الاسلاميات التطبيقية ونقد الاستشراق الكلاسيكي عند محمد أركون
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 22 جوان 2016 N°22 Juin 2016

الاسلاميات التطبيقية ونقد الاستشراق الكلاسيكي عند محمد أركون

الحاج دواق
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

تعتبر الإسلاميات التطبيقية لمحمد أركون (توفي2010م) واحدة من المشاريع الفكرية الأساسية في الفكر الإسلامي المعاصر، وأيضا الدراسات الفكرية العربية، القائمة على توجهات تجديدية، ومساعي تأسيسية، غرضها القيام بعمليات مراجعة جذرية ونقدية للتراث والفكر الغربي، بغية الإحاطة بمناهجه المؤسّسة وخلفياته الفلسفية، بقصد التوصل إلى تحقيق التجاوز التاريخي والثقافي المطلوب، وخلق النقلة الحضارية النوعية، ولا يمكنه ذلك بغير الاستعانة بترسانة مفاهيمية ومنهجية، نعتها محمد أركون بنقد الاستشراق الكلاسيكي أو الإسلاميات التطبيقية، باعتبار سعيها إلى استعمال كثير من المناهج التفسيرية والتحليلية الجديدة، لتجاوز منطق الاستقطاب التقليدي، لينتهي في الأخير إلى طرح بديل كامل، لعمل نقدي جوهري، يسمح ببناء عقل استطلاعي منبثق في العصور الحديثة.

الكلمات المفتاحية:الاستشراق-الاستشراق النقدي-الإسلاميات التطبيقية-الإسلاميات الكلاسيكية-العقل النقدي-التراث-الحداثة

Considéré islamologie appliquée à Mohammed Arkoun (2010) et l'un des projets intellectuels fondamentales dans la pensée islamique contemporaine, basés sur des approches innovantes, le but de procéder à une révision radicale de l'héritage de la pensée occidentale, avec une vue de parvenir dépassement historique et culturel souhaité, et ne peut donc sans l'utilisation d'un arsenal conceptuel et méthodologique, étiquetés comme Mohammed Arkoun critique Orientalisme classique ou islamologie appliquée, car elle cherche à utiliser beaucoup d'interprétation et d'analyse nouveau programme, afin de surmonter la logique de la polarisation traditionnelle, pour finir en finale pleine de rechange mises de l'avant, à travailler une trésorerie sensiblement, permettant la construction de l'esprit d'exploration pop-up dans les temps modernes.

Mots clés:

Orientalisme-cash-Orientalisme -islamologie appliquée- islamologie classic-esprit critique-patrimoine-modernisme

considered Applied Islamics to Mohammed Arkoun (2010) and one of the fundamental intellectual projects in contemporary Islamic thought, and also the Arab intellectual studies, based on innovative approaches, and the efforts of a constituent, its purpose to carry out radical and cash heritage and Western thought review, in order to take institution and the background philosophical , with a view to reaching the historic desired and cultural excess, creating a shift quality of civilization, and can not therefore without the use of an arsenal conceptual and methodological, labeled as Mohammed Arkoun criticism classic Orientalism or Applied Islamics, as it seeks to use a lot of interpretive and analytical new curriculum, to overcome the logic of the traditional polarization, to end up in the fourth to put the entire alternative, substantial cash to work, building permits exploratory mind pop-up in modern times.

Key words:

Orientalism- Applied Islamics –Islamics classic –critical- mind- Heritage- modernism

Quelques mots à propos de :  الحاج دواق

أستاذ محاضر أ، قسم الفلسفة، كلية العلوم الإنسانيةو الاجتماعية، جامعة باتنة01

مدخل

عمل محمد أركون (2010م) على خلق طريق ثالث في الوعي-أو هكذا حاول-، يتخطى به، ثنائية الأصولية المنغلقة، والعلمانوية المعادية للروح، فشرع في بناء مشروع معرفي، ذي غايات تاريخية كبرى، عنوانه الأساسي العقل الاستطلاعي المنبثق في العصور الحديثة، أراد به إعادة النظر إلى قيم الإنسانية، ومصادرها، ومنها الدين، في شكله التراثي وانغلاقات التجربة الممارسة، أو التي آلت إليها، أو العلمانوية الوضعانية التي أنكرت أهميته بالنسبة للمعنى والروح.

   فعمل على نقد الممارستين معا، ومن أدواته المركزية؛ الإسلاميات التطبيقية، كعمل نقدي ذي جبهات، فما هي الإسلاميات التطبيقية؟ وما هي مرتكزاتها النظرية والمنهجية؟ وما مجالات اشتغالها؟ وهل مردودها التاريخي والسوسيولوجي مجد، ويمكن اعتماده كواحد من أهم مخارج الانحباس التاريخي الذي تعانيه الإنسانية عموما، والأمة العربية والإسلامية خصوصا؟

أولا-فيالسياق العام للضميمة الاستشراقية في فكر محمد أركون

  انفتحت أفاق الدرس الفلسفي والتاريخي أمام محمد أركون، تحت تأثيرات متعددة ومتراكبة، جعلته يختار المنهجية التاريخية ذات الأجنحة، لينخرط في عمل استراتيجي تفكيكي، غايته النهائية تحقيق التجاوز الحضاري، واللحاق بالحداثة، بما هي متاح إنساني، بتثوير ممكناتها في التراث الإسلامي، وباستعمال أدوات النقد الحديثة. ما جعله ينخرط في عنايات الدرس الاستشراقي، لكنه وجده إما محبوسا في أدبياته الكلاسيكية، ومقارباته التقليدية، وإما يعمل ضمن خارطة أيديولوجية حرمته من التعاطي مع الظاهرة الإسلامية، برفق منهجي وتماسف يتيح له السعي الإيجابي الفعال، وهذا عينه المنبت الإشكالي الذي هرع أركون لتخطيه، حيث عمل على شق طريق معرفي آخر، لكن ضمن فعاليات فكرية متنوعة، أتم بعضها وبقي الكثير "..كنت قد أشرت في كتاباتي المختلفة إلى مشاريع وورشات وبحوث كثيرة لم أستطع تحقيقها لأسباب وجيهة. كانت في رأسي مخططات لأبحاث أساسية، ولكني لم أستطع الشروع بها وتحقيقها..."([1])

  ولم يثنه ذلك عن السعي الجم لفتح بعض الورشات النقدية المتخصصة في نقد العقل الإسلامي، وتفكيك بناه، بقصد إعادة تشكيله وترميمه ضمن خطط معرفية، تستعيد سؤال الحقيقة، الانثربولوجيا، والدين، بما هو الموضوع المركزي والأساسي، الذي اشتغل عليه، بوصفه مؤرخا للفكر الإسلامي، يقول: "إني أعترف بأني كنت قد واجهت مشكلة الحقيقة الدينية مأخوذة بالمعنى الكبير والمثالي المطلق للكلمة في مواجهة الحقيقة العلمية والفلسفية"([2]) فانتهى من مجمل ما درسه، إلى ضمور الشكلين الأخيرين من الحقيقة، واندفاع النمط الأول بما هو الغلاب في المرحلة السكولائية (أي المدرسية والتقليدية)، وهنا حرمت الممارسة الإسلامية من تنوع مثمر، كان سيفيد التجربة التاريخية الإنسانية، والإسلامية، على خلاف الحال في الغرب، الذي تمكن من خلق فضاء علمي وفلسفي، يقرأ الديني ويحدد مكانته والمتوقع منه، وضبط تدخلاته في نطاق الحياة، ما أفضى-حسبه- لتوازنات ملحوظة ومشهودة في كافة مجالات الحياة.

  هذا الفوات دفع به إلى التفكير العميق، في ضرورة استلهام التجربة، لا استنساخها، وتوظيف مكاسبها، في خلخلة الأسس، وتفكيك العلاقات غير السوية في المثلث المعلن عنه، فرغب في تطبيق تلك المنهجيات "على الدراسات الإسلامية وكل المناهج والإشكاليات الجديدة التي ظهرت للتو في مجال علم التاريخ وعلم الاجتماع وعلم الانثربولوجيا وعلم النفس وعلم التحليل النفسي والنقد الأدبي وعلم الألسنيات وعلم السيميائيات وعلم الدلالات عموما والإشارات والرموز...."([3])ومع تنويع الأساليب، جوبهت أعماله بصعوبات بعضها مرتبط بالطبيعة التاريخية للفضاء الإسلامي، أي مجمل العوائق النابعة من تطور الحضارة الإسلامية، وما تبعها من منتجات معرفية مختلفة، عبرت بطريقة ما عن نظرة المسلمين العلمية للعالم، وأخرى تتعلق "...بالتأخر المريع الذي تعاني منه الدراسات العربية والإسلامية. فتراثنا غير مخدوم علميا، أقصد غير مدروس وغير مكتشف ولا مضاء على عكس التراث الغربي...وهو تأخر مرتبط بقوة بتلك المعالجة المعرفية والوجودية والأيديولوجية لما كنت قد دعوته بالظاهرة القرآنية والظاهرة الإسلامية"([4]وهو من الأزمات غير المفهومة التي يعانيها العقل الغربي، التحليلي والنقدي والفلسفي منه عموما، والمدونة الاجتماعية والإنسانية منه بالخصوص، أي تعمدت حرمان التراث الإسلامي من المقاربات العلمية والتحليلات المنهجية التي مكنتها من تطوير التراث الغربي، باعتبار الغض عنه تماما، أو إدراجه ضمن جسر عبور تاريخي ليس إلا، وفي أحسن الأحوال الإقرار له بأنه تمثل الثقافة اليونانية ونقله. ما جعل الدرس التراثي الإسلامي لا يزال قابعا ضمن المنظومات التقليدية، ولم يفد من التجديدات المختلفة التي حصلت في درس العلوم الإنسانية والاجتماعية. سواء في نطاق الاستكشاف والبحث، أو في سياق النقد والكشف عن كوامن القوة فيه، وما يمكنه أن يستمر بوصفه متاحا معرفيا لا يزال حيا.

