نحو أفق دراسة نسقيّة للظاهرة الأدبيّة و تاريخ الأدب
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 23 ديسمبر 2016 N° 23 Décembre 2016

نحو أفق دراسة نسقيّة للظاهرة الأدبيّة و تاريخ الأدب

خالد زيغمي
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

توجهت العديد من الأبحاث والدراسات الثقافية والأدبية في السنوات الأخيرة، نحو الاستفادة من جميع التراكمات المعرفية، النظرية منها والتطبيقية، فلم تستثن من ذلك أيّ حقلٍ معرفيٍّ. وكانت تروم في ذلك أن تصل بالدراسة الأدبية نحو آفاق جديدة، غير معروفة وغير مألوفة في عالم النقد والأدب. وقد تُوجَّت هذه الجهود بالدعوة إلى ما يسمى بتصور تعدد الأنساق/ تشييد النسق، والتحليل النسقي في دراسة الظاهرة الأدبية والتاريخ الأدبي.

تـعرض هـذه الدراسة، البـدايـات النظريـة الأولى التي آمنت بالنّـسق، وكان من ذلك جهود الشكلانيّين الروس، ثم تصورات النظرية البنيوية، ثمّ وكنتيجة للجهود الطويلة التي بُذلت في البنيوية والتفكيكية والسيميائية وجمالية التلقي، وعلم اجتماع الأدب، وغيرها من الحقول البحثيّة والمعرفية، نمت وتطورت الأبحاث التي تدعو إلى نظرة أشمل في دراسة الظاهرة الأدبية وتاريخ الأدب. فكان منها نماذج ذكَرتْها الدراسة، وأشارت إلى مبادرات بعض الباحثين العرب الذين أفادوا من هذه الأبحاث الأخيرة.

   الكلمات المفاتيح: النّسق، تعدد الأنساق، تشييد النسق، التحليل النسقي، الظاهرة الأدبيّة، تاريخ الأدب.

Au cours des dernières années, De nombreuses recherches culturelles et études littéraires se sont dirigés pour profiter de toutes les accumulations de connaissances, à la fois théorique et pratique. Cependant l’intention était d'atteindre l'étude littéraire sur un nouvel horizon d’étude littéraire dans le monde de la critique littéraire. Ces efforts ont abouties à l'appel à la soi-disant « polysystème » et « édifice systémique », ainsi que « l’analyse systémique » dans l'étude du phénomène littéraire et de l'histoire littéraire.

   Cette étude expose les premiers vues théoriques qui a crues au système littéraire ; telle que les efforts des formalistes russe, puis les points de vues théorique du structuralisme.

           Et par conséquence aux efforts déployés dans la déconstruction et la sémiotique et l’esthétique de la réception, et la socio littéraires et d’autres domaines de la recherche scientifique, La recherche a évolué dans le domaine de l'étude du phénomène littéraire et de l'histoire littéraire. Cette étude a abordé certaines modèles, et a souligné quelques-unes des initiatives de chercheurs arabes qui ont bénéficié de ces recherches récentes.

Mots-clés :Système, Polysystème, Analyse Systémique, Phénomène Littéraire, Histoire De La Littérature

During the recent years, researchers in cultural and literary studies have been increasingly making use of the accumulated knowledge (both theoretical and practical), aiming at widening the scope of literary studies to reach new horizons in the field of literary criticism. This led to the development of the polysytem theory and the polysystemic analysis of the literary phenomenon and the history of literature. 

This paper aims to present an overview of the historical and theoretical backdrop of the theory of polysystems grounded in russian formalism and structuralism. 

In addition, the efforts and advances made in the fields of deconstruction, semiotics, aesthetics of reception, and sociological approaches to literature and other disciplines resulted in a broadening of the scope of the study of the literary phenomenon and the history of literature.

In this paper, we discuss few models and highlight the initiatives made by Arab researchers who benefited greatly from recent research advances.

Keywords:System, Polysystem, Systemic Analysis, Literary Phenomenon, Literary History

Quelques mots à propos de :  خالد زيغمي

أستاذ مساعد أ. جامعة محمد لمين دباغين- سطيف 2.

المـــقــــــدمة

تطمح هذه الدراسة إلى إبراز التحوّل النظري والإجرائي الذي حدث في حقل النظرية الأدبية الحديثة في مجال دراسة الأدب والظاهرة الأدبية والتاريخ الأدبي. وقد انطلقت من قناعة أنّه ما من تحوّل يعتمل في المدراس النقدية الأدبية الحديثة إلا وتستوحي منه الدراسة الأدبية من الآليات والإجراءات ما يدفعها إلى آفاق جديدة تقوم على أنقاض رؤى وممارسات نقدية سابقة. فلقد مسّت الدراسات الأدبية في السنوات الأخيرة سلسلة من التطورات بعضها لا وزن له، وأخرى فعّالة ومؤثِّرة، ولا أدلّ على ذلك من كثرة الدراسات والأبحاث الثقافية الأخيرة التي كانت لعدة باحثين أكاديميّين لا سيّما في فرنسا وألمانيا وكندا.

والسؤال الذي فرض نفسه في الدوائر العلمية والمعرفية هو: هل حصل فعلا تغيّر ملموس في الدراسات الأدبية؟، هل هناك مقاربات جديدة، غيّرت نظرة الباحثين الأدبيّين لموضوعات تخصصاتهم ومشاكلها ومناهجها وأهدافها؟1، وليس المقصود بالمقاربات الجديدة، تلك التي صارت معهودة مثل البنيوية، والتفكيكية، وجمالية التلقي، بل المقصود هي الدراسات الثقافية الاجتماعية. فقد بات من المؤكد في السنوات الأخيرة أن هناك دعوات كثيرة لإعادة النظر في المنهج الذي تُدرس به النصوص الأدبية فضلا عن الظاهرة الأدبية وتاريخ الأدب. بالنسبة للنصوص فقد صار من غير الملائم عند بعض الدارسين الجُدد عزلها عن سياقاتها الثقافية والمجتمعية وعن مجموع المتفاعلين معها، قبولا، أو رفضا، طباعة أو نقلا، قراءة أو إهمالا.

أما عن الظاهرة الأدبية الثاوية ضمن دراسات التاريخ الأدبي، فقد تراكمت العديد من الدراسات التي تُلِّح على ضرورة تناولها بالدراسة، بكل مكوناتها المتعالقة بدل التوجه إلى دراسة النصوص مفردة. لا سيما بعد أن أصبح» يقال في درس النص الأدبي الواحد المتناقضات، ويبدو أن هذا التناقض قد كان من الأسباب التي دعت بعض الباحثين المحدثين، إلى أن يتجهوا بأبحاثهم إلى نواح أخرى في درس الأدب لم تلق حظّها من العناية لدى أصحاب الاتجاهات السابقة «2، ونعني بأصحاب الاتجاهات السابقة، الاتجاه التاريخي، والاتجاه الاجتماعي، والاتجاه النفسي، بل وحتى البنيوي. ومن ثم ظهرت دراسات؛ تَسَاءَلَ فيها أصحابُها عن مدى الجدوى في حصر معنى الأدب في النصوص الأدبية والاكتفاء بها، دراسة وتفسيرا، وأثاروا قضايا لم تكن معهودة في عالم الدراسات الأدبية.

ولعل أبرز هذه الأعمال كتابان أحدهما عمل جماعي أشرف على إنجازه وأسهم فيه الباحث الفرنسي روبير إسكاربيت3Robert Escarpitظهر سنة 1970تحت عنوان: ((الحدث الأدبي والحدث الاجتماعي)) (Le Littéraire et le social)، حاول فيه كُتّابه أن يؤسِّسوا لعلم اجتماع يُعني بالأدب. من خصائص هذا الاتجاه أنه يدعو للخروج بدرس الأدب من الاقتصار على النظر في النصوص الأدبية، إلى العناية بالظاهرة الأدبية في شتى مظاهر تأثيرها واستعمالها.4 وأما الدراسة الأكاديمية الثانية، فهي للباحثة الفرنسية ((فرانس فيرنيي)) (F.Vernier) ظهرت سنة 1974تحت عنوان: ((الكتابة والنصوص)) (L’écriture et Les Textes). وكانت نتيجة هذه الأبحاث وغيرها،أن دعت إلى ضـــــرورة دراســـــة الظاهرة الأدبية وتاريخها بالنظر إلى الأنساق المــــــتعددة5 الــتي تحْكُمها وتتعالق ضمنها، وقد انبثق هذا المفهوم »تطويرا وتنويعا للمنظور النسقي الذي يظهر بأنه لا يقوى على الإحاطة بالظاهرة الأدبية في تعالقاتها المختلفة والتي لها نسقها الخاص، ويدّعي هذا المنظور بأنه يسعى إلى الإمساك بكل المكونات الأساسية والفرعية، والمركزية، والهامشية، التي تكوّن الأدب وتاريخيه « 6.غني عن البيان أن مصطلح "النسق" كان المحور الجوهري في نظرات ((دي سوسير)) اللغوية، » فاللغة -في تصوره- نسقٌ لا يعرف إلا طبيعة نظامه الخاص، وهي نسقٌ سيميائيٌّ يقوم على اعتباطية العلامات،ولا قيمة للأجزاء إلا ضمن الكلّ،فجاراه  كثير من البنيويين في هذا الشغف بالنسق حتى أطلق فوكو على جيله اسم ((جيل النسق)) « 7.

