النزعة الفردية وتجلياتها في الأدب عند نبهاني كريبع
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 23 ديسمبر 2016 N° 23 Décembre 2016

النزعة الفردية وتجلياتها في الأدب عند نبهاني كريبع

اليزيد بوعروري
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

يكشف هذا المقال عن أهم خاصية في الفرد ألا وهي القدرة على التقرير بنفسه، انطلاقا من ضوابط صادرة عن تفكيره النقدي، والذي يترجم عنه في استراتيجيات، ويعبر عن شخصيته العميقة برغبات وانفعالات فريدة تستدرجه إلى إرادة العيش وفقها، ولحسابه الخاص مستقلا قدر الإمكان عن الإرادات الخارجية التي تنزع إلى استلابه. هذا النزوع إلى الاستقلال هو التعبير الأكثر كمالا لطبيعته الإنسانية. وهذا الفرد هو إنسان جديد لأنه مهندس حياته الخاصة، فهو مالكها الوحيد.

الكلمات المفاتيح: الفرد، المجتمع، العزلة، الإبداع، الأدب.

Cet article traite de la caractéristique la plus importante chez un individu, à savoir sa capacité de décider par lui-même et cela à partir des normes émises par sa pensée critique. Cette capacité se traduit par des stratégies et l’individu exprime sa personnalité profonde à travers des désirs et des émotions uniques qui déterminent son mode de vie propre indépendamment, dans la mesure du possible, des facteurs extérieurs qui ont tendance à s’emparer de lui. Cette tendance à l’autonomie est l'expression la plus parfaite de sa nature humaine ; cet individu est un être nouveau parce qu'il est l’architecte de sa propre vie et est donc son seul propriétaire.

Mots clés :individu, société, isolement, création, littérature.

This article revealsthe most important characteristic of an individual: namely his ability to decide by himself thanks to standards issued by his critical thinking. This ability results in strategies, and the individual expresses his deep personality through certain desires and unique emotions leading him to live his life as independent as possible, from external factors that tend to take hold of him. This tendency to autonomy is the most comprehensive expression of the human nature; this individual is a new human being because he is the architect of his own life and is therefore the only owner of it.

Keywords:individual, society, isolation, creation, literature.

Quelques mots à propos de :  اليزيد بوعروري

أستاذ مساعد "أ" جامعة محمد لمين دباغين-سطيف 2

مقدمة

يعدّ سؤال الفرد من الأسئلة المهمة في عصرنا، على أساس ارتباطه بشروط العيش المشترك الذي يقوم أساسا على تحقيق الانسجام الاجتماعي، مما يقودنا إلى تفكيك وإعادة خلق الاجتماعي، أو بالأحرى التفكير جدّيا في علاقة الفرد بالمجتمع، لأن مسلمة النزعة الفردية، هي أن الإنسانية لا تتألف من مجموعات اجتماعية، ولكن من الأفراد ككائنات يتعذر تبسيطها، فهي وحدها التي تفكّر وتفعل حقيقة، وكل فرد مختلف وفريد من نوعه، مكتف ذاتيا، يستمد هويته من خواصه الداخلية التي تجعل منه كائنا مستقلا، وهذه الاستقلالية يستمدها من القدرة على الحياة والعمل.

ولا تعني النزعة الفردية طغيان الفرد والشعور بأنه مركز العالم، والسقوط في وهم الاستقلال التام عن الآخرين، وعدم قبول أية سلطة أخلاقية، وأنه فوق القوانين، وأن تهديد العقوبة وحده هو الذي يمنعه من التصرف حسب إرادته، كما لا تعني النزعة الفردية، الأنانية لأن هذه الأخيرة حبّ انفعالي مبالغ فيه للذات لا تحمل صاحبها إلاّ إلى العودة إلى ذاته وتفضيلها على الكلّ، وإنما النزعة الفردية عاطفة رزينة يتمتع بها كل فرد ينعزل عن الجماعة.

وتتعدّد الفرديات بتعدّد المجالات التي تأخذ فيها طريقها وتبرز فيه، فهناك الفن، والعلم، والسياسة، والحياة العملية...وواضح أن هؤلاء الأفراد لم يولدوا لكل المهام، فهناك إذن اختيار، وبؤرة الاتفاق هو الخير الذي ينطلق من داخل الفرديات، والكفّ عن الشرّ الذي يصدر منها. على الرغم من أن الفرديات التي ظهرت في التاريخ ليست كلها خيّرة، فبعض المصلحين الأخلاقيين بذلوا جهدا في التخفيف من قسوة البشر، وبعض رجال العلم حاولوا تفسير ظواهر الطبيعة بطريقة ملائمة حرّرت البشرية من الجهل، وبعض الفنانين زينوا العالم بروائع ملأت القلوب سكينة في أشدّ لحظات البشرية يأسا، لكن هناك فرديات أخرى سارت في الاتجاه المعاكس، فلم تجد البشرية خيرا من ظهور فردية كـ "جنكيز خان" مثلا، ورغم ذلك ففي كل تلك الفرديات الطيبة والشريرة كانت صفات لا نريدها أن تختفي من العالم، كالمبادرة الذاتية وسعة الخيال، والفرد الذي يمتلك مثل هذه الصفات هو مؤهل لفعل الخير الكثير أو الشرّ الكبير، ولكي لا تتيه المجتمعات البشرية في غياهب التخلف، فمن الضروري أن تجد مثل تلك الفرديات غير العادية مجالا لنفع البشرية.

ومادام الفرد هو الأساس، فلماذا يظل المجتمع يفرض عليه القيود؟ ولماذا ظلت سلطة المجتمع تتسع ما دام الفرد هو محرّك هذا المجتمع؟ وهو الذي يقوده عن طريق إبداعاته في كل المجالات؟

وقد حاول نبهاني كريبع تتبع مسيرة علاقة الفرد بمجتمعه من خلال الأعمال الأدبية، فما طبيعة علاقة الفرد بالمجتمع، وكيف عكسها الأدب؟

1-                        تحديد المفهوم

الفرد l’individuعند الفلاسفة هو كل موضوع فكري معيّن، مقيّد، تؤلّف أجزاؤه كلاً، ولكن لا تدعى باسم الكل، ويختلف معنى الفرد باختلاف مجالات الدراسة، ففي المنطق يقال على شخص واحد لا ينقسم، وفي علم الحياة هو كل كائن حي تتعاون أجزاؤه على حفظ بقائه، وفي علم النفس الفرد مرادف للشخص الطبيعي من جهة ما هو متميز عن الآخرين بهويته ووحدته، وفي علم الاجتماع هو وحدة يتألف منها المجتمع.1

والفردي l’individuelهو المنسوب إلى الفرد أي كل ما يتميز به الفرد من الصفات المقوّمة له. والفردية l’individualitéبالمعنى العام هي ما يتميز به فرد عن آخر من الصفات، وبالمعنى الخاص، الفردية مرادفة للشخصية personnalitéإلاّ أن المحدثين يفرّقون بينهما: فالفردية تطلق على مجموع صفات الكائن الواعي كما هي في الواقع، والشخصية هي مجموع الصفات كما يجب أن تكون بالنسبة إلى مثل أعلى مُتصور، فكل شخص بهذا المعنى فرد، وليس كل فرد شخصا. وقد تطلق الفردية على ما يتصف به الكائن العاقل من الأصالة أو البعد عن التقليد أو النزوع إلى التحرّر.2

والفردانية أو المذهب الفردي l’individualismeهو مذهب من يعتقد بأن الفرد منبع كل حقيقة وجودية، وهذا المذهب يفسّر الظواهر الفنية والاجتماعية والتاريخية بفاعلية الفرد، كما يعتقد أصحابه بأن مهمة المجتمع هي رعاية مصالح الفرد.3

      يمكن القول من خلال هذه التعريفات أن هناك تقابلا بين الفردانية والجماعية، فالتفسير الفردي للظواهر يقوم على أساس أن الفرد هو نقطة البداية والنهاية، ونبهاني كريبع -إذا شئنا تصنيف-ينتمي إلى المذهب الفردي لأنه يؤمن بالفرد ولا شيء غير الفرد. والفرد المقصود هنا هو فرد النخبة، وليس الفرد العادي. هو الفرد القائد، الفرد الفنان، هو النبي، هو العالم مبدع النظريات العلمية، هو الفيلسوف الأصيل.

1-                        الفرد وصراعه مع المجتمع

إذا كان الفن عموما والأدب خصوصا ثورة على ما هو سائد، فالسيادة هنا غالبا ما تكون اجتماعية، لذلك يذهب نبهاني إلى أن (الفرد يقوم بردّ فعل ضدّ مجتمعه وضوابطه)4ردّ فعل ضدّ الظلم الذي يمارس ضدّه، وهذا الظلم قد يعوق نمو الفضائل فيه، ويفرض عليه بأن يكون شريرا على غير إرادته في حين أنه خيّر بطبعه، وما كانت الثورة على المجتمع إلاّ رغبة في خلق مجتمع مثالي ينشده، يقوم أساسا على الحبّ وهو قاعدة المجتمعات الصالحة الخالية من الحسد والبغض، مجتمع ينظر إلى المذنب بعين العطف والإخاء يقول فكتور هيجو: (إن شريعة مقدّسة في هذا العالم تتجلى من طبيعة الأشياء والناس، علينا أن نعمل بها، وكل امرئ يستطيع أن يرقى إليها. و هي ألاّ تبغض أحدا، فإما أن تحبّ الإنسان وإما أن ترثي له.)5كما أن القارئ لرواية هيجو "البؤساء" يلمس سعي جان فال جان –ثم مادلين عندما غيّر اسمه- لفعل الخير ومحاولاته نشر الحبّ بينه وبين الناس، وما لقيه إسداء المعروف للناس البؤساء من صدى طيب في قلوبهم، جان فال جان الفرد الذي استطاع أن ينتشل مدينة "مونتوفوروميل" من براثن الفقر والتخلف عندما بنا فيها مصنعا لصنع الأزرار الزجاجية، فشغّل فيه مئات العاملات –منها والدة كوزيت- ومساهمته في بناء مستشفى ومدارس... مادلين –محافظ المدينة- الذي يعفو عن ضحايا ضربات القانون الجائر التي لا ترحم أحدا في ذلك الوقت، هي رسالة ضدّ شرائع المجتمع الظالمة والقاسية.

