مبدأ الاقتصاد اللّغوي في الاستعمال العربي " منزع الخفّة واجتناب الثّقل نموذجا "
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

27
28

العدد 25 ديسمبر 2017 N° 25 Décembre 2017

مبدأ الاقتصاد اللّغوي في الاستعمال العربي " منزع الخفّة واجتناب الثّقل نموذجا "

هادية رواق
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

تتحدّد شخصية اللّغة من خلال تمظهرها على ألسنة المتكلمين بها ، أو من خلال الكتابة ، وللعربية كما هوالأمر في اللّغات الطبيعية جميعها ، مجموعة من المواصفات الفردية ، والمؤهلات الفطرية، المتعلّقة ببنيتها الدّاخلية. يحاول هذا المقال أن يرصد بعض تلك الظّواهر التي تميل إليها العربية ، والتي كانت علامة مائزة لها ، منها مبدأ الاقتصاد اللّغوي الذي تلتزمه العربية ؛ من خلال ملمح يكاد يكون أصيلا فيها ؛ هو ظاهرة النّزوع إلى الخفّة وتجنب الثّقل.وقد رصدنا بعض الظّواهر في الحروف ، والكلمات، والنّطق، والأبنية والأوزان ، وبعض الأحكام النّحوية ، لنصل إلى أنّ كلّ تلك الظواهر كانت من مؤهّلات العربية لتبليغ القرآن ، وتفعيل رسالة حضارته.

الكلمات المفاتيح: الاستخفاف ،الاقتصاد اللّغوي ،النّطق والأصوات ،الأبنية والأوزان ، المماثلة والإدغام . 

Le caractère d’une langue se définit soit par la manifestation verbale soit par l’écrit. L’arabe, entre autres langues naturelles, dispose d’un ensemble de caractéristiques particulières et de potentiels naturels venant de ses structures profondes. Notre propos essaye de cerner certains de ces phénomènes qui caractérisent la langue arabe, tel que le principe de l’économie linguistique qui en constitue un centre d’intérêt inéluctable, par le moyen d’un repère révélateur qui est l’attirance pour la souplesse. Nous nous sommes penchés surtout sur les lettres et les mots, la prononciation, les structures et les métriques et un ensemble de règles grammaticales, pour aboutir au fait que tous les phénomènes relevés attestent réellement des potentialités de la langue arabe, et en font le meilleur réceptacle qui soit pour l’accueil du Saint Coran et la transmission de son message.

Mots clés : Légèreté, économie linguistique, structure  , mots, prononciation, structure et métrique, contraction.

The character of a language is defined either by verbal manifestation or by writing. Arabic, among other natural languages, has a set of particular characteristics and natural potentials coming from its deep structures. Our aim is to identify some of the phenomena that characterize the Arabic language, such as the principle of linguistic economy which constitutes an inescapable center of interest, by means of a revealing landmark which is the attraction for flexibility . We have concentrated on letters and words, pronunciation, structures and metrics and a set of grammatical rules, in order to arrive at the fact that all the phenomena revealed really attest to the potentialities of the Arabic language and make it the best receptacle which is for the reception of the Holy Quran and the transmission of its message.

Keywords: Lightness, , linguistic economy, structure, words, pronunciation, structure and metric, contraction.

Quelques mots à propos de :  هادية رواق

أستاذ مساعد أ، جامعة محمد لمين دباغين سطيف2

مقدمة

          لابدّ للوجود الإنسانيّ من بعد لغويّ يتواصل النّاس في ظلاله ، فاللّغة هي الجسر الوحيد المفضي إلى تعريف الموجودات ، وتمييز القيم إِنْ في حياة النّاس الحادثة ، أم في حياة المعارف والعلوم . واللّغة هي الرابطة الوحيدة والحقيقية بين عالم الأجسام وعالم الأذهان ، عن خصوصية ارتباط العربية بالقرآن الكريم ، نتساءل هل كان الأمر تشريفا غيبيا ؟ أم أنّ ذلك لكفاءتها باعتبار بنيتها الداخلية ومواصفاتها الفردية ؟ أم أنّ العربية حازت الأمرين معا ؟ نركّز الحديث على جانب من بنيتها الدّاخلية ، إنّه منطق العربية في النّزوع إلى الخفّة ، الذي وسمها بسمة اللّين والمطاوعة ، فلا أحد ينكراعتناء العرب بلغتهم ، ومبالغتهم  في تمدّحها وإعجابهم بدقّة وضعها ، ومهارة واضعها .

    أعظمُ حدث في تاريخ العربية هو نزول القرآن بحرفها ، فهو ما أعظم  أمرها ، وخلّد ذكرها ، قال الله  تعالى: (لِسَانُ الذِّي يُلْحِدُونَ إِلَيْه أَعْجَمِيٌّ وَهَذاَ لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ )1وقال تعالى: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ )23وهو أمر دعا علماء العربية إلى التشدّد في أمر العربية وجعلها أرقى اللّغات إبانة وبيانا ، لا بل راح بعضهم ينفي البيان عن اللّغات الأخرى ، قال ابن فارس:"وإذا أردت أنّ سائر اللّغات تبيّن إبانة العربية فهذا غلط".4ويضيف: "فلمّا خصّ _سبحانه_ اللّسان العربيّ  بالبيان عُلم أنّ سائر اللّغات  قاصرة عنه وواقعة دونه ."5ويجد بعضهم اللسان العربي " هو المنزّه من بين الألسنة من كلّ نقيصة ، والمعلّى من كلّ خسيسة."6وقد رغبت كلّ الأمم في ترجمة علومها إلى العربية ، والأخذ عنها وعدم رغبة أهل القرآن في ترجمته إلى لغات الأمم الأخرى ، وقد تعذّر الأمر"لكمال لغة العرب ونقصان سائر اللّغات."7ومن المحدثين من يساند القدماء الرّأي قال الرافعي: "فلا جرم كانت حرية بأن تكون مناط الإعجاز ، لأنّها الخِلقة اللّغوية الكاملة."8رغم وجود هذا الاتّجاه الذي يمجّد العربية ويسمو بها فوق لغات البشر، فإنّ هناك من يرفض الرّأي ، وقد ذهب ابن حزم إلى أن يصف بالوهم ، كلّ قوم رأوا تفضيل لغتهم عن غيرها من اللّغات ، وهذا لا معنى له، لأنّ وجه التفاضل بين اللغات معروف ، وهو يأتي بعمل أو اختصاص وليس من عمل اللغة ، ولا أوردت النصوصالمقدّسة تفضيل لغة على لغة ، وقد خطّأ ابن ُحزمجالينوسا حينما ذهب إلى أنّ لغة اليونانيين تفوق كلّ اللّغات ، وأنّ سائر اللغات تشبه نباح الكلاب ، أو نقيق الضفادع بقوله : " كلّ سامع لغة ليست لغته ولا يفهمها ، فهي عنده في النّصاب الذي ذكر جالينوس ولا فرق."9

