أسطورة المسخ والتحول في الثقافات القديمة وأثرها في الثقافة الشعبية الجزائرية
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
08
09
10
11
12
13
14
15

العدد 23 ديسمبر 2016 N° 23 Décembre 2016

أسطورة المسخ والتحول في الثقافات القديمة وأثرها في الثقافة الشعبية الجزائرية

كمال بلوصيف
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

تعتبر أسطورة المسخ والتحوّل من أهم المعتقدات التي حفلت بها مختلف الثقافات القديمة، بما تمثله من دلالة على أنماط التصورات التي ميزت طريقة التفكير في الميثولوجيات القديمة، وسيقدم هذا البحث دراسة لتجلياتها في الثقافات الإنسانية المختلفة: الفلسفيةاليونانية والعربية الدينية والشعبية الجزائرية.

الكلمات المفاتيح:الأسطورة، المسخ، التحول، صور المسوخ، الثقافة

Le mythe de la métamorphose et de la transformation est l'une des croyances les plus importants qui a été entièrement traitées par diverses cultures anciennes, car il représente un signe des perceptions qui ont caractérisé la façon de penser dans l'ancienne mythologie, cette étude présentera ses manifestations dans les différentes cultures humaines : grecque philosophique, l'arabe religieuse et le populaire algérien.

Mots-clés :Mythe, Métamorphoses, Transformation, Photos Des Mutants, Culture.

The myth of metamorphosis and transformation is one of  the most important beliefs that was fully dealt with by various ancient cultures, as it represents a sign of the perceptions that have characterized the way of thinking in the old mythology, this research study will present its manifestations in different human cultures: philosophical Greek , Arabic religious and popular Algerian.

Keywords :Myth, Metamorphosis, Transformation, Mutants Photos, Culture.

Quelques mots à propos de :  كمال بلوصيف

أستاذ مساعد أ. جامعة باجي مختار عنابة.

 

قبل الولوج إلى أسطورة المسخ والتحول في الثقافات القديمة، يكون لزاما عليتا الخوض في قراءات تحليلية لعقلية الإنسان البدائي ومدى ارتباطها بخلق الأساطير؟ وبما عبرت عنه هذه الأساطير وما مثلته من أهمية في حياته؟، بما أنها كانت معتقدات وتصورات لقوى غيبية اتخذها ذريعة لتعليل مخاوفه وتصوراته، ومن هذا المنطلق يرى الدارسون والباحثون في مجال الأسطورة أنها أقدم ما وصل إلينا من محاولات تفسيرية لما غمض على الإنسان من ظواهر عامة، سواء أكانت نفسية أو اجتماعية أو دينية، ومنه مثلت الأسطورة حدثا بارزا في تاريخ الأولين، فاهتموا بها أيما اهتمام، وحاكوا حولها الكثير من الوشائج والروابط في قصصهم وتواريخهم. وبما أنها كانت امتدادا لما نرمي إليه من دراسة، وجب علينا تحديد ماهيتها ومعالمها كي يتسنى لنا فهم موقعها في الدراسات النقدية الحديثة وأثرها على الفن والإبداع.

تعريف الأسطورة

أ-لغة

جاء في تعريف الأسطورة لغة أنها: "من سطر يسطر إذا كتب، قال الله تعالى:"نٓۚ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا يَسۡطُرُونَ ١"القلم: الآية: 01.أي وما تكتب الملائكة، وفي التنزيل: وكل صغير كبير مستطر، وسطر يسطر سطرا: كتب، واستطر مثله. قال أبو سعيد الضرير: سمعت أعرابيا فصيحا يقول: أسطر فلان اسمي أي تجاوز السطر الذي فيه اسمي، فإذا كتبه قيل: سطره، وقال الزجاج في قوله تعالى:"وَقَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَٱكۡتَتَبَهَا فَهِيَ تُمۡلَىٰ عَلَيۡهِ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا ٥" سورة الفرقان، الآية: 05. خبر لابتداء محذوف المعنى، وقالوا الذي جاء به أساطير، معناه سطّره الأوّلون وواحد الأساطير أسطورة. والأساطير: الأباطيل، والأساطير: أحاديث لا نظام لها. وقال أبو عبيدة: جمع سطر على أسطر ثم جمع أسطر على أساطير. ويقال سطّر فلان علينا يسطّر إذا جاء بالأحاديث تشبه الباطل، يقال هو يسطر مالا أصل له أي يؤلف.  يقال: سطر فلان على فلان، إذا زخرف له الأقاويل ونمقها وتلك الأقاويل الأساطير والسطر"1

ب-اصطلاحا

يذهب الكثير ممن درسوا الأسطورة أنها لا تستقر على تعريف محدد وشامل، وإنما تعددت تعاريفها وفقا لتعددها واختلافها واختلاطها بغيرها من الأجناس الأخرى، وبذلك ليس من السهولة أن نطأ هويتها وحيثياتها؛ لأنها لم تنزع إلى مشرب واحد، وإنما اختلطت منذ البدء مع غيرها من المشارب والثقافات المتعددة، مما حدا بها أن تتداخل مع كثير من الأجناس الأخرى، ومن ثم صعب تحديد ماهيتها، إلا أننا سوف نورد بعضا من التعاريف لعلها تشفي غليل هذا التنوع، فنجد خاصية جامعة لها من كل ذلك، ويعضد هذا الطرح ما ذهب إليه مرسيا إلياد في: "أن الأسطورة هي رواية لتاريخ مقدس يخبر عن أحداث وقعت في الزمان الأول قامت بها الآلهة والكائنات الخارقة العظيمة"2، وفي هذا التعريف الذي اختاره مرسيا إلياد دون غيره من التعاريف الأخرى مثل نوعا من الإلمام بالأسطورة، رغم ما عرف عليها من تعدد واختلاط بغيرها من المعارف الأخرى ، والقصد هنا أن الأسطورة تختص بطابع التقديس، وهذا ما يؤكده فراس السواح بقوله: "هي حكاية مقدسة ذات مضمون عميق يشف عن معان ذات صلة بالكون والوجود وحياة الإنسان"3، كما يرى  عبد الحميد يونس : "بأنها حكاية إله أو شبه إله أو كائن خارق تفسر بمنطق الإنسان البدائي ظواهر الحياة  والطبيعة والكون والنظام الاجتماعي وأوليات المعرفة"4.

وعليه فإن الأسطورة هي دين وعقيدة وتاريخ وإبداع، لذلك اختلف تفسيرها حسب كل مدرسة وما حملته من رؤية إيديولوجية اتجاهها، فارتباطها بالدين ناتج عن تصورات ومعتقدات الناس نحو الغيبيات والماورائيات، التي لم يستطيعوا موضعتها في عقولهم، فاتجهوا بها إلى التعدد والتنوع الذي توزعته وفقا للحقول المعرفية والثقافية والفلسفية، لذلك يرى محمد عجينة أنّ: "الأسطورة كما عاشتها المجتمعات القديمة هي التاريخ والدين والمعرفة والأخلاق، فهي التاريخ لأنها تحكي قصة علوية هي محل تقديس واحترام، لأنها أصل كل شيء. وهي الدين تبعا لذلك. كما أنها المعرفة لأنها تخبر بأصل الموجودات بدءا من الكون إلى المؤسسات الإنسانية وكيف ظهرت. وهي الأخلاق إذ تقدم من خلال التاريخ والدين والمعرفة نموذجا ومثلا أعلى للتصرف والسلوك"5. وعلى هذا الأساس توزعت الأسطورة على مختلف المعارف الإنسانية التي تأسست من خلال القول الذي أبان لنا صعوبة تحديد المفاهيم والتعاريف حول هذا المصطلح، مما حدا بكل باحث في هذا المجال أن ينطلق في تحديد مفهومها من خلال تخصصه، محاولا أن يجد لها تفسيرا من هذا المنطلق. ولا شك أن المعارف الإنسانية قد حاولت أن تؤسس للأسطورة كظاهرة إنسانية مست جميع جوانب الفكر والفنون والإبداع، وكل ما اتصل بالتفكير الإنساني في بداية مراحله الأولى. وقد آثر الكثير من الباحثين في العصر الحديث أن يربطوا الأسطورة بمجالات شتى من المعرفة، وهو ما يراه رينيه ويلك من خلال قوله أن:" الأسطورة هي الاصطلاح المفضل في النقد الحديث، وهي تشير إلى، وتحوم على حقل هام من المعاني، يشترك فيه الديانة والفولكلور وعلم الإنسان وعلم الاجتماع، والتحليل النفسي والفنون"6.

