما تبين له بأن السلطة النازية ماضية في مشروعها العنصري.

لقد بدأت معارضة آلان تظهر في الكثير من الآراء، ليس فقط عند كانغيلام بل نجدها كذلك لدى الكثير من طلبته الآخرين، لكن معارضة كانغيلام تبقى هي الأبرز لأنها بدأت تتوسع شيئًا فشيئًا لتشمل الكثير من النّقاط، خاصة طريقة مقاومة النازية، التي دعا فيها كانغيلام صراحة بعدم الاكتفاء بالمقاومة السلبية، بل يجب تفعيل هذه المقاومة عمليًا، لأن الخطابات السياسية الباهتة في نظره لا تحقق أية نتيجة، بل على الفرد المحتل أن يكافح بالسلاح، أي يجب أن تتفاعل الذّات مع الأحداث بطريقة إيجابية، وتكوّن لنفسها فلسفة للفعل.

وبدأ كانغيلام فعلا بتطبيق هذه الفكرة من خلال تكوينه لخلية حربية، ومع هذا لم يتخل عن المقاومة بالفكر، وذلك بتأسيسه لـتيار فكري سماه "فلسفة الثورة"[x]، وهي فكرة جديدة لا نعثر على ما يقابلها لدى تلاميذ آلان الآخرين، أمثال جورج بانيزي G.Bénézé(1934-1978)وروني شاتوR.Châteaux(1930-1980)، خاصة أن كانغيلام في كتاباته الأولى في مجلة "آراء حرة"، لم يكن معارضا صريحًا، فقد كانت معارضته للفلاسفة السببين وعلى رأسهم آلان مقتصرة على المستوى النّظري، فهو يرى بأن "الحادثة لا تملك في حد ذاتها أي قيمة، بل تكتسب قيمتها من خلال الشروط والأسباب التي أحدثتها، هذه الشروط التي من خلالها تتغير، لا تترجم ما نفعله بقدر ما تترجم ما لم نفعله"[xi]، أي أن الحوادث التي نعيشها ليست هي من تصنع الأشخاص التي يعيشونها، بل الأشخاص هم من عليهم أن يصنعوا الوسط أو الظروف التي تلاؤمهم، فالحادثة تكتسب قيمتها من خلال تسخيرنا لها.

لقد كان كانغيلام يشاطر آلان القول بأن أي واقعة إنسانية تحدث إلا ولها مرتكزاتها القيمية، لكن يختلف معه في القول بأن هذا الواقع مستقل عن الفعل الإنساني، بل على العكس من ذلك إنه نتيجة له، ولا يمكن أبدًا أن يكون معطى، وبالتالي فالواقع ليس حتمية مفروضة كما كان يظن آلان، بل هو نتيجة للفعل الذي تقوم به الذات الإنسانية، لأن مجموع القيم التي يتخذها هذا الواقع كمرتكزات، هي نتيجة لاعتقادنا بصحتها، ويتغير الواقع إذا غيرنا معتقدنا فيه.

إن الوقائع الاجتماعية التي نعيشها في نظر كانغيلام، كانت لتكون مختلفة لو أن القيم التي سبقتها كانت مختلفة، مع أن هذه القيم هي بالأساس نتيجة لهذا الواقع، فإذا كان الواقع يجسد مجموعة من القيم، فهو كذلك يسمح لنا باختيار القيم التي نرغب فيها، وهذا ما أراد كانغيلام أن يعبر عنه في كتاباته، خاصة في كتاب "السوي والمرضي" Le normal et le pathologique، مع أنه يعطي لهذه الفكرة الاجتماعية بعدًا بيولوجيًا في ابستمولوجيا الطب والبيولوجيا.

هناك حسب كانغيلام بين الإنسان والحيوان عتبة بسيطة، ومع هذا لا يمكن تجاوزها، فالقيم التي تحدد الواقع الذي يعيشه الإنسان ليست مختلفة كثيرًا عن المعايير التي تضعها الحياة أمام الكائن الحي، فالوقائع الإنسانية تختل إذا فقدت القيم التي ترتبط بها، والحياة تفقد طبيعتها إذا فقدت المعايير التي تقومها، على هذا المستوى يختلف السوي والمريض بحسب المنظور الحيوي أو الاجتماعي، فالعضوية المريضة أصيبت بذلك المرض لأنها لم تغير من معاييرها أمام التحديات الجديدة التي يطرحها أمامها الوسط، أما العضوية التي حافظت على صحتها فقد غيرت من معاييرها لتتلائم مع الوضع الجديد القائم، ففي البناء البيولوجي ما يبرر البناء الاجتماعي، والدليل على ذلك أنه توجد الكثير من المعايير الاجتماعية تقابلها معايير في البيولوجيا، ولهذا على الفيلسوف حسب كانغيلام أن يكون ملمًا بأبحاث الفيزيولوجيا لمعرفة القوانين التي تنظم الحياة، وكذا العلاقات الاجتماعية لمعرفة طبيعة الكائن الإنساني الاجتماعية، وهذه الآراء بدأت تتكون لديه بعد أن بدأ دراسته للطب، والتحرر شيئًا فشيئًا من آلان، الذي كان سبب  مقاطعته الأول سياسي لتمتد فيما بعد إلى الجوانب المعرفية، أين تشبع في هذه المرحلة بالروح النقدية التي كان يثيرها النسق الباشلاري.

2-                        كانغيلام ومواصلة الدرس الباشلاري

إن عودة كانغيلام إلى باشلار من أجل مقاربة ابستيمولوجيا الطب والبيولوجيا كحقلين يشتغلان على مقولة الحياة، تمثل عودة التلميذ إلى الأستاذ، فكانغيلام يعتز أكثر من مرة في مؤلفاته المختلفة بانتمائه الابستيمولوجي إلى هذه المدرسة[xii]، التي استطاع صاحبها في ظرف قصير أن يخلق تيارًا ابستيمولوجيا بارزا بدأ شيئًا فشيئًا يأخذ مكان الفلسفة الوضعية بمعناها الكونتي، رغم أن أوغست كونت A. Comte(1798-1857) هو أصل الأسلوب الفرنسي، الذي يتصف بالتّاريخية، ولذا فهو يعتبر أن الابستيمولوجيا لا يمكن أن تكون شيئًا آخر سوى بحث تاريخي، وأن على التاريخ أن يكون فلسفيًا، أي أن يكون نقديا وتقييميا[xiii].

وهذا الإرجاع لا يعتبر نوعًا من التحجيم، بل هو نوع من التماثل الوظيفي في عودة الفلسفة إلى العلم، وهي بذلك تمثل بداية استئناف التنويع في الابستيمولوجيات العلمية، لتشمل حقولاً مختلفة من العلوم، فقد جاءت الفلسفة المفتوحة التي دعا إليها باشلار، لتعالج ذلك التأخر الفلسفي مقارنة بفعالية العلوم L’activité de sciences، فأعطت بذلك الصورة التي يجب أن تكون عليها الفلسفة التي يستحقها العلم[xiv]، ليعلن بذلك الدرس الباشلاري المفرط في تفاؤله عن عودة دور الفيلسوف من جديد، هذا الدور الذي سيلعبه في الحاضر لأنه يمثل الغاية التي وضع من أجلها هذا الفكر، رغم أنه  يجد في الماضي تشكلات مختلفة للحقيقة، لكن الحاضر في كل الأحوال هو الأساس، ولذا رفضت هذه الفلسفة كل تصور لا يخضع للتجديل ويعتبر نفسه كاملاً، نهائيًا، لا يقبل الانفتاح، فهذه التصورات يتم بناؤها على الدوام وباستمرار، وقد سعىت الفلسفة المفتوحة إلى تحقيقه، وهذه هي تقريبًا نقطة الالتقاء بين نسق كانغيلام ونسق باشلار.

إن عودة كانغيلام إلى باشلار لم تكن بطريقة مباشرة، على الأقل في مراحل تشكلها الأول، بل استحضار كانغيلام لهذا الدرس كان من خلال نقاشاته وقراءاته لمؤلفات كل من ميشال فوكو M.Foucault(1926-1984)ولويس آلتيسير L.Althusser(1918-1990)، اللّذان يمثلان التطبيق الفعلي لما كان باشلار قد أثاره[xv]،وكانغيلام يعترف بفضلهما في بعث النص الباشلاري من جديد، من خلال إحياء الكثير من المقولات التي ساهمت في تشكيل نمط المدرسة الفرنسية، ولذا لم يتوان كانغيلام في استعمالها كـ "الفكر العلمي الجديد، الجدل، تاريخ العلوم، العائق الابستيمولوجي، القطيعة..."[xvi]، هذه المصطلحات أعيد ترتيبها وتنميقها في بيت مغاير، في بحث قد يكون من أصعب الأبحاث الابستيمولوجية التي قد ترفض قبول مثل هذه المقولات المحملة بالنزعة المادية، لكن تبقى هذه الطريقة حسب كانغيلام طريقة لإنعاش درس، يقول عنه"درس معلم كنت قد قرأت كتبه لأني لم أتمكن من متابعة دروسه، درس غاستون باشلار، ذلك الدرس الذي كان زملائي الشباب على الرّغم من الحرية التي تعاملوا بها معه، قد استوحوه في الواقع وتقووا به"[xvii].

واستلهام باشلار هنا من طرف كانغيلام لا يمكن اعتباره إعادة لمقولات نمت ونشطت في حقل مغاير كالفيزياء والهندسة الكهربائية، عمل صاحبها فقط على إعادة تلميعها وتنشيطها في مجال مغاير ثم اجتهد في توطينها، بل عمد كانغيلام على إعطاء هذه المفاهيم طابعا ثوريًا، مازجًا في ذلك بين النّظرة الابستيمولوجية القائمة على النقد والمراجعة، والنزعة الظواهرية القائمة على التأكيد على أهمية الموضوع الذي تشير إليه هذه المفاهيم.

