مكانة التربية في سوسيولوجية دوركايم ـ دراسة إبستيمولوجية تحليلية ـDurkheim’s Perspective on the Sociology of Education: An Epistemological Study
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

28

العدد 26- مجلد 15-2018 N°26 Vol 15- 2018

مكانة التربية في سوسيولوجية دوركايم ـ دراسة إبستيمولوجية تحليلية ـ Durkheim’s Perspective on the Sociology of Education: An Epistemological Study
pp 37-47

خالد أودينة
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

في هذا المقال حاولنا أن نتحدث عن التربية والسوسيولوجيا عند إيميل دوركايم، كأهم أعلام الفكر الاجتماعي المعاصر، حيث تعتبر التربية عنده من المقومات الأساسية لقيام أي مجتمع وتطوره، لأنها في علاقة جدلية بين التنظير الفلسفي كنزعة فردية، والواقع الاجتماعي ونظمه والممارسة العملية، ليكون دوركايم من بين الأوائل الذين حاولوا إعطاء التربية صبغة اجتماعية، لهذا قام بنقد الدراسات التربوية السابقة سواءا كانت دينية أو فلسفية، ولتوضيح هذا قمنا بضبط بعض المفاهيم والتصورات المفتاحية، وبالتحديد التربية والسوسيولوجيا، ثم تحدثنا عن مكانة التربية ضمن السوسيولوجيا الدوركايمية وفق نظرة ابستيمولوجية، لنجد بأن التربية عند دوركايم لها أصول وأهداف سوسيولوجية، بحيث لا يعطي قيمة لما هو فردي إلا في إطار ما هو اجتماعي.

الكلمات المفتاحية: السوسيولوجيا، الفلسفة، الإبستيمولوجيا، التربية.

Dans cet article, nous essayons d’étudier l’éducation et la sociologie chez Emil Durkheim en tant que l’un des pionniers de la pensée sociologique contemporaine.Pour Durkhei, l’éducation est considérée comme étant un principe de base dans la construction et l’évolution de n’importe quelle société car elle est en relation dialectique entre la théorisation philosophique entant qu’un conflit individuel et la réalité sociale et ses systèmes ainsi que les pratiques réelles. De ce fait, il est désormais l’un des premiers qui ont tenté d’attribuer à l’éducation une touche et un aspect social puisqu’il a critiqué les études précédentes de l’éducation que ce soit d’un point de vue de la religion ou de celui de la philosophie.

Afin d’éclairer cet aspect, nous précisons quelques notions et perceptions clefs à savoir l’éducation et la sociologie, puis nous abordons la place de l’éducation dans la sociologie de Durkheim d’un point de vue épistémologique pour conclure à la fin que l’éducation chez Durkheim a des origines et des objectifs sociologiques puisqu’elle ne donne aucune valeur à ce qu’est individuel sauf dans un cadre sociologique.

Les mots clé :la sociologie, la philosophie, l’épistémologie, l’éducation

 In this article we have tried to talk about education and sociology at the Emile Durkheim as the most important flags of contemporary social thought, where education is considered him to be the pillars of the establishment of any society and its development, because it is in a dialectical relationship between philosophical speculation individual a tendency, social reality and regulations and practice, to be Durkheim among the first who tried to give education a social nature, that's the criticism of previous educational studies, whether they religious or philosophical, and to explain why we adjust some of the concepts and perceptions keyed specifically education, sociology, and then we talked about the status of education within sociology of Durkheim according look epistemological, because we find that education when Durkheim her assets and sociological goals so as not to give value to what is an individual, but in the context of what is social.

Key words:sociology, education, epistemology,philosophy.

Quelques mots à propos de :  خالد أودينة

بجامعة 20 أوث سكيكدة oudinakh@yahoo.fr

مقدمة:

 تعد التربية من المقومات الأساسية للأمم التي تسعى للاستمرار والتطور والرقي، وهي بحكم طبيعتها في غاية التعقيد بسبب علاقاتها غير المتناهية بغيرها من المنظومات الاجتماعية وعمق التداخلات بين عناصرها الرئيسية من معلم ومتعلم وبرامج منهجية وخبرات تربوية مقصودة أو عفوية. كما يثير موضوع التربية في الفكر المعاصر إشكالات نظرية وتطبيقية متعددة بعضها يرتبط بأسئلة المعرفة العلمية والتنظير الفلسفي في الحقل التربوي، وخاصة في العصر الحديث، وكثير منها يتصل بنوعية وأهداف الممارسة التربوية، وقد كانت طبيعة العلاقة بين فلسفة التربية كإطار عقلاني والمجتمع كوسط تتجسد فيه هذه العقلانية، إشكالية كبرى احتلت حيزا كبيرا من اهتمام الكثير من الباحثين وعلماء الاجتماع التربية، بهدف وتحسين طبيعة الفرد والمجتمع وتوطيد العلاقة بينهما، ومن بين المفكرين الذين كان لهم دورا هاما في هذا المجال الفرنسي ايميل دوركايم الذي أحدث ثورة وتغييرا في طبيعة الفكر التربوي، ناقلا إياه من المجال الفلسفي العقلاني النظري الفردي إلى المجال  الواقعي السوسيولوجي، ومن خلال هذا نتساءل: ما حقيقة التربية والسوسيولوجيا؟ وما هي المكانة التي تحتلها التربية في الفكر السوسيولوجي عند دوركايم؟

     في محاولتنا الإجابة على هذه المشكلة تصورنا خطة من مبحثين، اعتمادا على أهم مصدر يخدم الموضوع عند دوركايم، وهو التربية والمجتمع، حيث بدأنا في المبحث الأول: بضبط تصورات ومفاهيم أساسية من أجل توضيح منحى الدراسة، لأنه لا يمكن الحديث عن التربية والسوسويولوجيا دون أن نعرف معنى كل منهما، مع توضيح خصائص وموضوع علم الاجتماع وبالتحديد عند "إميل دوركايم".

   أما في المبحث الثاني: فحاولنا فيه أن نلمس لب الموضوع، وهو مكانة التربية ضمن السوسيولوجيا عند دوركايم، حيث بدأنا بنظرته الإبستيمولوجية للفكر التربوي القديم والأسس التي بني عليه من وجهة نظره، وبعدها وضحنا حقيقة التربية والمكانة التي تحتلها في الدراسات الاجتماعية عنده، وأخيرا خاتمة، كعصارة للبحث تبين أهم النتائج التي خلصت إليها، مع الإشارة إلى أن الدراسة التي قدمها دوركايم قد لاقت الكثير من النقد من طرف المعاصرين.