   كشف عن هذا الانحباس الذي سببته عمليات التسييج (أي الخوف من المدونة النقدية ورفض نتائجها، والانحباس في نطاق التأويلات الكلاسيكية المألوفة والرسمية) التي نتجت عن برمجات متوالية، لمّا لم يفرز العقل الإسلامي ما هو متعال مملوء بالقيم المعنوية، وما هو تاريخي أنجزه بشر حول الوحي ومعانية، حيث من اللازم تجاوزه وتخطيه، والعمل على فتح المعنى الإسلامي على الحياة المتنوعة، ولكن وكما تحول القرآن إلى مدونة رسمية مغلقة، نشأت على ضفافها متون شارحة، استحالت مع الوقت إلى انغلاقات حديدية، صنعت تفسيرات نهائية للمعنى القرآني، وأدخلتها في مضمار الحقيقة المطلقة، واختلط المقدس بغيره، ودخلنا في عصر النصوصية بامتياز، وأكبر دليل على ذلك أن المدارس الفلسفية والكلامية فيما بعدن ظلت على هماش التأسيس للحضارة الإسلامية، وغلب عليهم الفقيه والمحدث ما ولد انقلابا غير مبرر ولا مفهوم في منظومة المعرفة وأطر إنتاج المعنى.

  واندفع ما ينعت بالتراث الإسلامي، إلى مراكمة الشروح والتفاسير المكررة لنفسها، والخاضعة لمنطق ابستيمي واحد، وهذا أدى إلى ضمور الدرس العقلاني، لوما بعض المحطات اللامعة، التي انتهت بابن رشد، وسيطرة فكر ابن تيمية، واكبر مظهر تأزمي، أن فكر ابن تيمية المسيطر هو مدونات الفتاوى والأحكام الفقهية الجزئية الناشئة عن ضغط الظروف، لا كتبه الفكرية النقدية المتقدمة، في سياق نقده للفلسفة والمنطق، وبناؤه لفلسفته الخاصة. "كل ذلك لا يمنعنا من القول، بأن روح الأرثوذوكسية الصارمة قد انتصرت لدى كل الكتاب والمؤلفين، وبأن الموقف الفلسفي قد اختفى كليا. عندئذ راح ينتصر نمطان من العلماء ويسودان طيلة العصور السكولاستكية هما: نمط الفقيه الذي يحفظ عن ظهر قلب ويعيد إنتاج الكتب المدرسية للفقه دون أي ابتكار أو تجديد عقلي...ثم نمط الشيخ أو المرابط بلغة أهل المغرب...وهكذا راحت المجتمعات العربية الإسلامية تدخل في ما أدعوه أنا شخصيا بالسياج الدوغماتي المغلق، بالشكل الذي كان قد حدد عليه من قبل نص ابن تيمية..."([5])

   وما انبثق عن السجالات، أي الخصومات الأيديولوجية في التوظيف والتوظيف المضاد، التي يظهر أن النصوصيين قد غلبوا فيها، لا لقوة الحجة، ولكن لتبني السلطة لآرائهم، ولم تخل التجربة التاريخية الإسلامية من نماذج ظاهرة لهذا التوظيف السياسي للحقيقة الدينية في إطار تصفية الحسابات ومواجهة الخصوم، وكذا في تعميم ديباجة عقائدية خاصة على حساب كل التنوع الحقيقي تاريخيا، كما حدث مع المتوكل على الله العباسي (247ﻫ) وانقلابه على المعتزلة وتمكينه للحنابلة وأهل الحديث من سدة الإشراف على الحقيقة الدينية الرسمية، من حيث بناؤها وتعريفها وبيان حدودها، وما يجب الخوض فيه وما لا يجب. ما جعل أركون يقر بأن ما يدعى بالتراث محكوم بتشابكات متينة ومتحالفة، قضت على إمكانيات الانفتاح على تفسيرات أخرى تضمنها الرصيد التاريخي للمسلمين، وهي التقاءات تضافرت معطيات كثيرة في تشكيلها وتكريسها، خاصة إذا تم التعاطي تحليليا معها، بوصفها " ذرى أخرى أكثر عمقا واتساعا: أقصد ذرى ذات أهمية انثروبولوجية (أي كونية تنطبق على جميع الثقافات والمجتمعات). فهنا نلاحظ نوعا من مديونية المعنى تجاه الله الذي يوحيه، أي يكشفه للبشر، ثم مديونية الأمن تجاه السلطة التي تتكفل بحماية النظام، ثم الطاعة غير المشروطة الناتجة عن الشعور بهذا الدين أو المديونية (أي الطاعة التي يقدمها البشر بسبب إحساسهم بالدين تجاه الخالق أو السلطة أو الزعيم أو القائد..).."([6])  طبعا الممعن في التأسيس السالف بلحظ بعض التجوّر فيه، ذلك أن التراث الإسلامي ليس على هذه الشاكلة، إذ هناك معارضات عملت على كسر الطوق المفروض من طرف السلطة التي كرست هيمنتها، باستثمار احتكارها المرير، للرأسمال الرمزي الذي يمثله الدين، ما يعني أن اتجاه التحليل يمكن معارضته بإبراز تلك المحاولات، ومع ذلك في تحليله معقولية جزئية تختص بالدائرة الوسطى التي تصدرت للمصادرة والتعميم، أعني السلطة.

  وغلبة التكريسات السابقة، لا تحول دون خلخلة بناها، وانخراط المثقفين في عمليات درس إيجابي مثمر، موظف لمكنات المعرفة الحديثة، وهي  من "المهام الملقاة على عاتق المثقف العربي أو المسلم اليوم. فهل يمكنه أن يكتفي بالتعرية العلمية للشروط والظروف التي أتاحت ولادة السياج الدوغماتي المغلق وتشغيله طيلة القرون المتتابعة وإعادة إنتاجه بشكل مكرور؟ أم أنه ينبغي عليه، للمرة الأولى في تاريخ الإسلام أن يشتغل من أجل الخروج من هذا السياج الدوغماتي لكي يتمكن لا حقا من بلورة نظام جديد للعمل التاريخي؟"([7])

تميل المقاربة الأركونية (أي مجمل نظرياته ومنهجياته المعتمدة على العلوم الاجتماعية والإنسانية ) لاختيار القسم الثاني من التساؤل أعلاه، لما لهذا الأخير من بعد فلسفي مركب، يتصل بعمليات شاملة وواسعة، من التحرير الحقيقي، باستنبات شروط سوسيو بسيكو ثقافية، تتعلق بكل العوامل التي أسست للتجربة التراثية وحكمتها لقرون، والتي سمحت في الأخير للمسلمين بالقيام بالعمل التاريخي الجذري الملقى على عاتق الروح البشرية، في استعادة المعنى المفتوح، وتمثل قيم التجاوب الفعال، مع العالم وساكنيه، وبذلك يمكن الخروج فعلا من السياجات التي ضربت عبر قرون طوال. "..أما أنا فإني أفرض لأول مرة في تاريخ الإسلام منظورا جديدا يتجاوز المنظور البدعوي للقرون الوسطى ويؤمن بالتعددية وعدم أحقية أي مذهب كائنا ما كان في احتكار حقيقة الإسلام لوحده فقط. وهكذا دشنت بالنسبة لمجال الظاهرة الدينية الإسلامية ورشة بحوث معرفية جديدة تتطلب الاستكشاف العلمي وتطبيق المناهج الحديثة عليها. وهي ورشة أركيولوجيا المعرفة أو أركيولوجيا المعارف بالجمع. كما ويمكن أن ندعوها بورشة القيام ببحث سوسيولوجي لمعرفة سبب فشل أو نجاح هذا العمل الفكري أو ذاك..."([8])

يظهر باديا أن أركون قد حسم في منهجيته التي أراد بها مقاربة الكل الإسلامي، بما هو؛ عقل، وتراث، معرفة، فنون...وكل ما يدخل تحت طائلة الوعي المتمثّل للوحي ومعانيه، وما يتصل بتأثيرات الظروف في هذا الوعي، حيث تبنى الأساليب الحديثة التي حققت نجاحات مذهلة في التراث الغربي، وتمكنت من خلق التواصل المثمر فانتهت إلى ابتعاث الحداثة من داخل أحضان النقد الشامل، بما هي نتيجته، وبما هو دال عليها، في جدلية موصولة ومتبادلة الدور، في حين "...أنها كانت نادرة فيما يخص التراث الإسلامي والمجتمعات الإسلامية عربية كانت أم غير عربية"([9]ويكون التأخر مصيرها بذلك، ورغم الجهود التي قام بها الاستشراق الأوروبي في تحقيق الدرس العربي الإسلامي، وسعيه لتحقيقه وابتعاث النصوص الكبرى المؤسسة، لم يفد ذلك شيئا يذكر، يمكنه أن يمثل طفرة تاريخية بكيفية ما، وطبعا ذلك مرده لاعتبارات، بعضها يتعلق بالعمر التاريخي للذات العربية، لعدم إدراكها لأهمية التحقيقات الأساسية في فهم التراث ومجمل العمليات التي شادته، بالتركيز على نواحي بعينها، وإهمال أخرى، في إطار اللعبة التاريخية التي مورست، عن بانتباه واختيارات معلنة وظاهرة، وإن بأساليب ثاوية ومضمرة، ترتبط بذات التجربة ولوازم تطورها. وأخرى تتصل بالبواعث التي حثت الممارسة الاستشراقية الغربية، باعتبارها مركزية مسبتدة، تنعكس على طريقة وعيهم بالعالم ومكوناته، وانعكاس ذلك كله في أورقة الجامعات ومؤسسات المعرفة، وكيف تعرِّف المختلف وتدركه، وكيف تصوغه ضمن تراتب العالم قياسا إلى ثقافتهم، قربأ أو بعدا. زيادة إلى الأجندة الاستعمارية التي تقصّدت إلى معرفة تراثات الآخرين بغاية تفكيكها، أو إعادة ترتيبها ضمن منظورية تاريخية أخرى، لتضع يد السيطرة عليها في النهاية.

