إستراتيجية الإعلام في معالجة ظاهرة الإرهاب
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
08
09
10
11
12
13
14
15

العدد 22 جوان 2016 N°22 Juin 2016

إستراتيجية الإعلام في معالجة ظاهرة الإرهاب

رقية بوسنان
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

يحاول هذا البحث إبراز دور وسائل الإعلام في معالجة ظاهرة الإرهاب، ويهدف إلى وضع تصور استراتجي لهذه المعالجة من خلال عدة مستويات،الأول ما يتعلق بعرض الإسلام وتصحيح صورته من خلال التركيز على ،الشخصيات الفاعلة في المؤسسات الإعلامية العربية ، مؤسسات وسائل الإعلام المختلفة ، الجمهور المستهدف وحضوره في الساحة العالمية، الثاني: و يتعلقبالمعالجة الإعلامية  والمواجهة، ويركز على الإسهام في تكوين النسق المعرفي للمواطنإزاء الإرهاب والإرهابيين، و تكوين منظومة سلوكية تمكن المواطن من ترجمة معرفته بحقيقة الإرهاب و الإرهابيين،  وترسيخ ثقافة مضادة للإرهاب.

الكلمات المفتاحية: الاستراتيجية، وسائل الإعلام، المعالجة، الإرهاب.

Cette recherche essaye d’exposer le rôle joué par les médias dans le traitement du phénomène de terrorisme, elle a pour but de mettre une conception stratégique de ce traitement en passant par divers niveaux, le premier est relatif  à l’exposition de l’islam et le réajustement de son image en se basant sur les personnes actives dans les médias arabes, les différent médias et l’audience cible et sa présence au niveau mondial, le second est relatif au traitement médiatique et la confrontation, il accentue sur la contribution dans la formation d’un système cognitif du citoyen vis-à-vis le terrorisme et les terroristes, l’élaboration d’un système comportemental qui donne le citoyen une habilité d’exprimer ses connaissances relatives au terrorisme et terroristes  et  l’inculcation d’une culture antiterrorisme.  

Mots Clés:Stratégie, Médias, Traitement, Terrorisme.

This research tries to highlight the role played by the media in the treatment of the terrorism phenomenon, it aims to put a strategic concept for this treatment throughout several levels, the first one is related to the   display of Islam and repairing its image by focusing on the active individuals in the Arab medias, and the different media institutions, the target audience and its presence on the in the worldwide, the second one is about the media’s treatment and the confrontation, its focuses on the contribution in the formation of a cognitive layout for the citizen regarding terrorism and terrorists, the making of a behavior system to make the citizen able to expressing his knowledge of terrorism and terrorists and the fixation of antiterrorism culture.

Keywords:strategy, media, treatment, terrorism.

Quelques mots à propos de :  رقية بوسنان

استاذ محاضر أ جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية

مقدمة

يعتبر الإعلام سلطة قائمة بذاتها، تجاور مختلف السلطات في توجيه الرأي العام وتحديد موقفه من مختلف القضايا والمتغيرات التي تطرأ على الساحة العالمية، ويدير هذا الإعلام مؤسسات وأفراد ينتمون إلى إيديولوجيات مختلفة، وهم بذلك يتحكمون في المضامين والبرامج التي تذاع وتنشر، كما يتحكمون في طريقة التعامل مع المعلومات والقضايا عن طريق التدخل المباشر أو المستتر، هذا الإنتماء الإيديولوجي وفر سوقا حرة للأفكار والرؤى المختلفة والموجهة نحو قضايا وظواهر بعينها.

ومن الظواهر الهامة والتي باتت مسيطرة على الساحة العالمية ما يسمى بظاهرة الإرهاب، وتداعياتها الإنسانية والأخلاقية، والتي جذبت إليها كل وسائل الإعلام العالمية التقليدية، والحديثة، فلا تكاد تمر الدقائق إلا وتطالعنا هذه الوسائل على حجم الكوارث التي تخلفها الظاهرة من قتل وتفجير، واختطاف، وعدوان، وهي صور أضحت لغة يومية في كل مكان.

وتختلف الأسباب المؤدية للظاهرة وتتنوع، فهي إما أسباب اقتصادية، أو سياسية، أو دينية، أو إجتماعية أو هي مجتمعة معا، مما يستدعي ضرورة الوقوف عليها وتحليلها من جوانب مختلفة، وتجاوز الخلاف الاصطلاحي بين الدوائر السياسية والأمنية والقانونية التي تشرف عليها الدول الكبرى، أو حتى الدول العربية، فالعبرة بالمآلات السلبية والضارة للظاهرة التي هي في النهاية ضد الإنسان.

إن الخلاف الاصطلاحي، والازدواجية في تحديد منفذيها ومموليها، سوف يسهم في المزيد من انتشارها واستفحالها ولن يستثنى أي مجتمع من أضرارها مهما بلغت حجم قوته، فهي ومع تطور الوقت صارت "أميبا" ذلك الكائن البيولوجي الذي كلما قطعت جزءا منه تمدد وانتشر غير مبال بالقطع، هكذا هي ظاهرة الإرهاب، لا تعرف مكانا ولا زمانا ولا دينا، لأن قوتها في غموض من يقف وراءها فعليا.

وفي ظل هذا الوضع المتأزم والخلاف السائد، تقع المسؤولية الكبرى على وسائل الإعلام، باعتبارها فاعلا فيها، فعن طريق وسائطه تسوق صورها وتداعياتها والأزمات التي تترتب عليها، فجاءت الورقة لتوضح جانبا مهما من جوانب الوقوف على ظاهرة الإرهاب ومعالجتها والتصدي لها، فكان العنوان حول استراتيجية الإعلام في معالجة ظاهرة الإرهاب. ولاستيفاء عناصر العنوان تم وضع الخطة الآتية:

الإطار المنهجي

أولا: إشكالية الموضوع

ثانيا: أهمية موضوع الورقة

ثالثا: أهداف الموضوع

رابعا: ضبط المفاهيم

خامسا: منهج الورقة

المحور الأول: الإرهاب، نشأته، مفهومه ودوافعه

أولا: الإرهاب نشأته، ومفهومه

ثانيا: دوافع الإرهاب

المحور الثاني: المعالجة الإعلامية

أولا: أدبيات المعالجة الإعلامية.

ثانيا: إشكالات الإعلام في عدم القيام بالدور المفترض.

ثالثا: دور الإعلام في مواجهة الإرهاب.

1-       ما يتعلق بعرض الإسلام وتصحيح صورته.

2-       ما يتعلق بالمعالجة والمواجهة.

الإطار المنهجي

أولا: الإشكالية

شكل مصطلح الارهاب وآليات تنفيذه على مستوى الواقع، ومازال يشكل هاجسا معرفيا وأمنيا لكل دول العالم من غير استثناء وصار المصطلح وقضاياه حديث كل الدوائر المشتغلة في الشأن السياسي، والعسكري، والإعلامي وعبر تقاطع هذه الدوائر في محاولة مكافحة ومعالجة هذه الظاهرة، رأيت أن أكتب في هذا الموضوع انطلاقا من دائرة واحدة، هي دائرة الإعلام باعتبارها الأهم في التسويق له وبما يتعلق به من معطيات واقعية أليمة أحدثت وتحدث خللا معنويا وماديا في البنى الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، هذا التسويق الإعلامي للظاهرة العابرة للحدود والقارات، يعتريه الضعف والخطأ الجسيمين من حيث نقل المعلومات وعرضها ومعالجتها، كما يعتريه النقص والتقصير مما يجعلني أثير الانتباه إلى الحديث عن استراتيجية هذا الإعلام في معالجة هذه الظاهرة المرفوضة دينا وعقلا وإنسانيا.

ويعبر معنى الاستراتيجية عن مجموعة الخطط والأهداف التي يمكن للإعلام ان يعتمدها ويحققها على المستوى القريب، المتوسط، والبعيد، في إطار تعامله مع الظاهرة، فهو فضاء واسع تقوم وسائله المختلفة والمتعددة على نقل المعلومات الخاصة بالإرهاب والعمليات المتعلقة به ثم الأضرار الناجمة عنه، وضمن البرامج الكثيرة والمتعددة في الاتجاه والموقف، يتم معالجة الظاهرة من طرف مفكرين وباحثين وفاعلين سياسيين على مستوى عالي، وهذا ما نشهده خاصة في برامج إعلامية متخصصة وهامة جدا.

ولابد من الإشارة أن هناك أنموذجين في المشهد الإعلامي الذي يتموقع في العالمين العربي والإسلامي، فالإعلام القومي يقوم على اللغة والانتماء الجغرافي، ويخاطب جمهوره وفقا لهما، وهو ضرورة سياسية واجتماعية وثقافية، والإعلام الإسلامي يقوم في خطابه أو يستند إلى رسالة الإسلام الخالدة بخصائصها التي لا يختلف عليها أحد ويخاطب أيضا جمهورا قد يعرض عن الأول للإخفاقات التي سجلها على عدة مستوىات، ومنها مستوى القيم والمرجعية والهوية.

وانطلاقا من ضرورة التكامل بين الانموذجين، والتركيز على عرض الخطوات العملية التي يمكن أن تؤسس لما أسميته بالاستراتجية في معالجة الارهاب وتداعياته، طرحت التساؤل الرئيسي حول ما هي استراتيجية الإعلام العربي والإعلام الإسلامي في معالجة ظاهرة الإرهاب؟

ويتفرع عن التساؤل الرئيسي التساؤلات الآتية:

-   كيف عالج الاعلام ظاهرة الارهاب؟

-   ما هي الإشكالات التي تحول دون قيام الإعلام بمعالجة الظاهرة؟

-   ما هو دور الإعلام في محاربة الارهاب؟

ثانيا: أهمية البحث

تتحدد أهمية البحث بأهمية الموضوع المعالج، فالإرهاب ظاهرة ممتدة عبر الزمان والمكان وتختلف الفهوم حوله باختلاف وجهات النظر، فهو في المفهوم الإسلامي كفعل تصريفي ورد في القرآن الكريم لمواجهة أعداء الإسلام والإنسانية وهو غير ما تطلقه الدوائر الغربية في المجال السياسي والأمني والذي يأخذ طابع العنف والجريمة والقتل، ويصنف من خلاله الفاعلون فيه، وحتى المدافعون عن حقوقهم، ثم الإرهاب الذي تطلقه الدوائر العربية في المجالات نفسها لتتفق مع نظيرتها الغربية وتتحفظ في إطلاقه على المدافعين على حقوقهم بحسب العلاقات الدبلوماسية والاتفاقات السياسية، والإرهاب الذي تطلقه بعض الشخصيات العالمية من مفكرين غربيين او إسلاميين والذي يتحدد بالاستخدام المفرط للقوة من طرف الدول الكبرى ضد الدول المستضعفة.

كما تتحدد أهمية البحث بمدى اهتمام وسائل الإعلام بمعالجة هذه الظاهرة، والتي تتيح القدر الأكبر من المعلومات حولها والتسويق لها عبر البرامج المختلفة، وكيفية تناولها والتعامل معها، ثم المنظور والخلفية التي تنطلق منها وهي مهمة في تحديد المصطلح.

ومما يعزز هذه الأهمية طرح البعد الاستراتيجي في المجال الإعلامي لمعالجة الظاهرة التي تتفاقم بحسب الأجواء السياسية والاجتماعية والاقتصادية سواء داخل المجتمعات العربية والإسلامية أو داخل المجتمعات الغربية.