لقد جاءت هذه المفاهيم منتقاة بشدة وحنكة، قد يقل مثيلها في الفلسفة المعاصرة، لأن نقل مفاهيم تقنية بمعناها الباشلاري إلى حقل مغاير يوصف بالحياة والحيوية هو في حد ذاته مغامرة ابستيمولوجية، قد توقع صاحبها في مأزق المشاكلة والمماثلة والتي يرفضها كانغيلام من الأساس، لأنها تقضي على خصوصية هذا الحقل المتمايز عن المادة الجامدة كلية، ولذلك فإن تخصيص تاريخ علوم خاص بالبيولوجيا بالاعتماد على مفاهيم باشلارية، نشأت في مجال الفيزياء والهندسة الكهربائية والرياضيات بالذات، يقيم نوع من التحدي الابستيمولوجي لدى كانغيلام.

لذلك نجد كانغيلام شديد الحذر في استعمال المفاهيم الباشلارية، وقد يكون هذا ما جعله يتأخر نسبيًا في توظيفها، ويبرر كانغيلام رجوعه إليها نتيجة كثرة تداولها في أدبيات تاريخ العلوم، لذلك نجده يقول "إلى غاية سنوات 1967-1968، في بعض المقالات والمحاضرات، تحت تأثير أعمال لوي آلتوسير وميشال فوكو، كان في الواقع اهتمام وموافقة منحتها لهذه الإسهامات الأصلية في أدبيات تاريخ العلوم"[xviii].

لكن رغم أن مفهوم العلم بقي واحدًا لدى الفيلسوفين، ويتكلمان في ذلك على نفس المشار، باعتباره شرحًا لواقع معطى[xix]، أو معرفة الأحداث معرفة حقة[xx]، غير أن هذا لم يمنع كانغيلام من توفير جهاز مفاهيمي خاص به، يلجأ إليه عندما لا تسعفه المفاهيم الباشلارية.

كما أن هذا لا يؤكد بأن باشلار قد اكتمل لديه الجهاز المفاهيمي الابستيمولوجي، وما على الذين جاؤوا من بعده إلا حمله وتوظيفه في حقول مغايرة، فكانغيلام في حد ذاته يشكك في كثير من المفاهيم الباشلارية، ويقصر صلاحيتها على اختصاص الفيزياء الرياضية وكيمياء التركيبات المحسوبة Chimie des synthèses calculées، التي تعبر عن مواضيعها بشكل أوضح ومبسط[xxi]، فإبيستيمولوجا علوم الحياة تحتاج إلى مقولات حية ترافقها، سواء في التعبير عن مكتشفاتها أو في تدوين تاريخها الذي يتكفل به تاريخ العلوم، هذا التاريخ الذي يحافظ في طابعه العام على الروح الباشلارية، لأنه يستخدم ويصحح ويطور أساليبه من خلال نحت المقولات الباشلارية ضمن ابستيمولوجيا محلية، لكن يُبقي على نوع من المسافة بينه وبين موضوع يحمل صفة الحياة. وإذا كان باشلار قد دشن القول فعلاً في مفهوم هذا التاريخ الجديد، فإن كانغيلام قد ارتقى به إلى مستويات عالية من التفكير والتّنظير[xxii]، حصّنت مقولاته الحياة من أي تفسير مادي أو إرجاعي، يقتل طبيعتها.

إن الموضوع البيولوجي موضوع متفرد متصف بالحياة، ولذا على الابستيمولوجيا وتاريخ العلوم اللّذان يدرسانه أن يكونا متمايزين عن باقي الابستيمولوجيات المحلية، فالكثير من المقولات قد تنهار إذا نقلت من حقل إلى آخر دون مراعاة لخصوصية ذلك الحقل، كالثبات والتماثل وقابلية التكرار... كما هي في علوم المادة الجامدة، فالموضوع الثابت والمتماثل هو الموضوع القابل للملاحظة العلمية، الموضوعية، الدقيقة، والقابل للوصف الظاهراتي والصياغة الرّياضية، إنه موضوع يكرر نفسه باستمرار دون وعي، وهذه الصفة تجعله قابلاً للتجريب المخبري، هذا التجريب القائم على آلية التهديم وإعادة البناء، ومن ثمة تكون نتائجه دقيقة ومحل اتفاق.

لكن النّتائج المتوصل إليها تبقى قابلة للتصحيح والتقويم وإعادة البناء، داخل لعبة جدلية كما أشار إلى ذلك غاستون باشلار G.Bachelard (1904-1962)، فالسبب الذي جعل الفيزياء الكلاسيكية تؤول إلى ما آلت إليه، راجع لافتقادها لأهم آلية تمكنها من الثبات أمام مختلف التّغيرات، ألا وهي آلية الجدل، فقد دخلت الفيزياء المعاصرة في علاقة جدلية مع الفيزياء الحديثة، حين جاءت لتضيف فهمًا جديدًا للظواهر، وتعمل على تنمية المفاهيم القديمة وتكمّلها[xxiii].

إن المميزات الأساسية للابستيمولوجيا الباشلارية تترك بصماتها الواضحة في أعمال كانغيلام، رغم خصوصية الظاهرة الحياتية، من فردانية وتغير وتطور، وقابلية للمرض والتشوه والخطأ، ولذلك تكون معرفتنا بها حيوية، ذات طابع معياري أكثر من كونها قياسية حسابية، ومع هذا احتفظت هذه الابستيمولوجيا بخصوصية موضوعها، الذي يعتبر الحياة هي القوة الدافعة لأي حركة أو فعل يقوم به هذا الكائن، وعندما يستعمل كانغيلام مقولة "الحياة كقوة" فإن هذا يحيلنا إلى النموذج النتشوي، الذي يرى في الحياة إرادة للقوة، وهنا نلمس الروح النتشاوية تنفخ في الأفكار الكانغيلامية، فكيف استفاد كانغيلام من هذه المقولة في فهم الحياة؟ وما موقع فوكو بين الفيلسوفين؟

3-كانغيلام فوكو، استمرار للنهج النيتشوي

يعتبر ميشال فوكو M. Foucault(1926-1984) التلميذ المباشر لكانغيلام، وقد أشرف عليه كذلك في رسالة الدكتوراه، أين مارس كل منهما تأثيره على الآخر، فلم يكن كانغيلام يخجل من توظيف أفكار تلميذه فوكو بل كان يحيل عليه في كثير من الأحيان، وفي المقابل يمكن اعتبار القراءة التي قدمها ميشال فوكو لفلسفة كانغيلام الأقرب إلى التداول اليوممنذ الثمانينيات، بل قد لا نبالغ عندما نقول أننا لا نعرف كانغيلام إذا لم نعرفه عن طريق فوكو، لأننا في كثير من الأحيان لا نجد كانغيلام عندما نقرأ ما كتبه كانغيلام، وفي هذا يقول فوكو "إنّ هذا الرّجل صاحب الأعمال المضبوطة والمتنوعة، والموجهة أساساً إلى تاريخ العلوم، الذي هو مجال متخصص جدًا، يضع نفسه دائمًا خارج النّقاش، فلا نجد كانغيلام في نقاشات كانغيلام"[xxiv]، ولذا نجد أن فوكو قد قدم لنا كانغيلام على أنه فيلسوف صارم وجدي، يبتعد عن الذاتية في إصدار الأحكام.

ففي الملتقى الدولي الذي عقد بباريس سنة 2000م، حول كانغيلام الفيلسوف ومؤرخ العلوم Georges Canguilhem Philosophe, historien des sciences، أثار كل من الأستاذ ميشال فيشان M. Fichantو الأستاذ شوارتز Y.Schwartz، إشكالية تقسيم الفلسفة الفرنسية، هذا التقسيم الذي قدمه ميشال فوكو، حيث وضع فلسفة المعنىوالحساسيةأو التجريبية La philosophie de l'expérience du sens et du sujetفي جهة، وتلك الخاصة بالمعرفة العقلانية والتّصور la rationalité et du conceptفي جهة أخرى، وفي إحدى جهتي التقسيم وقف سارتر Sartreوميرلوبنتي Merleau-Pontyوفي الطرف الآخر وقف كافاياس Cavaillèsوباشلار Bachelardو كويري Koyréوكانغيلام[xxv]، وذلك لأن هذا الأخير كان يهتم في دراسته بالمفهوم عبر تاريخ العلوم، وقد بدا لهما بأن هذا التقسيم يقصي الكثير من الحقائق المهمة في فلسفة كانغيلام، لأن كانغيلام اهتم كثيرا بالتجربة الذاتية، خاصة تلك التي تعانيها الذات المريضة، فهي ذات همشتها المعايير الموضوعة ولذلك فهي تعيش نوع من التهميش أو العزل، الممارس من طرف الطب أو المجتمع، فهذه التجربة القاسية التي يعيشها المريض تعبر عن انتماء كانغيلام للفلسفة التي تعلي من قيمة التجربة الذاتية.

كما نجد دراسة أخرى لـ رودنيسكو E. Roudinescoيوافق فيها على هذا الحكم الأول لفوكو على فلسفة كانغيلام، ويعلي من شأنه، حيث يبدأ دراسته بتقديم كانغيلام بمصطلحات ونعوت فوكوية، ليؤكد بعد ذلك بأنه يشاطر فوكو الرأي، ويضيف "خاصة إذا أمعنا النّظر في كتابه "السوي والمرضي"Le Normal et le Pathologique، الذي يعتبر من أهم أعمال كانغيلام، وجامع تقريبا لجهازه المفاهيمي، كمفهوم الحياة والموت، تاريخ العلوم، الخطأ، المرض، فهو الكتاب العمدة في جميع مؤلفاته"[xxvi]، هذا الكتاب الذي نجده يتحدث فيه عن تاريخ المرض والسواء دون أن يقحم نفسه تقريبا في الحكم على هذه المفاهيم[xxvii].

