إسهامـــــــــــــــــات رائز الروشــــــــــــاخ في الدراســـــــــات النفســـــية حـــــــــول الفعــــــل المنحرف لدى المراهــــــــق - الأهمية والخصـــــــوصية-
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 24 جوان 2017 N° 24 Juin 2017

إسهامـــــــــــــــــات رائز الروشــــــــــــاخ في الدراســـــــــات النفســـــية حـــــــــول الفعــــــل المنحرف لدى المراهــــــــق - الأهمية والخصـــــــوصية-

فتيحة بومعزة
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

يجمع الباحثون بان الروشاخ هو اختبار إسقاطي للشخصية بامتياز. ونظرا لهذه الميزة، استخدم لدراسة التوظيف النفسي للمنحرفين. من هنا كان هدف هذا المقال واعتمادا على عدد من الدراسات التي تدور حول الفعل المنحرف، هواستنباط أهمية وخصوصية استخدامه لدراسة أشكال من الفعل المنحرف لدى المراهق. حيث أبرزت المعطيات الدور الدفاعي للفعل ضد الانزلاق الاكتئابي، مع إشكالية على مستوى زوج المتعارضات: نشاط/فتور، نزوة الحياة/نزوة الموت، بالاضافة   إلى استنتاج الأهمية بكونه جزءا من سيرورة تطورية؛ يتطلب إعادة توجيه الضبط الاجتماعي نحو الخلفية الشخصية، بحيث يشكل المراهق موضوع تقييم وعلاج. وكونه نداء مقنع؛ فقد عكس استعجاليه الانتحار وتطلب صياغة رؤية شاملة لطبيعة العوامل والاستعدادات المؤدية إليه.

الكلمات المفتاحية: رائز الروشاخ، الفعل المنحرف، المراهقة.

Les chercheurs conviennent que le test de Rorschach est une épreuve projective de personnalité par excellence, En raison de cette caractéristique, il a été utilisé pour étudier le fonctionnement psychique des délinquants. De là, cet article avait donc pour objectif de déduire l’importance et la spécificité de l’utilisation de Rorschach dans des études centrées sur l’acte délinquant chez l’adolescent. Les données obtenues permettent de clarifier le rôle défensif que joue l’acte contre le glissement dépressif, une problématique au niveau du couple antagoniste : activité/passivité, instinct de mort/instinct de vie. Ainsi a conclu l’importance on considère que l’acte fait partie intégrante du contexte évolutif de l’adolescence et exige une réorientation des processus de contrôle social vers le profil intrapsychique, de sorte que l’adolescent est objet d’évaluation et de traitement. En plus, d’être un appel masqué reflète l’urgence de l’acte suicidaire et nécessite l’élaboration d’une perspective globale de la nature des facteurs et des pré-dispositifs personnels menant à ce type d’acte.

Mots Clés : Test de Rorschach, L’acte délinquant, Adolescence

The researchers agree that Rorschach is indeed a projective test of personality. Because of this characteristic, it was used to study the psychic functioning of delinquents. Hence, the aim of this article is to reveal the importance and specificity of the use of Rorschach in studies centered an adolescents’ delinquency act.The results obtained make it possible to clarify the defensive role played by the act against the depressive slide,an issue at the level of the antagonistic couple: activity / passivity, death instinct / life instinct.Thus, the importance is established, we consider the act as an integral part of the evolutionary context of adolescence and requires a reorientation of the processes of social control towards the intrapsychic profile, So that the adolescent is subject to evaluation and treatment. In addition to this, being a masked reflects the urgency of the suicidal act and requires the development of a global perspective of the nature of the factors and personal pre-devices leading to this type of act.

 Keywords:Rorschach test, Delinquent act, Adolescence

مقدمة

يرجع ظهور مصطلح التقنيات الاسقاطية إلى سنة 1939من خلال الفرضية التي تدور حول مدى فعالية الاختبارات الاسقاطية (اختبار التداعي ليونغ، اختبار الروشاخ، اختبار تفهم الموضوع) ضمن مجال زمني قصير، في الوقوف على التوظيف النفسي للفرد في المقال الصادر عن الجريدة الأمريكية لعلم النفس.

فقد أشار Fank(1939) إلى أن هذه التقنيات ذات ميزة أساسية مشتركة تتمثل في مجهود الإسقاط الذي يعتبر سيرورة شديدة الأهمية في دراسة الشخصية، ومن خلاله " ما هو خفي اخرج إلى النور، الكامن أصبح ظاهر، الداخلي أَحضر إلى السطح. ما كان ثابتا ونشطا بداخلنا وجد مكشوفا" (Anzieu, 1970, p10).

والأداة الاسقاطية عبارة عن " اختبار هدفه الأساسي تأسيس تشخيص فارقي للتنظيمة الشخصية في حالتيها المرضية والعادية. فهي تضع الشخص في مواجهة وضعية يستجيب لها حسب المعنى الذي تمثله، كون المثيرات المعتمدة ضعيفة البناء، وبإمكانها أن تفتح المجال أمام عدد واسع من الاستجابات. فهي تتطلب آليات تكيفيه مع الواقع، تتحكم في الاستعمال المناسب للإدراك [...] وللآليات الاسقاطية التي تترجم من خلالها العوامل الهوامية والعاطفية مشكلة فردية الفرد" (Postel,1998, p359).

وتهدف التقنية الاسقاطية إلى دراسة الشخصية بالاعتماد على مفهوم الإسقاط وتسمح بتحديد وتحليل التوظيف النفسي بتوجه دينامي (Anzieu et Chabert 1992, Chabert 1998)، حيث يستخدم فرويد  هذا المصطلح لوصف " وجهة النظر التي تدرس الظواهر النفسية باعتبارها نتاجا للصراع، ولتركيبة القوى ذات المنشأ النزوي التي تمارس نوعا معينا من الاندفاع [....] وهي صفة اللاوعي كونه يمارس فعلا مستمرا يتطلب قوة مضادة" (لابلانس وبنتاليس، 2008، ص248). وهو نفس المبدأ الذي تعتمد عليه الوضعية الاسقاطية، فهي تطرح حتمية مزدوجة، من جهة استدعاء عميق للتصورات والعواطف المنتمية للعالم الداخلي للفرد. وفي نفس الوقت تأثير البيئة الخارجية التي يتواجد بها أثناء إجراء الاختبار (بمعنى تأثير تواجد المختص وأداة الاختبار على آلية إدراك وتكوين الاستجابة).

الأمر الذي يعيدنا مرة أخرى حسب Chabertإلى إشكالية مزدوجة:          

1-                       إعادة معرفة العالم الداخلي المتموضع في استمرارية الإحساس بالوجود أو أكثر من هذا، دوام الهوية.

2-                       أهمية العالم الخارجي المتموضعة في استثمار المجال العلائقي، المزود بإمكانيات التغيير المشحونة بالاختيارات المختلفة للمواضيع من طرف الفرد (Chabert,2001,p58).

وتتمثل النقاط المشتركة بين كل التقنيات الاسقاطية في النوعية الخاصة للأداة المقدمة، الغامضة والملموسة. وقدرتها على استدعاء التداعيات اللفظية فتسمح " بواسطتها وأخيرا بخلق مجال علائقي أصيل بين الفرد والفاحص بوجود موضوع وسيط ممثلا في الاختبار"(Anzieu et Chabert,1992,p25).

وتشريفا لهذه المكانة في المجال التطبيقي، فقد تم إحصاء 9776مقال ما بين 1887و2008حول التقنيات الاسقاطية. منها 1041مقال حول سيرورة بناء وتأسيس الاختبارات الاسقاطية، و1002مقال خصص لدراسة الخاصية السيكومترية لهذه التقنيات ( من خلال موقع PsycInfoLéveillée  et al, 2008, p 5).

وسواء تعلق الأمر بالفرضية الأولى التي تأسست حولها التقنية الاسقاطية من محاولة تقديم مثير بصري (ذو شكل محدد كما هو الحال في اختبار تفهم الموضوع أو غامض مبهم كبقع الحبر في الروشاخ). يكون خاضعا للإدراك الحسي، لمحاولة معرفة القدرة الإدراكية (عن طريق الترابط أو التفكك أو الخلط بين العواطف والأفكار)، أو القدرة على التخيل (من خلال القصة التي تعكس الحياة الهوامية). فان استقدام مفهوم الإسقاط إلى الميدان النفسي كأحد المفاهيم البنائية للمدرسة التحليلية، أعاد توجيه المنحى نحو فعالية استخدام الآلية الاسقاطية في دراسات أكثر عمقا وشمولا، لفهم الأبعاد النفسية الداخلية، من حيث منعكسات المعطيات الإكلينيكية التي ظهرت من خلال التطبيقات المتعددة للتقنيات الاسقاطية حول صورة الجسم، القواعد النرجسية، التقمصات، مستوى وطبيعة القلق، حدود الأنا، والاستثمارات العاطفية والعلائقية.