ثالثا: أهداف البحث

تتوخى الباحثة من خلال البحث تحقيق الأهداف الآتية:

-        تحديد المصطلحات وأهمها مصطلح الإرهاب الذي اختلفت الدوائر في توصيفه وتحديد هوية المسؤولين عنه نظير اختلاف الاستراتيجيات والسياسات الدولية، وعليه فإن ضبط هذا المصطلح يفيد في التخلص أو توحيد المفاهيم التي أراها ضرورية لمحاربة أو مواجهة الظاهرة.

-        توصيف البيئة أو الواقع الذي تستفحل فيه الظاهرة والذي يؤثر من قريب أو بعيد على المعالجة الإعلامية، وقد أسميتها بالإشكالات التي تعوق هذا الدور، وهي متنوعة في ظل المتغيرات الدولية وطبيعة العلاقات الدولية.

-        وضع تصور للخطوات العملية أو الدور الفعال لوسائل الإعلام والبرامج الإعلامية والسياسات الإعلامية في مواجهة الظاهرة وفقا لمستويات مختلفة، كالمرسل، والمستقبل والرسالة، وطبيعة الوسيلة، والهدف، وهي ما يسمى في لغة الإعلام والاتصال، بعناصر العملية الاعلامية.

رابعا: ضبط المفاهيم

-الاستراتيجية:ظهرت كمصطلح في المجال العسكري وتعني:" الخطط والوسائل التي تعالج الوضع الكلي للصراع من أجل تحقيق هدف السياسة"1، وغالبا ما تقترن الاستراتيجية بالأهداف البعيدة المدى، بمعنى أنها تتعلق بإعداد الخطط ذات الأهمية، أما تفاصيل الخطط فتسمى تكتيكات وعادة ما يكون المفهوم أقرب إلى الإجراءات منها إلى الخطة الذهنية.

ويرى ميشيل فوكو أن الاستراتيجية تستعمل عادة بثلاثة معاني:

-التدليل على اختيار الوسائل المستخرجة للوصول إلى غاية معينة والمقصود بذلك هو العقلانية المستخدمة لبلوغ هدف ما.

- التدليل على الطريقة التي يتصرف بها الفرد والمغايرة للطرق التي يتصرف بها الآخرون، بمعنى الاستئثار بطريقة جديدة للتأثير على الغير

-التدليل على مجمل الأساليب المستخدمة في مواجهة الخصم وإرغامه على الاستسلام2.

ويمكن تعريف الاستراتيجية على مستوى البحث بأنها السياسات والأساليب والخطط والمناهج التي تتبعها أي مؤسسة إعلامية، من أجل تحقيق الأهداف المسطرة في أقل وقت ممكن وبأقل جهد مبذول.

-الإعلام: كلمة مشاعة عرفها الكثير من الباحثين على أنها التزويد الهادف بالمعلومات وهي تعني إجرئيا مجموعة الخطط والسياسات والبرامج الإعلامية والوسائل المختلفة التي تتناول القضايا المختلفة المحلية منها والدولية.

-المعالجة الإعلامية3: هي عملية كشف اتجاهات واستراتيجيات وسائل الاعلام وما تتضمنه من برامج مختلفة تجاه قضية بعينها، وتعني على مستوى البحث ما تنشره وتذيعه وسائل الإعلام المختلفة من معلومات عن الإرهاب وما يتعلق به، مستخدمة جميع أنواع فنون التحرير الإعلامية من أخبار وتقارير وتحقيقات ومقالات واستطلاعات، يطغى عليها الجانب التحليلي للظاهرة واقتراح الحلول.

-الإرهاب:تتعدد مفاهيم الإرهاب إعلاميا وسياسيا وذلك باعتبار الجهة التي تعرفه، وسيتم التطرق للمصطلح بنوع من التفصيل في محور التعريف به، وأكتفي بذكر التعريف الذي أراه جامعا مانعا وغير متحيز لإيديولوجيا أو سياسة بعينها، فهو يعني: "القتل والاغتيال والتخريب والتدمير ونشر الشائعات والتهديد وصنوف الابتزاز والاعتداء وأي نوع يهدف إلى خدمة أغراض سياسية وإستراتيجية أو أي أنشطه أخري توفر جو من عدم الاستقرار والضغوط المتنوعة"4

خامسا: المنهج المتبع

تعتمد الباحثة في ورقتها المنهج الوصفي التحليلي الذي يهدف إلى جمع بيانات كافية عن الموضوع قيد البحث، وتحليل ما تم جمعه بطريقة موضوعية، وفي إطار هذا المنهج قامت الباحثة بالخطوات الآتية:

-جمع المادة العلمية حول الموضوع وتصنيفها إلى محاور ذات عناوين واضحة والالتزام قدر الإمكان بالبقاء في دائرة العنوان وعدم تجاووه.

-التركيز على الأدبيات التي تناولت بالدراسة ما يتعلق بالإعلام والإرهاب.

-استخدام تعميم النتائج لبعض الجزئيات أو الكليات التي وردت في المراجع التي وظفتها الباحثة.

المحور الأول: الإرهاب، النشأة والمفهوم

أولا: نشأة الإرهاب

الإرهاب ظاهرة قديمة نجد لها آثارا بارزة في تاريخ الأمم والشعوب، فهذه البرديات المصرية تخبر عن وقائع وأوجه الرعب والذعر والعنف الناجم عن صراع دموي بين أحزاب الكهنة وغيرهم من أفكار معينة، وعلى هذه الشاكلة ولأغراض مختلفة، رسم الإرهاب محطات عديدة من تاريخ الأمم انطلاقا من الثورة الفرنسية عام 1789م حيث اعتبرت غداة انطلاقها، الإرهاب نظام حكم، وترتب على حكومة الإرهاب ما أصبح يسمى بعهد الإرهاب الفرنسي5.

ونشوء الإرهاب كمصطلح ارتبط بالسياسة، ففي الخامس من سبتمبر 1933، ضم دير الرهبان اليعاقبة ممثلي ثمان وأربعين دائرة قرروا جميعا بأنه حان الوقت لإرهاب كل المتآمرين ومنذ تلك اللحظة وضع للرعب جدول أعمال، وأصبح لهذه الكلمة معنى جديد يتميز بأنه النظام الرسمي والمنهجي للحكومة، وبذلك خلق الإرهاب كنظام للرعب بواسطة التخويف والذعر ووصل إلى معناه terrorisme، بالمحتوى نفسه.

وتعاني جميع بلدان العالم من الإرهاب الذي بدأ التوغل في أعماق المجتمعات بصورة أو بأخرى بدءا من نهاية الحرب العالمية الثانية التي دفعت إلى ظهور الحركات اليسارية في أوروبا الغربية واليابان وفرنسا وإيطاليا وغيرها من البلدان نتيجة أفكار وإيديولوجيات تهدف إلى التغيير السياسي خاصة مع نهاية ستينات القرن العشرين التي شهدت نمو ظاهرة الإرهاب وامتداد تأثيراتها، ونمو الجماعات الإرهابية التي امتد نشاطها خارج حدودها الوطنية مما أدى إلى اتساع جغرافية الإرهاب فيما يعرف بالإرهاب الدولي، ويشهد العالم العربي تنامي هذه الظاهرة وتعدد جماعات العنف والإرهاب التي تهدف إلى زعزعة الأمن والاستقرار وانتشار الرعب والخوف في نفوس الأفراد وسقوط الألاف من الضحايا والأبرياء.

وهناك جدل قائم حول تعريف محدد للإرهاب يمكن أن يكون موضع اعتراف جميع دول العالم به، وذلك أن الاتفاقيات الدولية أو الإقليمية وكذلك التشريعات الجديدة تضيف كل يوم أفعالا جديدة تعدها ضمن أعمال الإرهاب وهو أمر يثير الجدل من وقت لآخر حول الحد الفاصل بين أعمال الإرهاب غير المشروعة وبين أعمال العنف التي تقع دفاعا عن الوطن والكرامة وحقوق الإنسان، وقد ظهر هذا الجدل في عدد من المناسبات في المحافل الدولية، فالإرهابي في نظر البعض هو الخارج عن الأعراف والقوانين عن طريق بث الرعب ونشر الخوف عن طريق القتل أو الخطف أو النهب أو السلب وهو في نظر البعض محارب من أجل الحرية6

لقد تأكد هذا المفهوم خاصة بعد أن اتسع نطاق الإرهاب في الوقت الراهن بعد 11سبتمبر2001، التي دفعت بالولايات المتحدة الأمريكية إلى تشكيل ائتلاف دولي لمكافحة الإرهاب حقق لها غطاء شرعيا للحرب على أفغانستان وإسقاط حكومة طالبان والاستمرار في مكافحة الإرهاب التي شكلت محورا أساسيا في إستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب على العراق، إذ دخل مصطلح الإرهاب إلى دائرة الضوء مرة أخرى واكتسب بعدا دوليا وأصبح محور الحديث في كافة وسائل الإعلام العربية والأجنبية ومحورا لتعليق السياسيين والمثقفين.7وتتزايد حدة طرح هذا المصطلح كلما لجأت الاطراف خاصة منها السياسية الرسمية أو المعارضة لاستخدام العنف والقتل والتهجير والاعتقال وهذا ما شهدناه ونشهده فيما يسمى بالثورات العربية التي حملت الكثير من الآلام للمجتمعات العربية وغيرها، ويدفعنا إلى إعادة النظر في استراتيجيات التغيير والتطوير وفقا لجميع الدوائر المستويات، السلطوية والاجتماعية.

وبالنظر إلى الاختلاف الموجود لتعريف الإرهاب وفقا للمعايير السياسية والقانونية والعسكرية ووفقا للإيديولوجيات والأنظمة السياسية، فقد سقت بعض المفاهيم التي توضح معناه، على الأقل على مستوى الورقة المقدمة، لأسجل الموقف المبدئي من المفاهيم التي تصف الجهاد والمقاومة والدفاع عن النفس بأنها فعل إرهابي وتبحث لها عن مسوغات لفرض سياسة الأمر الواقع نظير التفوق الذي حظيت به وفي غياب توزان القوى بين الدول. 

ثانيا: مفهوم الإرهاب

أشير أن بعض مفاهيم الإرهاب تتفق على أنه استخدام العنف من طرف أفراد أو جماعات، بأشكاله المختلفة وأعلاها القتل وبأساليب همجية، ومنها من أضاف البعد الدولي للإرهاب وهو ما يوصف بالاستعمار والاحتلال والعدوان على سيادة الدول، وبالمقابل تتباين بعض المفاهيم، ويرجع ذلك إلى التقسيم الحاصل بين الدول، قوية وضعيفة فقيرة وغنية، مستقلة ومستعمرة، وقد سقت البعض منها للدلالة على صحة التقديم للمفهوم.

عرفت اتفاقية جنيف لقمع ومعاقبة الإرهاب لعام 1937م، على أن الأعمال الإرهابية هي: "الأعمال الإجرامية الموجهة ضد دولة ما وتستهدف، أو يقصد بها، خلق حالة من الرعب في أذهان أشخاص معينين أو مجموعة من الأشخاص أو عموم الناس"8.

وعرفته وزارة الدفاع الأمريكية، 1983م: "الاستعمال أو التهديد بالاستعمال غير المشروع للقوة أو العنف من قبل منظمة ثورية"9. وفي 1986تم إعادة التعريف بحذف كلمة منظمة ثورية وصار التعريف الجديد هو "الاستعمال والتهديد بالاستعمال غير المشروع للقوة أو العنف ضد الأشخاص أو الأموال غالبا لتحقيق أهداف سياسية أو دينية أو عقائدية"10.

