من ثقافة الإدانة إلى إدانة الثقافة: نحو نظرية فلسفية جديدة للثقافي.From the Culture of Denunciation to Denunciation of Culture: Towards a Philosophical Theory of Culture
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

27
28

العدد 26- مجلد 15-2018 N°26 Vol 15- 2018

من ثقافة الإدانة إلى إدانة الثقافة: نحو نظرية فلسفية جديدة للثقافي. From the Culture of Denunciation to Denunciation of Culture: Towards a Philosophical Theory of Culture

عبد الكريم عنيات
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

 ليس لنا أن نفكر التفكير الجذري في مشكلات الإنسان التي لا تنتهي، دون أن نفكر نقديا الثقافة. ربما هذا ما يدخل في فرع مستحدث أطلق عليه "النقد الثقافي".  ولئن كانت معظم الدراسات النقدية قد وجهت في نقدها للسلوكيات الثقافية التي يسلكها أعضاء جماعة ما، فإننا نقترح هنا توسع النقد وقلبه، في آن، ليشمل الثقافة بعد أن شمل المثقف فقط، على اعتبار أن الجماعة هي التي تصنع الفرد وليس العكس. لذا فإننا نستشكل الموضوع على الصورة التالية: كيف لنا، أن ننتقل، أو قل نزحزح، بسلامة منهجية، من نقد المثقف إلى نقد الثقافة؟ وماذا ينتج، استباقيا، عن هذا القلب؟ والذي يبدو أنه غير مستساغ في المألوف. ثم أنه يجب أن ننبه، على سبيل الإشارة، إلى أن الموروث الثقافي يشمل الأعلى والأدنى، أو قل السامي والداني، لذا فإننا نسأل سؤال يسحب "المسكوت عنه" إلى ضوء النقد العقلي: كيف يجب أن نتفكر الموروثات الثقافية الدنيا؟ وكيف نتعامل مع العنف الذي يتناقل بين الأجيال دون هوادة؟ إن أسئلتنا كما هو ظاهر، قد ركزت على الكيفيات، مما يضفي الطابع الوضعي لتحليلاتنا بعيدا عن المثلنة المألوفة في موضوع الثقافة.

الكلمات المفتاحية: ثقافة الإدانة، إدانة الثقافة، النقد الثقافي، توريث العنف، التجايل الثقافي.

La pensée philosophique radicale liée aux phénomènes humains qui ne s'achèvent pas est conditionnée par la pensée critique de la culture, et ce thème est inclus dans une nouvelle discipline intitulée la critique culturelle. Mais nous avons remarqué que la majorité des études ont été consacrées à la critique des comportements individuels, alors on propose d'élargir et renverser la critique pour atteindre la culture elle-même. Cet article tente de répondre à la problématique suivante : comment peut-on se déplacer, de façon saine méthodologiquement, de la critique de l'individu à la critique de la culture ? et quel est le résultat de ce renversement radical ? Et la question essentielle consiste à problématiser l'impensée suivant : comment se comporter devant un héritage culturel bas, ou autrement dit mal et mauvais, au sien de la société algérienne, comme la violence ? 

Mots clés : culture de condamnation, condamner la culture, critique culturelle, l'héritage de la violence, les générations culturelle.

We cannot think of radical thinking in the endless problems of man, without thinking critically about culture. Perhaps this is what goes into an innovative branch called 'cultural criticism'. While most of the critical studies have been criticized for the cultural behavior of members of a group, we suggest here that the expansion of criticism and its heart, at the same time, extends to culture only after the intellectual has been included, since it is the group that manufactures the individual and not vice versa. So we focus on the following picture: How can we move, or just move, systematically, from intellectual criticism to criticism of culture? And what produces, proactively, about this heart? Which seems unpopular in the familiar? Then we must note, as a reference, that cultural heritage includes the highest and the lowest, or the lower and higher, so we ask a question that pulls 'silent' to the light of mental criticism: how should we think of the cultural heritage of the minimum? How do we deal with intergenerational violence unabated? Our questions, as it were, have focused on the Quality, giving the positive nature of our analysis away from the familiar ambiguity in the subject of culture

Keywords:culture of condemnation, condemnation of culture, cultural critique, inheritance of violence, the cultural generations.

Quelques mots à propos de :  عبد الكريم عنيات

جامعة محمد لمين دباغين –سطيف2anayatkarim@live.fr     

مقدمة لاستدعاء المشكلات المنسية.

     بلغ تمجيد الثقافة وتقريضها، درجة أصبح فيها التفكير فيما وراءها وفيما قبلها وفي أصولها وإخفاقاتها، أمرا مستهجناً ومرفوضا يوصف بالتنكر والإجحاف والكفر الثقافي. لهذا فإننا نتحدث، في بعض الأحيان، عن الإنسان الثقافي أو المطبوع بالثقافة، بل قل المريض ثقافيا، إنه الإنسان المفرط بالثقافة. إن التثاقف المتسامي، أو ادعاء الثقافة خالصةً عاليةً، لهو الصفة الأكثر رواجا في عصر هيمنة الثقافة وسطوتها، وكل سيطرة تُنتج وفق منطق الضرورة ظاهرة النفاق الذي يقتضي إضمار الصراحة، لذا يمكن التحدث عن النفاق الثقافي دون خوف من الخطأ، مثلما يمكن الحديث عن فلسفة "كره الثقافة"Miso-culture، والتي فكرها العديد من الفلاسفة الذين تحسسوا ظاهرة مرض الثقافة وثقافة المرض في المجتمع الإنساني المعاصر، والذي أدى إلى بزوغ ظاهرة "الاعتراض على الثقافة"،1والتي تحتاج إلى دراسة منهجية جدية ومسؤولة بعيدا عن كل الأحكام المسبقة. ولقد كان لتأملات روسو (1712/1778) Jean – Jacques Rousseauونظريته في الانسحاب من الثقافي للعودة إلى الطبيعي، أكبر الأثر في إعادة تفكير قيمة الثقافة ذاتها. وإن كان مطلبه يوتوبي غير قابل للتحقق، إلا أنه وضع الثقافة الإنسانية موضع السؤال القيمي: ما قيمة الثقافة الإنسانية؟ أوليس هناك قيما دنيا فيها؟ إن الفرضية البحثية التي نسير على هداها، من أجل التأكد من مدى صلاحيتها، هي القائلة بأن الثقافة بقدر ما تُشكلنا وتبنينا، فهي تحجب عنا الكثير والكثير من الأمور التي تعيقنا في المسار نحو العالمية. والوجه الآخر لهذه الفرضية هو أن الثقافة بقدر ما تكشف لنا، فهي تحجب عنا. لذا سنعمل على كشف الحجوبات التي تنطوي عليها الثقافة عموما، والثقافة في الحالة الجزائرية.

     لا ننوي رفض الثقافة، لأن هذا غير ممكن أولا وأخيرا، ولأن هذا الرفض؛ هو رفضٌ لكوننا أناسي، ولا نقصد حتى الهجوم عليها، لأننا كائنات من صنع الثقافة ذاتها. لكن يمكن، وفق منطق الاعتقاد الذي يولد الانتقاد، أن نتأمل في الباحة الخلفية للثقافة الإنسانية متسائلين ماذا يوجد فيما وراء ثقافتنا؟ ما حقيقة الباحة الخلفية للثقافة؟ وهي الباحة غير المنظمة، غير المرتبة والمُهيئة لاستقبال الأجانب، والكل أجنبي في مقابل ثقافة الآخر. ماذا يوجد هناك خلف الصورة المقدسة للثقافة الإنسانية ؟ سؤالٌ أول؛ يجرنا إلى سؤال ثان أكثر شكوكية: هل كل ما هو ثقافي يمكن أن يكون موروثا ثقافيا ؟  على اعتبارنا نتحدث دون مشاحة عن المورث الثقافي بما هو عنوان للنجاح الثقافي. والأخلاف في العموم لا يتقاسمون إلا الترائك القيمة التي تعكس نجاحات الأسلاف. ونفهم في العموم موضوع الموروث الثقافي، بما هو انتقال لنجاحات الثقافة وانجازاتها المشرقة بين الأجيال. لكن ألا يمكن أن يكون لموضوع الوراثة الثقافية جانب مظلم وأسود حالك: الموروث الثقافي للعنف، الموروث الثقافي للكسل المعرفي، الموروث الثقافي للنفاق الثقافي، الموروث الثقافي للسيطرة، الموروث الثقافي للا- تفكير أو السكوت عن التفكير...الخ. كلها موروثات للإخفاقات والانهزامات الثقافية، التي لا يمكن التنكر لها دون التنكر لحقيقة اجتماعية وضعية قائمة. حتى أننا يمكن أن نتحدث عن تعادل الإنجازات الثقافية مع اخفاقاتها، إنها نقائض العقل الثقافي ذاته، حيث النكسات تقارع النجاحات ندا للند، وربما تتجرأ على الغلبة.

     بما أن الثقافة لا تتمثل فقط في النجاحات والقيم العليا المنمذجة والممثلنة، فإن الموروث الثقافي يشمل أيضا الاخفاقات والقيم الدنيا والمنحطة. لذا نجد المجتمعات ترث وتورث السرقة والخداع والبغاء والغش والكذب...الخ. وهذا هو الموروث المسكوت عنه فعلا في الخطابات الرسمية التي تعبر عن موقف الثقافة ذاته. لذا فإننا، ووفق منطق نظرية "النقد الثقافي"، سنفتح موضوع قلما يُفتح، وهو حقيقة الموروث الثقافي السلبي في الجزائر، أو حتى في كل العالم الإسلامي العربي أو العربي الإسلامي، مستثنيين التجربة الغربية لأنها انفتحت على اخفاقاتها دون عقدة تعالي ثقافي. نفتحه من خلال السؤال المركزي: ما مصير الموروث الثقافي المسكوت عنه؟ لماذا لا نفكر، التفكير الجذري، معضلة توارث الإخفاقات الثقافية؟ هل السكوت عن الاخفاقات الثقافية يمثل نهجا سليما في التعاطي مع الاعراض الجانبية لها؟ بل أنه يمكن القول، وهو ادعائنا الأساسي، أن الاخفاقات الثقافية ليست أعراضاً جانبية للنجاح، بل قد يكون العكس على الأقل هو الصحيح. إن الإخفاق الثقافي جزء لا يتجزأ من الظاهرة الثقافية ككل.

     انتهى الفكر الغربي المعاصر إلى التأريخ للمشكلات الهامشية وفق منطق مركزية العقل. فقد تم التأريخ لكل إنجازات الإنسان من علم وفلسفة وفن وقانون وتشريع...الخ. ونسمى ما سبق "مُنجزات" من حيث أن لها قيمة عليا تمثل نجاحات الإنسان ذاته. لكن للإنسان أيضا اخفاقات، يمكن أن نعتبرها "اخفاقات الثقافة"، فعندما يخفق الفرد، فإن الثقافة هي التي أخفقت، سواء بطريقة مباشرة أو بعيدة. ولئن كان الاهتمام بكيفية توارث الإنجازات موضوع مألوف ومعروف ومنتشر، فقد تم اهمال التوارث القسري والواقعي للإخفاقات. والسكوت عن توارثها يؤزم الوضع ولا يساهم البتة في طمسها وإلغائها. فالتناسي لا يمثل الزوال أو الإعدام.  إن تهميش "اخفاقات الثقافة" من خلال عدم التأريخ لها، وتقزيمها، أو قل التقليل من شأنها، لا يمثل حلا للمسألة، بقدر ما يتسبب في تضخم المعضلات أكثر فأكثر. لذا نجد العقل الغربي ما بعد الحداثي قد استجاب لمسألة التأريخ للهوامش من الأحداث، أو قل التأريخ "لإخفاقات الثقافة الإنسانية". ولنا من الأعمال المهمة لميشال فوكو (1926/1984)Michel Foucault، دون التفصيل في ذكرها، مثلا جيدا لهذه الظاهرة، ظاهرة التأريخ لإخفاقات الثقافية الغربية على الأقل. لذا سنحاول التفكير في مسألة الموروث الثقافي السلبي وأثاره التي لا تقدر التقدير المناسب، خاصة في فكرنا العربي المعاصر، الذي رفض، في خطابه الرسمي، أن يتناول التناول الجدي، اخفاقاته الثقافية، مكتفيا باستعراض الإنجازات والنجاحات، وإن تناول الإخفاق، فعلى أساس أنه عرض جانبي زائل. لكننا نفترض أن الاخفاق ليس عرضا، لأنه حاضر دوما. وعلى الرغم من أننا لا نتجرأ على اعتباره جوهرا، فعلى الأقل نعتبره معادلا للإنجاز، وبهذا يكون للثقافة جوهرين متعادلين. إن الثقافة ظاهرة مستقطبة في أساسها. 

1-في المفهوم المُهمش للثقافة: دراسة لنظرية رالف لينتون.

     يمكن الجزم بأن مصطلح الثقافة من أكثر المصطلحات تعرضا لسوء الفهم وكثرة التأويل والتمييع والتعميم. كما أننا نجد أن معظم التعريفات لا تخلو من التقييم، أي أنها تورد تعريفات قيمية للثقافة، أكثر من اهتمامها بالتقرير الواقعي لحقيقة ومكونات ما أنتجه هذا الكائن الإنساني. رغم ذلك فإننا سنستعمل كلمة الثقافة وفق التحديد الأكثر عمومية والأكثر موضوعية أيضا على النحو التالي: الثقافة هو ما تبقى لنا بعد أن نسينا ما تعلمناه. وهو التحديد الذي يفصل الثقافة عن التعلم، على أساس أن العلم محدود طبقيا، في حين أن الثقافة تشمل كل فرد في جماعة. والحق أن الثقافة بهذا التحديد تنتهي إلى التقرير بأنها تمثل الشبكة المعنوية المعقدة التي ينسجها الأفراد بما هم كائنات جمعية.2وهذا التحديد، كما هو ظاهر، أعطى لنا صورة الثقافة دون مضامينها، وأسس أحكاما تقريرية لا تقييمه. على الرغم من أن الكثير من تعاريف الثقافة تنطلق من تقديرها التقدير غير المراقب نقديا.