و توكؤا على ما سبق، يتضح لنا أن مفهوم الأسطورة يتوزع على العديد من الحقول المعرفية التي أنتجتها الثقافة الإنسانية في جميع مراحل تطورها، ومن هذا المنطلق اهتمت الدراسات الحديثة بهذا النوع من الثقافة التي تمثل الفكر الإنساني القديم، فكان "اهتمام العلماء والفلاسفة واللغويين وعلماء الأنثربولوجية بدراسة الأسطورة، وبعض كتابات ذلك القرن تعتبر معالم أساسية على الطريق، وإن كانت لم تبلغ بطبيعة الحال نوعا من الدقة والعمق، ولكي نتعرف على الاتجاهات والمسارات التي سلكتها البحوث الميثيولوجية ، يمكن الرجوع إلى الدراسات التي قدمت تفسيرات مختلفة للأسطورة"7.

من هنا يمكن أن نستخلص من كتابات بعض الفلاسفة والمفكرين الذي اهتموا بشأن الأسطورة، أنها تمثل إيديولوجيا خاصة بالشعوب في محاولة منها لإقناع ذاتها بالكثير من التساؤلات التي أثارتها الأسطورة، ونعضد هذا الرأي بهذا القول الذي يؤسس لهذا المنحى في اعتبار الأسطورة نوعا من الإيديولوجيا:" إن الإيديولوجيا أو الأسطورة هي الأداة التعبيرية للشعوب والجماعات القادرة على تحريك حشود البشر ودفعها لتأكيد طموحاتها وأهدافها. بل إنها تمثل الرغبات والإرادات الإنسانية الخلاقة التي تقود الناس إلى الاستعداد للمعركة من أجل تحطيم كل ما يوجد. ومن هنا عدّها "سوريل" هي والأسطورة حقيقة واحدة."8

الأسطورة والأدب

بعدما تطرقنا إلى الأسطورة من منظورها اللغوي والاصطلاحي، ننتقل إلى علاقتها بالأدب، حيث اندمجت الأسطورة وألبست ثوب السرد، ومنه دخلت عوالم النصوص، فأصبحت ملهما إبداعيا للكتاب والأدباء، فانسلخت الأسطورة من الطابع القدسي إلى عوالم الفن، محافظة على مكانتها داخل ثقافات الشعوب حتى هذا العصر. "فالأسطورة تجسد فكرة من الأفكار أو هما من الهموم لتصبح موضوعا يقلق الفكر البشري في مراحله البدائية يجيب عن تساؤلاته إجابة تقنعه ويقنع بها غيره، فتصبح قناعة يقينية جماعية إلى حد التقديس، ومع مرور الزمن وتطور الفكر البشري تفقد القناعة قداستها، إلا أنها تبقى متجذرة في عقل الإنسان ووجدانه، فينقلها جملة وتفصيلا إلى مجالات إبداعه كالأدب بمختلف أشكاله وأجناسه"9 ، وعلى هذا الأساس نجد أن المبدع قد استمر في توظيف الأساطير داخل نصوصه الإبداعية، وأعطاها من الإسقاطات ما يتماشى مع سيرورة الحياة والثقافة في كل عصر، وهذا ما يراه بعض الباحثين في "أن الأسطورة ليست مادة للتفسير، وإنما هي موضوع لمعارف من حياة سابقة، وهكذا يجب إعادة تقويم هذه المعارف عند انحصارها، لا إعادة تفسيرها، لكي تدلنا على القوانين الأطر والنماذج الناظمة لها، مع إمكانية إعادة استخدامها آنيا. لا تستطيع الأسطورة بالتأكيد تناسي أصولها الدينية بسهولة، ولا يمكن أخذ بعد أدبي إلا إذا بقيت كلاما حيا"10، لذلك حاول الإنسان منذ القديم البحث في الظواهر والأشياء التي تشد انتباهه وتثير غموضه، ليبحث لها عن تفسير وتعليل، بما تيسر له من تفكير وتأويل يتماشى وطبيعة تلك الظاهرة. ومن هذه الظواهر التي أصبحت فيما بعد معتقدا أسطوريا راسخا في الثقافات القديمة والحديثة: المَسخُ والتحول.

وعليه فإنني في هذا المقام أحاول تحديد المصطلح وتتبعه في المعاجم اللغوية، وأصوله في الديانات، ثم أتطلع بعد ذلك إلى الثقافات القديمة وكيف أسطرته في تصورها عبر القصص والحكايات المتوفرة في آثارها التاريخية أو الإبداعية.

تتفق المعاجم العربية والغربية، في قضية المسخ ودلالته في اللغةعلى أنه الانتقال من صورة الانسان إلى هيئة الحيوان. وهو ما نجده في لسان العرب لابن منظور:«الذي يرى أن المسخ هو تحويل صورة إلى صورة أقبح منها، أو تحويل خلق إلى صورة أخرى... فمسخه الله قردا، تمسخه ومسيخ. وكذلك يشوه الخلق. وفي الحديث النبوي عن ابن عباس: الجان مسيخ الجن كما مسخت القردة من بني إسرائيل»11.

وجاء في ترجمة مسخ الكائنات لأوفيد ناسو على لسان المترجم «أن كلمة (ميثاموفورز) التي عنون بها أوفيد كتابه تعني:الانتقال من حال إلى حال، لا يشرط فيها حال دنيا وحال عليا، غير أن الكتاب كله تحول من مرتبة عليا إلى مرتبة دنيا».12

نستنتج مما سبق أن المسخ هو النزول من المراتب العليا إلى الدنيا لأسباب دينية أو عقوبات سلطت من الآلهة على الإنسان، وقد نلاحظ أن هناك فرقا بين المسخ والتحول، ذلك أن التحول ليس بالضرورة الانتقال من أعلى إلى أدنى، فقد يكون التحول تصاعديا أي من مرتبة دنيا إلى عليا. فأساطير المسخ والتحول «تزودالمعتقدين فيها سلاح رهيب جدا، إذ أنها تبشر بقدرة الغيب على الإرهاب المباشر.فالمسخ مثلا يرمز إلى القدرة الإلهية على تحويل الإنسان من وضع أعلى إلى وضع أدنى(وضع حيواني)،ويختلف التحول عن المسخ بأنه لا يتضمن الانتقال الحصري من مرتبة دنيا، فهو قد يكون تحولا ارتقائيا أو تحولا انحطاطيا أو تحولا محايدا، والتحول يشمل الأشياء والبشر على السواء، فيما ينحصر المسخ في تحويل البشر إلى حيوانات أو أشياء»13.

لذلك تعتبر أسطورة المسخ والتحول من بين أهم الأساطير لدى الشعوب على مختلف منطلقاتها الفكرية والايديولوجية التي تدور موضوعاتها حول تغير صور الكائنات إلى أشكال متنوعة وتلبس حقيقة غير حقيقتها. 

ولم يقتصر المسخ على ثقافة دون أخرى، وإنما مس تصورات جميع الأمم في ثقافاتها الأسطورية التي حاولت أن تحدد طبيعة المسخ من منطلقات ايدولوجية سواء أكانت عقدية أم اجتماعية أم سياسية. ولم تكن الديانات بمعزل عن هذا التصور الذي نجده في التوراة وقصتها حول المسخالذي أثبته القرآن والسنة النبوية باعتبارهما أبرز مقومات الثقافة الإسلامية المرجعية لدى المسلمين، حينما يعرض لقضية مسخ بعض بني إسرائيل في القرآن وتحويلهم إلى قردة وخنازير.