ثانيا- في أزمة الاستشراق الغربي ومفارقاته في درس الإسلام:

 اندفع محمد أركون في إحدى حواراته إلى نتيجة مدوية قياسا إلى الشائع بتأثره بالرؤية الاستشراقية"...قلت بالحرف الواحد: لم أتعلم  شيئا من المستعربين (يقصد المستشرقين) لم يعلمن أساتذتي المستعربون كيف أفكر، ولم يفتحوا أمامي آفاق المعرفة ما كنت أنتظر..."([10])  أي ما كان سيتيح له عدة عميقة، من النظريات والأدوات التي تسمح له بالتكوين الظافر، الذي سيمنحه مقدرة نقدية عالية، تخدم تراثه ضمن إستراتجية الإصلاح الكبير، والسبب في تقديره انحباسهم في التناول التقليدي القائم على الطريقة الفللوجية، المعتمدة على المقايسات اللغوية، ومقابلة النصوص ببعضها، وسبرها تاريخيا.

وقد تناول أركون مشكلات الاستشراق، وأزماته المختلفة، أزمات بعضها يتعلق بذات الرؤية ومنابعها ومنبثقاتها، وأخرى ترجع إلى فقر الآليات وقلة غناها، وافتقارها إلى المنهجية العابرة للتخصصات، أو المنهجيات المركبة، التي لا تكتفي فقط بالمقاربة اللغوية وما يحيطها، حيث عددها في ترتيبات تبرز عمقه وحقيقته، بل وخطأه التاريخي الأساس:

·  استنكافهم عن تناول مشكلات الجزائريين والمسلمين بالطريقة الابستمولوجية العلمية، التي تسمح بخلق فضاء ثقافي، يفكر في الآخر بطريقة موضوعية. وقصدهم من ذلك كبت الروح الإبداعية، وعدم السماح للثقافة الحية بالتكون والتشكل، وإبراز الجوانب الموروثة من جهة الحفظ فقط.

·  أغلب الأساتذة الفرنسيين الذي كانوا في الجزائر لم يحفلوا بظروف الأهالي وكأنها لاتعنيهم-وهي كذلك- وإذا نظروا إليها فبعين برجوازية مستعلية تمثل المحتل. وهنا تنسى تقاليد العلم أمام ضغط التاريخ، فعين التعالي الاسكتبارية تحول دون المنظرويات العلمية المتأنية.

·  التعاطي مع الجزائريين كمادة استعمالية، تحول عن عاداتها ودينها، بغية تحضرها، وإلا فهو التهميش والازدراء الممنهج.

·  الطريقة التي يكتبون بها/ويعلمون التاريخ، كانت مسيئة تماما، لاعتمادها أساليب عتيقة لا تليق لا بالعلم ولا بمنهجياته.([11])

·  اقتصاره على تقديم "...مدونات وصفية للعقلانيات المتنافسة التي ظهرت أثناء التسلسل التاريخي الخطي المستقيم النازل من القرآن وحتى يومنا هذا. هذه هي طريقة المنهجية التاريخية القديمة أو منهجية الاستشراق الكلاسيكي.."([12]) وهذه العروض تكتفي بمجرد رصف الظواهر الفكرية ومدارسها إلى بعضها، ولا تسبر عن البنيات العميقة التي شادت عليها الروح الإسلامية رؤيتها الكونية، وتلك بالذات يمكنها أن تستحيل في خضم عمل نقدي تأسيسي إلى إطار معرفي حاضن للتجربة التاريخية والثقافية الجديدة، وهذا ما دعاهم إلى الغض عنها.

·  ومن أهم الانتباهات التي أبرزها أركون، إزاء الذهنية الاستشراقية الكلاسيكية، وربما حتى الحديثة، كونها تعاني انغلاقا صلبا، "..داخل المثال الغربي المنصّب وكأنه مصدر للكونية المطلقة..."([13]) ما جعل هذه الثقافة تعاني أزمة شوفينية، وتمركزا حول الذات، قادها حضاريا إلى التضخم الزائد، ما منعها من ادراك خصوصيات الآخرين وتنوع تجاربهم، وهذه بلوى كل الثقافات الانغلاقية، ويلوّح إلى أنها لا تقتصر على الغرب فقط، وإن كانت ظاهرة عنده، في ميادين العلوم الإنسانية المتعددة، ومنها الاستشراق.

·  كذا إمعان الدرس الاستشراقي في تقديم الإسلام في منظر سكوني سلبي متخلف، بدعوى لا علميته، وكونه عصيا على الحضارة، فتكرست نظرة سلبية عند الغربيين عنه، يصعب تجاوزها وتخطيها، خاصة وأنها رُفدت بدعامات النجاحات العلمية والتطورات الصناعية، التي انعكس على نمط التقييم الثقافي للآخر، خاصة الإسلامي منه، نظرا لتجربة الصدام التي ترجع إلى سني الحروب الصليبية الأولى، وتعميم الإسلام لأرضه، على حساب الاستعمار الروماني القديم. وهنا ندرك أن الأزمة النفسية التاريخية لا تزال متحكمة في الصلات بين المؤسسات العلمية الغربية، وبين المادة الثقافية الإسلامية، وهذا حرم الجهتين من التواصل الفعال المثمر، اللهم بمنظور التوجس من الفريقين، احدهما بعقدة التفوق، والآخر بآثار الاستعمار التي لا تزال عالقة في كل جوانب حياته.

·  انخراط الطرائق العلمية الجديدة، كمنهجية للاستشراق، في بعض الاستنتاجات المتكلسة، المنبثقة عن تعجل الدراسة، بقصد استعمالية النتائج ضمن أفق توظيف المعرفة في الحرب، من قبيل أن الشرقيين حالمون، ولن يتغير حالهم مهما طالت الأزمان، ومحكوم عليهم تاريخيا بالتخلف، فالشرق شرق، والغرب غرب.

·  التعمد السافر لجانب من الاستشراق لإغفال الجانب المشرق من التراث الإسلامي، وإبراز النواحي غير الإنسانية منه، بعد انفجار التيارات الأصولية، وهنا يقصد أركون كل الإسلام السياسي والجهادي، ورفعها لشعارات جذرية وحدية، وغير تاريخية، لمناداتها بفكرة مناقضة للتاريخ ذاته، فالتاريخ ماض إلى الأمام، وهذه التيارات مصرة على الانخراط ضمن مضمار القدامة العتيق، ولما تدرك بعد ضرورة الحداثة، باعتبارها مكسبا للروح البشرية ككل، ما أعطى مبررا للنظرة العنصرية الموافقة للكونيالية، بدعوى أن الإسلام كله هكذا.

·  إصرار الدرس الاستشراقي، حتى في واجهته الأكاديمية، على تصوير المسلم/العربي، متخلفا بطبيعته، وأنه ضد التطور التاريخي، ومبتلى أبدا بالانغلاق، وهو ضد قيم التنوير والحداثة، وفي هذا ما يعتبره أركون تعميما مخلا. لأن أبسط مقارنة مع الوضع التاريخي السابق للحضارة الإسلامية يرى مبلغ الحيوية الحضارية التي كانت موجودة، ويدل على ذلك تجربة المجتمع الإسلامي في استقلاله النسبي عن السلطة واستبدادها المطلق، وتمكنه من بناء مدارس فكرية ومعارضات مذهبية ودينية، أتاحت نوعا من الاختلاف والتنوع في المعرفة ومصادرها، ونظرتها للسياسة وشؤون الحياة. وهي تماما على خلاف ما يصوره المستشرقون.     "لا ينبغي أن ننظر إلى الإسلام كحالة ثبوتية جمودية من الأزل إلى الأبد. هذا منظور خاطئ وغير علمي، ومن المؤسف أن يسقط فيه علماء وباحثون وجامعيون وأكاديميون. هنا تكمن مشكلتي مع الكثيرين من مفكري الغرب"([14])ولا تزال هي عينها الإشكالية التي تمنع الدارس الغربي من التمييز بين الوضع التاريخي للمسلمين، أو لبعضهم، وبين القيم التي يمكن أن يحملها الإسلام. ولم يوجد في التاريخ مجتمع سكوني بإطلاق، بل يمر بمراحل من الجمود، جراء معطيات متداخلة، تواردت من ظروف شتى، لكنه سرعان ما يستعيد حيويته وحركيته، ويندفع في التاريخ من جديد، محققا نوعا من التجاوز الممكن، سواء بمبادرته هو، أو بالحق الحضاري الذي يتعرض له. والعامل الإسلامي لا يشذ عن هذه القاعدة، بل تنطبق عليه في الفترة الأخيرة بشكل لافت.

·  ومما كرسه الدرس الاستشراقي في الغرب، التغييب المتعمد للدراسات التي يمكنها أن تدفع بالعقل الإسلامي إلى التجديد والاندفاعة المستأنفة في التاريخ، باعتبار إهمالهم لمقاربات علمية فيما يتصل بالعقل التشريعي وأزماته، العقل القائم على قوننة الحياة وتحويلها إلى مجرد انتظام محكوم بأوامر ونواهي، وتخنق المجالات المستقلة، وتدمجها في بعضها لدرجة تكبت الانطلاقات والانفتاحات المختلفة،  حيث ينعكس ذلك على الإبداع ككل، فتخبو شعلة الألق العلمي والمعرفي، ومن هنا نكتشف أنهم لم يساهموا في حلها. والعجيب أن هذه الظاهرة متكررة في كل أقسام العلوم الإنسانية والاجتماعية، حال تتعمد عدم توظيف المنجزات المنهجية وفتوح المعرفة في تخفيف وطأة الأزمة الثقافية المتصلة بالعقل الإسلامي ومنجزاته.