   نروم من خلال هذه الكلمة الغوص في بعض ظواهر العربية ، ومحاولة رصد الخصائص الكامنة في بنيتها ، والتّي من شأنها أن تكون علامة مائزة لها ، تكشف عن قدراتها الذاتية ، ومؤهلاتها الفطرية التي تميّزها عن غيرها ، وعلى ذلك يكون للعربية وصفان تقوم عليهما ؛ الوصف الأول هو مقام التشريف ؛ الذي حظيت به إذ أنّها أدت رسالة القرآن والدين والحضارة أحسن آداء ، وأكمله ، وهذا أمر أثبته واقع العربية وتاريخها ، فهي التي حوت كتاب اللّه بلفظه ومعناه ، ولم تعجز عن الإحاطة بعلوم حضارته ، والوصف الثّاني ؛ هو مؤهّلاتها الفطرية ، التي نجمل الحديث عنها من خلال صفة المرونة والخفة ، أو ما يُعرف بالأقتصاد اللّغوي ، فإذا كان الاقتصاد في معناه العام من القصد وهو الاستقامة ، والعدل والتوسّط بين الإسراف والتقتير ، فإنّ الاقتصاد في اصطلاح علماء اللغات يكون بمعنى أن يبلغ المتكلّم بمضامين كلامه الفوائد القصوى ، مع اكتفائه بأقلّ قدر من الجهود الذهنية والوظيفية لأداة الخطاب ، لذلك يسعى البحث للكشف عن مدى تجاوب العربية مع هذا المبدأ .؟

سمات  تجمع العرب بالعربية وتُميّزها عن باقي اللّغات

كانت العربية في بداية عهدها لغة مجموعة من القبائل المتناثرة في أطراف شبه الجزيرة ، يجمعها عامل الجنس والتاريخ والجغرافيا والعادات والتقاليد، عزّزها الدين ، و قد عرف العرب " بلطف الحسّ وصفائه، ونصاعة جوهر الفكر ونقائه، لم يؤتوا هذه اللّغة الشّريفة، المنقادة الكريمة ، إلاّ ونفوسهم قابلة لها ، محسّة لقوة الصّنعة فيها،معترفة بقدر النّعمة عليهم بما وهب منها".10فهم يستخدمون هذه اللغة  فتعطيهم قدر ما تطلب بيئتهم وحياتهم البسيطة المحدودة الواضحة في مفاهيمها وأفكارها، الدقيقة في ألفاظها وتعابيرها، وإلى هذا الزّمن من تاريخ العربية كانت العربية قد أعطت لمستخدميها ما تعطيه كلّ لغة طبيعية ، وهومعجم الثّروة المفرداتية المخزّنة في أذهان أفرادها،و نظام قواعد دقيق يرسم أسس تأليف أبجديّتها، فهي تسير على خطى اللّغات الطبيعية .

   ولم تبخل العربية على مستخدميها بذلك ، فهي لغة قد قدّمت رمزها الاصطلاحي من حرف وكلمة ، وقاموسها اللّغوي  حيث قبضت وعبّرت بألفاظها على كلّ ما درّت به حياة العرب من معان ، أمّا نظامها النّحوي فلا جدال في أن أحكمت بناءه اتفاقا مع أوضاعها ، وقدّمت فوق كلّ ذلك أفقا أعلى للغة الشّعر ، لأنّ قومها نبغوا في الشّعر وبرعوا فيه .وإلى ذلك الحين لم تكن العربية لغة فتية ، ولم تكن في بداية أطوار حياتها ، بل كانت في أعلى السّلّم الطّبيعي للّغات المتطوّرة  ، لأنّها مرّت قبل هذا التاريخ بأدوار تهذيبية*11فاستوفت العربية حينها مطالب حضارة الشّعر ، ذلك المطلب الرّوحي ّالعظيم ، وتلك الموهبة الفطرية التي جُبل عليها العرب ، يقول الرّافعي في هذا السّياق " لا جرم كانت جزيرة العرب وكانت قبائل العرب وكانت لغة العرب سواء في سموّ الطّبيعة وتميّز الشّأن والنّزعة إلى الكمال الفطريّ في كلّ ما هو من معاني الفطرة".12

وللعرب في شبه الجزيرة كغيرهم من الأمم ، مجموعة ميزات تبرز كمظهر من مظاهر حياتهم الاجتماعية من ذلك عنايتهم بالخفّة والمَلاحة والرّشاقة ، التي كانت طبعا من طباعهم في الحياة ،ولا أدلّ على ذلك من إعجابهم بالحمام والظّباء والغزلان ، فقد لازم ذكر هذه الحيوانات لمواقع تمدّحهم بالخفّة والرّشاقة واللّطف،بل قد مالت حياتهم كاملة إلى مظاهر البساطة والخفة فمساكنهم خفيفة المحمل والقرآن ناطق بها ، وأزاودهم  قليلة سريعة التّنقّل والتّبدّل بينهم في الثّبات والتّرحّل ، جيادهم مستنفرة مستعدة للحرب ، شجعانهم يتلهّفون للإغاثة ، وكرماؤهم يسارعون للبذل والعطاء ، وهي كلّها من ملامح النّشاط والسّرعة ، ومن دواعي الخفّة واللّطف ، وأكثر من ذلك تجدهم يتمدّحون الخفة حتّى في المشاعر والأحاسيس والأكل

   يقول جميل:         فلو كنت عذريّ الصبابة لم تكن       بطيئا وأنساك الهوى كثرة الأكل13