كما أن كتابه "السوي والمرضي" لم يكن نقدًا لتصانيف كتب ألفت في الموضوع أو لتلك الأنساق الفلسفية، المرافقة لهذا الكشف أو ذاك، كما عودتنا على ذلك الابستيمولوجيا الباشلارية، وإنما هو قراءة لتطور مفهوم، وكذا لتلك السياقات المختلفة التي شاركت في نحته، فيبحث كانغيلام عن المنعرجات المختلفة التي واجهت تطور هذا المفهوم منذ بداياته الأولي، وربما هذا ما جعل فوكو يصنفه ضمن تيار الفلسفة العقلانية.

لكن رغم هذا نجد فوكو في كتابه "المراقبة والمعاقبة" Surveiller et Punirيتحدث عن كانغيلام كفيلسوف نيتشوي، دون أن يميل صراحة إلى تأكيد هذا الموقف، وحتى أنه لم يكشف عن الرابط الذي يرجع كانغيلام إلى نيتشه، مع أن الأفكار التي يتقاسمها كل من فوكو وكانغيلام تعود بهما إلى نيتشه، فهناك خيط ناظم يعود بكانغيلام إلى نيتشه خاصة في إعادة طرحه لطبيعة الحياة كإرادة في التغلب على مختلف العوائق التي يطرحها أمامها الوسط.

والدليل على ذلك أننا عندما نعود إلى البدايات الأولى لتشكل المفهوم عند كانغيلام، خاصة مفهوم المعيارية normativité، نجد الجذور النيتشوية تمتد داخل النّص الكانغيلامي، حيث أن معنى الحياة الذي تكلم عنه نيتشه، يمكن استنباطه من خلال قراءتنا لكانغيلام، وهذا الرأي كان الكثير من تلامذته يعتقدون فيه[xxviii].

لقد ربط كانغيلام فلسفته بفلسفة نيتشه، حسب الكثير من الدارسين، منذ بداية تشكلها الأول، خاصة إذا رجعنا إلى ذلك المقال الذي نشره كانغيلام سنة 1932م، في مجلة "المنهج" Méthode، والذي يعتبر من أولى مقالاته، وكان بمناسبة إجراء مسابقة توظيف الأساتذة L'agrégation' de philosophie، في هذا المقال يقر فيه بعودته إلى فيلسوف المطرقة نيتشه، فقد ساعده ذلك في فهم الكثير من القضايا، وقد أفضى بهذا إلى صديقه ميشال فيشوM.Fichantحين قال له: "أنا نيتشوي دون بطاقة"[xxix].

وهذا الموقف نجده أكثر تشددا عند ستيغلار Stiegler، حيث اعتبرت بأن هذا التأثر بين الفيلسوفين لا يمكن نفيه، أين اعتبرت بأن مفهوم المعيارية هو مفهوم نيتشوي مُحَوّر، بل تذهب إلى أكثر من ذلك "بأن كل المفاهيم الصحية وكذا المرضية التي نجدها في الابستيمولوجيا الكانغيلامية، هي نفسها المفاهيم النيتشاوية، فآلية ابداع مفاهيم جديدة لم تكن تمتلكها ابستيمولوجيا كانغيلامية، ومفهوم المعيارية نجد نيتشه قد عبر عنه بمفهوم الحياة كإرادة القوةla vie comme volonté de puissance"[xxx]، فهناك قضية ناظمة تسير من نيتشه لتمر بكانغيلام لتصل أخيرا إلى فوكو، إنها قضية الحياة التي عالجها كل منهم بحسب مقاربته.

لكن تبقى هذه المقاربات الإرجاعية ينتابها نوع من الغموض، لأن النصوص الكانغيلامية في حديثها عن الحياة لم تكتف بالمرجعية الفلسفية فقط في ضبطها لمفهوم الحياة، بل عمدت على تطعيمها ببحوث علمية خاصة المتعلق منها بهذا المجال البحثي، ومن بين الذين رجع إليهم كانغيلام لضبط هذه الفكرة عالم الأعصاب الألماني غولدشتاين Kurt Goldstein(1878-1965)، فما هي الفكرة التي استقاها من هذا الحقل المعرفي من أجل ضبط مقولة الحياة؟

4-                        غولدشتاين والمعيارية البيولوجية في الحياة

إن كثيرًا من الدارسين يعتبر بأن كانغيلام استلهم مصطلح "المعيارية البيولوجية" في فهم الحياة، من عالم الأعصاب الألماني غولدشتاين ، الذي استلف منه كانغيلام هذه المقولة، وقد دافع عن هذه الفكرة بشدة أحد دارسي فلسفة كانغيلام وهو جون غون J.Gayan(1949-) في مقالة شارك بها في كتاب جماعي بعنوان "مفهوم الفردانية في فلسفة كانغيلام البيولوجية"Le concept d’individualité dans la philosophie biologique de G.Canguilemحيث يقول فيها "إن طروحات كتاب كانغيلام الواردة في كتاب (محاولة في بعض المشكلات التي تخص السوي والمرضي)يوجد جزء كبير منها مستلهم من كتاب غولدشتاين "بنية أو تكوين العضوية" (La structure de l’organisme)، فليس لدينا أدنى شك بأن غولدشتاين هو الأب الأصلي لهذه الأفكار، وقد اختاره كانغيلام عندما قرر أن يكتب في مجال الطب"[xxxi]، هذا المصطلح الذي حمل للطب الكثير من التغيرات، جعل الفلاسفة والأطباء يعيدون قراءة الكثير من التصنيفات التي تعتمد على الكمية في تعريف الصحة، كما كان هناك تغير على مستوى فهمنا لطبيعة الحياة المرضية، لأن الإنسان الذي يتمتع بصحة جيدة يتحمل أوساطًا متنوعة ومتغيرة، أي لديه "معيارية الحياة"، معيارية متحركة نسبيًا ومتوافقة مع مختلف التغيرات التي تطرأ على المحيط الذي يعيش فيه الفرد، أما الذي يفتقد هذه المعيارية فهو عرضة للعطب والاصابة بالأمراض.

في كتابه "بنية العضوية" يذهب غولدشتاين إلى نفس هذا المنحى "فالقانون البيولوجي الأساسي الذي يربط العضوية بوسطها هو جدل دائم بينها وبين هذا الوسط"[xxxii]، إن العضوية بهذا المعنى تعرف وفق علاقاتها بمحيطها، ولا يمكن أبدا تحييد هذا الجدل في دراستنا للعضوية، هذه الفكرة يؤكد عليها كل من غولدشتاين وكانغيلام، أما المرض عندهما فيصيب تلك الذات التي لا تملك هذه الآلية المعيارية، لأنها بقيت محافظة على ثوابتها أمام التّغيرات الحاصلة في المحيط، فهذا التصلب يمنعها من تحمل الفوارق والتغيرات المفاجئة أو إعادة التّكيفات اللاّزمة، وبذلك فهي تفتقد إلى تلك الابتكارية التي هي في الأساس حركية الحياة والطاقة التفاعلية مع المحيط الخارجي[xxxiii].

إن الذي يميز المرض هو أنه تضييق لهامش تحمل تقلبات الوسط، بحيث يصبح المريض متشبثًا بكل ما هو ثابت، ومكتفيًا بما كان يتلائم مع حالته البيولوجية الأولى السوية، وبذلك يفقد إبتكاريته البيولوجية القاعدية، وهذا التشبث يمكن أن يترجم بيولوجيًا بـ"غريزة حب البقاء"، أي نزوع الجسم إلى تجنب الأوضاع التي يمكن أن تولد لديه ردود فعل كارثية، وهي غريزة تعتبر بمثابة قانون عام لتلافي المرض، ولكن هذا النزوع ليس قانونًا للحياة، وإنما هو في حد ذاته قد يتحول إلى ظاهرة مرضية، إذا لم تستطع العضوية استعماله كما يجب، لأن الإفراط في التقوقع على الماضي قد يجعلها ترفض التغيير الذي يكون في بعض الأحيان ضروريًا من أجل الاستمرار، لأن التصلب والثبات يؤديان إلى كسر نظام هذه العضوية وبالتالي تصاب بالمرض، وهذا القانون قد يضعف أو يتقلص إذا استخدمت العضوية معياريتها للتكيف[xxxiv].

إن الثوابت التي تتمسك بها العضوية خوفًا من فقدانها لأنها هي من تستمر بها في الحياة، قد تتحول إلى أكبر عدو يهدد الصحة إذا لم تكن هناك معيارية تضبطها، ولا يمكننا أن نفهم سلوك العضوية التي صارت من جديد سليمة إذا لم نولي اهتمامنا إلى معاييرها الخاصة، سواء الثابت منها أو المتغيرة، فلا يمكن الحكم على إحداها بالقول أن هذه أفضل من الأخرى أو أن هذه صحية والأخرى مرضية، فالحكم يتغير بتغير الشروط والسلوك، فما يوفر الصحة اليوم قد يكون جالبًا للمرض غدًا والعكس، ولا ينبغي لنا مثلاً أن نسعى لتغيير هذه الثوابت، لأن هذا العمل سيجعل العضوية تضطرب وتفقد توازنها، بل يمكن تركها تتعرف على المعايير الجديدة بطريقة ذاتية، فهي تملك آلية التغير الذاتي لتحافظ على بقائها أو يمكن فقط تحفيزها على معرفتها، لكن أن تدفعها إليها دفعا يؤدي إلى تشبثها أكثر بالمعايير السابقة، ولهذا يورد غولدشتاين مثالا في ذلك فيقول "لقد تعلمنا ألا نحارب الحمى في بعض الحالات، لأن ارتفاع الحرارة في الجسم قد يكون أحد هذه الثوابت، ومن خلالها يسعى الجسم لتغييرها للحصول على الشفاء"[xxxv].