المسخفيالثقافات الدينية

صرح القرآن الكريم في عدد من الآيات بأن الله عز وجل غضب على جماعة من بني إسرائيل فمسخهم إلى قردة وخنازير. وكان هذا المسخ عقوبة لمعصيتهم.قال تعالى مخاطبا بني إسرائيل:"وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلَّذِينَٱعۡتَدَوۡاْ مِنكُمۡ فِي ٱلسَّبۡتِ فَقُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِ‍ِٔينَ ٦٥"البقرة :65وفي آية أخرى: "فَلَمَّا عَتَوۡاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنۡهُ قُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِ‍ِٔينَ ١٦٦" (الأعراف:166). وقال تعالى: "قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ هَلۡ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلُ وَأَنَّ أَكۡثَرَكُمۡ فَٰسِقُونَ ٥٩ قُلۡ هَلۡ أُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيۡهِ وَجَعَلَ مِنۡهُمُ ٱلۡقِرَدَةَ وَٱلۡخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّٰغُوتَۚ أُوْلَٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ٦٠" ( المائدة :59-60). فهذا المسخ عقوبة من الله تعالى لهم على ارتكاب ما حرم عليهم.

جاء في تفسير ابن كثير «أن الله لما مسخ بعض بني إسرائيل وجعل منهم القردة والخنازير. جعل الشباب منهم قردة، والشيوخ خنازير. وقال ابن عباس فمسخهم الله قردة بمعصيتهم، إذ لايحيون في الأرض إلا ثلاثة أيام، ولم يعش مسخ قط فوقها، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل»14.ولعل أهم ما ينبغي الإشارة إليه في هذا المقام أنّهناك الكثير من الأحاديث التي تناولت ظاهرة المسخ في الثقافة الإسلامية وتبينمن خلالهاأن المسخ هو عقوبة نتيجة لكثرة المعاصي والفواحش.

 ولهذا فإنّ الأرجح أنّ القردة والخنازير الموجودة الآن ليست من المسوخ التي كانت في الأمم السابقة، ذلك أن الله عز وجل لم يجعل لممسوخ نسلا بل يهلكه الله بعد مسخه، وهذا ما رواه ابن مسعود رضي الله عنه في صحيح مُسلم: «قالرجل يا رسول الله القردة والخنازير هي ما مسخ.فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا إن الله لم يجعل لمسخ لا نسلا ولا عقبا وأن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك»15.

ولا يقتصر الحديث عن المسخ على الثقافة الإسلامية،فالمتتبع لحقيقة المسخ والتحوليجد أنّه«كان جزءا من معتقد الإنسان القديم، كما عرفته أمم وشعوب عديدة في المجتمعات الأكثر تقدما وتحضرا. لذا فالنصوص الدينية على اختلاف مصادرها الوضعية منها والسماوية أشارت إليه وربطته بالجانب العقدي لتمنحه مصداقية الكينونة والوجود»16.

ومن الديانات القديمة التي تؤسس لهذا اللون من الأساطير التي تتحدث عن المسخ والتحول الديانة الهندية ونجد ذلك في بعض المقاطع من إنجيل بودا في مثل قصة الإله إندرا الذي اتخذ صورة صياد يقول بوذا: «كان في قديم الزمان ملك ظالم، فاتخذ الإله إندرا هيئة صياد، ونزل إليه مع الشيطان متالي، وهذا الشيطان اتخذ صورة كلب ذي قامة عجيبة، دخل الصياد والكلب إلى القصر، وبدأ الكلب بالنباح بقوة وبحزن؟ مما جعل بناء القصر الملكي يهتز من شدة الصوت»17، وفي مقطع آخر نجد في إنجيل بودا أن أحد الخياطين المخادعين كان يتخذ صورة طائر يسمى مالك الحزين «هذا الشخص عينه الذي لا يشبع عاش عدة حيوات قبل حياته الحاضرة بصورة طائر يسمى مالك الحزين الذي اختار مأوى له قرب إحدى البحيرات»18.

وغير بعيد عن المعتقدات الدينية التي بلورت مفهوم المسخ وفق عقائد الأمم والشعوب، انتقل بدوره إلى الفنون والآداب وأصبح يوظف في كثير من الكتابات الإبداعية التي حاول من خلالها المبدعون أن يمارسوا نوعا من الإسقاطات التي تمس الجوانب الهامة في حياة الإنسان وما يدور حوله.

وقد آثرت في هذا المقام أن أركز على قضية المسخ والتحول في نماذج بعض الثقافات القديمة التي حفلت بها الملاحم والكتب عند بعض الأمم، التي اعتقدت في أسطورة المسخ والتحول اعتقادها الجازم، فانتقل من الإيمان إلى الرواية عنه ونسج الكثير من القصص حوله في قالب تراجيدي يحدد معالمه القاص.

فمن النماذج:الأوديسةالتي تتحدث عن عودة أودوسيوس إلى بلده لما انتصر في حرب طروادة،فلما لم يقدم أودوسيوس القرابين إلى آلهة الأولمب، عاقبته بالتيه في عرض البحار، وبدلا من أن يقصد مملكته رست سفينته على جزيرة ملكة السحر سيرسالتي حولت أصحابه الى خنازير بفعل شراب سحري قدمته لهم."و أقبلت سيرس فهشت لهم وبشت ، وأذنت لهم أن يدخلوا ... فدخلوا , وأسفاه إلا يوريلاخوس فخشي أن تكون مكيدة أو أحبولة , قادتهم الى بهو كبير ، صفت فيه عروش ضخمة من ذهب ، ما كادوا يستقرون عليها حتى أقبل الساقي بخمر وعسل، ثم جيء بجبن وطعام آخر، مخلوط بعقاقير سحرية تذهب وعي آكليها، وتنسيهم ما سلف من أمورهم، واستاقتهم إلى حظائرها حيث مسخوا، فكانوا خنازير وإن أبقى السحر على ألبابهم "19.

وغير بعيد عن هذه الأسطورة في ملحمة الأوديسة يطالعنا أوفيد بكتاب ضخم حول أساطير المسخ في الثقافة القديمة، ويتعرض لها بالتفصيل في حديثه عن تغيراتها وصورها وأشكالها،فمثلا«جوبتر رب الأرباب يهبط من عليائه إلى الأرض، ويتحول في صورة آدمي. وشخصية (إليكاوون)حينما مسخته الآلهة ذئبا وحشيا وكذلك شخصية دافني التي طلب من الآلهة أن تمسخها بسبب جمالها الذي أثار الإعجاب في قلوب الرجال، وقد مسخت شجرة»20.

ومن أساطير المسخ والتحول في الثقافة اليونانية أسطورة رأس ميدوسا «التي حولت الآلهة شعرها إلى ثعابين ووجهها إلى وحش فكان من ينظر إليها يتحول إلى حجر. وقد كانت من الجميلات»21.

ومثل تلك الأساطيرالتي عجت بها الثقافات القديمة: «أسطورة نرسيس عند اليونان، وهو الفتى الجميل الذي ابتلته الآلهة (إفروديت) بحبه نفسه وولوعه بالنظر إلى صورته في الماء، وفي سبيل حصوله على هذه الصورة مات غرقا في الماء، وتحول الى زهرة هي زهرة النرجس. ولذلك تحب هذه الزهرة الماء وتنمو على الشطآن»22، وهي من الأساطير التي لها اتصال وثيق بالمسخ عند أكثر الشعوب.