 قال ابن جنّي: "وممّا يدلّك على لطف القوم ورقّتهم مع تبذّلهم و بذاذة ظواهرهم ؛ مدحهم بالبساطة والرّشاقة ، وذمّهم بضدّها من الغلظة والغباوة . " 14فلم تكن لغتهم  بمنأى عن هذه المواصفات ، بل تأخذ اللّغة من طبع المتكلّم بها ، كما يأخذ المتكلّم من صفات لغته ، والحركة متبادلة لأنّ "بنية أيّة لغة من اللّغات ذات علاقة بعقلية المتكلّمين بها ، وبنظمهم، وبحضارتهم المادّية.15واللغة تتبع المجتمع في كلّ أحوال الاجتماع في البسط والقبض،  في الحرب والسّلم ، في الشّدة والرّخاء ، و في كلّ ما ينقلب عليه ، ويحدث فيه بحيث " لا تخرج عن أن تكون مرآة تظهره كما هو في نفسه ، مهما تنوّعت أشكاله واختلفت أزياؤه."16فلا تخرج عن وصف المجتمع كما هو في وعيه ، وإدراكه ، ومختلف أحواله ، وإذا كانت اللّغة عموما أصدق وأظهر مظاهر الحياة الاجتماعية والعقلية والنّفسية ، كما تبيّن لنا، فللعربية  "ملامحها الّتي مازتها من غيرها من اللّغات، وجعلتها لغة ذات ضوابط وحدود معيّنة . "  17ولم تكن لغة العرب عفوا ، ولا رجما ، ولا استرسالا ، بل هي طبع جُبلوا عليه ، فعانق أرواحهم وعلّق أفئدتهم بها فراحوا يعطونها العناية الفائقة بنوعية الألفاظ ، وحقوق المخارج، وللإعراب نصيبه الكامل ، وهم في كلّ ذلك يعتمدون على القرائح التي لا تميل بطبيعتها إلاّ مع الاستخفاف ، وتبتعد عن الاستثقال18

السّمات المائزة ، والعلامات الفارقة.

العدول عن الثّقيل إلى ما هو أخفّ منه ، لغرض الاقتصاد في الجهد، والاختصار في الصيغ.

    للعربية من بين اللّغات الطّبيعية سمات فارقة تميّزها عن غيرها ، وتجعلها لغة ذات خصوصية نوعية تضاف إلى رصيدها فتحدّد منطقها الذّي قامت عليه إذ " لكلّ لغة منطقها ونظامها الخاصّ يراعيه المتكلّم بها ويتمسّك به."19و" العرب تميل عن الذّي يلزم كلامها الجفاء إلى ما يليِّن حواشيه ويُرِقُّها ." 20إنّ قانون الاقتصاد في الجهد والاختصار في الصّيغ بلغة المحدثين،  أو تجنب الاستثقال والميل إلى الخفّة بلغة القدماء  ، هو قانون شائع في اللّغات الطّبيعية جميعها ، وليست العربية بمعزل عن ذلك ، فمن المسلّم به في علم اللّغة الحديث أنّ " التطوّر اللّغوي يلحق ثلاثة نظم لغوية منفصل أحدها عن الآخر؛ نظام النّطق ، ونظام المفردات ، ونظام الصّيغ النّحوية ." 21فإذا جئنا إلى نظام النّطق نجده يرتبط بمنطق ثابت ، هومنطق الاقتصاد في الجهد والاختصار في الصّيغ ، وهو قانون عملت به اللّغات المتطوّرة جميعها ، إذ لوحظ أنّ الميل العام في تطوّر اللّغات هو الاتّجاه نحو تيسير النّطق بأصواتها ، أو ما يعرف بقانون الجهد الأقّل ، وقد مالت إليه العربية لذات الغرض.22لكنّه بالعربية أشدّ ارتباطا وأكثر شيوعا ، فقد اعتنى العرب منذ وصلتنا العربية بمنطق لغتهم ، وأعطوه بالغ الاهتمام من خلال العدول عن الثّقل إلى الخفّة ، وتبيّن أنّ كلّ ما رفض من الكلام أو ابتعدت عنه العربية جنوحا إلي غيره من كلمات ، فإنّما "فعلوه استثقالا ؛ وكلّ ما قبلوه أو عدلوا إليه فلخفّته على ألسنتهم".23فكان عامل تطوّر ونمو من داخل اللّغة حيث عملت هذه السّمة على استقلالية وكمال بناء العربية ، فحقّقت عامل النمو الداخلي لأنّها لجأت لاستعمال القوى الكامنة في اللّغة  دون الاعتماد على غيرها، وهو ما يحقّق عامل الاستقلال اللّغوي و "اللّغة تتطوّر نتيجة ميل المتكلّمين بها إلى ترك ما يستثقل من الكلام إلى ما هو أخفّ منه. " 24

  ـ  توظيف جهاز النّطق

    العربي يتصرّف في لغته على السجية والطبيعة التي جُبل عليها ، والتي خُلقت فيه ، ورُكِّبت في طبعه ، وكانت مظهر من مظاهر قريحته ، وهو يسعى للاستخدام الأمثل والمثالي لجهاز النّطق ، فإذا كان الجهاز في حد ذاته قسمة عادلة بين البشر ، وهم متساوون في قسماته وتركيبه ، فإنّ العلامة الفارقة هي توظيف الجهاز " والاستخدام هو ما يحدث الفرق بين اللّغات البشرية. " 25

  لغة العرب تامة الحروف ، وعدد حروف العربية ثّمانية وعشرون حرفا "لم ينقص منها شيء فيشينها النّقصان ،ولم يزد فيها شيء فيعيبها الزّيادة. " 26ولهذه الحروف مخارج محدّدة معقولة ، وأحياز مختلفة ، ومدارج ثابتة ، بعضها فوق بعض، تدرّج بها ناطق العربية تدرجا ثابتا متوازنا "فالحاء والخاء والعين والغين والهاء والألف والهمزة حيّزها الحلق،والقاف والكاف حيّزها اللهاة، والجيم والضاد والشين حيّزها شجر الفم ، والصاد و السين والزّاي حيّزا أسلة اللّسان إلى أطراف الثّنايا، والطاء والدال والتاء حيّزها الحنك بتطبيق اللسان إلى أطراف الثنايا، والظّاء والذال والثاء حيّزها اللثة والرّاء واللام والنون حيّزها ذلق اللسان إلى الشّفتين، والفاء والباء والميم حيّزها الشّفة، والألف والياء والواو هوائية ليس لها جروس ولا اصطكاك لأنّها تنسل من جوف الحنك." 27

