التعدد اللغوي والوعي الحضاري بين الرغبة في المعرفة وهاجس الاستلاب
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 24 جوان 2017 N° 24 Juin 2017

التعدد اللغوي والوعي الحضاري بين الرغبة في المعرفة وهاجس الاستلاب

خليفي بشير
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

تَرتبط اللغة بالهوية التي تتخذ أبعادا مختلفة، ويكون للهوية حضورها الأبرز سواءً في الشق الفردي أو الاجتماعي حينما تُعبر عن الانسجام الحاصل بين أفراد المجتمع، وتتخذ علاقة اللغة بالهوية طابعها الإشكالي الأبرز حينما يتعلق الأمر بالتعدد اللغوي الذي يشير إلى حالة الفرد الذي يحسن أكثر من لغتين، أو عند المجتمع الذي يتكلم أفراده أكثر من لغتين أو يتشكل من أكثر من جماعتين لغويتين. ضمن هذا السياق تحاول هذه الورقة البحثية الإجابة عن الإشكالية المحورية التالية: كيف يمكن للتعدد اللغوي أن يحقق انسجاما مجتمعيا ووعيا حضاريا حقيقيا؟ خصوصا وأن تجسيد هذا الوعي الحضاري المؤسس على التعدد اللغوي ضمن فضاءات المجتمعات العربية خصوصا، يقع بين قطبي الرغبة في المعرفة وهاجس الانسلاخ.

كلمات مفتاحية: لغة-تعدد اللغوي-هوية-تدبير لغوي-عولمة.


Le langage lié à l'identité revêt des dimensions différentes. La présence primordiale de l'identité soit dans l’aspect individuel soit dans l'aspect social trouve sa fécondité lors de l'expression de l'harmonie existant entre les membres de la société. La relation entre langage et identité se singularise par son caractère problématique quand elle s'adjoint au multilinguisme. Multilinguisme qui se manifeste dans le cas d'un individu qui maîtrise et comprends plus de deux langues, ou lorsque la société dans laquelle les membres parlent plus de deux langues, ou une société composée de plus de deux communautés linguistiques. Dans ce contexte, notre recherche tente de répondre au problème crucial suivant : Comment le multilinguisme peut-il apporter une harmonie sociale et une conscience culturelle réelle ? D'autant que la réalisation de la conscience civilisée qui est fondée sur le multilinguisme est située entre les pôles du désir pour la connaissance et l'obsession d'aliénation.

Mots-clés :Langage- Multilinguisme- Identité- Planification Linguistique- Mondialisation


Between language and identity a deep connection which takes a different dimensions, the crucial presence of identity either in its individual or social aspects when expressing between members of society. The relation between language and identity takes its prominent problematic character when it comes to multilingualism, which refers either to the case of an individual who improves more than two languages, or when the society in which its members speak more than two languages, or made up of more than two speech community. Within this context, this paper attempts to answer the following pivotal problem: How can multilingualism bring a real social and cultural harmony? Especially as the embodiment of this cultural awareness founder on multilingualism is located between the poles of knowledge desire and the obsession of alienation.

Keywords: Language- Multilingualism- Identity- Language Planning- Globalization.

مُستفتح

يُحيل التعدد اللغوي إلى الوضعية التي يتم من خلالها تجاوز الأحادية أو الثنائية اللغوية عبر الإمكانية التي يحوزها الفرد عبر قدرته على استعمال لغات متعددة في التخاطب اليومي أو استجابة لحاجات معرفية.  وقد ينسحب القول على واقع مجتمع ما، أو الواقع الإنساني في شكله العام الذي يتسم بحالة التعدد اللغوي من منطلق التنوع الاثني والاجتماعي الذي يفضي إلى تنوع في الأركان والمقومات المؤدية لاختلافات هوياتية بين الأفراد والمجتمعات، وهي الرؤية التي عبر عنها القرآن الكريم في قوله عز وجل:"وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَ ٢٢ " سورة الروم: الآية 22.

لذلك كان السعي وراء التعدد اللغوي مقصدا لكثير من الأفراد والمجتمعات نظرا لضرورته، فعلى الصعيد الفردي هو إبراز الذات لكفاءاتها وقدراتها التواصلية، إضافة إلى أهميته البالغة أثناء تحصيل المعرفة وفي سوق العمل. أما على المستوى الاجتماعي فيعد توضيحا لطبيعة البنى الفردية المشَّكلة للتركيب الاجتماعي الفعلي، حيث يمكن إدراك هذا المعطى من خلال تفحص اللهجات واللغات المختلفة في مجتمع يحتضن عمالة وافدة. لذلك يحتاج التعدد اللغوي سواء في موضوع تعليمية اللغات أو بوصفه واقعا اجتماعيا إلى تحليل ودراسة، وهو الأمر الذي تدعو إليه الدراسات اللغوية في سياقها الاجتماعي عن طريق إحداث التدبير أو التخطيط اللغويLanguage Planning، حيث تقوم الهيئات المعنية بتدبير الشأن اللغوي تماشيا مع الاحتياجات في سلك التعليم ولضرورات ثقافية وأخرى تقتضيها الوقائع الاجتماعية، الإقليمية والدولية في ظل التحديات الصارخة التي تؤججها العولمة في أبعادها المختلفة خصوصا الثقافية منها، عبر سعيها لفرض أحادية لغوية أو من خلال النوازل البارزة في سوق العمل والإعلام وشؤون السياسة.