     لقد قيل في تيار مضاد لمدح الثقافة وتقريضها التقريض الانتقائي، عبارة جرت على لسان أحد أبطال مسرحية الشاعر الألماني النازي هانس يوهيست (حوالي1933)Johst: "عندما أسمع كلمة الثقافة، فإني أتحسس مسدسي." إن قولة كهذه تدل، في اعتقادنا وإن كانت قولة استعارية، تدل الدلالة القوية على ظاهرة "الرُّهاب من الثقافة". لأن كل شرور البشرية قد ارتكبت باسم العقل الثقافي الذي لم يتوقف يوما على ابتكار مواقف المخاطرة. إن هذا الذي يتحسس مسدسه للدفاع عن نفسه من ثقافة ما، يعبر تعبيرا تراجيديا عن التوجس من الثقافة، والتي يمكن أن تكون مصدرا للأخطار، بل هي المصدر الوحيد لكل ما عناه الإنسان من كوارث. أما عبارة "الكوارث الطبيعية"، فهي لفظة ثقافية أيضا، على اعتبار أن قولنا عن ظاهرة طبيعية ما، مثل الزلزال والبركان...الخ أنها كارثة طبيعية، ليس إلا تعبير عن تقييم الثقافة لظواهر الطبيعة، التقييم الذاتي الذي لا يتحسب إلا مصالح الإنسان والمجتمع ككل. إن الزلزال من الناحية الطبيعية لا يعدو أن يكون ظاهرة طبيعية لحركة الأرض الدورية. وقس على ذلك مختلف الأحكام التقييمية الفظيعة التي تسقطها الثقافة، عن غير حق، على الطبيعة أولا وعلى الإنسان ثانيا. لقد أصبحت ثقافة الإنسان تحرف ظواهر الطبيعة وتلبسها اللباس الذي يشتهيه أو لا يشتهيه هذا الكائن المقيم. لذا فليس من الغريب أن نجد الدعوات التي تدعوا إلى التفكير في "عقود طبيعية" و"عقود اجتماعية". وتفصيل ذلك:

-نظرية العقد الاجتماعي: ليس في نيتنا، الآن، تفصيل القول في أصول هذه النظرية وتفاصيلها وتفرعاتها المختلفة. بل نود أن نفكر فيما وراء هذه النظرية بالأساس وربطها بمشكلة الثقافة الإنسانية من الزاوية التي نعالجها الآن. نحن نعلم بأن هناك فلاسفة انجليز وفرنسيين افترضوا أصلا للدولة يقوم على تعاقد بين أفراد المجتمع من أجل حفظ مصالحهم من خلال التأسيس للسلطة الحافظة.3لكن لماذا فكر الإنسان أصلا في هذا التعاقد، أوليس لأنه تلوث بالثقافة التي أنتجت ظروفا يستحيل معها مواصلة العيش ؟ حقيقة أن نظرية روسو حول "إنسان الطبيعة" و"إنسان الثقافة" قد تعرضت للكثير من الانتقادات، إلا أنه يمكن أن نلاحظ، في أكثر من موقف أن شرور الإنسان مأخوذة كلية من المجتمع.4يمكن أن نسمى هذه النظرية بانقلاب الثقافة على الإنسان، أو نظرية انفلات الإنسان من عدوان الثقافة. لقد كان الفرد أول ضحايا جور الثقافة المجتمعية، لكنه ليس الأخير بالتأكيد. إن نظرية العقد الاجتماعي في الإجمال، تدل على استفحال اخفاقات الثقافة الإنسانية. وما التفكير في التعاقد إلا تعبير عن تحسس أخطار الثقافة.

-نظرية العقد الطبيعي: أو كيفية الانفلات من عدوان الثقافة على الطبيعة. ولئن كانت الطبيعة لا تملك الطرق المباشرة للتحرر من هيمنة الثقافة، فإن "الإنسان الأخضر" قد نصّب نفسه محاميا على الطبيعة ضد الهجمة الشرسة والعضة المسمومة و"الملوثة" للثقافة الإنسانية، مجسدة خاصة في نتائج العلم والتقنية،* لذا فإننا نجد هنا تحالفا بين "الضمير الإنساني" الذي لم يتلوث بعد، مع الطبيعة لمواجهة هذا المد الثقافي الجائر وغير المسبوق على الطبيعة الأم. والحق أن الحداثة الأوروبية التي طالما تغنى بها أصحاب المذهب العقلي، لهي السبب المباشر الذي أوصلنا إلى العدوان على الطبيعة. إذ يشير الفيلسوف الأمريكي جون ديوي (1859/1952) John Deweyواصفا الخطورة الحقيقية التي أنجزها فرنسيس بيكونFrancis Bacon (1561/1626) في فاتحة الأزمنة الحديثة في القرن السابع عشر قائلا أنه دعا إلى "نقل سلطان الإنسان على الإنسان إلى سلطة الإنسان على الطبيعة".5وهنا يكون التعاقد الطبيعي ضروريا بسبب هذا السلطان الجائر، وسيتبرر أيضا الدفاع عن الطبيعية بسبب نقل التسلط من مملكة الإنسان إلى مملكة الطبيعة. وهذا بالفعل ما قصده بيكون عندما قال في كتابه الرئيس بأن "المعرفة قوة"، طبعا قوة موجهة نحو، بل قل ضدّ، الطبيعة: "المعرفة البشرية والقدرة البشرية صنوان."6حقيقة أن ربط المعرفة بالقوة، كان انجازا لصالح بقاء الإنسان في ظل جبروت الطبيعة، لكن الإنسان الذي يهدد الطبيعة لا يمكن أن يستمر في وجوده، إن المعادلة القاسية هي أن الإنسان لا يمكن أن يوجد بغير طبيعة، لكن الطبيعة يمكن أن توجد بغير إنسان، بل أنها وجدت للألاف من السنين بغير هذا الحيوان العاقل، العاقل جدا. وستستمر في الوجود في حالة انقراضه، وحالة الحيوانات المنقرضة دليلنا على ذلك.  إن محافظة الإنسان على الطبيعة، لا يدل إلا على المحافظة على بقاءه هو واستمراره. والدعوة التي أطلقها الفلاسفة الأوربيين، لهي أكبر تعبير عن هذا الاعتداء الثقافي السافر على الطبيعة، إذ نجد الفيلسوف الفرنسي "ميشال سير" (1930/ ؟)Miche Serres يطور نظرية تحت اسم "العقد الطبيعي".7والفيلسوف الألماني "هانس جوناس" (1903/1993) Hans Jonasيصوغ مبدأ، على منوال مبادئ كانط (توفي 1804) E. kantالأخلاقية، تحت مُسمى "مبدأ المسؤولية".8حيث أن العقل التقني "الإنساني"، الذي هو امتداد وتفرع للعقل الثقافي ككل، قد ألحق من الأضرار بالطبيعة ما يفوق تصور الإنسان ذاته. إننا نلاحظ أخطارا كثيرة ناتجة عن التكنولوجيا التي تكبر بصورة "سرطانية"، وما لم يلاحظه العقل ربما أعظم وأكبر، وهذا هو المخيف حقا. لذا يجب على الإنسان أن يرافق ذكائه التقني بالموقف الناتج من الحكمة الواسعة والنظر البعيد، بدل المنفعة الآنية. إن ما يجب على الإنسان المعاصر أن يلتزم به هو "الخوف المسؤول" من تقنيته الهدامة، أي التوجس الأخلاقي لكل مخترع علمي وتقني. وهذا هو المبدأ الأخلاقي المطلوب للحضارة التكنولوجية الحالية.

     وبهذا، فإننا نلاحظ، الملاحظة الواضحة الجلية، بأن ثقافة الإنسان قد ألحقت الأضرار الكبيرة بالإنسان أولا من خلال ظاهرة الاستعباد والحروب والاستقواء...الخ. والتي هددت الأفراد والمجتمعات خاصة المستضعفة منها. وألحقت الأضرار بالطبيعة ثانيا والتي قد تؤدي إلى تهديد الإنسان كنوع وليس كفرد، وهذا هو الأخطر. وما تسارع الأمم القوية لتدارس مشكلة "حُمى الأرض" إلا دليل على الخطر الذي يترصد وجود النوع الإنساني ككل، سواء القوى أو الضعيف، لأن ليس لنا طبيعة أخرى غير هذه الطبيعة. وبعد كل هذا، هل نبقى على الموقف الذائع القائل بأن الثقافة الإنسانية تعبير على عاقليته فقط؟ هل العقل هو المكون الوحيد للثقافة؟ أليس لهذا العقل، الذي طالما تغنينا به وبإنجازاته، جنون يفوق في خطورته أكبر "الكوارث الطبيعية" التي عرفناها حتى اليوم. وعندما يخاف القوي، أقصد الأمم القوية، فأعرف أن الخطر ليس بالهين.

     وفق هذا النسق، فإننا نعارض مقولة الدكتور "كريغ كالهون"(1952/ ؟)Craig Jackson Kalhon [هو مدير مجلس بحوث العلوم الاجتماعية في جامعة نيويورك. من بين كتبه الحديثة "الأمم لها أهميتها: التاريخ والحلم الكوزمولوجي"، ومجموعة محررة تحت عنوان: روبرت ك. مترون: سوسيولوجيا العلم والسوسيولوجيا بوصفها علما" وله كتاب مشترك مع مارك جورجينسمير وجوناثان فانانتويربن تحت عنوان "إعادة التفكير في العلمانية Rethinking Secularism" ] التي تقول:"العقل متجذر دائما في الثقافة".9فهل يقصد حقا بأن الثقافة الإنسانية هي خلاصة عاقليته ؟ الأكيد أن اللا عقل واللا منطق قد رافق معظم الأحداث الثقافية الكبرى. ولا حاجة لنا لكي نستدل بالحروب التي نشبت لأسباب غير معقولة، بل تافهة جدا، وإلى القوانين التي صاغتها الكثير من المجتمعات والتي تتعارض مع منطق العقل السليم مثل العبودية...الخ. فلا يجب أن نستهن بحيز الجنون، أو قل اللاعقل، في الثقافة الإنسانية.

     قبل أن ننتقل إلى نظرية رالف لينون (1893/1953)Ralph Linton  في الثقافة، بودنا أن نشير إلى أحد الكتب المهمة والتي أبرزت الجانب المجنون من ثقافة الإنسان. فقد ظهر كتاب منذ حوالي ثلاثين سنة، أي الثمانينات من القرن الماضي (1986)، تحت عنوان "مجتمع المخاطرة"، وهو بالتحديد يتناول مشكلة "الثقافة الإنسانية" من حيث هي "مخاطرة إنسانية". وهذا الكتاب يمثل نموذج لدراسة تمحورت حول تشكل "ثقافة الخطر"، فلا يكفي أن يكون الفرد منا مسالما وملتزما من الناحية الأخلاقية، لأن المجتمع المعاصر في أساسه، وبسبب الانفلات التقني، أصبح يشكل خطرا على أفراده، بل على العالم بأكمله. إن كارثة تشيرنوبيل النووية، ويمكن أن نحين معارفنا والتي لم يدرسها "أولريش بيك" (1944/2015)Ulrich Beck في زمانه، من خلال الإشارة إلى كارثة فوكوشيما باليابان في هذه العشرية الثانية من الألفية الثالثة. وربما الكوارث النووية الآتية أمرّ وأقسى على الإنسان والطبيعة. نقول بأن كارثة تشرنوبيل هي علامة على أن المجتمعات المعاصرة مبنية على المخاطرة le Risque، على أساس أن الفرد ليس آمنا البتة في مجتمعه الذي ينمو نموا مجنونا من الناحية التقنية بدون أي مرافقة حكيمة للفكر الفلسفي والديني. فالعولمة لا تنشر فقط الفوائد والمزايا، بل نحن نتحدث اليوم على عولمة المخاطر.10فانفجار تشيرنوبيل وغيره من الكوارث المرئية وغير المرئية، قد ألحق أذى بكل أوروبا، وربما حتى آسيا وأفريقيا. إنها الأخطار التي تحملها الرياح في السماء وحديد البناء المستورد والموجات غير المرئية في التلفزيون والراديو الأنترنت اليوم. لذا، فالخطر الذي أنتجته الثقافة الإنسانية، تحيط بنا من كل جهة، بل أصبح الإنسان كائنا خطرا. فكيف ولماذا نتحمل أوزار مجنون في روسيا أو في اليابان، ونحن بعيدون عنهما آلاف الكيلومترات؟ ! أم أن هذا هو الضريبة التي يجب أن ندفعها مقابل "تكنولوجيا النعيم" التي نتمتع بها بأبخس الأثمان!