   و هذه الحروف هي التي بنيت عليها العربية بناء كليّا لا تنقص ولا تزيد وتؤدي في العربية آداءً كاملا، بينما تحتاج اللّغات الأخرى للزيادة عليها في حروف لغاتها كي تؤدي آداء العربية وهم يلجأون للتقريب بين تلك المخارج والأحياز كي يتم النطق فتقلب الحاء هاءًا فيقال مهمد في محمد وتقلب العين ألفا فيقال" ألي"في علي،وتقلب الغين واوا فيقال "ولام "في غلام وتقلب القاف كافا فيقال للقمر "كمر"، وتقلب الطاء تاءا فيقال في الطاووس "تاووس "وقلبوا الظاء والضاد دالا فقالوا في ضربه وظلمه "دربه" و"دلمه.28

 أمّا في العربية فقد أخذت جميع  الحروف مسالك لينة ، وانضوت جميع مخارجها في مسالك ثابتة ومدارج متوازية ، وأحياز متناسقة ، شغّلت كلّ جهاز النطق باعتدال وتوازن ، وتوازٍ ، اشتغل علماء العربية بوصفها قديما ، وحديثا ، و"جاءت أصوات هذه اللّغة موزّعة على مدارج النّطق توزيعا واسعا شاملا لكلّ نقاطه ومواضعه. " 29وليس هذا إلا ّدليلا قاطعا على حسن توظيف الجهاز واستخدامه استخداما معتدلا، واستغلاله استغلالا منتظما.

وهي ميزة من مزايا العربية التي توحي بالخفة والوضوح ، مع سلاسة المخارج ووضوحها كما تقدّم ، وتُظهر طرائقهم في الكلام ميلهم الشّديد إلى الإيجاز والتّسهيل لتحقيق طواعية اللّغة ، وتيسيرها على المستعمل، وقد كانت العربية كذلك، نعم طيّعة على ألسنة المتكلمين لأنّها "استخدمت جهاز النّطق عند الإنسان خير استخدام وأعدله. " 30

 حروف وألفاظ و علل وأحكام نحوية بنيت على أساس الخفّة وتجنب الاستثقال.

طلب الخفة ثابت أساسي من ثوابت العربية ، وعلامة ذلك اجتناب كل ما يستثقل من الكلام ، وينبو عن الحسّ في النّطق والسّمع معا، بدءًا بالحروف وانتهاء بالجمل والأساليب.

  ـ علة كثرة استعمال حروف وقلة استعمال أخرى .

  تكون الياء والواو والهمزة أكثر الحروف دورانا في العربية، بينما تأتي الظّاء ، والذّال،والثّاء ، والشّين ، ثمّ القاف، ثمّ الخاء ، ثم العين، ثم النّون، ثم اللام، ثم الرّاء ،ثم الباء، ثم الميم وتكون هي أقلّ ما يستعملون31لثقلها بمعنى أنّ هذه الحروف يقلّ استعمالها نزولا حسب التدرج المذكور ، وإذا جئنا إلى تجاور هذه الحروف، فإنّ كثيرا منها لا يجاور بعضه البعض ولا يجتمع معه في التّركيب بسبب الثّقل وهو مستنكر في العربية مثل " الغين مع الحاء ، والقاف مع الكاف ،والحرف المطبق مع غير المطبق ، مثل تاء الافتعال مع الصّاد والضّاد في أخوات لهما ، والواو السّاكنة مع الكسرة قبلها، والياء السّاكنة مع الضّمة قبلها. " 32

 اجتهد العرب في تخفيف الكلمات التي تدخل استعمالهم ، وكان إبدال بعض الحروف هو القانون السائد ، وذلك بما يتوافق مع حروفهم ، ويعتمدون في كلّ ذلك أقربها مخرجا لغرض التّخفيف ، الذي يحدث حال تمثُّل تلك الكلمات الدّخيلة وحتّى ذا تعرّب اللّفظ فلابدّ من مراعاة ائتلاف حروفه ، ولم تجتمع الجيم والقاف في كلمة عربية  فمتى جاءتا  في كلمة فاعرف أنّها معرّبة ولا تجتمع الجيم والصّاد في كلمة عربية ، "وليس في أصول أبنية العرب اسم فيه نون بعدها راء ، فإذا مرّ بك ذلك فاعلم أنّ الاسم معرّب وليس في كلامهم زاي بعد دال إلاّ دخيل".33مثل: مهندز بدّلت الزّاي سينا فهي مهندس ،  و "لم يُحك أحد من الثّقاة قال كلمة عربية مبنية من باء وسين وتاء فإذا جاء ذلك في كلمة فهي دخيل".34

من أمثلة تلك الكلمات الدّخيلة في العربية35الجوق بمعنى الجماعة من النّاس ، الجرامقة   بمعنى جيل من النّاس ، الجوسق، فارسي معرب وهو تصغير قصر ،  الجوز معروف وهو فارسي معرب ، جلٍق اسم دمشق أعجمي معرب ، جورب أعجمي معرب ، بستان فارسي معرب هذه الكلمات من أصول أعجمية ثقيلة على اللّسان العربي ، أما التحاقها بالعربية  فلا يكون إلاّ بحاجز بين الجيم والقاف ليفترق الثّقيلان فيخفّ النطق ، تجتمع القاف والجيم في كلمة واحدة ولكن بظهور الحواجز بين الحرفين .وتميل العرب إلى الحروف المتباعدة ، لأنّ التّقارب في مخارج الحروف مستكره حال التّجاور وهو مستقبح أين ما كان سواء في البناء الواحد أو البناءين معا مثل تقارب اللاّم والرّاء و" ليس في كلامهم لر."36قالالله تعالى : (بَلْ رَانَ عَلَىْ قُلُوبِهِمْ.)37"لا يبيّنون اللام ويبدّلونها راء "و في قوله تعالى:( الرَّحْماَنِ الرَّحِيمِ )38صيّروا اللام راء " فلا تستبين اللاّم عند الرّاء".39" قلبهم الحروف عن جهاتها دائما ليكون الثّاني أخفّ من الأول .