ولا تختلف الثقافة الإفريقية عن باقي الثقافات الأخرى في تصورها العام للمسخ وصوره؛ لأننا نعثر حين قراءتنا لبعض المدونات التي نجدها تتطرق لمثل هذا النوع من الأساطير، والتي «تدور حول أشخاص تغادر أرواحهم جسدهم، وتتقمص كائنات أخرى خلال الليل، هناك اعتقاد سائد بأن مثل أولئك الأشخاص يمكن مشاهدتهم محلقين على عصا غليظة، أو يتحول إلى بومة ويتجه إلى قمم الأشجار، حيث تقام الولائم لنهش اللحم نيئا. ففي ساحل العاج تدور إحدى اساطيرهم حول امرأة غادرت روحها جسدها وتقمصت بومة. وظل جسدها راقدا في الفراش، وحلقت البومة ولكن صيادا شجاعا تمكن من إصابتها، وفي تلك اللحظة ماتت الساحرة في الفراش»23. وقد كثر هذا النوع من الأساطير خاصة في قبائل إفريقيا، وتناقلها أبناؤها، واعتقدوا بصحتها، ومما «تناقلتها قبائل جيكويا GIKUYAIالتي تقطن كينيا، والتي تدور حول إحدى المخلوقات الممسوخة، التي كان نصفها بشر من لحم، والنصف الآخر من حجر. أو نصفها بشر من لحم والنصف الآخر من شمع، أما في مالاوي فيتحدثون عن تلك المخلوقات الممسوخة التي تتخذ الغابات مأوى لها، متحدية الكائنات البشرية في صراعاتها، والتغلب عليها»24.

 

المسخفيالثقافةالعربية

لم تخل الثقافة العربية من القصص الأسطوري حول ظاهرة المسخ، بل كان لها تصور عنهوعن التحول في كثير من القصص في التراث العربي، التي تهيأت من خلال المسخ الأسطوري الذي ساد الجزيرة العربية، وما تبعه من هوس في دهاليز تلك الصحراء، فكثرت الاساطير والاعتقادات انطلاقا من الانسان.

وفي الحكايات العربية الكثير من القصص حول المسخ والتحول، منها: الأسطورة العربية حول قصة مسخ (أساف ونائلة) إلى صنمين من أصنام قريش التي كانوا يعبدونها «وتروى الأخبار أن أساف بن يعلى، ونائلة بنت زيد تعشّقا بعضهما في الكعبة فعدّ فجورا، فمسخا أصناما. وكأن الخطيئة تم التكفير عنها بالمسخ في صورة لهذين الصنمين. وكأن المسخ عقاب وتحريم للاتصال الجنسي بين الحجاج. وفي الوقت نفسه هو تحريم لتعاطيه الكعبة أو في حماها»25.

ولعل أهم أسطورة مسوخية ترددت كثيرا في الثقافة العربية القديمة وبقيت تراكماتها حتى في الثقافة الشعبية العربية، أسطورة الغول، التي تحدثت عنها المدونات التراثية مثل: الدوميري في حياة الحيوان الكبرى، وعجائب المخلوقات للقزويني، ونهاية الأرب للنويري، والحيوان للجاحظ، وقد حددت معالمها وضبط مفهومها في كثير من المدونات التراثية، نأخذ منها ما ذكره الجاحظ في كتابه بقوله:«اسم لكل كائن من الجن، يعرض للسفار، ويتلون في ضروب شتى من الصور والثياب، ذكر أو أنثى، إلا أن أكثر كلامهم على أنه أنثى»26.

ويتضمن كلام الجاحظ أن الغول جن يعرض للسفّار، ثم يتلون لهم في ضروب الصور والثياب، وغالبا ما يكون أنثى، فكانت تظهر(السعلاة)في صورة امرأة جميلة وتتعرض للسفار حتى تغويهم ثم تأكلهم، وتشعل نارا فيظن العرب أنها نار ضيف فلما يأتيها تأكله، وقد وردت في كثير من الشعر العربي القديم وجسدها الكثير من الشعراء أشهرهم تأبط شرا، وكعب بن زهير، وعنترة، وارتبطت عند كعب بن زهير بالمرأة وتلونها وتحولها، وهي كائن عنيف مخيف، وتبدو بصورة حيوان شاذ يسبب الخوف والرعب.

لقد خصص الجاحظ في مدونته التراثية جزءا هاما في معالجة مصطلح "المسخ والتحول"، إذ يرى أن المسخ قد مسّ الحيوان والنبات والانسان، وهو موجود بكثرة في معتقدات الناس في بعض الحيوانات، فمثلا يرى أنهم "يزعمون أن الحية مسخ، والضب مسخ، والكلب مسخ والفأر مسخ" 27، بل يذهب إلى أبعد من ذلك فيتناول المصطلح عند أهل الكتاب، يقول "ولم أر أهل الكتاب يقرّون بأن الله تعالى مسخ إنسانا قط, خنزيرا ولا قردا ، إلا أنهم أجمعوا أن الله تبارك وتعالى قد مسخ امرأة لوط حجرا، حين التفتت. وتزعم الأعراب أن الله قد مسخ كل صاحب مكس وجابي خراج إتاوة إذا كان ظالما، وأنه مسخ ماكسين، أحدهما ذئبا والآخر ضبعا"28، كما اعتقدت العرب "أن جرهم من الملائكة الذين كانوا إذا عصوا في السماء أنزلوا إلى الأرض، كما قيل في هاروت وماروت، فجعلوا سهيلا عشارا مسخ نجما، وجعلوا الزهرة امرأة بغيا مسخت نجما وكان اسمها أناهيد"29.

و يبدو أن الجاحظ من خلال تحليله لمصطلح المسخ والتحول في الثقافة العربية، أراد أن يستنتج بعض الصور المسوخية التي جاءت نتيجة لبعض المعتقدات العربية ، والتي ترى "أن الله تعالى قد ملّك الجن والشياطين والعمار والغيلان أن يتحولوا في أي صورة شاءوا، إلا الغول فإنها تتحول في جميع صور المرأة ولباسها إلا رجليها، فلا بد من أن تكون رجلي حمار" 30، وهذا التحول الذي يتحدث عنه الجاحظ إنما يكون إراديا بما أثبتته الثقافة العربية قياسا على بعض القصص والأحاديث والسير والتاريخ الإسلامي الذي يعج بمثل هذه الصور للمتحولين، خاصة في الثقافة الإسلامية؛ لأن الناس "قاسوا تصور الجن على تصور جبريل عليه السلام في صورة دحية بن خليفة الكلبي، وعلى تصور الملائكة الذين أتوا مريم وإبراهيم ولوط وداود عليه السلام في صور الآدميين، وعلى ما جاء في الأثر من تصور إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم"31.

ويطالعنا في الثقافة العربية كتاب"ألف ليلة وليلة" بمسحته العجائبية التي لا تخلو من القصص الغريب والمثير الذي نسج الكثير من الحكايات المسوخية عن الأشخاص الذين تحولوا إلى حيوانات أو أشياء أخرى؛«حيث يتحول الآدميون في هذه الكتابات إلى حيوانات مختلفة، وتدعو تفاصيل هذه التحولات الخلقية من الصورة البشرية إلى الصورة الحيوانية، إلى الاهتمام بتوظيفها الدلالي وتكرارها بصورة نمطية معينة تمكننا من استخلاص معان أدبية ورمزية».32

وقد اعتبرت ألف ليلة وليلة في قضية تناولهاالأسطورة المسخ إنجازا عربيا وابتكارا أدبيا جديدا. وقد وجدت في الليالي حكايات حول المسخ مثل حكايات التاجر والعفريت والحمال وثلاث بنات33، وغيرها من الحكايات الأخرى التي تناولت هذه الأسطورة بطريقة عجائبية.

ويكتسي «موضوع التحولات ومسخ الكائنات بطبيعته أبعادا وإيحاءات خاصة ويناقشه الدارسون باعتباره موتيفا أدبيا يشير إلى الانفصال بين الجسد والوعي، أو العقل بين الشكل والجوهر وذلك عندما يحدث الانقلاب من خلقة إلى أخرى... فالمسخ والتحول يختلف في دراسته بين مجموعة من العلوم مثل الأنتربولوجيا والفلسفة وعلم النفس وعلم الجمال ودراسة الأديان، أما التحول في الأدب فله علاقة بالبحث عن الهوية، فالانفصال والخروج إلى الآخر ليتعرف الانسان على هويته الأصلية من جديد»34.

