الحِجَاج في خطب البشيرالإبراهيمي_بحث في الحجج النصية_
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
08
09
10
11
12
13
14
15

العدد 24 جوان 2017 N° 24 Juin 2017

الحِجَاج في خطب البشيرالإبراهيمي_بحث في الحجج النصية_

نور الدين بوزناشة
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

يهدف هذا المقال إلى التركيز على حِجَاجِ الشيخ البشير الإبراهيمي الذي يعدّ رائد الحركة الإصلاحية بالجزائر، وذلك من خلال خطبه التي ألقاها في مناسبات متعددة سعى فيها إلى نصح النّاس وإرشادهم نحو الطريق القويم،وكذا الدفاع عن مقومات الأمّة الجزائرية التي أراد المستدمر طمس معالمها والقضاء عليها بضرب عقيدتها ودينها ولغتها، وذلك بمعيّة بعض أعوانهالذين جنّدهم لنشر الخرافات، وترسيخ فكرة الخضوع والتسليم بأنّ الجزائر قطعة فرنسية، وهو ما دفع الشيخ البشير الإبراهيمي إلىمحاججة هؤلاء وتفنيد أباطيلهم، مستعينا بعدد من الحجج النصية التي أكسبت خطبه قوّة إقناع واستمالة للسّامعين.

الكلمات المفاتيح: الحجاج، الحجة، الإقناع، البشير الإبراهيمي، الاستدمار

Cet article vise à mettre l'accent sur l 'argumentation de Cheikh Bashir Ibrahimi qui  dirige le mouvement de réforme en Algérie, à travers les discours prononcés à plusieurs reprise, qui cherchait àconseiller les gens et les guider vers le droit chemin, ainsi que la défense des éléments de la nation algérienne qui voulait le colonisée effacer ses repèreset d'éliminer la croyance, la religion et la langue, et qui, avec certains de ses associés qui ont été recrutés pour répandre les mythes, et la consolidation l'idée de la soumission et de livraison que l'Algérie est pièce française, ce qui a incité Cheikh Bashir Ibrahimi de soutenir ces derniers et réfuter mensonges, en utilisant un certain nombre d'arguments de texte qui a valu à son pouvoir de sermons pour persuader et convaincre les auditeurs

Mots clés : argumentation, argument, persuade, Bashir Ibrahimi, colonisée.

This article aims to focus on the Argument of Sheikh Bashir Ibrahimi, who is leader the reform movement in Algeria, through the speeches delivered on multiple occasions; he sought them to advise people and guide them towards the right path, as well as the defense of the elements of the Algerian nation that wanted colonizer obliterated landmarks and eliminate them by beating her faith, religion and language, and that together with some of his aides (the colonizer) recruited to spread myths, and the consolidation of the idea of ​​submission and delivery that Algeria is a piece of French, which prompted Sheikh Bashir Ibrahimi to argue these and refute Their lies,using a number of text arguments that earned his sermons power to persuade and win over listeners.

keywords:argumentation, argument, persuade,BashirIbrahimi, colonizer

عرفت الجزائر في الحقبة الاستدمارية حملات كثيرة كانت تدعو إلى إلحاقـها بالأرض الفرنسية الأم؛ حيث حاولت طمس معالم الأمّة بالقضاء على هويتها ودينها؛ فأغلقت المساجد، وضيقت على الجمعيات والعلماء وكان سندها في ذلك بعض أعوان المستدمر الذين جنّدهم لخدمة مصالحه، وفي مقدمتها ضرب عقيدة الأمّة من خلال نشر الخرافات حتّى صيّروها إلى الجاهلية الأولى.

أمام هذا الوضع المتردي والظلمة الحالكة برز نور من تحت هذه الأنقاض، يعيد الأمل لهذه الأمّة المستضعفة إنّهنور جمعية العلماء المسلمين التي جمعت ثلّة من العلماء المجدّدين، وهبوا أنفسهم لخدمة دين ربّهم ونشره وإعلاء كلمة الحق، يدفعهم في ذلك علمهم وإيمانهم بصدق دعواهم، ولعلّ أبرز هؤلاء العلماء وأنشطهم الشيخ محمد البشير الإبراهيمي الذي أخذته الغيرة على بني وطنه1؛ فكان يجاهد بالكلمة لأجل تبصير النّاس بدينهم وعقيدتهم2،وكان من نتاج نشاطه وحركيّته مع إخوانه أن أسّسوا جمعية العلماء التي رفعت حجاب الجهل عن الأمّة بالكشف عن دجل أعوان المستدمر، وهذا ما جرّ عليها نقمة الإدارة الاستدمارية، وكيد هؤلاء المتعاونين من خلال سجن أعضاء الجمعية،ونفيهم،وإغلاق مساجدهم، وصحفهم، وكذا محاولة اغتيال بعضهم، وعلى الرغم من هذا التضييق والحصار فإنّهم (أعضاء الجمعية) ظلّوا متمسّكين بدعوتهم الإصلاحية، وفي مقدمتهم الشيخ  البشير الإبراهيمي الذي دخل المعركة مستلا لسانه الصارم، ومنطقه الحازم في محاربة أعداء الأمّة من المستدمرين وأعوانهم عن طريق خطبه ومحاضراته التي تنطق بالحجّة البالغة والرأي السديد.

تَميُّز الشيخ البشير الإبراهيمي في دعوته وحجاجه مرده إلى خلفيّته المعرفية الواسعة، فضلا عن امتلاكه لذكاء حاد، ومنطق سليم يبرز في استدلاله وحجاجه، وهو ما أهّله لأن يصير محاججا من الطّراز الأوّل، يقول تركي رابح: "ولعلّ من العوامل الهامّة التي ساعدت الشيخ على النجاح...غزارة علمه، وبلاغة قلمه، وقوة حجّته وفصاحة لسانه، ولبـاقته في الحديث إلى مستمعيه مهما كانت درجاتهم الثقافية والاجتماعية"3، أمّا شاعر الجمعية محمد العيد آل خليفة فإنّه يصفه وصفا دقيقا بقوله4:

فأهلا وسهلا بالبشير متوَّجًا *** بتاج تحلَّى بالنُّهى وتَرَصَّـعَـــا

إمارةُ عرفانٍ يسوسُ أمورَها *** أميرٌ على دَسْتِ البَيَـانِ تربَّعـــا

يواليه شعبٌ للعروبة ينتمي *** ويصبُو كما والى اليَمانونَ تُبَّعـا

يبايعُ قلبي قبل كفي عالماً *** على الملك أربَى قدرُه وترفعـــاَ

تغذى من الفصحى بمحضِ لبانِها *** وشبَّ على آدابها وترَعرَعا

انطلاقا من هذا الوصف سيكون محور بحثنا الحجاج في خطب البشير الإبراهيمي من خلال تتبع الحجج النصيةفي تلك الخطب،لكن في البداية نحدد مفهوم الحجاج والحجّة ثمّ علاقته(الحجاج) بالخطبة؛ حتىّ تتشكل لدينا رؤية واضحة عنه.

1_ مفهوم الحجاج والحجّة:

أ_ لغة:يطلق الحجاج على التخاصم والمغالبة بالحجّة، وهو ما يشير إليه أحمد بن فارس ضمن معجم المقاييس في اللغة بقوله: "يقال: حَاجَجتُ فلانا فَحَجَجْتُه؛ أي غلبته بِالحُجَّةِ، وذلك الظَّفَرُ يكون عند الخصومة والجمع حُجَج والمصدر الحِجَاج"5، ويراد بالحُجَّة في اللغة: الدّليل والبرهان6.

ومن المعنى اللغوي ننتقل إلى التعريف الاصطلاحي للحجاج.

ب_ اصطلاحا:يعرّف طه عبد الرحمان الحجاج بقوله:"أنّه كلّ منطوق به موجه إلى الغير لإفهامه دعوة مخصوصة يحق له الاعتراض"7، فتصوّره للحجاج مبني على أساس وجود نيّة الادّعاء عند المتكلم، ونيّة الاعتراض لدى المتلقي.

ويعرفه بيرلمان(Perelman) قائلا:"جعل العقول تذعن وتسلّم لمـا يطرح عليها من الأقوال، أو يزيد في درجة ذلك الإذعان وذلك التسليم، فأنجع الحجاج وأنجحه ما وفّق في جعل حدّة الإذعان تقوى لدى السامعين بشكل يبعثهم على عمل المطلوب"8، فالحجاج إذا مرتبط بإذعان وتسليم السامع بالأقوال.

     أمّا الحجّة فتعرّف بأنّها:" ما دلّ به على صحّة الدعوى"9، وهي تهدف إلى إثبات أو نفي تلك الدعوى، وقد تكون الحجّة نصية؛ فيراد بها: الحجّة التي تبرز على صعيد النصأو الخطاب كالقياس، والمثل، والشواهد النصية؛ كالقرآن والحديث والشعر وغيرها.

وهكذا نجد أنّ مفهوم الحجاج من خلال التعريف الأول والثاني يتجلى في: تقديم الحجج التي تؤدي إلى استمالة عقل السامع وإقناعه، وتلك هي غاية الحجاج التي تبرز في أشكال خطابية متعددة أهمها: الخطابة التي تعتمد الحجج النصية؛ لأجل تحقيق الإقناع، ولذلك سنتحدث عن علاقة الحجاج بها (الخطابة).

2_ الحجاج والخطابة

اقترنت الخطابة منذ القديم بغرض الإقناع، وهو ما نلمحه في تعريف أرسطو لها بقوله:"الريطوريّة قوّة تتكلّف الإقناع الممكن في كلّ واحد من الأمور المفردة"10. ومن ثمة، يكون مجال بحث الخطابة الإقناع؛لأجل ذلك ألّف أرسطو كتابه "الخطابة" الذي نال شهرة كبيرة؛ تناول فيه الحجاج الخطابي وأركانه، ويعكس هذا الاهتمام دورها المهم في حياة المجتمع اليوناني، فهي صانعة الإقناع والتأثير في السامعين.

أمّا عند العرب فقد اتخذت الخطابة أداة نفعية لتحقيق أغراضهم في مقامات متعدّدة كالمنافرة، والمفاخرة والسلم والحرب، ومن ثمّ فهي ملازمة لحياة العربي11؛ إذ أنّها ترمزلديه إلى الشّرف والسّيادة،فضلا عن كونها وسيلة البيان والحجاج التي تحقق الإقناع، ولهذا صارت الخطابة _ مع مجيء الرسالة المحمدية _ أداة لبيان الشرائع والأحكام وللنصح والإرشاد؛ حتىّ غدت ركنا من أركان الدين؛ إذ لا تصح صلاة الجمعة إلاّ بها12.

ومن هنا نلحظ أهمية الخطابة في إحداث الإقناع؛ فهي (الخطابة) "فن مشافهة الجمهور وإقناعه"13،وذلك راجع إلى بنيتها الخطابية التي ترتكز على ثلاثة عناصر أساسية تهدف إلى تحقيق الإقناع هي: الحجج(الحجاج) والأسلوب وترتيب أجزاء الخطبة.وبناء عليه،فإنّ الإقناع هو القاسم المشترك بين الحجاج والخطابة.

ومن الحديث عن علاقة الحجاج بالخطابة ننتقل إلى الحديث عن خطابة الشيخ البشير الإبراهيمي.

3_ خطابة الشيخ البشير الإبراهيمي

تميّز الشيخ البشير ببراعته الخطابية التي لفتت انتباه من عرفوه وسمعوه، يقول عنه يوسف القرضاوي واصفا إيّاه:"كان الشيخ إذا تحدث يتدفق كأنّه البحر الثجّاج، ويتألق كأنّه السّراج الوهّاج، وأشهد أنّه شدّ الحاضرين جميعا ببيانه الناصع، وخطابه الرائع، وسعّة اطّلاعه على الأدب والتاريخ، واستشهاده بحكم البلغاء وروائع الشعراء ووقائع المؤرخين"14، ولعلّ  تميز الشيخ في خطابته يعود إلى امتلاكه ناصية اللغة؛إذ "كان خبيرا بأسرارها،ضالعا في أساليبها، بارعا في فنونها وآدابها، له عليها سلطة وسلطان، تطاوعه كلّما عالج موضوعا من المواضيع، وتنقاد له كلّما اتّخذها أداة للمحاججة والجدال"15، فهو إذا تكلّم أفصح وإذا احتجّ أقنع،وهذا ما يؤكدهجميل صليبا- أحد طلبة الشيخ البشير- بقوله : "من عجيب أمر الشيخأنّ النّاس كانوا لا يهتمون به عند لقائه لأوّل مرّة، حتّى إذا تكلّم أو احتجّ، أو خطب ألهب النفوس حماسة، وجعل القلوب تشرئب إليه للاستمتاع بفصاحة لسانه وسحر بيانه"16.