لا يعتقد بأن هناك تقابل أو تماثل بين المعايير الفيزيولوجية الجديدة والمعايير الفيزيزلوجية القديمة حسب غولدشتاين، لأن الاختلاف هنا لا يتعلق بالكم فقط بل يمكن أن يكون في الكيف، وهذا التقرير الذي يريد كانغيلام أن يأخذ به، يصب في موقفه العام الذي يعتبر بأن الحياة لا يمكن أن تعكس جريانها، لأنها لا تعرف الارتداد، فهي لا تنظر إلى الماضي لحظة تجليها في الراهن، وهذا ما يعتبره قانون أساسي يحكم العضوية في علاقتها بالوسط الذي تعيش فيه، فهي تسعى في شكل دائم لتحصل على معياريتها بغض النظر عن طبيعة المعايير التي كانت تملكها في السابق، بل قد تقبل في بعض الأحيان بتجديدات تمس كل بنيتها، لأنه ليس لديها ما يسمى بـ "الغيرة" على هويتها السابقة، و قد أشار إلى هذه النقطة كانغيلام حينما اعتبر الصحة كحصيلة لنجاح هذه المعايير، التي من خصائصها عدم الثبات " وبالمعنى المطلق، فإنه ليس هناك شيء آخر غير اللاّثبات واللاّتعين في القدرة على إيجاد معايير بيولوجية جديدة"[xxxvi].

إن العضوية وظيفتها هي صناعة معايير بيولوجية جديدة، وإذا توقفت عن هذه الاستراتيجية تتوقف عن الحياة، فسعيها المطلق من أجل التغيير هو الذي يحافظ على ثبات حالتها الصحية، والمرض ليس غيابًا كليًا للمعايير، بل يظل حتى وهو كذلك معيارًا، ولكنه معيار فاقد للصلاحية في وضعية محددة، وهذا يعنى أن مقولتي الصحة والمرض في الحياة ليستا مقولتين متوازيين بحيث يمكن لأحدهما أن يدل على الآخر، وذلك لسبب واضح وهو أن المرض نوع من المعايير السوية، كذلك الصحة فهي نوع من المعايير السوية، لكن يختلفان عن بعضهما في التغير والثبات، وهذا هو الشيء المهم، يؤكد هذا كانغيلام بالقول "أن يكون الإنسان صحيحًا، ليس معناه أن يكون سويًا وحسب في وضع معطى، وإنما أن يكون كذلك ممتلكا للمعيارية، في الوضع الذي هو فيه وفي وضع مغاير عنه"[xxxvii]، لأن الصحة تكون عندما تستطيع العضوية أن تحقيق موائمتها مع الوسط الذي تكون فيه، والوسط هنا لا يكون فقط مجموع الشروط الفيزيائية والكيميائية التي تحكم الطبيعة، وإنما يعني الوسط العادي الملموس الذي تحيا فيه الكائنات الحية، وتكوّن فيه علاقات مع بعضها البعض، لأن مفهوم الوسط في العلم قد يأخذ بعدًا تجريديًا "فما يأكله الثعلب، هو بيض الدجاج، وليس قوانين تكوّن الأجنة أو كيمياء البروتين، لأن الحياة تصنف بشكل سريع الأشياء لتحافظ على نفسها، تسرع لتجد عالمًا متقبلاً لها وإمكانية الاستمرار فيه، ليس هناك شيء يحدث بالمصادفة، ولكن الكل يأتي بأشكال مختلفة، ولهذا يبقى الوسط وفيًا، لأنه دون وفاء لا يكون هناك مستقبل، ولا تاريخ"[xxxviii]، ولذلك فالوسط عندما يتغير فإنه يوفر للعضوية البديل الذي يمكّنها من الاستمرار.

من هذا يظهر لنا بأن هناك خطًا ناظمًا يربط نظرية كانغيلام في "الحياة" بالأطروحة التي جاء بها غولدشتاين، ولكن في مجال علم الأعصاب وهي "المعيارية"، هذه الإرجاعية هي التي جعلت لاغاش D.Lagacheسنة 1946م، في أول قراءة نقدية له لكتاب "السوي والمرضي"، يؤكد فيها "بأن غولدشتاين هو الملهم الأول لأعمال كانغيلام، وهي منطلقه، مما يجعلنا نتساءل عن شرعية هذا الاستعمال على مخطط البيولوجيا، كما أن النتائج التي حصلها غولدشتاين في حقل مختلف تماما وهو حقل الفيزيولوجيا العصبية، تشابه تلك النتائج التي حصل عليها كانغيلام"[xxxix]، لتأتي إجابة كانغيلام في طبعته الثانية للكتاب "يمكن أن نجيب عن هذا التساؤل بأنه كان لدينا اطلاع كافي على هذه الأطروحة وما تدعيمنا لموقفنا بما توصل إليه غولدشتاين إلا تشجيعًا لنا على استعماله في مجال الفيزيو-مرضي (Physiopathologie)"[xl].

لقد كان رد كانغيلام ذكيًا، بحيث ربط هذا الاستعمال بمجال يخص المرض، فالمرض يبقى هو فقدان للمعايير، حتى وإن كان ذلك في الجانب العصبي، الذي هو مجال اشتغال غولدشتاين، وبذلك كانت أفكاره مشجعة له وليست مصدر إلهام، كما أن مسألة المعايير كانت مطروحة في الجانب الفلسفي قبل الجانب العلمي، وهذا ما يجعلنا نقول مع كانغيلام بأن غولدشتاين لا يمثل مرحلة انطلاق لهذه الفكرة، بل هو مرحلة عبور كما يؤكد ذلك إيكزافي، إن مصطلح المعيارية يمثل ملتقى طرق لكثير من الفلسفات والعلوم، وهذا ما ساعد كانغيلام لأن يجمع بين الفلسفة والعلم في معالجته لقضايا الطب البيولوجيا[xli].

5-المنطق الإنساني في امتلاك الحياة

بعد التأسيس المعرفي لفكرة الحياة عند كانغيلام، تأتي مرحلة متابعة المقولة في ترحالها داخل الحقل الجديد الذي أراده لها كانغيلام، هذا البعد في المعالجة جعل هذه القضية تكتسي طابعًا ابستيمولوجيًا، بما أنها جمعت بين مقولة ذات حمولة فلسفية، وأبحاث علمية عملت على فهم طبيعتها، أين يكون فيها البحث جهويًا لازمًا من حيث طبيعة المفاهيم المستخدمة، وهي تخص ميدان علم الأحياء المتسم بالتعقيد، لذا اتجه كانغيلام إلى هذا الميدان البحثي من أجل الحديث بلغة المتخصص عن منطق الحياة، وغرسها كتقليد في هذا الحقل العلمي وفرضها في مثل هذه الدراسات، ونقصد بها ميدان ابستيمولوجيا الطب والبيولوجيا[xlii].

لكن هذا الوافد الجديد إلى علم البيولوجيا، والذي وجد علمًا قطع أشواطًا كبيرة في مجال تقنية البحث المخبري، جعلت كانغيلام يصطدم بالكثير من العوائق، خاصة عائق التقنية، لهذا فإن استحضار الحياة وعلاقتها بالتقنية تطرح ضمن مستويين عند كانغيلام، يطرح المستوى الأول التقنية كوسيلة منقذة للحياة، وتطرح التقنية كوسيلة تهدد الحياة في المستوى الثاني، وكلا المستويين يتناولان القضية من وجهة نظر أنطولوجية أي من أوجد الآخر هل الحياة أوجدت التقنية أم التقنية هي من أوجدت الحياة؟ هذه المشكلة القديمة في الطرح والجديدة في البحث، أحيت ذلك الصراع الذي طالما ظل يشكل تاريخ البيولوجيا وهو صراع التفسير الآلي للكائن الحي والاتجاه الغائي. لكن كانغيلام يتلافى هذه المشكلة من خلال طرحها ضمن بعد منهجي.

من النّاحية المنهجية لابد للباحث من تتبع المنحى الابستيمولوجي للقضية، حتى يتمكن من تحديد مبررات تصور كانغيلام للابستيمولوجيا البيولوجية، وهذا المنحى يستند إلى تماهي مفتعل قصده كانغيلام بين الحياة كفكرة نتأملها والحياة كموضوع تجريبي نفسر طبيعته في المخبر، وذلك من أجل تخليص تلك الفكرة من حمولتها الميتافيزيقية التي رافقتها منذ بداية حديث الإنسان عن نفسه، وهو هدف أساسي لا يجب إغفاله في هذه الابستيمولوجيا، وبين فكرة الحياة كما يحددها البحث العلمي التجريبي، وموضوع هذا العلم الظاهرة الحياتية أو الكائنات الحية كما هي في الممارسة الفعلية، وفي وسطها الطبيعي لدى البيولوجيين.

لقد وضع كانغيلام رباطا مقدسًا بين فكرة الحياة وحضورها المكثف، بما هي فكرة ملحة تدخل علينا المخبر دون إذن، وبين الظواهر الحياتية وقابليتها للتحديد والقياس والتجريب والعقلنة، ولعل ما حققه وتحقق منه علماء البيولوجيا، يثبت بكل تأكيد موضوعية هذا البحث وقابلية الكائن الحي للمعرفة العلمية، رغم خصوصياته ومميزاته الابستيمولوجية وقيمته الأخلاقية، وأبعاده الفلسفية والميتافيزيقية.