الملاحظ على التعريفات أنها لا تحدد الجهات المسؤولة عن الإرهاب، وإن كان قد أشارت وزارة الدفاع الامريكية إلى الفاعل في التعريف لسنة 1983، وهي أي منظمة ثورية والإشارة تظل غامضة، وبعدم تحديد الجهات المسئولة يظل هذا التعريف قاصرا جدا، لأن أشكال الإرهاب تتعدد، بالإضافة إلى إغفال الأسباب المؤدية للظاهرة والتي تغيب تقريبا في جميع التعريفات.

لكن مجموعة عدم الانحياز، وتداركا للارتباك الحاصل على مستوى المفهوم فقد تقدمت باقتراح يعرف شكل من أشكال الإرهاب وهو الإرهاب الدولي وعرفته على أنه "أعمال العنف والقمع والتي تمارسها الأنظمة الاستعمارية والعنصرية الأجنبية ضد الشعوب التي تكافح من أجل التحرير والحصول على حقها المشروع في تقرير الفاشية أو المرتزقة التي تمارس أعمالها الإرهابية ضد دول أخرى ذات سيادة، أو غض الطرف عن ممارسات هذه التنظيمات. ومن هذه الأفعال أيضا أعمال العنف التي يمارسها أفراد أو جماعات والتي تعرض للخطر حياة الأبرياء أو تنتهك الحريات السياسية، دون إخلال بالحقوق غير القابلة للتصرف في حق تقرير المصير والاستقلال لكل الشعوب الخاضعة لسيطرة الأنظمة الاستعمارية والعنصرية أو لأية أشكال أخرى من السيطرة الأجنبية أو لحقها المشروع في الكفاح، وعلى وجه الخصوص كفاح حركات التحرر الوطني طبقا لأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة"11.

لقد حررت مجموعة عدم الانحياز مفهوم الإرهاب من الفردية والجماعية وأعطت تعريفا نوعيا، وهي بذلك تكشف عن الممارسة الدولية للإرهاب تحت مسميات مغلفة، ولتضع الرأي العام الدولي والمؤسسات الدولية في موقف حرج من هذا الطرح الذي باتت تردده الشعوب المستضعفة، والشعوب التي تؤمن فعلا بالاستقلال والحرية.

لقد أحال هذا التعريف إلى الكشف عن ازدواجية المعايير التي تمارس ضد دول العالم الثالث وعلى رأسها الدول العربية التي تحولت بعض أنظمتها طوعا أو كرها إلى اللجوء للعنف ضد شعوبها، وتحولت الشعوب والمعارضة إلى كتل غضب تلجأ أيضا إلى العنف والتدمير كرد فعل مدروس وغير مدروس.

أما الاتفاقية العربية لعام 1998م، فقد عرفت الإرهاب في مادتها الأولي، الفقرة الثانية بأنه:"كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به أيا كانت بواعثه أو أغراضه، يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس، أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر، أو الحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة، أو احتلالها أو الاستيلاء عليها أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر"12.

بالنظر إلى هذا التعريف لم تضف الاتفاقية العربية شيئا لمفهوم الإرهاب مع أن بعض الدول العربية لا تزال ترنح تحت سعير الاحتلال أو العدوان أو الاعتداء على السيادة الوطنية، الشيء الذي يجعلها محرجة أثناء الدفاع عن مقوماتها وهويتها، وهذا هو الحاصل أو الواقع المشهود، حيث صارت الأصوات الدولية تحت غطاء مكافحة الإرهاب تنادي بالمساواة أمام المدافع عن حقه وأرضه مع المعتدي مهما كان جنسه أو لونه أو دينه، وباتت قيم هذه الدول على المحك.

يمكن القول بعد عرض هذه التعريفات المنتقاة من العشرات التي أوضحت مصطلح الإرهاب، أنها تختلف باختلاف القيم التي تحكم الأنظمة وشعوبها، فالإرهاب عند الدول القوية التي تقود العالم، هو كل عمل يهدد استقرارها ومصالحها داخل أراضيها أو خارجها ويهدد قيمها وفلسفاتها القائمة، بينما هو عند الدول المستضعفة مصطلح مرتبك في ظل التغيرات المتسارعة التي جعلت من الدين أو التدين سمة لصيقة بها.

ثانيا: دوافع الإرهاب

أشرت في إطار المفهوم أن الإرهاب له أشكال متعددة، منه ما يمارسه الاشخاص منفردين، ومنه من تمارسه الجماعات المتطرفة، ومنه من تمارسه الدول تحت غطاء الشرعية وحقوق الإنسان، وبتعدد هذه الأشكال تعددت الدوافع والأسباب التي أدت إلى استفحال الظاهرة وطغيانها، وهي مصنفة بحسب الدراسات المتعددة، إلى الدوافع الدينية، الدوافع السياسية، الدوافع الاقتصادية، والدوافع الاجتماعية، وبعيدا عن التصنيفات والشرح المخصص لها، ارتأيت على عجالة أن أوضح بعض الإشكالات المتعلقة بها.

-                        "تنامي مشاعر الانتماء الطائفي والقبلي وحتى الفكري أدى إلى ولادة موجة عارمة من مشاعر الولاء والتعصب بمستوياته المختلفة، فأغلب المجتمعات العربية يعيش تحت تأثير موجة من القيم التعصبية، والتمييز الطائفي والإقليمي والعشائري والعرقي والإيديولوجي الذي ينخر عظام الوجود الإنساني في الحياة العربية الإسلامية المعاصرة وفي غمرة هذا النمو الكبير لهذه الو لاءات الضيقة بدأ الإنسان المعاصر يتعرض لكل أشكال الاضطهاد والتمييز والتسلط ويعاني مختلف ألوان التعصب والقهر"13وحتى القتل، هذا الانقسام أضعف نسيج العالم الإسلامي في بعض الدول وشكل تحديا كبيرا يصعب تجاوزه ونحن في القرن الواحد والعشرين نعيش مخاطره، في العراق، والبحرين، وسوريا، ومصر،...وقد تتولد انقسامات أخرى في الدول المتبقية.

-                        التحامل على الإسلام من طرف بعض الدوائر الغربية السياسية والثقافية، يؤكد ذلك الجابري "على أن الغرب يشن حربا حضارية باردة على الإسلام فثمة خواف غير مبرر حيث يجري تصوير الإسلام على أنه الخطر الأخضر يمتد على طول رقعة جغرافية وحضارة واسعة من الفلبين واندونيسيا شرقا إلى مجاهل أسيا شمالا إلى جنوب الصحراء الكبرى في إفريقيا،و الإسلام كآخر يعني في الوقت نفسه العرب بوصفهم مصدر تهديد محتمل بقطع النفط على الغرب ويضم المهاجرين بوصفهم مصدر تهديد محتمل على مستوى الترتيب السكاني لأوروبا كما يضم الإرهاب بوصفه التهديد الأكثر مباشرة للغرب ومصالحه"14.

-                        استخدام القوى الكبرى لمعايير مزدوجة في التعامل مع الشعوب، لتعميم نمط سياسي معين، وما تجليات العولمة السياسية في الاعتداء على سيادة الدول، والعدوان على بعضها، وتدمير البنى التحتية وإضعاف اقتصادها وتشريد مواطنيها وتهجيرهم، من شأنه أن يفتح جروحا لا تندمل، فيسلك هؤلاء مسالك العنف ويطرقون باب الجهاد الذي تدعو إليه منظمات غير معروفة الهوية، أو باسم هذه الفريضة ترتكب الأفعال الشنيعة التي تصل إلى درجة الهوس في القتل وإثارة الرعب.

-                        انتشار الفقر والبطالة وتراجع فرص العمل أمام الملايين من اليد العاملة، التي تستثمرها الجهات المتطرفة للقيام بأعمال العنف كمصدر لتوفير الربح المادي وتحصيل الرزق، بدل السعي الحثيث للكسب الشرعي.

-                        تعسف السلطات بحق مواطنيها، والفساد السياسي الذي يستشري داخل المؤسسات الحكومية والوطنية، من سرقة ونهب للأموال العامة، وبيروقراطية وممارسة القهر وسياسة الاستعلاء، وطغيان المصلحة الخاصة، والاقصاء الممارس ولنقل عدم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وكلها تساهم في إضعاف ثقة المواطن بالمسئولين والقائمين على شؤونه، والذي يغتنم أي فرصة تحت مسمى التغيير والاحتجاج والمطالبة بالحقوق ليقوم بردود أفعال تتحول إلى عنف وجريمة مع مرور الزمن.

-                        فوضى الفتوى أو غياب المرجعية الدينية الموحدة، عن الساحة السياسية العربية والإسلامية التي تعج بالفتن والاضطرابات والانقسام العرقي والمذهبي الذي جر الويلات على المناطق المنتشر فيها، وباسمه تقترف الجرائم والمذابح والاغتيالات وتحت غطاء الدين.

-                        نقص الوعي الديني لدى المهتمين بفريضة الجهاد، والحماس العاطفي لقتال المخالف في العقيدة والمنهج، الشيئ الذي خلق بيئات متردية تستثمر فيها طاقات الشباب بشكل سلبي، فالمشاهد التي تطالعنا بها وسائل الإعلام سواء كانت حقيقية أو مفتعله يظهر في الشباب إما معتدي أو معتدى عليه وهو جنوح واضح وجريمة بحق هؤلاء الذين تخلى عنهم المجتمع بمختلف مؤسساته فانقلبوا من فاعلين ومنتجين ومصليحن إلى أدوات تهدد استقراره. 

-                        تراجع الأسرة عن دورها التربوي باعتبار التغيرات المتسارعة التي طرأت على المجتمعات العربية والإسلامية، والتي أفقدت بعض القيم لدى الأسرة في تنشئتها لأبنائها وأفرادها، وباتت الدور أسير محيط اجتماعي تنتشر في مظاهر العنف والجريمة والاعتداء بأشكاله المختلفة، وأسير فوضى أخلاقية وسلوكية وإن كان الكلام ليس على إطلاقه، لكنها مظاهر تؤرق الإنسان السوي وتقض مضجعه.

-                        فرض قيم ثقافات استهلاكية، تبعد الفرد المسلم عن منظومة قيمه والتمسك بها، والارتباط العاطفي والإشباعي بغيرها، فانتشار الثقافة المختلفة عبر وسائل الاعلام التقليدية والحديثة، أحدث اهتزازا واضحا في البنية المعرفية السلوكية للفرد، وسحب هويته الأصيلة إلى هويات مخالفة، فانجر على ذلك اللامبالاة وضعف الإنتماء للوطن والدفاع عنه، والشعار هو المغلوب مولع بتقليد الغالب على حد قول ابن خلدون.

المحور الثالث: المعالجة الإعلامية لقضايا الإرهاب

أولا: عرض الأدبيات الخاصة بالمعالجة الإعلامية

لقد أصبح الإرهاب ظاهرة إعلامية تجتاح معظم مناطق العالم بدرجات متفاوتة، حيث تطالعنا وسائل الإعلام بوقوع العديد من أحداث العنف والإرهاب التي تزايدت خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي، وتتمثل الاختلافات بين حجم الظاهرة في المجتمعات المختلفة في الأسباب المؤدية لها من جهة وشدتها من جهة أخرى.