لقد اتّخذ الشيخ البشير الإبراهيمي الخطابة وسيلة للدعوة والإصلاح، فهي "ركن الإصلاح الركين"17لحال الأمّة الجزائرية التي عانت من بطش المستدمر الذي سعى إلى محو هويتها العربية والإسلامية؛لأجل ذلك كانت الخطابة-عند الشيخ البشير-أداة للتأثير في الناس ونشر الإصلاح، وقد تميزت خطابته"بالطابع الأدبي والبلاغي واستحضار المحفوظات والشواهد، وكان مؤثرا في الخاصة أكثر من العامة، وهو يجيد النّكتة السريعة واللّمحة الدّالة"18، ولهذا نال شهرة في الداخل والخارج.

سنركز في هذا المقال على حجاج البشير الإبراهيمي من خلال الحديث عن الحجج النصية التي وظفها في تلك الخطب، وهنا ننوه إلى أن البحث اعتمد وجهة نظر البلاغة الجديدة ضمن التحليل، ومن هذه الحجج النصية الواردة في خطبه:

أ‌-الحجج النصّية شبه منطقية:تتميز هذه الحجج النصية بالطابع الابتكاري؛حيث يكون للمتكلم دور في ابتكارها وإبداعها، ومن ذلك القياس الخطابي.

1-القياس الخطابي

يعدّ القياس الخطابي آلية شبه منطقية؛تقوم على وجود مقدمتين كبرى وصغرى، وتستخلص منهما نتيجة ضمنية وهو يمثل أبرز الحجج المبتكرة، وأكثرها إقناعا وتأثيرا على السامع، وهذا ما نلمحه في حجاج خطب الشيخ البشير الإبراهيمي.

عرف الشيخ البشير الإبراهيمي بسعة اطّلاعه على علوم متعددة، وهو ما أسهم في تنمية رصيده المعرفي الذي كان له تأثير على أسلوب تفكيره ضمن خطبه وكتاباته، ولذلك لا يعدّ الشيخ خطيبا فقط بل مفكرا؛ يقول شكري الفيصل: "وفي تقديري؛وفي تقدير الذين عرفوا الإبراهيمي في الميدانين (الخطابة والكتابة) جميعا أنّه لم يكن خطيبا فحسب …ولكنّه كان مع ذلك وإلى جانب ذلك مفكرا من الطّراز الأوّل...وله منهجه الفكري الذي يتميز به حين يطرح هذه القضـايا ويدلّل عليها"19،وقد أسهم هذا الجانب الفكري بإثراء خطبه وتميزها؛ إذ يشهد له كل من سمعه بقوة إقناعه20.    

سعى الشيخ البشير ضمن خطبه إلى تحقيق ثلاثة أهداف حجاجية، تمثل المحاور الكبرى التي تدور حولها هذه الخطب هي:

1-المحافظة على الهوية الجزائرية التي حاربها الاستدمار،2-إصلاح الديـن،3-المحافظة على اللغة العربية. وفيهذا الصدد يقول الشيخ البشير الإبراهيمي: "إنّ هذه الأمّة الجزائرية أمّة واحدة ولا كلام،ربّها الله وإمامها القرآن ونبيها محمد، ولغتها القرآن، ودينها الإسلام"21.

وظف الشيخ البشير الإبراهيمي جملة من الحجج النصية،وخاصة شبه المنطقية منها تحديد االقياس الخطابي الذي يعدّ من أهم الحججالإقناعية22؛ إذ نلحظ حضوره ضمن مواضع كثيرة في خطبه؛وذلك لأجل تحقيق الغايات الثلاث السابقة والتي تمثّل مقوّمات الأمة الجزائريّة.

نستهل الحديث بأولى هذه الغايات أو الأهداف والمتمثلة في:

1-المحافظةعلى الهوية الجزائرية

 احتفل المستدمر بمرور مائة عام على احتلال الجزائر في193023، وقد استمرت تلك الاحتفالات مدّة ستّة أشهر؛ لتكشف عن حقده الدفين تجاه الحزائر؛ حيث دعا ساسته( المستدمر) في هذه المناسبة إلى القضاء

على هويّة الجزائر الإسلامية وإلحاقها بفرنسا؛ لتكون الجزائر بذلك أرضا فرنسية24.

لكن في مقابل هذا الاحتفال عرفت تلك السنة تأسيس جمعية العلماء التي حملت لواء النهضة الفكرية  والقومية بالجزائر من خلال  الحفاظ على ثوابت الأمة الجزائرية التي أراد المستدمر أن يقضي عليها، وذلك بواسطة دفاعها عن هوية الأمة الجزائرية ومقوماتها الشخصية،وهذاعن طريق الاهتمام برموزها وقدواتها؛ لأنّ أيّ أمة إنّما تحيا وترتقي بعلمائها الذين يمثلون قدواتها؛ ومن هذا المنطلق نجد الشيخ البشير الإبراهيمي ضمن خطبته التأبينية لذكرى وفاة المؤرخ الجزائري محمد بن شنبيربط الجزائر برموزها الذين حملوا لواء النهضة الفكرية والعلمية25؛ فاستحقوا بذلك  التقدير والاحترام من الغرب والشرق، ولكن الاستدمار غيبهم بالجزائر يقول الشيخ البشير الإبراهيمي:"عرفك الغرب والشرق ولم تعرفك الجزائر حقّ المعرفة في حياتك"26.

كان محمد بن شنب مثالا وقدوة في الأدب والعلم والتآلف27؛ وقد نعاه الرأي العام الجزائري والفرنسي بعدوفاته،وشهد جنازته النصارى والمسلمون، يقولأبو القاسم سعد الله: "وفي خطبة التأبين قال عنه مارتينو:إنّ ابن شنب كان صورة للأديب المسلم الذي عرف كيف يطّلع على الأساليب الأروبية في العمل بدون أن يفقد شيئا من صفاته وعاداته،وإنّ أستاذه باصيه هو الذي كان يتولّى هدايته في العمل،وأنّ ابن شنب قد عرف لوازم النقد العلمي"28،ومن الغربيين من يجعله رمزا ومثالا للتآلف الفرنسي-الإسلامي29.

ولهذا اهتم الشيخ البشير الإبراهيمي بتلك القامة العلمية، إذ نجده في خطبته التأبينية يوظف حجّة القياس الخطابي من أجل رسم ملامح شخصية محمد بن شنب المتميزة، والتي تعد قـدوة يحتذى بها أو حجّة يمكن للمخاطب أن يتأثر بسلوكها وخصالها، ذلك أنّ المجتمعات لا تسير إلاّ بقدوات تمهد لها الطريق30.

ولهذا اختار الشيخ البشير الإبراهيميالحديث عن محمد بن شنب؛ ليكون قدوّة لأبناء وطنه في التعلق بالأرض والمحافظة على الهوية الجزائرية الإسلامية من خلال أخلاقه وأعماله التي تمثل سرّ نجاحه وشهرته31، ولذلك نجد الشيخ البشير الإبراهيمي يركز في خطبته التأبينية على أخلاقه وخصاله الحميدة، وأساسها المحافظة بقوله:"ذلك أنّ الرجل محافظ والمحافظة ألزم ما يكون لنهضة"32، نلمح في هذا القول حجّة القياس التي أراد بواسطتها التأكيد على محافظة محمد بن شنب، ويمكن توضيح ذلك عن طريق المبيان الآتي:

المقدمةالكبرى: المحافظة ألزم للنهضة

 

المقدمةالصغرى: الرجل محافظ

 

 

النتيجة(الضمنية): إذا الرجل صاحب نهضة

 

وهنا نلحظ أنّ النتيجة قد ضمنت في المقدمة الكبرى التي يسلم بها المخاطب، وقد جرى فيها الانتقال من حكم عام(المحافظة ألزم للنهضة) إلى حكم خاص (الرجل صاحب نهضة)،وبذلك يكون الشيخ البشير الإبراهيمي ينتقل من مقدمات إلى نتائج مقنعة، تجلت في كون المحافظة سبيلا للنهضة، تلك المحافظة التي ترتكز على المبادئ والقيم القومية، وعدم التخلي عنها مهما تبدّلت الأحوال والأزمان33، ولهذا عدّ محمد بن شنب-في نظره -من رواد نهضة الجزائر يقول: "وإنّ بوادر النّهضة قد ظهرت من عهد غير بعيد، وإنّ فقيدنا اليوم من الطلائع المبكرة لهذه النّهضة بهذا الوطن"34.

     يضاف إلى محافظتهإ خلاصُه في عمله الذي هو سرّ نجاحه في حياته العلمية، يقول الشيخ البشير الإبراهيمي:"الرجل مخلص في أعماله، وما نجاحه في حياته العلمية إلاّ نتيجة إخلاصه، والإخلاص أحوج ما تحتاج إليه ناشئتنا"35، ومن ثمّ فإنّ الإخلاص هو العامل الرئيس في تفوق محمد بن شنب العلمي والعملي، وقد استدل الشيخ البشير الإبراهيمي على ذلك بالقياس الآتي:

المقدمة الكبرى: الرجل مخلص في أعماله

 

 

المقدمة الصغرى: نجاحه في الحياة العلمية نتيجة إخلاصه

 

 

النتيجة(الضمنية): إذا الرجل ناجح في أعماله

 

يتضح من هذا القياس أنّ الشيخ البشير الإبراهيمي ينتقل من المقدمتين الكبرى والصغرى(وهي إخلاص الرجل في أعماله، ونجاحه في حياته العلمية نتيجة إخلاصه) إلى نتيجة ضمنية هي: أنّ الرجل ناجح في أعماله لأنّ الإخلاص -حسب رأيه-هو الأساس الذي يضمن بقاء الأعمال والنجاح، يقول: "والإخلاص أحوج ما تحتاج إليه ناشئتنا، في وقت ذهب فيه الإخلاص ضحيّة المداجاة والنفاق والغش والمؤاربة، ومجموعها هو الرياء الخادع"36.

      إلى جانب الإخلاص امتاز محمد بن شنب أيضا بالصبر الذي عرف عنه، ممّا جعله متميزا ناجحا في حياته، يقول الشيخ البشير الإبراهيمي: "الرجل صبور، والصبر مطيّة النجاح وقوام الحياة كلّها"37؛ وهنا يؤكد على أنّ الصبر هو عنوان الفلاح والنجاح في الحياة بشكل عام،وقد عبر عن ذلك بالقياس الآتي:

المقدمة الكبرى:الصبر مطية النجاح وقوام الحياة كلها

 

 

المقدمة الصغرى:الرجل صبور

 

النتيجة(الضمنية): إذا الرجل ناجح في حياته

 

 إنّ المتأمل في تركيب القياس يجد أنّ الشيخ البشير الإبراهيمي قد استلهم مضمونه من الآية الكريمة، قال تعالى:"وَٱلۡعَصۡرِ ١ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ ٢ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ ٣"38فالصبر أساس النجاح في الدنيا والآخرة، ولهذا ركز الشيخ البشير على هذه الناحية التي جعلت محمد بن شنب محافظا ومخلصا .

إجمالا نقول؛ إنّ وصف الشيخ البشير الإبراهيمي لأخلاق العالم محمد بن شنب يهدف إلى جعله قدوة لأبناء وطنه،ومثالا يحتذى في أخلاقه وعلمه وعمله.

1_1_ حجّة القدوة

نلمح هذه الحجّة في حديثه عن خصال الفقيد، يقول: "وإنّما وقفت لأبيّن لكم ناحية من نواحي الفقيد وهي ناحية عرفها القليلون منا وجهلها الكثيرون، وهذه الناحية هي الغرّة اللائحة في حياة الراحل الكريم، وهذه الناحية هي -في نظري -سرّ نبوغه، أو سرّ تفوقه، أو سرّ غربته في هذا الوطن"39، ثم يختم قوله قائلا: "هذه الناحية هي العظة البالغـة، والعبرة النافعة للناشئين منّا في العلم، وهي المثال الذي يجب أن يحتذوه، وما حياة العلماء الذين وقفوا حياتهم لنفع البشر إلاّ أمثلة تحتذى، ولها بعد ذلك أثرها في النّفوس إن خيرا وإن شرا"40؛ أي أنّالشيخ البـشير الإبراهيميأراد من خلال سرده لصفات محمد بن شنب أن يدفع المخاطب إلى الاقتداء بحجّة القدوة ليكون ناجحا في حياته وأعماله، وفي دينه ودنياه، ولذلك جسدت تلك القياسات التي وظفها الشيخ صورة حيّة لهذه القدوة.