أولا:دور الشكلانيّين الرّوس في تأسيس مفهوم النسق

غنيّ عن البيان أن مفهوم تعدد الأنساق، انبثق أصلا من مفهوم النسق8 الذي طوّره الشّكلانيون الرّوس، فلقد أخذوا» على عاتقهم وصف النسق، ثم تحليل عناصره البنيوية، واستنباط القوانين التي تشكِّل نسقه، من خلال الوقوف على العلاقات القائمة بين عناصره«9. وقد قام الشكلانيون بدراسات نصيّة عديدة عبر تاريخ الأدب، وجعلتهم يقعون على مجموعة من العناصر التي تتكرر وتطـرِّد في العديـد من الأعمـال الأدبيّة مما دفعهم إلى القول بنسقية الأدب، وصار لهم مفهومهم الخـاص حول تطـوّر الأدب، قادحيـن بذلك فيما نعتـوه بالتاريخانية البيدائيـة Historicisme primitife10،والتي تعتمد على المناهج» التقليدية القائمة على النقد التاريخيّ والفيلولوجي للنصوص، أو على علم نفس الملكات الإنسانية...والاقتباس من تاريخ الحركات الاجتماعية ومن تاريخ الأفكار«11، وكنتيجة لهذا المنظور فقد رفضوا البيوغرافيا12الأدبيّة التقليدية كأساس لتفسير العمل الأدبي، والتي كان معمولا بها بشدة في تواريخ الأدب التي برزت للوجود في الربع الأول من القرن العشرين، كما رفضوا كل ميتافيزيقا أدبيّة؛ فهذا أديب "مُلهم" وهذا "مُوحى إليه" وهذا "عبقريّ فذّ"، وما إلى ذلك من التفاسير الماوراء طبيعية، ورفضوا أيضا سلطة المرجع في التأويل وإعادة الإنتاج، وأخيرا رفضوا المدارس الرمزية وتأويلها للأعمال الأدبية13. ولعل هذا ما يطلّع عليه الدارسون في النصوص التي ترجمها تزفيتان تودوروفTzvetan Todorovضمن كتابه ((نظرية الأدب))Théorie de la littératureعام1965 14.

ومـــن أهم أعمال الشكلانيين الرّوس التي اهتمت بدراسة النسق الأدبي نجد أعمال يوري تينيانوف15Yuri tynyanove (1943-1894) وبوريس إيخنباوم Ejchenbaum Boris (1959-1886)، «فالنسق في تصورهما أوليّة من أوليّات النظرية الأدبية، لأنه يجابه النزعة الذرِّية...بيد أن تينيانوف كان يميّز بين النسق من جهة وبين مبدأ البناء أو الإجراء (Procedé)، وهو ما أضفى على مقاربته البعد النسقي، لأنه كان يعتقد بأن النسق كفيلٌ بتطبيقه على العديد من أنظمة الوقائع» 16، ومن ضمنها الظاهرة الأدبية أو الحوادث الأدبية.وقد جابه تينيانوف مُسلَّمة، أن هناك "نسق نموذج" لحقبة أدبيّة ما، ويُطبّق-أي النسق النموذج-آليا على بقيّة الحقب الأدبيّة الأخرى، دون مراعاة لأوجه التباين بينها، ولعل من مخاطر هذه النظرة، أنها تهمل الخصوصيات النسقية لكل حقبة أدبية. وحرصا منه على إعطاء مفهوم خاص للتطوّر الأدبي، ميّز بين الواقعة/ الحادثة /الظاهرة الأدبية والأدب، «ورأى أنه من الصعب وضع تعريف للأدب في حين يمكن وضع تعريف للحدث الأدبي في كل عصر، ويقوم هذا التمييز على ما هو وصفي وما هو وظيفي، فالوصفي هو الذي يتطلّب تجربة مباشرة، وإدراكا بسيطا، بينما يتجاوز الوظيفي ذلك الإدراك البسيط»17، وعليه-حسب تينيانوف- فإن الظاهرة الأدبية أو الحدث الأدبي مرتبط بالنسق الأدبي، « أما الأدب فلا يمكن أن يشّكل أي نسق، ولهذا يستبعد بعض المفاهيم التي ظلّت لصيقة بتاريخ الأدب، مثل المؤثرات والتقاليد...فالتطور الأدبي حسب تينيانوف، لا يرادف تلك التحولات التي تطرأ على جملة من الوظائف التي تشّكل نسق العمل الأدبي، فمثل هذه التحولات تحصل داخل النسق العام للأثر الأدبي»18، ويرى الباحث أحمد بوحسن أن تينيانوف بهذا التصور قد طبّق على الأدب ما طبّقه دو سوسير على اللغة19، حيث ميّز بين اللغة والكلام، وخلص إلى نسق اللغة الذي يحكم فعلها. وأن مقاربته-أي تينيانوف-قريبة من نظريات كوفكا الذي ميّز بين المفاهيم الوصفية والوظيفية، وإرنست أ.Ernst A.cassirer، الذي ميّز بين المادة والوظيفة. «كما يمكن أن يكون التقليد الهيجلي Hegelianismقد قاد المثقفين الرّوس إلى إدراك الأدب على أنه تراتب دينامي، وصراعٌ مستمرٌ للهيمنة بين الأفراد والجماعة، وقدشخّص تينيانوف هذه الدينامية الداخلية للبنيات الأدبية كمظهر مميّز للأدب، فالأدب عنده تركيب كلامي يُدرك كما يُدرك البناء تماما، أي أن الأدب هو بناء ديناميّ. وقد اهتدى تينيانوف إلى مفهوم يحرك هذه الدينامية كلّها، وهو مفهوم ((المهيمن)) الذي يعطي للأدب تناغمه الخاص» 20.

ومن المفاهيم الأساسية للشكلانيّين عن "التطور الأدبي"، مسألة التمييز بين "شكل" و"وظيفة" الأدب، فالدوال الأدبيّة (الأشكال) منبعها اللغة اليومية مثل (أكل، شرب، نام، درس، خرج..إلخ)، غير أن هذه الأشكال المتداولة، تنتظم داخل إطار الأدب فتحوز وظائف أدبيّة (مدلولات ثانية)، وتتركب فيما بينها عبر مستويات مختلفة، و«ضمن هذا المنظور  تتناوب الأشكال وتتعاقب، لا من خلال ضرورة الإحاطة بحقائق جديدة بل لأسباب ملازمة للأشكال ذاتها التي تنحطّ وتتلاشى»21، ويصبح تاريخ الأدب حسب تينيانوف هو »تاريخ للأشكال الأدبية، والذي يسميه جيرار جنيت22Gérar Genetteتاريخ الشّفرات الأدبية، ويدعوه ويليكWellekووارينWarrenتاريخا للأدب باعتباره فنا، ويعرّفه غولدمان Lucian Goldmanباعتباره تاريخا بنيويا تكوينيّا، ويراه هانز روبير ياوسHans Robert Jaussمن زاوية تاريخ تلقي الأعمال الأدبية، فيما يَعتبره ميكائيل ريفاتيرMichael Reffatereتاريخا لقراءة الأعمال. إن القاسم المشترك بين كل هذه المحاولات التنظيرية هو الاهتمام بالعمل والأعمال الأدبيّة، باعتبارها مكانا لتنظيم تاريخيّ ممكن«23. ولايسع الدراسة أن تفصّل رؤى كل هؤلاء، فيما يتعلق بدراسة الظاهرة الأدبية وتاريخ الأدب، وإنما يمكن القول إنها تسعى جميعا إلى نبذ النظرة الذرّية وتقدّس البحث عن "الكلّ" ضمن النسق الأدبي العام الذي يكتنف الظاهرة الأدبية، إلى درجة أن حدد ريفاتير للتاريخ الأدبي ثلاثة حقول: «العلاقة مع بين النصوص، وبين النصوص والأنواع، وبين النصوص والحركات الأدبيّة، ثم الدلالات المتغيّرة للنص، تبعا للأجيال المتعاقبة للقراّء، ثم دلالة النص الأصلية»، في حين  ينحو رولان بارت Roland. Barthesإلى التوفيق بين المظهرين الأساسييْن للأدب، (المؤسسة) و(الإبداع). يكتب بارت في هذا السياق: « إذا ما رُمنا كتابة التاريخ الأدبي، تنازلنا حتما عن ((راسين)) الفرد، وانتقلنا طوعا إلى مستوى الطرائق الفنية والقواعد والطقوس والذهنيات الجماعية، أما إذا رمنا المكوث في ((راسين)) في شكل من الأشكال إن صحّ التعبير، وباختصار في الأنا الرسينيّ فإن علينا أن نقبل أكثر المعارف تواضعا وقد صارت نسقا،وأكثر النقّد حذرا وقد اكتشف نفسه كائنا ذاتيّا وتاريخيّا تماما»ً24.

 وتـــعرّف الدراسات البنيوية  "النّسق" بأنه:  «مجموعة من العناصر المتفاعلة فيما بيــــنــــها»25، وباعتبار أن هذا التعريف مستوحى من الحياة المادية الفيزيائية، فإنه قد ينسحب على أنساق أخرى غير مادية. ومن ثمّ شاع مفهوم النسق وتعدد الأنساق في العديد من الحقول المعرفية التي تتشكل من عناصر عديدة، بينها علاقات وتفاعلات. ولقد انتقل مفهوم النّسق من الدراسات العلمية الدقيقة إلى اللسانيات وإلى العلوم الاجتماعية والإنسانية بل انتشر أكثر في الدراسات الأدبيّة في العقود الأخيرة،« فكل ممارسة نظرية فكرية أو فنية تفترض مفهومين: مفهوم له علاقة بالممارسة ذاتها، ومفهوم آخر يتعلّق بوضع تلك الممارسة في تعالق معين، سواء فيما بينها أو بين أمور خارجة عنها. لذلك لا بدّ من التميّيز بين المفاهيم التي لها علاقة مباشرة بالممارسة الأدبية، من خلال تجارب النصوص والممارسة التي تُدخل تلك النصوص أو التجارب، في علاقة غير مشروطة بها »26.