إن الحياة عند كانغيلام من المنظور الابستيمولوجي، بمثابة المنبه الذي يوقظ المقالات والمفاهيم التي تشتغل على الحياة، فهي تكون في حالة سبات عميق بلغة كانط إذا لم تحركها هذه الأفكار، هذا المنبه يخزو ويحرك القول ويدفعه إلى الاحتراز والنقد، ومزيدا من الانتباه وحتى لزوم مالم يلزم عند الاقتضاء، وذلك حتى لا ننزلق ونخلط فتحجب عنا الحقائق.

إن النّشأة المتأخرة تاريخيًا للبيولوجيا كعلم خاص ومتميز، مقارنة مع باقي العلوم تدفعنا في نظر كانغيلام إلى احتياط كبير وخطير، احتياط من الغلبة الفيزيائية والكيميائية، ومن ثمة خطر رد الحياة إلى آليات مادية محضة، كما أن هذا فيه احتياط من الماضي الميتافيزيقي للبيولوجيا، أي خطر تضليل المقاربات الميتافيزيقية أي قبل العلمية، كما كان باشلار يحذر دائما تلامذته منها.

إن طرح هذه المسألة في الفلسفة، تترجم صعوبة الإحاطة بقيمة حضور فكرة الحياة في أعمال كانغيلام الابستيمولوجية، وبالخصوص في كتابه معرفة الحياة، فالقول بأن الحياة مقولة مهمة في الجهاز المفاهيمي الذي استند إليه كانغيلام، يجعلنا نضعها فوق طاولة النقاش، وهذا لا يعنى أن الغموض سيزول عنها إذا ناقشنا محتواها، فهذا راجع حسب كانغيلام إلى صعوبة أو استحالة الإحاطة العلمية الدقيقة والموضوعية بهذا المفهوم، بحسب المقاييس والمعايير والأسس والتقنيات، القائمة على المستوى العلمي بالخصوص لهذه الفكرة، فهي المجهول الحاضر والحاضر المجهول في مناقشات الفلاسفة، وهي ما يتطلب التحديد والدقة المعرفية ذاتها.

إذا هل نحن أمام نزعة صوفية جديدة، تستحضر العلمية لطرد الروح اللاهوتية الأصل والمنشأ للإحاطة بحقيقة الحياة؟ أم أنها ميتافيزيقا جديدة تدخل في مجال متناقضات العقل المحض، وبالتالي يمكن إلحاقها بباقي المقولات التي حضر كانط على العقل الخوض فيها؟

إن إثارة مثل هذه المسألة القيمية للمعرفة البيولوجية الخصوصية، وطرح الأبعاد الفلسفية الممكنة لـ"الحياة" من حيث هي منطق منهجي لأبحاث كانغيلام الابستيمولوجية الخاصة بالبيولوجيا، يبين إبعاد المعرفة العلمية والتجريبية بالخصوص عن إمكانية فهم هذه الفكرة، فالابستيمولوجيا الكانغيلامية تنتهي إلى إعادة النظر في مفهوم العقلانية المعاصرة عبر الدعوة الملحة إلى إعادة النّظر في العقل، ومن ناحية ثانية تؤكد الأبعاد القيمية والفلسفية للمعرفة العلمية، وبالخصوص المعرفة البيولوجية، وتلك هي أهم خصائص الابستيمولوجيا عند كانغيلام.

هذا يعني أن كانغيلام عبر دراساته الابستيمولوجية، حوّل علوم الأحياء بما هي نمط مجدد من المعرفة بالحياة والكائنات الحية، إلى معرفة واعية بذاتها، ونصب نفسه كائنا واعيا بـ"الوعي" الصامت والمكبوت للمعرفة بالأحياء[xliii]، ذلك أن الفكر والمعرفة في تصوره يتنزلان في الحياة ذاتها لغاية تنظيمها، بحيث تسعى هذه المعرفة إلى التوازن والتصالح مع الوسط التقني الذي يصنعه الإنسان بالعلم.

أي أن كانغيلام جعل نفسه بالخصوص ناطقا باسم المسكوت عنه والمكبوت، فنطقه باسم الحياة وانحيازه لها، جعله ذلك يسعى للدفاع عنها، من خلال رفعها عن كل قيس أو تجريب يشوه حقيقتها، فهذه الأسس الفلسفية العامة التي ينطلق منها كانغيلام ويرتكز إليها وضحها بدقة وإطناب منذ مقدمة كتابة "معرفة الحياة"La connaissance de la vie، فهي فكرة تمثل الركيزة أو الخلفية الفكرية لقراءته للعلوم التي تهتم بالكائن الحي، ومن خلالها تقفى سيرتها العلمية، وتعثراتها ومشكلاتها وخصوصياتها الابستيمولوجية، وأبعادها الفلسفية، وهذه الأسس اصطلح على تسميتها بـ "الحيوية الفلسفية" التي بدونها لا يمكن فهم طبيعة الحياة، هذه العقلانية الجديدة التي تستبدل الميتافيزيقا اللاهوتية القديمة، بميتافيزيقا عقلانية ذات أبعاد إيديولوجية إنسانية، لا يمكن أن ندرك بدونها خاصيات البحث الابستيمولوجي في علوم الأحياء.

بالفعل يؤكد كانغيلام على أنه لا يمكننا فهم الحياة إذا لم تكن لدينا هذه الخلفية، ولهذا يعمل بعد التسليم بهذه المقدمة على التساؤل عن نوعية الأضواء التي يمكن تسليطها على الحياة، والتي تبين لنا جهل وعمى باقي الرؤى، كما يتساءل عن الدّلالة التي نضفيها على الحياة والتي تجعل مسلكية بقية الطّرائق بلهاء واعتباطية[xliv].

إن المنطق الإنساني الاصطناعي والحضاري، المبني على العقلي، والمسلكية المبنية على التقدم العلمي والتكنولوجي هي المتهمة، وإن كان كانغيلام لا يصرح بذلك، مشيرا فقط إلى النّجاح الكبير الذي تحققه الحيوانات في تحقيق توازنها مع الطبيعة[xlv]، فالطير يبني عشه بإتقان يعجز عن مجاراته الإنسان، والعنكبوت الذي يحيك بيته كأنه فنان أتقن صنعته بل لا يستطيع أمهر الفنانين التفوق عليه، وإذا كنا ننظر للحيوان على أنه عاجز عن حل الكثير من المسائل التي نطرحها عليه، ذلك أننا نطرحها عليه من وجهة نظرنا نحن، فلماذا لا نجاريه في مجال تخصصه؟ وهذا حسب كانغيلام ظلم لهذا الحيوان، الذي زودته الطبيعة بأشياء تلاءم وظيفته، فلا يجب أن نسند إليه وظائف تخالف طبيعته، ونقول إنه عاجز عن أدائها.

لذا يستنكر كانغيلام على الذين يضعون في طرفي نقيض الحياة والمعرفة، فالدين والفن مثلا ليسا احتقارًا للحياة أو نفيًا لها ولمميزاتها، إن الفن يجعلنا ننبهر بالحياة ونعمل على تقليدها، لأنه يصور الطبيعة في صور جمالية تحبب لنا المشاهد الطبيعية عندما يمزجها مع المشاهد الحضارية، فهو يترجم ذلك الجمال الخلاب الذي تخزنه الطبيعة إلى أعمال فنية، التي قد ننبهر بجمالها وهي مجرد صورة باهتة لما هو موجود في الطبيعة من سحر، فهو يقيم علاقة بين جمال الطبيعة والإنسان، كما أن الدين كذلك يعمل على تنظم سلوكياتنا في الحياة، إنه رابطة روحية تضفي على الحياة مسحة روحية أخلاقية وجمالية توطد رغبتنا في الحياة.

فالحياة من هذا المنطلق قائمة بذاتها، لها استقلاليتها الذّاتية، وهي تسبق المعرفة وربما تتحداها باعتبارها أولية على مستويات عديدة، فهي أولية على مستوى أنطولوجي إذ أن حياة الإنسان تسبق علمه، وهي أولية على مستوى ابيستيمولوجي أيضا من حيث أن المعرفة بصفة عامة والمعرفة العلمية بصفة خاصة نشاط من أنشطة الحياة، فالإنسان يحافظ على كينونته حتى وإن فقد المعرفة، لكن لا يستطيع أن يكون كذلك وهو فاقد للحياة، كما أن المعرفة البدائية كما تتجلى في السحر والأساطير تتبنى التواصل والتعاطف بين الذات والموضوع، وهي بذلك تمثل ضربًا من المسلكية الإنسانية أي الحياة، فالمعرفة البدائية ركيزة لحضارات مغايرة لحضارة " أنا أفكر" الديكارتية، فالبدائي لا يسأل عن السبب لأنه يعتقد مسبقا في قوى محايثة للطبيعة، تتجلى عبر بعض الأحداث، إنه يلجأ إلى العمل السحري، وبعض الطقوس والشعائر التي تمجد قوى الطبيعة أو القوى المتحكمة فيها، ومن هذا فإنه حسب كانغيلام من المستحيل أن نضع الحياة والمعرفة على طرفي نقيض، بل هما متكاملان، فقط المعرفة تحاول فهم الحياة والسعي إلى اقتفاء أثرها وتقليدها في نماذج صنعها.