وهكذا، تكون الأخلاق مع العلم سلاحا لبناء نهضةالأمة وتحريرها من قيود الاستدمار، وفي هذا السياق يذكر تركي رابح أنّ الشيخ البشير الإبراهيمي إذا تحدث عن الأخلاق والعلم "تكون لغته حارة نابعة من أعماق وجدانه... ممّا يدل على إيمانه العميق بدور الأخلاق والعلم في نهضة الشعب الجزائريوتحريره، وبنائه على أسس سليمة"41، ولهذا كان (الشيخ البشير)يرى أنّ تحرير الوطن يكون بامتلاك سلاحين هـما: الأخلاق القويمة، والعلم المتين؛إذ يروي تلميذه تركي رابح بأنّه كان يقول لهم: "إنّكم لن تستطيعوا أن تنفـعوا وطنكم وأمتكم إلاّ إذا امتلكتم سلاحين هامين بدونهما لن تفلحوا في الحياة، ولن يستفيد منكم وطنكم شيئا هاما:1-الأخلاق القويمة المتينة، 2- العلم القوي المتين أيضا"42.

يتضح مما تقدم ذكره، أنّ البعد الحجاجي لخطبة التأبين يتمثل في: إعادة الاعـتبار لقدواتورموز هذا الوطن الجريح من خلال حديثه (الشيخ البشير) عن شخصية محمد بن شنب التي ترمز إلىالمحافظة على الهوية الجزائرية، في وقت سعى فيه المستدمر جاهدا إلى طمس معالم تلك الهوية، وترسيخ كيانه الغاصب43.

أمّا الهدف الحجاجي الثاني المقترن بخطبه فهو:

2-إصلاحالدين ونشر مبادئه الصّحيحة

يهدف الإصلاح الديني إلى وصل الجزائر بماضيها الإسلامي ذلك الماضي المشرق؛ لأنّكثيرا من المدن الجزائرية كانت تمثل مركز إشعاع علمي معروف؛ فمن قرأ مثلا "تاريخ المدن الجزائرية العلمية التي كانت لها في الحضارة أوفر نصيب: تلمسان، وبجاية، وتيهرت، وقلعة بني حماد، والمسيلة،وطبنة، وبسكرة، ومن قرأ هذه التواريخ علم أيّة سمات خالدة وسم بها الإسلام هذا القطر"44.

عملالمستدمرمنذ احتلاله للجزائر على القضاء على الإسلام عن طريق مصادرة الأوقاف الإسلاميةبالعاصمة بكلّ أنواعها وإلحاقها بأملاكه؛ أي الدولة المحتلة45، كما حوّل المساجد إلى كنائس، ثمّ أرسل البعثات التبشيرية التي سعت بكل وسيلةلمحو الإسلام من قلوب الجزائريين وعقولهم.

وقد نتج عن ذلك ظهور الأمية بشكل واسع في الجزائر، وهذا الوضع عززته سطوةشيوخ الطرقية التي تحالفبعضها مع المستدمر؛ حتى غدت سيفه المسلول المسلط على رقاب الجزائريين؛ فانتشرت الخرافات والانحرافات.

إزاء هذا الواقع القاتمسطع نور جمعية العلماء المسلمين الإصلاحية التيرفعت لواء إحياء مجد الإسلاموقد كان من أهم أولوياتها، ومبادئها، وأهدافها الدفاع عن الدينوربط الجزائر بماضيها، يقول الشيخ البشيرالإبراهيمي: "إنّ جمعيتكم هذه أسّست لغايتين شريفتين لهما في قلب كلّ عربي مسلم بهذا الوطـن مكانة لا تساويها مكانة، وهما: إحياء مجد الدين الإسلامي، وإحياء مجد اللغة العربية"46، ثمّ يضيف قائلا: "فأمّا إحياء مجد الدين الإسلامي فبإقامته كما أمر الله أن يقام بتصحيح أركانه الأربعة: العقيدة، والعبادة، والمعاملة، والخلق فكلّكم يعلم أنّ هذه الأركان قد أصبحت مختلة، وأنّ اختلالها أوقعنا فيما ترون من مصائب وبلايا وآفات"47.

لقد اختلت الديانة وضعف الوازع الديني،وهو ما أدّى إلى انتشار الخرافاتالتي صيّرت العبادات جسدا بلا روح48،ومن هنا جاءت دعوة الشيخالإصلاحية التي ترمي إلى إحياء هذا الدينالذي يقوم على الإصلاح49ولهذا نجدهفي خطبتهالاحتفالية بمناسبة تكريم الشيخ ابن باديس يقول: "إنّ دينكم دين إصلاح وسبب إصلاح، ومظهر إصلاح"50، يؤكد  الشيخ  - في هذا القول- على أنّ دين الإسلامدين إصلاح سببا ومظهرا وذلك من خلال القياس التالي:

المقدمة الكبرى: إنّ دينكم دين إصلاح

 

 

المقدمة الصغرى: سبب إصلاح ومظهر إصلاح

 

 

النتيجةالضمنية:إنّ دينكم دين إصلاح سببا ومظهرا فاسعوا إلى الإصلاح.

 

نلحظمن هذا القياس أنّ فكرة الإصلاح تمثل -عند الشيخ - غاية حجاجية أساسية في خطبه51؛ حيثسعى إلى دفع المخاطب إلى إصلاح حاله بتقوية شعوره الديني، وهو الهدف الذي يصبو إليه المصلح، يقول الشيخالبشير الإبراهيمي مخاطبا جمعا من الحاضرين بمناسبة افتتاح مسجد سطيف سنة 1931: "أنّ أوكد الواجبات على كلّ من يريد الإصـلاح لهذه الأمّة، هو تقوية الشعور الديني في نفوس الأفراد؛ لأنّ الناحية الدينية هي النّاحية التي يسهل على المصلح استمالة الجمهور إليها، فإذا مال الجمهور إليها سهل جذبه بها إلى ما يراد به من خير وإصلاح"52، وبذلك يكون الإصلاح بتقوية الشعور الديني طريقا لرد الأمة إلى ما كانت عليه من صلاح  في دينها، وهذا لا يتحقق - حسب رأيه- إلاّ بشيئين هما:1-بناء المساجدالتي تعدّ منابر للدعوة والإصلاح 2-الدروس والمحاضراتالتي تنشر الوعي الديني بين أبناء وطنه53.

ولعلّ تركيز الشيخالبشيرالإبراهيمي على الإصلاح الديني في خطبه مردّه-كما ذكرنا سابقا -إلى اختلال العقيدة والعبادات، إذ نجده ضمن خطبته "جمعية العلماء دعوتها وغايتها"-سنة1933-يصوّر الحالة المتردية التي آلت إليها حالة الدين الإسلامي في الجزائر بسبب تأثير المبشرين وبعض شيوخ الطرقية، ومانتج عنه من اختلال العقائد والعبادات، يقول:"اختلت العقائد ولابسها هذا الشوب من الخرافات والمعتقدات الباطلة؛ فضعفت ثقتنا بالله ووثقنا بما لايوثق به"54، عبر الشيخ عن ذلك الاختلال بالقياس الآتي:

المقدمة الكبرى: ضعفت ثقتنا بالله

 

 

المقدمةالصغرى: ووثقنا بما لا يوثق به

 

 

النتيجة(الضمنية): وثقنا بغير الله فضعفت ثقتنا واختلت عقائدنا ولابسها الشوب من الخرافات

 

من خلال هذا القياس يبيّن الشيخ أنّ اختلال العقيدة مرتبط بضعف الثقة بالله؛ لأنّ العقيدة هي أساس الدين ولذلك فأوّل ما يجب إصلاحه هو تلك العقيدة عن طريق تنقيتها من شوب الانحرافات، وهو ما سعى إلى تحقيقه ولا يقتصر الاختلال علىالعقيدة بل لقد انسحب أيضا على العبادات والأحكام،يقولالشيخالبشيرالإبراهيمي: "اختلت العبادات فخوت النّفوس من تلك الآثار الجليلة التي هي سرّ العبادة، والتي هي الباعث الأكبر على الكمال الروحي، واختلت الأحكام فانتهكت الحرمات، واستبيحت المحرمـات، وتفكّكت روابط الأسرة الإسلامية"55، في هذا القول يقيم الشيخ البشير حجاجه على أساس ربط النتائج بالعلل أو الأسباب56. فاختلال العبادات مثلا أدى إلى فراغ النفوس من الآثار الجليلة حتى صارت جوفاء؛ أي أنّ فراغ النفوس من الآثار الجليلة نتيجة حتمية لاختلال العبادات، وهذه حجّةنفعية قائمة على ربط الأسباب بنتائجها بغية توجيه سلوك المخاطب نحو الاهتمام الحقيقي بمضمون العبادات.

والأمر نفسه نلحظهفي اختلال الأحكامالذي نتج عنه انتهاك الحرمات، واستباحة المحرمات، وكذا تفكك الروابط الأسرية، ويمكن التمثيل لهذه الحجة النفعية بالآتي:

اختلال الأحكام  انتهاك الحرمات واستباحة المحرمات وتفكك الروابط الأسرية...

خلاصةالقول:يعدّ الاختلال السبب الرئيس في تلك النتائج؛ سواء أكان في العقائد، أم العبادات، أم الأحكام.

ومن هنا كان هدف الشيخ البشيرالإبراهيميبعرضه لهذه الحجج النفعية هوإبراز دور جمعية العلماء في إصلاح واقع الفساد الديني الذي تفشى في تلك الفترة، وما صاحبه من اختلالات على صعيد العقيدة والعبادة57.

هذا الدور بدأ يبرز مع فكرة الإصلاح التي تبنتها الجمعية من خلال إحياء مجد الدين الإسلامي،  وقد جرّ عليها ذلك نقمة المبشرين؛ لأنّ "هذا التبشير المسيحي (الإنساني) يرى أنّ أعدى عدوّ له المصلحون المسلمون لأنّهم يدعون إلى الإسلام النّقي"58، ولذلك اتخذ  الشيخ البشيرالإبراهيمي الإصلاح الديني منهجا لتقويم  عبادة الأمة وعقيدتها وفق المنهج الصحيح، منطلقا من أنّ"مبدأ جمعية العلماء المسلمين هو الإصلاح الديني بأوسع معانيه"59والذي يشمل  جوانب كثيرة: كالجانب العقدي والاجتماعي والعلمي...

وبذلك استطاعت الجمعية بقيادةالشيخ البشيرالإبراهيمي أن تبطل مشاريع الاستدمار التنصيرية التي سعت للقضاء على هذا الدين، يقول أحدحكام فرنساإبّان احتلال الجزائر: "إنّ أيام الإسلام قد دنت، وفي خلال عشرين عاما لن يكون للجزائر إله آخر غير المسيح"60.

إجمالا نقول: إنّ مبدأ الإصلاح الديني كان يعدّ هدفا حجاجيا بارزا في خطب الشيخ البشيرالإبراهيمي.

يضاف إلى هذه الغاية غايةأخرى مرتبطة بها ألا وهي:

3-الحفاظ على اللغة العربية

عكف المستدمرمنذ بداية احتلاله للجزائر على محاربة الدين الإسلامي،وذلك من خلال محاولته القضاء على

لسان هذا الدين،والمتمثل في اللغة العربية التي هي لسان القرآن، والجامعة لهذه الأمّة الجزائرية61؛إذ عمد(المستدمر) إلى تجهيل الشعب الجزائري،وتغيير هويته العربيةبحرمانه من حقّه في التعليم الأصلي، واستبدال المدارس العربية بمدارس فرنسية، وذلك بغرض تغيير انتمائه العربي، وقد نتج عن هذا ضياع اللغةالناقلة والحاملة للدين والتراث والتاريخ، وهو ما عبر عنه الشيخ البشيرالإبراهيميبقوله: "كلّكم يعلم أنّ هذا اللسان ضاع من بيننا، فأضعنا بضياعه كلّ ذلك التراث الغالي والنفيس من دين وتاريخ"62.

ومن هذا المنطلق، دعا في خطبته"جمعية العلماء دعوتها وغايتها" إلى إعادة بعث اللغة العربية وإحيائها قائلا: "أمّا إحياء مجد اللسان العربي؛ فلأنّه لسان هذا الدين والمترجم عن أسراره ومكنوناته؛ لأنّه لسان القرآن الذي هـو مستودع الهداية الإلهية العامة للبشر كلّهم؛ لأنّه لسان محمد بن عبد الله...لأنّه لسان تاريخ هذا الدينومجلي مواقع العبر منه"63، يؤكد الشيخ في هذا القول على أهمية اللغة العربية ومكانتها العظيمة في الدين من خلال حجّةالتقسيمالتي تقوم على تعداد الأجزاء وتقوية حضورها حتىّ تكون الحجّة مقنعة، وهو ما نلمحه في قوله هذا64.

إحياء مجد اللسان العربي بعدّه أولا: لسان هذا الدين، وثانيا: لسان القرآن، وثالثا: لسان محمد بن عبد الله، ورابعا:لسان تاريخ الدين، فإذا نظرنا إلى أجزاء هذه الحجّة فإنّنا نجد أنّ إحياء مجد اللسان العربي يكون فيه إحياء للدين، وللقرآن، ولمحمد بن عبد الله، وكذا تاريخ الدين.