     يقول المفكر والمؤرخ والأنثروبولوجي الأمريكي "رالف لينون" Lintonمحددامفهوم الحضارة، ونحن هنا لا نميل إلى التمييز بين كلمتي الحضارة والثقافة، مثلما يفعل البعض، على عدة اعتبارات أهمها أن التحضر فعل ثقافي والثقافة تنتهي إلى الحضارة بصورة آلية. يقول: "الحضارة تشمل جميع مظاهر حياة المجتمع ولا تقتصر على تلك المظاهر التي هي موضع تقديره ورغبته. وعليه فليس لمصطلح "الحضارة"، عندما تشير إلى أساليبنا الخاصة في الحياة، علاقة بالقدرة على لعب البيانو أو بقراءة أشعار براوننغ. فعالم الاجتماع لا يرى في أي نشاط من هذا القبيل سوى أنه عنصر من عناصر الحضارة بمجموعها. إذ يشمل مجموع الحضارة هذا كذلك أعمالا دنيوية يومية كتنظيف الأطباق أو قيادة السيارة، وأعمالا توضع، لدى دراسة، الحضارة على  قدم المساواة مع الأمور الرفيعة في الحياة". 11إن هذا التحديد، يثير فينا العديد من المشكلات التي ترتبط بموضوعنا الحاضر، ومن أهمها:

-الثقافة ليست مقصورة على الإنجازات والمآثر والمفاخر والانتصارات فقط والقضايا السامية مثل المقدس والخير الأقصىle bien suprême...الخ. وكل هذه الأمور في ما يعتبرها المجتمع موضوع تقدير ومثلنة ورغبة ونمذجة. لكن، والحق يقال، أن هذا الانتقاء لا يدل على سلامة النية الاجتماعية مطلقا. لأن ما يرغب فيه الأفراد، بل حتى "أقدسهم" متسع حيث يشمل "غير المحبوب" من رغبات وممنوعات ...الخ. إن كل ثقافة تمارس الانتقاء من خلال قضم بعض الأمور الطبيعية غير المعترف بها، وفي هذا الانتقاء تعلن تلك الثقافة عن عدم صراحتها مع نفسها وأفرادها والثقافات المخالفة. ولو سألنا عن سبب هذه الانتقائية الموجودة في كل ثقافة، لكن بنسب متفاوتة، فمن المحتمل أن نجد الإجابة في التفسير النيتشوي القائل: "إذا سلمنا بصحة كون معنى كل ثقافة هو تدجين الحيوان "الإنساني"domestique le fauve humain لتجعل منه، من خلال تربيته، حيوانا مدجنا ومتحضرا وأليفا (...) فسيكون علينا ولا شك أن نعتبر أن الأدوات الحقيقية للثقافة هي رد غرائز رد الفعل والحقد التي بواسطتها تم في نهاية الأمر إذلال وترويض الأعراق الأرستقراطية ومثلها الأعلى".12طبعا لا يمكن أن نصدق كلية فيلسوف القوة هذا، فريدريك نيتشه (1844/1900) Friedrich Nietzsche، لكن لا يمكن تكذيب تفسيره، التكذيب كله، في قضية الترويض والانتقاء. لأن كل تربية وكل ثقافة تنتقي النموذج المثالي وترويض العواطف والأفعال الطبيعة للإنسان. وهذه قاعدة يمكن تعميمها على كل الثقافات دون استثناء. وحتى طه عبد الرحمن الذي يعارض كل فلسفة غربية، فقد سار في نفس التحديد عندما أكد بأن التثقيف، كتفعيل جزئي للثقافة هو عبارة "عن تكوين وتوجيه يتمان بحسب قيم وطنية مرغوب فيها ومطلوب العمل بها (...)".13وبالتالي فهناك ما يتم إلغاءه، على اعتبار أنه منفِّر أو غير مرغوب فيه، ولا يستوجب العمل به. لكن المشكلة الفعلية تتمثل في مقدار التخلي عن المنفور منه ؟ هل مصير غير المرغوب هو فعلا الإلغاء أم الكبت فقط بلغة فرويد (1856/1939)S. Freud؟ الواقع الثقافي في الثقافات القائمة على التورية والتستر أحسن مثال على الإجابة الإيجابية. فالكبت لا يدل على الالتغاء، بل على التأجيل، ونحن نعرف جيدا مخاطر تأجيل الدوافع الطبيعية. فحتى أفة الفيروسات، قد تتحول إلى علة مباشر للهلاك بسبب التهوين من شأنها. وقس على ذلك البقية الكثيرة من الأمور.

-أن الموروث الثقافي والحضاري لا يشمل فقط الأمور السامية والقيّمة، بل أيضا كل الأمور التي تعتبر مرذولة ودنيا وساقطة وتافهة. بل لربما، من منظور "ثقافة الإدانة" الذي سننتقده لاحقا أدناه، متجسدا في أعمال بعض المفكرين الجزائريين، فإن تناقل المرذولات أقوى من تناقل الفضائل. وقديما كان ابن خلدون (1332/1406) قد لاحظ، عن حق وصدق، بأن الناس يتنافسون في الرذائل أكثر مما يتنافسون في الفضائل.14ولهذه الملاحظة الدقيقة مدلول، في هذا السياق، وهو أن المورث الثقافي السلبي الفاشل لا يقل قوة وانتقالا عن الموروث الثقافي الإيجابي الناجح. والتنكر للموروث المرذول من خلال اهماله والسكوت عنه ومهاجمته دون تفهم حقيقي، لهو ما يجعل هذا الموروث ينتقل بقوة، بل قد يتضخم لينافس الموروث المحمود. لذا فإننا نركز، هنا، على ضرورة اعتبار الموروث الثقافي دون تمييز بين المحمود والمرذول أو الناجح والخافق أو السامي والداني. طبعا، فإن هذا المنطق لا يدل على تشجيع الرذائل والسلوكيات التي تعتبرها الثقافة غير نموذجية أو ساقطة، بل يدل على ضرورة اعتبار كل "الرذائل سلوكات طبيعة"،15لا يمكن التنكر لها من خلال إهمالها. بل يجب التعامل معها بكيفية مشابهة لأي ظاهرة إنسانية أخرى.  نحن لا نريد أن نُفهم هنا، مثلما فُهم دروكايم (1858/1917)Emil Durkheimخطأ عندما قال بأن "الإجرام ظاهرة صحيحة في أي مجتمع"، 16فاعتبره البعض مشجعا ومبررا للجريمة على الرغم من أنه برئ من كل هذا.

     إن ما نعتبره ايجابيا ونجاحا في نظرية لينون حول مفهوم الثقافة، هو انتقاله من المفهوم التقليدي الذي يقتص ويرمي من الثقافة الإنسانية الجزء الأدنى المرذول ويتركه في الظل والعتمة، ولم ينتج عن هذه الاستراتيجية التي أثبتت اخفاقها إلا نمو وتضخم وتناقل هذا الأدنى، بدرجة لم يتصورها الإنسان الذي صاغ هذا التعريف المثالي للثقافة. والدليل على ذلك أن تغافل كون السرقة والرياء والبغاء ...الخ تمثل وجها أصيلا من وجوه ثقافة الإنسان في تطوره التاريخي، هو أن كل الحضارات تتناقل هذا الموروث. وحتى في الأزمنة التي تعتبر محورية، مثل أزمنة الأنبياء والرسل والعظماء، لم تكف هذه الظواهر عن الوجود والتناقل والانتشار.

     لقد أشار مالك بن نبي (1905/1973)، في كتابه عن الثقافة، إلى أهمية نظرية رالف لينون، من خلال تناوله الطابع التركيبي للثقافة والمستويات الثلاثة لها.17لكنه لم يتنبه إلى مركزية النظرة التي حللناها أعلاه، ولهذا القصور أسبابه الموضوعية والذاتية. والأرجح أن بن نبي لم يكن يهضم كون السلوكيات التي نعتبرها دنيا تمثل جزءا أصيلا من الثقافة البشرية. ولا يمكن اقتطاعها لكونها لا أخلاقية أو لا دينية أي تهتكية وشاذة. لذا فقد ثبت أن "العقل ليس عنصرا مركزيا في الثقافة"، بل هناك اللامعقول، واللا مقبول، وغير المستساغ، والمجنون أيضا. والحق يقال أن تاريخ الإنسان بأكلمه، والذي يشمل الكل، لا تدفعه دوافع عقلية خالصة، والثقافة لا تشذ عن هذه القاعدة العامة. بل ما نعتبره مضادا للثقافةL'anti – culture أو هادما لها،18هو جزء ضروري في كل ثقافة. بل أن سلامة الثقافة تقتضى أن يتعايش ما يعتبر إيجابي وما يُعتبر سلبي، أو قل أن قوة الثقافة في قوتين الأطروحة والنقيض لها، ولا يمكن أن نتصور تطور الجانب العقلي أو الأعلى في ثقافة ما، بمعزل عن تطور مواز له للاعقلي أو قل للأدنى. والسؤال الذي يشغلنا في الكثير من الأحيان هو: هل يمكن أن نعثر على ثقافة تنمو في اتجاه واحد فقط ؟ أي في الاتجاه الذي نسميه محمودا وايجابيا وأخلاقيا ؟ الأكيد أن هناك تلازما وترافقا في نمو الخيور ونمو الشرور.

2-الثقافة والعنف: الموروث المسكوت عنه.

لا ننوي أن نبحث أصول العنف البشري بين النظرية الوراثية والتكوينية (قيصر لمبروزوcesare Lombroso1835/1909) والاجتماعية (إميل دوركايم) والنفسية (سيجموند فرويد والأتباع المنشقين) والاقتصادية (ماركسK. Marx1818/1883والماركسية الأرثوذوكسية). فهذا موضوع فلسفي مجرد، وإن كان يفيد في التكوين النظري والمعرفي والكشف عن الأبعاد المختلفة للسلوك العنيف بخاصة الإجرامي، فهو لا يساهم في الإجابة عن مشكلات الموروث الثقافي السلبي الذي نتحدث عنه. والذي نستشكله على الصورة التالية: كيف ارتقى العنف إلى أن يكون موروثا ثقافيا حقيقيا، يتناقل ربما بقوة أشد من تناقل التسامح ؟ كيف أن التسامح يتطلب مجهودا، في حين أن اللا تسامح يعبر عن نفسه بصورة شبه آلية، أو قل سهلة ؟

     من منا لم يمارس ولو مرة واحدة على الأقل سلوكا عنيفا، مع شعوره بأنه عنف مبرر ومقبول ومسموح به، بل قد يشعر البعض بأنه عنف مباح وواجب ومأمور. حقيقة أن هذا الشعور، أي الشعور بوجوب العنف وضرورته وربما ارتقاءه إلى مستوى الفضيلة عند البعض، ليس شعورا عَرَضيا يظهر عند بعض الناس بصورة تلقائية. بل يدل على أنه استجابة لموروث ثقافي تناقل بين الأجيال لدرجة أنه قارب الموروثات البيولوجية المعروفة؛ فلا أحد منا، على الأقل، يسأل لماذا له هذه الصفات الجسيمة دون غيرها، إلا في الحالات القليلة والشاذة. لذا فالقليل فقط من يسأل عن جينيالوجيا (أصل وفصل) العنف، وقيمة هذه القيمة في النهاية.

     لذا فيمكن القول أن مفهوم "تطبيع العنف"، وانتقاله إلى كونه مجرد موروث ثقافي إلى اعتباره ضروري وطبيعي، يحتاج إلى دراسة مستقلة تهتم بأسباب "مدح" العنف ولو ضمنيا في المجتمعات المتخلفة، ويمكن أن نُمثل بالمجتمع الجزائري دون أي احراج. على اعتبار أن للعنف مدائح كثيرة.  ومفهوم التخلف لا يرتبط بالمدلول الأخلاقي فقط، بل بمفهومه الاقتصادي والثقافي والعلمي والمديني...الخ. نحن نعتقد بأن التخلف ظاهرة نوعية شاملة، ولا تقتصر على قطاع دون آخر، لذا فالمجتمع المتخلف لا يمكن أن يحمل فهما متقدما لظواهر أساسية مثل الدين والعلم. مما يدل على أن العنف ظاهرة ترتبط بالحالة المجتمعية من حيث التخلف والتقدم، ودراسة ظاهرة العنف كظاهرة أخلاقية من الأمور الصعبة نظرا لصعوبة الإحصاء والتكميم فيما يخص ظاهرة معنوية مثل الظاهرة الأخلاقية،19رغم أنها ليست مستحيلة من الناحية المنهجية كل الاستحالة. إذ يمكن أن نحتسب مقدار الظاهرة الأخلاقية في مجتمع ما، بمقدار السلوك العنيف مثل الجريمة أو ما شابه ذلك.

     إن السؤال أعلاه؛ المصاغ على الشكل التالي: ما هو سبب توارث ثقافة العنف في المجتمع الجزائري ؟ يمكن أن يأخذ أبعاد كثيرة، وكلها تعبر عن جزء من الحقيقة لا كل الحقيقة. فإن تحدثنا على البعد التاريخي أمكن القول بأن عنف المستعمر الفرنسي القريب، وبقية المستعمرات القديمة مثل الأتراك والرومان والفينيقيين...الخ. قد شكل "سيكولوجية العنف" في الفرد الجزائري إن ممارسةً أو تلقيًا. إن الاستعمار التقليدي، على خلاف الاستعمار المعاصر الذي ينحو منحا هادئا ومستورا، أو قل ناعما، على شكل السيطرة الثقافية والاقتصادية والتقنية. وقد شكّل شخصية مستعمَرة مزدوجة العنف؛ إما أن تكون عنيفة أو تكون ضحية للعنف. وفي كلتا الحالتين، فإن حضور العنف ظاهر جدا.  لذا فإن سيكولوجية هذا الفرد تتأسس على أن العنف حقيقة موجودة في الأمام وفي الوراء، ولا مفر منها. فإن لم تكن شرسا، فسوف تكون ضحية للشراسة. لذا فإن النجاة من العنف لا تكون إلا بالتسلح السيكولوجي بعامل العنف من مستواه اللفظي البسيط إلى المستوى النهائي وهو إلحاق الأذى الجسمي بالغير مهما كان؛ قريبا، جارا، عدوا إنسانيا، عدوا حيوانيا، أو حتى عدوا طبيعيا. وقد تحدثنا أعلاه عن التعاقد الاجتماعي والطبيعي الذي لا يدل إلا على استقواء الإنسان تجاه الإنسان وتجاه الطبيعة.  بل إن العنف قد رافق حتى الاستعمار في شكله المعاصر غير المباشر، وما نلاحظه من ردود الأفعال الإسلامية العنيفة في أوروبا وأمريكا، يدل على أن الضغينة التي يمتلكها الضعيف قد تكون أقوى من كل الأجهزة الأمنة التي يمتلكها القويّ ذاته. وقد أسهب نيتشه في الحديث عن سيكولوجية الاضطغان عند الضعيف، إذ يحول ضعفه إلى قوة شرسة تتفوق على قوة الأقوياء ذاتهم،20لذا أطلق عبارته المفارقة: فلندافع عن الأقوياء من شراسة الضعفاء. والحقيقة أن من يحتاج إلى دفاع ومحاماة، فهو أقل قوة مما نعتقد.