تأسيسا على ما سبق، بدا أن الشكلانيّة الروسيّة، قد فتحت الباب للتعاطي مع الأدب من مبدأ "النسق" ولا سيما أعمال تينيانوف، وإيخنباوم وياكبسون، ثم تطوّر هذا التصور عند البنيويين، لاسيما في أعمال مدرسة براغ، عند يان موكاروفسكي   Jan Mokarofskiوفيليكس فوديكا Felixe Vodicka، أو في أعمال ميخائيل باختين Mikhalil Bakhtinويوري لوتمان Yuri Lotmanبالخصوص. بالإضافة إلى ما سبق، نجد الدراسات الحديثة للأدب التي تدرس أساسا ((الحياة الاجتماعية) أو ((حقل الأدب)) كمؤسسة مستقلة، كما عند بيير بورديو Pierre Bourdieuوجاك دي بوا Jaque Duboisوبيير زيماV.Zima Pierreوغيرهم. كما أفادت الدراسات المهتمة بجمالية التلقي والقراءة من نظرات الشكلانية، وبخاصة عند هانس روبرت ياوس، بل نجد لها امتدادا متطورا في الدراسات التي تبحث في تاريخ الأدب، مثل أعمال إيثمار إيفن زوهار  Etman Even Zohar ، كل هذه الدراسات اهتمت بمفهوم "تعدد الأنساق".غنيّ عن البيان أن الكثير من المجالات المعرفية، قد  تناولها الدراسون في السنوات الأخيرة، « من منظور نسقي كالثقافة واللسانيات والأنتروبولوجيا وعلم النفس والتاريخ وعلم الاجتماع، كما أن الفنون مثل التشكيل والمعمار والرّقص، نالت حظّها من هذه الدراسة بأشكال متفاوتة»27، مما يؤكد على هيمنة مقولة ((النسق))، و((تعدد الأنساق)) .

ثانيا: مقاربة نسقية للدراسات الأدبية

أشارت الدراسة فيما سلف، أن كل التصورات التي تعاملت مع الظاهرة الأدبية من منظور النسق، قد تأسّست على منظومة المفاهيم الشكلانيّة، بالإضافة إلى ما استحدثته البنيوية فيما بعد.ثمّ انبنت مشاريع نقدية كثيرة، استهدفت البحث فيما يسمى بــ((الكلّ النسقي))، وكل الفعاليات الإنسانية بما فيها الأدب، لاشك أنها تشكّل في ذاتها نسقا فرعيا يتفاعل ويتعالق مع أنساق مجتمعية أخرى، قد تكون مشابهة له أو مخالفة له، ضمن نسق كليّ وينبثق هذا التصور من الفكرة القائلة إن «النظريات العلمية مثل النظريات الأدبية والثقافية تشييدات اجتماعية، وإن الإبدالات العلمية لا توجد في فضاء مثاليّ هو ما فوق الثقافة أو ما بعدها. إنها جزءٌ من ثقافتها، وهي تُضاعف منها وتُعزّزها في آنٍ واحد»28. فالإطار الأوحد الذي يشمل كل هذه التفاعلات البشرية أيًّا كان شكلها، هو إطار الثقافة بكل ما تحمله الكلمة من دلالات واسعة، يستحيل حصرها في جانب أو فاعلية معينّة.

الواقع أن مفهوم تعدد الأنساق، قد فرض نفسه، وأبان عن جدواه في الدراسات التي  لا تتأسّس على نسق واحد، أو أن النسق الواحد لا يلائم هذا الاتجاه في الكشف عن ديناميته الكليّة، الناتجة عن تفاعلات عناصره وأجزائه التي تنتظم، ومن ثم ظهرت مفاهيم نسقية كثيرة «مثل التراتب والتدرّج والاتصال والانفصال، والتشعب، والتناظر ، والتشابه والقرابة، والتنظيم، والتنظيم الذاتي، والفوضى والاختلال... في تحليل النصوص الأدبـــية والثقــــــافات الـــــمختلفة، مــــــن أجـــــل رصــــــــد جــــــوانب الـــــثبات والـــــتـــحوّل، الاستمرار والقطيعة29و كذا اكتشاف الآليات والقوانين المتحكمة فيها»30. وكنموذج عن هذا المسلك، تستوقفنا دراسة لمحمّد مفتاح حينما درس الثقافية المغربية موظفا مفاهيم شمولية، معتبرا أنها أثبتت جدواها في مجالات اجتماعية وإنسانية كثيرة، ومن ثم «أمكن إيجاد صلة وصل بين مختلف المجالات والنظر إلى الانسان وفعاليته في وحدة» 31. وقد انطلق مفتاح من منظور أن» النسق عبارة عن عناصر مترابطة متفاعلة متمايزة، وتبعا لهذا فإن كل ظاهرة أو شيء ما يعتبر نسقا ديناميا، والنسق الدينامي له دينامية داخلية ودينامية خارجية، تحصل بتفاعله مع محيطه «.32 كما نجده يكرّس هذا المنظور النسقي في قراءته  لفكر وجهود علال الفاسي(1910-1974)33، طمعا في فهم شعره، حيث انطلق من فرضيّة أن فكره نسقيٌّ بامتياز، ويستدل على ذلك بمجموعة من الأقوال لعلال الفاسي34من كتابه "النقد الذاتي"، ليخلص بعد مجموعة من المقولات من كتاب الفاسي إلى »أن تفكير علال الفاسي كان نسقيا، بل إنه كان يتبنى المنهاجية النسقية بوعي وبقصد وإصرار...ما جاء في أقواله السابقة35 يفرّع النسق إلى مكونات ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية وعلمية، وأن كل مكوّن يتفرّع إلى أجزاء، وأن كلّ جزء يتشعب إلى عناصر، ومكوّنات النسق وأجزاؤه وعناصره متفاعلة ومتعالقة وذات وظائف وغايات...كما تبنى المقاربة النسقية والعقدية والاجتماعية بما تعنيه من دعوة إلى الإصلاح بالحكمة والموعظة والحوار والمسامحة«36. ويصل مفتاح إلى بيت القصيد من هذه القراءة النسقية قائلا:» إن هذا التوجه النسقي لدى علال الفاسي، يفترض فهم شعره بفكره«37.

إذا هي قراءة نسقية شاملة، من أجل فهم بعض الجزء من هذا الكلّ الشامل، إذ لا سبيل لفهم هذا الجزء الأدبي/ الشعري إلا ضمن نسق الكلّ، أو ضمن تعدد الأنساق المتعالقة والمتفاعلة.

ومن الآليات الأساسية للمقاربة النسقية أنها تركز على استكناه التفاعل Interactionالذي يحدث بين عناصر النسق المتعدد في ذاته، والأنساق المتعددة أيضا، هذا فضلا عن فكرة التعالق والانتظام في تحليل الثقافة والأدب بما هو جزء لا يتجزأ من الثقافة ككل. ومن هذه الدراسات التي تبنّت منظور الأنساق المتعددة، نجد دراسة رائدة لسعيد يقطين، بعنوان: "الأدب والمؤسسة والسلطة"، درس فيها الظاهرة الأدبية في تعالقاتها وتفاعلاتها مع سائر الأنساق الثقافية الأخرى، والباحث لم يَسِمْ دراسته في العنوان بأنها "نسقية"، لكن المطلّع على الكتاب يلاحظ بجلاء أنها كرّست مبدأ النسق وتعدد الأنساق في الدراسة،  وقد فتح الباحث كتابه بتساؤلات تنّم عن ذلك ضمن عنصر "التاريخي والأدبي"، يقول: »كيف يمكن أن نتصور إنتاجا أدبيا ما دون أن يكون هذا الانتاج متصلا اتصالا وثيقا بالمسألة الثقافية، ودون أن يكون على ارتباط بالمجتمع في مختلف صوره وأشكاله، أي دون أن يكون (( مؤسّسا)) على ما للإنتاج الفني والأدبي أو على صلة بالمجتمع في واقعه وصيرورته؟ وكيف يمكن لنا أن نتخيّل هذا التصور الفني أو الأدبي بدون أن يكون له تاريخه الذي هو جزء من تاريخ المجتمع الذي ينتمي إليه «38. وذهب الكاتب إلى ضرورة أن تتكفل مؤسسة ما بالأدب، ترعاه وتُمدّه بالقيم، وتوجه مآربه ومقاصده، بل وتنقده، وتنشره وتذيعه في أوساط الناس، وتهتم بالمبدعين والمتلقين على السواء. بل وتتضافر هذه المؤسسة المجتمعية الثقافية مع السلطة لخلق رأيّ عامٍ ثقافيٍّ أو أدبيّ، بالاعتماد على الصحافة والجامعة، وسائر المؤسسات الإعلامية الأخرى39.