وتلعب وسائل الإعلام دورا بارزا ومهما في تشكيل معارف الجمهور حول القضايا والأحداث والظواهر ولا سيما وقت الأزمات، إذ تزداد درجة الاعتماد على هذه الوسائل وقت الأزمات من كوارث وصراعات وحروب، وهي بذلك تخلق معان ثابتة للأحداث وتوجد تفسيرات مناسبة لها لما تثيره من عنف ومفاجأة واضطراب للمعايير والقيم المستقرة بالمجتمع.

وتؤكد نتائج الدراسات المسحية أن هناك علاقة بين التعرض لقضايا الإرهاب في المواد التي تقدمها وسائل الإعلام وبين إدراك الرأي العام لهذه القضايا وتقييمه لها وللسياسات التي يقترحها صناع القرار لمواجهة هذه القضايا ومن ثمة خلق رأي عام مستنير قادر على دعم حكوماته وصناع القرار في المجتمع لاتخاذ السياسات الملائمة للتصدي لهذه الظاهرة، ومن هنا أثير الجدل وأثيرت المناقشات في وسائل الإعلام حول مفهوم الإرهاب  وماهية الأطراف الإرهابية وتعددت التفسيرات لمفهوم العنف السياسي، والفرق بين الإرهاب والمقاومة و غيرها من المفاهيم المرتبطة بالإرهاب وذهبت بعض الدراسات إلى أن وسائل الإعلام في تغطيتها للأحداث الإرهابية قد تشجع أو تروج لأفكار الإرهابيين ولا تكون مجرد حركة عاكسة لما يجري من أحداث إرهابية، وبذلك تنامت دراسات تحليل مضمون الرسالة الإخبارية والموضوعات المتعلقة بالإرهاب والتفسيرات والتحليلات المفتاحية للحقائق المقدمة في هذه الرسائل.

هناك عدة دراسات*تناولت دور وسائل الإعلام في التصدي لظاهرة الإرهاب، وأهمية وسائل الإعلام في تغطية هذه الظاهرة ودرجة اعتماد الجمهور عليها في فهمها وهي دراسات غربية وعربية تؤكد كلها على الارتباط الإيجابي بين تغطية وسائل الإعلام للأحداث الإرهابية وبين إدراك الرأي العام لخطورة نتائجها، فبخصوص الدراسات التحليلية فقد اختلفت نتائجها من دراسة إلى أخرى وبحسب وسيلة الإعلام المغطية للحدث، ففيها من أصل للفكر الإرهابي وتتبع أسباب وجذور المشكلة وربط الأعمال الإرهابي بالمناخ السياسي، ومنها من اكتفى بتغطية لم تحظ بنسب كافية من الاهتمام، وأكدت بعض الدراسات على عدم وجود الدقة في المعلومات وغياب الخلفية التفسيرية وافتقار التغطية إلى عنصر الشمول والمعالجة.16

بالإضافة إلى عدم وجود مرجعية إعلامية أمنية يمكن الرجوع إليها لنشر المعلومات مما أدى اعتماد الصحفيين والإعلاميين على معلومات مجزأة وغير دقيقة، وغياب الرؤية الإعلامية الواضحة تجاه ما يقتضيه التعامل مع قضايا الإرهاب وتضييق هامش التعبير المتاح في تناول الأحداث بالإضافة إلى عدم وجود كوادر مؤهلة ومدربة على التغطية الإعلامية للأحداث الإرهابية، ونقص الإعتمادات المالية للإنفاق على التعامل الإعلامي الرسمي مع قضايا الإرهاب.17

وأضافت بعض الدراسات*أن وسائل الإعلام تعمل على نشر الإرهاب وتساعد على تكراره، وهي في هذا النشر تشبه عدوى الأمراض، كما أن التغطية الإعلامية المتواصلة للأنشطة الإرهابية وعرض مواقف أصحابها قد عزز الاستخدام المتداول لأساليب العنف والاغتيال، وسهل على الحركات الإرهابية تمرير خطابها،18ومع أن فرضية العدوى غير قابلة للتحقيق كلية على الأقل فيما يتعلق بالأفراد المدفوعين عقائديا، إلا أن القلق بسبب هذا التأثير المعدي قد عبر عنه مرارا وتكرار وأن النظرية تحتفظ بقدر من المعقولية التي يقرها الحدس. ولقيت فكرة أن وسائل الإعلام تنقل عدوى الإرهاب ترحيبا واسعا وهي تستخدم المرة تلو الأخرى لتبرير الجهود التي تبدل لإدخال تغييرات على التغطية الإعلامية وإحداث نوع من الانضباط الذاتي أو فرض نوع من القيود الحكومية، وتنامت طوال عقود ماضية الأدبيات التي تربط وسائل الإعلام بالإرهاب وتوحي بأنها ناقل لهذا العنف، ولكن عندما يحلل الباحث تلك الأدبيات بدقة يجد أنها لا تتضمن دليلا موثوقا على أن وسائل الإعلام هي عامل مهم في التسبب بالأعمال الإرهابية ونشرها19.

وتنطلق الآراء الداعية إلى وجوب قيام مختلف وسائل الإعلام في المجتمع لتغطية قضايا الإرهاب ومعالجتها والتوعية بمخاطرها المختلفة على أمن واستقرار الأفراد والمجتمعات والأمم، فتغطية الأزمات والأحداث الطارئة ليس حكرا على وظائف العلاقات العامة 20بل هي مسؤولية وسائل الإعلام برمتها سواء كانت حكومية أو خاصة، بل الأولى أهم لأنها تعمل في ظل أنظمة المفترض فيها أن تكون كل أجهزتها متناسقة متعاونة، الأمنية منها والسياسية والاقتصادية وكل لها دور محدد في مكافحة ومعالجة قضايا الإرهاب.

"ومع ذلك فإن الإسهام الإيجابي لوسائل الإعلام الرسمية والخاصة في التعامل مع قضايا في المجتمع ترتبط بمدى وجود إستراتيجية واضحة تعتمد على الأهداف المرحلية والمتوسطة والطويلة للتعامل مع قضايا الإرهاب، وترصد الدراسات بعض التغيرات التي تقلل من قدرة الجهود على تحقيق التأثير، كالافتقار إلى المهنية في التعامل مع الأحداث، والجنوح إلى المبالغة في تقديم صورة إيجابية للمواجهة التي تقوم بها أجهزة الإعلام الرسمية في احتواء الأحداث الإرهابية".21

إن ما يجعل الخطاب الإعلامي ملتبس أحيانا يعود لكونه عرضة لضغط السياسيين الذين يتهيبون من أن تكون الصحافة حرة، لأنها ستساهم فعلا في مقاومة وفضح الإرهاب الحقيقي والذي قد يرد تهمة الإرهاب إلى أولئك السياسيين أنفسهم أو بعضهم، ولا يختلف الأمر كثيرا بين وسيلة إعلام وأخرى في طبيعة التعامل مع قضايا العنف في العلاقات الدولية أو صراع الحضارات أو غيرها قدر ما يختلف نسبيا في الدرجة ، فالتلفزة أكثر لا مبالاة بهذه الأطروحات بينما لا تتعامل معها الدوريات إلا من باب الموسمية في حين لا تعرض لها الصحافة واسعة الانتشار إلا حينما تفرضها الأحداث أو يستجد ما يبرر إفراد ملحق لها أو أكثر22.

لا شك أن العالم يعاني من مشكلة الإرهاب وقد جاء في إعلان المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب الذي انتظمت فعاليته بالمملكة العربية السعودية التأكيد على أهمية أن تقوم وسائل الإعلام بدور مهم في أي إستراتيجية للتصدي لدعاية الإرهابيين مع وضع قواعد إرشادية للتقارير الإعلامية والصحافية فيما يحول دون استفادة الإرهابيين من الاتصال أو التجنيد.23

ويحتدم النقاش حول تناول الإعلام لقضايا الإرهاب والعمليات الإرهابية، وحول ما إذا كان هذا التناول يترك آثارا سلبية أم إيجابية على واقع الجريمة والانحراف في المجتمع، وقد برزت في ذلك السجال ثلاثة مواقف رئيسية:

الأول: يتركز في أوساط الجهات الأمنية والتربوية وبعض منظمات المجتمع المدني، ويرى أن التغطية التي تقدمها وسائل الإعلام لقضايا العنف والجريمة والانحراف تؤدي بالتأكيد إلى ترسيخ الجريمة وانتشارها في المجتمع وبالتالي فإن وسائل الإعلام تقوم بدور تخريبي مدمر نظرا لأن بعضها قد تحول إلى سبب من أسباب انتشار الجريمة، وخاصة في أوساط المراهقين.

الثاني: يتركز في كثير من مراكز الأبحاث والأوساط الأكاديمية، ويرى أن التغطية التي تقدمها وسائل الإعلام لمظاهر العنف والإجرام تنشر ثقافة أمنية تسهم تراكميا في تحصين الفرد والمجتمع ضدها، وأنها في حقيقة الأمر تقوم وبطريقة بارعة بشكل مهم من أشكال الضبط الاجتماعي والتفريغ النفسي.

الثالث: تمثلها بعض الدراسات المتعلقة بدراسة العلاقة السببية بين الصور الذهنية وبين الآثار، والتي انتهت بمجملها إلى تأكيد انعدام الصلة بين العنف الذي يظهر على الشاشة وبين الحياة الواقعية، ومع ظهور تفاقم الظاهرة بعد 11/09/2011، وتعاظم دور الإعلام، أثير الموضوع من جديد وظهرت المواقف نفسها.24

إن هذا الاختلاف في المواقف يحيل إلى التساؤل، هل يجب أن تقوم وسائل الإعلام بالتغطية الإعلامية وتخصيص برامج تحليلية لظاهرة الإرهاب أم يجب عليها المقاطعة؟، وهو تساؤل مشروع لتيار يرى أنه على وسائل الإعلام أن تقوم بتغطية مسئولة ومتوازنة لقضايا الإرهاب التي تتابعها الجماهير الغفيرة، والتي تبدل فيها الجهود الدولية لمكافحتها ومع هذا يبقى الإشكال قائما.

ثانيا: إشكالية الإعلام والدور غير المتحقق لمواجهة الإرهاب

إن الإشكالات المثارة تحد من فاعلية الإعلام في معالجة الإرهاب فكرا وممارسة، فالإعلام العربي في مضامينه ووسائله المختلفة ينتمي إلى بيئة متنوعة في اللغة والعرق، وحتى الدين، وهي عوامل باتت تؤثر سلبيا على تعامله مع الظاهرة وهذه الإشكالات هي:

- يعاني الإعلام العالمي عموما والعربي خصوصا من أزمة الحضور والانتماء، فهو إما تابع إلى أنظمة سلطوية، أوليبرالية، أو اشتراكية تؤثر وتحول دون تقديم مضامين إعلامية موحدة في معالجة الأحداث والقضايا والظواهر وعلى رأسها الإرهاب، هذا الاختلاف شتت قدرات وسائل الإعلام في احتواء الظاهرة وأسبابها ومنطلقاتها وهويتها، ففي بعض الوسائل تصبح المقاومة وحق الدفاع عن الأرض والمقدس إرهابا، وفي بعضها يتحول الإرهابيون إلى أفراد جهاديين ينتصرون للقيم التي يعتقدونها، وأما البعض الآخر فيتخذ سياسة الحياد والصمت، لأنه مرتبك بين الاتجاهين.