   وهدفي في إطار تخصص الإبستيمولوجيا وتاريخ العلوم من هذه الدراسة هو الوقوف على تاريخ الفكر الإبستيمولوجي عند علماء الاجتماع من أجل معرفة حقيقة التربية والسوسيولوجيا، لأن تاريخ العلم هو تاريخ تصحيح أخطائه كما يقول الفرنسي "غاستون باشلار".

           أولاـ التربية والسوسيولوجيا من حيث المفهوم والطبيعة

أـ مفهوم التربية:

     من الناحية اللغوية جاء في لسان العرب أن التربية من الفعل ربا، وربا الشيء أي زاد ونما وأربيته أي نميته، ومن رب ويرب أي أصلح ورعى، ومنه فالتربية هي عملية النمو والزيادة والرعاية1.

    أما اصطلاحا: فإن للتربية معان مختلفة باختلاف الأنساق المعرفية والمنطلقات الفكرية، حيث نجد أنه من بين التعاريف الواردة، أنها العملية التي عن طريقها نقوم بتنمية جوانب الشخصية الإنسانية في جميع مستوياتها2.

    كما تعرف بأنها عملية تفاعل وتكيف بين الفرد والبيئة المحيطة، بكل ما فيها من عناصر ما دية أو معنوية، بهدف بناء شخصيته الإنسانية المتكاملة في كل جوانبها وبصورة متوازنة3.

والتربية قديما عند الفلاسفة عبارة عن علم وفن، فهي علم في الأساس، وفن في الأداء والوظيفة، علم يهدف إلى تكوين الشخصية القويمة، وإلى إقامة علاقة جيدة بين هذه الشخصية والمجتمع الذي تنتمي إليه، وفن يرمي إلى صقل الشخصية، وبلورتها.

    ومن بين التعاريف نجد تعريف أفلاطون:" أنها إعطاء الجسم والروح كل ما يمكن من الجمال وما يمكن من الكمال"، والتربية بحكم طبيعتها تتجه إلى إجراءات عملية تنفيذية قائمة على أسس نظرية ، حيث أن المربي أشبه بمقاول بناء، لأنه يبني بشرا، وفيلسوف التربية هو المهندس الذي يرسم ويخطط بناءا على حاجة المجتمع، و ما على المربي إلا الالتزام بهذا أ, ذلاك و ينفذ عن طريق العمل التربوي، وإذا قلنا أن التربية هي عملية تنفيذية فلا  يمكن أن تخرج عن الإطار الاجتماعي، لا،ها تستمد ثقافتها من المجتمع وتصنع الغايات التي يطمح إليه المجتمع.4

    ويؤكد الفيلسوف الانجليزي برتراند راسلBertrand Russel(1872ـ 1970):" أن التربية من شأنها أن تكون مواطنين صالحين لها شكلان مختلفان، وحسبما تكون موجهة لدعم أو للقضاء على النظام القائم"5.

    أما من الناحية الإسلامية فالتربية هي عملية روحية أخلاقية تربط الإنسان بخالقه وتهذب خلقه وتربيه على الكمال والسمو، أو هي نشاط هادف يسعى إلى تحقيق النمو المتكامل والمتوازن للفرد6.

   ومنه نقول أن التربية هي عملية نمو الكائن البشري ليصل إلى درجة الكمال الممكن جسميا وعقليا وروحيا وخلقيا ودينيا.

  ب ـ مفهوم السوسيولوجيا: من الناحية اللغوية: سوسيولوجا تركيب من اللاتينية واليونانية، إلا أن هذين الشقين يصفان ببراعة ما يهدف غلى إحرازه العلم الجديد، فLogieتعني الدراسة على مستوى عال من التخصص، وSocioتشير إلى المجتمع، وهكذا فإن شقي علم الاجتماع يعنيان:" دراسة المجتمع على مستوى عال من التعميم والتجريد"7.

    ويعرفه اوغست كونت Auguste Comte(1798ـ1857) كما ورد في كتاب أسس وموضوعات علم الاجتماع ل"محمد احمد بيومي: " لكننا مازلنا في حاجة إلى فيزياء أخرى وأخيرة هي الفيزياء الاجتماعية ليكتمل نظام معرفتنا بالطبيعة، وأقصد الفيزياء الاجتماعية، إنها العلم الذي يدرس الظواهر الاجتماعية بطريقة موضوعية بنفس الروح التي ينظر بها إلى ظواهر الفلك أو الفيزياء أو الكيمياء أو الفيزيولوجيا، أي تخضع الظواهر الاجتماعية لقوانين ثابتة"8.

    كما يعرفه جونسون:" انه العم الذي يتناول بالدراسة الجماعات الاجتماعية، من حيث صور ونماذج تنظيمها الداخلي والعمليات التي تميل غلى استمرار أو تغيير هذه الصورة التنظيمية والعلاقات بين الجماعات".9

    يرجع السبق في إنشاء علم الاجتماع إلى العلامة ابن خلدون (1332ـ 1406)، وقد سماه علم العمران البشري، وقد سبق في ذلك الفرنسي "أوجست كونت الذي يعتبر الأوربيون أول مؤسس له ، وقد سماه بالفيزياء الاجتماعية، وثم عاد وسماه بالسوسيولوجيا (Sociologie) أي علم الاجتماع، ويعتبر البحث في طبيعة الظواهر الاجتماعية وتحديد خصائصها النوعية من أهم موضوعات الدراسة الاجتماعية، ويرجع الفضل في تحديد صفاتها على الفرنسي إميل دوركايم، من خلال كتابه قواعد المنهج في علم الاجتماع، حيث أكد أنه علم مستقل قائم بذاته ومتميز عن العلوم الأخرى10، ومادام موضوع بحثنا حول سوسيولوجيا عند دوركايم سنقف عنها باختصار.

     يعتبر أميل دوركايم من مؤسسي علم الاجتماع وهو بنائي وظيفي، حيث أكد أن الظواهر الاجتماعية قابلة للدراسة العلمية بطرق استقرائية بنائية، ويقصد بذلك أن الظواهر الاجتماعية يجب أن تعالج كما تعالج الظواهر الطبيعية وتستطيع أن تقدم نفسها للملاحظة، حيث يقول دوركايم:" مهما يكن من شيء فإن الظواهر الاجتماعية أشياء، ويجب أن تدرس على أنها أشياء"11، وهذا الموقف اتخذه انطلاقا من نقد أفكار سابقيه في دراساتهم السوسويولوجية سواء كان أستاذه "أوغست كونت" أو "سبنسر" التي امتازت دراساتهم بكونها كليه وتستعمل معان غامضة ليست لها صلة بالوقائع الحسية التجريبية الاجتماعية ، ويظهر ذلك في قول دوركايم ردا على سبنسر: " أنه مهما تظاهر هذا الفيلسوف بأنه سلك مسلك التجريبيين فإنه يبدو انه لم يستخدم الظواهر التي ت التي يعج بها علم الاجتماع، وإنما استخدمها كأمثلة يستشهد بها على المعاني التي كان يحللها"12.