حيث كانت الغاية من استخدام مثيرات مماثلة هي إزاحة الاستثارة نحو الداخل، بعدما كانت مرتبطة أساسا بعملية الإدراك، عن طريق ترابط صريح بين صورة حسية وتعليمة على درجة من الحرية التعبيرية التفريغية (ماذا يمكن أن يكون هذا؟ على سبيل المثال). أين تقل سيطرة الأنا في الوضعية الاسقاطية لتسمح بذلك للمكنونات النفسية العميقة التي تشكل طبقة اللاشعور بالطفو على السطح مشكلة استجابة الفرد، في حين أن سيرورة كهذه لم تكن محصلة لولا هذه الخاصية الفريدة للتقنية الاسقاطية. التي شبهها Anzieu  " بالأشعة Xالتي تمر عبر الشخصية، وتثبت صورة نواتها السرية على الكاشف (تمرير الاختبار). ثم تسمح بقراءة سهلة بواسطة التكبير أو الإسقاط على الشاشة (تأويل البروتوكول)" (Anzieu, 1970, p10).

واختبار الروشاخ الذي استخلص اسمه من مؤسسه هيرمان روشاخ (1884-1922) الذي عرف بميوله الفنية منذ الطفولة، أين كان يقوم بطي ورقة بيضاء تحتوي على بقعة من الحبر للحصول على شكل حيوان أو شيء ما. يعتبر حسب Hogan(2003) الأكثر انتشارا واستعمالا من بين التقنيات الاسقاطية. حيث يتضمن 10بطاقات، وهو العدد الذي استقرت عنده بعد تقليص عددها منذ تأسيسه، لأسباب تتعلق إما بمؤسسه أو بدار النشر التي قامت بطباعته.

ويأخذ مفهوم Kleksأو Klexبمعنى بقع الحبر المتناظرة على محور عمودي يتوسطها، دور أساسي في ترجمة Erlebnisweiseأي نوع خاص من المعاش أو القيام بالتجربة بـ:  Vortellumgstypusأي نوع خاص من التطور والمنطق الذاتي الداخلي. وباعتباره يبحث في القدرة على التخيل لأنه مستوحى من سياق إدراكي وبالتحديد من وجهة النظر الجشتالتية، فقد استخدم هيرمان روشاخ مفهوم « les engrammes » للإشارة إلى شكل خارجي مدرك وتمثيله متوفرة في الداخل، وقام بوضع مجموعة من الرموز لتفسيرها تمثلت في: 1) رموز تهدف إلى تحديد مكان الاستجابة من البقعة (الموقع)، 2) رموز تهدف إلى التعرف على الخصائص المسئولة عن إدراك البقعة (المحددات)، 3) رموز تهدف إلى تصنيف محتوى الاستجابة (المحتوى). وتوصل بعد عديد عمليات التطبيق (450بروتوكول، منها 117لأفراد عاديين و288لعملاء يعانون من اضطرابات مختلفة) والبحث إلى إصدار Form Interprétation Test (F.I.T) أو Psychodiagnosyicسنة 1920. بعد وفاته في أفريل من سنة 1922استمرت الأبحاث حول تقنية الروشاخ وتعددت النماذج بتعدد الباحثين. فمن Mogenthaler، Oberholzer، Roemerأوائل المهتمين والمقربين، وصولا إلى Beck،Hetz، Klopfer، Piotrowski، Rapaport، Schäfer، Loosli-Usteri، Beizman، Lagache، Nina Rausch، Chabert، Anzieu، Emmanuelli، C.DE.Techy.

على غرار ما سبق يشكل مفهوم التوظيف النفسي ذلك البعد العميق في الشخصية الذي يتميز بالغموض والدينامية، وكونه كذلك فان الاستدلال عليه أمر في غاية الصعوبة والتعقيد لا يستطيعه إلا من تسلح بأدوات وتقنيات عيادية قوية البناء، وواسعة الشمولية. تنطوي على دلالات نوعية للعوامل البنيوية، المعرفية، العاطفية والسلوكية التي تشكله.

وبالرغم من المحاولات التصنيفية المتعددة لإيجاد الخصائص العامة المرتبطة بذلك البعد لدى مجموعة من الأفراد، إلا أن عملية التقييم في مجال علم النفس تستدعي حتمية المقاربة الفردية: بمعنى تناول الفرد في كليته، ومراعاة التصنيف العادي والمرضي للوقوف على نمط التوظيف النفسي والعاطفي. والاعتماد على التقنية الاسقاطية في موقف كهذا يعتبر خيار دقيق لا غنى عنه، بمقابل ميل عديد الباحثين Bohm:1955، Nina Rausch1970، Beizman1974، 1999، 2000، AnzieuChabert et1995، Exner1997، 1999، إلى إبراز أهمية هذه الأداة في التناول الفردي والتقييم الشخصي من خلال الفهم الكمي والكيفي للتوظيف النفسي في سياقاته المتعددة والمختلفة، التي تمتد بين عمليات: التشخيص، العلاج، التنبؤ، وكذلك البحث. الأمر الذي يشير إلى القفزة النوعية التي بلغتها العلوم النفسية التطبيقية من حيث الصرامة، والتأسيس لقواعد منهجية خلال الممارسة، وطبعا بالاستناد إلى هذه التقنيات منفردة أو بالمزاوجة بينها، ومع الحالات المرضية تماما كالحالات العادية.

وتنعكس هذه القفزة من خلال علم النفس الاسقاطي، بالاعتماد على خلفية نظرية ملائمة ومتشعبة تتمثل في المدرسة الأوربية بروادها أمثال: C de Tychey،Azoulay،Emmanuelli،Chabert،N. Rausch،Anzieu، والمدرسة الأمريكية مع Exner Winner،Holt،Beck.  كما تحتل الاتجاهات التأويلية لقراءة محتوى الاستجابات في التقنية الاسقاطية مكانة أساسية. غير أن هذه الأخيرة لا تخفي في طياتها أي نظرية خاصة، وهو الأمر الذي يعكس حسب Chabert(2001) غناها من حيث إمكانية فهمها حسب نماذج نظرية معرفية متعددة ومختلفة. فعلى غرار المدرسة الباريسية وتوجهاتها التحليلية حيث نجد C.DE.Techyالذي استند إلى آلية التداعي الحر للتعمق أكثر في التحليل وربما لمساع علاجية بحتة، طور الأمريكيون توجه ذو منحى سلوكي معرفي لتأويل الاستجابات المتعلقة بتقنية الروشاخ.

وبالرغم من كل المحددات والخصائص النفسية التي يمكن أن يبرزها الروشاخ مثلا فيما يتعلق بـ: خلل في العقلنة، صعوبة في عملية الارصان النفسي، وتكوين بنيوي أولي شاذ، صعوبات علائقية مرتبطة ببلورة العالم التفاعلي الراهن في ظل إشكالية العلاقة الثنائية أو الاوديبية، أو حتى فشل في تكوين الأنا الأعلى، يبقى مفهوم الفعل المنحرف الذي لا يستند حتى اللحظة الراهنة إلى إطار مفاهيمي محدد الأبعاد، والقائم على حصره في سياق نظري خاص باعتباره فعلا إنسانيا، من جهة يمثل إشكالية تصنيفية جد عميقة. تجعل الباحثين والممارسين في هذا المجال أمام صعوبة بالغة تعكسها عملية ذهاب وإياب بين العادي والمرضي. ووصم القائم بالفعل يجعل الأمر يميل أكثر نحو الأخذ بعين الاعتبار لهذه الأبعاد في سياق اللاسواء أكثر منه في السواء. وهي الصعوبة التي تبدو جلية أمام القائمين بالخبرة سواء النفسية أو في مجال الطب العقلي.  ويبقى الاحتمال أن تتبدد هذه الصعوبة بالاستعانة بالروشاخ كأداة سيكومترية بامتياز في دراسات شاملة ووافية للشخصية. وهو الأمر الذي يشير إلى أهميته في الأبحاث ذات التداخل في الأبعاد بين النفس-مرضي والنفس-إجرامي.

ومن جهة أخرى تطرح دراسة الأفعال المنحرفة (الانتحار، العنف، الاعتداء الجنسي، القتل ...) في ارتباطها بالمراهقة عديد الإشكاليات خصوصا عند الأخذ بعين الاعتبار الجانب الدينامي للتظاهرات النفسية التي تتجلى خلال هذه المرحلة من النمو. وتخوفا من القيام بحصر المراهق في خانة تصنيفية مرضية، يمكن أن تحد من إمكانية طرح نظرة شمولية لخصوصية التوظيف النفسي في تداخله مع أسباب ودوافع الفعل بمختلف طوائفه، يوجه النداء إلى الأدوات الاسقاطية عامة والروشاخ بصفة خاصة للبحث في المركبات الداخلية المتفاعلة التي صًدرت السلوك تحت سياق فعل منحرف زاد من إشكالية تناوله كسلوك إنساني معبرا عن ذاته بعيدا عن بنية غير مكتملة وغير ثابتة.