- هناك تباين حاد بين وسائل الإعلام في معالجة القضايا المختلفة وخاصة القضايا الساخنة، خاصة في المناطق التي تتمركز بها عرقيات مختلفة، تسيطر فيه الطائفة المدعومة سياسيا وتمارس الإرهاب ضد الطوائف الأخرى، كحال العراق، وسوريا، واليمن، مما يجعلنا نؤكد على عصر الإعلام الطائفي الذي يؤجج مظاهر القتل والعنف بدل إخمادها.

- تختلف القيم الإعلامية بين وسائل الإعلام المختلفة، وكلها تدعي أنها تملك الحقيقة والصدق، وأنها تعالج الأحداث بموضوعية وحياد، فتضيع بذلك المهنية والحرفية، الشيء الذي يؤثر على إدراك المتلقى واتجاهه وموقفه من المعلومات المقدمة.

- تسيطر على وسائل الإعلام إجمالا جهات سياسية وأخرى اقتصادية تتعامل مع المعلومات وفقا لمصالحها الشخصية وإيديولوجياتها المختلفة، مما يؤثر على طبيعة المعلومات المقدمة والهدف منها.

- يواجه القائمون على وسائل الإعلام ضغوطات مختلفة ابتداء من الضغوط المهنية إلى السياسية والقانونية تحول دون متابع الظاهرة بشكل إيجابي، كما يتعرض الإعلاميون عادة إلى التصفية الجسدية من جهات مختلفة تحرص على عدم إظهار الحقيقة.

- يتيح الانفجار التكنولوجي ووسائط الإعلام مجالا رحبا للجهات الإرهابية للنشاط الإعلامي والتسويق لأفكارها، وكسب تأييد بعض المتعاطفين أو الناقمين على الأوضاع المزرية التي تنتشر في العالم العربي والاسلامي، ويشتغل هؤولاء وفقا للتقنيات المعاصرة بأريحية تامة بعيدا عن الرقابة والتوجيه. تشير بعض الأبحاث إلى الدور الهام الذي  يقوم به الإلكتروني في التسويق للنشاط الإرهابي عبر الزمكان وباستغلال جميع التقنيات التي يتوفر عليها، فقد أصبح هذا النوع مرتعا لنشر أفكار التطرف والعنف وليس ببعيد لا حظنا أشكال القتل والإعدام التي تمارسها بعض التنظيمات وإتقان طريقة الإخراج في العرض والتصوير الشيئ الذي خلق هلعا جماهيريا وخوفا مبررا من انتشار هذه الظاهرة التي تتداخل في نشأتها كل العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، "وأشار كتاب GlobaleTerrorism and New Media، إلى أن هناك أكثر من 6000شبكة في نهاية 2008، تابعة لما يوصف بالمنظمات الإرهابية وكان السبق لتنظيم القاعدة"25.

- عدم التوافق الدولي وحتى العربي على إعطاء تصور واضح ودقيق لظاهرة الإرهاب، انعكس على طبيعة المعالجة الإعلامية، فالتحالفات العربية العربية غير واضحة، والتحالفات الغربية العربية تتوقف على الاتفاقات التي تجمع بينها، مما يجعل الدول العربية في حالة ضعف لتوضيح موقفها ومفهومها الخاص. 

- يبدو أن وسائل الإعلام تعمل ضمن بيئة تعاني ظروفا ومآسي في كل المستويات، حيث تركن الدول العربية في مصف الدول المتخلفة اقتصاديا ومعرفيا، ولاتزال وسائل الإعلام تعيش عالة على ما يصدره لها الغرب من برامج متعددة المضامين والتي تضر بقيمها ومرجعيتها الأصيلة.

- ثورة الشعوب والمعارضة ضد السلطات الحاكمة، وسع من انتشار الظاهرة بشكل مريع ومرعب، أضر بالبنى التحتية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية في بعض الدول التي صارت حدودها منافذ لترويج وبيع أنواع الأسلحة والمواد الكيميائية مما ينذر بفوضى السلاح وامتلاكه واستخدامه بطرق غير مشروعه أو شرعية.

ثالثا: استراتيجيةالإعلام في مواجهة الإرهاب ومحاربته.

يذهب بعض الباحثين إلى أن صدى الإرهاب في وسائل الإعلام يعتبر عنصرا بنائيا في النشاط الإرهابي فوسائل الإعلام تعد بمثابة أوكسجين ينعش الفعل الإرهابي عبر الإعلام عنه ونشره، وكلما كان هذا النشاط عنيفا وداميا فإنه يحظى بتغطية إعلامية واسعة، مما يجعله يتحول من فعل إرهابي إلى اتصال سياسي يتملك مضامين الرسالة الإعلامية26، وعليه فمسؤوليتها في كيفية عرض هذه القضايا كبيرة والمتوقعمن وسائل الإعلام الجماهيرية القيام بدور فعال في مواجهة الإرهاب للاعتبارات الآتية:

-الانتشار الهائل لوسائل الإعلام وتخطي حدود الزمان والمكان من الجغرافيا المحلية إلى الجغرافيا الكونية

-تنوع الوسائل والرسائل الإعلامية وتوجيهها إلى الفئات الاجتماعية الواسعة والمختلفة وقدرتها على جدب انتباهها والتأثير على اتجاهاتها.

-غزارة تدفق المعلومات على مدار اليوم حول القضايا والأزمات الشائكة وتنويع أساليب الخطاب والإقناع.

وفي ضوء الاعتبارات المذكورة يمكن لوسائل الإعلام التنويع في أداء الأدوار ضمن خطة متكاملة وواضحة إحداها تتعلق بعرض الإسلام وتصحيح صورته، والثانية تتعلق بمعالجة ومواجهة هذه الظاهرة:

1-                      ما يتعلق بعرض الإسلام وتصحيح صورته

ومبرر طرح هذه الاستراتيجية هو تبرئة الإسلام من كل أحداث العنف والقتل التي تنسب إليه، باعتباره دين سلم وسلام، فرأيت أن تبرئته تقع على عاتق وسائل الإعلام بتقديم الصورة الصحيحة ومسح ما يشوبه من تشويه متعمد وغير متعمد.

ولأن التشويه حاصل في وسائل الإعلام الغربية ويزداد تفاقما مع تقدم هذه الوسائل ولأن المعتنقين لعقيدة هذا الإعلام جماهير غفيرة لا يمكن إغفالها وجب على الجميع تحمل مسؤولية تصحيح صورة الإسلام والانطلاق به إلى فضاء واسع،  وهي مسؤولية منوطة بتحقيق عمارة الأرض ووجوب تبليغ الإسلام إلى الجميع كما أمر الله سبحانه وتعالى ولهذا أقترح استراتيجية عمل إعلامي وهي مجموعة أسس ومبادئ وخطط عامة أحسب أن الكل سيتفق عليها لأنها أرضية مشتركة بين كل من يؤمن بضرورة التغيير ونشر الإسلام عقيدة وشريعة بطرق سمحة بعيدة عن كل تطرف وتعصب وعنف، إن هذه الاستراتيجية تتطلب التحرك على عدة مستويات:

1-الشخصيات الفاعلة في المؤسسات الإعلامية عربية كانت أم إسلامية وحتى غربية وهم مجموع الأشخاص المسئولون على تقديم المعلومات وإنتاج البرامج وإخراجها وتقديمها والمشاركة فيها ويشترط فيهم الكفاءة المهنية والتأهيل والحضور المكثف والإيجابي وهولاء هم:

- الكتّاب والصحفيون من الغرب، ويلعبون دورا كبيرا في توجيه الجماهير والتأثير عليها عبر البرامج التي يعدونها أو يكتبونها في أوقات مختلفة ويمكن توجيه هؤلاء خاصة الأجانب منهم عبر الالتقاء بهم ومحاورتهم واستقطابهم نحو اتخاذ موقف إيجابي من المسلمين وقضاياهم، كدفعهم مثلاً للقيام بزيارات ميدانية للاطلاع على الصور الإيجابية في العالم الإسلامي والالتقاء برموز الفكر الإسلامي والتعرف على تفكيرنا ونمط حياتنا وتبديد الأوهام المزروعة في أذهانهم ويمكن استقطابهم أيضاً بعقود عمل مع محطات إسلامية لشراء بعض مما يكتبون أو يعدون، وسيدفعهم ذلك للبحث والتنقيب عما هو إيجابي لدى العالم الإسلامي.

- مقدمو البرامج الذين حسنت سيرتهم واستقامت طريقتهم وهؤلاء يتحولون تدريجياً وخاصة البارزون منهم إلى وجوه مألوفة ينتظرها الأفراد لمتابعة برامجهم المختلفة، وقد تحول الكثير من هؤلاء إلى قادة فعليين في مختلف المجتمعات تتأثر بهم معظم الشرائح الاجتماعية وتتخذهم نماذج مهمة في الحياة وما يهمنا هو التعاون معهم وإقناعهم بتقديم برامج ذات صور جديدة إيجابية عن الإسلام والمسلمين.

-المراسلون الصحفيون. وهؤلاء يعيشون الحدث ويقومون بتغطيته واختيار المادة المصورة والتعليق عليها. وهم عادة ما يعيشون في مجتمعات مختلفة ويتقنون لغات مختلفة وبالتالي فإن التأثير عليهم واستمالتهم والاهتمام بما ينقلونه، مهم جداً بسبب مكان إقامتهم أو انتمائهم الديني والذي غالباً ما يكون من المسلمين. ولأهمية دور هؤلاء فإن من المفترض الاهتمام بإعدادهم والانتباه لعضويتهم في الاتحادات الوطنية للصحفيين والتي عليها أن تحاسب على العمل المهني وشرف المهنة وكذا شرف الانتماء للوطن وقضاياه. 

- صناع القرار والعلماء والدعاة (الغرب أو العرب)  الذين يتعاونون مع مختلف وسائل الإعلام وهم الأهم باعتباره أهم مصدر المعلومات وعليه وجب الاهتمام بفكرهم ومراقبة ماذا يقدمون عن الإسلام والسعي للحد من التصريحات التي تسيئ للإسلام ويمكن أن يتولى الأزهر مثل هـذه المهمة، أو هيئة علماء المسلمين، أو الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، أو الإيسيسكو، أو أي من الهيئات الإسلامية المهتمة بهذا الشأن، بما في ذلك اتحاد الإذاعات الإسلامية الرسمية، وبالمقابل يجب استنهاض أولئك المفكرين والإيجابيين منهم خاصة أولئك القادرين على التحدث بلغة الآخر بشكل متميز وواضح وبلغة يقبلها الآخر شكلاً ومضموناً وتساهم في توضيح الصورة الإيجابية للإسلام والمسلمين وقضاياهم.

- نجوم الفن وتأثير هؤلاء على الجمهور معروف جداً، فيكفي أن يعلن ممثل ناجح أو نجم تلفزيوني رأيا لتجد الكثيرين قد تبنوا موقفه بدون تفكير، ولذا فإن الاهتمام بإيصال هؤلاء لتبني مواقف المسلمين أو الاقتراب منها أو حتى عدم معاداتها، سيوفر الكثير من العناء في سبيل تقديم صورة إيجابية للإسلام والمسلمين، ويكفي أن نذكر تأثير فيلم مثل عمر المختار الذي قام ببطولته الفنان العالمي أنطوني كوين وقيام الرجل بدور المدافع عن الفيلم وعن التاريخ الكفاحي لعمر المختار. وهذا يمكن تكراره مع نجوم ونجمات كثيرين في الغرب عبر إنتاج أفلام أو برامج بمشاركتهم حول الإسلام وقضاياهم.27

- المسئولون الذين يتصدرون الهيئات الإعلامية الإسلامية العالمية، أن يعملوا على مراجعة أثار التفكير المذهبي الجزئي أو الوصاية واحتكار العمل الإسلامي لتخرج منه إلى إطار رحب يسمح بالاختلافات الجزئية وإتباع سياسة حكيمة في الأقطار الإسلامية.