    ومن هذا انصب اهتمامه بالبني أي بالظواهر الجزئية وبعلاقاتها الوظيفية التي تقوم بها والمرتبطة بحاجيات المجتمع، لهذا قام دوركايم بتحديد موضوع السوسيولوجيا فيما يلي:

1ـ التصورات الجماعية: حيث أن الظاهر الاجتماعية تتكون من هذه التصورات التي ما هي إلا تعبير عن صدى وسيطرة الجماعة، كأساليب التفكير، والشعور والسلوكات.

2ـ. النظم الاجتماعية: التي ما هي إلا مجموعة من القواعد التي تضبط السلوك لتحقيق هدف اجتماعي، والتصورات السابقة تستمر وتتوارث وتدون في النظم الإجتماعيىة السائدة، ولهذا فعلم الاجتماع هو علم النظم.

3ـ الأشكال الاجتماعية: ومعناه أن دوركايم لم يغفل الجانب المادي المورفولوجي للمجتمع، لأن التصورات والنظم انعكاس للشكل الاجتماعي كحجم السكان وكثافته.13ومنه فالدراسة العلمية عند دوركايم تقوم على جملة من النظم الاجتماعية المتساندة وظيفيا، والمتشكلة من مجموعة من البني والأنساق الفرعية كل يؤدي وظيفة معينة، وأي خلل في أحدها يؤثر في استقرار وتوازن المجتمع.

    ومن خلال ما سبق نجد أن دوركايم يقسم علم الاجتماع إلى ثلاثة أقسام رئيسية:

1ـ المورفولوجيا الاجتماعية: ويشكل الجانب المادي الخارجي للمجتمع، كالأرض والسكان والنظم الناتجة وعن تفاعل السكان مع البيئة الجغرافية والتنظيم الاجتماعي.

2ـ الفيزيولوجيا الاجتماعية: ويتكون من وظائف النظم الاجتماعية المختلفة التي تدخل في تكوين واستمرار حياة المجتمع كالدين والأخلاق وغيرها، ولهذا فهو يشتمل على العديد من العلوم الخاصة وذلك راجع إلى تعدد الظواهر الاجتماعية، كعلم الاجتماع الديني، علم الاجتماع القانوني...الخ.

3ـ علم الاجتماع العام: يهتم بدراسة الصفات المشتركة التي تميز الظاهرة الاجتماعية والقوانين العامة التي تخضع لها، ومناهج البحث المناسبة للكشف عن حقيقتها، وهذا العلم هو الذي يربط بين المورفولوجيا الاجتماعية والفيزيولوجيا الاجتماعية، ويضع الأسس الضرورية التي يجب إتباعها في دراسة كل ميدان اجتماعي.14

    وقد تميزت الدراسات العلمية للظواهر الاجتماعية بخصائص علمية، باعتبار أنها خاضعة لمبدأ لحتمية، فهي لست تابعة لشعور الفرد بقدر ما هي خارجية إجتماعيىة تفرض على الفرد، وقد وضح طريقة دراسته في كتابه " قواعد لمنهج في علم الاجتماع هذه الطريقة العلمية، حيث لخصها في قوله:" يجب أنتدرس الظاهر الاجتماعية كما لو كانت أشياء"، وهذا فيه استبعاد للرؤية الفلسفية النظرية، وتأكيد الطبيعة الحسية الخارجية للظاهر الاجتماعية القابلة للملاحظة والتجريب وتتصف بالموضوعية15.

   كما أدخل فكرة الضمير الجمعي الذي هو جملة المعتقدات والشاعر العامة، والذي يعتبر الموجه العام في المجتمع، لكن في حقيقة الأمر أن هذه التمثلات الاجتماعية والمشاعر العامة لا يمكن للمجتمع أن يكونها من فراغ، إلا إذا اعتمد على وسائل ممنهجة، ومن بين هده الوسائل التربية، والتي أعطى لها دوركايم أهمية كبرى في دراساته السوسويولوجية، من هذا يمكن التساؤل: ما حقيقة التربية عند دروكايم؟ وما مكانتها ودورها في نظامه السوسيولوجي؟

   ثانياـ مكانة التربية ضمن السوسيولوجيا عند دوركايم

   إن أي دراسة جديدة لا مكن لها أن تؤسس من فراغ، بل انطلاقا من وجود ركائز سابقة تقليدية كمنطلقات للتفكير، وهذا ما نجده قائما على مستوى علم الاجتماع الدوركايمي، وكذا المجال التربوي، ومعنى ذلك أن تأسيسه لنظرة الاجتماعية في التربة كان على أساس إبستيمولوجي، ويظهر ذلك في موقفه النقدي من الأفكار والنظريات التربوية السابقة، وهذا بين فيما يلي:

أـ إميل دوركايم والدراسة الإبستيمولوجية للتربية التقليدية: لقد كانت التربية عند الفلاسفة القدامى ذو طابع فلسفي يمتاز بالشمولية، بحيث تشير إلى جملة التأثيرات التي تمارسها الطبيعة أو البشر في ملكاتنا العقلية وإرادتنا، كما نجدها عند البعض أمثال الفيلسوف الانجليزي "جون ستيوارت مل"، لها طابعا نفعيا أي أنها على حد تعبيره:" كل ما نفعله بأنفسنا، وكل ما يحمله الآخرون من أجلنا، بهدف الاقتراب من تحقيق كمالنا الخاص بطبيعتنا".

كما أن التربية عند "إيمانويل كانط" Emmanuel Kantهدفها تحقيق صورة الكمال الممكن عند الفرد الإنساني، أي تنمية القوى الداخلية في الإنسان، بحيث أن الإنسان يصبح مثل الملاك ويتصرف وفق إرادته الخيرة، بالإضافة إلى تنمية الملكات المعرفية في علاقاتها مع بعضها البعض، من أجل الارتقاء بالإنسان إلى درجة الإنسانية والتجرد من النزعات الطبيعية الغريزية5. والمتصفح لما ورد في التأملات الكانطية حول التربية يكتشف أن اهتمام "كانط" بالمسائل التربوية كان اهتماما حقيقيا، وقد عبر عن ذلك في الكثير من الفقرات، حيث قال صراحة:" أن ثمة صراحة اكتشافان أنانيان يحق لنا أن نعتبرهما أصعب الاكتشافات ومها فن سياسة البشر، وفن تربيتهم، ومع ذلك لازلنا نجادل في هذه الأفكار المطلقة"16.