وقد اثبت الروشاخ هذه المكانة باستخدامه كآلية اسقاطية بالرجوع إلى خلفية نظرية معتمدة في الحقول النفسية وظهور علم النفس الاسقاطي كتخصص يزاوج بين التقنيات الاسقاطية ونظريات علم النفس. هذه الثنائية في تفعيل التقنية انعكست في هذا الطرح على شكل تساؤلات تمثلت في:

-ما هي أهمية استخدام الروشاخ في دراسة المرور إلى الفعل الجنسي لدى المراهق؟

-فيما تكمن خصوصية تطبيق الروشاخ في دراسة المرور إلى الفعل الجنسي لدى المراهق؟

-ما هي أهمية استخدام الروشاخ في دراسة فعل الانتحار عند المراهق؟

- فيما تكمن خصوصية تطبيق الروشاخ في فعل الانتحار عند المراهق؟

1-                         البعد الثنائي للتعليمة الاسقاطية

      يأخذ مفهوم الإسقاط صورا تفسيرية متعددة ومختلفة منذ استقدامه واستخدامه في علم النفس بين حالتي السواء واللاسواء. حيث يبدو أن فرويد "لجأ إلى مفهوم الإسقاط لتبيان العديد من التجليات وتحديد السمات المتفرقة" (Sami Ali,1970,p17)، فقد اعتبره كدفاع (1894-1974) حيث" تتصرف النفس كما لو أنها طرحت الإثارة نحو الخارج. فهناك توجه نحو العالم الخارجي للإثارة الجنسية وكأنها تشكل خطرا" (Ionescu et al,2003,p229)، وتتجلى عملية الطرح في صورتها الدفاعية في البرانويا (1895-1896) حيث يحاول الفرد " إزاحة واقعة نفسية إلى موضوع بالخارج"(Ionescu et al,2003,p229)، وفي الفوبيا عن طريق " إزاحة شحنة ليبيدية غير شعورية على تصور شعوري بديل"(Ionescu et al, 2003, p230)، وبالتالي فهي تمنع عودة المكبوت وتحصر القلق على موضوع خارجي. وعند القيام بهذه الوظيفة الدفاعية يحتك الإسقاط مع بعض العمليات الدفاعية الأخرى التي تمثله وتوضح سيرورته كالإزاحة، أو تتداخل معه وتكمله كالكبت.

وكغيره من الدفاعات ظهر الإسقاط في عديد عمليات الإحصاء والتصنيف المتعلقة بقائمة الآليات الدفاعية (A. Freud(1936-1993)، Valenstein(1961)، Bergeret(1972-1986)، ІІІDSM، DSM ІІІ R، Plutchik(1979-1995))، والجدير بالذكر أن هذا الأخير أشار خلال عمله على قائمة الآليات الدفاعية إلى ثابتتين اثنتين تمثلتا في:

-وجود صعوبة في تمييز مختلف الآليات الدفاعية، صعوبة في رسم حدود بينها وهناك دوما تجاور أو حتى تماثل في المعنى عند القيام بالمقارنة بينها.

-وجود تعارض صريح، أو تقاطبية حقيقية خاصة عند فحص العلاقة بين مختلف الأنماط الدفاعية (Plutchik,1995).

ولتجاوز هذا الغموض والتداخل في المعنى أكد Bergeretانه من الأحسن تحديد الاختلافات " على المستوى الاقتصادي وكذا العمق، لان بعض المظاهر الخارجية تبدو وكأنها تقرب بينها"(Bergeret, 1986, p82).  وعليه فان عملية الطرح التي تأخذ الاتجاه: طرح من الداخل للصفات، المشاعر، الرغبات أو حتى بعض الموضوعات التي كانت في الأصل مكبوتة، وجزئيا لا شعورية. وإسنادها إلى حقيقة خارجية، توضح التبعية بين آليتي الإسقاط والكبت. من حيث أن ما يتم إلقاءه خارجا يجب أن يكون متموقعا داخليا، ويشترط لحدوث أمر كهذا "وجود طاقة توظيف قابلة للانفصال عن تصوراتها الأصلية" (لابلانش وبنتاليس،2008، ص62) حيث تعمل الإزاحة على سحب شيء ما من التصور (أ) كي يضاف إلى التصور (ب). وهي سيرورة الإسقاط بين إزاحة مكنونات داخلية تشكلت بدافع الكبت.

في سياق آخر استطاع   Holems(1986) اكتشاف 16نوع من الإسقاط، احتفظ بأربعة منها فقط لدوافع مرتبطة بالبحث الذي أجراه. تمثل النوع الأول في الإسقاط الكلاسيكي التفريجي Cathartiqueكما سماه Anzieuوهي "الحالة التي يذكر فيها الفرد سمات سلبية بداخله يزعم عدم امتلاكها ويسندها للآخر" (لابلانش وبنتاليس، 2008، ص185) كآلية دفاعية مرضية كما هو الحال في هذيان البرانويا.

أما الإسقاط الإضافي فيرجع إلى الحالة التي يسند فيها للآخر أو لشيء ما سمات تكمل أو تبرز التجربة الواعية والمعاشة بواسطة الفرد نفسه. التنهد cassandreأو   Panglossويعكس إسقاط على الآخر، إحساسا مخالفا لما يشعر به الفرد في وضعية ما بطريقة لا شعورية. وأخيرا الاسنادي وهو إسناد للآخر ميزاج أو خصائص شخصية بعد تبرير وجودها بداخله، ويتعلق الأمر بآلية معرفية عادية لتحليل المعلومة وليس دفاعا.

والإسقاط في استخدامه النفسي مفهوم تحليلي، يأخذ تفسيرا موقعيا بواسطة هدفه الرامي إلى تخفيف الصراع الداخلي بين الهو والانا بإبعاد المواضيع التي من شانها خلق التوتر. وعلى هذا الأساس الدفاعي يكون خاضعا من وجهة النظر الاقتصادية لمبدأي اللذة والثبات بخفض التوتر الذي يثيره المحتوى النزوي للهو، والمرفوض من قبل الأنا. كما تعتبر "حركة نقل الايثارات الداخلية النابعة من الهو وارتباطها بمواضيع خارجية تعبيرا صريحا عن الوجهة الدينامية في آلية عمل الجهاز النفسي" (Sami Ali,1970,pp24-25).

 وتبرز مسيرته التطورية في الفكر التحليلي بعد أن اقر فرويد مصادفته له في العديد من الوضعيات، وتحوله من " إدراك داخلي محبوس في مكان يحتويه-وبعد تعرضه لبعض التحوير. عاود الظهور في الوعي تحت شكل إدراك آت من الخارج، إلى إنكار -وليس طرح-لرغبات يرفضها الفرد في ذاته. وقد أصر فرويد في أكثر من مناسبة على الطابع السوي لآلية الإسقاط" (لابلانش وبنتاليس، 2008، ص 72).

كذلك ذهب Leopold Bellakإلى نفس التوجه معللا رأيه بما استوحاه من كتاب الطوطم والحرام، حيث أشار ضمنيا إلى أن مفهوم الإسقاط بعيدا عن كونه آلية دفاعية فانه:" يتعلق بالوجود المتزامن للإدراك والذاكرة. أو بواسطة وجود تجاور بين عمليات نفسية شعورية ولاشعورية"(Andrinikof,2008,p3)، تشكل أساسا قويا في آلية عمل التعليمة الاسقاطية. حيث تسمح بالحصول على" استجابات على شكل إدراك حسي مكتمل ذاتيا-مكتمل بدرجات متفاوتة-كتداعيات بسيطة لتماثلات شكلية، أو تداعيات معقدة مع حدث كان معاشا، محسوسا عاطفيا، مرغوبا أو مخيفا" Rausch de Traubenberg, 1993, p7))، الأمر الذي  يدل على وجود عالمين، عالم داخلي وعالم خارجي، أطلق عليهما "عالم خاص بمقابل عالم اجتماعي" (Frank, 1939, p 395) ، يدركه الفرد ويستجيب  له انطلاقا من "مصالحه  الخاصة وقدراته وعاداته،  وحالاته العاطفية الدائمة  أو العابرة وتوقعاته ورغباته. وهو ما يشير إلى تلازم البيئة الداخلية والبيئة المحيطة". (لابلانش وبنتاليس،2008، ص70).

حيث تقوم التقنية الاسقاطية بكونها وسيطا بينهما بوضعه (أي العالم الداخلي) خارج الذات في معنى مادي بحت، محتفظة بصفاته وملكاته، وذلك بفعل الإسقاط على السطح أو الإسقاط على الشاشة كما أشار Anzieu(1970). وهو معناه "المشتق من Pro-ectوتعنى تسليط الضوء ليظهر الصورة" (الشربيني، ب س، ص144).

وتجد هذه السيرورة تفسيرا لها بإخضاعها دوما للقراءة التحليلية، وبالتحديد من وجهة النظر الدينامية حول ما يمكن أن ينتقل في حركية تامة من نظام الوعي إلى ما قبل الوعي ثم إلى اللاوعي. وفي سياق معاكس عندما اختبر فرويد تقنية التداعي الحر التي ترمي أساسا إلى تعطيل عمل الرقابة الثانوية ما بين نظامي الوعي وما قبل الوعي. فتنكشف الدفاعات اللاواعية أو الرقابة الأولية ما بين ما قبل الوعي واللاوعي، وخلال تمرير الاختبار تسمح مرونة الترابط المتسلسل بتفعيل الإسقاط الذي يتشكل ضمن ثلاث مراحل:

1-1                    مرحلة الاستثارة الإدراكية: (فهم المعلومة Andrinikof(2008))

يضمن الإدراك تفسير ما تستقبله الحواس من مثل ما نراه وما نسمعه (الأداة والتعليمة). وتقوم بتفعيل نشاط الاستيعاب الترابطي بين المكونات المتوفرة (صور، ذكريات) ومركب الأحاسيس. بهدف تحويل الاستثارة من الخارج نحو الداخل، فتحرر الخبرات التي تشكل مصدرا أساسيا للاستجابة من سيطرة الوعي (Anzieu et Chabert,2004)، وبواسطة هذه الآلية "يتم تلقى المعلومات من العالم الخارجي والمعلومات النابعة من الداخل وهي الأحاسيس التي تندرج في فئة انزعاج-لذة، وكذلك الذكريات" (لابلانش وبنتاليس، 2008، ص590).