وهذا ما نجده في رواية الحمار الذهبي لأبوليوس في مسخ الانسان إلى حيوان(الحمار) ثم عودته إلى حالته الأولى،وهي تعتمد على طابع المسخ وتحويل الكائن البشري إلى حيوانات أو أشياء على غرار الإبداعات اليونانية.

تتحدث الرواية قبل تحول لوكيوس إلى حمار , عن دور السحر وقدرته على تحويل الناس والأشياء إلى حيوانات وطيور، كما فعلت الساحرة بامفيلة التي تحولت بفضل خلطتها السحرية إلى بومة، حنيما كان لوكيوس يشاهد ذلك خفية بغية التعلم، " لقد تعرت بامفيلة أولا , ثم فتحت صندوقا صغيرا وأخرجت منه علبا كثيرة، رفعت غطاء إحدى العلب، وأخرجت منها مرهما دعكته طويلا بين يديها , ثم دهنت به جسدها كله من قمة رأسها الى أخمص قدميها ، وأخذت بعد أن أجرت أحاديث سرية مع مصباحها تهز أعضاءها وتحركها كلها، ... فتحولت بامفيلة إلى بومة !  وأرسلت أنة صارخة. ووثبت عن الأرض قليلا على سبيل التجربة ثم ارتفعت منشورة الجناحين وانطلقت الى الفضاء "35.

و قد استعرض لوكيوس في هذه الرواية تجربته الخاصة بعدما أخطأ في الوصفة السحرية التي تحول من خلالها إلى صورة حمار، حيث حاول أن يتبع طريقة بامفيلة السحرية لكن دربته في السحر وتجربته قليلة، مما جعله يرتبك ولا يحسن ذلك ، " غرفت كمية صغيرة من المرهم , ودهنت بها جسمي وأخذت أحرك ذراعي صعودا وهبوطا وأتمرن على طائر معين، لم ينم لي زغب قط، ولا ظهرت لي ريشة واحدة ! ، لكن شعري نما بشكل واضح وأصبح خشنا، وصارت بشرتي الناعمة طبقة سميكة من الشحم، وتجمعت أصابع يدي وقدمي، ليتحول كل منها ببساطة إلى حوافر، وانبثق في أسفل ظهري ذيل عظيم"36، وبذلك تحول لوكيوس إلى حمار لكنه بقي محتفظا بعقله وشعوره الإنساني.

المسخفيالثقافةالشعبيةالجزائرية

لما كانت أسطورة المسخ والتحول قديمة قدم تصورات الانسان لوجوده وكينونته وتعليلاته للظواهر القديمة، واعتقد الانسان فيها الحقيقة وأسست لفلسفته في الحياة والوجود. من خلال ما وجد في الملاحم القديمة من أساطير تتحدث عن التحول الإنساني إلى شكل حيواني مثل قرد أو نحلة أو حشرة أو حجرة.

ويشير المسخ إلى طقوس وعقائد شعبية، وبذلك لم تخل أمة من الأمم عن هذا الاعتقاد السائد في ثقافة الشعوب، وعليه فإن الثقافة الشعبية الجزائرية لديها تصور عن مثل هذه الأساطير التي تراكمت في ذاكرتها من خلال تلك القصص التي كانت تروى في الجلسات والأسمار.

وقد اهتمت الثقافة الشعبية الجزائرية بموضوع التحول والمسخ، لتعكس قدرة الراوي الشعبي في تصوره لهذه المعتقدات والأساطير التي تتحدث عن الجسد وتحولاته، من خلال المعتقدات الدينية أوعوالم القوى الخارجية الغيبية التي آمن بها الانسان منذ القديم، كالسحر أو العقاب الذي يصدر من الآلهة أو غيرها من القوى التي لها القدرة على ذلك السلاح الرهيب، الذي يحول الانسان إلى شكل جديد وصورة لم يعهدها تختلف عما كان عليه، ولكن روحه وعقله يبقى كما كان. «فالإنسان الممسوخ ملغى من مؤسسة المجتمع الإنساني كفرد فعال، ليضاف قصريا إلى مؤسسة المجتمع الحيواني وهو بذلك ذو طبقة مزدوجة. حيوانية في بنيته الخارجية وإنسانية في بنيته الداخلية، لذلك كانت جل الصور المسوخية لا تحيد عن صور الحيوان، وقلما كان نباتا أو جمادا»37.

وقد لاحظت من خلال قراءتي للقصص الشعبي الجزائري أن التحول والمسخ الموجود فيها لا يخرج عن الإطار المفاهيمي الذي رسم في غيرها من الثقافات التي ذكرت نماذجها سابقا، إذ إن هذه القصص تنتمي إلى ما يعانيه الشخص الممسوخ في كل مرة بعد تعرضه لتجارب قاسية تتمثل في المسخ والتعذيب والتشويه.على ان يكون ذلك الشخص الذي مر بهذه التجربة المسوخية هو المنتصر في الأخير وذلك بتدخل أشخاص آخرين أو إحدى القوى الخيرية، لتخلصه مما كان فيه وتعاقب المتسبب أو الفاعل عقابا سرمديا،ومن أمثلة هذه القصص:قصة لونجة، بقرة اليتامى،طرنجة،الحسناء أشرقت،سميع بلحنش38. وغيرها كثير مما تعج به الثقافة الشعبية الجزائرية.

ومن خلال قراءتنا لمجموعةمن  القصص الشعبي الجزائري استخلصنا أنه يتحدد منخلالالعوالم والخوارق والعجائبية التي تدخل ضمن موضوع التحول أو المسخ، على أننا نجد في هذه القصص نوعين من التحول أو المسوخ، كما نجده في غيرها من الثقافات الأخرى، وقد تكون هذه الكائنات المتحولة ذات قوى غيبية كالجن والعفاريت والغيلان،فيكون ذلك بإرادتها للتقمص أوالتخفي، إذ يتحول ذلك الكائن أو يمسخ نفسه بكل سهولة، في هيئات متعددة وصور متنوعة ومن أمثلة ذلك ما جاء في قصة "ولد المحقورة"الذي جاءه عفريت على هيئة إنسان « هو يدور ويحوس اخرجلو عفريت في صورة إنسان .. قاله: شوف ... هام كاينين أخرين حكماء يحوسوا عليّ وراهم يتلاقاو بيك يسقسوك عليّ قلهم ماشفتش!... عاهدني بللي تقولهم ماشفتوش، راه يطول الزمان ويقصر ونتلاقاو. عاهدني ولاّ نقتلك. أعطاه العاهد بللي إذا نلاقى معهم ما يقلهمش راني شفته. دخل العفريت ادرق في وحد المغارة، أمّال هذاك امشي تلاقى مع الحكماء هاذوك»39.

بينما نجد نمطا آخر من التحول أو المسخ الخارج عن إرادة الإنسان بفعل الانتقام أو الغيرة أو الحسد، فيمسخ الشخص بفعل اتحاد بين القوى الغيبية والبشر،ويكون الشخص الممسوخ ضحية لذلك، ودون إرادته كما ورد في قصة الطفلة المسحورة: «ماحاجاتك يا ماجاتك ... على وحد الطفلة في هاك البلاد، اللي يحل عليها العزيمة يقول لها: راكي باش تاخذي غول!...، وهي كان هي عند باباها وأمها، واحد النهار قالت لأمها: نخرج من هذه البلاد يزيني منها. قالت لها أمها: يابنتي يهديك ... مانروحيش. ما حبتش تاخذ رأيها، أمّالة قالت لها: روحي. تمشي تمشي تمشي حتى ان لقت عشه في الجبل دخلت لها. وهاك العشة فيها زوز من الناس، دخلت وقالت لهم: السلام عليكم. وقالولها: أنت جنس ولاّ ونس. قالت لهم: ونس كان لقيت من يوانسني. وقعدت معاهمنهارات وبعد تجوزت بالكبير فيهم ... وهي كانت حامل حتى كيف ضرب عليها الليل طلعت فوق شجرة، وهاك الشجرة يبات تحتها الهوش الكل، حتى جاء هاك الهوش وشمو ريحتها وجاو طالعين باش يهبطوها ياكلوها، وما نجم حتى واحد يطلع لها غير النمالة. طلعت هبطتها وكيف هبطوها تنافقوها كل واحد اخذا لقشة. أما الارنب قالتلهم: اعطوني الجني اللي في كرشها ... والارنب خذت هاك الجني الي في كرشها. امالا راحت خباته وظهرت بنت. اماله ربتها هاك الارنب ورضعتها حتى كبرت هاك البنت. حتى واحد النهار خرجت لارنب خلات دارها محلوله حتى خرجت هاك الطفلة وقعدت في الشمس، وتمشط في راسها، حتى عقب عنها نسر وهزها وطار بيها وحطها فوق شجرة حتى هاو عقب ولد السلطان ححتى هزها وداها وكان عندو سبع نساء وزاد تزوج بيها هي حتى صبحت حامل وجابت له ولد وحيد وكيف عاد هاك الولد عمره عامين راح بوه للحج ووصاهم قالهم: هنوني، حتى واحد النهار شدوها النسا ينسلولها في شعرها وكل شعرة يحطوا في بلاصتها ابرة، حتى طارت ذاك الطفلة وصارت عصفورة... وعاودو هاك النسا الكل آشدارولها. ينحو ابره ويديرو شعره حتى رجعت امره كيما كانت بكري»40.