لكن وجهة النظر "دوركايم" للتربية تختلف عما سبق ذكره، بحيث لا يمكننا أن نجمع في آن واحد بين عدة أشياء متناقضة، كالقوانين، والنظم، وأشكال الحكم، والمناخ...الخ، وفي هذا يقول دوركايم:" أن تأثير الأشياء في الناس يختلف عن تأثير الناس في بعضهم العض بدرجة كبيرة،...كما يختلف عن تأثير الراشدين في الصغار"17.

كما أن النظرة الكانطية بالنسبة لدوركايم لا يمكن تحقيقها واقعيا، لأن الفرد ليس كائنا عقلانيا محضا، بقدر ما له رغبات وأهداف يسعى إلى تحقيقها، وأن الغاية القصوى للسلوك والتربية ليس تحقيق الكمال المطلق، وفي هذا الصدد يقول دوركايم: "إذا كان تحقيق الكمال ضروري بصورة ما، فإن ذلك غير ممكن على المستوى الواقعي، إذ يتناقض ذلك مع قانون أخر للسلوك الإنساني... بل يجب تحقيق نوعا من التوازن بينها وبين الوسط المحيط بنا، فنح لا نعيش من أجل التفكير فقط..."18.

والجلي أنه ما دامت التربية التقليدية تركز على النزعة الفردية، وتنطلق من مسلمة وجود تربية مثالية كاملة تناسب كل البشر دون تمييز بينهم أي إنسانية شمولية، إلا أن هذا التعريف حسب "دوركايم" لا يعبر عن ماهية وحقيقة التربية، لأن التربية عنده في حقيقتها نسبة متغيرة، من مجتمع إلى آخر وداخل المجتمع الواحد عبر فترات زمنية مختلفة، وفي هذا يقول:" عندما نستلهم التاريخ لا نجد ما يعزز مقومات وجود هذه الفرضية، لأن التربية تتغير بتغير الزان والمكان".19، وكمثال على ذلك: أن هدف التربية الرومانية القديمة هو تحويل الأطفال إلى رجال وتنمية الحماسة في نفوسهم، أما في العصر الحديث فأصبحت أدبية علمية بالدرجة الأولى.

    لكن مادامت التصورات التقليدية للتربية، قائمة على خصوصيات أساسية كالفردية، الحرية، المثالية والمطلقية، وهي الخصوصيات التي رفضها دوركايم، فما هي حقيقة التربية التي نادى بها؟

ب ـ خصائص التربية وحقيقتها عند دوركايم: إن حقيقة التربية عند دوركايم تتجلى في الخصائص التالية:

1ـ النسبية: يؤكد دوركايم أن لكل مجتمع نظامه التربوي الخاص، الذي يختلف من مجتمع لآخر باختلاف الظروف والأزمنة، بحيث أن هذا النظام التربوي يفرض على الأفراد فرضا عبر قوة لا يمكن صدها، حيث يقول دوركايم:" لكل مجتمع في الواقع، وفي كل لحظة ما من مستويات تطوره نظاما تربويا، يفرض نفسه على لأفراد عبر قوة لا تقاوم"20.

2ـ الإلزامية ـ الحتمية ـ: أي أنه لا مجال للحرية في التربية، فالوالدين لا يمكن لهما أن يصنعا من أولادهم النماذج التي يريدونها، لأن هناك ظروفا خارجية اجتماعية توجه سلوكات الأفراد كما تشاء، أي هناك تطبيع اجتماعي، ولو حاول أي فرد التصدي لهذه الظروف الاجتماعية، فإن ذلك سينعكس سلبا على حياة أطفالنا، لأنهم خرجوا على الشروط الطبيعية الاجتماعية، وبالتالي عدم قدرتهم مستقبلا على التكيف مع أقرانهم الذين طبعوا على التربية الاجتماعية، وفي هذا يقول دروكايم:" أنه في كل لحظة من الزمن يوجد نموذج منظم للتربية لا يمكن استبعاده دون مجابهات قوية تترتب عليها نتائج قاسية"21.

3ـ الصفة الاجتماعية الواقعية: إن التربية عند دروكايم لا تتحدد على مستوى الأفراد كما هو عند القدامى، بل تتحدد على مستوى المجتمع من خلال الأفكار والعادات السائدة فيه، فالفرد موجه بواسطة العادات والتقاليد التي لا يمكن له أن يغيرها بمحض إرادته، إلا إذا قام بدراستها ومعرفة طبيعتها وشروط وجودها عن طريق الانصراف إلى التعلم و الملاحظة، شأنه شأن الفيزيائي الذي يخضع ظواهره إلى الملاحظة، وفي هذا يقول:" أن التربية هي نتاج للحياة المشتركة، وتعبير عن الضرورات الأساسية للحياة الاجتماعية ومحصلة لنشاط الأجيال السابقة بالدرجة الأولى"22، فمثلا عند دراسة تطور الأنظمة نلاحظ أنها قد ارتبطت بتطور الدين، والأنظمة السياسية، وكذا العلوم والصناعة...الخ، وأن محاولة الإقرار بفصل هذه العوامل عن التربية يؤدي إلى صعوبة الإدراك والفهم.

4ـ النظام التربوي واحد ومتعدد: إن أي حقيقة تربويه لا يمكن الكشف عنها إلا من خلال الوقوف على تطورها التاريخي، والعوامل الحتمية المتحكمة في تطورها، فباستقرائه نجد أن النظام التربوي الاجتماعي متعدد، ويظهر ذلك: من خلال وجود اختلاف في طبيعة التربية في المجتمع الواحد، ويرجع ذلك إلى اختلاف الثقافة وتباين الطبقات الاجتماعية داخله بين عدة شرائح، فمثلا تربية النبلاء ليست كالعامة وليست كتربية رجال الدين، وبهذا لا يمكن الإقرار بوجود تجانس مطلق بين الأفراد تبعا للسجل الوراثي الذي وصفه دوركايم بالغامض، كما أن التنوع يظهر كلما ازداد المجتمع تطورا بحيث تتجلى التخصصات، وفي المقابل التربية المتجانسة والواحدة تظهر في المجتمعات الأولى، حيث يقول: "من اجل العثور على تربية متجانسة عادلة على نحو كامل، يجب علينا أن نعود إلى مجتمعات ما قبل التاريخ، والتي لا يوجد فيها أي تجانس أو اختلاف"23.