·  من الطرق التي يتعمدونها؛ التجاهل والإغماط من شأن الثقافة الإسلامية، بعدم ذكرها تماما لا سلبا ولا إيجابا، فمثلا "...مارسيل غوشيه صاحب النظرية التي تقول بأن المسيحية هي الدين الوحيد الذي يقبل بالعلمانية، بالخروج من التدين التقليدي وبالتالي يتيح التطور، ولكنه لا يقول شيئا عن الإسلام. بل وحتى فلاسفة كبار كبول ريكور وإيمانويل ليفيناس اللذين طالما تحدثا عن التراث اليهودي-المسيحي وحللاه بعمق من كافة النواحي لا يقولان كلمة واحدة عن الإسلام...وأنا أتساءل: لماذا كل هذا النبذ للإسلام؟ لماذا لا تطبق عليه نفس المناهج التحديثية الرائدة التي طبقت على الدينين الآخرين؟ أليس الإسلام دينا كبيرا وتراثا تاريخيا طويلا وعريضا؟"([15]) وضمنا يقر أركون؛ أن هؤلاء الفلاسفة لا يبتعدون ثقافيا عن تلك النزعات الإلغائية التي تتعاطى مع الآخر، خاصة الإسلامي، بدافع التعالي التاريخي، وأنهم في يوم ما قد سيطروا على هذا الفضاء المترامي الأطراف، أو ربما لأنه دين عصي على التحديث من حيث ما هو، وهنا نسأل ألضعف في المناهج، أم لقوة فيه؟ أم لرغبة تجاهل ليس إلا؟ فما انطبق على الدينين الآخرين يمكنه بكيفية ما أن يحرز فتوحا شبيهة في الإسلام. لكن التجاهل المتعمد يدل بوضوح على الصلة الوثيقة الموجودة بين الديباجة الاحتوائية وتبريراتها العلمية، مرة بتهوينه وتبشيعه، وأخرى بإبراز جانب على حساب الكل، وثالثة بالصمت النهائي والإدخال في دائرة الظلام لكل المنجز التاريخي لتلك التجربة التي ننعتها إسلامية، بكافة ميادينها ومجالاتها، وعلومها، ونجاحاتها واخفاقاتها، ومقدرتها على خلق لون من الثقافة المستقية من دين، مثل اليهودية أو المسيحية. ولا نعدم لليوم مفكرين يعرفون الثقافة الغربية بأنها يهو/مسيحية، أو إغريق/رومانية، لكن أن تكون الإسلامية من مصادرها، أو أن الأخيرة تمتلك بعض مواصفات تلك، فهذا مما لم يدأبوا عليه إلا لماما.

·  ويختار أركون واحدا من نماذج الاستشراق لنقد مقاربته، في الكتاب المهم الاستشراق بين دعاته ومعارضيه، وهو البروفيسور غوستاف فون غرونباوم، (مستشرق نمساوي من أهم كتبه إسلام العصور الوسطى، توفي سنة 1972) منتهيا إلى أن "المنهجية التضادية للمؤلف والتي تقيم المعارضة باستمرار بين خصوبة الموقف الغربي (وهي شيء لا يمكن إنكاره) وبين الذاتوية الضيقة للموقف الإسلامي، أقول أن هذه المنهجية تبدو غير لبقة وخصوصا أن المؤلف سوف يقرأ من قبل المسلمين أيضا وليس فقط من قبل الغربيين. بل أكثر من ذلك فإن هذه المنهجية تبدو عرضة للنقاش والأخذ والرد حتى من وجهة النظر المنهجية.."([16]ويتكرر لدى هذا المستشرق الوازع الاختزالي، كما السابقين، في اختيار عينة الدرس، وانتقاء جانب منها، وتضخيمه والمضي به لمرحلة الاستنتاج والتحليل، في استعجال يستبطن الموقف أولا، أن هذه حضارة عفى عليها الاعتبار الثقافي والحضاري المركب، "وبالتالي فالمسألة مسألة تفسير وليس فقط مسألة تسجيل الملاحظة الباردة للوقائع الخام انطلاقا من معطيات جزئية وعابرة. ولا شيء أكثر عرضية وعبورا من تلك الشهادات المكتوبة التي يعتمد عليها السيد فون غروبناوم في تحليله...إذ ليس من الممكن أن نحكم بشكل صحيح على الإسلام الحديث والهوية الثقافية للعالم العربي عن طريق الاعتماد فقط على الأدب الذي لا يقبل حتى أصحابه بدمجه في تراثهم إلا بعد عملية غربلة وانتقاء....ولا ريب في أننا نجد فيها نفس الأحكام السهلة والمسبقة تجاه الحضارة الغربية ونفس التأكيدات الاختزالية عن عظمة الحضارة العربية"([17])

·  من الصعوبات التي يدعيها المشتغلون بالعلوم الاجتماعية، وتوظيفها في العناية بالإسلام وتراثه، اللا اختصاص، أو أن تباعد المجالات، ولأن الإسلام من فضاء تاريخي آخر فستفقد المنهجيات التحليلية قدرتها على الإيفاء بوعودها المعرفية، وهذا انعكس على عدم حصول "مناقشات معمقة بين الطرفين: أقصد بين الطرف المؤسس للعلوم الاجتماعية بشكل عام، وبين الطرف المختص بالدراسات الإسلامية (أي المستشرقين). والواقع أن المستشرقين يكتفون بالمعاينة والتفحص السريري إذا جاز التعبير لموضوع دراستهم، أكثر مما يساهمون في الجهد التنظيري انطلاقا من أمثلة وحالات تاريخية مختلفة عن تلك التي تغذي بشكل عام ممارسة العلوم الاجتماعية بصفتها منتجات للمجتمعات الغربية وأدوات لها"([18])   والمفارقة الكبرى التي تبرز للتحليل من بادي الرأي، هو لماذا اعتمدت المنهجيات عينها في دراسة الديانة اليهودية في مصادرها، وكيف تمكنت الثقافة العلمية والفلسفية الغربية أن تقحمها ضمن التراث الغربي، الممتد من اليونان القديمة إلى يوم الناس هذا، رغم التباين الجذري بين التقليدين، أو أقله لماذا يستبعد الإسلام رغم التقارب الظاهر بينه  وبين اليهودية؟ وهنا نجدنا أمام مأزق تنظيري لا حل له ظاهر، مرده ليس الاعتبارات العلمية بمقدار ما هو الدوافع النفسية والعقد التاريخية الموروثة. وهذا ما جعل محمد أركون ينتفض غالبا في وجه المدونة الكلاسيكية الاستشراقية وغيرها.

·  من المفارقات التي وقعت فيها الدراسات والمقاربات الاستشراقية الغربية، كونها تعاني فقرا ابستمولوجيا من جهة، ومن أخرى يطبقون الاستنتاجات الكسولة والعجلى على الإسلام، "...فهي تتحدث عن الإسلام بشكل ممل ومكرور عن نفس الشيء: أي عن الإسلام الأقنومي المسؤول عن كل شيء يحصل في المجتمعات التي انتشر فيها هذا الدين. إنها تتحدث عن الإسلام بالحرف الكبير (ISLAM) لا بالحرف الصغير (islam)  لكي تقول بأنه عامل فوق طبيعي أو خارق للطبيعة يؤثر على كل شيء ولا يتأثر بأي شيء..."([19]) والمقارنات البسيطة لمجمل المدونة النقدية لتاريخ الإسلام، تنطلق من مدخل إهداري أساسي، مفاده؛ أن الإسلام واحد وجاء في التاريخ كتلة مجتمعة، وان مآزقه مرجعها لطبيعة ذاتية في الدين، بما هو نتاج تلفيقات تاريخية لبقايا وآثار أديان وثنية وأخرى سماوية، ولأن التلفيق بينة أساسية فيه، فإنه أنتج كل تلك المآسي والويلات، وتاليا هو يفتقد لروط التكون الطبيعية والعادية، لذا فإن إدخاله للمخابر البحثية هو جر لمتأبي على المنهجيات التاريخية المتعددة، ولذا فهو غير صالح ولا ينطبق، أو بالأحرى هو يفتقد للروح التي يمكنها أن تولد المزاج القادر على خلق تجربة الحضارة الحقيقية.

·  نضيف مشكلات أخرى وقع فيها دعاة الإسلاميات الكلاسيكية، حال عوّلوا على المدونات الرسمية التي كتبها الفقهاء الرسميون، وبذلك عملهم الأساسي نقل النصوص الكبرى إلى اللغات الأجنبية، وأهملوا لذاك كل التراثات غير الرسمية، والمنافسة، زيادة إلى غفلتهم غير المبررة عن المخلفات الشفاهية، وتداولها في الثقافات الهامشية كما الحال عند البربر أو الأفارقة، وربما حتى الإسلام غير العربي، ولم يأبهوا للسيطرات المقيتة التي تعرض لها هؤلاء من قبل الصوت الواحد المنغرز في تربة المركز والوحدانية والسلطة الكلية الشمولية، وبذلك أغفلوا المحكي واليومي والدارج، بما هو مخالف –في تقديرهم-للرسمي العلمي.