-علة قلب الواو ياءًا والياء واوا في بعض الكلمات

ـ موسر- أصلها- مُيْسر - قلبت الياء واوا- لتلتقي الضمّة مع الواو فيخفّ النّطق بها

ـ موقن -أصلها - مُيْقن- قلبت الياء واوا- لتلتقي الضمّة مع الواو  فيخفّ النطق بها

ـ سيِّد -أصلها  - سيْوِد - قلبت الواو ياء - لتلتقي الكسرة مع الياء فيخفّ النطق بها

ـ ميِّت – أصله - ميْوِ ت- قلبت الواو ياء - لتلتقي  الكسر ة مع  الياء  فيخفّ النّطق بها

 -أحكام نحوية على هدي اللّغة العربية

   سار النّحاة على نهج العرب ، واتّبعوا سبيلهم في تعليلهم للأحكام والظواهر ، فنحوُ العربية نسيج من أديمها ، واستنباط من رحمها، تلاحقت أحكامه ، وتأسّس بنيانه على هدي من لغته ، و "الظّواهر النّحوية ليست في حقيقتها إلاّ مجموعة من العادات الكلامية يلتزمها أبناء اللّغة الواحدة. "40فهي تابعة للغة في الميل إلى الخفّة ، مادامت اللغة كذلك، قال ابن جنّي:"ولمّا كان النّحويون بالعرب لاحقين ، وعلى سمتهم آخذين ، وبألفاظهم متحلِّين، ولمعانيهم وقصودهم آمِّين ، جاز لصاحب هذا العلم أن يرى فيه نحوا ممّا رأوا . " 41 فاللّغة هي الأصل ، والنّحو منها يتجرّد ، والقياس عنها يتفرّع ، هو ظلّها النّاشئ عنها يمتدّ إذا امتدّت، ويميل معها حيث تميل ، ويظهر من تاريخ النّحو أنّه تتبّع سبيلها ، ونشأ عنها مقتفيا أثرها ، وما هو إلاّ تجريد لظواهرها ،

 والنحاة جميعهم يستنبطون عللهم بإحالة الكلام "علىالحسّ ، ويحتجّون فيه بثقل الحال أو خُفَّتها على النّفس. " 42ولا أدلّ على ذلك من تلك العبارة الشّهيرة " منع من ظهورها الثّقل" فالبحث عن علل النّحو مبنيّ على أساس من الأسس التي بُني عليها كلام العرب ، وهوالتماس الخفّة ، وتجنب الثّقل .

      ـ علة رفع الفاعل والمبتدأ ونصب المفعول.

 جرت عادة العرب الفصحاء في كلامهم أنّهم " يعطون كلّ حرف حظّه من الإعراب ، و ليس هذا لسائر لغات الأمم ، وهي فضيلة خصّت بها هذه اللغة دون غيرها. " 43 فلماذا جاء الفاعل رفعا والمفعول به نصبا ؟ إذا كان الأمر إظهارالفرق بين الفاعل والمفعول ،  فمن الممكن أن يِؤتى بالضّد ؛ أي أن ينصب الفاعل ، ويرفع المفعول فيحدث الفرق حتما ، هنا لابد من علة لتعليل الحال ، فعلى أي أساس بنيت  هذه العلّة  الموجبة لهذا الحكم ؟ يورد ابن جنّي على لسان الزّجاج تعليله للأمر ، وهو أنّ "الفعل لا يكون له أكثر من فاعل واحد ، وقد  يكون له مفعولات كثيرة ، فرفع  الفاعل  لقلّته ، ونصب المفعول لكثرته ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى هو الميل العام لتحقيق عامل الإيجاز، فما سار العرب على ذلك إلاّ ليقلّ في كلامهم ما يستثقلون ، ويكثر في كلامهم ما يستخفّون ." 44وليس ذلك السّمت من توخّي علامات الخفض والرّفع والنّصب ، على ذلك النّمط إلاّ "للإيجاز في القول ، والاكتفاء بقليله الدّال على كثيره ، فقالوا ضرب أخوك أخانا ، فدّلوا برفع أحد الأخوين ، ونصب الآخر على الفاعل والمفعول به. " 45نجد أنّ حكما هاما من أحكام النّحو مبني على أساس الخفّة ، لأنّها مطلوبة ، وكذلك جاء المبتدأ رفعا لأنّه في بداية الكلام ، أين يكون المتكلّم أجدّ  نشاطا ، وأقوى نفسا وأشدّ قوة ، ثمّ رفعوه بأقوى الحركات وهي الضّمّة.      

ـ إهمال بعض المهمل لتجنّب الاستثقال في  النّطق والأوزان.

بُنيت العربية على ثمانية وعشرين حرفا من الأبجدية  العربية ، و عن طريق عملية التّقليب،  انطلاقا من أصول معيّنة ، يتم بناء الجذور الأولى للكلمات ، وهي قسمة متصوّرة ، منتظمة ، ومضبوطة ضبطا دقيقا ؛ أمّا ما يحتمله التّركيب فهو نوعان : مستعمل جرى على ألسنة العرب ورد إلينا نقلا ،ومهمل وهو أصول متصوّرة عن ناتج القسمة ، ولكنّها لا تحمل معان أو دلالات ، بل هو مهمل " أكثره متروك للاستثقال".46وهذا البناء للأصول العربية " لم يجمع بين ساكنين أو متحرّكين متضادّين، ولم يلاق بين حرفين لا يأتلفان ولا يعذب النّطق بهما".47فيُهمل بعض المهمل لاستثقاله ، وهو مستثقل لتقارب حروفه المتجاورة المخرج ، وقد مُنع تجاور هذه الحروف سص، طس، ظث،ثظ، ضش، شض،قج، جق، كق، قك، كج، جك ، كما هو ملاحظ فإنّ هذه الحروف كلّها متقاربة المخارج ولمّا كانت كذلك ، نفرمنها الحس بسبب مشقّتها على النّفس ، فغاب عن الاستعمال كلمات كثيرة من هذا القبيل ، وإذا اجتمع المتقاربان يتقدّم أقواهما على الأضعف نحو :أُرل، وطد ، وتد  تقدّمت الرّاء على اللّام ، والطّاء على الدّال ، والتّاء على الدّال ، من قبيل أنّ الوقوف على التّاء ، والطّاء أقوى من الوقوف على الدّال ، ويذهب ابن جنّي في تعليل هذا بقوله: "أنّهم إنّما يقدّمون الأقوى من المقاربين ، من قبل أنّ جمع المتقاربين يثقل على النّفس ، فلمّا اعتزموا النّطق بهما قدّموا أقواهما، لأمرين:أحدهما أنّ رتبة الأقوى أبدا أسبق وأعلى، والآخر أنّهم إنّما يقدّمون الأثقل ، ويؤخّرون الأخفّ ، من قبل أنّ المتكلّم في أول نطقه أعلى نفسا ، وأظهر نشاطا ، فتقدّم أثقل الحرفين وهو على أجمل الحالين".48والنتيجة أن يخف ّالحال بعد تعب .

-المماثلة (الميل إلى الإدغام والإمالة لغرض التخفيف).