    لكن الحقيقة عند دوركايم أنه رغم التنوع الثقافي بين هذه الفئات داخل المجتمع الواحد، إلا أن ذلك لا يمنع من وجود مبادئ مشتركة وواحدة ينطلقون منها، لأنه رغم الاختلاف إلا أنه يوجد دين مشترك للجميع أو عناصر ثقافية دينية واحدة من حيث الجوهر للجميع، وفي هذا يقول:" لا يوجد شعب دون نسق واحد من الأفكار والمشاعر والممارسات، تقوم التربية بتكريسها لدى الأطفال كافة دون تمييز يتعلق بتنوع الفئات الاجتماعية التي ينتمون إليها"24.، أي أن وجود اختلاف في الطبقات والتربية التي يأخذونها، إلا أنه وراء التربية التي يأخذونها غاية عامة تظهر في تكريس الأفكار العامة المشتركة داخل الوعي ـ تشكيل أسس مشاعرنا القومية والوطنيةـ

    وفي سياق ذي صلة فإن محور العملية التربوية هو تكوين صورة مثالية للإنسان، لا بالمفهوم الأفلاطوني، حيث تتصف بالوحدة والتنوع، وهذه المسؤولية تقع على عاتق المجتمع التي يحققها من خلال التربية، وأن استمرار المجتمع مرتبط بوجود حد أدنى من التجانس بين أفراده الذي تعمل التربية على تعزيزه، حيث يقول:" وبالتالي فالتربية تعزز هذا التجانس وتكرسه، وتسعى قبل كل شيء إلى تكريس عناصر التشابه الأساسية في نفوس الأطفال، وهو التجانس الذي تقتضيه طبيعة الحياة الاجتماعية".25، ولكن رغم ذلك فالتنوع ضروري لحدوث التعاون، وعلى التربية أن تقوم بتعزيز هو مثال ذلك: أن تقسيم العمل أدى إلى ظهور فروق فردية، ومهمة التربية في هذه الحالة هو تعزيز الأفكار والمشاعر المشتركة بين الأفرادـ وتكرس في الوقت ذاته التنوع الموجود والخاص بالكفاءات المهنية، وفي حال تهديد المجتمع سياسيا تقوم التربية بتعزيز الروح القومية والوطنية.

     وفي الأخير نجد أن التربية عند دوركايم وسيلة أساسية في خدمة المجتمع، لأنها تعمل على تهيئة الأفراد وفقا للشروط الأساسية التي تكون في خدمة واستمرار المجتمع، و أي خروج على هذه الشروط يعد حالة مرضية، وفي هذا يعرفها بأنها:"هي الفعل التي تمارسه الأجيال الراشدة على الأجيال التي لم ترشد بعد من أجل الحياة الاجتماعية، وهي تعمل على خلق مجموعة من الحالات الجسدية والعقلية والأخلاقية عند الطفل وتنميتها، وهي الحالات التي يتطلبها المجتمع بوصفه كلا متكاملا والتي يقتضيها الوسط الاجتماعي الخاص الذي يعيشه الطفل"26.

وخلاصة لما سبق نجد بأن التربية عند دوركايم تتصف بعدة خصائص منها أنها واحدة ومتنوعة، وإلزامية، ونسبية متغيرة ـ زمكانيةـ، وأهم خاصية تتميز بها هي: أنها اجتماعية وصدى لما هو اجتماعي، ومن هذا أعطى دروكايم للتربية أهمية ومكانة في ظل سوسيولوجته، ومن هذا نتساءل: ما هي التجليات التي من خلالها أثبت دروكايم مكانة التربية في دراساته الوسويولوجية؟

ج ـ مكانة التربية في سوسيولوجية دوركايم: إن الحقيقة التي لا يمكن زعزعتها هو أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، وهذا راجع إلى طبيعته الإنسانية الناقصة، ومن يخرج على الدائرة الاجتماعية على حد تعبير "أرسطو"، إما أن يكون وحشا أو إلها، إلا أن للإنسان خصائص ذاتية تميزه عن غيره، كالقدرات الذهنية والجسمية، وفي نفس الوقت جانبا اجتماعيا يتجلى في نسق الأفكار والمشاعر والمعتقدات والعادات التي يأخذها من جماعته، وهو ما يشكله ككائن اجتماعي.ن والتربية السوسيولوجية لها عدة أهداف منها:

  1ـ الهدف الإبداعي: يظهر في هيكلة وبناء كائنا اجتماعيا جديدا، وفق ما يستمده من سلطة لها طابع القدسية من المجتمع بحيث يشعر الفرد بخضوعه إليها مما يجعله فردا قادرا على مواكبة الحياة الأخلاقية والاجتماعية للمجتمع، وبالتالي فالقدرات والكفاءات التي يمتلكها الفرد لا يمكنها أن تنتقل عبر العوامل الوراثية. حسب اعتقاد البعض تخلق لنا إنسانا جاهزا وفطريا، بل هي موكلة للتربية التي تقوم بتحويلها ونقلها عبر الأجيال، ليتم اكتسابها بشكل لاإرادي وعفوي، تحت تأثير الظروف والمؤثرات الخارجية الاجتماعية، ولكي يحدث ذلك يجب أن تكون القدرات من طبيعة أخلاقية، لأنها تقتضي من الفرد التضحية والحرمان، ومنه فالهدف الأساسي كا يقول دوركايم: "هو خلق كائن جديد هو الكائن الاجتماعي"27.

وهذه الخاصية الإبداعية للتربية خاصة بالإنسان لا غيره، لان التربية الحيوانية تسمى ترويض بحيث تنمي الغرائز ولا تعد لحياة جديدة، وتتجلى من خلال تطوير القدرات الفردية، والانتقال بالفرد من حدود الذاتية إلى الطابع الاجتماعي تحت تأثير المنافسة الاجتماعية.

2ـ الهدف الانفعالي و الفاعلي: بمعنى أنها مستجيبة لظروف الحياة الاجتماعية وضروراتها، حيث أن الثقافة لا تصبح ضرورية إلا إذا أعلنها المجتمع وفرضها على أفراده انطلاقا من الحاجة إليها، وكأن هذا الرأي لا يختلف عن ما هو موجود عند الفلاسفة البراغماتيين، أمثال: جون ديوي ووليام جيمس، لان المعرفة عندهم ذات طابع عملي نفعي، حيث أن وضعية المجتمع هي التي تفرض عليه نمط معين من التربية، فمثلا: لا حاجة للتفكير النقدي إذا كان المجتمع متجانسا وبسيطا، كما أنه لا حاجة للتربية الجسدية مادام المجتمع يكرس في الوعي الجمعي النزعة إلى التقشف.