فالأفراد إذن مدعوون إلى مغادرة مناخهم الاجتماعي كي يحققوا طموحاتهم في مجال تسوده الحرية6، وهذه الدعوة ليست دعوة إلى الفوضى، ولا عودة إلى حياة الغابات والكهوف، لأنهم يعلمون استحالة عودة التاريخ إلى الوراء، ولكنها دعوة إلى خلق فطري، يبتغون من ورائه السعادة لأبناء الوطن وللجنس البشري كافة. هؤلاء الأفراد لا يستمدون هذا الخلق من مدونة المجتمع، ولكنه مستخلص من عواطفهم الإنسانية المغلفة بالفضائل، وإن شئنا القول عواطف إلهية، يجابهون بها جحيم التقاليد البالية، يقول هيجو في مقدمة "البؤساء":(نتيجة لقيام القوانين والعادات توجد نوع من اللعنة الاجتماعية التي تصطنع أنواعا من الجحيم فتعوق بمقدور الناس المقدور الإلهي لمصير الفرد.)7

ويحمّل الكثير من الأدباء المجتمع المسؤولية عن ضحاياه من الأفراد، فلا لوم على هؤلاء في بؤسهم إذا أتوا في المجتمع شرا، لأن ما فعلوه كان حتمية اجتماعية ولا خيار لهم فيه، يقول ألفيد دي فيني8على لسان شخصية من شخصياته الأدبية وكان قد استمع من محدّثه إلى مآس اجتماعية: (أحسّ في نفسي بشفقة تفوق الوصف على هؤلاء المساكين العظماء الذين حدّثتني أنك رأيتهم يحتضرون، ولا شيء يوقف حنوي على هؤلاء الموتى الأعزاء. وأرى ويا للأسى! نظائر لهم من البائسين، هم أنواع مختلفة في تحمل مصائرهم المريرة. فمنهم من يحيلون حزنهم إلى دعابات ومرح عظيم، وهؤلاء فيما أرى أعمق حزنا، وآخرون يرتدّ اليأس إلى قلوبهم فيصبحون شرّيرين؟ أصارحك بالحقيقة: إن الفرد قلما يخطئ ولكن النظام الاجتماعي هو المخطئ دائما.)9

ويعترف نبهاني كريبع صراحة بأن هناك مجتمعات إقصائية وجبرية تعمل على إذلال الفرد، وهذا دليل واضح على ركودها وإفلاسها، وأن الكثير من النزاعات الإقليمية والدولية ناتجة عن استبداد هذه المجتمعات التي حوّلت تصوراتها إلى عقائد صلبة.10

ويضيف على لسان شخصية "رشيد" أن البؤس والجهل وضعانا في درجة الحيوانات، وبقينا بعقلية قروسطوية، فانحطاطنا منوط بمجتمعنا الذي بقي ساكنا، حيث الفرد بقي مخنوقا فيه، والمرأة مسجونة، نريد أن ننظر إلى المستقبل وأعيننا مثبتة على الماضي، وهو سبب جمودنا، ففي هذه الحالة لا يمكننا القول بأن الأوروبي هو الذي ثبّتنا في وضعية متكلسة، حيث الفوضى في بيوتنا، أين كبّلنا أولادنا، وحبسنا نساءنا، ولكنها العقبات الاجتماعية.11

ويستطرد نبهاني على لسان شخصية الفيلسوف "صافي": (أنا لا أؤمن بالاجتماعات، والحلقات، ولكن بالفعل الفردي. الحركات التاريخية كانت نتيجة مبادرات فردية بحتة. وفي الجزائر لا المعمرين ولا الانفصاليين، يمثلون الوجه الحقيقي للوضع، ولكن الأفراد فقط هم الموجودون سواء من هذا الطرف أو ذاك.)12

كما يحيلنا نبهاني إلى شخصية عمر الخيام (1040-1125م) الفردية البارزة في زمانها، وهو الذي عانى من التقليد الاجتماعي المتكلس، وروح القطيع، ورغم إمكاناته العلمية والفنية، فإن الوسط الاجتماعي كان أقوى، فلم يستطع التحرر منه.13

والمعنى هو أن المسؤولية لا تقع على مثل هذه الفرديات، لأنها عملت كل ما بوسعها من أجل تطوير إمكاناتها، وعلى تغيير ما يمكن تغييره، نحو الأحسن، إلاّ أن ثقل التقاليد الاجتماعية حال دون ذلك، فالمسؤولية تقع على المجموع الذي لم يأخذ بيد فردياته المبدعة لترسم طريق النجاح والتطور.

2-                        الفرد والعزلة

نتيجة الصراع المستمر بين الفرد ونظم مجتمعه كثيرا ما يؤدي الأول إلى اختيار العزلة عن الجماعة والانطواء على الذات.14وهذا ما قصده ألفريد دي فيني حينما ذهب إلى أن الفرد العبقري يعيش وحيدا لأن الآخرين لا يفهمونه، إنه يقودهم إلى النور وهم لا يحبونه، وهذا هو مضمون قصيدة "موسى" ويتساءل: هل يجد العبقري العزاء والسلوى في الحبّ؟ هل يجد في حنان المرأة عوضا عن اضطهاد المجتمع له؟ والجواب يكون بالنفي، فالحبّ لا يمكن الاعتماد عليه، وحتى الطبيعة التي كانت الأم الحنون للرومانسيين، هي بالنسبة لفيني القبر حيث يدفن الإنسان، لذلك لا ينصح إلاّ بحبّ الإنسان، كما ينصحنا بتحمّل الشدائد بصبر وثبات، وعزاء فيني هو في إيمانه بتقدم الإنسانية.15

وفي نفس القطعة الشعرية "موسى" يعبر عن انفراد العبقري عن الخلق، وشعوره بالوحدة بينهم، إذ يصف مناجاة موسى لله عز وجلّ وهو شيخ طاعن في السنّ، خلّص شعبه من الظلم وحصل له السلطان الذي يتمناه كل واحد، ولكنه بقي يشعر بالوحدة في حياته وسط أصحابه الخاضعين له، حتى شعر بتفاهة الحياة، وأدرك أن الرسالة كانت تكليفا ثقيلا حرمته لذة العيش فيقول لربه: (ألم يأن لي أن أنتهي؟ أين تريد لي أن أنقل خطاي؟ أأظل في الحياة قويّ السلطان ولكني وحيد؟ دعني أستروح النوم في جوف الثرى !)16فالشاعر في هذه القصيدة يعبر عن سبب حزن الفرد "موسى" وشقائه وأنه ظلم من المجتمع لأنه عبقري، فقد وضع كل مواهبه الخارقة لتوفير السعادة لبني الإنسان، ولكنه لم يظفر في كل ذلك لا بحب و لا بسعادة، فالفرد "موسى" يمثّل شعور الفرد الثائر على حظه، الوحيد في مجتمعه على الرغم من تضحيته في سبيل المجتمع، يقول ألفريد دي فيني في إحدى رسائله التي كتبها عام 1838: (ليس موسى الذي ذكرته هو موسى اليهود، فإن هذا الاسم العظيم ليس إلاّ قناعا للإنسان في كل العصور، بل إنه أقرب إلى الرجل الحديث منه إلى القديم، وهو رجل العبقرية: مجهود من ترمله الدائم، يائس من رؤيته لعزلته ينفسح مداها ويجدب كلما ارتقى في مجده، وهو في عنائه بسبب عظمته يطلب الموت.)17

ويصف بيرون18في قصته "دون جوان" نفسه كفرد هرب من المجتمع ليحتمي بالغابة: (حقا إنه كان يهرب من الناس حتى لو كانوا من أمته حينما كانوا يقيمون تحت أشجاره الحبيبة، فينزح بضع مئات من الأميال، ليقيم حيث يوجد قليل من المساكن وكثير من الراحة. وآية المدنية أنك فيها لا تستطيع أن ترضى أو ترضي، ولكنه عندما كان يرى إنسانا فردا كان يبدي من الأريحية ما يستطيع إنسان أن يبدي.)19

والفرد كما تصوره الأدبيات الرومانتيكية  لشدّة شعوره بالعزلة من الناس، ينطوي على نفسه، متأملا فيها، ولا يريد أن يتحمّل كاهل الروابط الاجتماعية والعمل المنظم، ويلتزم بالواجبات، ويفضّلأن تكون حياته لا تعرف الانضباط، لنستمع إلى شاتوبريان20يصف نفسه على لسان بطله "رينيه":(كان رينيه يحيا مستغرقا في ذات نفسه، كأنه في خارج ما يحيط به من عالم، لا يكاد يرى ما يحدث حوله، سجين في وسط آلامه وأحلامه، وهذا الضرب من العزلة النفسية كان يزيد في شراسة طبعه ووحشيته كلما تقدّم به الزمن، فكان ينفر من كل نير، ويضيق بكل واجب، ويثقل عليه ما يبذله غيره من أنواع العناية، حتى إن ما يحبه يسبب له الجهد، لا يريد إلاّ أن يضرب في الأرض. لم يبح بما صار إليه، ولا أين كان يذهب. إنه لا يدري ذلك هو نفسه: أكان فريسة الندم أم العاطفة؟ أكان على فضائل أم رذائل؟ هذا ما لا يعرفه أحد. يمكن أن يعتقد المرء فيه كل شيء إلاّ حقيقة ذاته.)21

إن شعار البرج العاجي الذي يرفعه الفرد، لا يجب أن يفهم –عند نبهاني- بأنه عدول عن المهمة الاجتماعية للفرد، ولكن على العكس فالفرد إذا انعزل فلكي يفكّر مليا ويستجمع قواه من جديد لتكون مساهمته كاملة، فكما أن السمكة مكانها في الماء، والعصفور في السماء، كذلك الفرد الإنساني يعيش فكريا في الاجتماعي، فالحقيقة الإنسانية لم توجد قبل وجود الفرد كإنسان، هذه الحقيقة انعكاس للعوالم الذهنية الفردية من مخطّطها الخيالي، الفرديات اللامعة تخلّف بصماتها أكثر من الفرديات الأخرى على هذا المخطط، فيخلق عالما منسجما تتبناه المجتمعات وحتى الإنسانية، ألا يمكننا أن نتحدّث عن عالم شكسبير، أو عالم هيجو أو راسين؟22