2- مؤسسات وسائل الإعلام المختلفة وأهمها مؤسسات الإعلان والإنتاج والترفيه، والقنوات الفضائية وشبكة الأنثرنث ،فمن المحتم الاعتراف بتلك الفضاءات الجديدة التي أفرزتها منظومة العولمة، كما أنه لا مفر من الاعتراف بدور أجهزة الإعلام بكل أشكالها، في التغييرات التي طرأت على مظاهر السلوك الإنساني في هذا العصر الذي لم يعد فيه وجود لأي حواجز ثقافية أو فنية، حيث دخلت أجهزة الإعلام كل بيت وانتشرت القنوات الفضائية وأصبح الحاسوب الشخصي مرافقاً للإنسان في كل مكان، وعليهأن يراعي  الاعتبارات الآتية:

-توجيه كل الاهتمام للشركات المالكة، وشركات الإنتاج والإعلان باعتبارها الداعم الأساسي لوسائل الإعلام حيث تقوم بتزويدها بمختلف البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية وعليه فإن توجيه الاستثمار وتكثيفه في هذه الشركات سيختصر الطريق أمام المهتمين بقضايا الإعلام ومنها ما تعرضه من مواد مسيئة للإسلام لمحاصرة انتشارها والتخفيف من حدتها.

-إيجاد فرص التعاون بين المؤسسات الإعلامية التي تنتمي إلى القطاع الخاص والقطاع العام في طرح القضايا الخاصة والحساسة التى تحدث في النطاق الإسلامي ، يتسم هذا التعاون بتوحيد وجهات النظر نحو هذه القضايا والقضاء على كل اشكال الخلاف بين القطاعين لأنه لا يخدم إلا الجهات التي تريد أن تستفيد من التفكك الذي يحدث في الفضاء الإعلامي العربي والإسلامي.

- دعوة المؤسسات الإعلامية والأكاديمية الرسمية منها والخاصة للتنسيق فيما بينها لإعداد وبث برامج هادفه تعالج القضايا التى يواجهها المسلمون فى العالم الإسلامي، وبما يؤكد على الثوابت الإسلامية باعتبار المسلمين فى مختلف دولهم ومجتمعاتهم أمة واحدة، وتوجيه الإعلام الإسلامي لاعتماد مبادىء الوسطية التى يدعو إليها الإسلام سواء الموجه للعالم الاسلامي أو غيره، وإقامة مرصد متخصص لحقوق الإنسان فى الدول الاسلامية، على أن يعد المرصد تقريراً سنوياً يكون مرجعاً إسلامياً وعالمياً حول وضع حقوق الإنسان فى العالم الاسلامى.28

-التأكيد على تفعيل عمل وكالة الأنباء الإسلامية، تتميز بالاستقلالية في استقبال الأخبار وجمعها وتوزيعها وتهتم بقضايا الإسلام والمسلمين في العالم وما ينشر حولهما إيجابا أو سلبا ليفيد الجهات المعنية بهذه الأخبار على التحليل والمعالجة ووضع البدائل والحلول الممكنة للمشاكل المثارة ومنها مشكلة الصور المشوهة.

-إقامة جسور من التعاون بين المؤسسات الإعلامية المعنية فى المجتمع المدنى بالإعلام الإسلامى، دعماً لجهودها المشتركة بما يؤدى إلى توصيل رسالة الإسلام على أعلى مستوى، وإلى أوسع فضاء إسلامى وعالمى .

-استثمار الفرص التي تتيحها شبكة الأنثرنث لمزايا تتميز بها ومنها السرعة، عدم التقيد بالزمان والمكان ، التفاعلية عبر نوادي المحادثات الفورية والحديث عن الإسلام خاصة مع الآخر الغربي والذي يتردد عليها بكثرة – الشات-.وفر هذا التطور التقني إمكانية نشر ثقافتنا آنيا وكوكبيا في الوقت الذي نتلقى فيه ثقافة الآخر وكذلك إنشاء مواقع إسلامية متخصصة وناطقة باللغات الأجنبية وتوجيه جهود الدعاة والمفكرين والباحثين العرب والمسلمين للمشاركة فيها وعرض صورة الإسلام الصحيحة ومراعاة فنون تصميم هذه المواقع حيث تعمل على جدب المتصفح لها ثم الإعلام المكثف عن إنشائها على جميع المستويات الغربية باستغلال مواطن الإعلان في وسائل الإعلام الغربية والملصقات الإشهارية.

- توجيه الإعلام المهاجر الممثل ببعض الصحف والقنوات العربية في التعريف بالإسلام والمسلمين لدى الرأي الغربي والابتعاد عن إثارة المشاكل بتجريم بعض زعماء العالم العربي ونقل المشاكل المحلية ومعالجتها بارتجال وذاتية والتركيز على الخلافات العربية مما يعزز الصور النمطية الغربية ويؤكدها.

- استثمار المساحات التي تخصصها بعض وسائل الإعلام الغربية المتعاونة مع بعض المؤسسات الإسلامية للتعريف بالإسلام وبلغة الآخر وتوظيف بعض الأموال لشراء مساحات أخرى.

3-الجمهور المستهدف وحضوره في الساحة العالمية، إذ يتحتم على العاملين في حقل الإعلام وبالموازاة مع حقول أخرى معرفة هذا الجمهور-الغربي-وواقعه واتجاهاته واهتماماته ليتم الاتفاق على خطة عملية بشأن تنويره حول الإسلام وتصحيح ما شابه من تحريف وتزوير وكذب وتشويه ويمكن ذلك عبر ما يأتي:

-تؤكد الشواهد العلمية والحقائق العملية على أن الواقع الذي تحياه المجتمعات الغربية التي تعيش في ظل أنظمة لبرالية حرة تهيئ مناخا صالحا وتربة خصبة تتيح أوسع الفرص لوسائل الإعلام العربية والإسلامية لكي تمارس نشاطها بفاعلية وتضطلع بدورها بسلامة دون عوائق أو معوقات تحول بينها وبين قيامها بهذا النشاط بصورة لم تتح لها من قبل سواء في العصور القديمة أم في العصور الوسطى والحديثة، كما لم تتح لها في ظل أنظمة الحكم الاستبدادية والشمولية المعاصرة.29

-تكثيف الدراسات والأبحاث حول طبيعة المجتمع الغربي بأنواع جماهيره، ويكون طبيعة هذه الدراسات ميدانية تتولاها المكاتب الإعلامية بالسفارات العربية الإسلامية، ومؤسسات العلاقات العامة، والجمعيات الإسلامية المرخص لها بالنشاط داخل الأراضي الغربية.

- دعوة المنصفين والمتعاطفين والمعتنقين للإسلام في الغرب وتجميع أبحاثهم ونشاطاتهم في نشر القيم الإسلامية والتعريف بالإسلام وإعادة نشرها على المستوى الغربي.

4-الرسالة الإعلامية ونعني بها مجموع البرامج المختلفة التي تسطر لأهداف معينة في السياسة والثقافة والاقتصاد والمجتمع وتعتبر الأهم في توجيه الجماهير والتأثير على سلوكهم وإن الالتزام بالجانب المادي للرسالة والمتمثل في طريقة تقديمها من جهة والجانب المعنوي والممثل بأنواع القيم والدلالات والرموز يؤدي الدور الكبير في نجاحها وعلى هذا الأساس نقترح جملة معايير لا بد من الحرص على توفيرها في الرسائل الإعلامية للإعلام العربي والإسلامي نجملها في:

- تكثيف الاتصال بوسائل الإعلام الغربية ومراكز البحوث والجامعات في الدول غير الإسلامية لتصويب ما يصدر عنها بشأن الإسلام والمسلمين والاجتهاد في فتح باب الحوار مع مراكز التأثير في صناعة القرار والرأي العام. 

- متابعة ما ينشر عن الإسلام والمسلمين في المناطق الرئيسة من العالم الغربي سواء أكان محتوى ما ينشر أو يذاع سلبا أو إيجابا وذلك عبر تأسيس ما يصطلح عليه بالمراصد الإعلامية العالمية لتوفير البيانات الكاملة وتحليلها وإصدار تقرير سنوي عن حالة الإسلام في دوائر الرأي العام ووضع استراتيجيات للمواجهة المبنية على أساس التوزيع الجغرافي. 

-أن يشمل المحتوى في الإعلام العربي والإسلامي مجموعة أساليب وطرق عرض فنية تقدم إجابات شافية وواقعية لكل التساؤلات المثارة من قبل الآخرين ، ويقدم الدفوعات والمرافعات، لا بهدف الانتصار فحسب، بل بهدف إبراز الحق ونشره.

- على الإعلام العربي والإسلامي أن يتبنى نمطاً حديثاً ودقيقا من الأداء يقوم على منظور تاريخي عميق، في أطر معرفية متطورة وآليات عمل مستحدثة ومشتركة ذات مواصفات عالمية، وأن يبتعد عن كل المشاكل التي تؤثر على موضوعيته مثل التعريفات والمصطلحات المضللة والتقارير غير المتوازنة وتشويه ومواربة الحقائق وفقر وتحيز السياق.30

- على المؤسسات الإعلامية الإسلامية أن  تتبنى وتروج من خلال برامجها الجوامع المشتركة بين المسلمين على إختلاف مذاهبهم ومدارسهم الفقهية، والتى أكدت عليها المواثيق التى صدرت عن المؤتمرات والندوات المتخصصة التى عقدت فى العديد من الدول الإسلامية وحتى الغربية، والعمل على إبراز موقف الإسلام السمح من  العقائد الأخرى، ومن أهل الكتاب بصوره خاصة، والتركيز فى برامج الإعلام الدينية على حقائق إحترام حقوق الانسان وإحترام التعدديه الدينية والثقافية، وتقديم أمثلة من التاريخ الإسلامي عن السماحة الإسلامية منذ قيام دولة المدينة المنورة وحتى إنتهاء الخلافة الاسلامية.

- ضرورة تغيير الوضع في ما يتعلق بالدفاع عن الإسلام ، حيث يجب الانتقال من موقف رد الهجوم وإن كان مطلوبا،إلى موقف أقوى وهو عرض الإسلام بأسلوب علمي يصل إلى كل عقل في عالمنا المعاصر، حتى لا نضيع وقتا في انتظار وترقب الهجمات لنقوم بصدها بل يجب اقتحام ميدان العمل المقنع والفعال، وتوحيد أجهزة الإعلام و الدعوة الإسلامية على مستوى العالم وضرورة إقامة مؤسسة إسلامية أكاديمية للبحوث العلمية تكون رسائلها بعيدة كل البعد عن أية تيارات سياسية أو دعائية ، يتكون أعضاؤها من صفوة الباحثين الإسلاميين في شتى المجالات بغض النظر عن جنسياتهم31.      

- ضرورة تطوير وتحديث الإعلام الدينى (الإسلامي) بحيث يتناول قضايا العصر التى تواجه العالم العربى والإسلامي بأسلوب وبمضمون علميين وانطلاقاً من الثوابت الإيمانية، التى جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة،و اتباع الأسس والمعايير العلمية التي يقوم عليها الإعلام الإسلامي والتي تتلخص في الحقائق التي تدعمها الأرقام والإحصاءات، والتجرد من الذاتية والتحلي بالموضوعية في عرض الحقائق ، وكذلك الصدق والأمانة في جمع البيانات من مصادرها الأصلية، ثم التعبير الصادق عن تطلعات الجماهير. 