ولما كان البحث يحفر في داخل أسطورة المسخ والتحول في الثقافات الانسانية، وكيف تشكل وعيها بهذه الأسطورة داخل النسق الثقافي العام لجميع الثقافات المتعاقبة، يجد الفاحص لهذه العقيدة الأسطورية أنها أثرت في العقل البشري ككل، فكانت ثقافة الشعوب على مرّأجيالها وحقبها الزمنية تؤثر في بعضها البعضفي تصورها لموضوع المسخ والتحول، وإن اختلفت في القصص والأبطال فإنها تتشابه في أدق التفاصيل التي من شأنها أن تجعل المسخ معتقدا راسخا في ثقافة الإنسان حتى اليوم.

و إن كنت في هذا الصدد قد أعطيت بعضا من النماذج حول أسطورة المسخ في معظم الثقافات الانسانية، فإني أحاول استجلاء الأثر البعيد في القريب، أو بتعبير آخر؛ أثر بعض الثقافات القديمة في الثقافة الشعبية الجزائرية من خلال تحليل نماذج من الأساطير القديمة ومقارنتها ببعض الأساطير المسوخية في الثقافة الشعبية الجزائرية فمن خلال قراءتي للمصطلح وجهازه المفاهيمي، وتلقيه داخل سياق الشعوب، فإن المسخ كما ذكرت سابقا يرتبط بالآلهة ، وهو عقوبة أبدية تسلط على البشر الذين ارتكبوا المحرم ويكون أبديا، وسنأتي على ذكر النماذج ومقارنتها ثم ملاحظة الأثر الاعتقادي في ذلك .

لقد استلهم الراوي الشعبي قصصه من خلال التراكمات الثقافية التي وصلت اليه، وتخمرت في ذهنه حتى ترسخت إيمانا وعقيدة في ذاته، ونبعت في قصصه. فالمسخ في وعيه هو السخط الإلهي على البشر جراء انتهاك المحرمات ومخالفة الأوامر، والذي تكون فيه العقوبة أبدية، فنموذج "إساف ونائلة" في انتهاك المقدس ومسخهما إلى حجر، هو نفسه نموذج الثقافة الشعبية الجزائرية حول قصة "حمام المسخوطين"الذي انتهك بطله حرمة القداسة الإلهية بزواجه من أخته فمسخ الى حجارة هو ومن معه، فتسمية الحمام ترجع إلى أسطورة مسوخية تصور فيها الحكاية الشعبية في المنطقة أشخاصا نزل بهم العقاب الإلهي، نتيجة لانتهاك حرمة المقدس، وتتحدث القصة بإيجاز عن بطل عرف منذ صغره بشجاعته وقوته ومكانته داخل قبيلته،فداخله التجبر والطغيان، والتمرد على الأعراف والتقاليد، من خلال رغبته في الزواج من أخته، رغم أنه لاقى معارضة شديدة من شيوخ قبيلته، إلا أنه صمم واستمر في الإعداد لحفل زفافه، وحضر الحفل بعض الأفراد من بينهم القاضي لترسيم الزواج ، مع معارضة ومقاطعة معظم أهل القبيلة استنكارا لهذا الفعل ، حتى أنهم غادروا القبيلة وخرجوا منها، لكن عند عودتهم إلى المكان بعد مدة من الزمن صدموا بمنظر الناس الذين حضروا الزفاف وقد صاروا حجارة.41

أما نموذج "إساف ونائلة" فهو يحكي قصة "إساف" الذي أحب "نائلة" و"تعشقها في الكعبة، فعدّ ذلك فجورا، فمسخا أصناما، وكأن الخطيئة تم التكفير عنها بالمسخ في صورة لهذين الصنمين، وكأن المسخ عقاب وتحريم للاتصال الجنسي بين الحجاج، وفي الوقت نفسه، هو تحريم لتعاطيه في الكعبة أو في حماها. إنه تلبس المقدس بالدنيوي، أو العقاب من أجل الغريزي فينا، وقد يكون إقصاء المادي والطبيعي، أو هو امتزاج الأسطوري بالحقيقي. إنه درس ترهيبي لكل من تسول له نفسه أن يتجاوز المقدس".42

فنموذج القصة العربية حول قصة مسخ "إساف ونائلة" أثّر في الذاكرة الثقافية للشعوب التي تؤمن بمثل هذه العقوبات الإلهية لانتهاك المحرم أو المقدس، ومن ثم غضب الآلهة وسخطها فيكون المسخ والعقوبة الإلهية التي تسلط على المذنب، فإذا قارنا في ناحية الشخصيات وجدناها تتمثل في شخصيتين (إساف ونائلة ) , ( الفارس وأخته ) أما من حيث الرغبة فكلاهما اقتنع بالفعل  (الزنا) و(الزواج)، أما من حيث انتهاك الحرمة فالزنا محرم وفي مكان  مقدس والزواج من الأخت محرم وهو انتهاك للمقدس ، وبذلك كان المسخ إلى حجارة في كلتا القصتين، ويبدو الاثر واضحا من خلال هذه المقارنة للأحداث والشخصيات ، وإنما التغير في انتهاك المقدس أما العقوبة فكانت المسخ والاعتقاد بأبديته.

أما النموذج الثاني فيرجع إلى تأثير الثقافة الاسلامية في الشعوب التي دخلت الاسلام وخاصة شعوب شمال افريقيا ، ففي الثقافة الاسلامية يظهر جليا فيما سبق ذكره من قصة المسخ, أن الله مسخ بعض بني اسرائيل قردة وخنازير ، وهي الآيات الصريحة الواضحة على ذلك ، وقد وجد تصور واحد عن المسخ في صريح القران أن الله مسخ الانسان العاصي والمنتهك للحرمات الى قرد أو خنزير ، ولا شك أن هذا النموذج الثقافي قد أثر في ذاكرة الشعوب وتعاقبت في وعيها ومن ثم دمجها الراوي في قصصه للعبرة والرمزية، وعليه فإن نموذج مسخ العروس إلى قرد43  ما هو إلا تصوير لثقافة شعبية متأثرة بالثقافة الاسلامية ؛ في الايمان والاعتقاد لمثل هذه العقوبة الصادرة في حق هذه العروس التي أهانت النعمة التي أعطاها الله لها ( النعمة بالعامية "الأكل")  والتي نظفت بها جسم الطفل ، فمسخها الله قردا كمثل نعمة أصحاب السبت الذين تحايلوا على الله فمسخهم الله الى قردة وخنازير. هذه النماذج فيما يخص أسطورة المسخ التي ترجع إلى اعتقاد بشري لدى جميع الثقافات والشعوب، وبذلك فإن الفكرة الأولى حول هذه الأسطورة بقيت مسيطرة على ذاكرة الشعوب وفي جميع الثقافات، وبقيت بنفس التصور والرؤية والاعتقاد رغم اختلاف القصة او الشخصية أو حرمة المقدس.