6-                         كانغيلام وجدلية التقنية والعلم

إن الجدلية القائمة بين العلم والتقنية في الطب ستشكل الموضوع الرئيس داخل هذا الحقل الابستيمولوجي الذي اختاره كانغيلام، وهي قضية غنية من حيث الطرح، وستحيلنا حتمًا إلى قضية التأسيس، فالتأسيس العملي أو الممارساتي للعلم قد سبق التفكير فيه على المستوى النّظري، لأن العلم يؤسس بشكل قبلي، أي بالرجوع إلى المحاولات السابقة التي كشفت عن وجوده، حتى وإن كان هذا النّشاط ساذجًا، فالأصل في أي خطوة فكرية حركة أو مبادرة ممارساتية، هذه الخطوة هي التي تكشف عن تقنيات بسيطة سبقت ولادة ذلك العلم، ثم تأتي النظرية بعد ذلك لتأسس وتنظم هذه الممارسات، وذلك من خلال وضع قوانين وقواعد يسير عليها هذا العمل المنجز، وهنا يذكرنا باشلار بتقنية استعمال الميزان لدى الرومان، فهي تقنية سبقت بكثير نظرية الأوزان المعروفة اليوم[xlvi]، مع أن طريقة العمل بالميزان الأول تختلف عن طريقة العمل بنظرية الأوزان، فهناك قطيعة ابستيمولوجية بين التقنية المعتمدة على الوزن والنظرية التي تقيس كمية الوزن، فلا يمكن ربط الأولى بالثانية.

لكن تختلف تلك القطيعة التي تكلم عنها باشلار عن القطيعة التي عناها كانغيلام، فالقطيعة التي تحدث بين التقنية والطبيعة عند باشلار تكون مستقلة عن الزمن التاريخي، بالرغم من تمظهراتها في التاريخ، لأنها قطيعة تحمل معنى ابستيمولوجي، يتضمنها التطور الدينامي للعلم، وهي ميزة يتميز بها الفكر العلمي عن باقي فروع المعرفة الإنسانية، والتي نجد الكثير من فروعها ظلت هي نفسها منذ أن أحدثها أصحابها، ونعني بها تلك الأنساق الفلسفية التي انغلقت على نفسها أمام أي محاولة للتغيير والتجدد، فالقطيعة موجودة داخل قوانين الطبيعة، رغم عجز المعرفة العادية أو الفلسفة الكلاسيكية عن فهمها أو إدراكها[xlvii].لكن القطيعة التي تكلم عنها كانغيلام، قطيعة تحدث في تاريخ الحياة وتمس كل نواحيها، وهي مسجلة في التاريخ الإنساني، وما على الفيلسوف إلا العمل على دراسة تلك القطائع التي أحدثها الحرفي أو المهندس في عمله التقني، لينتقل من آلية صنع إلى آلية صنع أخرى، أن يكون عليه تغيير الأدوات وطريقة العمل وكذا النتائج المتوصل إليها، فالحرفي لا يحتاج لتنظير مسبق ليطور عمله، بل هي عملية داخلة في صلب الممارسة التقنية التي يعايشها هذا الحرفي كل يوم، فهذه الممارسات تدخل ضمن نشاط الحياة حسب كانغيلام.

لهذا يعمد كانغيلام في أكثر من مرة إلى تذكيرنا بأن السبق المنطقي للمعارف الفيزيائية في صناعة الآلة، لا يجب أن ينسينا السبق البيولوجي الزمني في صناعتها، هذه الملاحظة التي يبديها كانغيلام ستبدو قريبة من نصوص أخرى ذهبت إلى نفس هذا المنحى، ومن بين هؤلاء لورواغورن Leroi-Gourhanالذي قال "لولا العجلة المسننة لما كان هناك قطار"[xlviii]، أي أن بداية التقنية المعقدة كان نشاط بسيط تقوم به العضوية من أجل تجاوز مشكلة ما واجهتها، لهذا يرى كانغيلام أن الفكر الفلسفي منذ أفلاطونPlaton(428-348ق.م) إلى ديكارت قد انحرف عن هذه الفكرة، إن الحياة نشاط سابق عن كل فكر وتنظير، وهذا ما نجد تأييده لدى هوسرل Husserl(1859-1938).

إن الكائن الحي الإنساني في أصله صانع للأدوات، والتجربة التقنية بدورها تقوم بنقل معاييرها العملية إلى مفاهيم الأشكال العضوية، كما تشهد على ذلك مصطلحات علم التشريح الحيواني، وهذا ما يمكن أن نجده لدى أرسطو وديكارت، فمعظم البنيات الحيوانية التي تكلموا عنها ذات أصل تقني، ويبدو أن أرسطو قد رفع إلى شرف تصور عام للحياة نوعًا من بنية الإدراك البشري للأجسام الحيوانية، بنية قد نستطيع أن نعترف لها بمقام ثقافي سابق للتجربة      [xlix]a priori culturel.

فالنشاط التقني يبقى من طبيعة الحياة، لأنه سابق عن كل تفكير وعن كل علم، فالحرفي سابق في عمله عن التفكير الذي يقوم به البيولوجي، ولهذا فهو عندما يصنع الآلة يقوم البيولوجي بأخذ تلك النّماذج الآلية لتفسير حركة الكائن الحي، ولما تتطور تلك النماذج التقنية يصبح تفسيرنا للكائن الحي معتمدًا على نماذج تشفيرية تسهل تناقل المعلومات، فالحياة هي المعنى المعطى للمادة، بل هي معطى قبلي في المادة[l].

هذا ما يبرر الاهتمام الكبير الذي أولاه كانغيلام لفكرة الحياة، وهي فكرة جعلته في بعض الأحيان يتهم اللغة، بعد العقلانية والتقنية في الابتعاد عن حقيقتها، فهو يرى فيها أداة قاصرة لا تفي بالحاجة لأنها مرتبطة بالعقل وقوانينه، المبنية على قاعدة الممارسة البراغماتية والبحث العلمي الفيزييائي الميكانيكي، فتبعدنا اللغة عن الماهية والخصوصية وتساهم في اغتراب الحياة، برد الاختلاف والتنوع والفردانية، وقابلية التغير والتطور وحتى الخطأ، إلى التّماثل والوحدة والقيس، الذي يقتل الحياة ويردها إلى مجرد آليات وقياسات على شاكلة قياس الفيزياء والكيمياء.

إن الحياة فكرة نحدسها عند كانغيلام قبل أن نحللها أو نخضعها لأي شكل من أشكال التجريب، وهنا تعود بنا المقاربة الكانغيلامية إلى المنحى الصوفي المستمد من البرغسونية، وهذا لا يعني أن فلسفته ذات طابع صوفي، فهي فكرة قد تجنبنا الكثير من الدقائق التي اشتملت عليها هذه الفلسفة، لكن ما نريد سوقه هنا هو أن الحياة تتحدى بهذا الاعتبار العقلانية الكلاسيكية، بل تتطلب إعادة النّظر في العقل ذاته، ليتفتح على الجديد واللامنتظر، الذي تكشف عنه العلوم البيولوجية والطبية كل يوم من أسرار الحياة، فالحياة ليست مقولة يمكن تحجيمها داخل إطار تجريبي، وليست كذلك معادلة يمكن سبكها داخل قانون نظري، لأن الحياة لها معاييرها الخاصة والمتفردة، والذي تنعته الابستيمولوجيا باللاعقلاني و العبثي موجود في الحياة، لأن الحياة تقبل التشوه والخطأ والنقص، في حين أنه ليس هناك مكنة مشوهة Monstre، كما أنه ليس هناك مرض ميكانيكي pathologie mécanique.

إن كانغيلام يعتبر بأن النشاط التقني نشاطًا عضويًا، وهذا فيه تجاوز للموقف الكونتي، لأن الاهتمام في الفكر الكونتي يمضي من المرضي إلى السوي، وذلك من أجل تحديد قوانين السوي تأمليٌا، لأن المرض لا يبدو جديرًا بالدراسة الممنهجة إلاّ كتعويض عن تجريب بيولوجي غالبًا ما كان متعذرًا عن التنفيذ، خصوصًا على الإنسان، ومن ثمة فإن التأكيد على التّطابق بين السوي والمرضي يتم لصالح المعرفة بالسوي، وهناك حسب كانغيلام صدى غريب يمارسه الطب الكونتي داخل الثقافة الفرنسية المعاصرة، فكونت عندما يتحدث عن المراحل الثلاثة التي يقطعها الفكر الإنساني ليصل إلى المرحلة الوضعية، أراد بذلك أن يستحضر التقرير النهائي للإنسانية مع العالم العضوي، لكنه فشل عندما قدم الوجود العلمي على الوجود التقني، لأن الحياة العضوية أو الدماغ بالنسبة للكائن البشري، هو من يحدد تلك النقلة النوعية في التفكير، فطبيعة العقل الإنساني تجعل المعارف تمر بثلاثة حالات مختلفة ومتتابعة، الحالة اللاهوتية أو الخرافية والحالة الميتافيزيقية أو المجردة وأخيرا الحالة العلمية أو الوضعية[li]، فهو بذلك ينتمي إلى فعل الحياة، ولا يقتصر على الحياة الإنسانية فقط بل هو ظاهرة بيولوجية كونية، كما أنه لا يمكن التشكيك بأن الإنسان استمر في الحياة بفعل التقنية، فالتقنية من طبيعة الإنسان، وهي تشكل تصوراته للأشياء والكائنات المحيطة به، قبل أن يكون له صرح علمي.

لكن مهما كانت التقنية متطورة ونتاج عقل عملياتي علمي، إلا أنها لا يمكن أن تتماثل مع الحياة ولا يمكنها بالتالي تفسيرها وتحليلها في كليتها وخصوصيتها، إن الحياة تتجاوز المفاهيم العقلانية المبنية على تجارب عينية، والتي توصف بالتكرار، فالحياة غير هذا إنها خلق ومصادفات "لأنه بقدر ما نقارن الكائنات الحية بالمكنات الأوتوماتيكية يتحسن فهمنا على ما يبدو للوظيفة، ولكن يضعف فهمنا للكون"[lii].