   سلك متقدّموالنّحاة مسالك ثابتة في توصيف الظواهرالصّوتية للعربية ، فوقفوا على ظواهر كثيرة كالإعلال، والإبدال، والإدغام، والوقف،والحذف، والإمالة، وكلّ ذلك بحثا عن المبرّرات التي تتناسب مع الأسس الفسيولوجية للصوت الإنساني ، الذي دأب على الأخذ بقانون الجهد الأقّل ، فاستيفاء قواعد اللّغة أرّق النّحاة وهم يبحثون عن ما وجب ، ولم  يجب، لكن  الغالب هو مراعاة واجب الإعراب والقيام عليه ، لذلك فإن وُجد التّثقيل فلا يكون إلاّ لاستيفاء هذا الواجب قل ابن مجاهد: "سألت أبا عمرو عن يُعَلِّمُهم الكتاب فقال: أهل الحجاز يقولون: "يُعَلِّمُهم ويلعنهُم " مثقلة ، ولغة تميم يٌعَلِّمهم و يلعنْهم،  قال أبو الفتح: أمّا التّثقيل فلا سؤال عنه ولا فيه ؛ لأنّه استيفاء واجب الإعراب ، لكن ما حذف فعنه السّؤال".49يُفهم من كلامه أنّ التّثقيل مبرّر، لكنّ التّخفيف يبحث عن مبرّر بين الحجاز وتميم ، والتثقيل كان قياما بواجب الإعراب ، بينما كان التّخفيف ميلا عاما درج عليه العرب ،وعلّته هنا هو توالي الحركات فيثقل ذلك عليهم ، فيخفّفون بإسكان حركة الإعراب.

 الإدغام هو" أن تأتي بحرفين ساكن فمتحرّك من مخرج واحد من غير فصل بينهما، على أن يصيرا حرفا واحدا مغايرا لهما بهيأته وهو الحرف المشدّد ".50والغاية من إدغام الحروف بكل أنواعها " المثلين والمتماثلين ،و التّقريب ، والإتباع ، والمسارعة ، وغيرها واحدة هي التّخفيف ، مع الحرص على الإبقاء على حدّ الإدغام. " 51وهو يهدف إلى التّقريب ؛ والتّقريب عامل اقتصاد في الجهد ، وتسهيل في النّطق، بحيث  ينحو صوتان متجاوران أو أكثر ، إلى التّماثل أو التّقارب في المخرج أو الصّفات52ومن أنواعه إدغام المتقاربين، وإدغام المتماثلين، وإدغام المتجانسين الأحكام في ذلك كثيرة ، والأنواع متباينة نقتصر منها على بعض الأمثلة لغرض إثبات عامل التّخفيف ، وتجنّب الاستثقال .

- ففي قوله تعالى: (يُدْرِكْكُم المَوْتُ )53هو من نوع إدغام المتماثلين في كلمة واحدة فتقرأ "يُدْرِكُّمُ المَوْتُ" حيث أدخل السّاكن الأوّل في المتّحرك الثّاني وصارا حرفا واحدا "مغايرا لهما بهيأته وهو الحرف المشدّد ، وزمانه أطول من زمان الحرف الواحد المخفّف، وأقصر من زمان الحرفين المخفّفين . " 54فالزّمن يلعب دوره في تحديد قيمة الظّواهر الصّوتية ، نجد أنّ زمن تلفّظ الكاف المدغمة أقصر من زمن الحرفين معا ساكن ثم متحرّك .

-و في قوله تعالى: ( اضِْربْبِعَصَاكَ )55هو من نوع إدغام المتماثلين في كلمتين ، حيث  أدغمت الباء الأولى السّاكنة في الباء الثّانية المتحرّكة فتقرأ " أَضْرِبِّعَصَاكَ " والغرض هو التّخفيف بداعي بذل الجهد الأقل ، وتجنّب الثّقل ومن هذا القبيل ما يعرف بالإدغام الأصغر عند ابن جنّي حيث  يورد في المنصف بابا سماه "باب ما تقلب فيه تاء افتعل عن أصلها."يبرّر فيه" العلّة في أن لم ينطق بتاء افتعل على الأصل ، إذا كانت الفاء أحد الحروف التّي ذكرها ، وهي حروف الإطباق ، أنّهم أرادوا تجنيس الصّوت، وأن يكون العمل من وجه ، بتقريب حرف من حرف ، كما في مصدق ؛ مزدق ." 56

    وفي الإمالة التي هي لون من ألوان المشابهة  نجدها تقترب من الإدغام في عملية مقاربة الحروف ، وعمادها في العربية أن تنحو بالفتحة نحو الكسرة ، فتميل الألف نحو الياء ، فتقاربها لغرض التخفيف .57والغرض من ذلك إحداث التّلاؤم والتّقارب بين الحروف ، فيخفّ الحال ، لأنّ الثّقل متروك مرذول . ومنطق العربية التي لا تميل إلاّ مع التّخفيف ، ففي الفتحة والألف تصعّد واستعلاء ، وفي الكسرة انحدار وتسفّل ، فإذا مالت الألف إلى الياء حدث التّقارب وامتزجت الفتحة بطرف من الكسرة ، وصارت الأصوات من نمط واحد ليس نمطين نحو عالم ، كتاب ، هدى ، سعى ، استقصى ترى تقريب فتحة العين من عالم نحو كسرة اللاّم منه ، فمالت الألف نحو الياء ، وكذا في باقي الأمثلة .

   من هذه الظّواهر الصّوتية التّي يقدّمها عامل المماثلة أو الإدغام نقف على ميزة هامّة من مزايا العربية ، وهي ميلها إلى الإدغام التّام ، لأنّ الإدغام النّاقص يكون زمانه أطول من زمن الإدغام التّام ، ونطقه كما هو ملاحظ يتحقّق بأن يلفظ المشدّد كأنّه حرف واحد متحرّك58وبذلك يختصر الجهد باختصار الزّمن وكلّ ذلك "كراهية أن يعمل اللّسان في حرف واحد مرّتين،  فيثقل عليه ، وهو عند الخليل إذا ظهر مثل إعادة الحديث مرّتين أو خطو المقيّد ." 59بمعنى أنّه لمّا كان موضع الحرفين عند النّطق واحدا ، ثقل عليهم أن يرفعوا ألسنتهم بالحرف الواحد مرّتين متتاليتين ، فارتأوا أن يرفعوه رفعة واحدة تختصر الفعل والزمن وتكون عند الإدغام.