1-2                    المعالجة المعرفية:( Andrinikof(2008))

يشعر الفرد في هذه المرحلة بمشكلة ويسعى إلى البحث عن حل لها. تشكل هذه العملية مكونات حسية لعمل التفكير. الذي يظهر جليا من خلال العمليات الأولية التي ترمي إلى استعادة إدراك مطابق لصورة الموضوع (آلية التداعي). بينما تنصب العمليات الثانوية على الأفكار فيما بينها (آلية الترابط).

1-3                     نشاط الإسقاط: (تكوين الاستجابة Andrinikof(2008))

عند بلوغ هذه المرحلة يصبح نشاط الاستثارة الداخلية في ذروته. فتنحو بدورها إلى التفريغ. لأنها تسجل حسيا كحالتي انزعاج-لذة، لا يملك

الجهاز النفسي القدرة على صدها. هنا تبدأ عملية إسقاط الايثارت على الخارج(الأداة) مما يسمح للفرد بالتهرب أو بحماية نفسه منها، لان هناك ميل إلى معاملتها وكأنها لا تتحرك من الداخل بل من الخارج كي يصبح بالإمكان استعمال وسيلة دفاع ضدها(Chabert,2002).

وقد لخصت Andrinikofهذه المراحل بامتياز عندما ذكرت بان " كل تعليمة مقدمة في التقنيات الاسقاطية تعيد الفرد إلى داخله وفي نفس الوقت تتطلب منه الأخذ بعين الاعتبار الأداة المقدمة ولفظ الاستجابة" (Andrinikof,2008,p4)، وهي  تستلزم الوجود المتزامن للتعلق بموضوع مدرك (أداة الاختبار)، والعودة إلى بعد ذاتي (مصدر الاستجابة أو ما هو كامن لدى الفرد). وبهذا المعنى تعتبرها Chabert(1983) إحدى مخرجات الفضاء الانتقالي الذي تناوله Winnicott(1975) حيث أشار إلى أن احتمالية خلق الموضوع الانتقالي مرهونة بقبول التناقض (خلق الموضوع الانتقالي، الموجود مسبقا)، وكذا للانتماء المزدوج داخلي-خارجي، هوامي – إدراكي.

كما يمكن فهم هذه الآلية من خلال عمل أفكار الحلم، وبالتحديد في سياق تشكل أحلام اليقظة. حيث يقوم الارصان بمكالمة الايثارات في النفس وإقامة صلات ترابطية معها. وذلك بعد التخفيف من عمل الرقابة والمساعدة على تشكيل انشطار ضمن حقل الوعي. من هذا المبدأ يشعر الفرد كما لو انه يقوم بهلوستها. بمعنى أن منبعها داخلي (فكري/هوامي، تصور الكلمات-تصور الأشياء)، وفي اختبار الروشاخ أين تقوم الصور الحسية بدفع الشخص إلى الإنتاج اللفظي (تصور كلمات)، كونها مشحونة بجهد "غرابة مقلقة" على حد تعبيرLagache(1957) التحريض الأولي يكون لفظي (التعليمة) آت من الخارج، ويرتكز على البطاقة ولكن على مستوى الاستدعاء الكامن لا تؤدي الصور المادية المحسوسة للاختبار إلى أي صراع كونها غير مشكلة وغامضة.

2-                     استخدامات رائز الروشاخ

يسمح اختبار الروشاخ حسب كل من VercrysseوChôme(2002) بتقييم دينامي للموارد النفسية الكامنة والراهنة لدى الفرد، الأمر الذي يعكسه أساس التوجهات البحثية التطبيقية التي اتخذت من تقنية الروشاخ أداة فهم للبنى النفسية في علم النفس الإكلينيكي وعلم النفس المرضي. من خلال تأكيد الاستمرارية للعادي وللمرضي. ذلك أن " العمليات العقلية المستعملة أثناء تمرير الاختبار تكون مؤهلة لإعطاء الأهمية لأنماط التوظيف النفسي لكل شخص في خصوصيته وفرديته، إذ تقوم بمَعلمة السِير النفسية الكامنة" (Chabert, 1983،p7 ; Tunaboylu et al, 2010،p211)، انطلاقا من تعليمة لفظية مفادها: ماذا يمكن أن يكون هذا؟

وكاختبار للشخصية بامتياز يستعمل الروشاخ:

-لإعطاء تصور شامل وعميق للشخصية في بعدها الدينامي، انطلاقا من إمكانية تمريره مع الطفل، المراهق، والراشد. وكذا في حالتي السواء واللاسواء. لأنه يسمح بالوقوف على التوجهات النفس-مرضية، التشخيصية، العلاجية، التنبؤية، والبحثية.

- و"له خصوصية تكمن في التقرب من كل العوامل بدون الرجوع إلى الطرق الصريحة، أي أن يكون اقل شفافية مقارنة مع الأهداف المرجوة كما هو الحال في الاختبارات الموضوعية. بمقابل تركيز الانتباه كلية على العمليات النفسية الداخلية" (Richelle et al،s.a.e, p20).

كذلك فان العلاقة التي تتموضع بين الفاحص والمفحوص أو الباحث والمبحوث عند تمرير الروشاخ تجعل هذا الأخير يعتقد انه يستجيب لوضعية تقييميه محددة ومرتبطة  في نفس الوقت ببعض الإجراءات التطبيقية المؤقتة. وقبوله بهذا الدور يحتمل عديد الاستنتاجات منها:

-أن يكون مفحوصا فهذا يعني دراسة أبعاد الطلب (مصدر، دافعية، وعي والتزام)، وتأثيرها على أداءه خلال تمرير الاختبار.

-وضعية المفحوص عموما تعكس تداعيات العلاقة مع المختص، التفاعل بين ذاتيتي الفاحص والمفحوص، السيرورات النفسية المتولدة (النقلة أو الإزاحة، الإسقاط، المقاومة).

-بالإضافة إلى خصوصية وضعية الاختبار: علاقة الفرد بمادة الاختبار، طريقة استثماره للقدرات والخصائص الكامنة لأدراك الأداة مع الأخذ بعين الاعتبار وفي نفس الوقت المكانة التي يوليها للفاحص في الحيز الإدراكي لإنتاج الاستجابة.

         بمقابل هذا التفرع في دراسة الشخصية، فقد قام البعض باستخدامه لمساع محددة مسبقا، كالتعرف على مؤشرات العقلنة في البنية الحدية لدى مرتكبي الفعل العدواني الخارجي (Léviellée 2001)، أو الوقوف على أخطار الفعل الانتحاري Exner (1993)، ولحصر السمات النفسية الداخلية لذوي البنية الحدية حسب اتجاه المرور إلى الفعل  Gamache(2010).

3-                      الأهمية والخصوصية   استخدام الروشاخ مع الفعل المنحرف:

استخدمت التقنيات الاسقاطية بصورة عامة والروشاخ بصورة خاصة منذ ما يزيد عن نصف قرن لدراسة التوظيف النفسي للمنحرفين، ولتقييم سمات الشخصية واكتشاف الإشكاليات النرجسية، العدوانية والجنسية (Lafortune, 2006).

وتتجلى الأهمية هذه حسب Lafourtuneعند اعتباره ثان أكثر وسيلة استخداما في الولايات المتحدة الأمريكية في إجراءات التقييم النفسي الرامي إلى تنوير المحكمة. وهي النتيجة التي توصل إليها كل من Weiner،SciaraوExner(1993) بعد تحليل 7934خبرة نفسية مستندة إلى اختبار الروشاخ. حيث أشارت النتائج أن 0.08% من المجموع الأصلي (أي 06بروتوكولات فقط) طرحت مشكل صدق الأداة، وحالة واحدة فقط من بينها تم رفضها من طرف المحكمة.

بمقابل خاصية التنوع في التناول والعمق في التحديد لتقنية الروشاخ؛ فان إمكانية تغطيته لإشكالية الفعل المنحرف أصبحت واقع ملموس في البحوث وحتى في التطبيقات الإكلينيكية، التي أخذت على عاتقها الوقوف على ماهية الفعل باعتباره شكلا من أشكال التصرف الإنساني. ومحاولة حصره في أبعاد نظرية شاملة وتفسيرية. ووضع فهم عميق للشخصية التي تقف خلفه، أو حتى السعي إلى طرح سيرورة تنبؤية في سياق ما يمكن أن يقدم من تدابير علاجية إدماجية لإعادة تشكيل أو توجيه البنية النفسية الداخلية.

الأمر الآخر الذي ينبغي الوقوف عليه هو أن الفعل المنحرف أو الفعل الإجرامي خلال مرحلة المراهقة له طبيعة خاصة، وهو ما نحاول أن نبرزه في هذا المقام. إذ ينبغي أن يتم تناوله بحذر شديد وذلك بالنظر إلى حساسية المرحلة التي يقع فيها، والطبيعة البنيوية غير المكتملة من ناحية النمو النفسي. كذا المحددات التي تتداخل خلال هذه المرحلة ويقصد بها التغيرات الفسيولوجية، الجنسية، والهوياتية. التي يكون لها تأثير مباشر أو غير مباشر في إحداث الفعل. الحتمية التي تعيدنا مرة أخرى إلى الإشارة إلى خصوصية الروشاخ كآلية محكية في تناول هذا البعد الذي يتسم بعدم الاكتمالية من جهة والدينامية من جهة أخرى. وهو ما لا يمكن أن ينال عند الاستعانة بأدوات بحثية وتشخيصية أخرى لا تحترم هذه الخاصية المرتبطة بطبيعة النمو في علم النفس.