     يمكن أيضا الحديث عن الأسباب الاقتصادية للعنف، فقد قيل عن حق أنه كاد أن يكون الجوع كفرا. فالضيق المادي يشكل طباع تميل إلى العنف والاستبعاد، بخاصة في المجتمعات المعاصرة المفتوحة أين مجال المقارنة أصبح متاحا في ظل التفاوت الاقتصادي الظاهر. إن المجتمعات التقليدية المغلقة لم تكشف عن هذا التفاوت الرهيب بين أفراد المجتمع الواحد، لكن التطور الاقتصادي الحالي غير المدروس وغير المتوازن، أفرز سيكولوجية الاضطغان التي تنتج السلوك العنيف الموجه للأفراد الذين انفصلوا اقتصاديا عن الطبقات الدنيا. ومع هذا فلن نسترسل في البحث عن العوامل التي اشرنا سابقا إلى عدم جدواها في الكشف عن سبب توارث العنف وليس عن سبب ظهور العنف.

     سنقدم فرضيتنا في أصل العنف وتوارثه باستمرار، وهي نتيجة لأبحاث كثيرة قام بها الدكتور محمد أركونM. Arkoun(1928/2010). نقول فرضية لأنها تحتاج إلى تحقيق أعمق في حالة الثقافة الجزائرية، في حين أن أركون، وإن كان يعرف الكثير من خفايا هذه الثقافة لأنه نشأ فيها إلى حد كبير، إلا يفضل التعميم أكثر ليشمل العقل الإسلامي ككل. ونحن نشعر بأن هناك تفاوت بين العقل الإسلامي والعقل الجزائري. وهذه الفرضية قائمة على المسلمة الأنثروبولوجية، أي المستخلصة من دراسات علوم الإنسان. وعندما نستعمل عبارة "أنثروبولوجيا العنف"، فإننا ننطلق من المسلمة القائلة بأنه لا يمكن تجنيس التطرف على اعتبار أن العنف تطرف أقصى، أي جعله تابع لجنس معين دون غيره أو لعرق ما دون البقية، ولا نقصد أيضا تثقيفه بمعنى اعتبار التطرف محصورا في ثقافة بعينها دون الثقافات الأخرى. وإن كنا هنا في هذا المقام نتحدث عن الثقافة الجزائرية، فليس من أجل حصره فيها، بل لأن الموضوع يتقضى ذلك فقط. بل إن العنف والغلو ظاهرة إنسية عامة، تظهر كلما تجمعت الظروف المناسبة، لذا فهي ظاهرة طبيعية قابلة للدرس العلمي والتحليل المنطقي والسوسيولوجي والسيكولوجي بصورة جزئية. فالكل دون استثناء يمكن أن يكون مُغاليا عدوانيا عنيفا، إن توفرت الشروط الكافية. وقد يكون، بالعكس، معتدلا مسالما إن توفرت الشروط المخالفة للأولى. لذا، فعندما ننتقد العنف الذي يمثله العديد من المسلمين والجزائريين، فإننا لا نستهدف الإسلام في بنيته المعرفية أو النظرية، بل نستهدف تحليل الشروط التي جعلت "الفهم" الإسلامي- وفي الكثير من الأحيان نعتقد بأن ليس هناك إسلام في ذاته بمعزل عن الفهم البشري المتعين في زمان ما ومكان ما، وإن افترضنا أنه موجود فهو ليس في متناول أفهامنا المحدودة - منحرفا وقلقا ومتوجسا في ظل الاستقامة والأريحية والوضاحية السائدة في فهم الدين عموما، أي في المتوسط العام العالمي. وإن تسنى لنا أن نستشهد بملاحظة الفلاسفة، فإن تذكيرة وليم جيمس (1842/1910)William James، الذي درس الظاهرة الدينية من زاوية نفسية علمية وعملية، ستبدو مهمة جدا في هذا المقام. ولئن استعملنا كلمة تذكيرة، فإننا نعنى أن جيمس قد استذكر ما ورد في الكتاب المقدس حول الحكم الذي نصدره عن الشجرة، وهو الحكم الذي يستعمله متوسط الناس عندما يعبرون عن قيمة الشجرة من خلال ثمارها. فإن كانت الثمار رديئة وقليلة ومريضة، تم حينئذ اعتبار الشجرة في ذاتها غير ذات بال، بمعنى غير مفيدة، وعلى العكس، نقول عن شجرة أخرى أنها مفيدة ونافعة وقيّمة، عندما نتحصل على ثمار جيدة. لذا فإن قيمة الشجرة متأتية من قيمة أثارها مثلما أنه لا يمكن الفصل بين آثار الانفعال الديني والدين في ذاته. 21ورغم أنه قد تم الكشف عن نقائض أسس المذهب البراغماتي في أكثر من موقع، إلا أن علاقة المبدأ بالنتيجة لا يمكن تجاهله في كل مرة. وعندما نستعين بالمذاهب والمناهج الفلسفية، فإن هذا لا يعبر عن انتماء الكاتب، الانتماء الكلي والتام، بقدر ما يدل على الإيمان بـ"عقلانية التوسل"، فكل ما جادت به قريحة الفلاسفة ذا قيمة منهجية لا يمكن تجاوزها بجرة قلم بدعوى أن مصدره أجنبي أو مخالف. وبما أنه لا يمكن تبنى نظرية فلسفية كل التبني، فلا يمكن تسفيهها كل التسفيه، ووفق عقلانية النسبية، فهناك دوما ما يمكن أن نستفيد منه، في سياق ما، رغم ما فيه من اخفاقات ورذائل مفهومية. وسنفكر موضوعنا هذا، أنثروبولوجية العنف، من خلال الاعتقاد بأن لكل مذهب فضائل لا يمكن انكارها كل الإنكار.

     يفضل الأستاذ محمد أركون أن يتحدث عن ثالوث أنثروبولوجي، وهي نظرية قديمة غير مبتدعة كلية من طرفه. شأنها شأن العديد من الأفكار والمناهج التي أدمجها في سياق أبحاثه. بل إننا نعيب عليه أنه أدمج كل شيء دون تمحيص أو بحث عن نسق المراجع، فهو يستعمل المناهج الأكثر تناقضا والمفاهيم الأكثر تنافرا بعضها مع بعض في سبيل تحيين دراساته. المهم، هو أن أركون يدعونا الدعوة الإيجابية إلى ضرورة التخلي عن السلوك العنيف الذي له أكثر من مظهر، من خلال "وجوب التخلي عن ذهنية التحريم أو التكفير والحروب الدينية وإحلال ذهنية الأنسنة المتفتحة محلها (...) لذا ألححت– يقول أٍكون- منذ سنوات على ضرورة العلم الأنثروبولوجي وتدريسه فهو الذي يخرج  العقل من التفكير داخل "السياج الدوغمائي المغلق" إلى التفكير على مستوى أوسع بكثير".22وما يقصده بالحروب الدينية، ليس فقط الصراعات الخارجية بين الأديان التي تمثل عنفا ظاهريا، بل أيضا الحروب المذهبية داخل دين واحد. ولسنا بحاجة إلى الإشارة إلى أن الكثير من الأفعال العنيفة المتوارثة قد ارتبطت في الجزائر وغيرها بالاختلافات المذهبية والمتنافرات التأويلية. لذا فإن الانتقال من المنغلق إلى المنفتح هو شرط توارث التسامح. لكن ماذا نقصد بعقلانية الانغلاق في هذا السياق، وهو ما عبر عنه أركون، بالسياج العقائدي المغلق، والسياج هنا يرمز إلى التضييق والمنع والتحريم والعزل والتغطية. هي بالتحديد عقلانية رفض التفكير في الأصول نظرا للاعتقاد بكاملها وتمامها.  لذا فالترجمة المطابقة للكلمة الفرنسية intégristeليس الأصولي، بل التمامي لأنه يعتقد بتمام أصوله وعدم قابلية تطوريها في أي اتجاه ومهما كانت النوايا والأغراض. لذا فكل من يعتقد بكمال أصول أفكاره فهو أولي تمامي. ولكن للتمامية مخاطر مباشرة ترتبط بالعنف المتوارث، أو قل الاستعداد لممارسة وارتكاب العنف المقنن والمقبول اجتماعيا.  إن ما نشأ على نهاية أفكاره، لا يمكن إلا أن يجاهد من أجلها. والمشكلة أن الابتداء بالنهاية تعتبر نقيضة منطقية ظاهرة، فلا نهاية ما دام الإنسان لم ينته، ما دام التاريخ لازال سائرا صائرا.

     مدلول عبارة المثلث الأنثروبولوجي مدلول هندسي في صورته، أي أن الإنسان كإنسان مجردا عن الزمان والمكان والخصوصيات اللغوية والعقدية والثقافية بعامة، خاضع لهذه الأضلاع أو الزوايا القطبية الثلاثة وهي: العنف والحقيقة والمقدس.23بل هي قوى مركزية ثلاثة لا يمكن الانفلات من آثارها لكل من تمسك بمركز واحد منها. فمن اعتقد بالحقيقة، فلا يمكن إلا أن يرفض المخالف، وفي هذا الرفض عنف مطمور. وعموما فإننا نعثر على الحقيقة في المقدسات الدينية. 24لكننا ننبه أركون، إلى أن الاعتقاد بالحقيقة ليست خصيصة دينية فحسب، بل هناك حقيقة فلسفية، لذا فلا نستبعد أن يفجر الفيلسوف الذي يعتقد بالحقيقة نفسه، مثلما يرتدي المتعصب الديني المهوس حزاما ناسفا لإثبات صحة عقيدته ! ونتائج هذا المثلث هي أن المجتمع الذي يعيش في فضاء المقدس، ويعتقد بأن مقدسه يمثل الحقيقة الكاملة والواحدة أو الأوحدية والنهائية، فإنه مجتمع يستبطن العنف ويتوارثه بصورة آلية وحتمية وضرورية، بحيث ينتقلا من جيل إلى جيل على شكل موروث اجتماعي مقنن ومقبول. وقد تكفل الدكتور رونيه جيرار (1923/2015)René Girard بتحليل ذلك في كتاب له ألفه في سبعينيات القرن الماضي، يحمل عنوان المثلث الأنثروبولوجي السابق وهو "العنف والتقديس"la violence et le sacré. فكل تقديس يعلمنا الحقيقة الكاملة غير المنقوصة.25وهذا المثلث يعمل بالتحديد على إلغاءات ثلاثة هي إلغاء الفكر واللغة التاريخ. أي أن من يعتقد بالحقيقة النهائية أولا، ومرفوقة باعتقاد مقدس لا يقبل النقاش ثانيا، فإنه يلغي التاريخ ويعتبر أي تطور بعد اللحظة المقدسة مجرد نافلة تاريخية، أو قل فضلات للتاريخ لا قيمة لها، أو قل أيضا بهرج تاريخي لا يقدم ولا يؤخر. كما أنه يعتقد في نهاية اللغة، إذا لا يمكن أن تقدم أحسن مما قدمت في الماضي الذهبي المقدس، وأخيرا، فإن موت التاريخ واللغة يستلزم حتما موت الفكر وأفوله وعدم قدرته على التجديد. وتوقف هذه العناصر الثلاثة (الفكر واللغة والتاريخ) عن الحركة والنمو، لا يدل إلا على اكتمال عقيدة العنف وتمام دورتها، فلا مبرر للتفكير لأن التفكير قد انتهى، ولم يبق إلا فرض العقائد بالحديد والدم، والمسيحية قد مرت بهذه المرحلة في عصورها المتأخرة عندما أفلس الروح وتنمذج العنف عند بعض الرجال الذين يعتبرون أنفسهم ممثلي للمقدس.26عندما يتوقف الفكر عن الاجتهاد، فإن اللغة تنكمش على انجازاتها وتسقف النمو، وبهذا ينكبح التاريخ ويخبوا الذكاء مقتنعا بالمنجزات السابقة، ويتم تشغيل الذاكرة التي ترسى "الحفظ كقاعدة للتقليد".27فمن لم يحفظ، لا يمكن أن يقلد، ومن لم يقلد فهو مبتدع أو منحرف، لذا وجب أن يُعنف العنف المستحق. هذا هو منطق سيكولوجية العنف الذي يشتغل في الخفاء. وفي هذا لا يختلف أي مجتمع عن الآخر، ولا يهم نوع العقيدة التي يعتقد بها، لأن الاعتقاد بالتمامية والكمال والنجازة هو بالضبط ما يجمع إسلام الخميني في ايران ومسيحية السيد لوفير مع "يهودية اليمين المتطرف الإسرائيلي".28لذا صح أن المسألة أنثروبولوجية وليست خاصة بأي مجتمع مخصوص. وبالتالي فإن العنف المتوارث هو محصلة الانغماس في الماضي البعيد والحلم بالمستقبل الأبعد، والانسلاخ كلية عن الحاضر الذي هو ملاذ الإنسان الوحيد. ورفض الحاضر هو الانتماء إلى العدم الحقيقي، لأن الماضي قد انتهى وانعدم، والمستقبل لم يحن وبالتالي فهو غير متحقق أي عدم، ومن سكن في العدمان، عاش في العدم دوما، مما يدل على أنه يرفض الوجود الطبيعي الذي هو وجود الحاضر المتجدد والمنفتح. لذا يقول أحد الرواقيين الرومان أنه "من فرط العيش في الماضي أو في المستقبل، "تُعْوِزنا الحياة".29ومن افتقر إلى حب الحياة أصبح هو والعنف متماهيان. لذا، يمكن القول، أنه إن كان التوارث الطبيعي مرتبط بالذاكرة الحيوية أو البيولوجية، فإن التوارث السيكولوجي مرتبط بنمذجة الذاكرة المعنوية بدل الذكاء. إن العنف وليد تسلط الذاكرة على الذكاء، وليد الذاكرة المتخمة بالماضي والتي تأبى إدخال دماء جديدة في أوعيتها القديمة. وكل من يرفض ربط العنف بالاعتقاد بالنجازة والحقيقة الواحدة المنفردة، على شاكلة طه عبد الرحمن (1944/ ؟)،30فإنه لا محالة، قد تغاض عن المنظور الأنثروبولوجي الذي يزن الأمور بميزان التاريخ الإنسي لا بميزان تأويل واحدى أوحدي  للنص التراثي. بل إنه الذي يغتصب الواقع بالنصوص، وينمذج المبدأ الفكري على الواقع الحسي.