إن تحقيق الانسجام الاجتماعي يعد مطلبا فرديا ومجتمعيا ودولتيا (من دولة)، ولن يتم تحقيق ذلك دون البحث في الأواصر المشتركة على الصعيد الاجتماعي، أي جملة الآليات المفضية لشعور جمعي موحد للانتماء، هذا ما يُعبر عنه بالهوية في شقها الاجتماعي، مما يعطي شعورا للمفارقة خصوصا في المجتمعات التي تعاني تمزقا هوياتيا، وبالمقابل يتجلى التعدد اللغوي بوصفه تنوعا ألسنيا مفضيا لاختلاف ثقافي بما يؤثر على المستوى المبدئي والإجرائي على الانسجام الهوياتي، الأمر الذي يدفعنا في ورقتنا البحثية هذه لمعالجة الإشكالية التالية: كيف يمكن للتعدد اللغوي أن يحقق انسجاما مجتمعيا ووعيا حضاريا حقيقيا؟

التعدد اللغوي: الطريق والأهداف

لاشك أن الرغبة في بناء مجتمعات المعرفة تقتضي من الأفراد المعرفة بقاعدتين اتصاليتين أساسيتين ترتبط الأولى بالمعرفة باللغة الوطنية محل الاستعمال في شكلها التداولي والمعرفي، في حين تحيل الثانية إلى ضرورة المعرفة بلغة أو لغات اتصال دولية. إذ تعطي اللغة الوطنية للأفراد الإحساس بالهوية، [1] كما أنها تدل على نشاطهم وتعبر عن وجودهم، بالمقابل فإن الرغبة في تعلم اللغة حق إنساني مشروع، بل قد يستحيل إلى واجب طالما أنه لا يمكن الاستغناء عن اللغات في تنمية المعارف. لذلك يرتبط التكوين المعرفي باللغة في معانيه وأنماطه المتعددة ضمن إطار أقنية التنشئة الاجتماعية ممثلة في الأسرة، المدرسة والمجتمع. طالما أن اللغة حمّالة للفكر، بل أن الوجود الإنساني برمته تملؤه كائنات مفاهيمية بمعنى أن وجود الشيء أو الفكرة رهين بإعطائها اسما يميزها عن بقية الأسماء الأخرى في حين ما لا يمكن تسميته لا يمكن بالمقابل تعريفه ولا معرفته ولنتخيل إذن بشرا دون أسماء، إذ لا مجال للاتصال والتواصل مع الذات والمحيط دون وسائط لغوية.

ويشترط التدبير اللغوي الرصين إجادة للغة الأم المعبر عنها أحيانا باللغة الوطنية بوصفها حالة "تمترس هوياتي" تقدم لمستعملها الحصانة الفكرية التي تدرأ  كل محاولة للإلحاق الخارجة عن إطار الاستقلال الفكري والوعي الحضاري المتماهي مع القيم المجتمعية وقيم المواطنة، وهي الضرورة التي يبرزها الإحساس بالانتماء بوصفه حالة توازن على الصعيد النفسي، لذلك تبدو عفوية الطفل واضحة في تعلمه للغة مجتمعه عبر الإجادة التي تحدث عنها عالم اللسانيات الأمريكي نوام شومسكي (1928) Noam Chomskyفي إقراره بالإبداع الحاصل في لغة التنشئة الأولى بما يُمكّن مستعملها من إبداع واختلاق عدد لا متناهٍ من التخريجات اللغوية.

وبالمقابل يستدعي التكوين المعرفي الرصين إجادة لبعض للغات بسبب الثراء المعرفي الذي تمده هذه اللغات أثناء البحث، إضافة إلى تحقيق شرط صفة الباحث والتي تلزم صاحبها تكوينا لغويا ثنائيا أو متعددا. أما إذا تعلق الأمر بتعليم اللغة بوصفها مقصدا في دراسة متخصصة فإن الأمر سيتخذ شكلا معمقا بالنظر إلى الغاية الأساسية المتوخاة من تكوين المتعلم والمتمثلة في تأهيله لاستعمال اللغة محل الدراسة في أساسياتها وتفصيلاتها.[2] ويبدأ التكوين اللغوي الفعلي من الأسرة إذ يشكل الطفل قاموسه اللغوي عبر لغة المحيطين به، وهو الأمر الذي يساعده في تجسيد الإطلالة على لغة أو لغات أخرى عبر مسارب ترتبط بخصوصية معطاه التداولي باعتباره سليل أسرة تحوز التعدد اللغوي أو توفره له.

كما يُمكن أن يحصل هذا التعدد نتيجة التطلع والرغبة في المعرفة، وكذا تماشيا مع ما تقتضيه الضرورات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، لذلك يمكن تشبيه اكتساب لغة جديدة للمتعلم ببناء وحيازة طابق جديد في إطار المعمار اللغوي المتعدد، إذ كلما تعددت اللغات تَمكّن المتعلم من تحقيق رؤية جديدة وعميقة تختلف عن طبيعة المضامين المجتباة من الأحادية اللغوية، وهي المبررات التي تعلن عن حضورها في ضوء المجالات المحققة التي يستجيب لها التعدد اللغوي كما هو واقع- على سبيل المثال- أثناء استقبال المملكة العربية السعودية للحجيج والمعتمرين من غير المتكلمين بالغة العربية، الأمر الذي يستوجب تكوين متخصصين وتراجمة في مجال الإرشاد الديني والاستقبال. وصولا إلى ما تقتضيه الضرورة في مجال الإعلام المقروء، المسموع والمرئي، إضافة إلى متطلبات المجالات الأمنية والعسكرية وشركات الأعمال والطيران وكذا الشؤون الدبلوماسية.