 وهي عناية تمحورت على الغلاب، وليس على الموجود، فكم من نموذج للإسلام تغافلوه فقط لأنه غير طاف على السطح، وليس سائدا. وبلوى أخرى وقعوا فيها، لما أهملوا الأنظمة السميائية الأخرى غير اللغوية، والتي لها صلة ما بالدين، أساطير عامة وشعبية، أشعار منبوذة، فن العمارة، الموسيقى..........."إن هذه نتائج  الإلغاءات (أو الاهمالات المذكورة قد ازدادت سوءا بسبب الوضع الهامشي للإسلاميات داخل إطار الثقافة الغربية ككل. ينبغي ألا نخلط بين النجاح الشخصي لمعلم ما والأثر الحاسم لعلم بأكمله. ذلك أنه إذا كانت الإسلاميات الكلاسيكية لم تؤد أبدا أي إعادة توزيع من أي نوع كان للفكر الغربي، فإن ذلك راجع إلى أن معظم ممارسيها بقوا متضامنين مع الرؤية التاريخية والعرقية-المركزية. إن تطبيق المناهج الجديدة للعلوم الإنسانية التي ظهرت أو تبلورت بعد سني الخمسينات على الإسلام، بقي في إطار المحاولات الخجولة والجزئية إن يكن هناك رفض مقصود."([20])

  يظهر أن الاستدراكات المهمة التي ألمح غليها أركون قبلا لم تجعله ينخرط ضمن استنتاجات لاغية لكل الجهد الذي حصل من طرف الاستشراق التقليدي، خاصة وأنه مكن الدرس المعرفي الغربي من الانتباه لوجود تجربة فكرية خارج فضائه، وأن الاختلافات النوعية في طبية الرؤى الكونية مردها لوجود مثل هذه التراثات المتنوعة في السياقات المختلفة. لكن ذلك لم يحقق له التحرر الكلي إزاء الحضارة الإسلامية، حيث تم التركيز على نصوص بعينها لإعطاء انطباعات متقصدة، تحرم الوعي النقدي من المنهجيات الشاملة والمقاربات العلمية المتوازنة، وهذا ما دعا في منهجيته الخاصة إلى تحقيقه، أي الإسلاميات التطبيقية، بما هي رهان ورؤية ومنهجية وتطبيقات.

ثالثا- من الاستشراق التقليدي إلى الإسلاميات التطبيقية، أو نحو منهجية مركبة:

استدراكات محمد أركون على الاستشراق التقليدي كثيرة، واكتفينا بأهمها، وهنا بالنظر لاعتبارات المشروع الكلية، اختار استبدال هذه المقاربة بأخرى، نعتها بالإسلاميات التطبيقية، وهي في عمومها "...المنهجية المتعددة الاختصاصات والعلوم هي وحدها القادرة على تقديم مفتاح الفهم لحركة المجتمع والفاعلين الاجتماعيين داخله: أي البشر. إن هذه الطريقة النقدية الجذرية (أو الراديكالية)لتطبيقها هي التي تتيح لنا أن نفهم بشكل أفضل  الانقلابات والتحولات التي تطرأ على المجتمعات المدعوة إسلامية"([21]يظهر أنه رغب في الانعطاف إلى اعتماد شبكة من الأدوات لا يتيحها علم بعينه، بل تتدخل في تكريسها معطيات معرفية، أفقية في تخصصات عديدة، وعمودية بتراكمات التجارب داخل التخصص الواحد وإضافاته المنهجية والنظرية.

 وهنا ألح على "...مسألتين اثنتين تتمثلان بمفهومين أساسين هما: الزحزحة والتجاوز. بمعنى: ينبغي علينا أن نزحزح أولا ثم نتجاوز ثانيا كل الأجهزة المفهومية والمقولات القطعية والتحديدات الراسخة الموروثة عن الماضي، سواء أكان هذا الماضي ينتمي إلى جهة التراث الإسلامي، أم جهة التراث الأوروبي-الغربي. فهذه الرواسب والتصورات الماضوية شائعة جدا لدى كلا الطرفين وتشكل أحكاما مسبقة تمنعنا من رؤية الأمور بوضوح، أي من تشكيل نظرة تاريخية حقيقية كما وتمنعنا من رؤية الأمور بوضوح"([22]) تبدو الإستراتيجية المعرفية لمحمد أركون تجاوزية، تقوم على عملين ضخمين، أحدهما يتجه تلقاء الماضي لتفكيكه، ومن ثمة تخطيه، في إطار زحزحة المكانة الابستمولوجية لبعض الابستميات التي التف حولها العمل النظري والثقافي للمسلمين، ومنه إلى الغرب والقيام بالعمليات عينها، وفي النهاية يمكن رأب صدع الفوات من الوجهة النظرية، بتوظيف الدرس المعرفي الغربي ونجاحاته، ومن الناحية التاريخية لما ينتهي أهل الضفتين إلى فهم الآخر وإسداء المعونة المتبادلة في غير تعال ولا انكفاء. وبذلك نلحظ أن الإسلاميات التطبيقية ملمحها ليس تقنيا إجرائيا في درس التراث الإسلامي، بل يتعدى إلى التأسيس لفضاء حضاري تشاركي. فعنوان العملية السابقة التفريق"...بين المعرفة التاريخية، والمعرفة التبجيلية التقليدية السائدة"([23]) وحتى المعرفة الذّامة المنقّصة.

تدرك أهمية التمييز الأركوني بين لوني المعرفة، حال نقارن بين وضع علمي لفضاءات حضارية مخصوصة، وأخرى لم تبرح الأشكال الممجدة التي تكرس القول السابق، بوصفه المطلقة والغني والتام، لذا الحاجة التجديدية للعلوم التاريخية النقدية من اللوازم الأولى لتحقيق شرط التجاوز، وهذه التنحيات المركبة تقود مع التكريس والصبر إلى بلوغ الفرز المعرفي بين ما يمكن استيلاده وابتعاثه مما سبق، وبين ما كان خاضعا لشرطيات محددة من اللازم مبارحته، وهنا نؤكد على أن المنهجية الأركونية ليس عدمية تنظر للتراث الإسلامي بعين الرفض الكلي، وإنما اتسمت بنوع من التوقف إزاءه بقصد تثويره واستفزازه، ليستأنف دورته الإبداعية من جديد، وهنا تكمن الفوارق التأسيسية بينه وبين المستشرقين. فهو يريد أن يؤسس، وهم يريدون الفهم للسيطرة، أو إبراز التراثات المختلفة، كما تفعل حدائق الحيوانات والانثربولوجيات الكثيرة مع المختلف والغريب، للفرجة.

فمسعاه؛ الانخراط الإيجابي المثمر، في مقاربة التاريخ، وتوظيف العدة العلمية في تحقيق التجاوز المطلوب، ويتمتن ذلك ويتقوى حال يتم "...إخضاع الظاهرة الدينية كما الحداثة للتفحص النقدي، أعني التفحص النقدي لرهانات المعنى التي يزعمان امتلاكها وعلاقتها بإرادات الهيمنة التي تحوّل المعنى إلى نظام هيمنة وسيطرة..."([24]) وتتضح آليات تفعيل الهيمنات بما هي مستعملة للحقيقة، لا معبرة عنها، فيستعيد الوعي التاريخي، قيمته التحليلية والتفسيرية، بما هو ترياق مضاد للشموليات اللاغية لأهمية هذه الجهة على حساب الأخرى، فالحداثة بفتوحها ومنجزاتها، والدين بقيمه ورمزياته وذخيرته الروحية المتينة، بذلك فقط يمكن خلق المداخل المنهجية المركبة المولدة للمعرفة والمعنى المفتوح.

يقول: "إن مشروعي الفكري في نقد العقل الإسلامي يمثل جزءا لا يتجزأ من هذا البرنامج الطموح والجديد حقا والذي يهدف إلى تفكيك مناخين من الفكر وليس مناخا واحدا فقط. فليس المناخ الفكري العربي الإسلامي هو وحده المستهدف بالنقد أو التفكيك، وإنما المناخ الفكري الغربي أيضا. إني أهدف إلى تجاوز المنهجية الوصفية أو السردية هذا إن لم تكن التبجيلية أو النضالية-السياسية، والمتبعة من قبل كتابة التاريخ في كلتا الجهتين. إني أسلط أضواء المنهجية النقدية-التفكيكية على الممارسة التاريخية التي حصلت في الجهة العربية-الإسلامية كما في الجهة الأوروبية، المسيحية أولا ثم العلمانية ثانيا. فالنقد يشمل كل المسار التاريخي وليس جزءا منه فقط."([25]) فتبرز أهمية مشروع الإسلاميات التطبيقية، في منزعه التفكيكي العام، وقوته تظهر في استعماله للمكنات المنهجية من جهة، والمعطى القيمي من آخر فيتحقق له غرضه التصويبي الكلي، والقصد تبين أشكال المرض التاريخي في الضفتين، بين حدية قد تقود إلى علمانوية مغرقة في التاريخانية الجذرية، رافضة لكل القيم المعنوية والروحية المرتبطة بشكل ما بالأديان، وحدية ماضوية أخرى تدفع باتجاه أصولوية كاسحة متعالية منكرة للتاريخي وشرطيته، تخلق أجواء الصدام والتشاحن الشديد، وبذلك تفوت الحضارات فرص اللقاء تاريخيا، وتنعكس تلك الحالة على المعنى ونظامه، والمعرفة ورهاناتها.