وفي هذا السياق، ومن أهم الأطروحات الغربية التي انبثقت من منطلقات مجتمعية وثقافية، نجد أطروحة نيكلاس لومان (Niklas Luhmann)1984، الذي  يؤكد أنه على علم الاجتماع أن يستند إلى نظرية للنسق من أجل تفسير ظاهرة ما.40 ويرى الباحث بوحسن أن من فوائد التعامل مع الأدب من منظور نسقي، أنه» يجعل الباحث في الأدب العربي وتاريخه بخاصة، قد ينتهي إلى الأنساق الأصلية الأولى التي تحكم هذا الأدب في الزمان والمكان، كما يمكن أن تؤدي به إلى الأنساق الفرعية أو الثانوية التي تصاحب باستمرار ذلك النسق الأولي، ولكنها تبقى دائما في الهامش«41. وهذا ما يتيح تقديم تأويلات أكثر عمقا للدينامية الفكرية والفنية التي امتازت بها مدونة تاريخ الأدب العربي.

ثالثا: نماذج من نظرية الأنساق في الأدب

من بين أهم الأبحاث التي اشتغلت بعمق على منظور تعدد الأنساق، نجد، النماذج (Modèles) التالية :

1-نموذج تعدد الأنساق: إيثمان إيفن زوهار Itamar Even-Zohar

يعد نموذج ((إيثمان إيفن زهر)) من أبرز النماذج في دراسة الأدب من وجهة نظر نسقية، حيث تناول هذا المنظور في كتابه "مقالات في الشعرية التاريخية" سنة 1979، فقد فكّر إيثمان إيفن زوهار في الأدب وتاريخه وكذلك الترجمة والأدب المقارن، لا من منظور النسق الواحد فقط، وإنما من منظور الأنساق المتعددة Polysystème ) (أو تعدد الأنساق42.وقد استند إيفن زوهار إلى»الشكلانيّين الروس ليطرح أن فرضية الإنتاج الأدبي، هي تعدد  أنساق ونسق أنساق«43. ومن أهم القضايا التي تناولها في كتابه، ذات العلاقة بموضوع تعدد الأنساق، قضية العلاقة بين الأنساق الأوّلية، والثانوية، ووجْه النزاع/التعارض بينها، بين الأدب الـمُشرَّع الموافق للأصول Canoniqueوالأدب غير المشروع المخالف للأصول non canonique، وكلٌّ من النسقيْن يحتوي على» أنساق فرعية. إن هذا التمييز يكشف عن وجود عدد من القوانين والقوالب التي تتحكم في تداول الأدب في علاقته بالمؤسسات (الدولة/ القانون/ الأعراف، الدّين) وبجمهور القرّاء. غير أنها تشهد اختلافا في مراعاتها بين الكتّاب، من عصر إلى آخر. فالصّراع بين النسقيْن يحدّد، بأشكال متفاوتة، تراتبية الكتّاب والأجناس الأدبية في حقبة أدبيّة معيّنة، من خلال رصد أنواع الصراعات والتعالقات الموجودة بينها، سواء على مستوى الإنتاج أو التلقي وهذا يفترض أيضا أن يتحوّل الكاتب إلى ناقد ومستهلك في الوقت ذاته، أو أن يكون النص أدبيا أو غير أدبي، تخيّليّا أم لا«44، وكأن مفهوم تعدد الأنساق يصدر عن التوتر الحاصل عبر كل الأزمنة والعصور ،  بين الإطار  الثقافي الرسمي للأدب  والإطار غير الرسمي الذي لا تحكمه مؤسسة ولا قانون ولا ميثاق مجتمعي، ممّا يُحيلنا للحديث عن مسألة الهامش والمركز، الأولي والثانوي45، الأساسي وغير الأساسي، النمط الأول والنموذج الأساس، والأنماط الفرعية التي تحوم حول هذا النمط، وتحتكم بقوانينه وضوابطه، بل وتقاليده. ولعل هذا ما حصل لتواريخ الأدب العربي كمدونة تاريخيّة أدبيّة، حينما صار النمط الأول الذي يحتكم بمنهجه وقوانينه هو نمط التآليف الأوربية التي ارتضت التحقيب السياسي والحضاري، فسار على هذا النمط عديد المؤلفين العرب وقبلهم المستشرقين، وعلى رأسهم "كارل بروكلمان"Carl Brockelmann.

 إذاً وحسب المنظور النسقي، قد» يكون لنمط أدبي مقنن واحد، ولتقاليده الغلبة على الأنماط الأدبية الأخرى، وهذا ما يفكر فيه تاريخ الأدب من منظور تعدد الأنساق، كما تفترض العلاقة المركزية والهامشية، سواء في المستوى المقنن أو غير المقنن. وهذه العلاقة تسمح بملاحظة أكثر من مركز واحد، أو هامش واحد داخل كل نسق«46، من ذلك مثلا الأدب العربي، الذي كان له عدة مراكز واحد في المشرق وآخر في المغرب، وآخر في الأندلس، غير أن نمط المشرق كان هو المهيمن، وكانت بقيّة المراكز تتعالق معه وتتفاعل، في دينامية ثقافية وأدبية واسعة الحدود والمجالات. وتبقى أهم مسألة عند إيفن زوهار ضمن مسألة ثنائية المستوى الأولي والثانوي هي» مدى المقبولية للعناصر الجديدة في السجل المغلق المحافظ«47، أي السّجل المركز/ النمط الأول / الأساس.ويرى الدارسون48 أن منظور إيفن زوهار، يدعو إلى مبدأ تداخل الاختصاصات Interdisciplinaritésباعتبار أنه يدعو للإحاطة بالكيفية التي تتفاعل وتترابط بها هذه الأنساق، وهذه لا تتاح للدارس إلا بالاعتماد على مبدأ تعدد الاختصاصات49. وحسب كليمان موزان، فإن العمل بمنظور تداخل الاختصاصات يستوجب على الباحث النسقي، إحاطة شاملة بحالة النسق الأدبي في تاريخيّة معينة.50 بمعنى النظر إلى النسق بوصفه ظاهرة فريدة مقارنة مع بقية الأنساق الثقافية والاجتماعية الأخرى، ومن ثم تبيُّن هل النسق مركز (centre) أو على الهامش (périphérie)51.

ومن أهم الجوانب التي استرعت انتباه الدارسيـن، عن نظرة إيــفن زوهار، هو تبنــيه فـكرة ((السِّجل))، وهي فكرة جديدة اعتمدت عليها العديد من الدراسات النسقية، سواء أتعلق الأمر في حقل السيميائة أم في حقل جمالية التلقي، أم الترجمة أم الدراسات المقارنة. والسّجل هو ما تنصهر فيه ذاكرة الفرد والجماعة، به يتواصل الفرد مع جماعته، سواء أسبقته أم عاصرته، وبه تتواصل الجماعة مع أفرادها في أي مكان أو زمان كانوا. ويخضع هذا السِّجل إلى الانغلاق أو الانفتاح، إلى الاكتمال والنمو52، وهو نوعان: سجل إستاتيكي، محافظ، ثابت وقار، وسجل متجدد يسعى دائما للبحث عن وضع سجل جديد له. وقد رأت النظرية أن الأدب الأولي الرسمي، سجِّل متجدد على الدوام، يفرض مصطلحاته ورؤاه ونمطيته على بقية الأنساق، في حين أن السجل الثانوي هامشي، جامد لا ينتج سجلا جديدا للنّسق.  وبالتالي أُبعد» دوره في الدروة النسقية التي تصوغ التاريخ الأدبي وقوانينه وجماليته«53، ومن ثم  تمّ التوجه إلى التعامل مع النص الأدبي بناء على قيمته ضمن نسق تاريخ الأدب، وبالنظر إلى المكانة التي يحوزها في خلق دينامية ضمن النسق العام.» وهكذا لم يتم التعامل مع النصوص كأنساق مغلقة بل تم التوجه إلى تطوير مفاهيم السجل الأدبي نفسه، فظهرت بعض الأسئلة الدقيقة التي يمكنها أن تستوعب المفاهيم السابقة في دراسة مرحلة تاريخية أدبية خاصة، أو أنواع من النصوص، تعتمد أساسا على مفاهيم النسق وتعدد الأنساق من قبيل: ماهي المعايير المهيمنة والمـُـهيمن عليها؟ ماهي الأنساق المهيمنة والمهيمن عليها؟ ماهي تراتبيات المعايير والأنساق التي يمكن استخراجها؟ ماهي الظاهرة ((المؤلفون، النصوص، الأساليب، الأماكن ...)) التي تحتل وضعية مركزية أو هامشية؟ ماهو دور منظومة النصوص الوضعية-الميتانص-في علاقتها بالخصوص، مع النصوص الأدبية الخالصة؟ كيف تتطابق العناصر الخلاقة الأولية والعناصر المحافظة جدا والعناصر الثانوية؟ ويبقى الأساس الذي يحكم مثل هذه الأسئلة الدقيقة هو البحث عن نسق الأنساق الذي يتحكم في الظاهرة الأدبية، عبر سيرورتها داخل حقبة زمنية مؤطرة بذلك النسق المتعدد«54.