إن التمشي الصعب الذي سلكته المقاربة الكانغيلامية في تحديد موقفها من مسألة الحياة والكائن الحي، جعلتها تخوض حربًا على جبهتين الأولى آلية تعتبر بأن الظواهر الحية ظاهرة علمية شئنها شأن باقي الظواهر التي تنطبق عليها قوانين الفيزياء والكيمياء، وجبهة أخرى فلسفية تنظر إلى ظاهرة الحياة كظاهرة ميتافيزيقية منزهة عن كل تحديد كمي، لأنها ظاهرة لها أبعاد ميتافيزيقية، ويبقى الموقف الكانغيلامي يوسم بالعقلانية التي تفتح مجالا للحيوية الغير مفرطة في الميتافيزيقا من أجل الاقتراب من هذا المفهوم المتسم بالتعقيد.

لكن تبقى هذه المقاربة متكئة على تصور كانغيلام لتاريخ العلوم وتطور المفاهيم، وهذا التصور انعكس على عملية كتابة هذا التاريخ الذي لا يقتصر على ذكر الانتصارات، فالنشأة سبقتها تعثرات وإعادة بناء وبطئ واضطراب وعوائق وتقويم وانتقال عبر حقول مختلفة، هذا الجهد المضني في الأغلب هو خطأ وميتافيزيقا وتهور في البحث ومغامرة لكنها ضرورية لفهم الحياة كقيمة وكتصور وكفكرة.

 

 

خاتمة

وفي آخر هذه الورقة يمكن أن نقول بأن كانغيلام بنى مفهومه للحياة على أسس مختلفة، وقراءات متعددة ومتنوعة، ولكنه تعامل معها تعاملاً حذرًا، فهو يذكر كل الأسماء الذين قرأ لهم أو سمعهم أو حاورهم، دون أن يتجاهل أحد تقريبا، هؤلاء كلهم يتزاحم ذكرهم في كتابات كانغيلام، وهم يمثلون مدارس واتجاهات مختلفة في العلم والفلسفة، جعلت ابستيمولوجيا كانغيلام فسيفسائية المنهل، فضلاً عن الكم الكبير من الكتب التي يستمد منها المادة المعرفية أو التاريخية للموضوعات التي يهتم بها، البيولوجيا، الفيزيولوجيا، التشريح، الطب... هذا الانفتاح الذي قلما نصادفه لدى مفكري عصره.

لكن هذا الانفتاح لا ينفي عنها الخصوصية، وهي خصوصية مستمدة من خصوصية المعرفة الأصلية بالحياة والكائن الحي، وهي تستوجب إعادة النّظر في العقلانية المعاصرة وتنقيحها وتقويمها لأجل تقويتها، ولا يكون ذلك إلا بزعزعة الاعتقادات الرّاسخة حول المعرفة العلمية بصفة عامة والمعرفة البيولوجية بصفة خاصة، وذلك هو الذي نعتقد بأن كانغيلام اتخذه كتمشي صعب المسلك لهذا النوع من الدراسات، لأن المعرفة الخصوصية بالحياة ليست مجرد تحليل وتركيب وقيس وتحديد ثم عقلنة، حسب متطلبات المنطق الاستقرائي القائم على التكرار، بل لا بد من البحث الكلي الذي يسعى إلى تحديد المعنى الحياتي بما هو حياتي في الكائن الحي، فموقف عالم البيولوجيا يختلف تماما عن موقف الفيزيائي أو الكيميائي، لأن كل من لبفيزيائي والكيميائي يتخذ من قاعدة "الانسان سيد الطبيعة" كنموذج من أجل السيطرة عليها، وهذا يحتقر الحياة ويحطمها ليجعلها تضيع وسط ركام المادة.

لكن رغم هذه الخصوصية التي دعا فيها كانغيلام لمبحث الحياة، إلا أن تقييمه لم يستطع الإفلات من التقييم الإيديولوجي للحياة ومعرفة الحياة، بحيث وقف كانغيلام من حيث لا يشعر في موقف المدافع عن الحياة، وهو موقف يتوافق مع الكثير من الإيديولوجيات التي تنظر للحياة نظرة خاصة، كاللبرالية مثلا التي تقوم على حق الاختلاف والتميز والحرية الفردية كضمان لحرية الحياة وانطلاقتها، كما أن إحاطة الحياة بهالة من الخصوصية، جعلتها تبدو داخل الابستيمولوجيا الكانغيلامية مقولة بعيدة عن التناول العلمي الموضوعي، لتلقي بها بين براثين فلسفة طالما كان كانغيلام من منتقديها، وهي فلسفة تنظر للحياة نظرة ترنسندنتالية، وهذا الموقف نتج عن اعتراض تدخل العلم بجميع أشكاله ومناهجه في البحث عن طبيعة الحياة.

إن معرفة الحياة هي جهد فكري يحاول تتبع صيرورة مقولة تفلت من القبض، فنتتبع صيرورتها التي لا تبوح بدلالتها بوضوح ما لم نثيرها ونستفزها، من خلال تجارب خاصة ودقيقة، والعمل العقلاني كالمقارنة والاستنتاج والتحليل والتركيب أو القياس العقلي، تساعدنا على التقرب من هذه الحياة، التي هي في حد ذاتها نشاط، وهذا لا يعني أننا سنبلغ معرفة الفيزياء بالنسبة لموضوعها، وإنما على البيولوجي أن يعرف بأنّه لابد له أن يعرف حتى يتقدم، و معرفة الحياة كنشاط يدخل ضمن أنشطة الحياة ذاتها، فلكي نعرف الحياة يجب الدخول في الحياة من أجل تطوير الحياة.

 


[i]  جورج كانغلامGeorges Canguilhem(1904-1995) هو فيلسوف وابستيمولوجي ومؤخ علوم فرنسي، اهتم بالتجديد في الابستمولوجيا التي تهتم بقضايا الطب والبيولوجيا، من أهم مؤلفاته: معرفة الحياة، السوي والمرضي....

[ii]J.Sebestik, 1990,"Le rôle de la technique dans l’œuvre de G.Canguilem", dans : Georges Canguilhem philosophe, historien des sciences, Acte du colloque, 6-7-8décembre du collège international de philosophie, Paris, p 243.

[iii]Ibid. p244.

[iv]Jean- François Braunstein, Canguilhem avant Canguilhem, Revue d’histoire des sciences, 53/1, 2000, P12.

[v]Alain, 1960,Mars ou la guerre jugée, Edition Gallimard, Paris, p547.

[vi]Jean- François Braunstein , Canguilhem avant Canguilhem, Op-cit, p13.

[vii]Cité par Bourrin, 1986, La Dérive fasciste, Le Seuil, Paris, p341.

[viii]G. Canguilhem, Civilité puérile et honnête, Libres Propos, 20août 1929, p 392.

[ix]J.F.Sirinelli, 1994, Génération intellectuelle, Khâgneux et Normaliens de l’entre-deux-guerres, P.U.F, Paris, p 597.

[x]Jean- François Bronstein, Canguilhem avant Canguilhem, Op-cit, p 09.

[xi]G. Canguilhem,Texte sans titre qui faite suit à l’article sur La Mobilisation des intellectuels protestation d’étudiants, Libre Propos, 20avril 1927, p 54.

[xii]G.Canguilhem, 1981, Idéologie et rationaliste dans l’histoire des sciences de la vie, Paris, J.Vrin, 2émeédition , p 09.

[xiii]باتريك هيلي،2008، صور المعرفة، مقدمة لفلسفة العلم المعاصرة، ترجمة نور الدين شيخ عبيد، ط1،مركز دراسات الوحدة العربية، لبنان، ص 176.

[xiv]D.Lecourt, pour une critique de l’épistémologie, 1979,François Maspero, Paris, p26.

[xv]G.Canguilhem, Idéologie et rationaliste dans l’histoire des sciences de la vie, op-cit, p 20

[xvi]Ibid, p 09.

[xvii]Ibid, p09.

[xviii]Ibid, p 09.

[xix]غاستون باشلار:1999، العقلانية التطبيقية، ترجمة بسام الهاشم، د.ط، المؤسسة الجامعية للنشر والتوزيع، لبنان، ص 38.

[xx]G.Canguilhem, Idéologie et rationaliste dans l’histoire des sciences de la vie, op-cit, p 21.

[xxi]Ibid, p 24.

[xxii]محمد هشام: 2007، في مفهوم تاريخ اختلافي للتفكير البيولوجي عند جورج كانغيلهم، ط1، دار أفريقيا الشرق، المغرب، ص 08.

[xxiii]غاستون باشلار، 1994، الفكر العلمي الجديد، ترجمة عادل العوا، تقديم جيلالي اليابس، ط2،موفم للنشر، الجزائر، ص 198.

[xxiv]M. Foucault, "La Vie, l'Expérience, et la Science", dans Revue de métaphysique et de morale,

 janvier-mars 1985, numéro spécial consacré à Georges Canguilhem, Gallimard, Paris, 2001, p1582.

[xxv]باتريك هيلي: صور المعرف، مقدمة لفلسفة العلم المعاصرة، مرجع سابق، ص ص 176-177.

[xxvi]  E. Roudinesco, 2005,Philosophes dans la tourmente, Fayard, Paris, p 59.

[xxvii]Ibid, p 60.

[xxviii]B. Stiegler, " De Canguilhem à Nietzsche : la normativité du vivant", dans Lectures de Canguilhem,le normal et le pathologique, G. Leblanc édition, Fontenay-aux-Roses,2000, p 85.

[xxix]G. Canguilhem, "L'agrégation' de philosophie", dans Méthode Revue de l'enseignement philosophique, mai 1932, p 152.

[xxx]B. Stiegler, " De Canguilhem à Nietzsche : la normativité du vivant", dans Lectures de Canguilhem, le normal et le pathologique, Op-cit, p 92.