- توجيه مضامين الفضائيات العربية والإسلامية للاهتمام بكل الملامح العربية من تاريخ وأدب وتراث ، والاهتمام بالواقع الإبداعي والثقافي الحقيقي، مع الإعلام بالأحداث الجارية، والتأكيد على ثوابت الأمة الإسلامية والعربية وإبراز هويتها الحضارية في إطار الحوار كمبدأ إسلامي، على سبيل المثال يتم الاتفاق مع محطات عالمية أو عربيةمثل الجزيرة الدولية - الناطقة بالإنجليزية - على إنتاج برامج راقية، تبتعد عن النظرة الضيقة للإسلام، وتشرح الخلافات في الرأي مع الغرب، على أن يتم تأهيل المتحدثين في هذه البرامج تأهيلاً إعلامياً جيداً قبل ظهورهم على الشاشة، ويمكن أن تحصل المنظمة على ضامنين لمثل هذا البرنامج.

بالإضافة إلى تمويل برامج في بعض المحطات الغربية حول حقيقة الإسلام، ورفض النماذج التي تخوف المجتمع الغربي من صورة المسلم، مع إبراز الصورة الحقيقية لحياة المسلم من حيث التواصل، التسامح، التآخي، حقوق المرأة وغيرها من القيم الإسلامية.

إيجاد توافق بين البرامج التي تبثها الفضائيات الحكومية والفضائيات  الخاصة وتوحيد أهداف المضامين بما يخدم تراث مجتمعاتها ودينها فعليا  على المستوى العالمي، فالملاحظ أن الأولى مجتهدة في تقديم صورة الحفاظ على الثقافات والعلاقات والتراث القومي والمحلي، ولذلك جاءت هذه القنوات في معظمها تقليدية في الطرح وقيود الواقع الحقيقي  والنتيجة أن تجاوزها الواقع وهجرها حتى مواطنوها إلا نادراً والثانية أي القنوات الخاصةانطلقت بكثافة وبلا حدود ولا قيود لمعظمها، فبعضها تجاوز كل الخطوط الحمراء في الشكل والمضمون (المحتوى) والأسلوب، فأصبحت بعضها بدائل لثقافات الآخرين بقصد أو بغير قصد.

-التأكيد على لغة الخطاب مع الآخر في وسائل الإعلام وخاصة المحطات الفضائية المتنوعة ومواقع الشبكة العنكبوتية وإعلام المنظمات العربية والإسلامية العالمية حيث يتم تكثيف البرامج الناطق باللغة الأجنبية الإنجليزية والفرنسية والإسبانية تشمل الحديث عن الدين الإسلامي تاريخا وحاضرا ومستقبلا والتعريف به كما تشمل الحديث عن العادات القيم التي تلائمه ولا تشوهه وإهداؤها إلى المحطات الغربية العالمية.بالإضافة إلى تطوير وسائل الخطاب وفنونه ومنه الصورة التي تعادل ألف كلمة وكذلك أساليب الإقناع المدججة بالحقائق والبراهين والأرقام وهي لغة اعتاد الغرب أن لا يفهم غيرها،والتركيز على المضامين الانفتاحية التي تحاور الأخر ولا تستبعده. 

- متابعة نتائج البحوث والدراسات والمؤتمرات العلمية التي تقدم في مجالات الإعلام والمؤسسات الأكاديمية والتي تتعلق بنشر ثقافة التسامح وتصحيح صورة الإسلام وعرضه بأساليب منطقية حتى تصبح أساساً ومنطلقاً للعمل الإعلامي. 

2-      ما يتعلق بالمعالجة الإعلامية والمواجهة

تقوم هذه الاستراتيجية على مجموعة خطط عملية ومستمرة من طرف القائمين على وسائل الإعلام لعرض قضايا الإرهاب وتحليلها بشكل منهجي ودقيق لتحقيق الهدف الذي اجتمع عليه المؤتمرون من جميع الدول الإسلامية، وهي خطط متكاملة طرحتها لتشمل عناضر العملية الاتصالية، وأهمها الرسالة أو المحتوى الإعلامي.

-الإسهام في تكوين النسق المعرفي للمواطنإزاء الإرهاب والإرهابيين، وذلك من خلال تقديم الحقائق والمعلومات والوقائع والبيانات الشفافة والدقيقة والصحيحة المتعلقة بالجوانب المختلفة من الظاهرة الإرهابية، كيف نشأت الظاهرة؟ ماهي أسبابها؟ مقولاتها، مزاعمها، أنصارها، مصادر قوتها، وما أنجع السبل لمقاومتها، واستخلاص منظومة قيم سياسية واقتصادية ودينية وثقافية، ونشرها وترسيخها، بحيث تكون قادرة على مواجهة مقولات الإرهابيين وأطروحاتهم.

-تكوين منظومة سلوكية تمكن المواطن من ترجمة معرفته بحقيقة الإرهاب والإرهابيين، وفهمه العميق للظاهرة الإرهابية والقيم التي يحملها عن مخاطر الإرهاب، إلى منظومة سلوكية واقعية تندرج في فاعليتها من الحد من تأثير الإرهابيين على الشرائح الاجتماعية المختلفة، والتعاطف مع الجهود الوطنية الشاملة والمتكاملة مجابهة الظاهرة.

-ترسيخ ثقافة مضادة للإرهاب، تسهم في تجفيف منابعه وفي عزل الفكر الإرهابي وإظهار خطإه وهشاشته وعدم تماسكه، وتكوين فضاء تلتقي فيه التيارات السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية القادرة على مواجهة الجوانب المختلفة للظاهرة الإرهابية، باعتبارها ظاهرة معقدة ومتعددة الجوانب.

-الابتعاد عن أسلوب التهوين وأسلوب التهويل، فالتهوين المبالغ فيه من شأن الظاهرة الإعلامية يجانب الحقيقة ويضلل الجماهير ويزعزع ثقة المواطنين بالإعلام ونظمه ومؤسساته، كما أن التهويل المبالغ فيه، يجانب أيضا الحقيقة وينشر الذعر والخوف، ليس في أوساط المواطنين فقط، بل في أوساط الأجهزة الرسمية المعنية مباشرة بالتصدي للظاهرة وخاصة الأجهزة الأمنية، وكله من شأنه أن يخدم الإستراتيجية الإعلامية للإرهابيين ويصب في مصلحتهم.

-تقديم رسائل ذات مضامين إعلامية متنوعة قادرة تراكميا أن توجد رأيا عاما يقظا معاديا للإرهاب والإرهابيين، وتعزيز ثقة الشعب بنظامه وقيادته وأجهزته الأمنية، وبالتالي تعميق انتمائه الوطني، وهذا من شأنه أن يوجد مناخا مناسبا لعزل الإرهابيين ومواجهتهم.32

-تحديد مصادر الأخبار المتعلقة بالأعمال الإرهابية وتنوعها، فمن حق الجمهور معرفة مصادر هذه الأخبار معرفة دقيقة بعيدة عن التدليس والشك. وخاصة بعد انتشار مقاطع اليتيوب التي تتضمن طرق القتل والتعذيب والتي باتت محل شك لدى المشاهد العربي، إذ تشبه طريق إخراجها ما يحدث في في أفلام الأكشن أو التي تشرف عليها أعتى شركات السينما مثل هوليوود.

-الحذر في التعامل مع المصطلحات والمفاهيم التي تستخدمها التنظيمات الإرهابية فإعادة ترديدها أو إنتاجها بالصيغة ذاتها التي وردت فيها، يقلص الهامش بين الخطاب الإعلامي والخطاب السياسي الذي يروجه المتطرفون33.

-حصر التغطية الإعلامية للأعمال الإرهابية في حدود ضيقة، وذلك لحرمان الإرهابيين من هدفهم المتمثل في الحصول على أكبر دعاية دولية ممكنة لعملياتهم، وتكثيف عرض المضامين والأفكار الرافضة للإرهاب من طرف النخب، وفي مقدتمهم العلماء لتكوين آراء معتنقة لهذا الرفض والمشاركة في محاربته.

-الإسهام في إحداث تأثيرات تراكمية بسيطة باستخدام مختلف المضامين والبرامج والأنشطة الإعلامية التي تسهم في إعادة تشكيل القناعات والاتجاهات والأفكار لدى الجمهور.فالتغيرات الثقافية والاجتماعية قد تتأثر بشكل مباشر أو غير مباشر بوسائل الإعلام والاتصال34ويبرز هذا التأثير بتركيز وسائل الإعلام على قضايا وأحداث بعينها تركيزا مستمرا أو ما يسمى بوضع هذه القضايا في أولوياتها وفقا لنظرية الأجندة.

- العمل المستمر على غرس قيم السلام والتسامح والحوار عبر البرامج المختلفة، أخبار، برامج حوارية، مسلسلات، مسرح، فلكور، وتطويع فنيات الإشهار للتأكيد عليها ونشرها وتعميمها، والاستمرار في معالجة الظاهرة عبر البرامج المختلفة باعتبار استمرارية الظاهرة وتعقيداتها، فالإرهاب متجدر المنشأ، وقد اختلفت منطلقاته ومنظماته، وعلى وسائل الإعلام أن تدرك هذا.

- الاتجاه إلى تخصيص معالجة الظاهرة فيما يسمى بالإعلام الأمني، باعتباره المجال الأمثل لدراستها وهو يعرف بأنه: المعلومات الكاملة والجديدة والهامة التي تغطي كافة الأحداث والحقائق والأوضاع والقوانين المتعلقة بأمن المجتمع واستقراره، وتكون التغطية بشكل متوازن.والهدف منه هو تأسيس وعي أمني في المجتمعات لضمان سلامة الإنسان في كل المجالات35.

- محاصرة الأسباب المؤدية للعمل أو الفكر الإرهابي، ومنها الأسباب المتعلقة بالانتماء الطائفي وما ينجر عنها من إثارة للعصبية، والأسباب الاقتصادية وعلى رأسها مشكلة الطبقية واستئثار الاقلية بالمقومات المادية على حساب الطبقات الأخرى، ثم مشكلة منابع التمويل الغير معروفة.

- ضرورة تقديم ما يسمى بالإعلام المضاد بمعنى ألا تكون وسائل الإعلام سلبية وألا تكون تغطيتها مجرد رد فعل لما يقوم به الإرهابيون، أو لما تتخذه السلطات الرسمية من إجراءات، فيمكن لوسائل الإعلام أن تأخذ زمام المبادرة، وأن تسهم في صنع الحدث، وتقديم المعلومات الدقيقة والكافية عن الظاهرة قبل بلوغ ذروتها، ويتوقف ذلك على التنسيق الكامل بين الاجهزة الأمنية والأجهزة السياسية الرسمية والأمنية. 36

-إيجاد خطة عملية مشتركة ومستمرة للتعامل مع ظاهرة الإهاب، وألا يكون هذا التعامل في شكل ردود أفعال مؤقتة لأحداث إرهابية متفرقة.37كأن تقوم وسائل الإعلام المختلفة، إذاعات، صحف، فضائيات، مواقع تواصل، بتقديم وشرح ونقذ الأفكار الإرهابية بشكل موحد وواضح ومتشابه ومستمر، يضمن التأثير الفعال والإيجابي على الجماهير.