ومن هنا عدت اللغة العربية -في نظرالشيخ -أساس الوجود والجامع الرئيس لهذه الأمة، يقول: "إنّ اللغة هي المقوّم الأكبر من مقومات الاجتماع البشري، وما من أمّة أضاعت لغتها إلاّ وأضاعت وجودها، واستتبع ضياع اللغة ضياع المقومات الأخرى"65،مما يقتضيضرورة المحافظة عليها، ولهذا حثّ(الشيخ) على العناية بها قائلا: "يأبى لكم الله والإسلام أن تضيعوا لغة كتاب الله ولغة الإسلام"66، وهنانلحظحجّة قياسية تفصيلها على النحو الآتي:

المقدمة الكبرى:يأبى لكم الله والإسلام أن تضيعوا لغة كتاب الله

المقدمة الصغرى: ولغـة الإســلام

 

 

 

النتيجة (الضمنية): إذا يأبى الله والإسلام أن تضيعوا اللغة فحافظوا عليها

 

من خلال هذه الحجّة أراد الشيخ دفع المخاطب إلى المحافظة على اللغة العربية التي تمثللسان القرآن والدين،ولذلك كان يحرص على إلقاء خطبه ودروسه باللغة العربية الفصيحة، وكانت غايته تحقيق غرضين حجاجين هما:أ- بيان فضل اللغة العربية ودورها الهام في التوصيل، والرد على الطاعنين فيها بخاصة ممن تعلموا باللغات الأجنبيةب- التأثير في المخاطبين67،  وهو ما يؤكده بقوله: "ولقد بدأت دروسي ومحاضراتي في تلمسان بالعربية الفصحى، وأخذت على نفسي بذلك أخذا أصل فيه درجة الإغراب أحيانا، وكان لي من وراء ذلك الالتزام غرضان"68.

أ-الغرض الحجاجي الأول:بيان فضل اللغة العربية ودورها الهام في التوصيل، والرد على الطاعنين فيها

تعدّ اللغة العربية عند الشيخ البشير لغة علم وحضارة69، ولهذا سعىإلى "إقامة الدليل للمتعلمين باللغات الأجنبية على أنّ الفصحى لا تعيا بحمل المعاني مهما تنوعت وعلت، وأنّها تَبُذُّ اللغات في ميدان التعبير عن الحقائق والخيالات والخواطر والتصورات، وقد بلغت من هذا الغرض ماأريد"70،وكانت غايته (الشيخ) في ذلك إبراز مكانة  للغة العربية في المجال العلمي والحضاري، والدفاع عنها والدعوة إلى المحافظة عليها، وهذا ما نجدهضمن خطبته "العربية فضلها على العلم والمـــَدَنِية وأثرها في الأمم غير العربية"71؛حيثيورد جملة من الأدلة المبينة لفضلها منها قوله: "قامت اللغة العربية في أقل من نصف قرن بترجمة علوم هذه الأمم ونظمها الاجتماعية وآدابها فوعت الفلسفة بجميع فروعها، والرياضيات بجميع أصنافها، والطب، والهندسة، والآداب، والاجتماع، وهذه هي العلوم التي تقوم عليها الحضارة العقلية في الأمم الغابرة والحاضرة"72، ويشير هذا الكلام إلى ما تحمله اللغة العربية من إمكانات بيانية وعلمية تؤهلها لأن تكون لغة علم وحضارة،وفي ذلك ردعلى الحاقدين والطاعنيين فيها.

وبناء عليه، فإنّ تأكيد الشيخ على منزلة اللغة العربية في ميدان العلم والحضارة يدّل على قيمتها العلمية والحضارية، فهي بمثابة الكنز الذي يجب المحافظة عليه.

ب-الغرض الثاني: التأثير في المخاطبين                                                                                                  

عرف الشيخ البشير الإبراهيمي بلغته الفصيحة التي كانت تشدّ السامعين وتأسرهم، وقد وصفه محمد

العيد أبلغ وصف قائلا73:

أخجلت أقطاب البيان فمن يكن *** سحبان أوقُسـًا يلاقك باقـلا

أدركت في الفصحى مدارك لم يكن*** في العصر ذو أدب إليها واصلا

اتّخذ الشيخ البشير اللغة وسيلة للتأثير في السامعين بدفعهم نحو استنهاض الهمم للاهتمام بها (اللغة)، يقول: "والغرض الثاني أن أحدث في نفوس العامة المحبّين للعلم والدين أسفا يقض مضاجعهم فيدعهم إلى تدارك ما فاتهم منها في أبنائهم"74،وقد استطاع بلغتهأن يسحر مستمعيه؛إذ كان يتلمس "من عامة السامعين حسن إصغاءينبئ باهتمام عميق"75إلى درجة أنّه حينما يتكلمبالعامية في بعض الدروس يجد السامعين قد استهجنوها ونبت عنها أذواقهم.

خلاصة القول: إنّ امتلاك الشيخالبشيرالإبراهيميلناصية اللغة مكنه من كسب استمالة المخاطب وإقناعه بالقضايا التي يطرحها، ومن أهمها ترسيخ فكرة الانتماء إلى الأمّة الإسلامية العربية، وذلك بفضل حسن بيانه وقوّة حجّته.

       يتضح ممّا تقدم ذكره،أنّ توظيفالشيخ البشير لحجّة القياس في خطبهمرتبطبتحقيق ثلاثة أهدافحجاجية متداخلة هي:التمسك بالهوية الجزائرية، ومحاربة الاستدمار،وإصلاح الدين، وكذا المحافظةعلى اللغة العربية، وهذا ما نلمحه فيشعار جمعية العلماء: الجزائر وطنا، والإسلام دينا، والعربية لغة.

ومن الحديث عن القياس ننتقل إلى حجة نصية أخرى هي:

2_ المثل

يعدّ المثل نوعا من القياس، وهو حجّة تستمد قوّتها من المشابهة التي تؤدّي إلى نتيجة مقنعة، يقول محمد العمري: "المثل حجّة تقوم على المشابهة بين حالتين في مقدّمتها، ويراد استنتاج نهاية إحداهما بالنظر إلى نهاية مماثلتها"76، ومن ثمّ يصبح المثل كالدليل الذي يكون ماثلا وشاخصا في ذهن المخاطب على القضية التي يطرحها المتكلم، ولذلك يؤدّي وظيفة بيانية وحجاجية، وهو ما يشير إليه الجرجاني بقوله: "إن كان حجاجا كان برهانه أنور، وسلطانه وبيانه أبهر"77، ولهذا يوظف المثل إمّا لأجل تأييد قضية أونفيها، وذلك عن طريق المشابهة التي تحقق تلك الغاية.

نجد فيخطب الشيخ البشيرالإبراهيميجملة من الأمثلة، نذكر منها: ما ورد في  خطبته الافتتاحية لمسجد سطيف، يقول:"أيها السادة: إنّ لله في هذا الجامع حكمة،فقد كان مصداقا للمثل الذي ضربه نبينا صلى الله عليه وسلم بحال الثلاثة الذين دخلوا عليه وهو جالس مع أصحابه"78، ثم يضيف قائلا: "فيما روينا في صحيح البخاري: فأقبل عليه اثنان منهم وأعرض الثالث، ووجد أحد الرجلين فرجة فجلسفيها،وجلس الآخر خلف الصفاستحياءً، فلّما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديثه، قال:ألا أخبركم عن الثـلاثة؛أمّا أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله،وأمّا الآخر فاستحيا فاستحياالله منه،وأمّا الثالث فأعرض فأعرض الله عنه"79، يستشهد الشيخ البشير ضمن هذا القول بشاهد تاريخي وقع في زمن النبي(صلى الله علية وسلم)،وقد استطاع أن يصوّر بواسطته حال النّاس في تشييد مسجد سطيف، فهناك  طائفة أسهمت في بناء المسجد وأخرى أعرضت،  فكان ذلكشبيه بحال الثلاثة الذين قدموا إلى مجلس النبي الكريم،أين اقترب الأول والثاني، وأعرض الثالث،وهذا هو الجامع بينهما، وقد أضاف هذا المثل قوةإقناعية مكنت الشيخ من تجسيد صورة الناس في الإقبال على الخير، والإعراض عنه بصورة ماثلة في ذهن السامع هي صورة الثلاثة الذين دخلوا مجلس رسول الله، وهو مازاد في درجة إقناع  السامع، ويمكن توضيح ذلك من خلال المبيان الآتي:

التمهيد: حال الناس في المساهمة ببناء المسجد

 

 

النتيجة:إقبالطائفة وإعراض طائفةأخرى

الحجّة (المثل):حال الثلاثة الذين قدموا إلى مجلس رسول الله

 

       
 


ومن هنا نلحظ قوّة حجاجية التمثيل ودوره في إحداث الإقناع والتأثير، ولذلك احتج به (المثل) الشيخ البشيرفيبعض المواضع من خطبه؛ إذ نجده ضمن سياق خطابي آخر يحاجج عن نجاح الجمعية في تجاوز العقبات والعوائق، بقوله:"أيهاالإخوان: أما وقد جاوزت جمعيتكم خمس مراحل من وجهتها الموفقة،...ولقيت من العوارض والعوائق ما ذللته العزائم ومهدته الهمم...فكانت عليها كنار الخليل بردا وسلاما"80.

يبرزالشيخ البشير-في هذا النص-نجاح الجمعية بتجاوزها للعوائق والعقبات من خلال استدلاله بمثل تاريخي يتمثل في"نار الخليل بردا وسلاما"، فكان ذلك خير دليل على نجاحها، ويمكن توضيح هذا الاستدلال عن طريق المبيان الآتي:

التمهيد: تجاوز الجمعية للعوارض والعقبات

 

 

النتيجة:نجاح الجمعية في تجاوز العقبات بفضل عزائم رجالها

 

الحجّة(المثل): نار الخليل بردا وسلاما

 

         
 

سعى الشيخالبشيرمن خلال توظيفه لهذا المثل إلى تبرير نجاح الجمعية في تجاوزها للمصاعب والعقبات ولذلك كانت للجمعية مكانة كبيرة في قلوب الجزائريين؛ لأنّها نشأت في ظروف عصيبة مرّ بها هذا الوطن العزيز وهو ما يؤكده (الشيخ) بقوله:"إنّ هذه الجمعية كالسحاب ساقه الله إلى بلد ميت، فلا يقلع حتّى يحييه، وإذا كان إحياء المطر للأرض معنى فوق التحديد، فكذلك معنى هذه الجمعية،وإنّ سائق المطر للبلد الميت هوسائق هذه الجمعية لهذا الوطن المشرف على الموت"81، ثم يضيف قائلا: "وإنّ جاعل المطر سببا في إحياء الأرض هو جاعل هذه الجمعية سببا في إحياء هذا الوطن،فليكفكف المبطلون من غلوائهم، وليقصر المرجفون عن إفكهم، وليعلموا أنّه لا راد لما سائقه الله، وأنّهم ليسوا وإن اجتمعوا بمعجزي الله"82.

يؤكّد الشيخ البشير ضمن قولهعلى مكانة الجمعية ودورها الفاعل في إحياء هذا الوطن، وفي ذلك ردّ على الطاعنيين في دورها (الجمعية) الرّيادي، وقد استدل على ذلك بالمثل التشبيهي؛ إذ شبهها بالسحاب الذي يسوقه الله سبحانه وتعالى؛ فيحمل المطر إلى الأرض البور، أو الميتة ليحييها،وهو ما ينطبق على حال الجمعية التي ساقها الله لتحيي أمجاد هذا الوطن الميت، فالجامع بينهما (الجمعية والسحاب) النفع، وفي ذلكحجّة ساطعة ودليل واضح على منزلة الجمعية ودورها الريادي في بنائها لصرح الوطن، وفيها رد صريح على الطاعنين أو المتربصين بالجمعية الذين لا يستطيعون رد قضاء كتبه الله، فهم عاجزون عن ذلك، ويمكن بيان هذا الأمر عن طريق المبيان الآتي:

التمهيد: سوق الله سبحانه الجمعية لإحياء هذا الوطن             

 

 

النتيجة: دور الجمعية الريادي في إحيائها لهذا الوطن الميت

 

الحجة (المثل): سوقه سبحانه وتعالى السحاب والمطر إلى الأرض الميتة لإحيائها

 

 

 

قد يوظف الشيخ البشير المثل التشبيهي في بعض المواضع من خطبه لمحاججةالخصوم، وخاصة الطرقية التي عاث بعض شيوخها فسادا بالجزائر، يقول: "كيف تجتمع وللشيوخ فيها ما للذئاب الضارية في قطيع الغنم؟ أم كيف تجتمع والشيوخ قد قسموها إلى مناطق نفوذ؟وأحاط كلّ شيخ رعيته بأسوار منيعة من الترغيب والترهيب؟"83؛ يصوّر (الشيخ)في هذا القول مكر شيوخ الطرقية الذين ادّعوا أنّهم دعاة وحدة عن طريق تشبيههم بـ"الذئاب الضارية في قطيع الغنم"؛ إذ قسموا الجزائر إلى مناطق نفوذ أو إقطاع، هدفها السيطرة وتحقيق المصالح الشخصية. وهذه الصورة جسدت بشكل جلي حقيقة بعض شيوخ الطرقية الذين صاروا ذئابا تنهش من لحم هذا الوطن الجريح، وفي ذلك حجّة قاطعة على مكرهم وخداعهم، وهو ما نبيّنه من خلال المبيان الآتي:

التمهيد:تقسيم بعضشيوخ الطرقية الجزائر إلى مناطق نفوذ وسيطرة

 

النتيجة: مكر وخداع  بعض شيوخ الطرقية الذين سعوا إلى تحقيق أطماعهم على حساب هذا الوطن الجريح.