     حقيقة أن ربط توارث العنف بالمقدس، قد يرفضه الكثير من المسلمين، في حين يقبلون نسبته إلى بقية الأديان. بحجة أن القول بذلك يدل على التأكيد على احتواء الإسلام على العنف، أو قل صراحة على "عنف الإسلام التكويني". لكن ما نريد الإشارة إليه، هو أن المتسامح يستمد خلفيته الفكرية من الإسلام، والعنيف لا يقل إسلامية عن الأول. فكل منهما يمتلك مشروعية توظيف النصوص. وقد احتفظ الهولنديين بمثل قديم يقول: "ما من مجذف أو مهرطق وإلا يستند إلى نص ما". 31ثم أن تشابه بعض النصوص القرآنية أمر أكده القرآن ذاته؛ ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾[آل عمران، 7]. لذا، فإننا لا نقصد ربط العنف بالإسلام، بل ربط العنف بفهم الإسلام. وهذا ما لا يمكن انكاره اطلاقا. وهنا، نطرح سؤال الفرق بين "الإسلام" و"فهم لإسلام" على محك النظر الخالص. لكن هذا الموضوع مستقل بذاته، ويحتاج إلى حيز منفرد لا يمكن أن نستحدثه في هذا الموضوع بالذات. فكل تأويل هو فهم في النهاية، ومن يعتقد بأنه فهم حقيقة الإسلام، فكأنه تماهى بلا خلفيات تأويلية معه، وهذا محال، مهما كان العقل الذي قال بذلك.

3-التنفيس من خلال التفكير: نحو منظور جديد للاعتراف الثقافي الجزائري.

     سنسمح لأنفسنا أن نسمي كتابات الدكتور "عبد الله شريط" (1921/2010) بثقافة الإدانة والنقد، ونحن نطرح البديل الجذري المعاكس تحت مسمى "نقد الثقافة أو إدانة الثقافي" بالمفهوم العتيق والمألوف للكلمة. لأن الكل يتقن الكشف عن خلل السلوكيات أو المسلوكات الثقافية الفردية والجماعية، لكن القليل فقط من تنبه إلى أن الهفوات الثقافية المتحققة في مجموعة أفراد معينة، لا تنفصل عن بنية تلك الثقافة ككل.  ما عدا كبار الفلسفات التي تنبهت إلى أن الثقافة قد تكون للمفكر الجذري موضوع تفكيك من خلال الكشف عن ما وراء الثقافي métaculturelومن خلال القيام بتحليل نفسي للثقافة مثلا، مما يسمح بالكشف عن مختلف التمفصلات المستورة للبنية الثقافية، وهذا ما يمكن أن نعتبره "سيكولوجية الثقافية".32أي أن يكون المنهج هو نزع الأقنعة بطرق نفسية، والموضوع هو الثقافة البشرية ذاتها. فكل شيء مبني ومركب عبر التاريخ، يمكن إعادة تفكيكه وعزل أجزاءه بالدرس العلمي والنقد العقلي، والثقافة ليست بمنأى عن هذا. حقيقة أن الثقافة هي من يشكل العقل، لكن يمكن لهذا الابن المُشكل، بعد نموه، أن ينقلب ليدرس نقديا الموضوع الذي ساهم في تشكيله. مثلما أن التلميذ يمكن أن ينتقد الأساتذة الذين شكلوا عقله النقد المقبول والصحيح. ولئن أخذنا نموذج عميد الفلاسفة الجزائريين الدكتور عبد الله شريط، نموذجا للنقد والمراجعة وتبديل المنظور أو قلبه، فإنه من المكن توسيع القائمة لتشمل الكثير من النماذج. لكن وبما أن المقام محدود جدا، فلا يمكن انجاز هذا التوسيع، بل نشير على سبيل التلميح فقط إلى نظرة المفكر اللبناني علي حرب،33التي لا تخلف عن منطق الدكتور شريط. وهو المنطق الذي يتوجه لنقد المظاهر الخارجية متمثلة في السلوك الثقافي الفردي، مهملا الأسباب العميقة متمثلة في بنية الثقافة ذاتها.

     يمكن التأكيد بأن الفضيلة المعرفية والمنهجية للدكتور عبد الله شريط (رحمه الله) هي أنه أنزل الفلسفة، على الأقل في الجزائر بعد الاستقلال، من السماء إلى الأرض، على شاكلة سقراط في القدامة الإغريقية. فقد أبى أن يقدم كتابات فلسفية خالصة ومجردة، بل عمل على التوسل بالفلسفة من أجل تفكيك الواقع المر والمتردي للثقافة الجزائرية والسلوكيات الثقافية التي تمظهرت في يوميات الفرد الجزائري. والحقيقة أنه قد دعا إلى تغيير السلوك نحو الأحسن ونحو النموذج المثالي، مما يشكل مشروع يوتوبيا الأفضل. وهذا في حد ذاته مقبول، بل مطلوب من أي مفكر مهموم بالثقافة المحلية. لأن اليوتوبيا الثقافية شرط للنمو الثقافي ذاته. فلا تقدم دون تمني.  وقد تنبه إلى أن المعركة الحقة لم تنجز بعد، على اعتبار أن معركة التحرير العسكري، لا تدل على النجاح في حرب تأسيس الثقافة، بل أن المعركة الأهم، والتي لم تنجز بعد، هي "معركة المفاهيم"،34لذا جاءت دراسته بهذا العنوان الجميل والدقيق. والملاحظ بأن هذا الكتاب، قد نحا منحى التفكير الناقد عن طريق مقارنة الثقافات، وربما هذا هو الحلقة المنهجية الأضعف في هذه الدراسة، لأن المقارنة بين الثقافة الجزائرية والثقافة الفرنسية، أو بين ثقافات الشرق وثقافات الغرب...الخ لا يتم بهذه السهولة والمباشرة، لأن للثقافات دورات حضارية ومدارات تاريخية متفاوتة. فلا يمكن مقارنة السلوكيات الثقافية للجزائري والسلوكيات الثقافية للفرنسي، على الرغم من أن هناك تأثير لا يمكن انكاره، إذ ساهمت الثقافة الفرنسية في إعادة تشكيل الثقافة الجزائرية، إن ايجابا أو سلبا. وقد أشار رالف لينتون، في كتابه السابق، إلى مفهوم الشخصية القاعدية التي تشكل القاسم المشترك أو الأساسي عند أفراد كل حضارة على حدى. يقول أن "أعضاء أي مجتمع من المجتمعات يشتركون دائما في قائمة طويلة من عناصر الشخصية (...) وكذلك الأمر بالنسبة لنظم القيمة والموقف التي يشترك فيها أعضاء المجتمع (...) وعلى هذا فإن النساء والرجال في مجتمع ما قد يشتركون في مواقف واحدة بالنسبة إلى احتشام الأنثى وجرأة الرجل (...) وتؤلف كل هذه العناصر الشخصانية المشتركة شكلا متكاملا تمام التكامل يمكننا أن ندعوه: نموذج الشخصية الأساسية Basic Personality(...) يمد هذا الشكل المتكامل اعضاء المجتمع بقيم ومفاهيم مشتركة ويؤدي إلى اثارة رد انفعالي موحد فيهم تجاه حالات تمس قيمهم المشتركة".35ويشرح بن نبي هذا الأساس المهم في "شخصية الثقافة والشخصية القاعدية في العناصر الثقافية المشكلة لها" قائلا: "أن الخليفة المسلم والراعي المسلم يتصفان بسلوك واحد لأن جذور شخصياتهما تغور في أرض واحد، والطبيب الإنجليزي والطبيب المسلم يختلف سلوكهما لأن جذورهما لا تغوص في الأرض نفسها. على الرغم من أن تكوينهما المهني يتم في إطار منهج فني واحد (...) إن التماثل أو الاختلاف في السلوك ناتج عن الثقافة لا عن التعليم".36ولئن كانت الدورة الثقافية للمجتمع الجزائري في سياق مختلف، أو قل متأخر، عن الدورة الثقافية والحضارية للمجتمع الفرنسي، فإن المقارنة هنا تكون ضحلة ولا تنتج شيء ما يمكن أن نعتبره بداية لتصحيح أو اصلاح. وقد خصص الدكتور والمؤرخ وفيلسوف التاريخ الانجليزي "أرنولد تويني"Arnold Toynbee(1889-1975) في بداية كتابه الضخم، فصلا تحت عنوان: "مدى امكان مقارنة الحضارات بعضها بالبعض الآخر"37وقد توصل إلى أن هناك على الأقل اعتراضين لإمكانية مقارنة ثقافتين، المقارنة التي يقوم بها معظم الناس، منهم المثقفون والأكاديميون ذاتهم، وهي:

1-عدم وجود الصفات المشتركة بين المجتمعات التي تبلغ واحد وعشرون (هو عدد مجمل الحضارات المحصية في التاريخ الكوني أو قل الأرضي عندنا حتى الآن).

2-التعدد الموجود في الحضارات أدى إلى سقوط فكرة الوحدة. 38وحتى في ظل الكونية الثقافية التي نسميها عالمية أو كوكبية، فإن الاختلاف مبدأ لا يمكن تجاوزه.

     ومن هنا، يمكن أن نلاحظ أن نقد الثقافة من خلال المقارنة بثقافة أخرى ولتكن الجزائرية بالفرنسية أو المصرية بالإنجليزية،39هو نقد خارجي لا يصل إلى الأعماق ولا يكشف عن البنى الحقيقة للثقافة المنقودة. بل أن نقد الثقافة الوطنية من خلال الكشف عن اختلالات المنظومة التربوية،40أو المنظومة الجامعية،41أو السلطة السياسية والتشريعية،42لا يساعد حقيقة في السيطرة المنهجية على المشكلة الثقافية، لأن الخلل في أي عنصر ثقافي، لا يفسر بهذه البساطة، بل أن العناصر الثقافية حلقات مركبة لا ينفصل الجزء عن غيره وعن كله. المشكلة لا تكمن في التربية أو التعليم أو الزراعة أو الصناعة، بل في بنية الثقافة ككل. لذا فالمقاربة التفكيكية هنا لا تصلح إطلاقا، بل أن الكل مرتبط بالكل، لا يمكن فك جزء دون الانتقال إلى فك بقية الأجزاء. إذن أين هو الخلل ؟ هذا هو السؤال الذي يُطرح مباشرة. نقول بأن مقاربة مشكلة الثقافة يجب أن تكون جذرية، ولا نقصد من خلال هذه العبارة أن نتنازل عن ثقافتنا مؤقتا حتى نصنع لأنفسنا ثقافة جديدة، لأن هذا غير وارد، ولأن المشكلة اجتماعية، بحيث لا يمكن اجراء تصليح بسيط، لظاهرة مركبة ومعقدة ومتحركة مثل الثقافة، فلا يمكن اقتلاع الثقافة أو توقيفها من أجل اصلاحها. وهنا بالتحديد يكمن عمق العمل الإصلاحي الجذري. إن التفكير المرن هو الذي يفكر في كيفية إصلاح العوائق التي تعيق الإصلاح ذاته. وإلا فإن النتائج، ولو بدت ذات شأن، فلن يطول صلاحها. وقد حدث للثورات التي أطلقتها السلطة الجزائرية في السبعينيات من القرن الماضي الفشل المرير، ونذكر بخاصة الثورة الثقافية، بسبب عدم التفكير في المعوقات التي تنتظر هذا الإصلاح. إن الذكاء الثقافي يتطلب التفكير فيما وراء التفكير الجزئي والحالي، التفكير في كيفية جعل التفكير فعالا.