علة كثرة دوران الأصل الثّلاثي وقلة الرّباعي وندرة الخماسي في الأبنية العربية

من الكلام ما بني على حرفين كما في الحروف و بعض الأسماء ، ومنه ما بني على أصول ثلاثية، رباعية، أو خماسية،أكثرها استعمالا ودورانا الثّلاثي، ويكون الأصل الثّلاثي أكثر من الرّباعي والخماسي سواء بزيادة أم بغير زيادة ، وهو أمر لا يجافي المنطق والمعقول "وذلك لأنّه حرف يبتدأ به ، وحرف يحشى به ، وحرف يوقف عليه ."60وبذلك يتحقّق نوع من التّوسّط والاعتدال في أمور اللّغة عموما ، و نسبة  وتناسب في الكلام ، ومن هنا كان اختيار الميزان  ثلاثيا هو الآخر " فعل " ولم يكثر الثلاثي لقلة حروفه  فقط  ، فلو كان الأمر كذلك لكان الثّنائي أقلّ حروفا ، ولكن لأمر آخر"هو حجز الحشو الذي هو عينه بين فائه ولامه ، وذلك لتباينهما ، ولتعادي حاليهما ، فلمّا تنافرت حالاهما وسّطوا العين ، لئلاّ يفجئوا الحسّ بضدّ ما كان آخذا  فيه ."61 هنا يتبدى لنا حرص واضع اللغة على تحقيق نسب متعادلة في الكلام ، والتّناقض الذي قد يقع هنا يتمثّل في أنّ حركة العين ستلحق حركة الفاء ، أو تلحق حركة اللّام لا محالة وفي ذلك نقض لمنطق البناء على المراوحة يُجيب ابن جنّي على هذا بالنّظر في تحريك عين الثّلاثي ، وسكون الفاء فتوالت الحركتان،حدث هناك لتواليهما ضرب من الملال لهما ، فاستُروح حينئذ إلى السّكون، فصار ما في الثّنائي من سرعة الانتقاض معيفا مأبيا ، وفي الثّلاثي خفيفا مرضيا . والأهم من ذلك أن " المتحرك حشوا ليس كالمتحرّك أوّلا . "62كما يلاحظ في كلّ هذه العلل التي ورد ذكرها ، هو ميل العربية إلى التّخفيف .

  ولا يكون كلّ ذلك إلاّ لغرض التّخفيف كمبدأ ثابت من ثوابت العربية ، ولأجل كلّ ذلك أُغرم ابن جنّي هو وكلّ من حذق العربية ، أُعجبوا ببناء أوضاعها ، ودقة ملامحها و "هذا يدلّك على قوّة تداخل هذه اللّغة وتلاحمها ، واتّصال أجزائها ، وتلاحقها ، وتناسب أوضاعها ، وأنّها لم تُقْتَعَثْ اقْتِعِاثًا *ولا هِيلَتْ هَيْلاً ، وأنّ واضعها عُني بها ، وأَحسن جِوارها ، وأُمِدّ بالإصابة ، والأصالة فيها."63و ذلك مؤهَّل فطريّ  لتلقّي الرسالة.

خاتمة

     بدا لنا من خلال كلّ ما تقدّم ذكره أنّ العربية قد امتازت بميزتين ؛ ميزة دينية  تاريخية ، وهبها إيّاها القرآن الكريم ، نالت بها مقام التّشريف ؛ وهذا اختيار ربانّي،  فهو تعالى الذّي جعل العربية لغة القرآن ، فأصّل نسبها ، وخلّد ذكرها . وميزة ذاتية تمثلّت في مكوّناتها الفطرية ، وعواملها الدّاخلية ، التّي وصّفت هيأتها ، وحدّدت ملامحها ، وميّزت شخصها .

 ـكما أنّ ملمح الاستخفاف و الاستثقال أساس قامت عليه العربية برمّتها ، وهما من أهم ثوابت العربية  ، إذ أنّ الفكرة مستوحاة من عمق الجزيرة وأهلها ، وعلى الّرغم من كونهما أمران معنويان ، يتحكّم فيهما عامل الذّوق ؛ الذّوق المقصود ذاك الذي مرّ بأطوار كثيرة ،  متمايزة ، تقلّب فيها ، وتهذبّ ، حتّى نال حظّه من الصّقل والتّوجيه ، إلاّ أنّهما - الاستخفاف والاستثقال- كانا مخرجا جيّدا ، ومعتمدا قويا لتفسيرالكثيرمن مسائل اللّغة ، ولمّا كانت اللّغة منطقا يقوم على الاختصار في الصّيغ ، والاقتصاد في الجهد ، وهي دائمة النّزوع إلى الخفّة ، فقد مال علماؤها إلى البحث عن العلل ، والأعذار لتفسير ظواهرها ، ومن يجنح إلى طريق الاستخفاف ، والاستثقال لن يعدم مذهبا يفسرغرضه ، ويؤمّن طلبه ، فهما سمة ، وعلامة مائزة للعربية ، وكانتا من قبيل مؤهّلاتها لتلقّي الرسالة ، وتبليغها.

1.سورة النحل، الآية 103.

2.سورة يوسف، الآية 2.

3.ينظر في ذلك سورة الرعد ، الآية37 . سورة طه ، الآية 113. سورة فصّلت، الآية 3 .

4.ابن فارس: أبو الحسين أحمد :الصّاحبي في فقه اللّغة وسنن العرب في كلامها ،تحقيق مصطفى الشّويمي ، ط بدران للطّباعة بيروت  لبنان، ت ط 1963، ص40

5.نفسه ، ص40 .

6.السيوطي : الحافظ جلال الدين عبد الرحمان بن أبي بكر،المزهر في علوم اللّغة وأنواعها، ت محمد أبو الفضل إبراهيم ـ محمّد ص161جاد المولى ـ علي البجاوي المكتبة العصرية لبنان ، ط1، ت ط 200 ، ص274 .

7.الرازيّ : أبو حاتم أحمد بن حمدان: الزينة في الكلمات الإسلامية العربية، تعليق حسين بن فيض الله الهمداني، اليعبري ، الحرازي، مركز الدّراسات والبحوث اليمني، صنعاء اليمن، ط1، ت ط 1994، ص73 نفسه ، ص73.

8.مصطفى صادق الرّافعي: تاريخ آداب العرب، مراجعة و ضبط عبد اللّه المنشاوي مهدي البحقيري، مكتب الإيمان، ت ط1997، ص147.