 

 

 

الحجّة(المثل):حال الذئاب الضارية في قطيع الغنم

 

 

 

عن طريق هذا المثل التشبيهي الذي صاغه الشيخ البشير ارتسمت في ذهن السامع حقيقة بعض شيوخ الطرقية باستحضارهلصورة الذئاب التي ترمز إلى بعض شيوخ الطرقية، وماتحمله من مكر وخداع، وصورة الغنم التي ترمز إلى الوطن الجريح، وفي هذا التمثيل التناسبي حجّة ودليل للسامع على مكرأولئك الطرقيين.

خلاصة القول: يعدّ المثل دعامة حجّية تبريرية استند إليه الشيخالبشيرضمن خطبه؛ لكي يقنع السامع بجملة من القضايا منها: المساهمة في بناء المساجد، والتأكيد على دور الجمعية الريادي في هذا الوطن، وكذا نجاح الجمعية بتجاوزها العقبات، فضلا عن الرد على الخصوم مثل: بعض شيوخ الطرقية وغيرهم.

 يضاف إلى القياس الخطابي والمثل حجج نصية أخرى وظفها الشيخ البشير في خطبه،من ذلك الشواهد القرآنية، والحديث، والشعر، والحكم...

ب-الحجج النصية الجاهزة

 تسمى هذه الحجج النصية حججا جاهزة؛لأنّها موجودة وحاضرة في السياق الثقافي للخطيب، ومن ثمّ يقوم باختيارها وتوجهيها لتخدم استدلاله وغرضه،فهي تكتسب مصداقيتها(الحجج) من مصادرها ومصادقة النّاس عليها، ويدخل فيها تضمين الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وأبيات الشعر، والأمثال، والحكم ولهذ افــــ"هي حجج جاهزة تكتسب قوتها من مصدرها، ومن مصادقة الناس عليها وتواترها، وتدخل الخطيب ينحصر في اختيارها وتوجيهها إلى الغرض المرصودة للاستدلال عليه"84.

      والمتأمل في خطب الشيخ البشيرالإبراهيمي يجد توظيفا كثيفا لهذه الحجج النصية الجاهزة، وهو ما يؤكده أبو القاسم سعد الله بقوله: "أمّا خطابة الإبراهيمي فتميزت بالطابع الأدبي والبلاغي، واستحضار المحفوظات والشواهد، وكان مؤثرا في الخاصة أكثر من العامة، وهو يجيد النكتة السريعة واللمحة الدالة"85، لذلك فإنّاستحضارالشيخالبشير لتلك الشواهد في خطبه مرده إلى سعة ثقافته الإسلامية واطّلاعه على التراث العربي86.

   وفيما يلي عرضلهذه الحجج النصية الجاهزة بحسب قوة درجة حجيتها:

1-الشّاهد القرآني

يعدّ القرآن منبعا للاستشهاد والاحتجاج، يقـول الزركشي:"اعلم أنّ القرآن العظيم قد اشتمل على جميع أنواع البراهين والأدلة"87؛ولهذاعدّ الشاهد القرآني في مقدمة الحجج الإقناعية نظرا لما يكتسبه من خصوصية ومصداقية لدى السامع العربي الذي يستحسن: "أن يكون في الخطب يوم الحفل، وفي الكلام يوم الجمع آي من القرآن؛ فإنّ ذلك مما يورث الكلام  البهاء والوقار والرقة وسلس الموقع"88،وبهذا أصبح الشاهد القرآني عنصرا أساسيا ضمن الخطبة؛لأنه يؤثر على  المخاطب فيجعله أسير تلك الخطبة؛ يقول الشيخ البشير:"وكنت أرى من عامة السامعين حسن إصغاء ينبئ باهتمام عميق،فأتأوّله على أنّه تأثر بالآيات والأحاديث التي يكثر تردادها في الدرس مـنزلة على ما سيقتله، والتأثر بكلام الله وكلام رسوله طبيعي في المسلم،  وكم كنت أخشى أن ينفضوا من حولي يوما لعدم فهم ما يسمعون، لولا أنّني آو إلى ركن شديد من كلام الله ورسوله"89.

فالشاهد القرآني يؤدي وظيفتين: الأولى إحالية؛ حيث يشير إلى نص مشترك بين الخطيب والسامع،وهذا ما يسهم في تحقيق الإقناع، والثانية: تأثيرية حجاجية؛ تهدف إلى جذب انتباه السامع من خلال استحضار معانيودلالات الشاهد القرآني وتوجيهها نحو الغاية التي يؤمّها الخطيب، وهذاما دفع الشيخالبشيرالإبراهيمي إلى توظيفه(الشاهد) في خطبه، لاسيما الدينية منها، وفيمايلي عرض لجملة من الشواهد القرآنيةالتي استدل بها.

ففيخطبة جمعية مثلا يستحضر مجموعة من الحجج النصية القرآنية،وذلك في معرض دعوته إلى التقوى واتباع هدي الرسول الأمين والتمسك به، يقول مخاطبا جمعا من المصليين:"أيها النّاس اتقوا الله تعالى حقّ التقوى وحافظوا على حدوده في السرّ والنّجوى، وامتثلوا أمر ربـّكم الـذي أكسبكم فخرا وتعظيما"90،مستدلا بقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾91،وفي هذا بيان وتأكيد على أهمية التقوى والتأسي بالرسول الكريم علـيه السلام، الذي كان متبعالأمر ربه؛ فاستحق بذلك الثناء والتعظيم منهسبحانه تعالى؛ لأنّ التقوى هي أساس العبادة والنجاة من النار .

ثمّ انتقل الشيخ البشير بعد ذلك إلى الدعوة إلى الاتحاد والتآلف، وترك الضغائن والأحقاد،ونشر روح التسامح والتراحم، يقول:"فأقيموا القصد في التقرب من بعضكم، ودعوا الأحقاد والتباغض،وأسبلوا على ما فرط من بعضكم للبعض أذيال الستر والعفو، والزموا خلق الرضا والصفح، فكونوا عباد الله رحماء بينكم"92، ثم ساق قوله تعالى﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾93، وتتضمن هذهالآية الكريمة ذكرى وعظة للمؤمنين تبث فيهم روح الأخوة والتآخي، وتنبذدعاوى الفرقـة والخلاف،وفي ذلك دعوةللوحدة والتآخي، وهذا ما يدعو إليه الشيخ البشير الإبراهيمي.

ويختم خطبته الجمعية بدعاء الضراعة إلى اللهبالثبات على الدين والبعد عن الزيغ،مستحضرا قوله تعالى﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾94، وهذا هو دعاء المرسلين ورجاء المنيبين ولكن الثبات -في نظره- لا يتحقق إلا بفعل الطاعات واجتناب المعاصي95، وهنا نلحظ أنّ إيراد الشيخ لهذه الآية آخر الخطبة يهدف إلى جذب السامع بأحسن الحديث ألا وهو كلام ربّنا سبحانه، متأسيا بديدن الخطباء الأوائل في ترتيب أجزاء الخطبة؛ إذ إنّه (الشيخ البشير)استفتح الخطبة بالحمد والثناء على الله ثمّختمها بالدعاء، والغاية من هذا كلّه استمالة السامع.

وبناء عليه، يهدف توظيف الشيخ البشير للحجج النصية القرآنية في خطبته الجمعية إلى تحقيق غرض حجاجي يتمثل في الوعظ والإرشاد من خلال دعوةالسّامع إلى اتباع نهج القرآن والتخلق بفضائله وآدابه.

ومن المناسبات التي نلمح فيها استحضار الشاهد القرآني خطبته التي ألقالها في الاجتماع السّنوي للجمعية بعد مرور ثلاث سنوات من تأسيسها؛أين عرض جهود الجمعية وإنجازاتها، ومن أهمها إحياءها لدين الله في هذا الوطن العزيز، ونشرها للعقيدة الصحيحة من خلال تبني نهج الإصلاح، في وقت عاثت فيه بعض شيوخ الطرقية فسادا وإفسادا بالدين عن طريق نشر الخرافات؛ حتى غدوا سيف المستدمر الجاثم على أعناق الجزائريين، ولذلك حينما ظهرت الجمعية التي فضحت زيفهم ونزعت عنهم الحجاب الذي كانوا به يتسترونناصبوها العداء ورموها بالضلال96، وادّعوا أنّها "فرقت كلمة الأمة، وجلبت عليها الاضطراب والفتنة والتشويش"97،وقدفندالشيخ البشيرالإبراهيميتلك المزاعم من خلال رده على شيوخ الطرقيةومحاججتهمبالحجّة القاطعة والبيان الكاشف قائلا "لو أنّ هذه الطائفة أوتيت قليلا من الرشد والإنصاف لكانت للجمعية مكان الأخ من أخيه،ولحمدوا لها سعيها في خدمة الأمة،ولعادوا من نحلهم المفرقة إلى دعوتها الجامعة، التي هي دعوة الله لخلقه على لسان أنبيائه ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾[i]"99، وهنانلحظ دقة استدلالهبهذه الآية في هذه المناسبة؛ إذ إنّشيوخ الطرقية-كما يرى - يعلمون ضلالهم، ولكنّهم يستمرون في غيهم وضلالهم حفاظا على المصلحة الشخصية دون النظر إلى عواقب ذلك الضلال على الإسلام والمسلمين،وما ينتج عنه من آثار وخيمة،وهذا الحال شبيه بحال أحبار اليهود والنصارى الذين كتموا حقيقة النبي وهو موجود في كتبهم المقدسة.

لقد أضفى استدلال الشيخالبشير الإبراهيمي بالآية الكريمة-في هذا الموقف-حجّية على كلامه انطلاقا من هذا الترابط النصي والمقابلة التناسبية التي جمعتبين موقف شيوخ الطرقيةمن علماء الإصلاح، وبين موقف أحبار اليهود والنصارى تجاه شأن النبي الكريم، وهذا يعكس -فيالحقيقة-سعة ثقافة البشير الدينية وبراعته الحجاجية.

نستنتج مما سبق ذكره أنّ الشيخ البشير الإبراهيمييملك ثقافة دينية واسعة تجلت من خلال محفوظه من الشواهد القرآنية التي استثمرها في بناء حججه؛ لأنّ القرآن-في نظره -يؤثر على العقولوالقلوب، ولهذا استمد منه كثيرا من الشواهد والاقتباسات التي خدمت غرضه الحجاجي والمتمثل في الإصلاح، يقول: "القرآن هو الذي أصلح النفوس التي انحرفت عن صراط الفطرة، وحرّر العقول من رقبة التقاليد السخيفة...القرآن إصلاح شامل لنقائص البشرية الموروثة بل اجتثاث لتلك النقائص من أصولها"100.

ومنه نقول: إنّالشاهد القرآني يعدّ مرجعا حجاجيا للشيخ البشير نظرا لما يحمله من تأثير وإقناع؛إذ أنّه حافل (القرآن) بالحجج والبراهين المؤثرة، يقول حمد بن إبراهيم العثمان: "قد تنوعت أساليب القرآن، وتعددت فيتقرير الحق وإبطال الباطل على وجه معجز لانظير له،وفيه الدلالة الواضحة البيّنة لقواعد وأصول الجدل والمناظرة؛ ذلك بما جاء فيه من الأدلة العقلية الصريحة ...ومن ضرب الأمثال"101.

بعد الحديث عن الحجج النصية القرآنيةفي خطب الشيخ البشير ننتقل إلى الحجج النصية النبوية.

2-الشاهدالنبوي

تعدّالنصوص النبوية حجّة؛ لأنّها صادرة عن وحي ثان؛ حيث تستمد حجيتها من قائلها عليه الصلاة والسلام (الرسول المبلغ عن الله تعالى)، وعلى هذا الأساس سعى الشيخ البشيرالإبراهيمي إلى استثمار حجية النص النبوي في حجاجه ضمن خطبه.