ما نستخلصه من حياة الفرد كما وصفه الأدباء هو أنه في الأساس مخلوق لأن يؤدي خدمة للمجتمع وللإنسانية، ولكن بشرط ألاّ يكون معهم مندرجا في قطيعهم، وإنما منعزلا ووحيدا، فهو على حدّ تعبير بيرون: (أقل الخلق استعدادا ليكون من عصابة الناس، وهو بينهم ولكنه لا يحسب في عداد قطيعهم.) ولا تعني عزلته عن الناس أنه عدّو لهم، لأن دوره يكمن في العطف على مظلوميهم والانتصار لهم، ولكن الفرد العبقري لا يناسبه الاختلاط مع سواد الناس، يقول بيرون: (الهرب من الناس لا يعني ضرورة أن المرء يبغضهم، إذ ليس كل امرئ مهيأ لمشاركتهم في حركاتهم وأعمالهم.)23وهذا ما قصده كذلك ابن باجة بقوله: (ولذلك يكون المتوحد واجبا عليه في بعض السير أن يعتزل الناس جملة ما أمكنه، فلا يلابسهم إلاّ في الأمور الضرورية، أو بقدر الضرورة...)24

3-                        الفرد السير ذاتي

السيرة الذاتية L’Autobiographie، أصل الكلمة إغريقي وهي مركبة منautoبمعنى الأنا، bioبمعنى الحياة، وgrapheinبمعنى الكتابة. وفي الاصطلاح السيرة الذاتية هي نوع أدبي، فيه يسرد الكاتب حياته الخاصة.25

لم يخصّص نبهاني كتابا خاصا يسرد فيه حياته الخاصة، لكن القارئ يمكن أن يعثر على نصوص متفرقة في كتبه، يحدثنا فيها عن حياته كفرد، وعن تجاربه، يقول في كتابه "الإنساني الشامل": (عندما كنت على وشك إنهاء دراستي الجامعية، أبي الفلاح والتاجر الأمي –رغم أنه غني بإنسانيته-جاء لينتزعني مما يسميه الحضارة المفسدة، ويعيدني إلى دواليب إدارة عقيمة ويحشرني في نشاطه التقليدي الأبوي التجاري، وجعلني أتبنى نمطا من الحياة يحافظ على التماس مع عالمنا الإسلامي الوحيد المقبول في نظره. استسلمت إلى الإغراء الذي عرضه عليّ...)26

وهو يشير في هذا النص إلى طلب أبيه العودة من فرنسا، خوفا عليه من فقدان هويته في خضم المجتمع الفرنسي، والعودة إلى مسقط رأسه ليشتغل بتجارة التمور، وأنه امتثل لإرادة أبيه، والنص يشير كما يلاحظ القارئ إلى السلطة الاجتماعية التي تمارس على الفرد، وتحدّ من حريته، وتعطّل تفتح قدراته.

وفي كتابه "الإنسان في الإسلام" نصوص تسرد حياة المؤلف، منها على سبيل المثال قوله: (واحد من أقربائي طلب مني يوما المقصود تحديدا بالخطاب القرآني الذي جاء للإنسانية...أجبته بأن القرآن جاء ليقوّم نفاق الناس...وأفهمته أنه بخلاف الخطابات الدينية الأخرى، الإسلام جاء ليشرّع للمجتمع، ويبني المدينة الأرضية، بحيث تشارك في ذلك كل الشعوب.)27

وهذا النص يدخل في إطار آرائه بخصوص الإسلام، الذي أراده دينا محرّرا لمعتنقيه، ورسالة عالمية يمكن أن تعيش تحت ظلاله الإنسانية بأمن وسلام بعيدا عن الإيديولوجيات المتكلسة.

وفي الكتاب نفسه يقول ثانية: (بمراكش وأنا في مطعم، في صحبة مغربي، فرنسي وإنجليزي. نتناول شايا بعد وجبة طعام، الحديث بيننا انصب على مزايا كل نموذج للإنسان القومي. الإنجليزي مجّد النموذج البريطاني، المليء بالاعتدال والظريف. الفرنسي رفع التحدّي وأظهر نموذجه الناعم، النبيل والمتسامح. المغربي سكت ولم يقل شيئا، سحبت نفسا، ثم انفجرت قائلا: إن العربي-الإسلامي لا يتطلع إلى أية صفة عند الآخرين لأنه يتميز بالمروءة، ببشاشته واجتماعيته.)28

لا شك أن هذه النصوص ليست سيرة ذاتية بحتة بالشكل الأدبي المتعارف، ولكنها أخبار الأنا النبهانية، أخبار تخدم السياق الذي من أجله ألّفت هذه الكتب التي اقتبست منها هذه النصوص.

وفي كتابه "أفارقة يتساءلون" نجد ملمحا سير ذاتيا يصف فيه شخصية رشيد، يقول: (رشيد كانت له عادة الاستيقاظ باكرا والذهاب إلى الحديقة للمطالعة، لذلك تضايق الأب إسماعيل من سلوكه، واتخذ موقفا بأن لا يتحدث معه، وجعل يفكّر في أمر ابنه الذي ربما يكون قد فقد صوابه.)29

وعلى ذكر الأفارقة يمكن لنا أن نوسّع دائرة الحديث عن الفرد في الأدب الإفريقي، فالفرد ليس حقيقة غريبة عن الثقافة الإفريقية، فلقد قام "ديدريش وسترمان" سنة 1938بنشر كتاب "سير ذاتية إفريقية" وهي إحدى عشرة سيرة ذاتية لكتاب من مختلف البلدان الإفريقية تمثل درجات ثقافية مختلفة. وهذا يكشف من خلال السيرة عن إبداع بورتريهات لأفراد. والسيرة الذاتية نوع أدبي مستمد من الأدب الشفوي، المزدهر في الزمن القديم، ذاك التراث الذي يمكن أن تخلق منه مكتبة حية.30

صحيح أن مشكلة الفرد في المضمون الثقافي الإفريقي تبدو معقدة للغاية، خلافا لما عرفته في العالم الغربي، فمفهوم الفرد في إفريقيا لم يتعين إلاّ خلال زمن قصير، إذ هناك اختلاف أساسي في ظروف انبثاق هذا المفهوم في أوروبا، وشروط ظهوره في المجتمعات غير الغربية، في الحالة الأولى، الفردانية توضع إلى جانب الحريةوالترقيوالمبادرة والإبداع أما في الحالة الثانية، فتوضع إلى جانب الاغترابوفقدان المعالم وتمزّق لا ينتهي.

في كتابه "مقالات في الفردانية" يقسّم لوي ديمون المجتمعات إلى قسمين كبيرين: مجتمعات حيث الأفراد هم الأساس، تسمى مجتمعات فردانية، ومجتمعات حيث الفرد يمّحي وراء المثل الأعلى الجماعي، وتدعى مجتمعات كليانية. واستنادا إلى هذا التقسيم يكون المجتمع الإفريقي التقليدي مجتمعا كليانيا، وبالنتيجة فتعبير الفردانية غريب نوعا ما بالنسبة إليه. وإذا كانت الفردانية يجب أن تظهر داخل مجتمع بنمط تقليدي، كلياني، فسيكون في تعارض مع المجتمع، وكشيء زائد عنه، ويكون فردا بصيغة "فرد خارج العالم".

ولكن ابتداء من ثلاثينيات القرن العشرين، عرف الأدب الإفريقي تطورا هاما اتسم بالفردانية، والنتاج الأدبي الإفريقي الأول تابع لامتياز الجماعية على الفرد الذي يحاول التعبير عن أفكاره ومشاعره، ورغم ذلك من اللافت أن تستوقفنا الاستراتيجيات النصية المستعملة من طرف بعض الكتاب لتكوين بورتريهات مفردنة، لكن في إطار متطلبات الرؤية الجماعية لمجتمع ما.31

إن تقنيات الكتابة المستعملة من قِبَل الكتاب والكاتبات الأوائل تشكّل أمثلة ممتازة لوجهة النظر هذه. الكل يتحدث بصيغة المفرد، ولكن "أنا" المخاطب تبدو موازية لـ "نحن" مجموع الأفراد الذين يحيون في الشروط نفسها.

وفي المنظور نفسه يمكن الحديث عن روايتين: الأولى بعنوان "حياة واحد من الأهالي" لفردناند أيونو الصادرة في باريس عام 1956، والثانية بعنوان "المصير الغريب لوانغرين" لأمادو أمباتيبا الصادرة عام 1973، هاتان الروايتان تستعملان نفس الإستراتيجية في إخفاء ضمير "أنا" وراء "النحن" حتى وإن كانتا تؤسسان لشخصيات فردية، أو مستقلة لها سيرة ذاتية، واسم خاص، فإن الراويين ينكران أبوة القصة المروية، والوقائع تكتسب شكلا ما خارجيا إزاء الراوي، وتحدث نوعا من العقد السردي يكون فيه كل حكم صادرا من القارئ فيما يخصّ صدق القصة معلقا. والقصة المروية بهذا تصبح نموذجا وتربط الفرد بالجماعة التي ينتمي إليها.32

والمجتمع الجزائري إبان الخمسينيات من القرن العشرين لا يختلف كثيرا عن بعض المجتمعات الإفريقية، إذ تتوارد إلى ذهن قارئ مؤلف نبهاني "أفارقة يتساءلون" –الذي صدر في الخمسينيات– ملامح السرد التي تحدثنا عنها، إذ نرى نبهاني يختفي وراء شخصيات "فلاسفة بستان النخل الأربعة" ونقاشهم الحادّ الذي مسّ قضايا حساسة تعتبر تابوهات في ذلك الوقت، واللوم الذي تلقاه –أو بالأحرى تلقته شخصية رشيد- من الأب إسماعيل لأنه شارك في هذا الحوار، كما نراه يتقمص شخصية رشيد، ثم علاقته دائمة التوتر مع الأب، والقضايا التي يفتح فيها النقاش أو يختتم لا تخرج عن حيّز المجتمع الذي عاشت فيه هذه الشخصيات.33

وعلى العموم يمكن القول –مع بعض الاستثناءات- إن معظم القيم المتبناة من العقلية التقليدية ظلت مرجعية سائدة عند بعض المثقفين، فحيثما يكون التراث مقدسا، فإن الفرد لا يساوي شيئا أمام الجماعة، ولعل هذا يعود إلى الظرف التاريخي للمجتمعات الإفريقية، حيث القيم تمثّل شبكة قاعدية لاحتجاجات الهوية الوطنية، ففي مثل هذه الظروف –ظروف الاحتلال الفرنسي للجزائر وبعض الدول الإفريقية- يمر مشروع تشكيل هوية وطنية في نظر بعض المثقفين والزعماء فوق كل هوية فردية، وهو ما قصده فرانس فانون عندما قال بأن التجربة الفردية عندما تتلون بالوطنية تكف عن أن تكون فردية، ولكن رغم ذلك يمكن أن تنفتح على الإنسانية كما يدعو إليه نبهاني.