والواقع أن التعامل مع حتمية التعدد من خلال تشجيع الجهات الوصية في تعليم وتعلم اللغات لضرورة اكتساب المعرفة والإطلاع على المنجزات الإنسانية زيادة على التواصل لا يعني البتة إقصاء لغة التداول اليومي، حيث يستوجب الأمر دراية وتدبرا في طبيعة هذا التعدد وغاياته، فالمعرفة بأصول ومنطلقات اللغة الأولى أمر يساعد على تشكيل منظومة المعلومات المتعلقة بإجراءات هذا التعدد وأهدافه، إذ يستجيب هذا الفهم لمقصد التعدد اللغوي، فالمعرفة بالنمط الثقافي والحضاري الذي يوجد عليه الفرد من خلال بيئته الاجتماعية الأولى سيُعرّف بالمحددات الأساسية لوعيه بما يتحكم في تصرفاته بما في ذلك التصرفات اللغوية.[3]  فاكتساب اللغة وتعلمها ليست عملية معرفية فحسب، بمعنى أنها لا تتوقف عند حدود حُجرات الدراسة وإنما تتشكل أيضا بوصفها مسارا اجتماعيا عبر ما يعرف بالتعليم المستمر، إذ لا يعني تحقيق الكفاية اللغوية حشو ذاكرة المتعلم بقواعد جاهزة وأنماط ثابتة للأنظمة الصوتية، الصرفية، النحوية والدلالية المؤسسة للدرس اللغوي، حيث يُشترط وعيا مضافا يتحدد عبر إعطاء الجانب الحضاري أهمية بالغة، بالمعنى الذي يحتم التعرف على العادات الاجتماعية للمجتمع محل الدراسة، إذ لا تستقيم دراسة اللغة الانجليزية   -مثلا- دون المعرفة بالحضارات الأساسية للشعوب الناطقة بها بهدف الإطلاع على أنماط حياتهم لإيجاد الممارسة الإجرائية والفعالة للغة محل الدراسة، عن طريق ممارسة المقاربة التواصلية المبنية على الحوار الثقافي على غرار إسهامات مايك بايرم (1946) Mike Byram، فالمعرفة بأنماط العادات والتقاليد بما في ذلك التقاليد اللغوية أمر ضروري للمعرفة بمقتضيات القول التي تجعل من تكرار السؤال عند قبائل الهنود في البرازيل أمرا مفيدا لتوضيح المقصد وترسيخه وكذا لإثارة الاهتمام لدى المجيب، في حين يبدو الأمر معاكسا تماما عند قبائل الهنود في التشيلي الذين  يرون في ذلك سخرية وازدراءً.[4]

التعدد اللغوي والبناء الحضاري

تُعَبر الحضارة عن معانٍ متعددة تُحيل في أغلبها إلى الوضع الراقي الذي يعيشه مجتمع ما، كما أنها تشير إلى الثقافة -بحسب التعريف الشهير لإدوارد تايلور (1917-1832)Edward B. Taylor-منخلال الكل المركب الذي يشمل العلوم، الدين، اللغة، العادات والتقاليد، القانون وكل المقدرات التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضوا في المجتمع.[5]  كما تُحيل الحضارة إلى المنجز المادي المؤشر للإنجاز المعرفي المتعالي؛ مثلما تبينه البنايات والاختراعات الدالة على طبيعة وشكل التقدم الاجتماعي. بيد أن الوعي الحضاري قد يرتبط بالإنسان كحالة فردية في سعيه لتجسيد تطلعاته وتحقيق طموحاته، ويرتبط أيضا بالصفة الاجتماعية حينما يجسد المجتمع حالة الارتقاء والتطور عبر صعد مختلفة تتمظهر أساسا في السمات الحضارية التي تُشكل الوعي الجماعي. لذلك تُروج الحضارات لنفسها بواسطة اللغة في أشكالها المكتوبة، المرئية والمسموعة. والحال أن وضعية اللغة لا تنفصل عن وضعية مستخدميها؛ من حيث حضورهم وقوة تأثيرهم على المستوى، الثقافي، السياسي والاجتماعي. كما ترتبط قوة اللغة بمدى قدرة أفرادها على جعلها أداة إبداع في المقام الأول وبالخصوص ربطها بمنجزات العلم، الأمر الذي يحتم على المجتمعات ذات التطلع الحضاري المعرفة باللغات التي تتم بها الإصدارات والمنجزات العلمية المتخصصة، حيث يقوم العارفون بهذه اللغات بالعودة إلى المصادر والمظان الأولى للمنجز في سياقه بما يسهل استيعابها وإمكانية ترجمتها أو شرحها للملتقى أو المتفاعل المحلي.

لقد أثبتت كثير من الدراسات أن التعدد اللغوي يرتبط أكثر  بالمجتمعات التي يَشعر أفرادها بالحاجة إلى الآخر سواء بالاستفادة من منجزه الحضاري أو تطلعا لمزايا خاصة، بالمقابل تتقلص الرغبة في المعرفة باللغات خارج السياق المدرسي في المجتمعات المركزية التي ترى لغتها محورية، الأمر الذي يؤسس لقناعة اللغة الأساسية كما هو حاصل في السياق الأمريكي الذي يعمد برنامجه لتعليم اللغات إلى إحداث  المواءمة  بين التدبير اللغوي والحقوق المدنية بالشكل الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى سيطرة برنامج لغوي رصين على مستوى المدرسة، وكذا على الصعيد الاجتماعي لنشر اللغة الانجليزية بمنطق توفير المنطلقات الأولى للأقليات بغرض الاندماج في الثقافة الأمريكية.[6] وفي السياق نفسه تعمد كثير من البلدان المتطورة إلى الترويج لحضاراتها ومنجزاتها عبر التعدد اللغوي حيث تنشئ قنوات تلفزيونية وإذاعية لمخاطبة أكبر قدر من ساكنة العالم، كما تنشئ في الجامعات ومراكز البحث فرقا أكاديمية بغرض إنجاز دراسات تهتم بلغات الشعوب وحضاراتها.

إن بناء الحضارة في مقامه الأساس ينطلق من قدرة المجتمع على إنشاء لغة جماعية كشرط أولي للعمل الجماعي، إذ القدرة على الاتصال بين الفاعلين الاجتماعيين أكثر أولوية وأهمية للفعل الحضاري من عمل الآلات،[7] بيد أن بنية اللغة الجماعية بوصفها مدخلا للوعي الحضاري تقوم في أصلها على خلفية التنوع والتعدد، فاستمرارية التواصل الاجتماعي رهين باستيعاب مختلف الأسباب الميسرة للتواصل عن طريق إحالته على أفضل الاختيارات والبدائل، الأمر الذي يُبرر فتحه أمام سياقات لغوية مختلفة تبدأ أولا من الرغبة في الإفهام والإقناع بنقل التمثلات والدلالات ذات الفاعلية والسعي لجعلها قيما مشتركة، إضافة إلى التعبير عن الانشغالات والحاجات التي يُبنى من خلالها الفضول لمعرفة الخفي والغامض.[8]