الفعل في هذا التناول وفي محاولة إسقاطه على سطح الخصوصية تماما كالأهمية بالمقارنة مع معطيات الروشاخ يشكل حسب Bigex(2014) أحد المظاهر الأكثر مصادفة والأكثر غموضا في الرؤية الإكلينيكية، هذا الفعل التحريضي الغير متحكم فيه يغطي عديد حالات الفعل الإجرامي. لكنه يبقى مرتبطا في دلالته اللفظية بعديد المعاني منها: الفعل، الحركة، النشاط، المرور إلى أو عن طريق الفعل، الرجوع إلى الفعل، الفعلنة، التفعيل، التي أخذت في سياقات مختلفة ظهرت في أعمال كل من: LaplancheوPantalis1967، Porot1969، Ey Bernard Brisset1974، Assoun1985، Balier1997، ArchambaultوMormont1998، Kinable1998، Millaud1998، Roussillon2000، Perron2002(Raoult,2006,P2)، والتي تشير إلى الغموض الذي تم طرحه مسبقا.

وفي ارتباطه بمفهوم السيكوباتية يشير المرور إلى الفعل وهو المفهوم الأنسب للطرح الحالي، يشير إلى أفعال عنف وعدوانية ذات طابع تحريضي وانحرافي. ويرى فيه Aulagnier(1975) تجاوز لعالم الهوامات على الواقع. ويتضح هذا التجاوز " كمحاولة للخروج من مضيق علائقي"(Millaud,1998,p96)، أو"كحل للقلق" (Lacan,1962-1963, Lesourd, 2004,p23)، أو حتى "كتفريغ حركي، عدواني، مفاجئ، لشدة نفسية تتبع معاش صدمي ومتجاوز لقدرات العقلنة لدى القائم به، يظهر الفعل في هذه الحالة كملجأ  دفاعي أخير للمحافظة على نرجسية هشة  وتهديد بالانزلاق الاكتئابي" Balier, 1988, p 62)).

في حين أن كل من ArchambaultوMormontيؤكدون أن المرور إلى الفعل لا يمكن تناوله كاستجابة منفردة ومنفصلة، بل أنه مسجل في سياق حياة وفي دينامية شخصية، وهو في الأصل متعدد العوامل:

-حالة من الشدة، اندفاعه مستثارة مفجرة بإثارات داخلية وخارجية.

-محيط يمارس فيه ضبط اجتماعي. واستثمار للعلاقة مع الآخر. سواء بالقدرة على تجاوز الإحباط، أو بميل نحو الهيجان، أو بأخذ الواقع بعين الاعتبار.

- تقييم معرفي للفعل. وحكم معنوي (Archambault et Mormont, 1998،p45).

وينظر Raoult(2006) إلى الفعل المنحرف كتفريغ حركي أو خلل في العقلنة في مجالات معينة (قانونية-بالنسبة لإشكالية المسؤولية القانونية، واجتماعية-بالنسبة للتعدي على نظام القيم السائد).

وحسب الرؤية التحليلية، وبتوجه موقعي يفسر Dejours(2001) المرور إلى الفعل؛ بالفرضية التي تشير إلى حساسية اللاشعور باعتباره منطقة هشة في الجهاز النفسي. بسبب عدم إمكانية كل من الشعور وما قبل الشعور اللذان لا يملكان السمك الكافي للقيام بتغطية وبحماية هذه الهشاشة التي أصبحت كذلك بالموازاة مع فقر الموارد الاجتماعية والمعرفية للفرد. وهو في عديد المواقف يقابل وضعيات خطر تضعه في مواجهة إثارة لاشعورية، وغير مكبوتة جزئيا. حينها لا يكون هناك إلا مسار وحيد متاح من اجل تحويل الاستثارة، التي لم يكن ممكنا التكفل بها من طرف ما قبل الشعور. هذا المسار هو عملية تفريغها نحو الخارج، بمقابل تجنبها داخليا لأنها قد تشكل انفجار للجهاز النفسي (تفكك). وقبل هذا كان Freud(1916) قد أشار إلى أن الفعل المنحرف إنما يتعلق بسياقات معينة محتواة في الفعل ذاته، هذا الأخير الذي يمكن أن ينبثق كمحرر لشدة داخلية. وفي (1923) طرح مفهوم الإحساس بالذنب الذي يتولد عن الشدة بين الأنا والأنا الأعلى بسبب التعدي على المحرم، والذي باشتداده قد يدفع نحو الانحراف، فمن الممكن أن نكتشف عند كثير من المجرمين-وخاصة الشباب منهم-إحساسا قويا بالذنب كان موجودا قبل الجريمة، وهو بذلك ليس ناتجا عنها، وإنما هو الدافع لها. وكأنهم يجدون نوعا من الراحة إذ تمكنوا من ربط هذا الإحساس اللاشعوري بالذنب بشيء واقعي مباشر.

للمرور إلى الفعل صيغة قهرية، تفرض على الشخص الذي يرجو نجاة تنظيمته النفسية من التدمير سبيلين هما: التملص من وضعية الإثارة بواسطة الهروب، أو القضاء على المصدر الخارجي للاستثارة بواسطة العنف المادي أو المعنوي، وفي كلتا الحالتين نلاحظ العنف القهري للاستجابات الغريزية. بالموازاة مع الخلل الصريح في العقلنة. هنا ينظر إلى هذه السيرورة كوسيلة دفاعية للحفاظ على الجهاز النفسي من احتمالية الجنون.

هذه السيرورة الداخلية المعقدة لا يتم الكشف عنها إلا عن طريق دراسة معمقة تظهر مؤشرات الفعل لدى المراهق المنحرف. حيث يعتبر الفعل كحل للصراع.  وتتداخل في طياته العديد من المتغيرات (دوافع الشخص، عاداته في القيام بالفعل، خصائص الوضعية الصراعية. مميزات شخصية الضحية ونتائج الفعل).  دون إغفال لما يحدث خلال مرحلة المراهقة وما ينعكس من تطورات نمائية يمكن أن تكون ذات الصلة الوثيقة بحدوث الانحراف في الفعل الذي يؤدي إلى تكون سياقات معينة ومحددة داخل هذه المرحلة. وهو بهذه المركبات النفسية المتعددة والمتداخلة من حيث المعنى والعمق، لا يجد بديلا عن اختبار الروشاخ لإبراز خصائصه الكامنة وسيروراته المتفاعلة.

4-                      الفعل الجنسي، الفعل الانتحاري، الروشاخ وإشكاليتا الأهمية والخصوصية

1.4-الفعل الجنسي و/ داخل سيرورة المراهقة

تتضمن المراهقة حسب Hoffmann(2004) عملية اختيار، اختيار للفرد حيث يكون الموضوع هو جنسيته. وقد اعتبر فرويد هذه العميلة كمهام تعبر عن عمل الحداد على القوة النرجسية للفرد خلال هذه مرحلة. هذا الحداد هو مفتاح المرور من جنسية طفولية إلى جنسية راشدة. حيث تعاود الإشكالية الجنسية الظهور بالنظر إلى التغيرات الحتمية التي تصاحب مرحلة البلوغ. إذن محاولة فهم الفعل الجنسي المنحرف من خلال بعد واحد وهو الفعل يعتبر قاصرا عن تفسير الظاهرة سواء أخذ بتوجه نفس مرضي أو إجرامي.

 حيث أشار Roman(2011) إلى وجود ثلاث تشكيلات للفعل الجنسي المنحرف خلال المراهقة، ترتبط التشكيلة الأولى بالسياق القانوني وما يترتب عنه من آلية الفحص لتقدير درجة المسؤولية، وتأتي تحت مفهوم المراهق المرتكب لجنح ذات طابع جنسي. ويٌأخذ الشكلين الآخرين تحت طائلة علم النفس الإكلينيكي وعلم النفس المرضي. حيث يحتل الفعل الجنسي العنيف مكانة في سيرورة المراهقة، أما ضلوع المراهق في أفعال جنسية عنيفة فتجد تفسيرا لها في أمراض الفعل.

والفعل الجنسي لا يتجزأ عن سيرورة تطورية مرتبطة بالمراهقة. فهو يعبر عن نمط خاص بعمليات المراهقة، عن طريق " الحاجة إلى الصدمة"    Guillaumin(2001)، حسب نماذج فردية وبالنظر إلى طبيعة الفعل. وبإمكانه أن يشكل تحليلا لتعديلات المراهقة، وهنا يسجل كإستراتيجية دفاعية عند مصادفة الاختلاف (بين الجنسين)، وعبء إعادة الحماية للنرجسية بمقابل ظهور الجنسية الخلقية. ومع النمو النفسي يحتل الفعل الجنسي العنيف بما في ذلك الجنحة ذات الطابع الجنسي، مكانة فريدة في الاقتصادية الليبيدية. بالمعني الذي يٌشكل فيه محاولة للعودة من وضعية فتور إلى وضعية نشاط في مواجهة معاش مهدد للتحولات الجسمية الحاصلة (Jeammet,2002,Roman, 2011).