 

 

 

دوافعأفعالالمسخوحوافزه

يكاد يتضح لنا من خلال قراءتنا للمدونات التي تحدثت عن أساطيرالمسخ والتحول في الثقافات القديمة أو في الثقافة الشعبية الجزائرية، أن لفعل المسخ دوافع عديدة تكون من منطلقات دينية أو أمراض نفسية، ففي الجانب الديني الدافع لفعل المسخ العقوبة من الآلهة التي ترى أن الشخص استباح الحدود والأخلاق والنواميس التي فرضتها الآلهة.

لذا فالأشخاص الذين مسخوا يكون مسخهم أبديا وعقابهم أزليا كما ذكرنا آنفا في مسخ بني إسرائيل، أو في مسخ أسافا ونائلة، وغيرها من القصص الذي له علاقة بعقوبة دينية وأخلاقية، وهي عقوبة أبدية كان فاعلها من الناس المغضوب عليهم الذين تمادوا في المعصية لذلك لن يكون ثمة غفران لهم.

أما القصص الشعبي فقد أبان لنا عن صور مسوخية كان الدافع فيها بعض الأعراض النفسية التي تصيب الإنسان كالحسد والغيرة، والانتقام لذلك فالتحول فيها يكون جزئيا وله وقت محدد، فكثيرا ما يظهر المساعد للشخص الممسوخ أو المتحول ويعود لهيئته الأولى، وينتقم من الشخص الذي قام بالفعل؛أي أن الإنسان المتحول أو الممسوخ يعاني في بداية الأمر جراء هذا الفعل، لكن صراعه ذلك يمكنه من الرجوع إلى صورته البشرية يتغلب على ذلك.

والملاحظ أن من الوسائل المسخية في القصص الشعبي الجزائري هو:السحر الذي يحول الأشخاص إلى حيوانات.وهو أيضا إلى جانب ذلك الحل لظاهرة المسخ وإرجاع الممسوخ إلى طبيعته الأولى، «فالتركيبة السحرية تعتمد على ثالوث يقدم على شخصية الساحر وانصهارها في عالم الطقوس والتعاويذ، وتحالفها مع قوى غيبية، وبالتالي فالسحر ليس طلاسم تكتب وتلقى وإنما هو علم وفضيلة لا يملكها إلا المتبحرون فيه»44.

إن للسحر علاقة وطيدة بالمسخ خاصة بالثقافات القديمة التي تؤمن بالقدرة العجيبة للساحر الذي يستطيع أن يغير حتى خلقة الناس من خلال بعض التعاويذ والطلاسم التي يستخدمها في ذلك، وقد رأيت أن أكثر الشعوب ارتباطا به، وخاصة ما يسمى بالسحر الأسود هم شعوب إفريقيا التي لازالت حتى اليوم تربط مصيرها بمثل هذا النوع من السحر، «فالسحر هو صناعة التعاويذ التي بواسطتها يمكن مساعدة الناس أو إلحاق الأذى بهم»45 .

ويستفاد من القول أن السحر هو علم قائم بذاته لا يملكه كل الناس وإنما يحتاج إلى شخص أكثر بصيرة ونفاذا لذلك، والجلي في القصص الشعبي الجزائري أن هذه الحرفة -السحر-لم يتقنها شخص بغير المرأة التي بدت في جل القصص القائم على هذا العالم الغريب.

ومما لا شك فيه أن القصص الشعبي الجزائري الذي تطرق لموضوع المسخ والتحول أبان لنا عن الكثير من الصور المسوخية، التي تراءت لنا من خلال النماذج المدروسة، وبذلك فهي تعرض لنا أنماطا جديدة من الصور التي أصبح غليها الإنسان بعد مسخه أو تحوله، في لحظة السحر أو العقاب، وغالبا ما كانت الصور المسوخية في القصص الشعبي لا تخرج عن هيئة الحيوان كالطاروس، الكلب، الغزال، العصفور، الأفعى .... ورغم عملية المسخ التي تطال الإنسان الممسوخ فإنها لا تؤثر إلا على الصورة الخارجية أو الهيئة الفيزيولوجية، وهذا ما يتضح من النماذج المدروسة.

من خلال تناول أسطورة المسخ والتحول في الثقافات القديمة والقصص الشعبي الجزائري نلاحظ ما يلي:

·  شكّل المسخ في الثقافات المختلفة محور الصراع بين الخير والشر، والآلهة والإنسان، أي ببن القوى المتسلطة والإنسان المتحرر، أو هو بالأحرىصراع قيم دينية واجتماعية.

·  المسخ الأبدي الدائم هو عقوبة نتيجة غضب الآلهة على البشر، ويكون دائما ومستمرا، أما المسخ الذي يكون بفعل السحر أو القوى الغيبية فهو غير دائم ويمكن أن يزول بالمساعدة لأن الشخص الممسوخ يحاول أن يجد نفسه في عالمه الإنساني حتى ولو تغير شكله.

·  أكثر القصص الشعبي تناول قضايا اجتماعية كانت النوازع النفسية فيها هي الحافز في عملية المسخ،وذلك جراء الصراع الحاصل بين أفراد الأسر إذ لا يعدو الفعل بسبب الغيرة أو الحسد أو الانتقام، ممثلا في الأخت أو امرأة الأب، ويكون ذلك باستعمال السحر بالتعاقد مع قوى غيبية، كالجن والعفاريت.

وفي الأخير، لا بدّ من التنويه بأنّ أسطورة المسخ والتحوّل وظّفت في الأدب والفنون، وأصبحت تمثل ملهما فنيا وأدبيا لكثير من الأدباء والرسامين، الذين أعادوا صياغة هذه الأساطير المسوخية على شكل روايات أدبية أو أفلام سينمائية، أو لوحات فنية تعج بالموتيفات والتأويلات لمثل هذه التصورات البدائية التي ركنت في ذاكرتها الثقافية مثل هذا النوع من الشخصيات المسوخية، ذات التركيبة المرعبة، وبخاصة المسوخ الشيطانية التي هي «تجليات من الأساطير القديمة في الشرق والغرب، وقد حفل بها الأدب والشعر والفن منذ العصور الكلاسيكية وما قبلها ، وهي شخوص وحيوانات سلطت عليها لعنة إلهية لارتكاب معاص، أو لعدم امتثالها للقوى السماوية الكبرى. ففتحت أمام الفنانين مضمارا واسعا لإعمال الخيال الميتافيزيقي. وتواصل هذا النوع من الخيال ألإبداعي في عصر الديانات السماوية كنوع من العبر الدينية، فصورها فنانو الزجاج المعتق والملون في كنائس وكاتيدرائيات أوربا فيما بين القرنين الثاني عشر والخامس عشر، والتي يسميها إيميل مال Emile Maleإنجيل الفقراء الحقيقي»46.