وباعتبار أن هذه النظرية لإيفن زوهار قد استفادت من العديد من الاختصاصات والنظريات، فهي إذاً تركيبة من عدة أنساق معرفية في إطار ما يسمى بـــ ((نسق الأنساق))، فهي ليست أصيلة بل هي تركيب من تصورات الشكلانية والبنيوية والسيميائية والثقافية والاجتماعية. وقد اعترض بعض النقاد على هذه النظرية بسبب هذا التعدد النظري والإجرائي ولبوسها هذا الطابع التكاملي، حيث تساءل "ويسغربر"Weisgerber Jean: ألا يمكن يؤدي هذا التعدد من المناهج إلى التناقض؟ وما العمل إذا تجمعت داخل العمل الواحد، تقنيات متعارضة في مبادئها؟55 ويجيب حسن الطالب على هذا الانشغال قائلا:» لكن الباحث سرعان ما يخفف من حدّة الاعتراض إذا ما قيم، في نظره، بخلق جدليّة بين المستويات المتعارضة (المظهران التعاقبيّ والتزامنيّ مثلا) فضلا عن أن النظرية تتوقع دوما أن يتزامن داخل النسق الواحد، وجود مظاهر متعددة كالنظام والفوضى، الثّبات والتحوّل، والتنوّع والوحدة، والكشف عن الوظائف الدّينامية التي تحدد تراتبيّة هذه المستويات في النّسق هو الذي يتيح فهماً أفضل لاستغلال النّسق وسيرورته داخل مجتمع أدب معيّن«56. وحينئذ يمكن القول، إن الاستغلال التركيبي لعديد الإجراءات، بات السمة الجلية في الدراسات الأدبية النسقية الحديثة، طمعا في استكشاف ((نسق الأنساق)) في كل ظاهرة أدبية.

2-نموذج تشييد النسق: سيغفريد شميدت (Siegfried Schmidt)

لعله من أهم تمخضّات نظريـــــــة ((تعدد الأنساق)) في دراسة الظاهرة الأدبية، هـــــــو بروز مفهوم التواصل الأدبي ضمن نموذج "تشـــييد النسق" الــــــــذي طـــــوّره سيغــــــفريـــــد شميدت57(SiegfriedSchmidt)، مع أنه قبل ظهور نموذجه كانت قد ظهرت عدة نظريات منها »نظرية الأنساق وتعدد الأنساق التي ستدمج تاريخ الأدب في إطار النسق الاجتماعي العام، ونظرية التلقي التي اعترفت بتاريخيّة التلقي والوقائع.كلّ هذه التوجهات وجدت صداها عند شميدت الذي حاول أن يؤلِّف بينها، ويعود بالتالي بتاريخ الأدب إلى المفهوم النسقي ويرسخ البعد التواصلي«58.

تجمع عديد الدراسات أن سيغفريد شميدت قد استفاد كثيرا من نظرية تعدد الأنساق من جهة، كما استفاد من الدراسات النسقية الاجتماعية والسياسية من جهة أخرى، وقد توالت أهم أبحاثه منذ السبعينيات، ولعل أهمّها بحثه عن كتابة (تاريخ الأدب)، فقد ناقش فيه جلّ الآراء الراهنة حول تاريخ الأدب59 وتندرج جهود سيغفريد شميدت في إطار إبستيمي، ضمن التحولات السياسية والإيديولوجية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية، التي أدت »إلى إعادة النظر في الممارسة الأدبية، والافتراضات المسبقة للمفاهيم الأساسية عن (( الأدب)) و(( التاريخ))، وكذلك أُعيد النظر في المفاهيم الوسيطة بين الأدب والمجتمع، مثل مفاهيم السببية والغائية، والإبداع والاستمرار والانقطاع والتأثير والتأثّر، والبنية والتطور...هذه المفاهيم التي تحكم العلاقة بين الأدب والتاريخ والمجتمع، التي كانت تستمد تصوراتها من مفاهيم نظرية خاصة، بكل مفهوم، ومدى تحكّمه في توجيه الممارسة الأدبيّة«60.بيد أن من أهم كتبه المتعلقة بهذا الموضوع هو كتابه" أسُسٌ لدراسة تجريبيّة للأدب، مكونات النظرية الأساسية" صدر سنة 1982، وقد قام شميدت بدراسة كل التصورات السابقة للنسق، واكتشف أن معظم هذه التصورات ترجع إلى»نظرية الأنساق الاجتماعية، وخاصة إلى نظرية تالكوت بارسنر، ونيكلاس لومان (Talcot Parson and Niklas lumann) ، والمحاولات الأخرى تستعير جهازها النظري عن النسق من نظرية الأنساق العامة«61.بداية  رأى شميت أن مفهوم النسق يتلاءم  والنسق الاجتماعي الذي تبناه  نيكلاس لومان، وبعد أن ناقش تصورات نيكلاس لومان ذهب إلى أن النسق الاجتماعي الذي يعتقده " يجب أن تتوافر فيه ثلاثة شروط هي:62

1-يجب أن يعبّر عن بنية داخلية.

2-يجب أن تكون له حدود قارة معترف بها من طرف الفاعلين.

3-يجب أن يكون مقبولا من طرف المجتمع، ويؤدي خدمة للمجتمع لا يؤديها نسق آخر.

وفضلا عن نظرية الأنساق العامة التي استفاد منها، فإنه أخذ أيضا»من نظريات رياضية وفلسفيّة واجتماعية ولسانية، وجمالية...وانطلق من مفاهيم نظريّة العمل لسببين اثنين ذكرهما: أوّلهما أنه لا يمكن البحث في النصوص الأدبية بمعزل عن الارتباط الضروري بالأعمال الإنسانية وبالأوضاع العامّة التي أنشئت فيها تلك النصوص. وثانيهما أن نظرية العمل (Théorie de l’action) تتجذّر في العوامل المعرفيّة والبيولوجية للذّات الإنسانية...واستند إلى نظرية الأنساق العامة حيث صادر على أن المجتمع بمثابة نسق الأنساق التواصلية...وبالإضافة إلى ما سبق فقد استعان بنظريات تجريبية وعلميّة مثل البيولوجيا والتحكم الذاتي والذكاء الاصطناعي، وناقش نظريات لسانية وسيميائية وجماليّة «63. إذًا، هو نسق اجتماعي كليٌّ، تندرج تحته مجموعة من الأنساق المتباينة، تباين وضعها في المجتمع، وقد قام شميدت بالكشف عن فروع معمار هذه الأنساق، بما في ذلك نسق الأدب. فالنسق الاجتماعي يتفرّع إلى أربعة أنساق تواصلية كبرى: هي: نسق الثقافة، نسق العلوم. نسق الاقتصاد، ونسق السياسة.ويتفرّع نسق الثقافة إلى أنساق فرعية هي: نسق الدين، نسق الفن، نسق التربية.  ويتفرّع نسق الفن إلى أنساق فرعية أساسية هي: نسق الرقص (الحركة) ونسق الأدب (الكتابة). ونسق التشكيل (الرسم) ونسق الصوّت (الموسيقى) ويتفرّع عن نسق الأدب: -نسق الشعر. -نسق الرواية –نسق المسرح.

وعن هذه الأجناس / الأنساق، تتفرّع أنساق أدبيّة فرعية أخرى.


 

 

أنساق أخرى

النّــــسق الاجتماعيّ

نسق السياسة

نسق الصّوت

(الموسيقى)

نسق الشعر

نسق الثقافة

نسق العلوم

نسق الاقتصاد

نسق الفــن

نسقالتّـربية

نسق الأدب

(الكتابة)

نسق التشكيل

(الرسم)

 

نسق الرقص

(الحركة)

نسق المسرح

نسقالرواية

نسق الدين


والخطاطة التالية كفيلة بإعطاء صورة شاملة لهذا التصنيف.


من خلال هذه الخطاطة، يتبيّن أن دراسة الأدب، إنما تتّم على اعتبار أنه نسق فرعيّ، »نستطيع تحديد مكوّناته الداخليّة بطريقة بنيويّة، وتحديد علاقة هذه المكونات بعضها ببعض وعلاقة النسّق برّمته بأنساق أخرى بطريقة نسقيّة، ومن ثم ينتفي التعارض المفتعل بين المقاربة البنيوية والنظرية النسقيّة«64.

كما تبرز الخطاطة أنه يُنظر إلى المجتمع -من منظور شميدت-، على أساس أنه مجموع من البُنى المركَّبة، والتي تتفاعل فيما بينها تواصليا، وأن بعض البنى قد أتيح لها الباب أن تستقر ضمن المعمار العام للنسق الاجتماعي، وهذا كله بفضل المواضعات القومية والعالمية، أما غيرها فلم يُتح له ذلك لأن المواضعات هي التي لفظتها خارج إطار النسق الاجتماعيّ الكلّ.