     إن ما نطلب مراجعته في منظور عبد الله شريط هو الانتقال من ثقافة نقد الثقافة المتجلية في السلوكيات الفردية إلى التفكير فيما وراء الثقافة ذاته، أي في الأساسات. ما الذي جعل الفرد يتصرف وفق هذا المنحى السلبي بحيث لم يستطع التطابق مع النموذج الثقافي ؟ هذا هو السؤال الذي لم يتم التفكير فيه. لماذا هناك دائما وأبدا تفاوت بين المبدأ والواقع ؟ هل لأن الإنسان هو الأدنى والثقافة هي الأعلى ؟ ألا يمكن استبدال المواقع مثلا ؟  إن الانتقال من ثقافة النقد إلى نقد الثقافة أو مثلما عنونا المقالة بـ "من ثقافة الإدانة إلى إدانة الثقافة"؛هو ضرب من رفض الثقافة القائمة على مقولة المطابقة التقليدية في معيار الحقيقة. فمنظور الأستاذ شريط لم يتجاوز المقولة التي تؤسس السلوك الفردي على النموذج الكامل، بحيث يقاس نجاح ثقافة الفرد بمدى نسبة تطابق سلوكياته على البراديغم الناجز والكامل وكأن النموذج الثقافي الجمعي نموذجٌ كامل ومنتهي ومغلق. على الرغم من أن الثقافة "مشروع لا يكتمل" في كل المجتمعات البشرية، ما عدا المغلقة منها.

     ويمكن أن نلاحظ بسهولة مدى ضيق هذا التصور للثقافة والسلوك، أو قل المجتمع والفرد. إن الفرد، في هذا التصور القائم على تطابق الجزئي مع الكلي، يشعر بأنه لعبة وسيلية في يد الثقافة التي تطالبه بالانطباق مع معايرها فقط. وأي اجتهاد بخرق هذه المعايير، ولو بالمفهوم الإيجابي الإبداعي، لهو ضرب من الهرطقية الثقافية. ومن هنا ظهر مفكرين عضويين في الثقافة يقومون بإدانة السلوكات الفردية التي لم تتطابق مع الأنموذج الكلي والكامل. إن المفكر "المساكش" لهو الذي يتفطن إلى "مكر الثقافة وعبثها".43وتوصف الثقافة بالمكر، عندما تدجن وتنتقي، بمعزل عن الإرادة الفردية الطموحة. والثقافة في تحديد نيتشه المشاكس، المشاكس جدا، هي تدجين وانتخاب مثلما أشرنا إلى ذلك أعلاه.

     وهنا نصل إلى المفهوم الذي نريد انتاجه وهو "الاعتراف الثقافي". ولئن كنا وفق منطق العادة، نستخدم الاعتراف للدلالة على الموقف الفردي تجاه أخطاءه، فإننا، هنا، نوسع الماصدق ليشمل الثقافة ذاتها، بما هي كيان منفصل عن الأفراد المشكلين لها، شأنها شأن خاصية المجتمع ذاته. 44وإن صدقنا فرضيات دوركايم في وجود كيان ثقافي – مجتمعي مستقل على رغبات الأفراد المشكلين لهما، فإننا نكون هنا أمام كيان يستخدم مكوناته لمصلحة أعلى منهم بالذات. حقيقة أن الأفراد قد يحاربون من أجل ثقافتهم، ويموتون من أجل هويتهم، ويجاهدون من أجل دينهم. لكن بالمقابل، فإن هذه الثقافة التي لا تقبل مراجعة مسلماتها، وتحيين مبادئها؛ اسقاطا واضافة، فإنها تتنكر لطموحات الأفراد. ومن هنا ينشأ الصراع بين الفردي والجماعي، الصراع الذي يحتدم كلما انغلقت الثقافة وأبت المراجعة وأسكتت الضمير الفردي. ومفهوم "الاعتراف الثقافي" يدل على ادخال عنصر المراجعة والتعديل كعنصر أساسي من مكونات الثقافة ذاتها. أي أنه يغدو عنصرا تأسيسيا مثله مثل عناصر الثقافة الأخرى كالأخلاق والتربية والخضوع والالتزام...الخ. واعتراف الثقافة بمركزية المراجعة في منظومتها، يسمح بعدة مكتسبات ايجابية منها:

-التطوير الآلي والتلقائي للثقافي. مما يسمح بالسير الطبيعي للحياة الثقافية، بدل التراكم الإختناقي الذي يولد الصدمات الثقافية. أي التطوير الانقطاعي العنيف للثقافي. ومفهوم الثورة الثقافية التي ألفناه مثال على هذا التطور غير السوى.

-تفعيل الذكاء الفردي في ثقافته، من خلال شعوره بأن التجديد أكثر نموذجية من الالتزام والتبعية والاستهلاك. إن الفرد الفعال لا يمكن أن يعيش في نموذج، بل هو الذي يعمل على خلق نموذج، وهذا الخلق لا يدل إلا على اختراق النماذج القديمة. لذا فيجب التخلي عن فكرة النموذج الذي لا يموت ولا يفنى ولا ينضب.

-نقل ثقافة الاعتراف من المجموع إلى المخصوص، أو قل من الثقافة إلى الثقافي، والحق يقال بأن الفرد لن يكون "مُعترِفا" إذا كانت ثقافته رافضة للاعتراف ذاته. إن الثقافة هي من تشكل الفرد لا العكس. لذا وجهنا النقد للثقافة لا الفرد. إن الثقافة الديكتاتورية هي من تصنع الحاكم الديكتاتوري وليس العكس.

     الاعتراف مفهوم يدل أيضا على قبول التاريخ كما هو وليس التاريخ كما يجب أن يكون، إن يوتوبيا التاريخ تساهم سلبيا في فهم التاريخ ذاته، ولئن اعترفنا بالجانب الإيجابي للماوجبية في تحريك التاريخ والثقافة، إلا أن غلبة المأمول على الموجود، لهو المدخل الحتمي نحو مثالية موغلة، نحن في غنى عنها. ونحن، هنا في هذا المقام، نقترح الاعتراف بأن ثقافتنا طبيعية وليست اصطناعية. ولئن بدا أن عبارة ثقافة طبيعية متناقضة، فلأننا ألفنا المقابلة بين الطبيعي والثقافي على أساس أن الأول مُعطى والثاني مَبني. لكن ما نقصده بالثقافة الطبيعية، هو تلك الثقافة التي تسير دون تدخل العامل الفردي تدخلا حاسما اراديا قائم على تخطيط مسبق. لذا فنحن نفضل الحديث عن "صناعة الثقافة" بدل "استخراج الثقافة". إن الثقافة تمثل موضوع صناعة متطور جدا، وهذا ما يسمح بفاعلية الأفراد، التي أشرنا إليها منذ حين، أعلاه، وعندما نستعمل عبارة "الثقافة الصناعية"، فإننا نشير إلى مفهوم معاصر مرتبط بمفهوم المجتمع العلمي الذي لا يترك الأمور تسير بصورة تلقائية، بل يتدخل للتوجيه والتصحيح والتعديل...الخ. والثقافة التي تُصنع، تكون موضوع للتعديل، وهذا ما يسمح بسيرها الإكتمالي نحو الأحسن. بدل السير الطبيعي الذي قد يكون دوريا، يعود إلى نقطة الانطلاق، حيث لا ندري. إن الطبيعة هي من تحسن الدوران، والإنسان هو من اخترع الاستقامة والسهمية. ربما هذا هو الفرق بين الفطرة والذكاء.

     ما من نريد التنبيه إليه هو أن الثقافة التي تصنع الفرديات من أجل خدمتها الخاصة، ولو كانت النتيجة فناء الأفراد ذاتهم. ليست إلا النظرة الشمولية والكُلانية التي نادى بها أفلاطون قديما. لذا اندهش بوبر عن علة تسمية كتاب أفلاطون بـ "الجمهورية" رغم أنه ضد جمهوري في حقيقته وبامتياز، ولا فرق بين تصور أفلاطون القدامى وتصور هيجل وماركس الحداثي. لقد اتفق هؤلاء "الكبار" على طمي الواد على القرى، وحجب، بل قتل، الفردية بالكلية الثقافية في مختلف تمظهراتها.45هذا النمط من النظرة إلى الثقافية نمط كُلاني، لأنه لا يَعتبر للأفراد بل للمجتمع فقط. إنها منظور إجتماعوي [غلو في المجتمعية] متطرف، يعتقد بأن الأفراد وجدوا من أجل القانون، على الرغم من أن القوانين في الأصل لم توضع إلا لخدمة الأفراد، والفرد لم يوجد من أجل الدولة بل العكس.  لذا فلا يجب أن نغالي في نقد "ثقافة الأفراد الناقصة"، بل النقد المثمر هو نقد الثقافة ذاتها، لأنها هي من يصنع الأفراد على شاكلتها، فلنتذكر أن الدكتاتوري ضحية الديكتاتورية ذاتها. إن اخفاق الأفراد لهو أصدق تعبير عن اخفاق الثقافة، وليس العكس.

     لقد راج الحديث، اليوم بالذات، عن الحكومة العلمية أو الالكترونية، والمجتمع العلمي أو الصناعي، والتفكير العلمي...الخ.46لذا، فلا مانع من اقتراح مفهوم "الثقافة الصناعية" أو قل "الثقافة العلمية" لكن ليس بالمفهوم التقني الخاص، بل بالمفهوم الفلسفي العام. ونقصد بالثقافة الصناعية، تلك الثقافة التي تستخدم دوما ما انتجه التفكير الجديد من أجل اعادة تشكيلها الخاص. لذا، فلا مانع للحديث عن "صُناع الثقافة" أو مُحترفي الثقافة الذين يخططون عن قصد ووعي لمسار ووجهة الثقافة المجتمعية.  إن الثقافة الصناعية هي التي تُنتج التطور وتَخضع له في نفس الوقت، وعن وعي وإرادة موجهة لغايات معلومة.

خلاصة: ما حقيقة الثقافة الجزائرية ؟

     لا أدري إن كان الغزالي أبا حامد (1058/1111م) قديما على وعي تام وحاد بمدلولات عنوان كتابه الأشهر وهو "تهافت الفلاسفة"؟ أم أنه وضعه بصورة تلقائية غير مدروسة ؟ لأن التأكيد على "تهافت الفلاسفة" بدل "تهافت الفلسفة" له أكثر من مدلول. وكأن الغزالي ميز بين الفلاسفة والفلسفة. ونحن هنا نريد أن نستبدل "تهافت المثقف" بـ "تهافت الثقافة"، عن وعي وإرادة مدروسة. لقد تهجم "حجة الإسلام" على الفلاسفة، لكنه لم يتحامل على الفلسفة ! هل لأن الفلسفة لا ترفض، على اعتبار أنه إذا كان لا ينبغي التفلسف، فعندئذ يجب التفلسف !47أم لأنه مهتم بالنقائص المعرفية لمتفلسفة زمانه فقط ؟ نحن نستبعد "تلقائية" تفكير الغزالي، على اعتبار أنه نقطة ثقل القرن الخامس للهجرة (نُذّكر بأنه توفي سنة 505ه). لذا نميل إلى التقرير بأنه كان ينظر إلى الفلسفة على أنها فوق النظر، ومتعالية عن النقد. مثلها مثل المنطق تماما، والمشكلة تكمن في طريقة عرضها من طرف المشائين بخاصة الفارابي وابن سينا، وقد قال الدكتور طه عبد الرحمن بشيء من هذا القبيل.48لكن، نحن في منظورنا هذا، نعتقد بأن النقد لا يوجه فقط إلى المثقفين بالمفهوم الواسع للكلمة، وكل أفراد المجتمع مثقفين، أي حمالة الثقافة. بل أن النقد يجب أن يتوجه للثقافة ذاتها. كما أنه يمكن انتقاد الفلسفة ذاتها وليس فقط انماط فلسفية أو مذاهب فلسفية أو مواقف فلسفية. إن الانتقاد الحقيقي والجذري لا يلمس فقط النتائج أو الثمار، فهذا نقد خفيف، إن لم نقل بأنه نقد سطحي وشكلي. فعندما ننتقد الأفراد المثقفين نكون قد مارسنا نقدا للنتائج الخارجية فقط، لكن نقد الثقافة ذاتها، هو الذي يوصلنا إلى العمق والأسباب الأصلية. بل النقد الأصيل هو الذي يذهب، بكل جراءة وشجاعة، إلى الأصول والمصادر البعيدة. والمصدر الوحيد لثقافة الأفراد هو الثقافة ذاتها. لذا فيمكن ادانه الثقافة بدل ثقافة الإدانة التي احترف الكل صناعتها وممارستها. لكن "ادانة الثقافة" لا يدل على الخروج من كوننا كائنات ثقافية، بل لا تدل إلا على عملية إزالة التكلس عليها بغية دفعها إلى التجدد والنمو والتوسع. فالثقافة المتروكة تميل شيئا فشيئا إلى التباطؤ والركود والكسل.