التعدد اللغوي وسؤال المعرفة

لقد أثبت دراسات ميدانية أهمية التعدد اللغوي في تنمية التفكير وترقية المسار المعرفي لدى الشخص الذي يحوز الكفاءة والقدرة للتعامل مع أكثر من لغتين، حيث أنه يتفرد على الأحادي والثنائي اللغوي بسهولة التنقل من نظام تواصلي للآخر إبداعا، انتقاءً وترجمة. كما يحوز القدرة على التفكير في اللغة بوصفها نسقا رمزيا يؤهله للحصول على المعرفة من مصادرها الأصلية.[9]

إن الرغبة الحقيقية لتأسيس مجتمع المعرفة تنطلق من غايات لغوية في المقام الأول بتعليم وتعميم القراءة والكتابة للوصول إلى شكل تنظيمي يكون فيه الطموح ثقافيا واقتصاديا، وذلك بالسعي للاستفادة من الحضارة الإنسانية، وكذا لتحقيق طموح الانتشار الثقافي والاقتصادي وذلك بتكوين خبراء ومحررين مختصين في عديد اللغات لشرح المنجز العالمي وفهمه أو الاختراع الوطني وتقديمه والترويج له مثلما يتضح في الأوراق المرفقة بالمنتوج الاقتصادي والتي تشرح طريقة استعماله بلغات مختلفة بما في ذلك لغة المستخدم.

إن السعي لتحقيق الريادة الثقافية والاقتصادية يكون أولا بتمثُل، استيعاب وتأصيل الموروث والمنجز المحلي، ثم فتح المجال أمام الاجتهادات المعرفية للشعوب الأخرى وذلك بغرض إحداث التراكم المعرفي بقراءة وفهم المنجزات الحضارية بلغاتها الأصلية للوصول إلى لحظة الانعطاف المفارقة. وتتجاوز أهمية التعدد اللغوي لحظات السلم إلى واقع الحرب بدءا باللغة المستخدمة في إطار التنظيم والتحفيز وصولا إلى واقع "التوغل اللغوي" حيث أن للكلمات المدروسة والمناشير الملقاة بلغات متلقيها دورا بارزا في تشكيل "القذائف اللغوية" التي تحوز القوة العظيمة في إخضاع العدو.[10]

لقد برزت التعددية اللغوية عبر وسائل الإعلام المختلفة بسبب ثورة الاتصالات التي ألغت الحدود السياسية والجغرافية، بالمعنى الذي أصبحت تذاع فيه المعلومات عبر وسائط تكنولوجية لا تعترف بالفواصل في المسافة والزمن. بيد أن الحصول على المعلومة ونشرها يحتاج إلى دراية لغوية بما في ذلك الدراية بالتعدد اللغوي، الأمر الذي يتطلب توفير قدرات بشرية ومادية نوعية وهائلة لتشكيل أنماط التعدد اللغوي وأساليبه لأن التعدد الفعال يتطلب استراتيجية تحتاج لطاقات بشرية نوعية تشرف عليه تخطيطا وتفعيلا كما يحتاج في الوقت نفسه غلى وسائل مادية لتفعيله وتطويره يتعلق الأمر بالإمكانات الموفرة أثناء تعليم وتطوير اللغات.  كما أن قدرة أفراد المجتمع على انجاز التقدم الإعلامي بلغات متعددة سيمكنه من نشر أفكاره وأرائه الخاصة، أو على الأقل التفرد بالقدرة على ترويج منجزاته الحضارية بالنظر إلى الصراع الكبير الحاصل بين الثقافات والإيديولوجيات،[11] والمفضي غالبا إلى رغبة في الهيمنة على بقية الثقافات وذلك بإزالة مقوماتها وطمس خصائصها عن طريق السعي للتحكم في ميولات المتلقين والمتفاعلين وتعطيل قواهم الإبداعية مع العمل على سلب إراداتهم وتوجيهم بما لا يتفق مع هوياتهم، سلوكاتهم ومقدساتهم،[12] لذلك تبرز أهمية "الرأسمال اللغوي" بوصفه قيمة رمزية مضافة معبرة عن القدرات الفردية والجماعية التي تُمكن من كسب المعرفة في كل ما يتعلق بأفكار ومنجزات الشعوب الناطقة بلغات أخرى.

كما تبرز أهمية التعدد اللغوي على الصعيد الفردي في مساعدة الباحث على استعمال مراجع متنوعة تبعا لسياقات لغوية مختلفة بغرض معالجة الظاهرة محل البحث في أبعادها المختلفة،[13] في حين يتضح البعد الاجتماعي في ضوء التوجه الذي تعمد إليه بعض الحكومات[14] من خلال بلورتها لسياسة لغوية تهدف أساسا إلى توسيع مجال الجماعة اللغوية عبر تشجيع تعلم واستعمال لغتها الوطنية والرسمية بمعنى الاهتمام بالتعدد اللغوي عبر تشجيع لغات الأقليات والاثنيات داخل البلد الواحد وفي الوقت نفسه التركيز على تطوير واستعمال اللغة -أو اللغات- الوطنية والرسمية عبر تخطيط لغوي فعال،[15] لذلك يبقى التحدي قائما أثناء العملية المستمرة لتوطين الاستقلال الحضاري لدى كثير من الشعوب، بغرض إيجاد "مجتمع المعرفة" الذي يعمد إلى حل معضلاته بالطرق السلمية والحضارية عبر "تمترس هوياتي مفتوح" يجسد الوسط التفاعلي بين التقوقع والتشظي، ليبدأ أولا بتفعيل الدور الرمزي الذي تلعبه اللغة الأم في تعميق الإحساس بالاندماج الاجتماعي وصولا إلى "لحظة التثاقف" بوصفها صيغة تفاعلية تتم عن طريق التواصل في أبعاده المعرفية المفضية لتعميق الإحساس بالهوية في بعدها المحلي والإنساني.[16]