لكن الوضعية تغيرت إبان الحركات التحررية في إفريقيا، وتغيرت وجهات نظر المبدعين، أضف إلى ذلك، تأثر الأدب الإفريقي بالرومانسية، وعلى إثر كل ذلك انبثق نموذج جديد للإنسان الإفريقي.

4-                        الفرد والمنفى

يشكو نبهاني موقعه الثقافي، ومن ثم النفسي، من جهة تواجده بين عالمين: عالم إسلامي يشكّل ثقافته الأم وقيمها، وعالم آخر يداول فيه مفاهيم الثقافة الفرنسية، وهذا ما خلق شرخا طرح إشكالية الهوية عنده، ولإلقاء الضوء على ذلك نأخذ كمثال رواية إفريقية هي رواية "الزهيرو ليس أيا كان" لـ وليام ساسين الصادرة عام 1985، ومن خلالها نكون أمام ملمح مستجدّ للفرد. شخصية تضيّع كل صلابة، تكتسب خصائص مظهرية عرضية، يحاول أن يشكّل شخصية مصطنعة. اللسان الخالي من المعنى واللباس غير اللائق، هما الخاصيتان اللتان تبناهما الفرد كي يخلق هوية جديدة، فرد هذه الرواية يشبه ظاهرة اصطناعية، وتقليدا ضخما للأنا نفسه: (إنه المدعو الأسود الوحيد لحفلة اللباس مستعار من أصدقائه، والذين يضايقونه، فيحدثون قرقعة، إنها وضعية مضحكة لا تمنعه من إلقاء خطابات فلسفية أمام المدعوين، في إطار هدف واحد هو أن يظهر لهم بأنه "ليس بأي كان".)34هذا التصوير يبين عدم توافق الفرد بطريقة ما مع عصره، وهي نزعة سائدة للروايات المكتوبة سنوات التسعينيات منذ دخول الفرد الإفريقي مرحلة جديدة، تدين بنسبة كبيرة إلى تغيّر الوضعية الثقافية للكتاب الأفارقة الشباب.

لكن نبهاني لا تنطبق عليه هذه الصورة المضحكة التي عرضتها الرواية لذلك الفرد، لأن نبهاني استطاع أن يصهر هوية جديدة بعذاب نفسي أقل، بمعنى أن ثقافته الفرنسية وعمله ودراسته هناك لم يعذبانه إلى درجة كبيرة، بل استطاع بخياله أن يسمو إلى مفهوم جديد من الفرد هو الإنساني الذي يلتقي عنده كل أفراد العالم، الخالي من عذاب التمزق الهوياتي، وأكثر من ذلك حاول أن ينظر إلى الإسلام من خلال هذه المفاهيم العالمية.

إن كتاب المنفى - قسريا كان أم اختياريا- المتواجدين في فرنسا هم في حالة مفاوضة هوية جديدة، وعناصر أخرى للانتماء، فالمنفى لا يشير ببساطة إلى تغيير جغرافي، ولكن إلى أسئلة دقيقة للهوية كذلك، وإلى ذاكرة الانتماء التي أنتجها هذا المنفى. والفرد المقيم في موضع آخر، لفترات على الأقل طويلة، وفي بعض الأحيان نهائيا، يتخلى رمزيا عن البعد المكاني والجماعي لهويته. إنه يتواجد جمعا، دون انتماء ثابت، وجاهز لكل إمكانية جديدة للانتماء. وفي هذه الظروف، يحاول الفرد أن يجد نقطة جديدة للارتباط ليؤكد مكانته كفرد. وفي ميدان السرد، يحاولالفرد أن يعيد تعريف نفسه. وأمثلة هذا البعد الجديد للفردانية متعدّدة في الأدب الإفريقي المعاصر، وفي أغلب الروايات تبدو الشخصيات أفرادا يريدون أن يبرزوا خارج كل تحديد داخلي، ولكنهم يبحثون، على النقيض، عن تعريف هويتهم.35

في العام 2001ظهرت روايتانتشكلان مثالين للتغيير الذي أصاب ملمح الفرد الإفريقي وهما "صناعة المراسيم" لـ كوسيإفوي، و"مكان الحفلات" لـ سامي تشاك، روايتان بنتا عوالم لا مركزية، وغربية بالنسبة للفرد. الحوار الدائم مع الأب، متخيل في عالم من الزمن، ولكنه حاضر في "مكان الحفلات" وهو يؤسّس لبحث رمزي للهوية ورحلة البحث عن فضاء للانتماء. الجينيالوجيا36مرفوضة من الشخصية التي خلقها سامي تشاك، وحقيقة أحكام القيمة التي يطلقها الأب مرفوضة، يقول القاص على لسان شخصيته: (أحاول أن أضع في جمجمته قليلا من الفهم، وهذا ليس سهلا، نظرا إلى أن أبي بعد فحص بجهاز سكانير، تبين بأن له دماغا بحجم نملة...) ففي الرواية يريد القاص أن يجتذب انتباه القارئ إلى التكوين التدريجي لفردية كاملة العضوية، مختلطة، تتموضع بين فضاءين مختلفين ثقافيا، ولكنها تحتجّ على حقّ الوجود: (أنا لا أتحدث إليك بسبب المشكل، إنه بالأحرى لكي أحدّثك عن نفسي (أنا) وأريد أن أعرف نفسي كذلك. أستسمحك إنه مدّع مغرور، ولكن الجميع يودّ أن يعرفه، إنه أمر عادي.)37

إذا كانت الشخصية التي لا اسم لها، والتي خلقها سامي تشاك تحاول أن توجد طرقا أصيلة كي تحدّد هويتها الفردية داخل فضاء ولادته، فالشخصية الأخرى في رواية "صناعة المراسيم" هي حالة "إدغار فال "الذي غادر بلده الأم رغما عنه، وبمبادرة من مدير مجلة "Périple Magazine" هذه الشخصية متواجدة في حالة ضرورة تحديد وضعيتها بين فضاءين، وصنفين من السرد الهوياتي. الرحلة تتحول إلى بحث عن هوية شخصية. "إدغار فال "ينكشف في الرواية كفرد دون ضوابط، فرد تافه، يعيش حياة جمعية، ولكن إضافة إلى الرحلة في بلده الأم، بدأ يعاني إحباطا نفسيا بارزا تدريجيا، فالهوية الداخلية الإفريقية، متبرئ منها، ولكن لا هوية أخرى تم تشكيلها، تاريخ الوطن والمعيش تم طردهما من ذاته، وفضّل حياة يومية دون هدف ودون أمل.38

ومن خلال الروايتين يمكن القول بأن الفرد يبدو غريبا، وحيدا ومنعزلا عن الآخرين. التواصل يبدو شبحيا، تواصل حيث الآخر لا يجيب. إنه حالة من حوارات كاذبة مع الأب في رواية سامي تشاك، وحوارات "إدغار فال"مع "إربان مانغو" في رواية كوسي إفوي. والشخصيات التي تعرضها الروايتان تعرض إذن كأفراد منخرطين في علاقات زائفة مع الآخرين، شخصيتا الروايتين ترفضان كل تحديد وكل انتساب هوياتي ضمني وخارجي. والبحث عن الهوية تجسّد في الروايتين كمشروع تطوري في حركة البحث عن المعنى الإجمالي للوجود الذي بقي بعيد المنال في العالمين اللذين خلقهما القاصان.39

وعلى عكس الضياع الهوياتي الذي عاشته الشخصيات السالفة الذكر، نجد الشخصيات التي خلقها نبهاني كريبع في "فلاسفة بستان النخل الأربعة" أكثر إدراكا ووعيا بهويتها، ونلمس حرارة كبيرة في الدفاع عن آرائها، سواء تلك المتمسّكة بهويتها الإسلامية، أم تلك التي تسعى إلى اكتساب هوية فرنسية غربية,

فالفيلسوف "بالي" يعتقد كما يعتقد توماس هوبز بأن جانب الشرّ أكبر من جانب الخير في الإنسان، وبالتالي فالإنسان ذئب للإنسان، فعلى صعيد الهوية ينبغي للمسلمين أن يبقوا مسلمين، لأن الخضوع للغير والرضا بذلك يخرج المسلم من دينه، وعلى الصعيد الوطني، على الجزائريين أن يسلكوا طريق التحرير والاستقلال. والفيلسوف الثاني هو "صافي" يؤمن بالحاضر فقط، ويثق بعقل الإنسان مطلقا، وعلى صعيد الهوية يؤمن بتماثل غربي-إسلامي، وهذا يمهد -حسب تعبيره-لزواج شرقيغربي، والناس على اختلافهم مدعوون للتعاون والاتحاد في أمة روحية عالمية، وعلى المستوى الوطني يدعو إلى تعاون جزائري فرنسي كخطوة أولى للانصهار النهائي بينهما. أما "باشا" فيعتقد في مقولة كارل ماركس "الدين أفيون الشعوب" وأن ربط العقل بالدين يمنع سيره العادي، ويعرقل التوجّه لدراسة الواقع، والمسلمون اليوم يعيشون في وهم زمن العزّة والقوة، لكن الحقيقة أنهم متخلّفون وسيبقون كذلك، أما على المستوى الوطني فذهب إلى أن ما تقوم به فرنسا في الجزائر هو خير للجزائريين لأنهم غير قادرين على حكم أنفسهم. وبالنسبة إلى الفيلسوف "ساسي" وهو مادي ملحد، يعتقد فإن الحقيقة لا وجود لها إلاّ في خيالنا، بمعنى أن ما نخاله حقيقة في العقل، هو مجرد سراب. انصب تفكير الرجل على الجانب الوطني، إذ انتقد الفرنسيين في توجهاتهم سواء في فرنسا، أو في الجزائر، وهو يؤمن بإمكانية تطور الجزائريين، لو تلقوا تعليما جيدا وحرّروا المرأة، وتعاونوا مع الأمم المتطورة.40

إذن لعلّ القارئ لمس الفرق بين شخصيات الروايات التي تم التطرق إليها، والشخصيات التي خلقها نبهاني، فالثانية أكثر نضجا ووعيا بحالتها، والدليل على ذلك أنها استقرت على آراء تدافع عنها بالبراهين، ولا يلمس القارئ بأنها تعاني من أية عقدة نقص تجاه لون بشرتها كما هي شخصيات الأدب الزنجي41ولا ضياعا فوضويا غير محدّد المعالم لهوياتها.