ونجده يقر بأن طريقته "بحاجة إلى توسيع منهجي ونظري لكي ندرس التراث الإسلامي والمجتمعات التي انتشر فيها بشكل صحيح. وبالإضافة إلى هذه التوسعة المنهجية والابستمولوجية، نحن مطالبون بتلبية المطالب الجديدة للمجتمعات المغاربية...ثم شيئا فشيئا مطالب المجتمعات الإسلامية..."([26])  فنحن بذلك إزاء رهان مركب يتخطى المسعى الابستمولوجي، ليشمل العمل الثقافي المتعدي إلى شؤون الإنسان، المتصلة بالتنمية والنهوض الحضاري والتحديث بمتطلباته. ويكتمل المشروع النقدي حالما يصل "إلى تعرية آليات الفكر والممارسة السياسية المتبعة في المغرب الكبير منذ الاستقلال. أني أهدف إلى الكشف عن التوجهات المعرفية الضمنية أو المطموسة واللامفكر فيها للفكر والسياسة اللذين سادا بعد الاستقلال"([27]) فالتحرير المراهن عليه يتشكل من عمليات مترامية تتمرحل عبر أطوار تفكيكية، وتحليلية، ثم تركيبية في النهاية، تسبر عن تفاعلات المركز والهامش، في علاقة المهيمن على/ المهيمن عليه، ومنها إلى الدول الصغيرة، فالمجتمعات المتنوعة.

 فالإسلاميات التطبيقية بذلك، تتعدى هم فهم الذهنية بغية السيطرة عليها، بنزعة براغماتية، إلى  العمل على تفهمها بقصد تحريرها وتمتينها في قناعاتها وخياراتها التاريخية والحضارية.

إضافة إلى أن المنظور النقدي للعقل الاستطلاعي المنبثق في العصور الحديثة، يعنى بالحاضر الضاغط بهمومه، فإنه يتجه للتراث باعتماد عمليات تأمل وتحليل ودرس عميقة جدا، "...نحن نعتقد أن التفكير (بالمعنى الجذري والحقيقي للكلمة) بتراث الإسلام اليوم يعني استعادة ذات الهم الثقافي وذات الشرارة الفلسفية لكبار مفكري الماضي العربي الإسلامي المجيد. لقد حاول هؤلاء المفكرون أن يجعلوا ظاهرة الوحي مفهومة عقلانيا، وليست مفروضة اعتقاديا وتسليما. وفي الإسلام نجد أن أكثر المواقع تقدما فيما يخص هذه الناحية تتمثل بموقف المعتزلة الذين فكروا فعلا بالمكانة الأنطولوجية المعرفية لكلام الله"([28])  بوصفه المصدر الأول للحقيقة الإسلامية المراعية لظروف التاريخ، لا المتجاوزة له، وما ألح على المعتزلة-وربما على أركون فيما بعد- الظروف الواقعية التي تجعل من القول بمشروطية المعنى القرآني واتصاله بحياة الناس المتبدلة، من أهم المنطلقات التي تدخل العقل الإسلامي، إلى مضمار العلمية والشروع في الحركة التاريخية الحقيقية. "..ولهذا السبب بالذات أقول أنه ينبغي علينا استعادة الحركة التاريخية نفسها للمعتزلة من جديد، وذلك ضمن إطار المعقولية الحديثة التي تؤمنها لنا اليوم علوم الإنسان والمجتمع "([29]) هل تعني هذه العودة أن أركون؛ ماضوي النزعة؟ الرجل يقول بالقطيعة الإيجابية، وهذه سمة مشروعه، البحث عن ذرى التراث وتوظيفها في إطار السقف المعرفي لعصرنا، والإفادة منها، بما هي وسيط متوتر وخلاق بين الماضي وإمكانية انخراطه في الحاضر.

تعتمد المهام المناطة بالعقل الحديث، على وسائل كثيرة، منها إعادة كتابة التاريخ، والقيام بغربلة شديدة وحريصة، للفرز بين ما يرويه الرسميون، وما عيش بوصفه الحقيقي والواقعي، ولا يتأتى إلا باستدعاء المهمشين والمغبونين والمرفوضين، فيتيحون منظرا آخر للوقائع، وتصويرا مختلفا للعالم، فيفصح عن غنى وثروة ثقافية غير عادية، فيقدر بذلك على إعادة "تركيب المناخ العقلي، أو الصورة العقلية الحقيقية لكل فترة من فترات التاريخ العربي-الإسلامي وذلك عن طريق تخصيص مكان، وحتى لو كان ضيقا على سبيل الذكرى، لكل ما حذفه الفكر الرسمي الظافر، وجعله في دائرة المستحيل التفكير فيه"([30]ويمثل أركون لوقائع كثيرة أظهرها تجربة خلق القرآن ومحن العلماء المعتزلة إزاءها بعد الانقلاب السني الأشعري عليها في الفترة العباسية.

فمحور الإسلاميات التطبيقية، أو المقاربة المنهجية العملية للواقع العربي/الإسلامي، هو التفكير، بما "..تمثل عملية التفكير والتأمل (بالمعنى الجذري والنقدي للكلمة) بالتراث الإسلامي اليوم عملا عاجلا وضروريا من الناحية العقلية والفلسفية، ولكنه مزعزع من الناحية السياسية والثقافية وخطير من الناحية النفسية والاجتماعية. ذلك أننا لكي نقوم بذلك مضطرون لتعرية الوظائف الأيديولوجية والتلاعبات المعنوية والانقطاعات الثقافية والتناقضات العقلية التي تساهم في نزع الشرعية عما كان متصورا ومعاشا طيلة قرون وقرون بمثابة أنه التعبير الموثوق عن الإرادة الإلهية المتجلية في الوحي.

هذه هي المشكلة العويصة. أن نتأمل في التراث الإسلامي أو أن نفكر فيه فهذا يعني أن نخترق أو ننتهك (transgresser) المحرمات والممنوعات السائدة أمس واليوم. وننتهك الرقابة الاجتماعية التي تريد أن تبقى في دائرة المستحيل التفكير فيه (l’impensable) ..."([31]) نلاحظ أن العملية السابقة؛ مركبة جدا، وجذرية تماما، بحيث لا تكتفي بالوقوف عند أعتاب التناول الجزئي لقطاع من التراث، بما هو مضمون لمعرفة معينة، أو ميدان لعلم متخصص، بل تغلغل في أعماق المُشَكِّلات التأسيسية والمقالات التي عرفت الذات الإسلامية بالعالم في مثويات المعرفة وممارسات الشريعة الفقه في الحياة. "وللقيام بذلك، لا يمكننا الانطلاق من تحديد تيولوجي أو الاستناد عليه لأن الفكر الإسلامي كما رأينا قد غلّب سريعا جدا أطر المماحكة الجدالية على مسألة المحافظة على الفكر الجاد والتأمل المهتم كليا بتعميق الإيمان. من الضروري أن نخلق هنا شروط إمكانية وجود تيولوجيا جديدة للتراث. وعندئذ نجد أنفسنا مضطرين لسلوك الطرق والمناهج الراهنة للمعرفة التي افتتحتها علوم الإنسان والمجتمع"([32])

فهذا اللاهوت الجديد المقترح من أركون، سيكون بديلا عن اللاهوت القديم، بتحويل السجال من الدفاع إلى التأسيس بالنسبة لخطاب الحقيقة، وفرزه عن الهيمنات التي مورست ولا تزال باسم الرأسمال المركزي للثقافة الإسلامية، أي الوحي، القرآني والحديثي، من جهة السعي إلى "...تأسيس البحث على قاعدة المعطيات السيميائية الدلالية. سوف نفتتح بعدئذ الإضبارة التاريخية والسوسيولوجية (الاجتماعية) ولكن ضمن منظور أكثر اتساعا يخص انثربولوجيا التراث والحداثة. وعلى قاعدة المعلومات المتجمعة لدينا، يصبح من المشروع أن نتساءل عن المكانة الجديدة للموقف التيولوجي (اللاهوتي)"([33]

إنه مسعى حثيث لاجتثاث الأرضية القديمة التي قام عليها تأويل العالم وبناء المعرفة، ونجدنا أمام مشروعية جديدة، غرضها الأخير تحقيق الانعتاقة التاريخية المبتغاة، ولن تحصل إلا بمصادرة منهجية وعميقة للأدوات القديمة وخلفيتها الابستمولوجية المؤسسة، وإقحامها ضمن خارطة معرفية جديدة، مبناها ومعناها، من الناحية الابستمولوجية حديث تماما، وهذا الذي أقررناه من البداية؛ إنه مشروع دعواه المركزية الإفادة من الأدوات الحديثة. ولن يكون من مآل لهذا الطرح، سوى الدخول في نطاق "تحرير الفكر الإسلامي من دائرة التراث التكراري أو التراث الذي يعد إنتاج نفسه باستمرار. كما أنه من الضروري أن يتحرر من دائرة التراثات-الإكراهية من أجل تأسيس تراث قادر على الحفاظ على الخصوبة المتضمنة في التحديد التالي: ينقل لنا التراث أكثر من مجرد الأفكار القابلة للتشكل المنطقي. إنه يجسد حياة كاملة تشمل الفكر والعواطف والعقائد والمطامح والممارسات والأعمال...ويمكن للطاقة الفردية والجماعية من معينة دون أن تستنفده. ولذا فإنه يتضمن التواصل الروحي للنفوس التي تحس وتفكر وتريد في ظل وحدة المثال الوطني أو الديني نفسه. وهو لهذا السبب أيضا شرط من شروط التقدم ضمن مقياس أنه يتيح لبعض سبائك الحقيقة ...المرور من المجهول المعاش إلى حالة المعروف الصحيح"([34])

فيمكن في النهاية تثمين المنجزات الماضية، بالوصل معها، جزئيا، وهنا يظهر أركون من دعاة القطيعة الابستمولوجية النسبية والإيجابية، لا دعاة القطيعة الجذرية الكلية، التي تسف وتقول بتبسيط القوة عند الآخر، والضعف عندنا، فإذا أردنا اللحاق علينا أن نأخذ بمواطن التفوق عندهم كلية، ونجب ونقطع مع ما لدينا نهائيا، التراث كل يترك كليا، أما هو فيقارب المسألة من زاوية أن التراث يمثل شرط الوحدة والتلاقي والتلاحم، وضمانة البقاء في التاريخ، لأنه يتضمن القيم الموجهة التي شكلت للجماعة التاريخية وجودها ولحظتها التدشينية التأسيسية، لذا من غير المعقول الجب معه تماما، فهو في العمق "...يسبق كل توليفة تكوينية ويستمر في البقاء بعد كل تحليل نقدي استدلالي أو فكري عميق"([35])ففاعلية التراث تماثل التأثرات الأنطولوجية للكائنات، فهي منه، وبه، وفيه، يمكنها مراجعته ونقده، بل وزحزحة المكانات داخله وبعده، إلا أن الانفصال المطلق عنه مستحيل وغير ممكن.