[xxxi]J.Gayan, Le concept d’individualité dans la philosophie biologique de G.Canguilem, in L’épistémologie française, Op-cit, p435.

[xxxii]K.Goldstein, La structure de l’organisme, trad. Fr. par E.Burckhardt et J.Kuntz, Gallimard, Paris, 1951, p 96.

[xxxiii]  محمد هشام، في مفهوم تاريخ اختلافي للتفكير البيولوجي عند جورج كانغلهم، مرجع سابق، ص107.

[xxxiv]K.Goldstein,La structure de l’organisme, Op-Cit, p355.

[xxxv]Ibid, p 351.

[xxxvi]G.Canguilem, Le nourmal et le patologique, Op-Cit, p129.

[xxxvii]Ibid, p130.

[xxxviii]Ibid, 130.

[xxxix]D.Lagache, "Le normal et le pathologique d’après M.G.Canguilem", Revue de métaphisique et de moral,N°51, 1946, p 369.

[xl]G.Canguilem, Le nourmal et le patologique, Op-Cit, p126.

[xli]X.Roth,  G.Canguilem et l’unité de l’expérience, juger et agir 1926-1939, Vrin, 1édition, Paris, 2013, p 32.

[xlii]تعتبر فكرة الحياة الفكرة الأكثر حضورا في مؤلفات كانغيلام، فنكاد لا نعثر على صفحة من صفحات كتبه المختلفة لا يذكر فيها هذه الفكرة أو مرادف لها، فهو يعتبرها لب كل عملية فكرية أو تقنية يقوم بها الإنسان، لأن الإنسان هو بالأساس كائن حي.

[xliii]G .Canguilhem : La connaissance de la vie, op-cit, p 10

[xliv]Ibid, p 11.

[xlv]Ibid, p 12.

 

[xlvi]غاستون باشلار، 1985، فلسفة الرفض، ترجمة خليل أحمد خليل، ط1،دار الحداثة، لبنان، ص 71.

[xlvii]Roland Omnés, 1994, philosophie de la science contemporaine, édition Gallimard.p 138.

[xlviii]André Leroi-Gourhan, 1982, Mécanique vivante, le crâne des vertébrés du poisson à l'homme, Fayard, Paris, p 27.

[xlix]G. Canguilhem, 1994, Etudes d’histoire et de philosophie des sciences, Librairie Philosophique, 6édition augmentée, Paris, p 325.

[l]J.Sebesttik, Le rôle de la technique dans l’œuvre de G.Canguilhem, op-cit, p245.

[li]ليفي برويل، 1952، فلسفة أوغست كونت، ترجمة محمود قاسم، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة، ط2، ، ص 51.

[lii]G .Canguilhem : La connaissance de la vie, op-cit, p 119.

[1]  جورج كانغلامGeorges Canguilhem(1904-1995) هو فيلسوف وابستيمولوجي ومؤخ علوم فرنسي، اهتم بالتجديد في الابستمولوجيا التي تهتم بقضايا الطب والبيولوجيا، من أهم مؤلفاته: معرفة الحياة، السوي والمرضي....

[1]J.Sebestik, 1990,"Le rôle de la technique dans l’œuvre de G.Canguilem", dans : Georges Canguilhem philosophe, historien des sciences, Acte du colloque, 6-7-8décembre du collège international de philosophie, Paris, p 243.

[1]Ibid. p244.

[1]Jean- François Braunstein, Canguilhem avant Canguilhem, Revue d’histoire des sciences, 53/1, 2000, P12.

[1]Alain, 1960,Mars ou la guerre jugée, Edition Gallimard, Paris, p547.

[1]Jean- François Braunstein , Canguilhem avant Canguilhem, Op-cit, p13.

[1]Cité par Bourrin, 1986, La Dérive fasciste, Le Seuil, Paris, p341.

[1]G. Canguilhem, Civilité puérile et honnête, Libres Propos, 20août 1929, p 392.

[1]J.F.Sirinelli, 1994, Génération intellectuelle, Khâgneux et Normaliens de l’entre-deux-guerres, P.U.F, Paris, p 597.

[1]Jean- François Bronstein, Canguilhem avant Canguilhem, Op-cit, p 09.

[1]G. Canguilhem,Texte sans titre qui faite suit à l’article sur La Mobilisation des intellectuels protestation d’étudiants, Libre Propos, 20avril 1927, p 54.

[1]G.Canguilhem, 1981, Idéologie et rationaliste dans l’histoire des sciences de la vie, Paris, J.Vrin, 2émeédition , p 09.

[1]باتريك هيلي،2008، صور المعرفة، مقدمة لفلسفة العلم المعاصرة، ترجمة نور الدين شيخ عبيد، ط1،مركز دراسات الوحدة العربية، لبنان، ص 176.

[1]D.Lecourt, pour une critique de l’épistémologie, 1979,François Maspero, Paris, p26.

[1]G.Canguilhem, Idéologie et rationaliste dans l’histoire des sciences de la vie, op-cit, p 20

[1]Ibid, p 09.

[1]Ibid, p09.

[1]Ibid, p 09.

[1]غاستون باشلار:1999، العقلانية التطبيقية، ترجمة بسام الهاشم، د.ط، المؤسسة الجامعية للنشر والتوزيع، لبنان، ص 38.

[1]G.Canguilhem, Idéologie et rationaliste dans l’histoire des sciences de la vie, op-cit, p 21.

[1]Ibid, p 24.

[1]محمد هشام: 2007، في مفهوم تاريخ اختلافي للتفكير البيولوجي عند جورج كانغيلهم، ط1، دار أفريقيا الشرق، المغرب، ص 08.

[1]غاستون باشلار، 1994، الفكر العلمي الجديد، ترجمة عادل العوا، تقديم جيلالي اليابس، ط2،موفم للنشر، الجزائر، ص 198.

[1]M. Foucault, "La Vie, l'Expérience, et la Science", dans Revue de métaphysique et de morale,

 janvier-mars 1985, numéro spécial consacré à Georges Canguilhem, Gallimard, Paris, 2001, p1582.

[1]باتريك هيلي: صور المعرف، مقدمة لفلسفة العلم المعاصرة، مرجع سابق، ص ص 176-177.

[1]  E. Roudinesco, 2005,Philosophes dans la tourmente, Fayard, Paris, p 59.

[1]Ibid, p 60.

[1]B. Stiegler, " De Canguilhem à Nietzsche : la normativité du vivant", dans Lectures de Canguilhem,le normal et le pathologique, G. Leblanc édition, Fontenay-aux-Roses,2000, p 85.

[1]G. Canguilhem, "L'agrégation' de philosophie", dans Méthode Revue de l'enseignement philosophique, mai 1932, p 152.

[1]B. Stiegler, " De Canguilhem à Nietzsche : la normativité du vivant", dans Lectures de Canguilhem, le normal et le pathologique, Op-cit, p 92.

[1]J.Gayan, Le concept d’individualité dans la philosophie biologique de G.Canguilem, in L’épistémologie française, Op-cit, p435.

[1]K.Goldstein, La structure de l’organisme, trad. Fr. par E.Burckhardt et J.Kuntz, Gallimard, Paris, 1951, p 96.

[1]  محمد هشام، في مفهوم تاريخ اختلافي للتفكير البيولوجي عند جورج كانغلهم، مرجع سابق، ص107.

[1]K.Goldstein,La structure de l’organisme, Op-Cit, p355.

[1]Ibid, p 351.

[1]G.Canguilem, Le nourmal et le patologique, Op-Cit, p129.

[1]Ibid, p130.

[1]Ibid, 130.

[1]D.Lagache, "Le normal et le pathologique d’après M.G.Canguilem", Revue de métaphisique et de moral,N°51, 1946, p 369.

[1]G.Canguilem, Le nourmal et le patologique, Op-Cit, p126.

[1]X.Roth,  G.Canguilem et l’unité de l’expérience, juger et agir 1926-1939, Vrin, 1édition, Paris, 2013, p 32.

[1]تعتبر فكرة الحياة الفكرة الأكثر حضورا في مؤلفات كانغيلام، فنكاد لا نعثر على صفحة من صفحات كتبه المختلفة لا يذكر فيها هذه الفكرة أو مرادف لها، فهو يعتبرها لب كل عملية فكرية أو تقنية يقوم بها الإنسان، لأن الإنسان هو بالأساس كائن حي.

[1]G .Canguilhem : La connaissance de la vie, op-cit, p 10

[1]Ibid, p 11.

[1]Ibid, p 12.

 

[1]غاستون باشلار، 1985، فلسفة الرفض، ترجمة خليل أحمد خليل، ط1،دار الحداثة، لبنان، ص 71.

[1]Roland Omnés, 1994, philosophie de la science contemporaine, édition Gallimard.p 138.

[1]André Leroi-Gourhan, 1982, Mécanique vivante, le crâne des vertébrés du poisson à l'homme, Fayard, Paris, p 27.

[1]G. Canguilhem, 1994, Etudes d’histoire et de philosophie des sciences, Librairie Philosophique, 6édition augmentée, Paris, p 325.

[1]J.Sebesttik, Le rôle de la technique dans l’œuvre de G.Canguilhem, op-cit, p245.

[1]ليفي برويل، 1952، فلسفة أوغست كونت، ترجمة محمود قاسم، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة، ط2، ، ص 51.

[1]G .Canguilhem : La connaissance de la vie, op-cit, p 119.

Pour citer ce document

توفيق بن ولهة, «من أجل ابستيمولوجيا جهوية في البيولوجيا عند جورج كانغيلامG. Canguilem»

[En ligne] مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales العدد 22 جوان 2016N°22 Juin 2016
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2016-11-10,
mis a jour le : 13/03/2017,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=1781.