5-                        العفو عن الابن المطرود

كثيرا ما يقسو المجتمع على الفرد بدعوى أنه يثير القلاقل، ويهدّد توازنه، فيحاصر الفرد المسكين إلى أن يستسلم للعزلة، ويعيش المنفى بكل مرارته، لكن هناك حقيقتان واضحتان لا يمكن إنكارهما: الأولى تتمثل في أن المبدعين دوما يقفون ضدّ تيار زمانهم الذي يغشاهم بكل ما هو مبتذل كعقبة تقف في طريقهم إلى الإبداع وكطريق للترقي، ولا يمكن التعويل عليهم إلاّ إذا اكتسبت مساهمتهم حق الوجود، وليس من السهولة التنازل عن سلطتهم الإبداعية أمام مجتمعهم. والحقيقة الثانية هي أن هذا المجتمع بالذات يعاني من التكلّس، لذلك فهو بحاجة إلى تجديد وتهوية، وذلك لا يتأتى إلاّ بمصالحة الفرد، لأن الترقي الإنساني المنشود ليس معطى خارجيا، بل يرجع إلى الإنسان، إنه نتاج حريته، وهو مراد ومحقق عن طريق الفرد.42

بمعنى أن إزالة التكلّس عن دواليب المجتمع يبدأ من التحول السيكولوجي الداخلي للفرد، إذ التحول الجذري للبنية الاجتماعية، مشهد مستحب رؤيته لدى كل الشعوب، لكن الأهم هو الثورة الداخلية، وبالتالي فمن أجل بناء مجتمع جديد يمتصّ صدمات التفكّك، ويكون حيا على الدوام، ينبغي أن تحدث ثورة في البنية النفسية للفرد، ذلك أنه من دون ثورة نفسية داخلية، فإن مجرّد تحويل البنية الخارجية لا أهمية له. (لماذا ينهار المجتمع ويتفتّت، كما يحصل الآن؟ إن أحد الأسباب الجوهرية هو أن الفرد، أنت، قد توقف عن أن يكون خلاّقا.)43

إن المجتمع الفرنسي في القرن التاسع عشر احتاج إلى "نابليون" كي يعلّمه بأن المستحيل غير موجود في الحياة، وقد لاقت صفات هذا الرجل صدى قويا لدى الأدباء، كفكتور هيجو صاحب الخيال الجامح والعبقرية الوقادة، والراجح أن هيجو واجه في حياته واقعا مرّا خاليا من العدالة والمشاعر الإنسانية، واستطاع أن يبني عالما جماليا كان لعظمة الفرد فيه مكانة مرموقة، وفعل العظمة هذا إضافة إلى أنه انعكاس للأحداث التاريخية في جزء منه، هو إدراك إبداعي خاص لقدرة الفرد على صناعة التاريخ أو التأثير القوي في أحداثه، وسيد الموقف هنا هو الفنان، لا رجل الحرب ولا قوانين المجتمع، إنما العمل الفني يغيّر طبيعة الأشياء، وطبائع الشخصيات التاريخية، وتكتسب كينونة خاصة.44

والشخصية الفنية البارزة في القرن التاسع عشر هي الموسيقار "بيتهوفن" كان فنانا يفعل ما بداخله (كان فقيرا، جاهلا، فظا، سلوكه سيئ، ويعرف القليل، ولا يظهر مثيرا جدا، باستثناء إلهامه الذي يدفعه إلى الأمام، لكنه لم يتنازل، إنه يجلس في عليته ويؤلّف، إنه يبدع وفق ما يمليه النور الذي بداخله، وهذا كل ما على الإنسان فعله، هذا ما يجعل الإنسان بطلا، حتى لو لم يكن عبقريا كبتهوفن.)45

إن الفردية إذن هي أثمن طابع للعمل الفني، ففوق الهيكل المصري أو اليوناني، وفوق كاتدرائية القرون الوسطى، نضع الروائع المتنوعة والشخصية لكبار فناني عصر النهضة أو الفن الحديث والمعاصر، يقول إميل زولا في هذا المعنى: (إن مثالنا الأعلى هو حبنا، وانفعالاتنا، ودموعنا، وابتساماتنا...نحن نخلق أسلوبا وفنا بدمائنا ونفوسنا...فإذا كنت تسألني عما جئت أصنع في هذا العالم، أنا الفنان، فإني أجيب: جئت لأعيش في الأعالي.) إن الفنان بما فيه الكاتب، يجب أن يبقى مستقلا عن المجتمع ويعمل عمله الفردي بحرارة ذاتية، وهذا الإظهار الحرّ للأفكار الفردية هو بالنسبة لـ"زولا" الشرط الأول للخلق الأدبي، إن ما ينادي به زولا هو: تفوق الفرد على المجتمع بعلو المقام.46

إن الفنان المبدع هو ذاك الذي يفكّر أبعد من الآخرين، يريد أن يرفع عن أعين مجتمعه الغشاوة التي تجعله يرى الحقيقة بأعين الآخرين، المبدع يعرف بأن ما يراه الآخرون لا وجود له، لذلك يريد أن يعتمد وجهة نظره هو، لأنها الوحيدة المشروعة، ولكي يفرض نفسه، فهو يستخدم شكلا من الفكر شخصيا، ومظاهر من أسلوب يحمل طابعه الخاص.47

ولكن لماذا يهتم الفرد الفنان بالشخصيات الفردية إلى هذا الحدّ؟

الجواب على ذلك هو أن الفنان يصحّح الحياة من خلال الحياة، يصحح حالاتها الناقصة، من خلال حالاتها الأكثر كمالا، إنه يعتقد بأن الفكرة المجردة للأشكال أكثر كمالا من كل أصل، ذلك هو الجمال المثالي المشهور، والفكرة التي تشخّص ذلك هي أن أفرادا بعينهم أكثر بروزا من غيرهم، فالإسكندر الأكبر هو شخصية أكثر عظمة من متسول أعمى يجلس على قارعة الطريق، فالحياة تتجه نحو الكمال، والفنان يعرف الكمال من خلال حدس باطني يخبره ما هو الطبيعي، وما هو غير الطبيعي، وما هو المثالي وما الذي يعدّ انحرافا عن المثال. وقد احتجّ بعض النقاد على هوميروس عندما سمح لأبطاله بأن يحتكّوا مع مربّي الخنازير، لأن ذلك يسيء إلى هؤلاء الأبطال، وإن مهمة الفنان ليست ببساطة إعادة إنتاج ما هو واقعي موجود.48

هذه إذن الصورة الفنية التي ينبغي أن نقدّم بها الفرد، الذي يقلقل المجتمع الجامد، ويفتح ممرا للرقي له، فلا خيار لأي مجتمع إلاّ بأن يعفو عن أفراده المتمردين، وأن يعيد احتضانهم من جديد، ومن دون ذلك ستسقط المجتمعات في الغفلة، والويل للمجتمعات وللإنسانية إذا بقي الأفراد عبيدا، استولت عليهم العائلة، وتقلّص أفقهم الذهني، وتبنوا عواطف الجماعة التي ليست عواطفهم بحق، فإذا استولى عليهم المجتمع حينئذ يفشلون في مهمتهم التي هي الاتساع والانتشار على مقاس الإنسانية في تنوعها.

6-                        نتائج إقصاء النظرة الجمالية إلى الفرد

إن نبهاني كريبع انطلق في بناء مفهوم الإنساني الشامل من ضرورة إعادة ترتيب الحقائق الإنسانية، حيث يحتل الفن المرتبة الأولى، ثم تليه الميادين الأخرى على التوالي: الفلسفةوالعلوم والأديان، فلماذا احتل الفن المرتبة الأولى؟

الجواب على ذلك يكمن في أن الثورة العلمية الحديثة القائمة على العقل ومع أنها أحلت العقل محل العادة والتقليد، فإنها لم تستطع أن تحرّر الفرد، بل توجست منه، وفضّلت عليه القوانين غير الشخصية للعلم التي تطبق على الحياة الإنسانية، وعلى الفكر في الآن نفسه، فالفكر الحديث يريد أن يكون علميا، إنه فكر مادي وطبيعي، ويذيب خصوصية الظواهر في قوانين عامة. وفي المجتمعيعد معيار الخير هو المنفعة الاجتماعية، لذلك تضمنت المناهج التربوية إجبار المتعلمين القيام بواجبات وأداء أدوار بهدف خلق مجتمع عاقل ومعتدل، على الطفل أن يكون منضبطا، مُحفزا بمكافآت أو مقموعا بعقوبات، من أجل السيطرة على نفسه وكي لا يهدّد توازن المجتمع. هذا التعلم هو تعلم الواجب، والانضباط، وهذه الكلمة تطلق في وقت واحد على نوع من الإلزام، وأداة للعقاب ومجال للمعرفة، وهذا المفهوم كما يرى القارئ يصعب اعتباره مفهوما يمت بصلة إلى ما هو فردي وإنساني، فالتعليم يُدخل وسائط بين طلبات الفرد وبين إشباعها المقبول، كما يُدخل آليات للتسامي تفلت من سيطرة الفرد وتتحول إلى العمومية قدر الإمكان، فأين هي الفردية في هذا التصور العلمي المادي للكون؟

لقد كان شارلز ديكنز Charles Dickens(1812-1870) الروائي الإنجليزي شاهدا على عصره، فصوّر لنا قبضة المجتمع على الفرد، هذا الملمح يجد جذوره قبل منتصف القرن التاسع عشر، وتقف وراءه عدة عوامل: تاريخية وسياسية واجتماعية، فالثورة الصناعية فرضت رؤية جديدة على المجتمع، أولها التقسيم الطبقي الجديد: العمال والبورجوازيين الذين أصبحوا أرباب عمل، وعلى إثر هذا الانقلاب تغير مفهوم الفرد، وأصبح مأخوذا في دوامة الجماعة، وغدا جزءا من آلية اجتماعية ضخمة.