وللخوض في هذه التعقيدات كان لا بد من طرح التساؤل التالي: ما الذي يتميز التعبير الاسقاطي عند المراهق؟ سؤال أجابتا عنه كل من وAzoulayوEmmanuelli(2001) بالإشارة إلى أربع مميزات إشكالية بارزة في إنتاجية المراهق مع التقنيات الاسقاطية. تمثلت في: النرجسية، الاوديبية، الاكتئابية، والهوياتية. وفي محاولة للربط بين هاته الإشكاليات وتغيرات المراهقة والبلوغ، أشارت الباحثتان إلى عملية التفكك النزوي التي تولدها تعديلات المراهقة. ونفس التوجه ذهب Martyإليه بإطلاقه لمفهوم "المجهودات الشاذة المؤقتة" التي تتميز بالقلق مقابل الهجوم البلوغي، اللاتنظيم مقابل النزوات وإعادة تنشيط الإشكالية الاوديبية (Marty,2007). واستخلص البعض وجود عدم القدرة على ربط النزوة بالتصور (Dejonghe et al,2007). كون "النزوة الجنسية وثيقة الارتباط بلعبة من الهوامات أو التصورات التي تعمل على تخصيصها. وهي لا تنتظم تحت صدارة النشاط التناسلي إلا في نهاية تطور معقد ومعرض لشتى الاحتمالات" (لابلانش وبتناليس، 2008، ص541)، فقد كانت قبل هذا التطور نزوات جزئية نشطة، مستقلة عن بعضها البعض ثم مالت نحو الاتحاد، وهو ما يوضح سيرورة البلوغ الجسمي نفسيا خلال المراهقة، حيث لا يجد المراهق ذو الهشاشة البنيوية المتموضعة في مراحل سابقة أو مرتبطة بمواجهات راهنة سبيل لتسيرها سوى بتغيير مسارها نحو الفعل الجنسي.

ومع بروتوكولات الروشاخ التي تم تحليليها في إطار الإجراءات البحثية وتمرير الاختبار في صلب عملية الخبرة النفسية لسبع مراهقين قائمين بالفعل الجنسي. أشارDejonghe et all (2007) إلى وجود كف وفقر في الاستجابات  التي تميزت بنقص الارصان والرمزية، غياب العقلنة (٪+Fمنخفض)، عدم القدرة على التحكم في البروز النزوي (رفض البطاقات ІІ، ІІІ، ІІѴ)، إشكالية في الاتصال مع الآخر عن طريق غياب الاستثمارات الموضوعية (لا وجود لـ K) وعلاقة غير مكتملة إلا في سجل نكوصي غير ناضج، الاختلاف: الذات/ الآخر سيء التكوين، مع هوية سيئة البناء والارصان. خاصة الهوية الجنسية التي تطرح دوما إشكال. وفي بعض البروتوكولات ظهور قلق الخصاء الذي يتموضع خلف واجهة تكيفيه اقل صلابة أعطت المكانة لآلية الإنكار، وصورة امومية مدركة كخطر.

 وأكدتا كل من Marschall وBarbaree(1990) على التشققات المتطورة خلال مرحلة الطفولة وتأثيرها الكبير على المراهقة، حيث يصبح البلوغ فترة مصيرية بالمقارنة مع تطور الاستعدادات النفسية المرتبطة بالسلوك الجنسي المنحرف. فخلال هذه الفترة بالذات يطور المراهق جنسيته، طباعه واهتماماته، وبسبب هذه التشققات يفقد القدرة على خلق علاقات صحية مع الآخر (الرفض، وصعوبة الدخول في العلاقة) وهذا ما يولد الهوامات الجنسية المنحرفة. وهو ما أرادهRoman(2004) من خلال محاولته توضيح التداخل بين سيرورة المراهقة والفعل الجنسي بهدف إعادة توجيه عمليات الضبط الاجتماعي نحو عدم التركيز على الفعل وإهمال الخلفية التاريخية الشخصية، والتأكيد على مكانة التعديلات التي تحدث خلال المراهقة ودورها في إحداث الفعل، حيث قام بدراسة ملفات مراهقين مرتكبين للعنف الجنسي. ثم الاستعانة بالروشاخ وTATللتقرب أكثر من الفاعلين وذلك في إطار الخبرة النفسية، وخلص إلى أن:

ضلوع المراهق في الفعل الجنسي العنيف يعتبر كنمط لتنظيمة خاصة: فهو يملك وظيفة محددة في سيرورة المراهقة التي تحتاج إلى مساندة لمواجهة التجاوز النزوي. تتمثل هذه الوظيفة في إعادة التامين مقابل الدفاع ضد الهبوط الاكتئابي وهي الصيغة التي يمكن فهمها كحل في تسيير الدينامية نشاط/ فتور التي تعرف حدتها خلال هذه المرحلة بالمقارنة مع المميزات الخاصة للمراهقة، حيث ظهرت في بروتوكولات الروشاخ كما يلي:

1.إصابة القواعد النرجسية ترافقها صعوبة في ارصان العلاقة مع الموضوع.

2.ارصان وضعية اكتئابية تدور على شك هوياتي، الذي يترجم بإعاقة الارصان الثانوي وتحويله تحت شكل تصورات.

3.تميز الرهانات التقمصية بمسح الاختلاف بين الجنسين وبالتالي تؤدي إلى اللاتسمية للتصورات الإنسانية.

ووجد لدى أفراد آخرين من نفس مجموعة البحث نمطين من التنظيم يدوران حول الذهان والشذوذ، حيث تتميز سيرورة المراهقة بسيطرة أفعال التعدي، وتجاوزها يكون إما:

4.التحرر النرجسي والموضوعي، أين لا يمكن للمحيط أن يستثمر بطريقة كافية ثابتة ومستمرة.

5.أو ببناء علاقة مع الموضوع في محاولة لتأكيد القواعد النرجسية الهشة.

تماشيا مع هذه المعطيات يؤكد كل من Klein، A. Freud، Winnicottأن تغيرات البلوغ تعتبر مصدر كامن للصراع، كونها تنشط القلق، والإحساس بالذنب والتقاطب. وأطلق Carionمفهوم التباين -الهوية /الغيرية-حيث أن عمل المراهقة يتمثل في إعادة بناء العلاقة بين الجسم والمحيط عن طريق ارصان الهوية. وعليه كان من الضروري أن يشكل المراهق بصورة عامة والمراهق المعتدي جنسيا بصورة خاصة موضوع تقييم وعلاج قاعدي (Omari, 2008). وعارضShoor et al(1966) فكرة الإنقاص من شأن الفعل الجنسي المرتكب من طرف المراهق والذي يتسم خلال التقييم أو التشخيص بعدم النضج الجنسي والاجتماعي.

مقارنة مع هذه المعطيات ينبغي الإشارة إلى الروشاخ كأداة محورية في عملية التقييم، كونها تدفع إلى تفريغ المحتوى الكامن للتوظيف النفسي. حتى ولو كان ذلك في وضعية معقدة كوضعية المراهقة التي ينظر إليها من خلال الفعل الجنسي، لأنها تضع في الواجهة صلابة الدفاعات والأخذ بالحذر في التجاوب مع الخبرة النفسية.

ومع الصعوبة في التعبير لدى المراهق تشكل " البنية اللاشعورية للأداة الاسقاطية، مع حرية الإجابات والوقت، وضبابية التعليمة، نوع من <الفراغ النسبي>، الذي يسعى الفرد إلى ملئه" (Boekholt,1996,p545). وهي شبيهة بوضعية المرور بالمراهقة، أين يحاول الفرد تجاوز الحالة الصراعية التي دفعته نحوها التغيرات الجسمية من خلال البحث عن معالم هويته بالخروج من نرجسية طفولية إلى استقلالية راشدة. ولا يكون من بديل أمامه سوى المرور إلى الفعل الجنسي الذي يأخذ صيغة تفريغية للشحنة الداخلية المتجاوزة لقدراته فهو لم يبلغ بعد درجة من النضج النفسي. حيث برهنت معطيات الدراسات بالاستناد إلى الروشاخ قدرته على الربط بين المتغيرات الجسمية الجنسية وفعل الاعتداء، عن طريق الإشارة إلى الخاصية الدفاعية للفعل الذي أكد انتماءه إلى سيرورة تطورية خلال المراهقة. كما أن المراهق ومن خلاله لا يبحث عن الإشباع الجنسي وإنما عن إرساء بنية دفاعية للنجاة من التجاوز النزوي.

وبنفس المقدار تشكل وظيفة إعادة الحماية التي يضمنها الفعل الجنسي حلا أساسيا في تسيير زوج المتعارضات نشاط/فتور المعروف بحدته، وهو ما يشير إلى عملية مسايرة لتغيرات المراهقة.

وعليه ينبغي تناول الفعل الجنسي خلال المراهقة بحذر شديد خلال عملية التقييم التي تأخذ بعدا تنبؤيا يمنع إشكالية العود(récidive) من خلال استراتيجيات التكفل المتبناة.