وباعتبار أن شميدت قد أعطى اعتبارا كبيرا للمفهوم الاجتماعي كتفاعل تواصلي، فإنه بذلك قد فتح الباب واسعا للعوامل البعيدة عن عالم النصوص في عملية التواصل والتلقي. ومن ثمّ سيُولي هذا المنظور بعين النظر الطريقة التي نشيّد بها تصوّرنا للظاهرة الأدبية65. وقد حفر الباحث أحمد بوحسن في الخلفية النظرية لتصور شميدت الذي أدمج في تصوره ((السلوك الاجتماعي))، ووجد أن الجذور الأولى في تصور النسق الثقافي تمتد إلى مدرسة طارتو Tartuللسيميائيات الثقافية، ولا سيما نظرات يوري لوتمان Yuri Lotman، كما لها امتدادات في التصورات الظاهراتية وفي نظرية التلقي. وقد تبلور عن الاتجاهات السابقة مفاهيم (( التشييدية)) Constructivismeوانتقل الهدف الأساسي »من الموضوعات إلى السيرورات، ومن الهوية إلى الاختلاف، ومن الحقيقة إلى المحتمل، ومن ماذا نعرف؟ إلى كيف نعرف؟ «66، فهي دعوة إلى التركيز على كيفية انبناء الأنساق وكيف تتولد الظاهرة الأدبية في إطار الكلّ/ النسق الاجتماعي العام، وهذه في الحقيقية هي عين النسبية التي يسلّم بها شميدت، ويراها واقعا فرض نفسه وسيفرض نفسه أكثر في المستقبل.67

3-نموذج "التحليل النسقي " كليمان موزان

لا يختلف كليمان موزان في نموذجه عن سابقيْه، فقد أفاد هو أيضا من عدّة نظريات أدبية، في مقدمتها التصوّر الشكلاني، الذي يَعدّ الظاهرة الأدبية نسقا، وارتكز أكثر على منظورات تينيانوف؛ الدينامية، الإواليّة، الوظيفة، والمتوالية. كما استلهم مفاهيم كثيرة من بارت وتودوروف ، »أخذ عن الأول مفهوم (( القرائن)) و(( الخبرات)) و(( الكتابة )) ووظيفتها في تحديد الخطاب الأدبيّ للتاريخ الأدبيّ. وأخذ عن الثاني فكرة القوانين العلمية العامة للظاهرة الأدبية وتحديد خصوصية التطوّر الأدبي، من خلال التركيز على مفهوم المتوالية والاستبدال.«68. كما أفاد من تصورات بول فاليري (Paul Valéry)حول الأدب، فعدّل من بعض مفاهيمه وأفكاره كمفهوم الحياة النصيّة، وفكرة التعميمات والتبادلات داخل النسق الأدبي الواحد. كما لم يبتعد كثيرا عن نظرية جمالية التلقي عند ياوس وإيزر، لاسيما مفهوم أفق الانتظار وتعاقب القراءات، ونسق الإنتاج الأدبي، والمتعة الجمالية ، وتعدد القراءات وتداخلها، كما اقتبس من تنظيرات نيكلاس لوما، في كتابه النسق الاجتماعي، واعتمد على نظرية تعدد الأنساق عند إيفن زوهار في مسألة التفريق بين النسق الشرعي وغير الشرعي، وأفاد من قريماس واستعار منه مفاهيم الكفاءة المعرفية والبَنينة والصياغة الصورية وغيرها.كما أفاد من نظريات علم الاجتماع وبعض رموزه، لا سيما بيير بورديو وشارل بوعزيز، وروبير إسكاربيت69.

غني عن البيان أننا لا نستطيع الإحاطة بكل الجوانب المتعلقة بنظرية موزان في هذه الدراسة، لكن حسبنا أن نشير إلى بعض الأفكار الأساسية ضمن نظريته النسقية ... وحسبنا بلوغ الفائدة في هذا الموضوع الحسّاس، لاسيما وأن هذا الموضوع نادر التناول لدى الدارسين.

يذهب كليمان موزان، إلى أن الظاهرة الأدبية /التاريخ الأدبي، مجرّد نسق فرعيّ ضمن نسق كليّ، هو "الثقافة" على اعتبار أنها نسق اجتماعي / كلٌّ، يكتنف أنساق فرعية أخرى كالفن والقانون والسياسية واللغة. وهو يرى أنه يستوجب في التناول النسقي، أن يتم التعامل مع موضوعات مجال معيّن (نسق) ما، على أساس أنها »مرجعيّات مكتفية بذاتها  وبناء عليه، فهي لا يمكنها أن تتحدّد إلا بالقياس إلى موضوعات مجال آخر (نسق آخر). ما يؤسّس الموضوعات، إذن، مجالين بالقياس إلى بعضها بعضا. ومن ثمّ فإن للتعالق أو التنظيم، هنا، دورا تأسيسيا «70، في خلق الدينامية التي يجب أن تحدثها مختلف الأنساق المتعددة.

ومن ثم فإن تصور كليمان موزان النسقي يدعو إلى التخلي عن فكرة التطوّر، التي لطالما هيمنت على المقولات التي تفسِّر الظاهرة الأدبية وتاريخ الأدب: نشأة / تقدّم، انحطاط/ بداية، أوج/ اضمحلال فالتحليل النسقي –حسب كليمان-يفضي بنا» إلى فكرة التقدّم، بل إلى فكرة الحركة التي تتصل بها فكرة السكون، ومجمل القول إلى فكرة للدينامية والسكونيّة اللتين تعتبران خاصيّة الأنساق«71.

يعتبر كليمان موزان أن أفضل سبيل لفهم مفهوم التعالق والتنظيم بين الأنساق، هو التأمل من فوق –كما سمّاه-فلنأخذ مثلا منعطفات الطرق السيارة عند مدخل مدينة لوس أنجلس الأمريكية، »تلك المنعطفات المثيرة للدهشة، عندما نكون على سطح الأرض ما نراه هو سطح البنيات فقط:الأعمدة الإسمنتية، الفرُج، الأعمدة الواقية، أجهزة الإنارة الضخمة، وهلم جرّا. أما ما نراه من الأجواء العالية فهو الأنساق لا غير، وطرق يتشابك بعضها ببعض، وتسير تمفصلاتها في جميع الاتجاهات، من نقطة إلى أخرى، وتتحرّك العناصر بالقياس إلى بعضها بعضا ويحدّدُ موقعها نظاما داخل هذا النسق المسمّى حركة المرور. ضمن هذا المنظور ليس هناك تقدّم، أوج، انحطاط. ليس هناك غير الحركة. وتنظيمات مختلفة بحسب الموقع الاستراتيجي أو الدينامي للعناصر المتواجهة «72. ففي السابق كانت الرؤية المتاحة في التاريخ الأدبي تسمح برؤية تقدم الخطوط التي تعلو وتستقل، وأيضا رؤية لكل الخطوط الممكنة.

حينئذ فإن الرؤية النسقية تجمع بين رؤيتين: صعود /نزول التاريخ المؤرّخ، تزامن /تطور» أي تنظيم الأنساق المكوَّنة من عناصر مُنظَّمَة، داخل علاقات وتعالقات مؤلِّفة لكل معين«73، أي إنه التحليل البنيوي داخل رؤية واحدة وشاملة لكل البنى المسّطحة، والأفقية، العمودية والخطيّة.

وقد تتضح مقولات موزان أكثر إذا سلّمنا أن الظاهرة الأدبية عنده تتجاوب أكثر مع مفاهيم النظرية النسقية، ذلك لأنّه وبهذا الاعتبار سوف»يجعل منها (الظاهرة الأدبية) نسقا منفتحا بامتياز، تتداخل في تكوينه عدّة عناصر متداخلة ومتعالقة، تلقى بظلال كثيفة تحول دون معرفة البنيات الحفيّة الثاوية وراء الصناعة الأدبيّة، بوصفها صناعة مشوبة بكثير من الغموض واللّبس. وإنّ تاريخ التأويل والتفسير الأدبي (تواريخ الأدب، النقد، الشروح، المحاولات، التعليقات، الحواشي... إلخ) ليولِّدان انطباعا باستحالة الوصول إلى قوانين عامّة/موحّدة في التعامل مع الظاهرة الأدبيّة. ولن يكشف التاريخ المذكور سوى عن الاختلاف والتباين المفرط في طرح التصوّرات والنظريّات والمناهج، التي عجزت عن الوصول إلى منهج شموليّ !؟ مجهّز بمنظومة مفاهيمية مصطلحية متكاملة«74.

فحسب موزان فإن على محلّلي الأنساق أن يميّزوا بين ثلاثة أنواع من الأنساق: النسق المنعزل isoléوالمنغلق closوالمنفتح ouvert.

أما النسق المنعزل: فهو فلا وجود له في عالم الواقع والفيزياء، بل هو مفهوم فكري محض. أما النسق المنغلق: فهو الذي يُختزل فيه الكلّ في قليل من أجزائه.

أما النسق المنفتح: فهو تنظيم حي ونسق فكريّ وواقعيّ في آن، فيه الحياة، والحركة والتبادل وحتى العلاقات. فهو يتلقى ويمنح، فيه طاقة تأخذ وتعطي باستمرار،» ويوفّر التواصل القانون َ الذي ينظِّم الكيفية التي يجب على المادة أن تنظم بها، وما هي الوظائف التي يجب أن تفُرض (المقرّرة) حتى تحافظ على نفسها75«، لأن عدم التوازن شيء ممكن حتى في الأنساق المادية الصارمة.

انطلاقا من هذا التمييز بين الأنساق، يُفرِّف موزان في تاريخ الأدب بين نسقين:

هناك التاريخ الأدبي التقليدي ذو النسق المغلق، لأنه تنظيم يختزل الكل إلى مجموع أجزاء مكوناته: قليلٌ من التاريخ العام، وقدر من بيوغرافيات الأدباء وأعمالهم، وتجميع لهذه العناصر في تفسيرات سببية، وإذا وصل النسق إلى ما يسميه المؤرخون "الأوجّ" حدثت مرحلة الانحطاط والاضمحلال، عندئذ يغدو التاريخ الأدبي آلة ثابتة يمكن أن يتكهن فيها بالتطّورات76.  وما من شك أن مثل هذا الفهم للتاريخ يعد سطحيا، لأنه في حدود تاريخ المشاهير والعباقرة والأحداث السياسية البارزة والمتعاقبة.