ويبدو أن رواية ديكنز "الأزمنة الصعبة hard times" الصادرة في لندن عام 1920تعكس هذه الظاهرة، فالظروف التي تتواجد فيها شخصيات الرواية في الغالب خيالية، فالغموض يلف العائلات التي تتشكل ثانية بطريقة شاذة، تُدخل القارئ في عالم خيالي، وفي الوقت نفسه لها علاقة بالواقع، وفي هذه الرواية يُهاجم ديكنز النفعية بصراحة ممثلة في السيد غرادغريندMr grandgringوتربيته لأولاده، ففي الرواية يربي السيد أولاده عن طريق الوقائع، إضافة إلى الرياضيات وبعض المعارف التي يعتقد بأنها نافعة، ولا مجال يترك للخيال ومتعة الفرد، يقول ديكنز على لسان هذه الشخصية: (وإذن، ما أريده، هو الوقائع، علّم الوقائع لهؤلاء الأولاد ولهؤلاء البنات، لا شيء إلاّ الوقائع. الوقائع هي الشيء الوحيد الذي نحتاجه. لا تغرس فيهم إلاّ الوقائع واقتلع الباقي. بالوقائع فقط يمكننا أن نشكل عقل كائن يفكّر: والباقي لا يفيد بشيء. ومن خلال هذا المبدأ أدرّس أولادي...كونوا على علاقة مع الوقائع، ساداتي!).

إذن هذه هي ذهنية المجتمع الصناعي، والفرد لا مكان له، لأن مكانه استحوذ عليه النفع الأساسي الذي هو المال. فالأنا الفردية مقيدة في قالب من تربية جماعية تجحد الفردانية والآمال الشخصية. وهذا الجحود هو الذي يتحكم في مصير "لويزة وتوم" أبناء السيد، لويزة تزوجت الشيخ "بوندرباي" لأنها لا ترى في ذلك ضررا، إنه محكوم عليها بأن تعيش دون حبّ، ثقافتها مجموعة من المعارف النظرية والمُفرغة من العواطف، ومن جهته يستفيدتوم من كرم أخته كي يُشبع رغبته في اللعب. الشخصيتان تعيشان في عالم حيث الخيال ولذة الإبداع لا وجود لهما، وحين يُغادران السجن العائلي يكونان في مواجهة واقعية الوجود. وهذا النمط من الحياة الآلية والنفعية لدى ديكنز لا يُؤدي إلاّ إلى حياة عقيمة.

إن الفرد لا يصبح ذاتا، مُنتزعا نفسه من الماهية، إلاّ إذا عارض منطق السيطرة الاجتماعية باسم منطق الحرية، والإنتاج الحرّ للذات، إنه رفض لصورة اصطناعية من الحياة الاجتماعية كآلة أو كنظام. لهذا يقوم التعارض بين أخلاق الواجب التي أفرزتها العقلانية العلمية، والأخلاق التقليدية المتمحورة حول الفرد، والتي كانت تودّ أن تحرّره من انفعالاته، أليست أخلاق الواجب الحديثة قواعد ينبغي تطبيقها من أجل مصلحة المجتمع الذي لن يصل إلى الرفاهية إلاّ إذا ضحّى الأفراد من أجله؟

إن نتيجة إعادة ترتيب الحقائق الإنسانية الذي دعا إليه نبهاني كان يريد به تحذيرنا من أن الفكر العقلاني معادٍ للفرد بشكل صريح، أما تفتّح الفرديات فإن ميدانها الخصب يكمن في النظر إلى العالم نظرة جمالية، حينها ينحجب الفكر العقلاني الذي يدعو البشر إلى الخضوع لمبدأ ما، وللحقيقة التي تعلو بهم فوق اندفاعية العواطف.

ولم تكن رواية ديكنز هي الوحيدة التي فضحت شراسة العقلانية العلمية المعادية للفرد في القرن التاسع عشر وفي إنجلترا وحدها، وإنما كان القرن التاسع عشر في فرنسا هو قرن الفرد بامتياز، ضد النمو الاقتصادي والاجتماعي الذي أطبق عليه، عبادة الأنا في مختلف الأنواع الأدبية، سواء الموجودة أو التي تم تحويلها أو التي تم استحداثها، كالسيرة الذاتية، واليوميات، والكراساتالشخصية...يعبر فيها الكتاب عن عواطف عائلة واسعة من الناس، يقول هيجو في ذلك :( أخرق أنت الذي تعتقد بأنني لست أنت.) ويقول بودلير: (منافق، أيها القارئ، شبيهي وأخي.)

إن الفرد عند نبهاني لا يظهر لا في العلوم ولا في الفلسفة. هو لم يحدّد نماذج أو صفات خاصة دقيقة يجب أن تتوفر فيه، وإنما حدّد الأطر العامة التي تسمح بتفتق مواهبه، وذلك ينبغي إذن أن نستقيه من الأعمال الأدبية على اختلاف أجناسها، ففيها يتجلى الفرد المبدع، يتحدث عن نفسه، عن آماله، عن مشاريعه، عن نظرته للكون والحياة،وعن موقفه من المجتمع.

إن السيرة الذاتية يمكن تفسير نشأتها عندبعض النقاد بالضغط الاجتماعي الذي مُورس على الفرد، هذا النوع الأدبي الذي بدأ مع مونتني، ثم تلتها اعترافات روسو، ثم منشورات سير ذاتية أخرى كسيرة ستندال، وبنجامين كونستان، وثيوفيلغوتيه...إن السيرة الذاتية هي لحظة نموذجية لكتابة الذات، وفي كتب نبهاني مساحات سير ذاتية كشفت لنا عن نظرته إلى الحياة،وموقفه الجمالي، الإسلام...وكتابة الذات تحت أي نوع أدبي كان ليس تمجيدا للذات نفسها، وهذا لم يحدث سواء في ظاهر السطور أو ما تحتها، لدى نبهاني، إذ المفهوم العامي للحديث عن الذات، يعني التباهي بها، لأن الناس لا إراديا يميلون إلى التباهي بأنفسهم، ولم يكن الأمر كذلك بالنسبة لنبهاني، والحديث عن الذات ليس مجالا للتواضع المتصنع، فقد خصص القليل من الصفحات للحديث عن نفسه، إنه يتجلى في نثر أكثر تواضعا، يعرض دون رمز، ودون هالة.

أن تكون، فردا هو أن تكون أصيلا، وأن تكون أصيلا هو أن تؤكد على ما أنت عليه، تجاه العالم أو ضدّه. وأن تكون كذلك عليك أن تتمالك نفسك من الداخل، وتجد الوسائل والحيل التي تعطي معنى لما كان معطى جماعيا. والسيرة الذاتية هي الميدان الذي "ينكتب" فيه الأفراد المبدعون و"ينعرضون" بهذا الشكل، إنها بمثابة إطار لفحص الذات في حقل متنام، وهذا يسمح بخلق فرد لا يعيش فقط مستقلا، ولكن يمتلك فضلا عن ذلك حميمية متميزة.

إن سؤال الفرد لا يزال مطروحا حتى اللحظة، في القرن الواحد والعشرين، وسيبقى مطروحا، وهذا ما تظهره الكثير من الكتب والمقالات الصادرة حديثا49، وليس هو سؤال القرن التاسع عشر وحده. وكلها تؤكّد الجدلية القائمة بين الفرد والمجتمع، فهذا الأخير ينزع إلى تكييف الفرد مع حياة الجماعة، من خلال الأسرة والمدرسة، وباقي المؤسسات الأخرى لأجل التطابق مع القوانين الاجتماعية السائدة، وكل مجتمع يعيد إنتاج هذا النمط من أجل كبح جماح الفرد، ولضمان السير الحسن له، من خلال جعل هؤلاء الأفراد يتصرفون بدقة، والتأثير الذي يمارس عليهم لا بد أن يكون منذ الطفولة، أي أن الإجبار لابدّ أن يكون تدريجيا وفي غفلة من الفرد. أما الفرد الذي يريد الخروج من الإرغام الاجتماعي وتقرير مصيره الذاتي، فهو إنسان جديد، خالق حياته الخاصة، يبرهن في كل خطوة بأنه يسيطر على ذاته بليونته النفسية، بإمكاناته العملية، بقدرته على تحمل مسؤولية إخفاقاته. هذا الفرد يمتلك نوعا من البوصلة الداخلية لإدارة مظهره الجسماني، وممارسة حياته المهنية، العاطفية وإخفاقاته كمالك لحياته الخاصة.

ومهما كان نبهاني معارضا لسلطة المجتمع، ممثلة في سلطة الأب أولا، ونقصد بذلك تواريه خلف شخصية رشيد الذي كان في صراع دائم مع الأب إسماعيل، فإن تصوره لا يتخطى إيجاد الظروف المناسبة التي تسمح بنمو حرّ للمواهب، وليس عودة عن سلطة العائلة والسير في اتجاه استقالة الآباء من وظيفة القيام برعاية الأبناء، كما ذهبت "جسيكا بنجامين" في مقالها المعنون "عودة على سلطة العائلة أو عالم بدون آباء" الذي تتساءل فيه عما إذا كانت المجتمعات الغربية متجهة إلى الاستغناء تماما عن سلطة العائلة، بما فيها سلطة الأب، نظرا لضعف دوره في الإشراف على تربية الأبناء، والنص التالي يعطينا صورة واضحة عن هوية الطفل عندما تضعف سلطة الأب في العائلة: (قطعة من الهوية تم جمعها من المدرسة، زائد جزء التُقط ضمن جماعة من الرفاق، يُضاف إليه بقايا تلقفها خلال العطل من تنظيمات أي كانت، ونصيب من الأب، وآخر من الأم...والكل مخلوط في طبقة من الحميمية الأسرية موزعة بعدم تساوي طوال السنة.) أبدا لم يكن هذا تصوره لتربية الفرد ونشأته.