    ولهذا فطبيعة التربية الموجهة للأفراد يحددها المجتمع وفقا لحاجاته، أي أنها إكراه ممارس من المجتمع على الأفراد، لكن هذا الإكراه هو ميل وخضوع واستسلام من طرف الأفراد أنفسهم لضرورات اجتماعية، ومن هذا الخضوع الاجتماعي يكتسب الفرد إنسانيته.

    كما أن فاعلية التربية تظهر في كونها تحاول خلق انسجام بين الفرد والمجتمع، بحيث لا تقف أبدا أمام عبقرية الفرد بل تسعى إلى تنميته اجتماعيا، وإذا اصطدمت الواجبات الاجتماعية بعواطف الفرد، فإنه كثرا ما يتغاضى عن مشاعره ويخضع للمثل الاجتماعية العليا، وأما إذا خرج عن قيم المجتمع فإنه يتعرض للعقاب،8بحيث يقول دوركايم:" إن هذين المفهومين ـ الفرد والمجتمع ـ يتداخلان ويرتبطان، فالفرد الذي يريده المجتمع، بحث عن ذاته، والفعل الذي يمارسه  المجتمع على الفرد عن طريق لتربية لا يهدف أبدا إلى إفساد الفرد أو إلحاق الضرر به، بل على العكس من ذلك تماما إنما يسعى إلى تحقيق نموه وازدهاره ورقيه الاجتماعي، وان يجعل منه إنسانا حقا"28.

    من هذا قام دوركايم بنقد النظريات السابقة في المجال التربوي التي تؤكد أن مستقبل الإنسان محدد مسبقا من خلال العوامل الوراثية والاستعدادات الفطرية، ولا يمكن على حد تعبيرهم أن تكون التربية قادرة على تدمير وتغيير تلك الاستعدادات، ومن جهة أخرى لا يمكنها أن تنطلق من فراغ بل من ما هو موجود فطريا، ولو اعترفنا فإنه لا يبقى للتربية مجال واحد تشتغل عليه.

    لكن تلك الاستعدادات الأولية عدا الغريزة ـ نظام من الفاعليات المحددة التي تتكرر آليا وباستمرار دون تغير ـ عند دوركايم تمتاز بالمرونة والتموج لا الصلابة، كما يسمح لها بالانتقال من جيل لأخر، بحيث يمكن تشكيلها وصقلها وتغييرها وتوضيحها في صيغ مختلفة حسب طبيعة المجتمع، بعدما كانت غير متباينة ومتعينة عند ولادته، وفي هذا يؤكد دوركايم أن وظيفة التربية تكمن في إيجاد ذلك التباين وتعزيزه.

    والجلي حسب دوركايم أن للفعل التربوي تأثير على الأفراد حيث يشبهه بالتنويم المغناطيسي، هذا الخير الذي يكون فيه المنوم في حالة سلبية يفقد فيها حريته وإرادته، وأما المنوم ـ الطبيب ـفهو موجه، أمر عن طريق طاقته الإيحائية ويستعمل لهجة نافذة ترغم المنوم على الخضوع، وهو نفس م ا نجده عند المربي والطفل، فالطفل يكون في حالة سلبية، لأن إرادته مشلولة، فيكون على حد تعبير دوركايم:" مهيء لعملية تقليد عفوية وشاملة"29، كما أن خضوع الطفل إلى المكانة التي يحتلها المعلمون بالنسبة لتلاميذهم الناتجة على تفوقهم العلمي.

3ـ الهدف التاريخي: يؤكد دوركايم أن الأنظمة التربوية رغم راهنيتها وارتباطها بظروفها البيئية، إلا أن لها ماضي تشكلت من خلاله، لأن المدارس كنظم تربوية تعبر عن روح العصر، لها جذورها التاريخية الزمكانية التي نشأت من خلالها، أي أن لها قاعدة تنطلق منها حتى لو كانت مخالفة لما هو موجود في المجتمع الجديد، لأن المستقبل لا يمكن أن ينشأ من فراغ، وفي هذا يقول دوركايم: "من أجل ندرك الاتجاه الحالي للتعليم ـ التربية الواقعية ـ يجب أن لا نتوقف عند حدود واقعه المعاصر، بل يجب أن نعود إلى المرحلة التي ولدت فيها هذه النزعة..."30.

    والحقيقة عند دروركايم أنه لا يمكن أن ندرك حقيقة التربية وأن نحقق أهدافها إذا لم ترتبط بالتعليم وتاريخه، ولا يمكن الفصل بينهما، حيث يقول:" أنه في كل مرحلة تاريخية كانت العقائد التربوية مرهونة بواقع التعليم، وهي في الوقت نفسه تعكسه من جهة وتوجهه من جهة أخرى، وبمعيار ما تمارس هذه العقائد من تأثير فعال فإنها تسهم في تحديد النظام التعليمي وتوجهاته، فالثقافة التربوية ترتكز على أساس تاريخي".ولهذا أن معرفة حقيقة تاريخ التربية والتعليم يساعد في تحديد الغايات التي تسعى إليها التربية في كل مرحلة تاريخية اجتماعية".

4ـ الهدف السوسيولوجي: إن إميل دوركايم عندما يتحدث عن التربية فإنه يتحدث عنها بوصفه عالم اجتماع، حيث يقول:" إنني أنظر إلى التربية في واقع الأمر بوصفها ظاهرة اجتماعية بالدرجة الأولى، ولها ارتباط بالبيداغوجيا وعلم الاجتماع".

ومن خلال هذا وقف دوركايم موقف الناقد من علم النفس ليحدد الحدود التي يقف عندها هذا العلم، لأن الفكرة التي سادت عند بعض الفلاسفة أمثال: كانط، وسنسر،... وغيرهم، أن التربية هي نتاج لعلم النفس، حيث تنادي التربية عند هؤلاء بما يلي:

الأحادية والنموذجية: بمعنى أنه لا توجد تعدد في أنماط التربية، بل ما هو موجود هو تربية نموذجية واحدة تناسب جميع الأفراد دون استثناء رغم تمايزهم في ظروفهم الاجتماعية...الخ.

1ـ الأسس القبلية: أي أن المربي عندهم ليس له ما يضيفه للفرد في مرحلة من مراحل تكوينه مادامت القدرات فطرية قبلية، أما دوره فيقتصر على حماية هذه الخصائص الفطرية الفردية من الضعف والانحراف.

   لكن من وجهة نظر دوركايم أن تلك الأسس السابقة غير مقبولة، لأن الواقع التاريخي يؤكد بأن هذا التصورات التربوية غير قابلة للتطبيق، والتاريخ يشهد بأن ذلك لم يحققه أي مجتمع. وهذا راجع لتمايزها واختلافها في طبيعة أطرها وظروفها، أي أن التربية تعبر عن وضع اجتماعي معين، حيث يقول دوركايم:"أن التربية تتغير بتغير الطبقات الاجتماعية"31.