نلحظ في خطبه استشهادا واقتباسا من النصوص النبوية - وإن كانت قليلة مقارنة بشواهدهالقرآنية-من ذلك ما نجده في خطبته بمناسبة افتتاح مسجد سطيف؛ إذ يقول:"أيها السادة: إنّ لله في هذا الجامع حكمة فقد كان مصداقا للمثل الذي ضربه نبينا صلى الله عليه وسلم بحال الثلاثة الذين دخلوا عليه وهو جالس مع أصحابه"102ثمّ يضيف قائلا: "فيما روينا في صحيح البخاري: فأقبل عليه اثنان منهم وأعرض الثالث، ووجد أحد الرجلين فرجة فجلس فيها،وجلس الآخر خلف الصفاستحياءً، فلمّا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديثه، قال:ألا أخبركم عن الثلاثة،أمّـا أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله،وأمّا الآخر فاستحيا فاستحياالله منه وأمّا الثالث فأعرض فأعرضه الله عنه"103.

يصوّر الشيخ البشيرفي هذا القول حال المسهمين في بناء مسجد سطيفالذين بذلوا المال ابتغاء مرضاة الله وصبروا على كيد الكائدين، مستدلا على ذلك بالحديث الشريفالذي يعكس حقيقة حالهم؛ أي حالالمسابقينمن المحسنين الذين قدمواالنفس والنفيس خدمة لهذا الدين، في وقت تقاعس كثيرون عن دعمهم ومساعدتهم104.وبناء عليه، فإنّ استحضارهللنص النبوي ضمن هذا السياق مرتبط بغرض حجـــــاجي ألا وهو:

ترغيب النّاس في المساهمة بالبذل والعطاءلبناء بيوت الله، وكذا الصبر والثبات على الحق ابتغاء لوجه الله.

      لكن في المقابل إذا كانيستدلبالنص النبوي الصريح في حجاجه، فإنّهقد يلجأ أيضا إلى الاقتباس منهوالتمثل بمعانيه وألفاظهفي أسلوب كلامه، ومن ذلك اقتباسهضمن خطبته التأبينيةمـن الحديث الشريف، يقول: "يا ساكن الثرى نم هنيئا في جوار ربّك، فهذا آخر العهد بشخصك الكريم، ولكنّه ليس آخر العهد بآثارك الخالدة، وإنّا عليك يا محمد لمحزونون"105، وفي هذا القول يبرز حزنه العميق على فراق محمد بن شنب الذي مات وترك آثاراتخلد ذكراه من خلال قوله: "وإنا عليك يا محمد لمحزونون"؛ حيث استلهم ذلك من الحديث النبوي، قال صلى الله عليه وسلم في موت ابنه إبراهيم: "إنَّ العين تدمع، والقلب يحزن ولانقول إلاّ ما يرضي ربنّا، وإنّا بفراقك يا إبراهيملمحزونون"106، نجد أنهذا الاقتباس قد أضفى قوّةحجاجيةتناصيّةعلى قول الشيخ البشير؛لأنّ الحديث النبوي يحيل على نص مشترك بين المتكلم والسامع، فضلا عن كونه يحضى بالتسليم من قبل عامة الناسبه، ولهذا كان لاقتباسه تأثير كبير في مخاطبه، يضاف إلى ذلكنجاحه باستثمار مقام التأبين (بمراعاة حالة الحزن العامة) في تصوير حزنه الشديد على فقد العالم الجليل محمد بن شنب وهوما زاد  في درجة التأثير على مخاطبه.

وهكذا، فإنّ تضمينه لحجّة النص النبوي في خطبه مرده إلى خصوصية ذلك النص الذي يؤدي وظيفة حجاجية عن طريق مصادقة وتسليم عامة المسلمين به، فضلا عن الدلالات والمعاني حجاجية التي يحملها.

خلاصة القول؛ يهدف توظيف الشيخ البشير للنص النبوي ضمن سياقات خطبه احتجاجا استشهادا واقتباسا إلى استغلال إمكاناته(الحديث) البيانية والإيقاعية والحجاجية للتأثير في مخاطبه؛ بأن يدفعه نحو استنهاض

 الهمّة لفعلالخيرات،مثل: بناء المساجد والتأسي بأخلاق العلماء الفضلاء الذين خلدوا مآثارهم.

 إلى جانب احتجاج الشيخ البشير بالنص القرآني والنبوي ضمن خطبهنجده يستحضر أيضا الشواهد الشعريةوالحكمية،والوقائع التاريخية.

3_الشّاهد الشعري

للشعر منزلة عظيمة عند العرب؛ فهو يعدّ ديوانهمالحافل بأخبارهم وأيامهم وحكمهم،وعنه قال الرسولصلى الله عليه وسلم: "إنَّ من الشعر حكمة"107، ففيه تأكيد على مكانة الشعر وقوّة حجيته وإقناعه ضمن البنية الثقافية والحضارية للمجتمع العربي، وهذا مادفع خطباء العرب منذ القديم إلى التمثّل بالشعر والاستشهادبه،وهي ظاهرة بارزة في الخطابة العربية108.

لذلك كان للشاهد الشعري في خطب الشيخ البشير الإبراهيمي حضوره البارزسواء أكانمن الشعر العربي القديم أممن الحديث نظرا لما يحمله من تأثير على السامع العربي؛إذ نجده يضمّن خطبه من الأبياتما يناسب سياقه الحجاجي، وكأنها جزء من نص الخطبة، وفي هذا دليل على براعته الحجاجية، وهنا نشير إلىأن شواهده الشعرية قليلة إذا ما قونت مع الشواهد القرآنية أو الحديث النبوي، وفيما يليعرضلبعض الأمثلة:

نلمح في خطبته الافتتاحية لمسجد سطيف تمثّله بالشعر القديم، حينيقول منوها بفضائل الاجتماع: "ولا يخفى أنّ هذه البلدة-ولا نكران للحق -تنقصها فضيلة من أمهات الفضائل: وهي الاجتماع المثـمر للتعارف وقد فاتها بفوات هذه الفضيلة مجموعة من مجاميع الأدب الغالية، وهي آداب الاجتماع، وفاتهـا بفوات ذلك كلّه خير عظيم وهو ما يتمتّع به المجتمعون من ثمرات الاجتماع"109،ويضيف قائلا: "وهذا في الحقيقة نقص معيب وتقصير شائن خصوصا وهو نقص فيما نستطيع الكمال فيه"110، ثم يستدل بقول المتنبي:

 ولم أرَ في عيوبِ الناسِ شيئاً *** كنقصِ القادرينَ على التمامِ111

استدل الشيخ البشير بهذا الشاهد الشعري ليكون حجّة موضحة لقيمة فضيلة الاجتماع الذي فرط فيه أفراد هذاالوطن، على الرغم من قدرتهم على تحقيق ذلك، فكان حالهمشبيها بحال من ذمهم المتنبي؛أي الذين لم يتداركوا النقص وهم قادرون على التمام، ولذلك كان استشهاد الشيخ البشير بهذا البيت مناسبا للمقام  (ذم التقاعس)  ومؤثرا في السامعين؛ فهو أبلغ في تصويرحقيقة ثمرة الاجتماع.

ومن استشهاداتهالحجاجية بالشاهد الشعري ما نجده في خطبة ذكرى المولد النبوي؛حيثيستحضر بعض الأبيات الشعرية لأحمد شوقي التي تمجد هذه الذكرى، يقول البشير: "أيها السادة قرأت كثيرا ممّا فاضت به قرائح الشعراء من القصائد المولدية التي يذكرون بها المسلمين في نشأة دينهم ويجددون عهدهم فيها بميلاد نبيهم...وما زلت أحس بأن في نفسي تشوفا إلى شيء وراء تلك المبالغات، وهو بيان سرّ عظمة هذه الليلة من بين الليالي، إذ تملأ هذه العظمة نفسي، ولا أتبيّن أسبابها وبواعثها حتّى قرأت قول شوقي في مطلع قصيدته الهمزية"112،قال أحمد شوقي:ولدَالهدَىفالكائِناتُ ضياءُ***وفَمُ الزمــانِ تبسمٌّ وثَنَاءُ113

ثمّ عقبالشيخ البشير على هذا البيت قائلا: "قرأت هذا البيت، ووقفت عنده أتأمّله، وأستجلي معانيه فمحا كلّ ما في نفسي من آثار المبالغات،بل محا كلّ ما في ذاكرتي من جميع ما قرأته من القصائد المولديةوكشف لي هذا البيت الواحد سرّ عظمة هذه الليلة وفضلها على الليالي"114،لقد عدّبيت شوقي - في نظره- أبلغ تصويرالهذه المناسبة العظيمة التي شهدت ميلاد خير البريةالذي جاء بالهدى والنور؛فمحى ظلام الشرك والكفر ولذلك فـ"إنّ بيت شوقي يصوّر الحالة السائدة في العالم قبل الإسلام، وأنّها ضلال في ضلال، وظلام في ظلام وكذلك كانت هي، ويصور ولادته (صلى الله عليه وسلم) ولادة للهدى الماحي لذلك الضلال، فهي ليلة لم يولد فيها رجل"115، ومن هنا نلحظ براعة الشيخ البشيرالحجاجيةبتوظيفه التداولي الدقيق لهذا البيت شوقي في هذه المناسبة الاحتفالية وذلك يدل على استثماره لمعطىالمقام العاطفي الذي مكنه من توجيه شواهده الشعرية وجهة حجاجية.   

إجمالا نقول: إنّ احتجاج الشيخ البشيربالشاهد الشعريمرده إلى وظيفته الحجاجيةالتي تتجلى من خلالبنيته (الشاهد الشعري) الإيقاعية، والبيانية، والمعجمية التي تمكن الخطيب من التأثير في السامع، فضلا عن كونه يحيل كبقية النصوص السابقة على نص مشترك ثقافي وحضاري؛ لأجل ذلك فهو يحضى بالقبول والتصديق.

 ومن الشاهد الشعري ننتقل إلى شاهد الحكمة.

4-شاهدالحكمة

تستمد الحكمة حجيتها انطلاقا من قائلهاالذي يحظى قوله بالقبول لدى الناس، وفي التراث العربي نلمح كثيرا من الحكم التي اشتهر أصحابها، نذكر على سبيل المثال:حكم علي بن أبي طالب-رضي الله عنه-وغيرها.

استشهد الشيخ البشيرببعض الحكم في سياق خطبه على الرغم من قلتها مقارنة بشواهده القرآنيةوالنبوية والشعرية، من ذلك ما جاء فيخطبته الجُمعيّة، يقول:"عباد الله :لو كانت كلمة الحكمة توازن بالذهب أو تقدّر بالمال والنشب؛ لكانت كلمة علي بن أبي طالب، هي تلك الكلمة... وهي قوله -رضي الله عنه- قيمة كلّ إنسان ما يحسنه"116؛يؤكّد الشيخ البشير-في هذا القول-على أهمية الاجتهاد في العمل الذي تتفاوت درجة وقيمة الناس بالإحسان فيه،وقد استدلبقول علي - رضي  الله عنه- الذي تضمن حكمةتدلل على قيمة الإنسانمن خلال ما يتقنه من الأعمال، فالمرء يقاس بأعماله وأفعاله وليس بأقواله فقط، وهنا نلحظ دقةاحتجاجالشيخ البشير بتلك الحكمة ضمن سياقها التداولي، وموضعها المناسب لها.

وإلى جانب الحكمة يستحضر في خطبه الوقائع التاريخية.

5-الوقائع التاريخية

تكتسبالوقائع التاريخية حجّيتها انطلاقا من كونها وقائعحجاجيةيسلم بها السامع،وتحضى لديه بالقبول ولهذاوظفهاالشيخ البشير ضمن خطبه؛ لتكون حجّة يستمد منها الحقائق، يقول شكري فيصـل: "وقد أعانت البشير ثقافته الإسلامية على أن تكون أحداث التاريخ الإسلامي ووقائعه ماثلة في ذهنه، يستخدمها ويستثمرها فيما يريد أن يتحدث عنه"117،إذ نجده في خطبته التي ألقاها بمناسبة تكريم الشيخ عبد الحميد بن باديس يحتفي بهــذا اليومالسّعيد،وينتقل من الحاضر إلى الماضي، قائلا:"إنّ أحدا من المسلمين لا يجهل يوم بدر ولا يجهل-وإن كان عاميا- أثره في ظهورالتوحيد على الشرك"118، يشبهالشيخ البشيرهذا اليوم العظيم الذي أنهى فيه الشيخ ابن باديس ختم تفسير كتاب الله بواقعة بدر التي سميت بيوم الفرقان؛لأنّها فرقتبين الحق والباطل ولهذا استشهد بتلك الغزوة ليثبت عظم هذا اليوم المشهود "الذي يختم فيه إمام سلفي تفسير كتاب الله تفسيرا سلفيا؛ليرجع إليه المسلمون إلى فهمه فهماسلفيا"119في أمة "تقطعت صلاتها بالسلف وضعف تقديرها للقرآن"120وهذا هو الجامع بين الواقعتين أعني ختم تفسير ابن باديس وواقعة بدر، وقد أراد من خلالانتقاله إلى الماضيأن يخلق مقاربة بين حاضر اليوم وواقع الأمس المشرق؛ لجعل السامع يلامس بنفسه تلك الحقيقة التي أقرها الشيخ ويقتنع بها،وهنا نلمح ذكاء البشير الإبراهيمي الذي يبرز في حسن توظيفه لتلك الشواهد التاريخية.