بيد أن النسق المنفتح عند كليمان موزان، فإنه يعتبر التاريخ الأدبي الجديد، كلٌ نسقيٌّ معقّدٌ، لأن موضوعه الأدب» باعتباره موضوعا غير متجانس (الأدب والمجتمع) ومنظّم (نظام، تراتبيّة، علاقات العناصر، بالإضافة إلى المراقبة والقواعد) في الوقت ذاته«77. ويبقى الدور الأساسي للمحلل النّسقي هو استكناه العلاقات التبادلية بين عناصر النسق ضمن الكلّ. كي يستجلي النظام من الفوضى التي تبطن على المستوى العميق» نسقا ضمنيا كامنا في لا وعي المثقف أو الكاتب الشيء الذي يجعل منه ((نسق أنساق)) أي نسقا موحدا للأنساق المعرفية المختلفة «78.

إذاً، هي بعض النبذ من تصورات كليمان موزان، ولا يسع الدراسة أن تتطرق إلى جميع تصوراته النظرية، غير أنها اكتفت بما يلامس موضوعها.

خــــــــــــــــــاتــــــــــــمة

جدير بالذكر أنه لم تكن غاية هذه الدراسة تقديم تفاصيل موسعة عن مختلف النظريات التي تبنت مفهوم النسق أو تعدد الأنساق أو التحليلي النسق، بقدر ما كان غرضها هو إظهار قيمة هذه التصورات في إدخال التعامل مع الظاهرة الأدبية وتاريخ الأدب، ضمن ممارسة جديدة ((نسقية))، قد تسمح له بدراسة وتحليل مختلف العلاقات التي تحكم العناصر التي تنتظم ضمن الظاهرة الأدبية بعامة. ولعله كما يقول سعيد علّوش» قد آن الأوان لوضع خريطة الأفكار والتأريخ الثقافي إلى جانب تاريخ الأدب، تتوجه إلى ظواهر (الإنتاج والتشفير، وتلقي النصوص) لإحقاق جمهورية الآداب بدل جمهورية السياسات، وقيم الجمالية بدل قيم التبعية «79.

إن دراسة الظاهرة الأدبية من منظور نسقي هو جزءٌ من همٍّ إبستيميٍّ كبيرٍ» يسميه إدغار موران بالرأسمال المعرفي Capital coghnitifcالذي هو حصيلة وعيّ جمعيّ بالمعرفة المكتسبة والمهارات المعرفية المحصّلة، والتجارب المعيشة، والذاكرة التاريخية، والمعتقدات الأسطورية، ويخضع الأدب شأنه شأن باقي أشكال الوعي، لتنظيم يفرضه المجتمع نسقا كليا «80.

تأسيسا على ما سبق، يمكن القول إنه بهذا التصور النسقي، قد توسّع مفهوم الأدب وتاريخه كثيرا، وصار يصدر عن أنساق تتفاوت في» صرامتها ووضوحها، واختلاف عناصرها وطبيعة علاقاتها وتقاليدها، فكثيرا ما نتعامل مع أدبنا وتاريخ أدبنا، على أنه غير محكوم بنسق خاص به، وإن كان له نسق أو أنساق فهي غير موصوفة وكأنه نسق غير معروف، لا يحتاج إلى المساءلة والبحث عنه «81.

فلا بأس إذاً باستعارة هذه المناهج الدراسية للظاهرة الأدبية وتاريخها، لاسيما إذا كانت سوف تضيف جديدا نظريا وإجرائيا للنظرية الأدبية الحديثة. وهذا ما دفع الباحث أحمد بوحسن إلى تطبيق هذا المنهج في دراسته لكتاب الأغاني، منطلقا من مسلّمة» أن كل كتابة أو تفكير إلا ويخضع لمجموعة من القوانين تختلف من حيث الصرامة والضبط، ولكنها مع ذلك ما دامت تنتج معنى أو معرفة إلا ويكون ذلك الإنتاج محكوما بنسق معين، يختلف بدوره قوة وإحكاما. فقد يكون نسقا مغلقا أو مفتوحا أو نسقا خطيّا أو ديناميّا وقد يكون متعدد الأنساق«82.

في ختام هذه الدراسة، يصدح الباحث، أن خط السّير المعرفي نحو هذه الآفاق البحثية الجديدة، قد كان طويلا وشاقا، بدأ بالتصورات اللسانية الأولى لسوسير، وبجهود الشكلانيّين الروس، ثم تصورات البنيوية ثم تواشجت المناهج النظرية الأخرى مع العديد من الحقول المعرفية، حتى وصلت أبحاث الدارسين إلى هذه الآفاق الجديدة. ولعلّه في قابل الأيام سوف تطل علينا دراسات أكثر استثمارا للرصيد النقدي والمعرفي الذي أبدعته البشرية وما زالت تبدعه.

[i])- ينظر المقال المترجم لـلباحث الألماني ((شميت))S.J.Sehmidt،عنوانه:مقاربة نسقية موجّهة للدراسات الأدبية، ترجمه ، أحمد بوحسن.ضمن كتاب، نظرية الأدب: القراءة-الفهم-التأويل، دار الأمان، ط1،2004، ص127.

[ii])- حسين الواد، في تاريخ الأدب مفاهيم ومناهج، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.ط2، 1993، ص 18.

*روبير إسكاربيت (R.Escarpit) هو أستاذ بجامعة بوردو 3، عرف بأبحاثه في (( علم اجتماع يعني بالأدب)) وهو أحد منشطي حلقة بوردو في البحث، له أعمال أسهم فيها جمع من زملائه سواء بالجامعة التي يدرّس بها أو بحلقة البحث التي ينتمي إليها، نذكر منهم على سبيل المثال:روبير أستيفال(R.Estivals) وبيار أورشيوني(P.Orechioni) وشارل بوازيز(Ch.Bouazis) ومن الأعمال التي أنجزتها هذه الحلقة : الحدث الأدبي والحدث الإجتماعي )) و(( وتحليل مفهوم التداول الزمني في تاريخ الأدب)) .

[iii])-المرجع  نفسه، ص 19.

**مصطلح جديد يقصد به: الأنساق التي تعتمل فيما بينها، فتولّف وتحرّك وتفعِّل وتشيّد الظاهرة الأدبية.بل وتتفاعل أي الأنساق العديدة ضمن الظاهرة الأدبية المجتمعية. بما في ذلك النصوص.ومن خلالها أي الأنساق توجهت بعض الدراسات لدراسة تاريخ الأدب. ينظر: كليمان موزان، ما التاريخ الأدبي، ترجمة حسن الطالب، دار الكتاب الجديد المتحدة، ط1، 2010.

[iv])-أحمد يوسف، القراءة النسقية ، سلطة البنية ووهم المحايثة، منشورات الإختلاف، ط 1، 2007، ص117.

[v])-المرجع نفسه الصفحة نفسهه.

***عادة ما يعرّف النسق في المعاجم العربية القديمة بالنظام، وما يجمع بين النسق والنظام، هو الصفات العامة التي تفيد الضم، والجمع والعطف. وفي اللغة ايضا ما جاء من الكلام على نظام واحد، والنسق يمتد في اللغة وفي وضعيتها في أي خطاب كان، بينما النظام يكاد يختص بشكل أو مادة معينة. ينظر أحمد بوحسن: العرب وتاريخ الادب، ص 31.

6 )-المرجع نفسه ص125.

****historicisme: نزعة فلسفية تبحث في تفسير ظاهرة ما(خصوصا في العلوم الإنسانية) تبعا لموقعها من التاريخ.

ينظر:Petit Larousse illustré 1984,Librairie Larousse, Paris ,1980,p.495-496

[vii])-كليمان موزان، ما التاريخ الأدبي، ص ص، 72، 73.

*****مصطلح يقصد به العناية بحياة ونشأة وعوامل التأثير في شخصية الأديب ، وغيرها من العوامل الخارجية التي تعين على فهم مؤلفات الأديب.

 [viii])-ينظر: المرجع  نفسه ، هامش الصفحة 73، الشرح للمترجم حسن الطالب.

****** قبل هذا التاريخ لم يكن للحركة الشكلانية أيّ صدى في الأوساط الثقافية الأوروبية، فيما كانت أمريكا سبّاقة إلى الاهتمام بها وبتنظيراتها، فقد نشرت أول دراسة عنها عام 1955 بعنوان:الشكلانيون الرّوس (Russian Formalism) .بعد ذلك نشر نيكولا ريفيت أول ترجمة لكتاب رومان ياكبسون ((دراسات في اللسانيات العامة)) عام 1963.وفي عام 1965 ترجم تودوروف معظم طروحات الحركة في كتابه المعروف ((نظرية الأدب : نصوص الشكلانيّين الروس)) واعتبر منذئذ فصاعدا أهم مرجع يعتمد عليه في دراسة طروحاتهم الأدبيّة. وفي عام 1991 نشرت الباحثة كاترين دو بريطو جونتي Catherine Depretto Gentyترجمة شبه كاملة لنصوص تينيانوف في مؤرف بعنوان: الشكلانيّة والتاريخ الأدبي .وصدرت عن دار L’age d’homme،وهوما يؤكد استمرار صدى الحركة في المشهد الثقافي الأوربي عامّة، والأدبي منه بصفة خاصة.

*******يوري تينيانوف:أحد رواد الشكلانية الروسية ومنظرِّيها.

[ix])- أحد يوسف، القراءة النسقية، سلطة البنية و وهم المحايثة، ص126.