رابعا- في دواعي الإسلامولوجيا التطبيقية:

من الدواعي الموجبة لتبني الإسلاميات التطبيقية، وتجاوز التراث الكلاسيكي للإسلاميات التقليدية، ما يلي:

·  تمكن الإسلام-وإن على المستوى العام-من استعادة زمام الحضور الفاعل، والتأثير في الوقائع والأحداث العالمية والمحلية بكيفية ما، ما يجعله ظاهرة من اللازم مقاربتها ودراستها. حضور بعضه بقصد أن يبرز عدوا واساسا في الصدام الحضاري، وتبرره نظرية صراع الحضارات، وأخرى بدعوى أن الصحوة ومحاولة الإفاقة التاريخية رمت به في أتون المواجه والتجاوب الحضاري مع العالم عموما، ومع الغرب خصوصا.

·  الانتقالات الحاصلة من شروط الابستيمية التقليدية القديمة، والشروع في الدخول إلى محاولة ممكنة لتبني ما يسمح بتخطي الطريقة القديمة في بناء المعرفة وتشكيلها، ومع أن الفكر الإسلامي في عمومه لا يزال واقعا تحت تأثير المنوال القديم، فهناك محاولات تسعى إلى بلوغ التحرر النهائي من سيطرة الشكل القديم والانفتاح على الجديد. ولم تعد منجزات الفكر الإسلامي النقدي خافية، فهي قد شرعت في تأسيس منهجية نظر جديدة، تستعين بنجاحات العلوم الإنسانية والغربية، وربما يمكن عد المشروع الأركوني من تلك.

·  لم يعد التعبير عن الظواهر مقصورا على المعارف التي تنتجها الأديان، سواء على نفسها، أو على الميادين الأخرى، فبعد فتوح العلم والفلسفة، أضحت الإجابات التي يشكلها الفكر الديني متخلفة ومتخطاة، فهنا نجد الإسلاميات التطبيقية تقر بدراسة الإسلام مثلا ضمن منظورين متساندين: "كفعالية علمية للفكر الإسلامي، ذلك أنها تريد أن تستبدل بالتراث الافتخاري والهجومي الطويل الذي ميز موقف الإسلام من الأديان الأخرى، الموقف المقارن.  كفعالية علمية متضامنة مع الفكر المعاصر كله"([36]تضامن منبثق عن حاجة تاريخية، من زاوية الهم المعرفي والقصد إلى تحليل مضامينه وفق المسلكية الجديدة التي انبثقت في العصور الحديثة، وأيضا لإمكانية منح الثقافة العالمية مادة معنوية وقيمية يزخر بها الإسلام، وهذا ما يؤهل الإسلاميات التطبيقية إلى تأدية دور التجسير التاريخي والحضاري بين ضفتي العالم القديم. أو على الأقل ستخلق اضطرارا للتواصل النقدي بين الجهتين، من ناحية بإيراد العدة النقدية والمنهجية من الفضاء الغربي، ومن ناحية ثانية بحقن هذه المنهجيات بالمتاح القيمي والمعنوي من الفضاء الإسلامي والشرقي، ربما ليبلغ الجميع من خلالها إلى تحقيق التجربة الحضارية الغنية المتشاركة التي لم يسبق لها نموذج في التاريخ.

·  فالإستراتيجية المركزية "... للإسلاميات التطبيقية تدرس الإسلام ضمن منظور المساهمة العامة لإنجاز الانثربولوجيا الدينية. كنت قد انخرطت، ضمن هذا الإطار المزدوج، منذ فترة في عملية إعادة قراءة القرآن. إن الأمر لا يتعلق بإضافة قراءة أخرى إلى كل تلك القراءات التي أثارها الكتاب الموحى، ما أريده فعلا، هو أن أثير في داخل الفكر الإسلامي تساؤلات مألوفة، فيما يخص الفكر المسيحي منذ وقت طويل. بعملنا هذا فإننا نخضع القرآن لمحك النقد التاريخي المقارن، وللتحليل الألسني التفكيكي، وللتأمل  الفلسفي المتعلق بإنتاج المعنى وتوسعاته وتحولاته وانهدامه. وإذ نشتغل موضوعا مركزيا كهذا، خاصا بالفكر الإسلامي، فإننا نأمل أن نسهم في الوقت نفسه بتجديد الفكر الديني بشكل عام."([37])

       وكأني بالعمل الأركوني يتم عبر مراحل منهجية، تبدأ بدرس المنجز المعرفي الحديث والمعاصر، ثم توظيفه في مقاربة النص الديني الموحى به، ومنه إلى الثقافة المنبثقة على ضفافه، ثم الرجوع إلى الأدوات والمنهجيات الأولى ونقدها أو الدفع بمضامينها إلى مستويات أخرى لم تكن بادية فيها من البداية، وبذلك يستفيد الفكر الديني من كل هذه العمليات المركبة، ويتطور وينخرط في مضمار الإجابة الممكنة والكفؤة للوعي البشري كله، فيسترجع مكانته الابستمولوجية ومن ثمة الحضارية.

·  الرهان السابق من الصعب بلوغه، إن لم تتمثل منهجية مركبة ومتعددة العناية، ومفتوحة على استجلاب كافة النجاحات المحققة عمليا في ميادينها ومجالاتها، "إن الإسلاميات التطبيقية هي ممارسة علمية متعددة الاختصاصات. وهذا ناتج عن اهتماماتها المعاصرة (فهي تريد أن تكون متضامنة مع نجاحات الفكر المعاصر ومخاطره) والمتطلبات الخاصة بموضوع دراستها...وهذا يعني انه ينبغي على  عالم الإسلاميات أن يكون مختصا بالألسنيات بشكل كامل، وليس فقط متطفلا على أحد أنواعها"([38]وما دام موضع الدرس هو الإسلام، من الضروري أن يحيط العالم بالشروط التاريخية لنشاته، والتشابكات السوسيوبسيكوثقافية التي أدت إلى تكونه وتطوره، ومن ثم الإحاطة بالمعطيات التاريخية، الأدبية، الثقافية، السياسية، الاقتصادية، وما إلى ذلك، كلها تدخل في العدة المنهجية والنظرية التي على عالم الإسلاميات أن يحيط بها، وعندها يمكنه أن يقول رأيا أو موقفا في شأن موضوعاته.

·  إن المهمة المركزية والعمل الأساسي الذي تنتدب الإسلاميات التطبيقية نفسها له، وبتجاوز الأطروحات التقليدية للإسلاميات الكلاسيكية، هو "...خلق الظروف الملائمة لممارسة فكر إسلامي محرر من المحرمات (tabous)، والميثولوجيا البالية، ومحررا من الأيديولوجيات الناشئة حديثا، فإننا سوف ننطلق من المشاكل الحاضرة، ومن الأسلوب الذي عولجت به هذه المشاكل في المجتمعات الإسلامية. نحدد بذلك نوعين أو قطبين من الاهتمامات التي تتموضع حولها مسائل علمية، ووسائل، واختيارات مرحلية، وأهداف نهائية، هما: القطب الذي يدعوه العرب بالتراث والذي ما انفك الوعي العربي الإسلامي عن الحنين إليه (أو ادعائه) حتى اليوم، والمدعو أحيانا بالعصر التأسيسي (الزمن المليء بالوحي-زمن السلف-النماذج) ثم قطب الحداثة"([39])  

وإذا تمكن الدارس من خلق التفاعل الخلاق المبدع في التداول بين الموضوعين، وخلق التواصلات المثمرة منهجيا وحضاريا بينهما، حالها يمكن القول بأن مشروع الإسلاميات التطبيقية قد تمكن من فتوح مهمة إزاء الدرس التراثي بإدخال المدونة المنهجية الحداثية إليه، وعندها نستطيع التقييم المتوازن لكل نتائجها وثمارها. فينكشف اللامفكر فيه، والمنسي والمقصي، والمخفي والمؤجل، وما إليها من مثويات التراث، وحقول لم تسلك بعد، وهنا تذكر الإسلاميات التطبيقية، أختها الكلاسيكية، بأنها معنية بالقيام بعمل نقدي إيجابي فعال، يفضي إلى أنه "...لم يعد ممكنا تقديم الإسلام بواسطة فرضيات جوهرية (substantialiste) وذاتية (essentialiste) وذهنية (mentaliste) وثقافية وتاريخية ومادية وبنيوية...إنه لن يعود هناك من مكان للحديث عن الإسلاميات التطبيقية، إذا ما تحملت الإسلاميات الكلاسيكية، بدورها، وبشكل تضامني، كل الصعوبات الحالية للمجتمعات العربية والإسلامية من جهة، ومخاطر ممارسة علمية هي الآن في أوج تجددها من جهة أخرى"([40])

·  تتأكد الجدوى المعرفية للإسلاميات التطبيقية، زيادة إلى رهاناتها السالفة، في كونها ليست مجرد عملية إجرائية جزئية، كمشرط الجراح، في شرط التراث ودرسه في ناحية منه، ذهولا عن العملية التاريخية الكلية والجذرية، التي تبغي خلق فضاء إسلامي، ومنه إنساني، تتحق فيه الاندماجات العامة والخاصة، ويستعيد الوعي ألقه، ومقدرته على خلق الثقافة الفعالة، المعطية لمقدرة ابستمولوجية استثنائية، وهنا لا "تعني القطيعة المعرفية الانفصال النهائي عن الماضي والتراث أو الدعوة لإهمال ما أنتجه القدماء من أفكار ومعارف ونظريات وفنون وأساليب؛ بل إن القطيعة نتيجة حتمية للتطور التاريخي العام في مجتمع ما أو بيئة معينة، وإما لأن البنيات الاجتماعية وأطر الإنتاج والسلطة والمعرفة انحلت وتفككت، وإما لأنها تضخمت وازدهرت وقفزت قفزات أبعد واكتسبت وسائل مالية وعلمية أغزر وأصلح...قطيعة تحدث..عندما تتغير نظرة العقل نفسه إلى المعرفة وطرق إدراكه للواقع وتعبيره عن تأويلاته لهذا الواقع..."([41])بل ودخوله في جدل تأليف الواقع وإنشائه، بدعم من ابستيمياته الجديدة، والشروع في خلق المجال الحيوي لحياة الأفكار وبقائها واستمراريتها، وحمايتها من لحظات الضعف والوهن، لما لديه من مقدرة نقدية تجاوزية متجددة ومجددة.