إن الإنساني في نظر نبهاني تقضي عليه النظرة العلمية للكون والحياة، لأنها تحلّله وتلبس عليه ثوبا ماديا، والنزعة العلموية scientismeفي الفترة المعاصرة برهنت على فشلها، في تفسير كل الظواهر، ووصلنا معها إلى قناعة بأن العلم لن يستطيع أن يكون الديانة الجديدة، وبالتالي لابدّ أن نتوخى الحذر، ففي الجانب الآخر هناك النفس التي ينبع منها الإنساني والذي ندركه بالحدس50، هذا الجانب كان يمكن أن يتخذ الصدارة في تصنيف الحقائق، أو أولويات البشرية، لأن الفن يساعد الأجيال التالية على معاناة المشاعر الإنسانية التي عانى منها الناس من قبلهم، ومثلما يتم تطور المعارف وارتقاؤها بحلول المعارف الأكثر صدقا ونفعا محل المعارف الباطلة والمضرة بعد إزاحتها،  يكون تطور الأحاسيس بواسطة الفنّ، إذ تُزاح الأحاسيس الوضيعة، والأقل خيرا ونفعا لصالح الناس، وتحل محلها الأحاسيس الأكثر خيرا ونفعا لهذا الصالح، وهنا تكمن غاية الفنّ ومهمته، وبهذا يكون الفن أفضل بقدر ما يحقق هذه المهمة، ويكون أسوأ بقدر ابتعاده عنها.

إن الفن أداة من أدوات تقدم البشرية، فمن خلال الكلمة الصادرة من النفس وحرارتها، يعاشر الإنسان الآخرين روحيا بأحاسيسه، وليس أناس الحاضر فقط، ولكن أناس الماضي والمستقبل، ومثلما يتأثر الناس سلبيا بالنظرة المادية إلى الكون، يتأثرون كذلك بالفن المزيّف، الذي لا يقدّم شيئا، لأنه يشوّه في الناس القدرة على التأثر بنتاجات الفن الحقيقية، وبذلك يجردهم من إمكانية معرفة المشاعر السامية، التي بلغتها البشرية، والتي يمكن للفنّ وحده أن ينقلها إلى الناس. ونتيجة الحرمان من قدرة التأثر بالنتاجات الفنية، يعيش الناس –خاصة في الطبقات الغنية-ويتربون بعيدا عن تأثير الفن، هذا التأثير الذي يسهّل الحياة، ويجعلها أكثر خصوبة، ولذلك فهم لا يتحركون نحو الكمال، ولا يصبحون خيّرين، بل على العكس من ذلك، ففي ظل التطور السريع للوسائل الخارجية يصبحون أكثر وحشية وفظاظة وقسوة.

هذه هي عواقب غياب نشاط وسيلة الفن الضرورية في أي مجتمع، وعواقب انحراف نشاط هذه الوسيلة  أكثر ضررا.

ولعل القارئ عرف بشيئا بخصوص الفرد وكيف تم سحقه من طرف النظرة المادية للكون والحياة، وكيف حاول الأدب أن يبرزه ويعيده إلى الواجهة.51

7-                        في نقد النزعة الفردية

وفي مقابل النظرة الفردية إلى الآثار الفنية عموما، هناك النظرة السوسيولوجية التي أهملها نبهاني، هذه النظرة التي يمكن أن نجد فيها تفسيرا للكثير من الظواهر الفنية لأنها تبدو أكثر شساعة من الأولى، ففكرة الفرد العبقري تطورت من قبل شريحة واسعة من مفكري القرن التاسع عشر المعروفين باسم الرومانسيين، الذين سعوا للاحتجاج ضدّ ما وجدوه من تفاقم في الطبيعة الكئيبة والمبتذلة للحياة في المجتمع البورجوازي الصناعي القائم على الربح، وليس على الأخلاق أو القيم، وقد أسس الرومانسيون الصورة الجديدة للفنان العبقري كبطل يصارع ضدّ ذلك المجتمع المتجه إلى أن يصبح أقل إنسانية.

وإذا كانت الفردية مصدرها ظروف تاريخية غربية، فإننا لا يمكن أن نبقى مدينين بالفضل لأفكار الرومانسيين وخلفائهم، لأن الزمن تجاوزها، ولا يمكن تعميم "فرد فنان" على كل المجتمعات، لأن فكرة الفرد المنعزل هي فكرة غربية تعود إلى بواكير العصر الحديث، فقبيل هذا العصر في الغرب وفي كل المجتمعات الأخرى وفي كل العصور، لم يكن هناك تصنيف مماثل، وذلك لأن مثل هذا العمل الإبداعي كان ينجز عادة ضمن فريق وليس من قبل أفراد، لذا فإن فردية الفكرة الغربية الحديثة عن الفنان تعني أن المصطلح لا يمكن تطبيقه مباشرة على المجتمعات الأخرى.

صحيح أن هناك فنونا فردية لكنها تحتمل التعاون الجماعي، إلاّ أن هناك فنونا نعدها جماعية في صميمها، لأنها بدون عون المجتمع تكون مستحيلة، فالمعمار مثلا هو فنّ تعاوني إلى أقصى حدّ، لأن أبعاده وتنوعه وضخامته تتعارض مع أي تنفيذ فردي، والحال كذلك بالنسبة إلى الفن المسرحي، فالمسرح في كل زمان ومكان لم يكن سوى ساحة كبرى يلتقي فيها المؤلف بالممثلين وتتعالى فيها صيحات المخرج حين يصدر أوامره إلى الممثلين، ويصبح فيها الممثل نفسه مجرد متفرج يشهد تتابع المواقف المسرحية على نحو يروقه أو يسوؤه أو يفاجئه بما لم يخطر له على بال.

وفضلا عن ذلك، هناك فنون يمكن اعتبارها اجتماعية من حيث الموضوع، بمعنى أنها لا تدور حول الفرد، وإنما تدور حول المجتمع، وربما كان في وسعنا أن ندخل في عداد تلك الفنون فن التاريخ، حينما يتخذ صبغة أدبية، فيعمد إلى وصف أحداث المجتمع البشري وسردها بطريقة فنية مشوقة، وهكذا الحال بالنسبة إلى لرواية حينما تصور لنا مجتمعا من الشخصيات العديدة التي تتلاقى وتتصارع في بيئة اجتماعية تتحكم فيها عقلية جماعية مشتركة.52

وبالجملة فإن النظرة السوسيولوجية التي تجاهلها نبهاني، تؤكد بأنه لا فنان يشكل عمله بمفرده كلية، فالأفراد المبدعون يعتمدون بشكل مباشر أو غير مباشر على سلسلة من الأفراد الآخرين. ولذلك يجب الابتعاد عن أسطورة المبدع الفريد والمتفرد.

خاتمة

نستنتج مما سبق بأن العلاقة بين الفرد والمجتمع مسألة بالغة الأهمية، لأن الوضعية السليمة لهذه العلاقة هي التي تحدّد السير الحسن لمجتمع ما، ولحضارة من الحضارات. وما دام الأمر كذلك فقد تناولت العلوم الإنسانية بتعدد فروعها هذه المسألة، لكن التناول الفلسفي ذا البعد الجمالي له أهميته كذلك، وقد خلصنا من ذلك إلى النتائج التالية:

-                       الأدب يصوّر حالة الضغط الاجتماعي الممارس ضدّ الفرد، بطريقة فنية، وإنسانية، بمعنى أنه لا يجرّد الفرد عن ظروفه في قوانين عامة خالية من كل حرارة الحياة اليومية، ثم يعرضها بطريقة يمكن أن تمسّ أي فرد في العالم، فكل قارئ يمكن أن يتعاطف مع تلك الشخصيات الفردية، مهما تكن عقيدته، ظروفه أو جنسيته.

-                       الفرد الحقيقي في نظر نبهاني هو الذي يعمل على تمزيق خيوط العقبات والأطر الاجتماعية المفروضة، تلك التي تثبط عزيمته وتعمل على إذلاله وتعرقل إبداعه. ليس رغبة في إشاعة الفوضى، وليس سلوكه لاشعوريا شاذا، وإنما عودة إلى خلق فطري، هو إحداث الجديد لإخراج المجتمع من حالة الثبات إلى حالة التغير نحو الأحسن.

-                       التاريخ يثبت بأن الأفراد هم الذين يبنون المجتمعات وليس العكس، والأفراد هم الذين يأخذون بيد مجتمعاتهم عن طريق مبادراتهم في الخلق والإبداع، ولنا في الأنبياء والعلماء والفنانين خير مثال على ذلك.

-                       يبدو الفرد من خلال الأدب وحيدا منعزلا عن عصابة المجتمع، فالعزلة تمنحه السكينة والعودة إلى الذات، ولا يعني ذلك أن الفرد يبغض مجتمعه، بل العكس، فالفرد مخلوق لأن يؤدي خدمة لهذا المجتمع والإنسانية.

-                       إن كتابة الذات "السيرة الذاتية" تساهم كثيرا في إبراز تصورات الفرد ومعاناته، وآماله وتطلعاته، وترسم الحدود بشكل حميم مع المجتمع. وبخصوص الفرد الإفريقي تبين كتابة الذات حجم السيطرة الاجتماعية المفروضة على حرية الفرد، وصدّه عن تحقيق تطلعاته وتعطيل إبداعاته، فلا يستفيد منها المجتمع ولا الإنسانية.

-                       إن الفرد يعيش المنفى، لأنه عادة يجد نفسه أمام عالمين مختلفين أحدهما عن الآخر، يقتضي أن يختار عالما واحدا ويطلّق الآخر، لكن نبهاني استطاع بتكوينه المزدوج –الغربي والإسلامي-أن يُحدث تقاربا دون خسائر نفسية كبيرة، بين العالم الغربي حيث الفرد حرّ في أن يبدع، والعالم الإسلاميالذي تكلست مجتمعاته، ولا مكان للفرد فيه  إلاّ تحت سلطة الجماعة. والمنفى قد يكون مكانا جغرافيا، وقد يكون عالما ذهنيا يلجأ إليه الأفراد، ونبهاني نفسه بدا فردا معتزا بهويته لم ينسف المنفى انتماءه، وكذلك بدت شخصياته التي خلقها.