لقد انتقلت هذه الأساطير المسوخية من الاعتقاد إلى التوظيف الإبداعي الذي شمل كل الفنون، حتى الرسم والنحت والسينما، وبذلك مثلت هذه المسوخ تراكمات اعتقادية لازال الإنسان يعتقد بها ويجسدها في إبداعه بحسب رؤيته وإيديولوجيته التي انطلق منها. فالإنسان البدائي جسدها على شكل قصص وروايات تاريخية أملتها عليه خيالاته ، فانعتقت هذه الأساطير التي تتحدث عن المسخ والنحول من التهيئات والخيال إلى التجسيد الفني وألإبداعي في العصر الحديث، التي انتشرت من الرسومات والنحوت لفنانين معاصرين ، للتعبير عن قضايا العصر الرامزة للتحول والوحشية والتدمير والترهيب الذاتي الذي يعيشه الإنسان في معترك حضارة العولمة ، « وربما تكون المسوخ الشيطانية  التي تطل من فوق أسوار كاتيدرائية "نوتردام" بمدينة باريس أكثر تلك الأشكال الرمزية انتشارا، ومعها المسوخ الكابوسية التي صورها الفنان هيرو نيميوس بوش 1516–1450Heron Ymus Boschكمفردات للتعبير عن هول الجحيم وعذاب الخطائين ... بينما صور ونحت ماكس ارنست 1891-1976Max Ernstمسوخا شيطانية بشعة الهيئة. كما ظهرت تلك الأشكال بقوة في أعماله التلصيقية وأشكال "الفروماج" ، وقد كانت حياة هذا الفنان مشحونة بمواقف قاسية ، ما أسلمه إلى اللاشيئية والتشاؤم، وأصبحت حياته سحرية ، مما انعكس على أعماله الفريدة من نوعها»47، كما أبدعبيكاسوفي فن الرسمالكثير من رسوم المسوخ استنادا إلى الحكايات الموجودة في كتاب المسخ لأوفيد، وكذلك انتقلت أسطورة المسخ والتحول إلى الأدب والسينما ، كعبثية الحياة في رواية المسخ لكافكا،التي تحول فيها البطل غريغور إلى حشرة، وفي السينما أنتجت الكثير من الأفلام التي تدور حول المتحولين والمسوخ كأفلام: فرانكشاين، المستئذب، الزومبي، دراكولا.



[i]ابن منظور ، 1988،  لسان العرب، (مادة سطر)، دار الجيل ، د.ط ، بيروت، لبنان، ص. 143.

[ii]مرسيا إلياد، الأساطير والأحلام و الأسرار، ترجمة حبيب كاسوحة، ، دط، وزارة الثقافة، دمشق، ص. 7.

[iii]فراس السواح، 1997، الأسطورة و المعنى، ط8، دار علاء الدين للنشر، دمشق، سوريا، ص14.

[iv]يوسف حلاوي ن 1992، الأسطورة في الشعر العربي، ط1، دار الحداثة ، بيروت، لبنان، ص 34.

[v]محمد عجينة، 1994، موسوعة أساطير العرب عن الجاهلية و دلالتها، ط1،  دار الفرابي ، بيروت، لبنان، ص. 35..

[vi]رينيه ويلك و أوستن وارين، نظرية الأدب، ترجمة محي الدين صبحي و حسام الدين الخطيب، المؤسسة العربية للدراسات و النشر ، بيروت ، 1987 ، ص.198.

[vii]أمل مبروك،2011، الأسطورة و الإيديولوجيا، دار التنوير للطباعة و النشر ، بيروت ، لبنان، ص.26..

[viii]أمل مبروك، الأسطورة و الإيديولوجيا، ص.137-138.

[ix]عبد المجيد حنون،2007، الأسطورة و الأدب. ملتقى الأدب و الأسطورة، عن الأدب العام و المقارن، جامعة باجي مختار ، عنابة، ، ص6.

[x]هنري باجو دنييل، 1997،  الأدب العام و المقارن، ترجمة غسان السيد، منشورات اتحاد الكتاب العرب، ص.153.

[xi]ابن منظور،1994،(مادة مسخ) ، لسان العرب، ج3، ط3، دار صادر، بيروت، لبنان، ص.55

[xii]أوفيد ناسو،1992، مسخ الكائنات، ترجمة ثروت عكاشة، ط3، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص27.

[xiii]خليل أحمد خليل،1986، مضمون الأسطورة في الفكر العربي، ط3،دار الطليعة، بيروت، ص.94

[xiv]ابن كثير، 2006، تفسير القرآن العظيم، تحقيق أنس الشامي، محمد سعيد محمد،ج1، دار الوعي، الجزائر،ص.139

[xv]موسى بن الحجاج مسلم، صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ج4، دار إحياء التراث، بيروت، ص.2050

[xvi]ماجدة بن عميرة،2007، التمظهراتالموضوعاتية لأسطورة التحول في كتاب الليالي، ملتقى الأدب والأسطورة، جامعة عنابة، ص.36

[xvii]إنجيل بوذا ، 1991، تعريب الفقير سامي سليمان شياد، ط1، دار الحداثة للطباعة و النشر و التوزيع، ص. 172.

[xviii]إنجيل بوذا ، تعريب الفقير سامي سليمان شياد ، ص.169.

[xix]هوميروس، 1986، الأوديسة ، تر: عنبره سلام الخالدي، دار العلم للملايين، بيروت، ص : 144.

[xx]أوفيد ناسو، مسخ الكائنات ، ص36.

[xxi]نبيل سلامة، 2014، الشيفرة الإلهية، المعاني الخفية للأساطير اليونانية، ط1، دار نينوى، سوريا، ص.36

[xxii]غنيمي هلال، 2004، الأدب المقارن، دار نهضة، مصر، ص.148

[xxiii]جيوفريباريندر، 2007، الأساطير الإفريقية، ترجمة هيثم الطريحي، مراجعة النص العربي محمد سعيد الطريحي، دار نينوى، دمشق، سوريا، ص. 130.

[xxiv]جيوفريباريندر، الأساطير الإفريقية ، ص. 131.

[xxv]الساسي بن محمد الضيفاوي، 2014، ميثولوجيا آلهة العرب قبل الإسلام، ط1، المركز الثقافي، الدار البيضاء، المغرب، ص.29

[xxvi]الجاحظ، 2015، الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، المكتبة العصرية، مج6، ط1، بيروت، لبنان، ص.100.

[xxvii]الجاحظ،الحيوان، ص.48

[xxviii]الجاحظ،الحيوان، ص.49

[xxix]الجاحظ،الحيوان، ص.126

[xxx]الجاحظ،الحيوان، ص. 140

[xxxi]الجاحظ،الحيوان، ص.140

[xxxii]أميمة أبو بكر، 1994، المسخ في حكايات ألف ليلة وليلة، مجلة فصول، ع4، مجلة13، الهيئة العامة للكتاب، مصر، ص.240

[xxxiii]ألف ليلة وليلة،2005، دار الكتب العلمية، ، ج1، ط3، بيروت، لبنان،  ص10-33.

[xxxiv]أميمة أبوبكر،المسخ في حكايات ألف ليلة وليلة ، ص.240

[xxxv]أبوليوسلوكيوس، 2001، الحمار الذهبي، تر: أبو العيد دودو، منشورات الاختلاف، الجزائر، ص.89

[xxxvi]أبوليوسلوكيوس،الحمار الذهبي ، ص.90.

[xxxvii]ماجدة بن عميرة، التمظهراتالموضوعاتية لأسطورة التحول في كتاب الليالي، ص.37

[xxxviii]بورايو عبد الحميد، 1998، البطل الملحمي والبطلة الضحية، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ص.161

[xxxix]بورايو عبد الحميد، البطل الملحمي والبطلة الضحية،ص.161

[xl]بورايو عبد الحميد، البطل الملحمي والبطلة الضحية ، ص.198-199.

[xli]أسطورة حمام المسخوطين بمدينة قالمة كما تداولتها أغلب الروايات الشعبية .

[xlii]الساسي بن محمد الضيفاوي، 2014، ميثولوجيا آلهة العرب قبل الإسلام، ص : 30.

[xliii]تتداول قصة العروس القرد في الثقافة الشعبية و تروى بصيغ مختلفة حسب المنطقة.

[xliv]ماجدة بن عميرة، التمظهراتالموضوعاتية لأسطورة التحول في كتاب الليالي ، ص.40

[xlv]جيوفريباريندر، الأساطير الإفريقية ، ص.129.

[xlvi]مصطفى الرزاز، أفريل 2012، الأسطورة في الفن الحديث، مجلة عالم الفكر، مج40،ع4، الكويت،، ص.161.

[xlvii]مصطفى الرزاز، الأسطورة في الفن الحديث ، ص.162.

Pour citer ce document

كمال بلوصيف, «أسطورة المسخ والتحول في الثقافات القديمة وأثرها في الثقافة الشعبية الجزائرية»

[En ligne] مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales العدد 23 ديسمبر 2016N° 23 Décembre 2016
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2017-02-22,
mis a jour le : 02/03/2017,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=2116.