     إن أسئلة قوة الثقافة وضعفها، كذلك مرض الثقافة نموها، أو موت الثقافة وخلودها...الخ لا تنفصل عن نظرية "ادانة الثقافة" التي اقترحناها. وجميعنا يعتبر السؤال المعهود:ما هو سبب انهيار الثقافة الاشتراكية وازدهار الثقافة الرأسمالية ؟ سؤالا مشروعا ويحتاج منا إلى التفاتة جدية وتحرى خاص وعميق. والإجابة الأكيدة هي أن الثقافة التي تجدد نفسها دوما وباستمرار من خلال عدم السكوت على أبسط وأتفه التفاصيل الثقافية، بل قل أن الثقافة التي تدين نفسها من خلال النقد الذي لا يعرف هوادة؛ هو السر في ذلك. إن الاهتمام بالأمور التي ترفعت عنها الثقافة العقلية والمتعالية التي تتعامل مع الثقافة الكبرى فقط، أو التي تنتقي ما يبدو أنه الدائم والعالي...الخ هو سبب انحطاط وانحسار أو موت الثقافة في النهاية. فالاقتصاد الرأسمالي كفرع من الثقافة البروتستانتية والدنيانية، ولأنها تأسست على عدم الرضا المزمن كمبدأ أساسي لسيرورتها التاريخية، فإنها نجحت أين فشلت العقليات التي شعرت بالتمامية، والإشتراكية وقعت في هذه المطبة الكبرى؛ الإحساس بالناجزة الثقافية. إن الثقافة الرأسمالية هي التي ارتضت أن تدين نفسها من خلال الإصلاح المستدام والاستماع إلى الانتقادات الداخلية والخارجية. ثم أن النقد لا يدل إلا على النقر بغية التفحص والاختبار،49ويدل أيضا على رسم الحدود والفرز والغزل بغية الفهم.50فمن رفض النقد فقد رفض الفهم. ومن رفض الفهم فقد جمّد الثقافة وكلّسها.  فلماذا نخاف من النقد والإدانة، إن كان الاختبار والتحديد هو ما يحتاج إلية الذكاء الإنساني! فنحن بشر، لأننا محدودين ونحتاج إلى الاختبار. إننا نؤكد أن لتأثيم النقد أصول، ولن يكشفها إلا بحثا جينيالوجيا صارما، لذا فلا مفر من دراسة مستقلة نفردها للمشكلة لاحقا. لأن ثقافة تأسست، ثم أسست تأثيم النقد، تحتاج، بدورها إلى نقود مزدوجة ومكثفة. لأن أيضا النقد ليس تهديم بل هو وضع وتأسيس وبناء، والكلمة باللاتينية ponereتدل على النقد، ومن هذا الفعل يشتق النعت positiveأي الوضع أو الإثبات. [ لذا نقول عن الوضعية أنها اثباتية وليست سالبية مثل اللاهوت]، فإن نقد العقل المحض لن يرفض ببساطة (..) وينتقص منه، لن ينتقده، بل بالأحرى أن يرسم حدود ماهيته الحاسمة والخاصة".51إذا بالنقد تتطور الفكرة وتنمو، بالنقد والسؤال تنمو الثقافة وليس بالرضا والإنعام. والانغلاق على الثقافة المحلية، على أساس أنها الكاملة والناجزة والنهاية،لا يساهم البتة في الحرية الفكرية، بل بالمقارنة تتحدد قيم الأشياء. إن التمسك بتمامية الثقافة يقهر الحرية الفكرية من الأساس، والحرية الثقافية لا تدل إلا على الانتماء النقدي للثقافة. 52ولنختتم أخيرا، بالملاحظات النيرة لحكيم أوربا الحالي، البروفيسور يورغين هابرماس (1929/ ؟)Jürgen Habermas، حيث يقول في كتابه حول مستقبل الطبيعة الإنساني تحت العنوان المثيرDie Zukunft der menschlichen Natur – Auf dem weg zu einer liberalen Eugenik ? Frankfurt, 2001. :"بكل الأحوال لا يمكن لثقافة ما، وفي وسط مجتمع مركب، أن تفرض نفسها تجاه ثقافة أخرى إلا حين تتمكن من أقناع الأجيال الصاعدة، التي يمكنها أن تقول "لا" دائما".53هذه اللاءات المتكررة هي سر حياة وديمومة الثقافة مهما كانت، حتى الثقافات النصية منها. على اعتبار أن النفي هو الإثبات الحقيقي والتشييد الدائم للثقافة التنافسية، أما الإنعام الدائم فهو علامة العياء الفكري، دلالة على تعب ابستمولوجي واتراكسيا ثقافية تحيل على العجز والتقاعد. فهلاّ أسسنا لتثمين النقود الثقافية وتقديس اللا الخالدة ! في تقديرنا، المتواضع والمنفتح، فإن رهان الثقافة الجزائرية، التي تعاني مرض الإنعامات والنقد المتساهل والشكلي، هو التأسيس لنقد الثقافة من أجل ضخ الدماء الجديدة في عروقها القديمة. فلا مفر من مُساءلة الثقافة دون خوف أو تجريم، فالسؤال هو الذي يدحرج الثقافة التي تميل دوما إلى الثبات والركود. وما الدعوة إلى "إلجام الثقافة"،54إلا مظهر من مظاهر عقلانية النجازة التي نود مُسائلتها عن طريق مهماز النقد هذا. لقد كان أفلاطون  قديما يقول بأن هناك من الطلبة- ويقصد أرسطو (384/322ق م) Aristote طبعا الذي بدوره كررها مع تلميذيه ثيوفراسطيسthéophrastos وكاليسثينيسKallisthenês-55من يحتاج إلى لجام من شدة جمح الفكر وتوثب الروح، لكن هناك من الطلبة من يحتاج إلى مهماز، لفرط الكسل والاتكالية. ونحن، في سياق تحليلنا وموضوعنا، نقول: هناك من الثقافات من يحتاج، على سبيل الاستعارة فقط، إلى لجام لنشاطها الدؤوب وحركتها الحلزونية، في حين أن هناك من الثقافات من يحتاج إلى مهماز شاحذ، لفرط كسلها وانغلاقها ودوريتها. وعلى كل واحد منا أن يختار نموذج الثقافة الذي يعتقده ملائما.

     إن كنا، أعلاه، قد تحاملنا على نمط الثقافة الناجزة، فليس هذا كرها له بقدر ما إلحاح على مسألة مهمة مرتبطة بمشكلة "الثقافة والوحدة" أو "الثقافة والقدر". فهل الثقافة قدرٌ واحدٌ لا مفر منه ؟ ألا يمكن أن تكون للثقافة صورة أخرى مغايرة تماما لنموذج الثقافة السلفية ؟ هذا هو المدخل الذي يكشف عن مدى ضيق الرؤية التقليدية للثقافة. وما الدراسة المهمة التي قدمتها الأنثروبولوجية الأمريكية مارغريت ميد، إلا نموذجا أوليا لتعدد صور وأنماط الثقافة الممكنة. فبما أن الثقافة متزمنة، أي مرتبة بالتاريخ والزمن، فلا مفر من ملاحظة ثلاثة أنواع مختلفة حد التناقض؛ أي أن هناك ثقافة سلفية أو ماضويةPost figuratif، وثقافة أنداد حاضريةCo figuratif، وأخيرا ثقافة الأبناء المفتوحة على كل الاحتمالات أو المجهولة النهاية Pré figuratif.56ولهذا، فإن حصر الثقافة في نموذج السلف الناجز فقط، لهو كبح مأمول أو قل يوتوبي غير معقول واقصائي للتعدد الواقع في الثقافات.

     إن الصراع الثقافي، لهو وجه من عدة أوجه للصراع بين الأجيال، أو للصراع بين الفرد والجماعة. وهو صراع تاريخي طويل لن ينتهي. والقيام بدراسة تاريخية نقدية لتطور الثقافة الجزائرية، يسمح لنا، بتبين مختلف أطوار هذا القلق الثقافي، الذي يدل على أن هناك حيوية وحركية لم تتوقف، بدل الاعتقاد المنتشر بأن الثقافة الجزائرية كانت ولاتزال ثقافة هادئة وواحدة ومنسجمة أو انسيابية. مع العلم بأن تاريخ الجزائر، منذ القديم إلى اليوم، قد مر بمراحل وظروف ومعطيات تفرض هذا "القلق الثقافي" الذي نتحدث عنه. فلماذا التأكيد على الهدوء والخطية والتجانس ؟ على الرغم من أن هناك حروب وغزوات وهجرات ساهمت في ظاهرة التغير الثقافي ! مما يدل على وجود عدة نماذج ثقافية متنافسة؛ فهناك ثقافة السلف التي تريد السيطرة، وهناك ثقافة الحاضر المعولمة التي لا يمكن كبحها، كما أن هناك ميلاد لثقافة الشباب المفتوحة التي لا يمكن أن نتنكر لها. لذا فلا مفر من التأكيد على أن مستقبل الثقافة عموما، والثقافة الجزائرية مفتوح على مجاهيل من الصعب التنبؤ بها بالسهولة المعتقدة،57ومن الصعب الوثوق بأنها ثقافة تكرير التجربة القديمة.

     ونحن في هذا العصر المعولم، من الوراء ومن الامام وفي الوسط، لا يمكن البتة أن نواصل التفكير وكأن شيئا لم يحصل. وكأن العالم لازال على حاله. لقد حصلت أشياء كثيرة وكثيرة، لدرجة يصعب معها استيعابها وفهمها وادراك مدلولها من طرف إنسان واحد، ولو كان عالما وحكيما موسوعيا. ومن ثمة فإنه يمكن القول بأن مقولة الموروث الثقافي مقولة متقادمة لدرجة كبيرة، جعلت البعض يشك أصلا في صلاحيتها الإجرائية. على اعتبار أن عصرنا هو عصر "حكم الشباب" الذي يشكل البديل المتطرف لحكم الشيوخ التقليدي. لذا فالانتقال من نمط ثقافي سلفي إلى نمط ثقافي خلفي، يستدعي الانتباه إلى التغيرات الجذرية التي ستطرأ على تفاصيل العلاقات التجايلية.  فهل لازال الآباء يعتقدون فعلا أن لهم خلفٌ يرث معتقداتهم الأساسية ؟ وهل فعلا ما يزال الأبناء يسلمون بأن من مهامهم حمل الموروث السلفي "الثقيل والمزعج" ؟ إنها أسئلة جديرة بالبحث، وليست زلة استشكالية عابرة لا معنى لها أو قل أسئلة تهتكية هدمية. الحقيقة أن مناصري الثقافة التقدمية والتربية المستقبلية يعترفون بأن العلاقات الجيلية لم تبق على حالها، بل طرأ عليها تبدل جذري ينبئ بالخطر والفوضى الاجتماعيين، إن واصلنا تجاهل هذه المستحدثات الثقافية. يجيب أحد هؤلاء المستقبليين قائلا: "على الكبار اليوم أن يعتبروا ماضيهم بالذات شيئا غير قابل للنقل (...) بهذا المعنى، علينا أن نعترف بأن ليس لنا ذرية وبأن ليس لأولادنا آباء".58طبعا، فالمقصود بهذه الهوة بين الجيلين المتجاورين – الآباء والأبناء- هو وجود هوة ثقافية حادة لا ينكرها إلا معاند سابح في المثاليات البعيدة تاريخيا. لذا فإننا نقترح إعادة قراءة مقولة "الموروث الثقافي" انطلاقا من البحوث الاجتماعية والأنثروبولوجية الموضوعية، واخراجها من المناخ الفولكلوري المتسامح منهجيا. 

     هذا، وتبقى مسألة التفرقة بين الثقافة كمفهوم والثقافة كممارسة، مسألة قابلة للبحث شريطة أن نضع في الأذهان أن المفهوم هو "تجريد التجريد" المنتزع من الممارسات العينية. لذا فهناك علاقة جدلية وتعقيدية بين النظر والفعل؛ "فالممارسة تولد المفاهيم التي تولد ممارسات لاحقا". وقد كان الفيلسوف الألماني كانط يعتقد بأن هناك عقلا "عمليا خالصا"، فيه تتم التقاطعات بين الممارسة الأخلاقية والمفاهيم النظرية المجردة المرتبطة بنظرية المعرفة. ولعل المسألة الأكثر جوهرية هنا، هي الكشف عن مجمل الحركات الحلزونية التي تكون بين النظر والعمل، على أساس أن تأثر الأفكار في الأفعال وتأثير الأفعال في الأفكار ليس سهميا متبادلا، بقدر ما هو شبيه بحركة دورية تطورية، إذ أن الأفعال تنمى الأفكار في نفس اللحظة التي تطور فيها تلك الأفكار أفعالنا. لذا فإن التمييز الحاد بين الموجود (السلوكي) والمأمول (الثقافي) ليس تميزا محنكا، بقدر ما هو تبسيط معيب. إن المثال واقع والواقع مثال، وأي تفريق  متطرف بينهما، أي بين الكائن    والواجب أن يكون -   بالألمانية يؤدي إلى أزمة فكرية وحضارية خطيرة59،

تظهر في  الأمل الزائف والتشاؤم المميت. وكلاهما تطرف مذموم

  1. أولريش بيك: مجتمع المخاطرة، ترجمة جورج كتورة وإلهام الشعراني، المكتبة الشرقية، بيروت، الطبعة الأولى، 2009، ص 412.

  2. بول كيرتز: الفاكهة المحرمة – أخلاقيات الإنسانية، ترجمة ضياء السومري، منشورات الجمل، بغداد، الطبعة الأولى، 2012، ص 292.

  3. للاستزادة في هذا الموضوع المرتبط بالتعاقد الاجتماعي المفترض، يمكن العودة خاصة إلى الكتب التالية:

توماس هوبز: اللفياثان – الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة، ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث "كلمة، ودار الفارابي، أبو ظبي، بيروت، الطبعة الأولى، 2012، فقرة 13- 14، ص 134-142.

Jean – Jacques Rousseau: Du Contrat Social, édition Bookking International, Paris, 1996, chapitre VI: du pacte social, p 28-30.

  1. جان جاك روسو: أصل التفاوت بين الناس، ترجمة بولس غانم، موفم للنشر، الجزائر، 1991، ص ص 73- 136. وأيضا جان جاك روسو: إميل أو تربية الطفل من المهد إلى الرشد، ترجمة نظمي لوقا، الشركة العربية للطباعة والنشر، القاهرة، 1958، ص ص 24 - 91.

*نستعمل كلمة العلم بمعنى البحث النظري الذي يستهدف الفهم الموضوعي والتفسير، ونستعمل كلمة التقنية بمعنى الفن [التيخني الإغريقي] أو الصنعة التي تجسد العلم النظري. وعلى الرغم من التفرقة الصورية بينهما، إلا أن السياقات المعاصرة تتحدث عن توحد "العلمو- تقنية"la téchnoscienceأو ما يسمى بالنظام التقني – العلمي الذي يعد انعكاسا للتطور التقني – العلميl'évolution technico-scientifique. وما التسارع العلمي الحالي إلا تجسيد لهذه الوحدة التي لم تتحقق سابقا. من أجل الاطلاع على سياقات استعمال المصطلحين معا، يمكن العودة لـ:

طه عبد الرحمن: دين الحياء – من الفقه الإئتماري إلى الفقه الإئتماني، الجزء الأول: أصول النظري الإئتماني، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بيروت، الطبعة الأولى، 2017، ص 223.