    ورغم أن التربية تأخذ بعين الاعتبار الكفاءات الفردية إلا أن ذلك لا يكون تبعا لأهداف ذاتية خاصة بل من أجل المجتمع بهدف تحقيق إستمراريته واحتياجاته، ومن مظاهر ذلك تقسيم العمل بين أفراده عبر القنوات التربوية، وبهذا فالتنوع الموجود في التربية يكون من أجل المجتمع وبواسطته، ومن هذا يقول دوركايم:" مهما تكن أهمية الأنماط التربوية الخاصة،....فإنها ليست كافية بذاتها، وهي أينما كانت فإنها لا تتباين إحداها عن الأخرى، وذلك لأنها لا ترتكز على أساس اجتماعي مشترك"32. ومنه فإن علم النفس لا يمكنه أن يلبي حاجيات المربي في تحقيق غاياته، مهما تطور وبلغ من نضج، لأن المهمة توكل إلى علم الاجتماع.

      ويظهر الجانب الاجتماعي للتربية فيما يسمى بالتربية الاجتماعية المشتركة، حيث أن رغم وجود اختلاف في الطبقات الاجتماعية بين الأطفال، إلا أن هناك تربية اجتماعية مشتركة تمنح لهم دون تمييز بين الفئات، وهي التي تشكل حسبه التربية الحقيقية، وكمثال على ذلك: أن هناك تربية مشتركة لجميع الرومانيين تتجلى في كل الأنظمة القائمة في المدن، رغم وجود طبقة من الأشراف والعامة، وأن التغير الموجود في التربية من نجتمع لآخر يرجع إلى تغير حاجات الأفراد بسبب تغير الشروط الاجتماعية، إلا أنه يبقى محافظ على الروح الجمعية.

ومن هذا المنطلق يؤكد دوركايم:" يمكن لنموذجنا التربوي أن يجد تفسيرا له في ضوء البيئة الاجتماعية القائمة...فالمجتمع لم يحدد أنموذج الإنسان وفقا للأنموذج الذي يسعى المربي لتحقيقه فحسب، بل هو الذي يسعى المجتمع غلى بناء ذلك الأنموذج ويحققه وفقا لاحتياجاته المتنامية"33، وبالتالي: فالإنسان الذي يجب على التربية أن تحققه هو الإنسان لا كما صنعته لنا الطبيعة بل الإنسان على نحو ما يريده المجتمع أن يكون.

    ومن خلال ماسبق نقول أن الأنموذج التربوي هو الذي يريد المجتمع أن يطبعه فينا، وهو الصورة التي تعكس الخصائص المتنوعة للمجتمع المعني.ومن هنا نؤكد أن علم الاجتماع وحده وليس علم النفس ـ له علاقته بالبيداغوجياـ من يساعد المربين في تحقيق أهدافهم وبالتحديد عندما يربط تلك الغاية بالظروف الاجتماعية، حيث يقول دوركايم:" يجب أن يتجاوز علم النفس التنافس مع علم الاجتماع، وذلك لأن غايات التربية ذات طبيعة اجتماعية، ولأن الوسائل المتوخاة لتحقيق ذلك يجب أن تكون ذات طابع اجتماعي"34.

    بحيث لا توجد مؤسسة تربوية واحدة إلا وتحمل خصوصيات المجتمع، كما أن إدراك ماهية المؤسسة التربوية هي مسؤولية علم الاجتماع، باعتباره علم المؤسسات الاجتماعية، الذي يعتمد على الدولة كهيئة سياسية مكملة للأسرة في العملية التربوية، حيث تعمل على وضع المدارس سواءا كانت خاصة لتنمية القدرات المبدعة مع مراقبتها، لأنه لا توجد مدرسة تستطيع أن تعلن لنفسها الحق في تبني تربية معادية للحياة الاجتماعية، وبهذا فالدولة في خدمة الأطفال وتقوم بتسهيل العملية التربوية ومحاربة العنف بكل أشكاله،حيث يقول دوركايم:"ومادامت التربية وظيفة اجتماعية فإن الدولة لا يمكن أن تكون غير معنية بها"35.

كما أن معرفة المجتمع يسهل علينا معرفة ما يحدث داخل المؤسسات التربوية، ومنه فالمناهج التربوية التي تصاغ ليست مهمة علم النفس، بقدر ما هي مسؤولية تتجلى في إطار الحياة الاجتماعية لا الفردية، فمثلا المناهج التي ظهر في عصر النهضة لم تكن من نتاج علم النفس، بل كانت نتيجة للتغيرات العميقة التي شهدتها البيئة الاجتماعية الأوربية في تلك المرحلة، حيث يقول:"إن للتربية خصوصية مشتركة واحدة في كل مكان تتمثل في أن الغايات التي تسعى إلى تحقيقها والوسائل التي توظفها مرهونتان إلى حد كبير بالضرورات الاجتماعية، والتي تتمثل في أفكار ومشاعر جمعية"36.

    ومن هذا فإن المادة الأساسية التي يشتغل عليها المربي هي المجتمع، لأنه من خلاله يكتشف المبادئ الأساسية التي يجب أن تقوم عليها تربيته، أما علم النفس فهو مجرد موجه للطرق الخاصة لتربية الطفل وتلقينه المبادئ الاجتماعية، وبهذا على حد تعبير دوركايم:" ليست هناك ثقافة أكثر أهمية بالنسبة للمربي من الثقافة السوسيولوجية،.... وليس أمامنا سوى علم الاجتماع الذي يمكنه أن يضع في أيدينا المفاتيح المناسبة الخاصة بالإشكالية التربوية، ويقدم لنا المعطيات الضرورية ـ الأفكار الموجهة ـ "37.

من هذا نستخلص أن العلاقة بين التربية وعلم الاجتماع كالعلاقة بين الأثر والمؤثر بحيث أن التربية تنطلق من المجتمع وتسعى لتحقيق غايته، فهما وجهان لعملة واحدة لا يمكن أن نفصل بينهما.

   ومنه نخلص إلى أن دوركايم هو أول عالم اجتماع فرنسي تنبه بحس سوسيولوجي نقدي كبير إلى طبيعة العلاقة بين التربية والنظام الاجتماعي، ومن ثمة وصف الظاهرة التربوية بمثل ما وصف به الظاهرة السويولوجية عموما، وأعتبرها واقعة اجتماعية مستقلة عن وعي الأفراد، وبالتالي قابلة للدراسة العلمية الموضوعية، بل يمكن القول أن المشروع السوسيولوجي الدوركايمي في عمقه مشروع تربوي.