نخلص مما تقدم ذكره

•أنّ الحجاج هو الأساس الذي تقوم عليه الخطابة.

•يتمحور حجاج خطابة البشير الإبراهيمي حول تحقيق ثلاثة أهداف حجاجية، تمثل مقومات الأمّة الجزائرية، هي: المحافظة على الهوية الجزائرية، وإصلاح الدين، والمحافظة على اللغة العربية.

• تنوعت الحجج النصية التي وظفها البشير الإبراهيمي من حجج مبتكرة،مثل : القياس والمثل، وحجج جاهزة مثل: الشاهد القرآني والحديث، والشعر، والحكمة.

•نجح البشيرالإبراهيمي في توجيه حججه النصية الجاهزة (المتنوعة) وجهة حجاجية تخدم أغراضه السابقة من خلال استثماره لمعطيات المقام.

•تميزت الحجج النصيةالتي وظفها البشير الإبراهيمي بحمولتها الإقناعية التي كان لها تأثير في السامع.

•للحجة النصية-عنده-قيمة بارزة في خطبه، ومرد هذا إلى مصادرها التي تحضى بالقبول والتسليم لدى المتلقي كالقرآن، والحديث، والشعر.

•برزت الحجج النصية في خطبه بشكل متناسق ومنسجم وفقا للخطة الحجاجية التي سار عليها.

•يعدّ البشير الإبراهيمي محاججا من طراز فريد، مكّنه من أن يقنع متلقيه ويستميله إلى الهدف الذي كان ينشده.



1_ يصفه الفيلسوف روجي غارودي بأنّه: "الشّعلة التي بثّت في الجزائر ثورتها الثقافية"، الإبراهيمي العالم المجدد(مقال)، ضمن كتاب الشيخ محمد البشير الإبراهيمي بأقلام معاصريه، دار الأمة، الجزائر، ط2، 2007، ص140.

2- محمد الطاهر فضلاء، من جوامع الكلم لحكيم العلماء وعالم الحكماء (مقال)،ضمنكتاب الشيخ محمد البشير الإبراهيمي بأقلام معاصريه ص389.

3- تركي رابح، البشير الإبراهيمي في المشرق العربي، مجلة الأصالة، مجلة ثقافية تصدروها وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية بالجزائر، ع18، سنة الثانية ربيع الثاني، جمادى الأولى 1392، ماي-جوان 1972، ص259

4- محمد العيد محمد علي خليفة، شعراء الجزائر ديوان محمد العيد، الشركة الوطنية للشر والتوزيع، الجزائر،دط،دت، ص186.

5_ أحمد بن فارس، معجم المقاييس في اللغة، تحق شهاب الدين أبو عمرو، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت،لبنان، دط، دت، ص 250.

6_ ينظر: ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، لبنان، دط، دت، مادة (حجج)، م2، ص 228.

7- طه عبد الرحمن، اللسان والميزان أو التكوثرالعقلي،المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط 1،1998، ص 226.

8__ ChaimPerelman et LuiceOlbrechs- Tyteca, Traité de L’argumentation, Editions dedeBruxelles,Belgique, 6édition, 2008, P59.l’université

9_ علي بن محمد الشريف الجرجاني، كتاب التعريفات، تحق محمد عبد الرحمان مرعشلي، دار النفائس، بيروت، لبنان، ط1، 2003، ص145.

10– أرسطو طاليس، الخطابة،حققه وعلق عليه، عبد الرحمن بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت، دار القلم،بيروت،لبنان، 1979، ص9.

11_ شوقي ضيف، الفن ومذاهبه في النثر العربي، دار المعارف، القاهرة، مصر، ط6، دت، ص27.

12_أحمد محمد الحوفي، فن الخطابة، نهضة مصر للطبع والنشر والتوزيع، مصر، ط4، 1972، ص218.

13_المرجع نفسه، ص 5.

14_ يوسف القرضاوي، مقومات الفكر الإصلاحي عند الإمام محمد البشير الإبراهيمي،المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، دار الوعي، الجزائر،ط12007، ص7.

15- بوعلام بالسايح، الشيخ البشير الإبراهيمي الرائد (مقال)، ضمن كتاب الشيخ محمد البشير الإبراهيمي بأقلام معاصريه، ص60.

16- جميل صليبا، عن الشيخ البشير الإبراهيمي (مقال)، ضمن المرجع نفسه، ص57.

17-أحمد طالب الإبراهيمي، آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي،دار الغرب الإسلامي،بيروت، لبنان، ط1، 1997، ص157.

18-أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، دار الغرب الإسلامي،بيروت، لبنان، ط1، 1998، ص109.

19-شكري الفيصل، قضايا الفكر في آثار الإبراهيمي (مقال)، ضمن كتاب الشيخ محمد البشير الإبراهيمي بأقلام معاصريه، ص191.

20-محمد الغزالي،مع البشير الإبراهيمي في القاهرة (مقال)، ضمن المرجع نفسه، ص96.

21- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص141.

22_أرسطو طاليس، الخطابة،ص 11.

23- محمد زرمان، معالم الفكر السياسي والاجتماعي عند الشيخ البشير الإبراهيمي،منشورات جامعة باتنة، الجزائر، دط، دت، ص14.

24–المرجع نفسه، ص14-15.                                                                                                                                                                                                                                  

25- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص48-49.

26- المرجع نفسه، ج1، ص49.

27- محمد بن شنب: عالم من علماء الجزائر ولد بالمدية، نشأ وتعلم فيها ثمّ انتقل إلى المدارس الفرنسية، أين أكمل تعليمه العالي ليصبح بعدها مدرسا فيها، توفي سنة 1929، عرف عنه مساهمته العظيمة "في خدمة التراث الجزائري والإسلامي عموما، فقد استعمل علمه وقدرته في البحث؛ لتسليط الضوء على آثار الماضيين من الجزائريين والعرب والمسلمين"،أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، ج8، من ص169إلى ص 171.

28-  المرجع نفسه، ج8، ص172.

29- المرجع نفسه، ج8، ص172.

30_ ChaimPerelman et LuiceOlbrechs- Tyteca, Traité de L’argumentation,P 471

31–ينظر: آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص48-49.

32–المرجع نفسه، ج1، ص46.

33–المرجع نفسه، ج1، ص46.

34- المرجع نفسه، ج1، ص46.

35- المرجع نفسه، ج1، ص46.

36–المرجع نفسه، ج1، ص46.

37- المرجع نفسه، ج1، ص46.

38-  العصر، الآية، من 1إلى 3.

39- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص48.

40–المرجع نفسه، ج1، ص48.

41- تركي رابح، البشير الإبراهيمي في المشرق العربي (مقال)، ص262.

42–المرجع نفسه، ص261.

43-ينظر: محمد زرمان، معالم الفكر السياسي والاجتماعي عند الشيخ البشير الإبراهيمي، ص85-86.

44- رابح تركي عمامره، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التاريخية (1931-1956) ورؤساؤها الثلاثة، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية،الجزائر، ط12004، ص227.

45- محمد زرمان، معالم الفكر السياسي والاجتماعي عند الشيخ البشير الإبراهيمي، ص85-86.

46- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص133.

47-  المرجع نفسه، ج1، ص133.

48–المرجع نفسه، ج1، ص 91.

49_ انطلق البشير فيفكرة الإصلاح من القرآن الكريم، قال تعالى:﴿ إنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾(الرعد/ 11) ينظر: المرجع نفسه، ج1، ص161.

50- المرجع نفسه، ج1، ص365.

51–المرجع نفسه، ج1، ص284-285.

52-آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص 91.

53- يقول البشير: "وأما المحاضرات التهذيبية فأسلوب الخطابيات المؤثرة في العقول، الحافزة للنفوس، المنبهة للمشاعر على طريقة الترغيب والترهيب" المرجع نفسه، ج1، ص193. ينظر كذلك إلى: المرجع نفسه، ج1، من ص91إلى ص95.

54–المرجع نفسه، ج1، ص133.

55–المرجع نفسه، ج1، ص133.

56- يعدّ هذا النوع حجّة مبنية على وجود رابط سببي يسمح بالانتقال من السبب إلى النتيجة أو العكس، وهي تدرج ضمن الحجج النفعية، ينظر: عبد الله صولة، في نظرية الحجاج دراسات وتطبيقات، مسكيلياني للنشر والتوزيع، تونس، ط1، 2001، ص 50.

57- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص133.

58–المرجع نفسه، ج1، ص196.

59- المرجع نفسه، ج1، ص189.

60-كوليت وفرانسيس، الجزائر الخارجة عن القانون، ص41، نقلا عن رابح تركي عمامره، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التاريخية (1931-1956) ورؤساؤها الثلاثة، ص62.

61-  يقول الشيخ البشير: "أما في الجزائر فإنّ مشكلة العروبة أساسها وسببها الاستعمار الفرنسي"، محمد البشير الإبراهيمي، مشكلة العروبة في الجزائر، ضمن كتاب الشيخ محمد البشير الإبراهيـمي بأقـلام معاصريه، ص419.

62- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص134.

63–المرجع نفسه، ج1، ص134.

64-ينظر: عبد الله صولة، في نظرية الحجاج، ص 48.

65- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص134.

66–المرجع نفسه، ج1، ص135.

67– ينظر: آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص149.

68- المرجع نفسه، ج1، ص149.

69- ينظر: المرجع نفسه، ج1، من ص373إلى ص 377.

70- المرجع نفسه، ج1، ص149.

71- المرجع نفسه، ج1، ص373-374.

72- المرجع نفسه، ج1، ص376.

73- محمد العيد محمد علي خليفة، شعراء الجزائر، ديوان محمد العيد، ص410.

74- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص149.

75- المرجع نفسه، ج1، ص149.

76_ محمد العمري، في بلاغة الخطاب الإقناعيمدخل نظري وتطبيقي لدراسة الخطابة العربية،أفريقيا الشرق المغرب، ط2، 2002، ص 82.

77_ عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، صححه رشيد رضا، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، مصر، دط، دت، ص78.

78-آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص92-93.

79– البخاري، صحيح البخاري ترقيم وتبويب محمد فؤاد عبد الباقي، اعتنى به محمود بن الجميل، مكتبة الصفا، القاهرة، مصر، ط12002، ج1، ص28.

80- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص281.

81–المرجع نفسه، ج1، ص138.

82- المرجع نفسه، ج1، ص138.

83– المرجع نفسه، ج1، ص139.

84- محمد العمري، في بلاغة الخطاب الإقناعي، ص90.

85- أبو قاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، ج8، ص109.

86- يوسف القرضاوي، مقومات الفكر الإصلاحي عند الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ص7.

87– الزركشي، البرهان في علوم القرآن، تحق أبي الفضل الدمياطي، دار الحديث، القاهرة، مصر، 2006، ص344.

88_الجاحظ، البيان والتبيين،تحقيق عبد السلام هارون، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، دط،دت، ج1، ص118.

89- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص149.

90–المرجع نفسه، ج1، ص65.

91- سورة الأحزاب، الآية، 56.

92- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص65-66.

93- آل عمران، الآية 103.

94- آل عمران، الآية 8.

95-  ينظر: آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص66.

96- يقول البشير: "وقد ناصبها هذا الفريق العداوة من يوم تأسيسها"،آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1،ص139.

97–المرجع نفسه، ج1، ص139.

[i]_البقرة، الآية، 146.

99–آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص139.

100–المرجع نفسه، ج4، ص94-95.

101-حمد بن إبراهيم العثمان، أصول الجدل والمناظرة في الكتاب والسنة، دار ابن حزم، بيروت، لبنان، ط2، 2004، ص29.

102- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص92-93.

103– البخاري، صحيح البخاري، ج1، ص28.

104–يقول الشيخالبشير: "وصدق رسول الله،فقد بذل قوم في هذا الجامع أموالهم لا يرجون إلا الله والدار الآخرة"، آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص93.

105–المرجع نفسه، ج1، ص49.

106– البخاري، صحيح البخاري، ج1، ص286.