مواطن الاستلاب في التعدد اللغوي

يرتبط التعدد اللغوي على المستوى الفردي بالقدرة على تحقيق المواءمة والانسجام بين الظروف المساعدة والكفاءات الفردية التي قد يُعبر عنها بالموهبة التي يحوزها المتعلم بوصفها رغبة حقيقية لتعلم اللغات.[17] في حين يتشكل التعدد اللغوي بوصفه وضعا اجتماعيا مفروضا نتيجة حمل المهاجرين للغتهم أثناء استقرارهم في بلد ما، وكذا بسبب التوسع الاستعماري إضافة إلى ظاهرة الوحدة السياسية في إطار التعدد الاثني كما هو حاصل في سويسرا التي تحوز على أربع لغات رسمية.[18]

والواقع أن تفعيل التعدد الثقافي في إطار وضعية التدبير اللغوي يحتاج إلى ميزانية وتخطيط تُقيم فيه النتائج بمدى تحقيق وتحقق الأهداف المعلنة في إطار زمني محدد، حيث تبرز هذه التكلفة في مؤسسات تعليم اللغات، إعداد المعلمين، طباعة الكتب، ترجمة الوثائق الرسمية وكذا نفقات الوسائل التكنولوجية،[19] وهي التكلفة الضرورية لإعداد وتشكيل مجتمع المعرفة من خلال رأس المال اللغوي الذي تستطيع عبره الدولة الوطنية الاستفادة من مختلف الأفكار المعبر عنها باللغات المختلفة، وفي الوقت نفسه الترويج لمجالات الإبداع في ثقافتها في ظل حمالات التشويه السائدة ضد الثقافات التي تقاوم خُطط الاستلاب التي تنتهجها العولمة، إذ كيف يمكن تعرية منطق التشويه والافتراء الذي تتعرض له صورة العربي والمسلم بدون مخاطبة المجتمعات الغربية بلغاتها.؟

ويشكل التعرض للاستلاب الخطر الأبرز في التعدد اللغوي، وهي حالة طبيعية حينما يتعلق الأمر بالإغراءات السيكولوجية الموظفة في إبراز مكامن القوة في لغة معينة، حيث أن كل حضارة تَبرز تتجه نحو نشر قيمها بالطريقة التي تؤدي إلى السيطرة على إدراك المتعلم، وبالتالي العمل لتشكيل وعي إتباعي يؤدي إلى خلخلة واستيعاب خصوصية المعطى التداولي عبر تشويه الفهم وتعطيل معايير الحكم بالشكل الذي يبرز حالات الاختراق، التهجين والتذويب الهوياتي.[20]  وهي الأسباب التي حوّلت كثيرا من الثقافات السائدة إلى بائدة، في ظل أحادية قطبية ترنو إلى تجسيد العولمة في إطار ثقافي عن طريق السعي لتغيير منظومة القيم الاجتماعية والثقافية للشعوب عبر الاستفادة من منجزاتها في وسائط الاتصال من فضائيات وشبكات تواصل.[21] كما تعمد كثير من الشركات الإعلامية إلى التسويق والترويج للثقافة المهيمنة بالاستفادة من الحضور الكاريزمي للشخصيات المؤثرة في الشباب والمراهقين، ليتضح الهدف الأخير عن طريق تعميم النموذج المسيطر ثقافيا واقتصاديا بغية تحقيق أهداف إستراتيجية لعل أهمها أن يتكلم العالم كله لغة واحدة.[22]

والواقع أن ثمة حربا بين اللغات – بتعبير عالم الاجتماع اللغوي الفرنسي جان لويس كالفي (1942)Jean-Louis Calvet-هي أشد ضراوة في نتائجها من بعض الحروب العسكرية، لأن هزيمة اللغة يعني غيابها الذي يتمظهر وفق تنويعات وتشكيلات متعددة تبدأ بالتحول ثم الاستبدال الذي يؤشر لهيمنة لغة أخرى وينتهي بالغياب ثم الانقراض الذي يحيل إلى النهاية بما في ذلك النهاية الهوياتية،[23] يتجلى ذلك في إطار الاختراق اللغوي والرغبة في السيطرة الحضارية الذي تجسده الثقافات الغربية بواسطة توظيف واستثمار المنجزات التقنية.

ويتأجج منطق الاستلاب في التعدد اللغوي أثناء اتصاله بالهويات المضطربة أو المنغلقة التي لا تفقه المعرفة بمواطن القوة غرض بعثها وتفعيلها في حضارة المعطى التداولي، بالشكل الذي يهدد ويؤجل غاية الوصول إلى هوية منفتحة تحتفي بالخصوصية وتغتني بالإضافات، وبالمقابل يُسهل لهذا التعدد غير المرفق بالتدبير اللغوي التهديد الفعلي للغة الوطنية بالعمل على القضاء على مقومات الانسجام بين أفراد المجتمع الواحد.[24]

وطالما أن التعدد اللغوي يحيل إلى تعدد ثقافي، فإن رفض الدخول في حوار ثقافي يتسم بالندية والاحترام المتبادل يفضي بالضرورة إلى استلاب الذات ومن ثمة تقوقعها وميلها إلى الشطط والمغالاة أو الاتسام بالحياد السلبي الذي يبعد الفرد عن سمة النوعية بوصفه مواطنا فعالا، وهذا ما يتجلى عبر مقتضيات العولمة التي تحاول جاهدة تكريس نمط ثقافي ولغوي محدد المعالم، ثم إن التعدد اللغوي دون تدبير لغوي رصين يشرف عليه المؤهلون والخبراء سواء عند الفرد الذي يتعلم أو يستخدم أكثر من لغتين أو في حالة المجتمع الذي يستخدم أفراده أكثر من لغتين أو في حالة ثالثة مكون من جماعات لغوية سيفضي بالضرورة إلى فقدان الانسجام في الاستخدام والتفاعل من منطلق أن اللغة تعد المظهر الأول للثقافة  مما يجعل حوار الثقافات واللغات تثاقفا وانسجاما فعالا أو من زاوية أخرى صراعا واستلابا.

نحو تعدد لغوي فعال    

لا مشاحة أن اللغات المختلفة – على رأي إدوارد سابير  (1939- 1884)  Edward Sapir– تَعرض نماذج مختلفة من الفكر الناتج عن التفكير،[25] حيث أن التفكير كلام صامت أما الكلام فهو تفكير مسموع بغض النظر عن دقة التفكير من عدمها.