·  لا يقف المسعى النقدي للإسلاميات التطبيقية، وإطارها النظري التأسيسي؛ نقد العقل الإسلامي، عند حدود الإسلام، وإنما "نريد توسيع مشروع نقد العقل الإسلامي لكي يصل إلى العقل اللاهوتي عند أهل الكتاب، فيتحول مفهوم أهل الكتاب إلى المفهوم الانثربولوجي-التاريخي: مجتمعات أم الكتاب والكتاب؛ ثم إلى نقد العقل الديني حتى يحل الإسلام وتحل الأديان المنزلة محلها الحقيقي في ميدان التعرف الانثربولوجي على الأديان العالمية منها والمحلية الموسومة بالوثنية منذ أن انتصر العقل اللاهوتي المعتمد على سلطة الإمبراطورية...ويزداد المشروع اتساعا بنقد عقل الأنوار الذي فرضته أوروبا البورجوازية والرأسمالية كنموذج عالمي بديل للنموذج الديني.."([42])

خاتمة:

   يعلن أركون؛ أن مشروعه في الإسلاميات التطبيقية، هو تدشين لعهد دراسي جديد، يريد أن يحقق للثقافة الإسلامية عودة الألق الفكري والمنهجي، ويدفع بالوعي الإسلامي من جديد، ليضع بصمته الفلسفية بين فلسفات العالم المتاحة، ولا يضره أن يستفيد من الدرس الحداثي وما بعده، بل يجب عليه ذلك، خاصة بمراعاة ما يسميه "بالمنهجية التعددية لا الأحادية الجانب. لاأطبق منهجية واحدة على التراث الإسلامي، بل عدة منهجيات كالمنهجية الألسنية، والمنهجية التاريخية، والمنهجية الاجتماعية، والمنهجية الأنثربولوجية، وأخيرا التقييم الفلسفي العام أو الخلاصة النهائية. وهذا يعني أنني من أتباع الابستمولوجيا التعددية التاريخية: أقصد فلسفة المعرفة التعددية التاريخية، وبالتالي، لا يمكن حصري في مدرسة واحدة أو مذهب فكري واحد أو موقف واحد للعقل أو تيار واحد. بالطبع ولا يمكن حصري في حزب سياسي واحد، أو زاوية محددة، أو طريقة صوفية معينة، أو مذهب لا هوتي واحد، أو أرثوذوكسية دينية ما"([43])

  مع الأهمية التأسيسية لهذا المشروع إلا أننا لا ينبغي أن نغفل عن حقيقة ماثلة، وهي أنه استعان بمنظومات معرفية غربية، بعضها ينتمي للاستشراق الحديث، وأخرى تنتمي لأدوات ما بعد الحداثة، ما يجعل منطلقاته المنهجية مدينة بعمق للأساس الفلسفي للثقافة الغربية، التي لا يمكنها أن تقر للإسلام بمكان، إلا إذا استعمل ووظف في الصراعات، أو ينظر إليه على أنه مفتقد للشروط الثقافية والتاريخية القادرة على جعله موضوعا للدرس المعرفي الذي يعمل على تطويره كممارسة تاريخية. ومع ذلك يمكننا إدراج العمل الأركوني ضمن الخيار التجاوزي، لكنه بحاجة لتكملة منهجية، ومعرفية، في نطاق التأسيس للعقل المركب والفكر المعقد الذي يبني المعرفي بمنوال أن الثقافات فيها المشترك والمتقاطع، وفيها المتباين المستقل الذي يعطي لكل كيان تاريخي خصوصيته، طبعا الخصوصية التي لا تتضخم فتتحول إلى عقد تاريخية ومراكمات للعداوات التي تخلق التطرفات المختلفة، سواء نبعت من تجارب دينية أو علمانية.

 


 

(24) محمد أركون: 2011، نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية، ترجمة هاشم صالح، ط01،بيروت،  دار الساقي،ص 393.

([1]) الدكتور الحاج دواق، أستاذ فلسفة الدين، أستاذ محاضر أ، شعبة الفلسفة، قسم العلوم الاجتماعية، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة باتنة01.elhadj_1971@yahoo.frالهاتف:0663509968

(2) محمد أركون: 2013، التشكيل البشري للإسلام، (ترجمة هاشم صالح، ط01،  مؤسسة مؤمنون بلا حدود والمركز الثقافي العربي، الدار البيضاء.ص111.

(3) محمد أركون: 2009، نحو نقد العقل الإسلامي، ، ترجمة هاشم صالح، ط، 01، دار الطليعة،بيروت، ص 22.

(4) المصدر نفسه، ص 23.

(5) المصدر نفسه، ص 24.

(6) محمد أركون: 1998، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، ترجمة هاشم صالح ط03، دار الساقي، بيروت، ص 08.

(7) المصدر نفسه، ص 12.

(8) المصدرالسابق، ص 12.

(9) محمد أركون: نحو نقد العقل الإسلامي، مصدر سابق، ص 27.

(10) المصدر نفسه، ص 24..

(11) محمد أركون: الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، مصدر سابق، ص 251.

(12) المصدر نفسه، ص 267وما بعدها.

(13) محمد أركون: نحو تحرير للعقل الإسلامي، مصدر سابق، ص 83.

(14) محمد أركون: 2011، تحرير الوعي الإسلامي، نحو الخروج من السياجات الدوغمائية المغلقة، ترجمة هاشم صالح، ط 01، بيروت، دار الطليعة،  ص 60.

(15) المصدر السابق، ص 62.

(16) محمد أركون: تحرير الوعي الإسلامي، مصدر سابق، ص 63.

(17) محمد أركون وآخرون: 2000، الاستشراق بين دعاته ومعارضيه، ترجمة هاشم صالح، ، ط،02، دار الساقي، بيروت، ص 241.

(18) المصدر نفسه، ص 242-243.

(19) محمد أركون: 2011، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، ط04، بيروت، دار الساقي، ص 295.

(20) المصدر نفسه، ص 298.

(21) محمد أركون: 1998، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، ط03، بيروت، مركز الإنماء القومي والمركز الثقافي العربي، ،ص 53.

(22) محمد أركون: الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، مصدر سابق، ص 298.

(23) محمد أركون: 2001، الإسلام، أوروبا، الغرب. رهانات المعنى وإرادة الهيمنة، ترجمة هاشم صالح، ط02، بيروت، دار الساقي،  ص 09.

(24) محمد أركون: 2011، نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية، ترجمة هاشم صالح، ط01،بيروت،  دار الساقي،ص 393.

 

(25) المصدر نفسه، ص 11.

(26) المصدر نفسه، ص 23.

(27) محمد أركون: 2000، قضايا في فهم العقل الديني. كيف نفهم الإسلام اليوم؟ ترجمة هاشم صالح، ط02، بيروت، دار الطليعة، ، ص 30.

(28) المصدر نفسه، ص 35.

(29) المصدر نفسه، ص 37.

(30) محمد أركون: 2007، الإسلام والأخلاق والسياسة، ترجمة هاشم صالح، ط،01، بيروت، مركز الإنماء العربي، دار النهضة العربية،  ص 173-174.

(31) المصدر نفسه، ص 174.

(32) المصدر نفسه، ص 175.

(33) محمد أركون: 1996، الفكر الإسلامي، قراءة علمية، ترجمة هاشم صالح، ط،02، بيروت، مركز الإنماء القومي والمركز الثقافي العربي، ص 30-31.

(34) المصدر نفسه، ص 31.

(35) المصدر السابق، ص 31.

(36) المصدر نفسه، ص31.

(37) المصدر نفسه، ص 32.

 

(38) محمد أركون: تاريخية الفكر العربي الإسلامي، مصدر سابق، ص 56.

(39) المصدر السابق، ص 56.

(40) المصدر نفسه، ص 57.

(41) المصدر السابق، ص 58.

(42) المصدر نفسه، ص 61..

(43) محمد أركون: 2006، من فيصل التفرقة إلى فصل المقال، أين هو الفكر الإسلامي اليوم؟ ترجمة هاشم صالح، ط03، بيروت، ص 07من مقدمة الكاتب.

(44) المصدر نفسه، ص 17.

Pour citer ce document

الحاج دواق, «الاسلاميات التطبيقية ونقد الاستشراق الكلاسيكي عند محمد أركون»

[En ligne] مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales العدد 22 جوان 2016N°22 Juin 2016
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2016-11-10,
mis a jour le : 27/02/2017,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=1785.