107–آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج3، ص168.

108_ينظر: محمد العمري، في بلاغة الخطاب الإقناعي، ص 91.

109- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص92.

110- المرجع نفسه، ج1، ص92.

111– المتنبي، ديوانه، ج2، شرح عبد الرحمن البرقوقي،دار الفكر، بيروت، لبنان، ط1، 2002، ص1161.

112- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص315.

113-أحمد شوقي،الشوقيات، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ط12، 1992، ج1، ص34.

114- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص316.

115–المرجع نفسه، ج1، ص316.

116– المرجع نفسه، ج1، ص6، ينظر: الجاحظ،البيان والتبيين، ج1، ص83.

117- شكري الفيصل، قضايا الفكر في آثار الإبراهيمي(مقال)، ضمن كتاب الشيخ محمد البشير الإبراهيمي بأقلام معاصريه، ص186.

118-آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص361

119-المرجع نفسه، ج1، ص362.

120-المرجع نفسه، ج1، ص362.

1_ يصفه الفيلسوف روجي غارودي بأنّه: "الشّعلة التي بثّت في الجزائر ثورتها الثقافية"، الإبراهيمي العالم المجدد(مقال)، ضمن كتاب الشيخ محمد البشير الإبراهيمي بأقلام معاصريه، دار الأمة، الجزائر، ط2، 2007، ص140.

2- محمد الطاهر فضلاء، من جوامع الكلم لحكيم العلماء وعالم الحكماء (مقال)،ضمنكتاب الشيخ محمد البشير الإبراهيمي بأقلام معاصريه ص389.

3- تركي رابح، البشير الإبراهيمي في المشرق العربي، مجلة الأصالة، مجلة ثقافية تصدروها وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية بالجزائر، ع18، سنة الثانية ربيع الثاني، جمادى الأولى 1392، ماي-جوان 1972، ص259

4- محمد العيد محمد علي خليفة، شعراء الجزائر ديوان محمد العيد، الشركة الوطنية للشر والتوزيع، الجزائر،دط،دت، ص186.

5_ أحمد بن فارس، معجم المقاييس في اللغة، تحق شهاب الدين أبو عمرو، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت،لبنان، دط، دت، ص 250.

6_ ينظر: ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، لبنان، دط، دت، مادة (حجج)، م2، ص 228.

7- طه عبد الرحمن، اللسان والميزان أو التكوثرالعقلي،المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط 1،1998، ص 226.

8__ ChaimPerelman et LuiceOlbrechs- Tyteca, Traité de L’argumentation, Editions dedeBruxelles,Belgique, 6édition, 2008, P59.l’université

9_ علي بن محمد الشريف الجرجاني، كتاب التعريفات، تحق محمد عبد الرحمان مرعشلي، دار النفائس، بيروت، لبنان، ط1، 2003، ص145.

10– أرسطو طاليس، الخطابة،حققه وعلق عليه، عبد الرحمن بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت، دار القلم،بيروت،لبنان، 1979، ص9.

11_ شوقي ضيف، الفن ومذاهبه في النثر العربي، دار المعارف، القاهرة، مصر، ط6، دت، ص27.

12_أحمد محمد الحوفي، فن الخطابة، نهضة مصر للطبع والنشر والتوزيع، مصر، ط4، 1972، ص218.

13_المرجع نفسه، ص 5.

14_ يوسف القرضاوي، مقومات الفكر الإصلاحي عند الإمام محمد البشير الإبراهيمي،المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، دار الوعي، الجزائر،ط12007، ص7.

15- بوعلام بالسايح، الشيخ البشير الإبراهيمي الرائد (مقال)، ضمن كتاب الشيخ محمد البشير الإبراهيمي بأقلام معاصريه، ص60.

16- جميل صليبا، عن الشيخ البشير الإبراهيمي (مقال)، ضمن المرجع نفسه، ص57.

17-أحمد طالب الإبراهيمي، آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي،دار الغرب الإسلامي،بيروت، لبنان، ط1، 1997، ص157.

18-أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، دار الغرب الإسلامي،بيروت، لبنان، ط1، 1998، ص109.

19-شكري الفيصل، قضايا الفكر في آثار الإبراهيمي (مقال)، ضمن كتاب الشيخ محمد البشير الإبراهيمي بأقلام معاصريه، ص191.

20-محمد الغزالي،مع البشير الإبراهيمي في القاهرة (مقال)، ضمن المرجع نفسه، ص96.

21- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص141.

22_أرسطو طاليس، الخطابة،ص 11.

23- محمد زرمان، معالم الفكر السياسي والاجتماعي عند الشيخ البشير الإبراهيمي،منشورات جامعة باتنة، الجزائر، دط، دت، ص14.

24–المرجع نفسه، ص14-15.                                                                                                                                                                                                                                  

25- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص48-49.

26- المرجع نفسه، ج1، ص49.

27- محمد بن شنب: عالم من علماء الجزائر ولد بالمدية، نشأ وتعلم فيها ثمّ انتقل إلى المدارس الفرنسية، أين أكمل تعليمه العالي ليصبح بعدها مدرسا فيها، توفي سنة 1929، عرف عنه مساهمته العظيمة "في خدمة التراث الجزائري والإسلامي عموما، فقد استعمل علمه وقدرته في البحث؛ لتسليط الضوء على آثار الماضيين من الجزائريين والعرب والمسلمين"،أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، ج8، من ص169إلى ص 171.

28-  المرجع نفسه، ج8، ص172.

29- المرجع نفسه، ج8، ص172.

30_ ChaimPerelman et LuiceOlbrechs- Tyteca, Traité de L’argumentation,P 471

31–ينظر: آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص48-49.

32–المرجع نفسه، ج1، ص46.

33–المرجع نفسه، ج1، ص46.

34- المرجع نفسه، ج1، ص46.

35- المرجع نفسه، ج1، ص46.

36–المرجع نفسه، ج1، ص46.

37- المرجع نفسه، ج1، ص46.

38-  العصر، الآية، من 1إلى 3.

39- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص48.

40–المرجع نفسه، ج1، ص48.

41- تركي رابح، البشير الإبراهيمي في المشرق العربي (مقال)، ص262.

42–المرجع نفسه، ص261.

43-ينظر: محمد زرمان، معالم الفكر السياسي والاجتماعي عند الشيخ البشير الإبراهيمي، ص85-86.

44- رابح تركي عمامره، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التاريخية (1931-1956) ورؤساؤها الثلاثة، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية،الجزائر، ط12004، ص227.

45- محمد زرمان، معالم الفكر السياسي والاجتماعي عند الشيخ البشير الإبراهيمي، ص85-86.

46- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص133.

47-  المرجع نفسه، ج1، ص133.

48–المرجع نفسه، ج1، ص 91.

49_ انطلق البشير فيفكرة الإصلاح من القرآن الكريم، قال تعالى:﴿ إنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾(الرعد/ 11) ينظر: المرجع نفسه، ج1، ص161.

50- المرجع نفسه، ج1، ص365.

51–المرجع نفسه، ج1، ص284-285.

52-آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص 91.

53- يقول البشير: "وأما المحاضرات التهذيبية فأسلوب الخطابيات المؤثرة في العقول، الحافزة للنفوس، المنبهة للمشاعر على طريقة الترغيب والترهيب" المرجع نفسه، ج1، ص193. ينظر كذلك إلى: المرجع نفسه، ج1، من ص91إلى ص95.

54–المرجع نفسه، ج1، ص133.

55–المرجع نفسه، ج1، ص133.

56- يعدّ هذا النوع حجّة مبنية على وجود رابط سببي يسمح بالانتقال من السبب إلى النتيجة أو العكس، وهي تدرج ضمن الحجج النفعية، ينظر: عبد الله صولة، في نظرية الحجاج دراسات وتطبيقات، مسكيلياني للنشر والتوزيع، تونس، ط1، 2001، ص 50.

57- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص133.

58–المرجع نفسه، ج1، ص196.

59- المرجع نفسه، ج1، ص189.

60-كوليت وفرانسيس، الجزائر الخارجة عن القانون، ص41، نقلا عن رابح تركي عمامره، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التاريخية (1931-1956) ورؤساؤها الثلاثة، ص62.

61-  يقول الشيخ البشير: "أما في الجزائر فإنّ مشكلة العروبة أساسها وسببها الاستعمار الفرنسي"، محمد البشير الإبراهيمي، مشكلة العروبة في الجزائر، ضمن كتاب الشيخ محمد البشير الإبراهيـمي بأقـلام معاصريه، ص419.

62- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص134.

63–المرجع نفسه، ج1، ص134.

64-ينظر: عبد الله صولة، في نظرية الحجاج، ص 48.

65- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص134.

66–المرجع نفسه، ج1، ص135.

67– ينظر: آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص149.

68- المرجع نفسه، ج1، ص149.

69- ينظر: المرجع نفسه، ج1، من ص373إلى ص 377.

70- المرجع نفسه، ج1، ص149.

71- المرجع نفسه، ج1، ص373-374.

72- المرجع نفسه، ج1، ص376.

73- محمد العيد محمد علي خليفة، شعراء الجزائر، ديوان محمد العيد، ص410.

74- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص149.

75- المرجع نفسه، ج1، ص149.

76_ محمد العمري، في بلاغة الخطاب الإقناعيمدخل نظري وتطبيقي لدراسة الخطابة العربية،أفريقيا الشرق المغرب، ط2، 2002، ص 82.

77_ عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، صححه رشيد رضا، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، مصر، دط، دت، ص78.

78-آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص92-93.

79– البخاري، صحيح البخاري ترقيم وتبويب محمد فؤاد عبد الباقي، اعتنى به محمود بن الجميل، مكتبة الصفا، القاهرة، مصر، ط12002، ج1، ص28.

80- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص281.

81–المرجع نفسه، ج1، ص138.

82- المرجع نفسه، ج1، ص138.

83– المرجع نفسه، ج1، ص139.

84- محمد العمري، في بلاغة الخطاب الإقناعي، ص90.

85- أبو قاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، ج8، ص109.

86- يوسف القرضاوي، مقومات الفكر الإصلاحي عند الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ص7.

87– الزركشي، البرهان في علوم القرآن، تحق أبي الفضل الدمياطي، دار الحديث، القاهرة، مصر، 2006، ص344.

88_الجاحظ، البيان والتبيين،تحقيق عبد السلام هارون، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، دط،دت، ج1، ص118.

89- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص149.

90–المرجع نفسه، ج1، ص65.

91- سورة الأحزاب، الآية، 56.

92- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص65-66.

93- آل عمران، الآية 103.

94- آل عمران، الآية 8.

95-  ينظر: آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص66.

96- يقول البشير: "وقد ناصبها هذا الفريق العداوة من يوم تأسيسها"،آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1،ص139.

97–المرجع نفسه، ج1، ص139.

[1]_البقرة، الآية، 146.

99–آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص139.

100–المرجع نفسه، ج4، ص94-95.

101-حمد بن إبراهيم العثمان، أصول الجدل والمناظرة في الكتاب والسنة، دار ابن حزم، بيروت، لبنان، ط2، 2004، ص29.

102- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص92-93.

103– البخاري، صحيح البخاري، ج1، ص28.

104–يقول الشيخالبشير: "وصدق رسول الله،فقد بذل قوم في هذا الجامع أموالهم لا يرجون إلا الله والدار الآخرة"، آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص93.

105–المرجع نفسه، ج1، ص49.

106– البخاري، صحيح البخاري، ج1، ص286.

107–آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج3، ص168.

108_ينظر: محمد العمري، في بلاغة الخطاب الإقناعي، ص 91.

109- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص92.

110- المرجع نفسه، ج1، ص92.

111– المتنبي، ديوانه، ج2، شرح عبد الرحمن البرقوقي،دار الفكر، بيروت، لبنان، ط1، 2002، ص1161.

112- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص315.

113-أحمد شوقي،الشوقيات، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ط12، 1992، ج1، ص34.

114- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص316.

115–المرجع نفسه، ج1، ص316.

116– المرجع نفسه، ج1، ص6، ينظر: الجاحظ،البيان والتبيين، ج1، ص83.

117- شكري الفيصل، قضايا الفكر في آثار الإبراهيمي(مقال)، ضمن كتاب الشيخ محمد البشير الإبراهيمي بأقلام معاصريه، ص186.

118-آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ص361

119-المرجع نفسه، ج1، ص362.

120-المرجع نفسه، ج1، ص362.

Pour citer ce document

نور الدين بوزناشة, «الحِجَاج في خطب البشيرالإبراهيمي_بحث في الحجج النصية_»

[En ligne] العدد 24 جوان 2017N° 24 Juin 2017 مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2017-06-21,
mis a jour le : 21/06/2017,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=2163.