  إن سمة عرض اللغة لنمط تفكيري معين جعل اللغات في شكلها العام ترتبط بتوصيفات وانطباعات معرفية وسلوكية، حيث تم ربط الألمانية بالفلسفة والحرب، في حين جمع البعض بين الانجليزية وقضايا العلم والاقتصاد، لذلك لا يمكن فصل اللغة عن شكل الحضارة التي  يحياها الفرد خصوصا وأن للمفردات الناشئة – في إطار ما يعرف بعملية الكف والإحياء في اللغة- علاقة وطيدة بالبيئة الاجتماعية والطبيعية الأمر الذي يثبت التصور العام الذي ساقه عالم اللغويات النمساوي لودفيج فتغنشتاين (1951-1889)   Ludwig Wittgensteinفي إقراره بأن اللغة تعني الاستعمال.[26]  ومن ثمة فعن طريق اللغة يكتسب الإنسان وعيه ويتحدد سلوكه بما في ذلك سلوكه اللغوي بوصفه طريقة في التفكير والتعبير، بما يجعل من تعلم وتعليم اللغات الأجنبية عملية معقدة ومتشابكة بالنظر إلى نوع ونوعية اللغة وكذا الأهداف المتوخاة من المعرفة بها.

إن تشجيع تعليم اللغات الأجنبية يتماهى مع حق إنساني صرف في المعرفة، كما يعبر عن حراك اجتماعي نتيجة دوافع التأقلم والتحيين الذي تفرضه النوازل والضرورات على المستوى التعليمي، الإعلامي، الاقتصادي، الأمني والدبلوماسي. ولتحقيق الفاعلية في هذا الإطار بعيدا عن الطرح العشوائي للمسألة ينبغي تأصيل تدبير لغوي رصين عن طريق تفعيل سياسة لغوية متفتحة على التجارب العالمية في تدريس اللغات ومشجعة في الوقت نفسه للمبادرات والاجتهادات التعليمية التي تأخذ بعين الاعتبار المعطى التداولي الخاص الذي عادة ما يُعبر عنه بالهوية الوطنية.

والواقع أن الانتشار غير المدروس للمدارس الأجنبية خصوصا تلك المتخصصة في تعليم اللغات أمر يُسرع الإجهاز على معالم الهوية الوطنية، خصوصا إذا تعلق الأمر بمنهاج لا يأخذ بعين الاعتبار السياق الاجتماعي ويسعى بالمقابل إلى توطين مضامين الثقافة الوافدة بتقفي أسلوب حشو ذاكرة المتعلم بأنماط ثابتة وقوالب جاهزة، لذلك يستجيب التعليم الفعال للغة الأجنبية لثوابت ومتغيرات ترتبط الأولى بالأنماط الصوتية، الصرفية، النحوية والدلالية في حين تعبر الثانية عن خلفيات الفاعليين الأساسيين في العملية التعليمية ونخص بالذكر  المعلم – المتعلم، المنهاج والطرائق. حيث أنه ولتحقيق الكفاية اللغوية يحتاج المعلم إلى تحيين معلوماته وطرائق التواصل، في حين يُشترط في المتعلم حيازة الرغبة والاستعداد لتمثّل اللغة، وعلى مستوى المنهاج يُشترط اختيار المادة المعرفية المناسبة للمرحلة العمرية للمتعلمين مع تنويع التمارين وأشكال التربص، كما ينبغي البحث في طرائق التبليغ والتفاعل من خلال توفير وسائل الإيضاح وتفعيل الوسائط التعليمية بالشكل الذي يتم فيه التجاوز المستمر لمشكلات تعلم اللغة. لهذا يجب التأكيد على تفعيل المضامين المعرفية والمنهجية المساوقة لتعليم اللغة الأجنبية بوصفها لغة ثانية أو ثالثة بالمعنى الذي يفضي إلى تأصيل وتوطين اللغة الأولى، حيث يُحبذ تحفيز المتعلمين على العناية بلغتهم أو لغاتهم الوطنية كضامن أساس للهوية؛ وعلى سبيل المثال ينبغي التركيز على اكتساب الطفل الذي يعيش في البيئة العربية للغة العربية مع التأكيد على سلامة النطق وصحة التركيب اللغوي وفق طرائق تحفيزية تتماشى مع متطلباته العمرية، بالشكل الذي يشكل سندا مُحَصّنا لكل تعدد لغوي مقبل.

إن وجود لغة -أو لغات-وطنية مشتركة في سياق التعدد اللغوي يمثل الوسيلة الرئيسية لإيجاد فكر وإحساس مشترك في سائر أنحاء الدولة بما يُفَعّل الإحساس بالمواطنة والانتماء، كما أنها الطريقة المثلى التي تُمكّن المجتمع من الوصول إلى عقل جماعي مشترك، يُؤهل الفرد المستخدم للاتصال اللغوي من الحصول على المعرفة ونشرها بالشكل الذي يؤدي إلى إنتاج ثقافة تشاركية،[27] الأمر الذي يؤشر لمنطلقات مؤسسة للإضافات اللغوية، ضامنة لفاعليتها بما يتماشى مع مقتضيات الهوية الوطنية.[28]

إن ترسيخ اللغة –أو اللغات- الوطنية بأساليب تحفيزية تتساوق مع طرائق التعليم اللغوي المعاصر، وفتح مجال الإبداع فيها بما يتماشى مع المنجزات العلمية والدعوة إلى استعمالها بوصفها لغة إدارة وتعليم لا ينبغي أن يتناقض في شكله ومضمونه مع تعليم اللغات الأجنبية، إذ لا يستقيم خطاب المنع والإكراه مع الروح العامة للناشئة في ظل الثورة الهائلة للإعلام التي لا تعترف بالحدود الجغرافية والسياسية للأوطان، وبالتالي يجب تجاوز "الهوية المفروضة"  Imposed Identityإلى الهوية المتحمَّلة Assumed Identities  أو الهوية المطمئنة أو المتفتحة بالمعنى الذي يتم فيه درء لغة الالتزام والقسر الهوياتي لصالح أساليب جديدة ومحَينة تأخذ بعين الاعتبار إغراءات الهويات واللغات الأخرى،[29] خصوصا وأن المهتمين بشأن التخطيط اللغوي Language Planningقد فصلوا في الوسائل والمرتكزات المؤدية للترشيد اللغوي بغرض الحفاظ على الشخصية اللغوية وفق نظريتين أساسيتين: أدائية وتكوينية، حيث تركز الأدائية على وظيفة اللغة التواصلية بوصفها مجموعة من الكلمات التي تستعمل بوصفها أدوات تعبيرية تسمى من خلالها الأشياء والأفكار، في حين تحيل التكوينية إلى علاقة مستخدم اللغة بمضامينها في إطار التعبير عن الكينونة والوجود بالشكل المؤدي إلى إحداث المماهاة بين اللغة والهوية.[30]