2.4-خاصية الازدواجية في الفعل الانتحاري

يأخذ الفعل الانتحاري تحت منظار علم النفس الدينامي عديد التمثيلات حيث تشكل " المازوشية المعنوية" (Rosenberg(1982)، Bergeret(1999)) واحدة من بين الطرق المتاحة لعدم توحد النزوات، التي تظهر في الأخير على شكل هجوم على الذات، وتؤدي" الرابطة الضعيفة" (Green(1986)) ما بين النزوات إلى الانفكاك الذي يزيد من شدة تحرر التناتوس مقابل تقلص الايروس. ومع هذه الازدواجية المتزامنة هناك "نرجسية الحياة ونرجسية الموت" التي تولدت عن طريق الاستثمارات الموضوعاتية، حيث ومن خلالها يشير رفض الحياة إلى رفض الاستثمار.

من جهتهم Haim(1970)، Marcelli et Braconnier(1992) أشاروا إلى مفهوم "عمل الحداد" الذي ينطوي ضمن الإشكالية الاكتئابية التي تلعب دور بنائي خلال المراهقة، هذه الوضعية المتولدة عن الفقدان المتعدد الحقيقي والخيالي للمواضيع، والحاجة إلى التحكم بالجسم الخاضع لتغيرات عدة، تعطي الإحساس بعدم التملك، فيعاش الجسم كموضوع شبه خارجي، غريب، أين يمكن تركيز الميول العدوانية والتدميرية. وقد يلعب الفعل الانتحاري دور الحماية ضد هذه التهديدات الاكتئابية التي تلقح بدورها نفسية المراهق وتنشط الإحساس القوي بالجروح النفسية (Jeammet,1991).

كما يمكن أن تعاد معايشة الاثارات الصدمية السابقة بفعل الانشقاقات الناتجة عن معاش لجنسية الجسم. فتظهر هذه الايثارات في مشهد بلوغي عنيف، محرم. هنا تعرف المحاولة الانتحارية "كلحظة ذهانية" ( ( (1984) M.Lauferدالة على تشققات في عملية النمو،  تشققات متفاعلة  ارتداديا  لمعاش التملك بالنسبة للجسم والهوامات التي ترافقه.

ويؤكدMoraz(2008) انه حتى ولو كان ظهور الفعل الانتحاري بصورة مفاجئة في اغلب الحالات، فانه لا بد وأن يتبع تطور خاص. فالفكرة الانتحارية تتموضع بعد حدوث عامل منشط، ويشكل الموت الحل الأمثل لها. وبمرور الوقت تتحول الأفكار الانتحارية إلى هوامات مسيطرة تستوجب التفعيل.

في حالة فشل المحاولة الانتحارية فان عمل الارصان النفسي الشخصي من اجل الاسترجاع والنضج أمر في غاية الأهمية لتجنب العود، إذن الفعل الانتحاري ذو فهم معقد ومتعدد العوامل يتطلب ممارسات تقيميه عاجلة بالنظر إلى خطورته المصيرية، والروشاخ من هذا المنظور أحد الأدوات المحكية المساعدة في صياغة رؤية شاملة لطبيعة العوامل والاستعدادات المؤدية إلى هكذا فعل من طرف المراهق.

لهاته الأسباب استعان Diwo et all(2004) باختبار الروشاخ استعانة مزدوجة. الأولى تمثلت في الحصول على معطيات حول التوظيف العقلي بتمرير كلاسيكي، والثانية بمزاوجة هذه المعطيات مع شبكة تصور الذات لـ Nina Rausch. عن طريق المقارنة بين مجموعتين من المراهقين (مجموعة تجريبية أقدمت على الانتحار ومجموعة ضابطة)، من اجل إبراز الحركية النزوية خلال فترة المراهقة

فكانت أولى المؤشرات التي تصب في الاقتران الوجودي لزوج المتعارضات (نزوة الحياة ونزوة الموت). داخل الجهاز النفسي، حيث يغلب عليها طابع التشابك والترابط عند المجموعة الثانية، والانفكاك عند المجموعة الأولى. وتشير المعالجة الكمية والكيفية أن 94٪ من بروتوكولات الروشاخ (97٪ عند المجموعة الأولى و90٪ عند المجموعة الثانية) إلى وجود، جنبا إلى جنب لحركتي الحياة والموت، مع ارتباط موجب عند المجموعة الثانية يمكن تأويله كآثار لعمل الارتباط أو التشابك للنزوتين، مقابل غياب الارتباط عند المجموعة الأولى كدليل على عمل الانفكاك النزوي.

من جهة أخرى فان عمل المراهقة وسيرورتا الحداد والانفكاك التي تتضمنها تؤدي إلى تعبير شديد لنزوة الموت، وبدرجة اكبر عند المراهق المنتحر، كما تترافق عملية إعادة التنظيم هذه بنزوة الحياة ولكن بكمية ضئيلة، أين يسيطر بعد العدوانية الذاتية.

بالنظر كذلك إلى النتائج المتعلقة بعدد الاستجابات (R)، عدد الاستجابات الحركية K))، وعدد الترابطات (التداعيات) في الاستجابات بتمرير كلاسيكي. اظهر المراهق القائم بالانتحار فقر الفضاء الانتقالي، وصعوبة في العقلنة خاصة المتمركزة حول الفعل.

بالإضافة إلى وجود عمل ارتباطي ضعيف، وتعبير منخفض عن نزوة الحياة مع تشابك غير مكتمل لنزوتي الحياة والموت. التي تعتبر أهم مميزات التوظيف النفسي ضد التعارض النزوي، حيث يفهم الفعل الانتحاري على الأقل من هذا المنظور كاستجابة بديلة، أو كتعويض فاشل لحل الصراع.

"بالنسبة للنفس فان المرور بالمراهقة لا يمكن أن يتم بدون خطر، وكذلك إدراكها من غير مصادفة إشكالية الموت ومخرجاته" هكذا مهد كل منMorhain et Morhain,2010،p331)) لطرحهما حول عنف المحاولة الانتحارية خلال هذه الفترة العمرية. هذا التناقض الظاهري ما بين ضرورة التطور والنمو، وبين التوقف الحياتي. يوضح بدقة مدلول الفعل الانتحاري خلال عملية المراهقة. فمن جهة إسقاط صريح لحقيقة صراعية ما بين النزوات. حيث هناك ميل أكبر نحو تفعيل نزوة الموت بالمحاباة مع نزوة التدمير الذاتي، مقابل تقلص معتبر في نزوة الحياة، وهذا ما يشير إلى خلل على مستوى آلية التشابك/ الانفكاك المعروفة بنشاطها في النفس.

ومن جهة أخرى وفي هذا المقام بالتحديد يملك الروشاخ خاصية فريدة تتمثل في انعكاس من خلال الإسقاط لهذه الحركية الداخلية وبالأخص في ارتباطها بالمرحلة البلوغية التي تسأل النفس والجسم معا، هذا الأخير الذي يشكل موضوع وجودي ملموس يمكن استخدامه للتعبير عن التفاعلات الداخلية المصابة بالخلل، ربما المؤقت خلال هذه الحقبة. وللتفاوض مع العالم الخارجي حول استمرارية الإحساس بالوجود، أو كاستغاثة معبرة عن "الحاجة إلى الأمان" (((1985) Winnicottالمبحوث عنها أساسا لدى المواضيع الخارجية كمنفذ أخير لمواجهة التآمر النزوي (نزوة جنسية، نزوة الموت) الذي لم بعد بالإمكان مجابهته خصوصا إذا ما اخذ صبغة مرضية (سوداوية).

يعبر الفعل الانتحاري خلال هذه المرحلة بالذات عن إشكالية مصيرية تأخذ بعد استعجالي مقارنة مع خطورته، الشيء الذي يضع على المحك حياة المراهق، ويدفع إلى ضرورة اكتشاف آليات ما قبل الفعل. وهنا يمكن الاستشهاد بأهمية الكوكبة الانتحارية (S-CONS) التي صاغها ExnerوWeley(1977) بعد معالجة بروتوكولات الروشاخ لأفراد أقدموا على الانتحار الناجح، وبالنتيجة تجلت أهمية هذا المتغير في الوقاية من الفعل الانتحاري ذو المحدد التقاطبي، في حالة الفشل بمعنى الحياة، وفي حالة النجاح بمعنى الموت (Ricaux et  Fouques, s.a.e, p48).

خــــــاتمة

  يمتلك الروشاخ خاصيتا التمحيص والتدقيق في الوقوف على خصائص النفس وتجلياتها، فيستطيع بفعل الإسقاط مواكبة حركية القوى النفسية باعتبارها عامل مهم للدلالة على الوجود الإنساني. والحصر لإشكال الاختلال الوظيفي في أقطاب النفس، كتعبير صريح عن مميزات مستدخلة سابقا في تاريخ الفرد، أو معاش نفسي راهن حتمي وإلزامي في سيرورة النمو. إذن ومن هذا المنطلق فهو يمنح مجازا صورة رقمية متعددة الأبعاد عن كينونة الفرد، بدءا من تاريخه الطفولي مرورا بالمراهقة. بالإضافة إلى إمكانية التماس طرح تنبؤي لمسار تطوري مستقبلي عن حياته.