بعد عرض الخطوات العملية المعروضة ضمن استراتيجية دور الإعلام تصحيح صورة الإسلام والدفاع عنه، وإستراتيجية المعالجة والمواجهة، أرى أن إحداث التكامل بينهما سيكون بمثابة عمل إعلامي كبير لمحاربة والتصدي للعمل والفكر الإرهابيين مبدئيا، كما أن هذا العرض هو وضع للخطوات الأولية والتي يمكن أن تثرى من طرف الخبراء الإعلاميين والأكاديميين في الاتجاه نفسه.

خاتمة

إن الحديث عن المعالجة الإعلامية لقضايا الإرهاب العابرة للزمان والمكان ليس بالشيئ الهين، فهي تستدعي جهود متعانقة متآلفة لتحقيق ذلك، والإسهام بهذه الورقة المتواضعة إنما هو لوضع بعض النقاط على الحروف أو لفت الانتباه لما هو غائب في الاستراتيجيات الإعلامية عامة والعربية والإسلامية خاصة، فالملاحظ أن الفضاء الإعلامي العربي والإسلامي وبما يشمله من رسائل وبرامج ارتجالية تجعلنها نقع في مآزق كبيرة، وهي تبتعد عن الطرح الجدي للقضايا التي تشغل الامة الإسلامية وتكتفي بعرض نسب كبيرة من البرامج المستنسخة عن البرامج الاجنبية وفي مقدمتها بعض البرامج السياسية التي تثير الحساسيات القومية والوطنية والدينية، ثم البرامج الفنية من مسلسلات وأفلام وبرامج غنائية التي تسيئ معظمها للقيم الإسلامية وحتى للتقاليد والعادات.

وعليه فإن مراجعة السياسات الإعلامية للبلدان العربية وترشيدها وتوحيد مضامينها الهادفة لخدمة الدين والأمة من شأنه أن يساهم في محاصرة الظاهرة بشكل كبير، لأن واقع حرية الإعلام ينبئ بمزالق وارتدادات على جميع المستويات، فالفهم الخاطئ لحرية الإعلام أدى إلى وجود صراعات خفية وجلية تجاه الموقف من الظاهرة، الشي الي ينعكس على موقف الرأي العام واتجاهه.

ولابد من التأكيد على مفاهيم السلام والتسامح واستيعاب المخالفين في العقيدة والمذهب، وإشراك جميع القوى والأطياف في تطوير مجتمعاتها نحو الأفضل، والتخلص من لغة المؤامرة والشك والكراهية والعنصرية التي تتنافى والقيم الإسلامية التي صاحبت سمو الشريعة الإسلامية وتكثيف البرامج الإعلامية عبر حملات الإعلان، والعلاقات العامة.

إن الأصوات التي تنادي بمحاربة الإرهاب متعددة الاتجاهات والجغرافيا والإيديولوجيات، وعليه وجب الاتفاق وبوضوح حول ماهية الإرهاب، أسبابه ودافعه، لأن الخلاف الإصطلاحي هو الأزمة الحقيقة لعدم التمكن من محاصرة الظاهرة وحتى الإنقاص من حدتها، والمرجح وفي ظل العجز عن توحيد المفهوم ستظل الظاهرة تستشري في كل المجتمعات من غير استناء.

أخيرا أرى أن توحيد البيت العربي والإسلامي في العديد من المجالات ورفع اللبس الواقع في بعض السياسات والممارسات الغير مسئولة من شأنه أن يرفع من سقف التصدي للظاهرة على المستوى الفردي والجماعي وحتى الدولي، ويلقي بظلاله الوارفة على كل من ظل أو اظل أو تآمر أو اعتدى، وأي تقصير في هذا الاتجاه سيكون العبث بعينه في مقدرات الأمة الاسلامية ومقوماتها وهويتها، فتضيع معه الكثير من الحقوق والواجبات والغاية من الوجود وهو تحقيق الاستخلاف المنشود.

1.الهيثم الأيوبي وآخرون، (1981)، الموسوعة العسكرية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ج1، ص 66.

2.جمعان عبد الكريم، (إشكالات النص، دراسة لسانية نصية، النادي الأدبي، الرياض، ص 173.

3.استبرق فؤاد وهيب، المعالجة الإعلامية للاحتلال الأمريكي على للعراق، تحليل مضمون مجلة نيوزويك النسخة العربية، ماجيستير، تخصص الإعلام، جامعة الشرق الأوسط للدراسات العليا، 2009، ص 10.

4. نبيل أحمد حلمي(1988)، " الإرهاب الدولي وفقا لقواعد القانون الدولي " دار النهضة، القاهرة ص21.

5.يوسف ثمار: الإرهاب وإشكالية العمل الإعلامي، مجلة إتحاد الإذاعات العربية، تونس، عدد خاص،2007، ص43.

6.أبو الحسن سلام، (2005)، الإرهاب في وسائل الإعلام والمسرح، ط1، دار الوفاء للطباعة والنشر، الاسكندرية، مصر، ص 30-36.

7.هويدا مصطفى: دور الفضائيات العربية في تشكيل معارف الجمهور واتجاهاته نحو الإرهاب، دراسة ميدانية على عينة من الجمهور العربي، مجلةإتحاد الإذاعات العربية، تونس، ع63، 2008، ص5-7.

8.LEAG of NATION, CONVENTION FOR THE PREVENTION and PUNISHMENT OF TERORRIS, http://www.wdl.org/ar/item/11579/

9.U. S. Army 1986, Definition , Army regulation 190– 52as quoted by D. b. vought and J. H. Fraser , Jr., op. cit., ca. p 71.

10.                                            U. S. Department of state, (patterns of Global terrorism, 1987). August 1988, p. v. 20

11.                       محمد تاج الدين الحسيني، (1990)، مساهمة في فهم ظاهرة الإرهاب الدولي، الرباط، ص24.

12.                      المادة الأولى، الإتفاقية العربية، الفقرة (الثانية)، لعام 1998. http://www.gcc- legal.com/TreatyDetailsتاريخ الزيارة : 02/06/2015.

13.                      علي أسعد وطفة: إشكالية الهوية والانتماء في المجتمعات العربية المعاصرة، http://edusocio.net/index.php

تاريخ الزيارة:15/05/2015.

14.  محمد عابد الجابري، (1995)، مسألة الهوية، العروبة والإسلام والغرب، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ص128-170.

*                        من الدراسات:دراسة سوزان القليني سنة 1998، حول مصادر الصفوة المصرية في متابعة حادثة لقصر عام 1997، ودراسة حسن إبراهيم مكي حول معالجة الإرهاب في الصحف العربية ، دراسة هويدا مصطفى سنة 1994، حول التلفزيون المصري ومعالجة ظاهرة العنف الدين من خلال تحليل المادة الدرامية، دراسة فهد بن عبد العزيز العسكري سنة 2005، حول التعامل الإعلامي مع قضايا الإرهاب في المملكة العربية السعودية ، دراسة فراند دورهام سنة 1998، حول تغطية جريدة نيويورك لحادثة تحطيم طائرة البوينغ 747،سنة 1996.، ندوة دولية حول الإعلام والإرهاب دعت إليها منظمة اليونسكو في باريس عام 2002، خلصت إلى ضرورة أن تظل وسائل الإعلام في خدمة الجمهور.10/05/2002، ع 8564،http://www.aawsat.comتاريخالزيارة: 03/04/2015

15.                      هويدا مصطفى: مرجع سابق، ص 20.

16.                      فهد بن عبد العزيز العسكري، التعامل الإعلامي مع قضايا الإرهاب في المملكة العربية السعودية، المجلة المصرية لبحوث الرأي العام، دورية علمية محكمة نصف سنوية، مركز بحوث الرأى العام بكلية الإعلام، القاهرة، مج6، العدد الأول، يناير/ يونيو2005.

*                        دراسة خيرة الشيباني، الإعلام والإرهاب، 2005،www.opendemocracy.netتاريخ الزيارة 04/04/2015، ودراسة brosiusحول التعرف على دور وسائل الإعلام في نشر الإرهاب.

17.                      أديب خضور، (1992)، الإعلام والإرهاب، دار الأمين للنشر والتوزيع، دمشق، ص 60.

18.                      دوريس جريبر، (1988)، سلطة وسائل الإعلام في السياسة، ترجمة، أسعد أبو لبدة، دار الشروق، الأردن، ص 415-412.

19.                      المرجع نفسه، ص 259.

20.                      هويدا مصطفى: مرجع سابق، ص 45.

21.                      الصادق الفقيه، (2006)، الإعلام والإرهاب، جدل التجاذب والافتراق، هيئة الأعمال الفكرية، السودان، ص 7.

22.                      إعلان مؤتمر الرياض لمكافحة الإرهاب،09/02/2005، ع 9570http://www.aawsat.com /تاريخ الزيارة 12/04/ 2015.

23.                      أديب خضور، (2009)، الإعلام والإرهاب،دار الأمين للنشر والتوزيع، دمشق،، ص 57،58.

24.                                           Philip Seib& Dana M.Janbek, GlobaleTerrorism and New Media,The Poste Al Qaeda Generation, London, Routledge, 2011.

25.                      عرض رضوى عمار، مركز الكاشف للمتابعة والدراسات الاستراتيجية، http://www.alkashif.org/تاريخ الزيارة: 12/4/2015

26.                      نصر الدين لعياضي: الإعلام التلفزيوني والإرهاب، القناعات والاختيارات، مجلة الإذاعات العربية، تونس، عدد خاص3،4، 2007، ص30.

27.                      تصرف في ورقة عدنانالصباح تحت عنوان: الإسلام ـ تقديم الذات للآخر: الفضائيات نموذجاً، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ إيسيسكو ـ 1429هـ/2008.www.isesco.org.ma/arabe/publications  تاريخالزيارة: 06/04/2015.

28.                      محمد معوض ابراهيم: ورشة عمل للايسيسكو لتطوير البرامج الدينيه يشارك فيها ممثلو تسع دول عربية (3– 7ديسمبر 2006).

29.                      محي الدين عبد الحليم: الدعوة الإسلامية والإعلام الديني، دار الفكر العربي، القاهرة، ص 132. 

30.                      الندوة الإعلامية الدولية "الخطاب الإعلامي العربي. رؤى مستقبلية" التي نظمها الاتحاد الأوروبي والجمعية العربية الإعلامية في القاهرة يونيو 2003م

31.                      محمود حمدي زقزوق، (1986)، الإسلام في الفكر الغربي، ط2، دار القلم، الكويت، ص 10-16.

32.                      أديب خضور: الإعلام والإرهاب، مرجع سابق، ص120-125.

33.                      نصر الدين لعياضي، الإعلام التلفزيوني والإرهاب، القناعات والاختيارات، مرجع سابق، ص 39،40.

34.                      محمد قيراط، الإرهاب، (2011)، دراسة في البرامج الوطنية، واستراتيجيات مكافحته مقاربة إعلامية، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، ص318.

35.                      تركي بن صالح عبد الله الحقباني، (2006)، مدى إسهام الإعلام الأمني في معالجة الظاهرة الإرهابية، قسم العلوم الشرطية، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، ص 16.

36.                      أديب خضور، (2007)، معالجة وسائل الإعلام العربية لعمليات الإرهاب، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، ، ص13.

37.                      تمار يوسف، الإرهاب وإشكالية العمل الإعلامي، مرجع سابق، ص 46.

Pour citer ce document

رقية بوسنان, «إستراتيجية الإعلام في معالجة ظاهرة الإرهاب»

[En ligne] مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales العدد 22 جوان 2016N°22 Juin 2016
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2016-11-10,
mis a jour le : 10/11/2016,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=1802.