[x])- أحمد بوحسن، العرب وتاريخ الأدب، ص33.

[xi])- أحمد يوسف، القراءة النسقية ، ص ص 126، 127.

[xii])- الإشارة هنا إلى كتاب،ف، دي سوسير، دروس في اللسانيات العامة 1916،  وقد تأثر بهذا الكتاب الشكلانيون الروس،كما أشار إلى ذلك أهم الذين درسوه: بيتر شتاينرSteiner Peter، في كتابه ( الشكلانيون الروس)Russian Formalism  ،وكتاب فيكتور إرليتش Erlich Victor، في أهم دراسة مبكرة عن الشكلانيّين الروس، بعنوان الشكلانيون الروس:التاريخ-العقيدة.Russian Formalism :Histoire-Doctrine

[xiii])-أحمد بوحسن، العرب  وتاريخ الأدب، ص ص، 34، 35.

[xiv])-كليمان موزان، ما التاريخ الأدبي،  ص74.

********جينيت جيرار (1930): كاتب مقالات، وأديب فرنسيٌّ مبرّز في الآداب، متخرّج في دار المعلمين، نشر أهم أبحاثه في أشهر المجلاّت النقدية:"النقد و"تيل كيل"، و"المجلة الفرنسية الجديدة". جمعها سنة 1966 في كتاب Figures 1Figyres2 (1969) و  Figures 3 (1972)، من أهم مؤلفاته: إيحائيات (1976)، عتبات 1987 .

[xv])- كليمان موزان، ما التاريخ الأدبي، ص ص 76، 77.

[xvi])-المرجع نفسه، ص 79.

   ([xvii]   Barthes.R (1963).Discours sur l’histoire.op.cit.p.166.

[xviii])- أحمد بو حسن، العرب وتاريخ الأدب، ص 32

[xix])-المرجع  نفسه، ص 33.

[xx])-ينظر دراسة حسن الطالب، ضمن كتاب، ما التاريخ الأدبي ، لكليمان موزان ، ص 25.

[xxi])-محمد مفتاح، التشابه والاختلاف، المركز الثقافي العربي، (1996)، ط1، ص 24.

********* ينظر دارسة محمد مفتاح بعنوان: الاتصال والانفصال في التاريخ الثقافي، ضمن  منشورات كلية الآداب الرباط، بعنوان: التحقيب مطبعة النجاح الجديدة، الدر البيضاء، ط1، 1997. ص66.

[xxii])-ينظر دراسة حسن الطالب، ضمن كتاب، ما التاريخ الأدبي ، لكليمان موزان ، ص 25.

[xxiii])-محمد مفتاح، التحقيب (التقليد، القطيعة السيرورة) ، دراسته بعنوان: الاتصال والانفصال في التاريخ الثقافي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط1، 1977، ص63

[xxiv])-المرجع نفسه، ص60.

********** مفكر مغربي ، وزعيم سياسي، ومقاوم للاستعمار.

*********** ينظر عرضه لهذه الأقوال ، ضمن كتابه، مشكاة المفاهيم، النقد المعرفي والمثاقفة، المركز الثقافي العربي، ط1، 2000، ص 154.

[xxv])- للاطلاع على أقوال علال الفاسي ينظر : محمد مفتاح، مشكاة المفاهيم، النقد المعرفي والمثاقفة، المركز الثقافي العربي، ط1، 2000، ص ، 154.

[xxvi])-المرجع نفسه، ص، ص ، 154. 155.

[xxvii])- المرجع نفسه، ص 155.

[xxviii])-سعيد يقطين، الأدب والمؤسسة والسلطة، نحو ممارسة أدبية جديدة، المركز الثقافي العربي، ط 1، 2002، ص 13.

[xxix])-ينظر المرجع  نفسه ، ص ص25، 26.

[xxx])-ينظر دراسة حسن الطالب ، ضمن كتاب ما التاريخ الأدبي ، لكليمان موزان، ص 27.

[xxxi])-أحمد بوحسن، العرب وتاريخ الأدب، ص، ص، 39، 40.

   ([xxxii]   Barthes.R (1963).Discours sur l’histoire.op.cit.p.166. نقلا عن أحمد بوحسن ، العرب وتاريخ الأدب.ص40.

[xxxiii])-كليمان موزان، ما التاريخ الأدبي ؟ ص 263.

[xxxiv]  )- حسن الطالب، مفهوم التاريخ الأدبي(مجالات التوسع وآفاق التجديد)، دار أبي قراقر،ط1،2008،ص 119.

************النسق الأولي هو نسق الأعمال الموافقة للأصول، أما لنسق الثانوي فهو نسق الأعمال الشعبية أو المخالفة للأصول:الأدب الشعبي، أدب الجمهور ، الأدب العادي، ينظر كليمان موزان، ما التاريخ الأدبي ، ص 262

[xxxv])- أحمد بوحسن، العرب وتاريخ الأدب، ص 42.

[xxxvi])-المرجع نفسه، ص 42.

*************منهم حسن الطالب، في كتابه الموسوم، بـ مفهوم التاريخ الأدبي(مجالات التوسع وآفاق التجديد).

   ([xxxvii]   Weisgerber (Jean) (1989), Ecrire L’histoire, in :Théorie Littéraire.op.cit.p.365

[xxxviii])-ينظر كليمان موزان، ما التاريخ الادبي ، ص 262 .

[xxxix])-حسن الطالب، مفهوم التاريخ الأدبي(مجالات التوسع وآفاق التجديد)،ص ص،119،120

   ([xl]   Itmar Even-Zohar. Plysystem theory,in poetics toay,VI.n :1-2 (1979)P.287-310. نقلا عن أحمد بوحسن ، العرب وتاريخ الأدب.ص43..

[xli])-أحمد بوحسن، العرب وتاريخ الأدب، ص 43.

[xlii])-المرجع نفسه، ص  ص، 43، 44.

   ([xliii]   Weisrgerber J.op.cit.p365.

[xliv])-حسن الطالب ، مفهوم التاريخ الأدبي(مجالات التوسع وآفاق التجديد) ، ص ،120  .

**************باحث ألماني،  من معهد لوميس، جامعة ك .ه. يسّن.ألمانيا.له مؤلفات كثيرة في الدراسات التجريبية في الأدب، والتشييدية، والتواصل الأدبي.وقد كتب أهم أعماله بالألمانية والإنجليزية.أهم دراسة له خاصة بالدراسات النسقية هي: the components of a basic theorie,:Foundation for the empirical study of literature ,Translated by Robert de Beaugrand,  Helmut. Buske Verlag.Hamburg.1982

[xlv])-أحمد بوحسن، ضمن كتاب، كتابة التواريخ ، مقال أحمد بوحسن :تاريخ الأدب، منشورات كلية الآداب والعلوم الانسانية ، الرباط ط، 1، ص 154.

   ([xlvi]   On writing Histories of literature : some remarks from a constructivist Point of view,in Poitics,n°14,1985.

[xlvii])-أحمد بوحسن ،كتابة التواريخ ، ضمن مقاله، تاريخ الأدب، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية ، ص 151.

[xlviii])-شميدت ضمن المقال المترجم .نظرية الأدب أحمد بوحسن  ص 129.

[xlix])-أحمد بوحسن، العرب وتاريخ الأدب، ص 45.

[l])-محمد مفتاح، التشابه والاختلاف، ص 170.

[li])-حسن الطالب، مفهوم التاريخ الأدبي(مجالات التوسع وآفاق التجديد) ،ص 122.

[lii])-أحمد بوحسن ، العرب وتاريخ الأدب، ص 46.

[liii])-سيغفريد شميدت، المقال المترجم . ضمن كتاب،  نظرية الأدب، أحمد بوحسن ، ص 193.

[liv])-ينظر المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

[lv])- حسن الطالب، مفهوم التاريخ الأدبي(مجالات التوسع وآفاق التجديد)، ص 138.

[lvi])-ينظر المرجع نفسه، ص ، 139.

[lvii])-كليمان موزان، ما التاريخ الأدبي ، ترجمة حسن الطالب، ص222.

[lviii])- المرجع نفسه ، 226.

[lix])-المرجع نفسه ، ص ص 226، 227.

[lx])- المرجع  نفسه، ص 227.

[lxi])-حسن الطالب، ضمن دراسته في مقدمة كتاب ما التاريخ الأدبي ، لكليمان موزان،  ص ص37، 38.

[lxii])-كليمان موزان، ما التاريخ الأدبي ، ص 236.

[lxiii])- المرجع نفسه، ص 237.

[lxiv])- المرجع  نفسه ، ص 273.

[lxv])-محمد مفتاح ، التشابه والاختلاف، ص 10

[lxvi])-سعيد علوش، ضمن مقدمة كتاب، ما التاريخ الأدبي ، لكليمان موزان، ص 7.

[lxvii])-حسن الطالب، ضمن الدراسة في مقدمة كتاب ما التاريخ الأدبي  لكليمان موزان، ص ص 26، 27.

[lxviii])-أحمد بوحسن ، العرب وتاريخ الأدب، ص  ص 47، 48.

[lxix])-المرجع نفسه، ص

Pour citer ce document

خالد زيغمي, «نحو أفق دراسة نسقيّة للظاهرة الأدبيّة و تاريخ الأدب»

[En ligne] مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales العدد 23 ديسمبر 2016N° 23 Décembre 2016
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2017-02-22,
mis a jour le : 02/03/2017,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=2114.