واستطاع تأكيد مرونته عند الاستعانة به كآلية اسقاطية بامتياز مع المراهق. من خلال احترام خصوصية النمو التي تتميز بالدينامية من جهة وعدم الاكتمال من جهة أخرى. وأظهرت المعطيات المسقطة هذه الخصائص. على اعتبار أن مرحلة كهذه" يمكن أن تفهم كنتاج لمحاولات الموائمة مع حالة البلوغ "(Stassart, 1996,p2).  حيث يفرض على المراهق القيام بوظيفة شاقة، من استيعاب وموائمة التغيرات التي يفرضها الجسم لمساعدة النفس على تجاوز الاندفاعة الجنسية التي تتولد عن عملية البلوغ. ولأداء هذه الوظيفة يحاول المراهق الدفاع تفضيلا بواسطة المرور إلى الفعل ذو الصيغة التفريغية المحتواة في عملية النمو، او يختبر الموت الذي يكشف عن نداء مقنع تعبيرا عن معاش نفسي يعكس التأمر النزوي (نزوة الموت والنزوة الجنسية). وهو ما أبرزه الروشاخ عند تناوله للفعل الجنسي والفعل الانتحاري في مرحلة المراهقة

1- لطفي الشربيني ،د.س.ن، معجم مصطلحات الطب النفسي ، مركز تعريب العلوم الصحية،الكويت، ص 144.

2-لابلانش جان وبنتاليس  جان برتراند ،معجم مصطلحات التحليل النفسي، ترجمة: مصطفى حجازي، المنظمة العربية للترجمة، لبنان،2008، ص 62، 72، 70، 185، 590، 541.

3-Andrinikof A, " Le Rorschach et les techniques projectives", Psychiatrie, (Elsever Masson SAS), Paris, A10, p-p 37-150, 2008, p 3, 4.

4-Anzieu  D,  Les méthodes projectives, PUF, Paris, 1970, p10.

5-Anzieu D, Chabert C, Les méthodes projectives, PUF, Paris, 1992, p25.

6-Anzieu  D, Chabert C, Les méthodes projectives, Quadrige, Paris, 2004.

7-Archambault J C, Mormont C,Déviances, délits et crimes, Masson, Paris, 1998, P45.

8- Aulagnier P,  La violence de l’interprétation. Du pictogramme  à l’énoncé, PUF, Paris, 1975.

9-Balier  C, Psychanalyse des comportements violents, PUF,  Paris, 1988, p 62.

10-                                            Bergeret  J,  Psychologie Pathologique, Masson,  Paris, 1986, p82.

11-                                             Boekholt M, "Fondements pulsionnels de l'expérience visuelle, le regard à travers la genèse du processus Rorschach", La Psychiatrie de l'enfant, XXXIX(2), p-p537-577,1996, p545.

12-                                           Chabert C, Le Rorschach en clinique adulte,Interprétation psychanalytique, DUNOD, Paris, 1983, p7.

13-                                            Chabert C, Psychanalyse et méthodes projectives, Collection Les Topos, (Dunod), Paris, 1998.

14-                                            Chabert C, " La Psychanalyse au Service de la Psychologie Projective",  Psychologie Clinique et Projective, 1-n°7, p-p55-59, 2001, p58.

15-                                            Chabert C, La Psychopathologie à L’épreuve du Rorschach, Dunod, Paris,  2002.

16-                                             Dejonghe M  et al,"Apport du test de Rorschach dans l’évaluation diagnostic et pronostic d’adolescent auteurs d’infractions à caractère sexuel" Psychologie clinique et  projective, 1- n° 13, p-p 347-369, 2007.

17-                                              Dejours C, Le corps d’abord, corps biologique, corps érotique et sens moral, Payot αRivages, Paris, 2001.

18-                                            Diwo R et al, "Pulsion de vie, pulsion de mort: une intrication a mieux évalué dans une démarche de prévention de l’agir suicidaire a l’adolescence",Psychologie clinique et projectives, (ERES), 1- n° 10, 2004.

19-                                             Exner J,  Le Rorschach : un système intégré, Frison-Roche, Paris, 1993.

20-                                          Frank L K, "Projectivs Methods for the study of the personality ", J, Psychol, p-p 389-413, 1939, p395.

21-                                           Gamache G , Étude exploratoire des caractéristiques intrapsychiques d’individus présentant une organisation limite de la personnalité selon la direction du passage a l’acte,thèse de doctorat, Université du Québec,2010, non publier.

22-                                         Green A, Narcissisme de vie, narcissisme de mort, Les Editions de Minuit,Paris, 1983.

23-                                          Hoffmann C, "Impact adolescent", Le Bachelier, p-p 9-19,  2004.

24-                                           Holmes DS,Dimensions of  projection, Psychological Bulletin, 69, p-p248-268,1968.

25-                                          Ionescu S  et al,  Les mécanismes de Défense, Nathan Université, Paris, 2003, p 229, 230.

26-                                          Jeammet P, "Les enjeux des identifications à l'adolescence",Journal de la Psychanalyse de l’Enfant, 10, p-p 140-163, 1991.

27-                                          Jeammet  P,"La violence: Une réponse à une menace sur l’identité", In Sens et non-sens de la violence, O. Halfon, F.Ansermet, J. Laget & B. Pierre Humbert,  PUF, Paris, p-p 179-211, 2002.

28-                                          Lacan J, Séminaire XV, L’acte analytique, inédit, 1967.

29-                                          Lafortune D,"La délinquance Sexuelle a la lumière des Epreuves Projectives",  Pratiques psychologiques,(Mardaga),p-p 69– 110,2006.

30-                                           Lagache D, "La rêverie imageante, conduite adaptative au test de Rorschach",  Bulletin du Groupement français du Rorschach, chap 9, p-p 3-11, 1957.

31-                                             Lesourd S,  "La frustration de l'acte et l’adolescent", in L'agir adolescent, Christian  Hoffmann,  Le Bachelier, (ERES), p- p 21-32, 2004, p23.

32-                                          Léviellée S, Étude comparative d’individus limites avec et sans passages a l’acte héteroagressifs quant aux indices de mentalisation au Rorschach, Revue Québécoise de psychologie, vol 22, n° 3, 2001.

33-                                            Léviellée S et al, L’utilisation des méthodes projectives, Revue Québécoise de psychologie, 29(2), p-p5-10, 2008, p5.

34-                                           Morhain E, Morhain Y,"Violon .La tentative de suicide d’une Adolescente : Travail de deuil et sublimation",  Adolescence,  (Greupp), 2n° 72, p-p 331-345, 2010, p 331.

35-                                           Millaud F, Le passage a l’acte, Aspects cliniques et psychodynamiques, Masson, Paris, 1998, p 96.

36-                                           Omari F, La délinquance juvénile : Les discours des Mineurs délinquants  comme écho familial, vers une meilleure compréhension de la délinquance à travers la dynamique relationnelle Parents-enfant, , Thèse de Doctorat, Université Rennes II  Haute Bretagne , 2008, non publier.

37-                                           Plutchik R, "A Theory of ego defenses", In Ego defenses, Theory and measurement, H.R. Conte ET R Plutchik, John Wiley and sons Inc, New York, 1995.

38-                                           Postel J,   Dictionnaire de Psychiatrie et de Psychopathologie clinique, Larousse, Paris, 1995, p 359.

39-                                           Raoult P A, "Clinique et psychopathologie du passage a l’acte", Bulletin de Psy, 1n°481, p-p 7-16, 2006.

40-                                           Rausch de Traubenberg  N,  La Pratique du Rorschach, PUF, Paris, 1993, p7.

41-                                            Richelle J et al,  Manuel du test de Rorschach, Approche formelle et psychodynamique, De Boeck,  Paris, s.a.e, p20.

42-                                          Ricaux V, Fouques D,  "Étude comparative entre sujets suicidant et sujets suicidaire, Nature et gestion des affects à travers le Test de Rorschach S.I",Etudes et Pratiques en Psychologie, Vol 1n°2, p-p 42-61, s.a.e, p 48.

43-                                           Roman P,  "Les agris sexuels violents des adolescents, Une approche clinique et criminologique", In L’agression sexuelle: Transformations et paradoxes, (Cifas-Institut), Montréal, p-p 284-306, 2011.

44-                                           Roman P, La violence sexuelle et le processus adolescent dynamique et aménagement psychiques, des auteurs aux victimes de violence sexuelle, l’apport des méthodes projectives,Psychologie clinique et projective, (ERES), 1n°10, 2004.

45-                                           Sami A,  De La Projection, Casbah, Alger, 1970, p 17, 24, 25.

46-                                           Stassart  M, "Adolescence - post adolescence et processus décisionnel sous l'éclairage du Rorschach", Actes du 4ème Congrès AERVIII, Liège - Belgique, p-p  30- 31, 1996, p2.

47-                                           Tunaboylu T I et al, "Etude Normative du Rorschach de la Population Adolescente TURQUE", Psychologie Clinique et Projective, 1n°V16, p-p209-231, 2010, p211.

48-                                           Winnicott D W, Jeu et réalité, Gallimard, Paris, 1975.

Pour citer ce document

فتيحة بومعزة, «إسهامـــــــــــــــــات رائز الروشــــــــــــاخ في الدراســـــــــات النفســـــية حـــــــــول الفعــــــل المنحرف لدى المراهــــــــق - الأهمية والخصـــــــوصية-»

[En ligne] مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales العدد 24 جوان 2017N° 24 Juin 2017
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2017-06-21,
mis a jour le : 21/06/2017,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=2242.