9.ابن حزم: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد، الإحكام في أصول الأحكام ،تحقيق أحمد محمد شاكر ، ج1،ص34 .

10.ابن جني: أبو الفتح عثمان ، الخصائص،ت محمد علي النّجار، عالم الكتب ، بيروت لبنان  ط 1، مج 1 ، ت ط  2006م  ص202.

11.مصطفي صادق الرّافعي، تاريخ آداب العرب، ص53.

*مرّت العربية قبل نزول القرآن الكريم بثلاثة أدوار تهذيبية ؛ الدور  الأوّل كان على عهد إسماعيل عليه السلام ، والثاني كان على يد قبائل العرب مجتمعة حيث نمت العربية  وتفرّعت  ، والثالث كان على يد قريش وحدها وهي آخر قبيلة في تاريخ الفصاحة ، ينظر في ذلك الرافعي ، تاريخ آداب العرب ، ج1 ، ص 73 وما بعدها .

12.الرّافعي ، تاريخ آداب العرب ، ص78 .

13.ابن جنّي : الخصائص،ص97.

14.ابن جنّي : الخصائص، ص 97.

15.محمود السّعران:  اللّغة والمجتمع رأي ومنهج ،الاسكندرية، ط2،  ت ط 1963، ص65. 

16.الرّافعي : تاريخ آداب العرب، ج1، ص52.

17.كمال بشر: دراسات في علم اللّغة  ، دار غريب للطباعة والنّشر القاهرة ، ت ط 1998. ص193.

18.الرّافعي: تاريخ آداب العرب، ص85.

19.إبراهيم أنيس : من أسرار اللّغة ، مكتبة الأنجلو المصرية ، ت ط  2010 ، ص118. 

20.السيوطي : المزهر في علوم اللغة ، ص 274.

21.إبراهيم السّامرّائي: الأصوات اللّغوية ،ت ط ، دار جليس  الزّمان، عمّان، ط1، ص546.

22.إبراهيم أنيس:  دلالة الألفاظ ، مكتبة الانجلو المصرية ،  ط1997، ص 32.

23.الرّافعي: تاريخ آداب العرب، ص83.

24.عبده الراّجحيّ:  فقه اللّغة في الكتب العربية، دار النّهضة العربية ، بيروت لبنان ، د ط ، د ت ، ص108.

25.كمال بشر: دراسات في علم اللّغة ،ص193.

26.أبو حاتم الرّازي :  الزينة ،  ص75

27.نفسه، ص76.

28.نفسه، ص 76.

29.كمال بشر: دراسات في علم اللّغة، ص193.194.

30.كمال بشر:  دراسات في علم اللّغة ،ص193.

31.السيوطي، المزهر، ج1، ص161.

32.نص الفارابي ديوان الأدب عن السّيوطي ، المزهر ، ص274.

33.الجواليقي: أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر ،المعرّب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم، ت أحمد محمد شاكر، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة مصر، ط 4، ت ط 2012م. ص6.

34.نفسه، ص 11.

35.المصدر نفسه، من ص12.

36.السيوطي : المزهر في علوم اللغة ،  ص161.

37.سورة المطففين، الآية 14

38.سورة الفاتحة، الآية 1.

39.السّيوطي : المزهر في علوم اللغة، ص161.    

40.إبراهم أنيس: من أسرار اللّغة ، ص128.

41.ابن جنّي : الخصائص،ص 249.

42.نفسه، ص77.

43.أبو حاتم الرّازي : الزينة في الكلمات الإسلامية العربية ، ص91.

44.ابن جنّي : الخصائص ، ص78.

45.الرّازي:  الزينة ، ص88

46.ابن جنّي : الخصائص، ص 81.

47.السيوطي : المزهر، ص274.

48.ابن جنّي: الخصائص،  ص81.

49.ابن جنّي :  المحتسب في تبيين وجوه شوّاذ القراءات والإيضاح عنها ، ت علي النّجدي ناصف ،عبد الحليم النّجار ،عبد الفتّاح إسماعيل شلبي ،القاهرة ،ت ط2014 ، ج1 ،ص109.

50.المرعشي : محمد بن أبي بكر ،،الملقّب بساجقلي زاده ، جهد المقل ، دراسة وتحقيق ، سالم قدّوري الحمد، دار عمّار، ت ط 1429 هـ - 2008م، ص181.

51.هادي نهر  : علم الأصوات النّطقي دراسات وصفية تطبيقية ، عالم الكتب الحديث ، أربد الأردن، ت ط2011، ص109.

52.. أحمد مختار عمر:  دراسة الصّوت اللّغوي ، عالم الكتب، القاهرة ، مصر ، ت ط 1997، ص324 .

53سورة النساء ، الآية 78.

54.المرعشي:  جهد المقل ، ص181.

55.سورة البقرة ، الآية

56.ابن جنّي: المنصف، شرح تصريف المازني، تحقيق إبراهيم مصطفى، وعبد اللّه أمين ،  مطبعة مصطفى الحلبي، مصر، ط1، 173 هـ ت1954م، ج2، ص324.325.

57.                     علي جابر المنصوري: علاء هاشم الخفاجي: التّطبيق الصّرفي، تعريف الأفعال، تعريف الأسماء، مط الدار العلمية الدولية،  ط1، ت ط2002م، ص449.

58.المرعشي : جهد المقلّ ، مقدمة محقق كتاب  ، ص7.

59.هادي نهر: علم الأصوات النّطقي ،ص109.

60.سيبويه :  أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر :  الكتاب،تحيقيقوشرح عبد السّلام محمد هارون، مكتبة الخانجي ، مصر القاهرة، ط5، ت ط 2009، ج4، ص229.

61.ابن جنّي:  الخصائص، ص82 .

62.نفسه، ص82.

*قعث له بمعنى قدّر له بيده، واقتعث العطيّة أكثرها ، وفيه خروج عن المكيال والمقدار والحساب ، واللّغة لم تقتعث ، بمعنى أنّها لم تأت جزافا ، بل هي مقدّرة بقياس  .

63.ابن جنّي :الخصائص، ص251،252.

Pour citer ce document

هادية رواق, «مبدأ الاقتصاد اللّغوي في الاستعمال العربي " منزع الخفّة واجتناب الثّقل نموذجا "»

[En ligne] مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales العدد 25 ديسمبر 2017N° 25 Décembre 2017
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2017-12-13,
mis a jour le : 24/12/2017,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=2358.