إن غاية التدبير اللغوي تكمن أساسا في تجاوز الفوضى اللغوية أو الاختراق اللغوي لصالح تعدد لغوي استراتيجي يأخذ بعين الاعتبار إبقاء الانسجام الحاصل بين المكونات الاجتماعية،[31] بالمعنى الذي يحيل إلى اعتبار المسألة شأنا اجتماعيا مرتبطا بوظائف وواجبات الأسرة، المدرسة وكذا المؤسسات الاجتماعية.[32]

في هذا الإطار نبه السوسيولوجي والتربوي السوري علي أسعد وطفة (1955) إلى وضعية العمالة الوافدة على دول الخليج خصوصا من حيث تأثيرها على التركيبة السكانية والتكوين الاجتماعي وكذا على الهوية الثقافية بما في ذلك الشأن اللغوي؛ مركزا على دور الخدمات في تنشئة الأطفال بما يؤدي إلى توطين مبادئ ومعايير مختلفة تنتج هيمنة ثقافية ولغوية منافية للتوجهات الثقافية والوطنية في البلدان الخليجية، الأمر الذي يستوجب لعلاج لهذه الأزمة -حسب علي أسعد وطفة- ضرورة المعرفة باللغة الوطنية بوصفها شرطا أساسا لقبول وتأهيل العمالة الوافدة.[33] للإشارة فإن دولا عديدة تطلب هكذا إجراء لتيسير الاندماج العلمي والمهني، فالصين مثلا تلزم الطلبة الوافدين بحصص لتعلم اللغة الصينية كشرط أولي لإتمام الدراسة الجامعية حتى حينما يتعلق الأمر بدراسة الانجليزية مثلا، في حين تعمد الولايات المتحدة الأمريكية في إطار تعاملها مع العمالة الوافدة والأقليات إلى محاولة إحداث التفاعل بين التدبير اللغوي والحقوق المدنية عبر وضع برنامج لغوي يُيَسر الاندماج في الثقافة الأمريكية لدرجة اعتباره شرطا أساسا للحصول على الحقوق المدنية.[34]  

خلاصة

التعدد اللغوي حقيقة واقعة ترتبط فاعليته بالقدرة الفردية والجماعية على تجاوز مواطن الاستلاب بالسعي المستمر والفعال لتشكيل هوية منفتحة تحوز على ثراء الثقافة الوطنية ووسائطها الاتصالية، والمعترفة بأهمية اللغات الأخرى في تحقيق الإضافة شريطة التدبر في معايير اختيار اللغات المدروسة تماشيا مع المنافع الثقافية، الاقتصادية والإستراتيجية. وهي النتيجة الأساسية التي تم التوصل إليها في هذه الورقة البحثية شريطة إسنادها نظريا وفعليا بالمقترحات المعرفية التالية:

-                       تشجيع عمل ومراكز البحوث اللغوية المختصة في التخطيط اللغوي واللسانيات التطبيقية بالشكل الذي يدعم و يصلح في الوقت نفسه مشروعات تعليم اللغات.

-                       العمل على تطوير اللغة أو اللغات الوطنية عن طريق تدريسها واستعمالها بشكل حضاري بوصفها سندا لتعليم اللغات الأجنبية، مع ضرورة ترسيخ الوعي بأهمية العمل الثقافي المشترك في تعليمية اللغة الوطنية على غرار اللغة العربية واللغات الأجنبية مع الحرص على تفعيل دور الأسرة والمدرسة وكذا الوسائط التكنولوجية ووسائل الإعلام والاتصال.

-                       تشجيع تعليم اللغات الأجنبية العالمية خصوصا، بهدف الاستفادة من منجزها الحضاري مع ضرورة الاستفادة من التجارب العالمية في تعليم اللغات.

-                       تطعيم برنامج اللغات الأجنبية بمضامين تُعرف وتشيد بمآثر ثقافة السياق التداولي.

-                       تشجيع الإبداع العلمي والأدبي باللغات الأجنبية.

 [1]  الواقع أن الهوية إشكال فكري يصعب رده إلى مجال بحثي معين بالنظر إلى المجالات المعرفية العديدة التي تتجاذبه، إذ يشير أحيانا إلى الخصوصية في إطار إبراز الملامح المميزة للفرد، كما أنه يحيل إلى التصور الاجتماعي أثناء الحديث عن الخصائص التي تميز مجتمعا ما، وتجدر الإشارة إلى أن الهوية تحوز على دور مفصلي في استقرار، تطور وكذا انقراض المجتمعات، فضعفها أو زوالها يحيل بالضرورة إلى قابلية المجتمع للتعولم وبالتالي سهولة انقسامه وتشظيه.

[1]Nat Bartels, (2005) Applied Linguistics and Language Teacher Education, Springer Edition, USA, P 75.

  [1]  خرما نايف وحجاج علي، (1988) اللغات الأجنبية: تعليمها و تعلمها، سلسلة عالم المعرفة رقم 126، إصدارات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت،  ص 109.

[1] المرجع السابق نفسه، ص 119.

[1]Doytcheva  Milena, (2005) Le Multiculturalisme, Édition la Découverte, Paris, P 100.

[1]De Schutter Helder, (2008) The Ethics of Language Planning, in, ADEL Bulletin, Association of Departments of Foreign Languages, New York, P 8.