خاتمـــــــة: مما سبق نستخلص أن للتربية دور كبير في تطوير الفرد والمجتمع وتوطيد العلاقة بينهما بحيث أن الفرد يساهم في خدمة المجتمع واستمراره وحمايته، وهذا لا يكون إلا إذا قامت التربية بالدور السوسويولوجي الموكل إليها بعد عملية فهم جيد للفرد عموما والمجتمع على وجه أخص، وهنا يجب على المربي أن يعتمد على عالم الاجتماع ليرشده إلى الطريق القويم. وأن مهمة النظام التربوي هو خلق التجانس والتكامل عن طريق غرس التربية للقيم والمعايير الاجتماعية مما يخلق التضامن الاجتماعي.

     كما أن المشروع الذي يريد أن يؤسسه أيميل دوركايم، وهو تأسيس علم الاجتماع كعلم قائم بذاته يهدف إل  كشف القواعد التي تخضع لها التطورات المجتمع، فنجد لهذا الاهتمام صدى في أعماله: قواعد المنهج السوسويولوجي، والانتحار والتربية، وكان يهدف من وراء دراساته إلى الابتعاد عن التصورات الفلسفية العقيمة من أجل تأسيس علما موضوعيا، بحيث يسلط الضوء عليه لحل مشاكل المجتمع عن  طريق تحسين العلاقات بين الفرد والمجتمع، ولهذا أولى عناية كبرى بالمشاكل التربوية، إذ أن التربية تلعب دورا أساسيا في اندماج الفرد والمجتمع، وهذا ما يفسر لنا أن دوركايم قد كان واقعي مهتم بهموم مجتمعه وبمشاكله، وخاصة الاضطرابات الاجتماعية المتولدة عن الطور التكنولوجي ولتصنيع.

    ويعد دوركايم الأكثر تأثيرا ببرنامجه واتجاهه الإصلاحي الإنساني، حيث يحدد موقفه من لتربية على أنه شيء اجتماعي، تضع الطفل في وضع مباشر مع مجتمع محدد، ولهذا فهو يدعو إلى الاهتمام بالنظام والتخطيط التربوي ولكن في ضوء التخطيط الشامل للمجتمع.

   ولكن رغم ذلك ما قدمه دوركايم مكن أعمال في المجال التربوي الاجتماعي إلا أن الدراسات التي قدما قد لاقت الكثير من الانتقادات من طرف المعاصرين، وبالتحديد في إنكاره لشخصية الفرد وجعله دمية في يد المجتمع يخضع لأرائه القسرية، كما أن هذه النظرة إلى التربية أو المرتبطة بما هو سوسيولوجي ومكاني متغير في إنكار لوجود الأنبياء والرسل ولا العبقريات، وبهذا فهي نظرة مادية محضة، وهذا ما نجده في الدراسات الحدسانية الدينية التي أسسها الفرنسي "هنري برغسون" تبعا لنقد هذه الأنساق المغلقة والاجتماعية، وتأسيس للتربية والأخلاق المفتوحة القائمة على أساس فردي متغير، ويظهر ذلك في الكثير من كتبه وعلى رأسها كتاب التطور لخلاق ومنبعا الأخلاق والدين.

1ـ عبد الرحمان النقيب، وصلاح مراد: مقدمة في التربية وعلم النفس، المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم 1987، ص37.

2ـ عبد الله وجعنين وآخرون: المدخل إلى التربية والتعليم، ط1، دار الشروق، الأردن، 1993، ص14.

3ـ الخوالدة ناصر أحمد، ويحي إسماعيل: طرائق تدريس التربية الإسلامية وأساليبها وتطبيقاتها العلمية، ط2ن دار حنين الأردن، ص33.

4ـ سعيد إسماعيل علي: فلسفات تربوية معاصرة، سلسلة عالم المعرفة،1995، ص14.                                          

5ـ برتراند راسل: التربية والنظام الاجتماعي، ترجمة وتحقيق: سمير عبدة، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1978، ص19.

6ـ سيد علي أشرف: أفاق جديدة في التعليم الإسلامي، سلسلة التعليم الإسلامي، شركة عكاظ، للنشر والتوزيع جدة، 1993، ص31.

7ـمحمد أحمد بيومي: أسس وموضوعات علم الاجتماع، دار المعرفة للجامعية الإسكندرية،2000، ص19.

8ـ المرجع نفسه، ص20.

9ـ عادل مختار الهواري: أسس علم الاجتماع، مكتبة نهضة الشرق، القاهرة، 1983، ص29.

10ـ علي محمود إسلام الفار: معجم علم الاجتماع، ط2، دار المعارف القاهرة، 2000، ص ص 464ـ465.

11ـاميل دوركايم: قواعد المنهج في علم الاجتماع، ت: محمود قاسم، مراجعة: السيد محمد بدوي، الناشر مكتبة النهضة المصرية، 1950، ص65.

12ـ المصدر نفسه، ص81.

13ـ علي الحوات: مبادئ علم الاجتماع، ط1، منشورات الجامعة المفتوحة طرابلس، ليبيا، 1990، ص ص 109ـ 110.

14ـ محمد أحمد بيومي: أسس وموضوعات علم الاجتماع، المرجع السابق، ص136.

15ـ المرجع نفسه ص156.

16ـ إيمانويل كانط: تأملات في التربية، تعريب وتعليق: محمود بن جماعة، ط1، دار محمد علي للنشر، 2005، ص18.

17ـأميل دوركايم: التربية والمجتمع، تك علي أسعد وطفة، ط5، دار معد للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، 1996، ص56.

18ـ المصدر نفسه، ص57.

19ـ نفسه، ص59.

20ـ نفسه، ص61.

21ـ نفسه، ص61.

22ـ نفسه، ص61.

23ـ نفسه، ص64.

24ـ نفسه، ص65.

25ـ نفسه، ص67.

26ـ نفسه، ص68.

27ـ نفسه، ص70.

28ـ نفسه، ص 77.

29ـ نفسه، ص86.

30   ـ نفسه، ص115.

31ـ نفسه، ص125.

32ـ نفسه، ص127.

33ـ نفسه، ص131.

34ـ نفسه، ص141.

35ـ نفسه، ص 79.

36ـ نفسه، ص 144.

37ـ نفسه، ص 14.

Pour citer ce document

خالد أودينة, «مكانة التربية في سوسيولوجية دوركايم ـ دراسة إبستيمولوجية تحليلية ـ Durkheim’s Perspective on the Sociology of Education: An Epistemological Study»

[En ligne] مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales العدد 26- مجلد 15-2018N°26 Vol 15- 2018
Papier : pp 37-47,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2018-05-13,
mis a jour le : 11/07/2018,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=2799.