Axel Honnethe: le droit de la liberté- Esquisse d'une éthicité démocratique, traduit Frédéric Joly et Pierre Rusch, édition Gallimard, Paris, 2015, p 123.

  1. جون ديوي: تجديد في الفلسفة، ترجمة أمين مرسى قنديل، مراجعة زكي نجيب محمود، مكتبة الأنجلو المصرية مع مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، القاهرة، دون سنة، ص 104.

  2. فرنسيس بيكون: الأورغانون الجديد – إرشادات صادقة في تفسير الطبيعة، ترجمة عادل مصطفى، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى، 2013، الكتاب الأول، الفقرة 3، ص 16.

  3. M. Serres: Le contrat naturel, édition François Bourin, Paris, 1990.

  4. Hans Jonas: le principe Responsabilité – une éthique pour la civilisation technologique, traduit Jean Greisch, les éditions du CERF, Paris, 1991, p 300.

  5. كريغ كالهون: كلمة ختامية: قوى الدين المتعددة، ضمن كتاب : يورغن هابرماس وجوديث بتلر وكورنيل ويست وتشارلس تيلر: قوة الدين في المجال العام، ترجمة فلاح رحيم، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت. ومركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، الطبعة الأولى، 2013، ص 199.

  6. أولريش بيك: مجتمع المخاطرة، مرجع سابق، ص 74. والكثير من الصفحات المشابهة في الفصل الأول الذي تعنون بـ "منطق توزيع الثروات ومنطق توزيع المخاطرة".

  7. رالف لينتون: الأصول الحضارية للشخصية، ترجمة عبد الرحمن اللبان، دار اليقظة العربية بالاشتراك مع مؤسسة فرنكلين للطباعة والنشر، بيروت – نيويورك، 1965، ص 58.

  8. Friedrich Nietzsche: La généalogie de la morale, traduit Henri Albert, editions Cérès, Tunis, 1995, première Dissertation, § 11, p 34.

وقد أشار الدكتور طه عبد الرحمن إلى هذا التنميط والانتقاء والتخويف الذي يمارس على الفرد، لكنه لم يحمله على الثقافة، بل على الدولة الحديثة. ونحن نعتقد أنه لا يمكن الفصل بين الثقافة والدولة، إذ أن دولة التسيد لا تكون إلا في ثقافة التسيّد. يمكن الرجوع إلى: طه عبد الرحمن: روح الدين – من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 2012، ص 303-304. حيث يقول: "الدولة الحديثة عبارة عن هيئة تدبيرية مكونة من أقوى وأعنف المتسيدين الذين يحيطون بالمجتمع كله (...) الدولة الحديثة تُكرِه المجتمع كله للتعبد لها (...) تلجأ إلى طرق معنوية مختلفة للحمل على هذا التعبد، منها الاحتجاج بأنها تتمتع بسند من الأغلبية، والتهويل من آثار زعزعتها، بله غيابها، والتخويف من كل بديل لها. وبرمجة وتنميط المجتمع بالتربية في المؤسسات التعليمية". ومن المعلوم أن التنميط أصبح موضوع صناعة متخصصة في المجتمعات المعاصرة التي طغى عليها الإعلام، مما يسميه "طه" ذاته بحضارة القول. ونحن نضيف بأنها حضارة الصورة والصوت أيضا، اللاّذان اخترقا السماوات وعملا على تشكيل إنسان بمقاييس عالمية منمطة وموحدة. يمكن التوسع بالعودة إلى: أولريش بيك: مجتمع المخاطرة، مرجع سابق، ص 336.

  1. . طه عبد الرحمن: سؤال المنهج – في أفق التأسيس لأنموذج فكري جديد، جمع وتقديم رضوان مرحوم، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، الطبعة الأولى، بيروت، 2015، ص 42.

  2.  عبد الرحمن بن خلدون: المقدمة، ضبط وشرح محمد الاسكندراني، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1998، ص ص 41-262. يكرر ابن خلدون نفس العبارة في الصفحتين المتباعدتين قائلا: "الناس متطلعون إلى الدنيا وأسبابها من جاه وثروة وليسوا في الأكثر براغبين في الفضائل ولا متنافسين في أهلها". وهذا يدل على تمسكه بهذه الملحوظة الحقيقية والمريرة والطبيعية في نفس الوقت.

  3. . Spinoza: Ethique, traduit Roland Caillois, edition Gallimard, Paris, 1954, 3eme Partie, p 146.

  4. . Emile Durkheim: de la division du travail Social, Presses universitaires de France- Quadrige, Paris, 2eme édition, p 68.Et Emile Durkheim:Les Règles de la méthode Sociologique, édition Félix ALCAN, Paris, 1895, p 87- 89.

  5. . مالك بن نبي: مشكلة الثقافة، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر، الجزائر – دمشق، الطبعة الرابعة، 1984، ص 30-31. ويمكن أن نقارب مع رالف لينتون: الأصول الحضارية للشخصية، مرجع سابق، ص 67.

  6. . مالك بن نبي: مشكلة الثقافة، مرجع سابق، ص 129-138.

  7. . Emile Durkheim:L'éducation Morale, Librairie Félix ALCAN, Paris, 1925, p 6.Et Emile Durkheim: de la division du travail Social, Op.cit, p 13.

  8. . Friedrich Nietzsche: Par de là le bien et le mal – Prélude à une philosophie de l'avenir, traduit Henri Albert, Librairie général française, Paris, 1991, § 260, p 325.

  9. . إميل بوترو: العلم والدين في الفلسفة المعاصرة، ترجمة أحمد فؤاد الأهواني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1973، ص 247. وأيضا:

وليم جيمس: البرجماتية، ترجمة محمد على العريان، تقديم زكي نجيب محمود، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2008، ص 66- 337.

  1. محمد أركون: القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، ترجمة هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الثانية، 2005، ص 6.

  2. محمد أركون: نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، الطبعة الثانية، 2012، ص 360. وأيضا محمد أركون: التشكل البشري للإسلام – مقابلات مع رشيد بن زين وجان لوي شليجل، ترجمة هاشم صالح، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2013، ص 209.وكذلك يمكن الاستزادة من الكتاب المشترك الذي ألفه كل من محمد أركون وجوزيف مايلا: من منهاتن إلى بغداد – ما وراء الخير والشر، ترجمة عقيل الشيخ حسن، دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى، 2008، ص 82-83-223-234.

  3. محمد أركون: الفكر الأصولي واستحالة التأصيل – تحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى، 1999، ص 181-183-229.

  4. محمد أركون: نزعة الأنسنة في الفكر العربي – جيل مسكيه والتوحيدي، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى، 1997، ص 34.

  5.  Antoine Arnauld et Pierre Nicole: la logique ou l'art de penser, édition Flammarion, Paris, 1970, p 346.

  6. عبد الله العروي: مفهوم التاريخ، الجزء الثاني، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الرابعة، 2005، ص 401.

  7. لوك فيري: الإنسان المؤله أو معنى الحياة، ترجمة محمد هشام، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء - بيروت، 2002، ص 54.

  8. لوك فيري (بالتعاون مع كلود كبليايClaude Capelier  ): أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، ترجمة محمود بن جماعة، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2015. ص 29.

  9. طه عبد الرحمن: بؤس الدهرانية – النقد الائتماني لفصل الأخلاق عن الدين، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2014، ص 143. ويرجع الدكتور طه أسباب العنف الثقافي إلى الملكية حيث يقول: "الامتلاك أو الاحتياز هو سبب في وجود التنازع المفضي إلى أشدّ أنواع العنف". وما يعاب على هذا التقرير هو أنه أولا نقلٌ لنظرية روسو والاشتراكيين عموما، على الرغم من أن طه يؤثم أي نقل خاصة غير التراثي، كما أن المالك لا يكون عنيفا إلا إذا اعتقد بحقيقة وشرعية ملكيته، أي أن المسألة تؤول في النهاية إلى أن الاعتقاد بالحقيقة هو سبب العنف. بشأن القولة أعلاه للدكتور طه، يرجى العودة إلى عمله الأخير: طه عبد الرحمن: شرود ما بعد الدهرانية – النقد الائتماني للخروج عن الأخلاق، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بيروت الطبعة الأولى، 2016،  ص 28، 470، 548.

  10.  Spinoza: Traité théologico-politique, traduit charles Appuhn, édition Garnier – Flammarion, Paris, 1965, p 239. " Le proverbe est le suivant : pas d'hérétique sans lettres. Et la version Hollandaise dans le texte est : geen ketter zonder letter.

  11. ميشال فوكو: الكلمات والأشياء، ترجمة مطاع صفدي وآخرون، مركز الإنماء القومي، بيروت، 1990، ص 309.

  12.  علي حرب: أوهام النخبة أو نقد المثقف، المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، 2004،  ص 37 وما تلاها من صفحات.

  13. عبد الله شريط: معركة المفاهيم، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، الطبعة الثانية، 1981، مقدمة الطبعة الثانية.

  14. رالف لينتون: الأصول الحضارية للشخصية، مرجع سابق، ص 177.

  15. مالك بن نبي: مشكلة الثقافة، مرجع سابق، ص 51.

  16. أرنولد توينبي: مختصر دراسة للتاريخ، ترجمة فؤاد محمد شبل، الجزء الأول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2015، ص 58. وقد قدم الدكتور طه عبد الرحمن نظرة سماها التكافؤ الثقافي فيها يقول: أن الأمة الإسلامية قد تكافئ بإرثها العريق "الأمة الغربية" بثقافتها الحديثة." لكننا نعتقد أن هذا التقرير، لا يتناسب مع حجم الفارق التاريخي الحقيقي. يمكن العودة إلى: طه عبد الرحمن: الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2005، ص 92.

  17. أرنولد توينبي: مختصر دراسة للتاريخ، المرجع نفسه، ص 69.

  18. عبد الله شريط: معركة المفاهيم، مرجع سابق، ص 40-41.

  19. عبد الله شريط: من واقع الثقافة الجزائرية، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، دون سنة، ص 29.

  20. المرجع نفسه، ص ص 43 -58.

  21. المرجع نفسه، ص 71.

  22. هيجل: فنومينولوجيا الرّوح، ترجمة ناجي العونلي، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى، 2006، ص 544.

  23. Emile Durkheim: l'éducation Morale, Op.cit, p 69.

  24.  كارل بوبر: المجتمع المفتوح وأعداءه، الجزء الأول: أحاجي أفلاطون، ترجمة السيد نفادي، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 1998،ص 93. وأيضا كارل بوبر: المجتمع المفتوح وأعداؤه، الجزء الثاني: هيجل وماركس، ترجمة حسام نايل، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 2015، ص 307.

  25. برتراند رسل: النظرة العلمية، ترجمة عثمان نويه، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2015، ص ص 193-217.

  26. 47. Blaise Pascal: Pensées, éditions de la seine, 2005, §4-513 p 20. Il dit: "se manquer de la philosophie, c'est vraiment philosopher".

  27. طه عبد الرحمن: سؤال المنهج – في أفق التأسيس لأنموذج فكري جديد، مرجع سابق، ص 212- 231.

  28. طه عبد الرحمن: بؤس الدهرانية – النقد الائتماني لفصل الأخلاق عن الدين، مرجع سابق، ص 27.

  29. مارتن هايدغر: السؤال عن الشيء :حول نظرية المبادئ الترنسندنتالية عند كنت، ترجمة اسماعيل المصدق، مراجعة موسى وهبة،  المنظمة العربية للترجمة، بيروت، الطبعة الأولى، 2012، ص 163.

  30. مارتن هايدغر: السؤال عن الشيء :حول نظرية المبادئ الترنسندنتالية عند كنت،  مرجع سابق، ص164.

  31.  يورغن هابرماز: اتيقا المناقشة ومسألة الحقيقة، ترجمة عمر مهيبل، منشورات الاختلاف والدار العربية للعلوم ناشرون، الجائر – بيروت، الطبعة الأولى، 2010، ص 42.

  32. يورغين هابرماس: مستقبل الطبيعة الإنسانية – نحو نسالة ليبرالية، ترجمة جورج كتورة، المكتبة الشرقية، بيروت، الطبعة الأولى، 2006، ص 9.

  33. طه عبد الرحمن: الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، مرجع سابق، ص 76.

  34. ديوجين اللائرتي: حياة مشاهير الفلاسفة، المجلد الأول، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، المركز القومي للترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2006، الكتاب الخامس، الفقرة 39، ص 401.

  35. مارغريت ميد: الثقافة والالتزام- الهوة بين الأجيال، ترجمة خير الدين عبد الصمد، منشورات وزارة  الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، 1976، ص ص 22- 51- 83- 106.

  36. مارغريت ميد: الثقافة والالتزام- الهوة بين الأجيال، مرجع سابق، ص 82.

  37. الثقافة والالتزام- الهوة بين الأجيال، المرجع نفسه، ص 96.

  38. . Axel Honnethe: le droit de la liberté-Esquisse d'une éthicité démocratique, Op.cit, p 15.

Pour citer ce document

عبد الكريم عنيات, «من ثقافة الإدانة إلى إدانة الثقافة: نحو نظرية فلسفية جديدة للثقافي. From the Culture of Denunciation to Denunciation of Culture: Towards a Philosophical Theory of Culture»

[En ligne] العدد 26- مجلد 15-2018N°26 Vol 15- 2018 مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2018-05-13,
mis a jour le : 14/05/2018,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=2798.