  [1] لويس م.م،(2003)اللغة في المجتمع، تر: حسان تمام، منشورات عالم الكتب، القاهرة،  ص 154.

[1]     عشير عبد السلام، (2010) تطور التفكير اللغوي: من النحو إلى اللسانيات إلى التواصل، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، ط1،  ص 108.

[1]Cavali Marisia, (2005) Education Bilingue et Plurilinguisme, Edition Difier,  Paris, P120.

[1]  لويس م.م، اللغة في المجتمع، ص 175.

[1]Coupland Nicolas, (2010) The Handbook of Language and Globalization, Wiley Blackwell Edition, UK, P 292.

[1]  أبوزيد أحمد، (د.ت)التعددية والثقافة الوطنية، في، العولمة والهوية الثقافية، سلسلة أبحاث المؤتمرات، منشورات المجلس الأعلى للثقافة، ص 536.

[1]Aronin Larissa,(2009) The Exploration of Multilingualism, John Benjamin Publishing Company, P 12.

[1]   يمكن الإشارة إلى الدولةالفرنسية – على سبيل المثال- من خلال معرفة أهداف المنظمة الدولية للفرانكفونية Organisation Internationale de la Francophonieبوصفها منظمة ثقافية واقتصادية تضم دولا عديدة تهدف بشكل أساس إلى تطوير اللغة والثقافة الفرنسية والترويج لها.

[1]Wright Sue,(2004) Language Policy and Language Planning: From Nationalism to Globalization, Palgrave Macmillan Edition, UK, P 181.

[1]Ennaji Moha,(2005) Multilingualism: cultural, Identity and Education in Morocco, Springer Edition, London and New York, P 24.

[1]   أوردإدوارد جون في كتابه التعدد اللغوي Multilingualismص 34نماذج من الموهبة البشرية في حيازة التعدد اللغوي فقد تحدث مثلا عن العالم اللغوي الأمريكي جورج شميدت  George Schmidetالذي كان يتحدث 19لغة، كما تحدث عن جيمس موراي James Murray ناشر معجم أكسفورد بالانجليزية الذي كان يتكلم و يفهم أكثر من 20لغة.

[1]Edward John, (1994)Multilingualism, Routledje, London and New York, 1994, P33.

[1] كولماس فلوريان،(1990)اللغة والاقتصاد، سلسلة عالم المعرفة رقم 263، إصدارات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت،   ص 116.

[1] العابد حسن عبد الله، (2004) أثر العولمة في الثقافة العربية،دار النهضة العربية، بيروت ، ط1،  ص 77.

[1]Dinah Shelton,(2000) Droits et Justice pour Chaque Citoyen dans le Monde ?, in, Mondialisation et Société Multiculturelles, Marina Ricciardelli et Autres, Presses Universitaire de France, Paris, P306.

[1]  نور عصام،(2002)العولمة وآثارها في المجتمع الإسلامي ،دار مؤسسة الجامعة، الإسكندرية ، ط1،  ص 16.

[1] كالفي لويس جان، (2004) حرب اللغات والسياسات اللغوية، تر:حسن حمزة، مطبوعات المنظمة العربية للترجمة، بيروت،ط1، ص205.

[1]  المناصرة عز الدين،(2004) الهويات والتعددية اللغوية، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، عمان ، الأردن ، ط1، ص39.

 [1]خرما نايف وحجاج علي، اللغات الأجنبية: تعليمها و تعلمها، ص 111.

[1]Meredith Williams,(2002) Wittgenstein, Mind and Meaning: Toward a Social Conception of Mind, Routledje, London and New York, P 09.

 [1]لويس م.م، اللغة في المجتمع، ص 200.

[1] لا يعني ذلك أن اللغة وحدها تشكل الهوية - وإنما القصد في اعتبارها شرطا أساسا وضروريا، والدليل على ذلك سعي بعض الأقليات للمطالبة بحقها في استعمال لغتها كعنوان للهوية – بل ثمة عوامل أخرى مضافة مثل الدين، البقعة الجغرافية الواحدة، العادات والتقاليد إضافة إلى المصير المشترك… والدليل على ذلك أن المفكر الجزائري مالك بن نبي  ( 1973-1905)  كتب معظم كتبه باللغة الفرنسية بسبب خصوصية تكوينه المعرفي وكذا ظروف عصره، إلا أنه كان يحمل تقديرا كبيرا للغة العربية، الأمر نفسه ينسحب على الروائي الجزائري مالك حداد ( 1978-1927)الذي كتب رواياته بالفرنسية بيد أن إجلاله للعربية جعله يقول: "إن الفرنسية منفاي."

[1]Adria Blackledjed, (2005) Discourse and Power in a Multilingual World, John Benjamin Publishing Company, Amsterdam and Philadelphia, P 213.

[1]De Schutter Helder, The Ethics of Language Planning, P 10.

[1] كوبر،أ.روبرت، (2006) ، التخطيط اللغوي والتغيير الاجتماعي، تر: خليفة أبو بكر الأسود، منشورات  مجلس الثقافة العلم، طرابلس، ليبيا، د.ط، ص 70.

[1]  وهنا يبرز دور التدبير اللغوي في المجتمعات العربية، وتحديه الأبرز يكمن في القدرة العلمية اللبقة على إبراز الهوية الوطنية أثناء تعلم اللغات الأجنبية، حتى لا يصبح دارس الانجليزية إنجليزيا  والفرنسية فرنسيا والألمانية ألمانيا.

[1] وطفة علي أسعد، (2007)  العمالة الوافدة وتحديات الهوية الثقافية في دول الخليج العربية، مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية ، لبنان، ، ص 75.

[1]De Schutter Helder, The Ethics of Language Planning, PP 7, 8.

Pour citer ce document

خليفي بشير, «التعدد اللغوي والوعي الحضاري بين الرغبة في المعرفة وهاجس الاستلاب»

[En ligne] مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales العدد 24 جوان 2017N° 24 Juin 2017
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2017-06-21,
mis a jour le : 21/06/2017,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=2148.