-                       إن نبهاني مؤمن بأن الفرد هو الذي يقود المجتمع إلى ما فيه الخير، فلا مناص لهذا المجتمع، إذا أراد السعادة،إلا أن يصالح الفرد، لأنه العقل المفكر الذي يقود الناس إلى الحقيقة، بعد أن يطرد الغشاوة عن أعينهم.

-                       تحذير نبهاني من العقلية العلمية في الحكم على كل مظاهر النشاط الإنساني، هو في محله لأن هذه العقلية معادية للفرد، وبالتالي فهي تعمل على قتل ما هو إنساني في الإنسان،فلا ينبغي إهمال النظرة الجمالية للإنسان، كي يبقى الإنسان إنسانا.

التطور الحضاري في السنوات الأخيرة يجعل من النظرة الفردية إلى المبدعين نظرة ضيقة، فلا بدّ من اعتبار الفرد كائنا اجتماعيا، لا يمكنه أن يحيا ويبدع خارج المجتمع، كما أن المجتمع هو الحلقة الضرورية للوصول إلى الإنسانية، خاصة وأن نبهاني يستهدف في فلسفته الجمالية بناء الإنساني الشامل.

1.جميل صليبا، المعجم الفلسفي، ج 2، د ط، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1982، ص ص138-139.

A. Mazel, L’individualisme son principe et ses conséquences, Paris, 1882, p. 25.

2.جميل صليبا، المعجم الفلسفي، ج 2، مرجع سابق، ص ص140-141. A. Mazel, op. cit, p. 29.

3.المرجع نفسه، ص 141.

4.NabhaniKoribaaNabhani Koribaa, Humain universel -philosophie esthétique, Entreprise national du livre, Alger, 1989p. 143.

5.من ديوانه التأملات، عن محمد غنيمي هلال، الرومانتيكية، د ط، دار نهضة مصر، القاهرة، د س، ص 172.

6.Nabhani Koribaa, Humain universel, op. cit, p. 143.

7.محمد غنيمي هلال، الرومانتيكية، مرجع سابق، ص 111.

8.Vigny Alfred De(1797-1863) كاتب فرنسي، إنساني النزعة، أصبح مبكرا من الشعراء الرومانتيكيين المهمين في زمانه، أهم مؤلفاته: رواية تاريخية بعنوان "الخامس من مارس"، "أشعار قديمة وحديثة"، "سيرة ذاتية" و "يوميات شاعر". Claude Eterstein, La littérature française de A à Z, Hatier, Paris, 1998, p. 457.

9.محمد غنيمي هلال، الرومانتيكية، مرجع سابق، ص 114.

10.                                            Nabhani Koribaa, Humain universel, op. cit, p. 144.

11.                                             Général Jean Charbonneau. Nabhani Koribaa, Des Africains S’Interrogent, LA COLOMBE, Paris, 1955, p. 109.

12.                                            Ibid, p. 108.

13.                                            Nabhani Koribaa, Omar Khayam-messager de l’Iran universel, PUBLISUD, Paris, 1988, p. 12.

14.                                            Nabhani Koribaa, Humain universel, op. cit, p. 144.

15.                      آمال فريد، الرومانسية في الأدب الفرنسي، د ط، دار المعارف، القاهرة، 1977، ص ص 38-39.

16.                      محمد غنيمي هلال، الرومانتيكية، مرجع سابق، ص 55.

17.                      المرجع نفسه، ص 56.

18.                      Byron George Gordon 6em Baron Lord(1788-1824) شاعر بريطاني من جيل الرومانتيكيين، جسّد "مرض العصر" بحياته المتقلبة، وتمرده على المجتمع والأخلاق، أهم مؤلفاته: "دون جوان" Le Robert-illustré & Dixel, 2012, Paris, 2012, p. 267.

19.                      محمد غنيمي هلال، الرومانتيكية، مرجع سابق، ص 57.

20.                      Chateaubriand François Vicomte De(1768-1848) كاتب فرنسي رومانسي، بدأ حياته ضابطا في الجيش، لكن غادره في خضم الثورة الفرنسية ليرتحل إلى أمريكا 1791، ثم إلى لندن 1793، ليعود إلى فرنسا عام 1800، كما ارتحل إلى الشرق، عين قنصلا في لندن 1822، ثم وزيرا للخارجية (1822-1824)، أهم مؤلفاته "أتلا" و"ريني" و"عبقري المسيحية" وملحمة "الشهداء" و"مذكرات" وكتاب عن هنود أمريكا. Claude Eterstein, La littérature française de A à Z, op. cit, p. 88.

21.                      عن محمد غنيمي هلال، الرومانتيكية، مرجع سابق، ص 58.

22.                                           Nabhani Koribaa, Humain universel, op. cit, p. 143.

23.                      محمد غنيمي هلال، الرومانتيكية، مرجع سابق، ص 54.

24.                      ابن باجة، تدبير المتوحد، د ط، سراس للنشر، تونس، 1994، ص 80.

25.                                           Claude Eterstein, La littérature française de A à Z, op. cit, p. 31.

26.                                           Nabhani Koribaa, Humain universel, op. cit, p. 20.

27.                                           Nabhani Koribaa, L’homme en Islam-Historicité et Ouverture, PUBLISUD, Paris, 2001, 

p. 31.

28.                                           Ibid, p. 35.

29.                                           Général Jean Charbonneau. Nabhani Koribaa, Des Africains S’Interrogent, op. cit, p. 34.

30.                                           Carmen Husti-Laboye, L’individu dans la littérature Africaine contemporaine, thèse de doctorat, université de LIMOGES, soutenue le 14-12-2007, Directeur de thèse : professeur Michel Beniamino, p. 62-63.

31.                                            Ibid, p. 69-70.

32.                                           Ibid, p. 70.

33.                                           Général Jean Charbonneau. Nabhani Koribaa, Des Africains S’Interrogent, op. cit, p. 26-155.

34.                                           Carmen Husti-Laboye, L’individu dans la littérature Africaine contemporaine, op. cit, p. 72.

35.                                           Ibid, p. 72-73.

36.                      المقصود بالجينيالوجيا في هذا المقام هو هوية الشخصية وتاريخها.

37.                                           Ibid, p. 74.

38.                                           Ibid, p. 74.

39.                                           Ibid, p. 74-75.

40.                                           Général Jean Charbonneau. Nabhani Koribaa, Des Africains S’Interrogent, op. cit, p. 88-109.

41.                      للتوسع أكثر في هذه النقطة أنظر: Frantz Fanon, Peau noire, masques blancs, Editions TALANTIKIT, Bejaïa, 2014, p. 39.

42.                                           Nabhani Koribaa, Humain universel, op. cit, p. 131-132.

43.                      جودو كريشنا مورتي، الحرية الأولى والأخيرة، ترجمة أسامة إسبر، ط 1، دار بدايات، سوريا، 2012، ص ص 35-36.

44.                      فيكتور هيجو، مقدة كرومويل-بيان الرومانتيكية، ترجمة وتقديم علي نجيب إبراهيم، د ط، دار الينابيع، دمشق، 1994، ص ص 36-40.

45.                      إيزايا برلين، جذور الرومانسية، ترجمة سعود السويدا، ط1، دار جداول، لبنان، 2012، ص ص 44-45.

46.                      فيليب فان تيغيم، المذاهب الأدبية الكبرى في فرنسا، ترجمة فريد أنطونيوس، سلسلة زدني علما، ط 3، منشورات عويدات: بيروت-باريس، 1983، ص 255.

47.                                           Nabhani Koribaa, Humain universel, op. cit, p. 133.

48.                      إيزايا برلين، جذور الرومانسية، مرجع سابق، ص ص 69-71.

49.                      - نذكر على سبيل المثال كتاب:

-  Irène Jonas, L’individu Auto-Déterminé, anatomie du noveau caractère social, L’Harmattan, 2003.

ومن المقالات نذكر:

-  Patrick Savidan, Individu et Société : les enjeux d’une controverse, information sociales 2008/1(n 145).

-  Anne Conchon, Entre Identité Individuelle et Détermination Sociale, Genèses 2002/2(n 47).

50.                                           Nabhani Koribaa, Initiation à la Philosophie, Office Des Publications Universitaire, Alger, 1995, p. 95.

51.                      استأنست في كتابة هذا العنصر بالمراجع التالية:

- آلان تورين، نقد الحداثة، ترجمة أنو مغيث، د ط، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1997. ص ص 331-332.

-  Agathe Brun, L’Émergence de l’individualisme et le questionnement de la vérité dans la littérature victorienne, 1830-1900, thèse de doctorat, université de Nice Sophia-Antipolis, soutenue le 28juin 2013, directeur de thèse le professeur Michel Rémy, p. 34, 35, 36.   

-  Irène Jonas, L’Individu Auto-Déterminé-anatomie du nouveau caractère sociale, L’Harmattan, 2003, p. 14, 15, 16, 39.

-  Jean-Yves Tadié, Introduction a la vie Littéraire du XIX siècle, BORDAS, Paris, 1984, p. l’introduction, 12, 15, 16, 20.

-  Beaulieu Etienne, L’Individu Autobiographique, revue interrogations ?, n 17, janvier 2014, en ligne, www.revue-interrogations.org

-  Jessica Benjamin, « Retour sur l'autorité de la famille ou : un monde sans pères ? », Tumultes2004/2(n° 23), p. 191-224.

                                                                                                           

-   ليف تولستوي، ما هو الفن؟، ترجمة محمد عبدو النجاري، ط1، دار الحصاد، دمشق، 1991، ص 149، 189، 190، 191، 218.

 

52.                      استأنست في كتابة هذا النقد بالمراجع التالية:

-  زكريا ابراهيم، مشكلة الفن، د ط، مكتبة مصر، القاهرة، د س، ص 94وما بعدها.

-  شارل لالو، مبادئ علم الجمال، ترجمة مصطفى ماهر، د ط، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2010، ص 132.

-  ديفيد إنغليز وجون هغسون، سوسيولوجيا الفن، ترجمة ليلى الموسوي، سلسلة عالم المعرفة، العدد 341، يوليو 2007، ص 39-43.

Pour citer ce document

اليزيد بوعروري, «النزعة الفردية وتجلياتها في الأدب عند نبهاني كريبع»

[En ligne] مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales العدد 23 ديسمبر 2016N° 23 Décembre 2016
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2017-01-30,
mis a jour le : 02/03/2017,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=2072.