تجاور الأضداد في عصر الحداثة الفائقة: رؤية جيل ليبوفيتسكيContiguousness of Opposites in the Era of Super-culture: Gilles’ Lipovetsky View
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

27
28

العدد 26- مجلد 15-2018 N°26 Vol 15- 2018

تجاور الأضداد في عصر الحداثة الفائقة: رؤية جيل ليبوفيتسكي Contiguousness of Opposites in the Era of Super-culture: Gilles’ Lipovetsky View

آسيا عقوني
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

  يذهب الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي جيل ليبوفيتسكي*  Gilles Lipovetskyإلى نقد الحضارة الغربية المعاصرة، وهو نقد داخلي لها، كشف من خلاله على جملة من التناقضات التي يحملها ما سماه بعصر الحداثة الفائقة L’Hypermodérnité، والتي شهدت العديد من التغيرات على جميع الأصعدة بعد الانتقال من  الرأسمالية التقليدية الصارمة إلى الرأسمالية الاستهلاكية المتعية. وإن استثمار الحداثة الفائقة في خطابين متناقضين لا يخل بنمط العيش في المجتمعات المعاصرة حسبه، على اعتبار أن الأضداد متجاورة فيها لا متصارعة، وإن هذا التجاور هو ما نعمل على استنطاقه من خلال كتابات جيل ليبوفيتسكي، وتبيان مظاهره، وعليه فالإشكالية المطروحة كالتالي:

ما المقصود بتجاور الأضداد في ظل الحداثة الفائقة؟ وما هي أبرز مظاهرها؟

الكلمات المفاتيح: الحداثة الفائقة، الاستهلاك الفائق، الإنسان الفائق، تجاور الأضداد، ما بعد الواجب.

 

Le philosophe et sociologue français Gilles Le povetskyàcritique la civilisation contemporaine une critiques internes pour révéler les contradictions de ce qu'il appelé l'ère de l’hyper modernité, qui a connu des nombreux changements à tous les niveaux après passé du capitalisme calcique  au capitalisme de consommation  hédoniste .ensuite ,  L'exploitation de l’hyper modernité à deux discours contradictoires et ces dernier  ne perturbe pas le mode de vie des sociétés modernes, selon lui, puisque les paradoxes juxtaposition sont en harmonie  et non  pas en conflit, en effet , cette juxtaposition est ce que nous étudions à travers les écrits de Lipovitsky et démontre ses manifestations. Par conséquent, le problème qui se pose ; quelles sont les paradoxes juxtaposition dans l’ypermodernité ? et quelle sont ses manifestations ?

Mots clés :l’Hyper modernité, l’hyperconsommation, l’homme hypermoderne, lesparadoxes juxtaposition, l’après- devoir.

The philosopher and sociologist Gilles Lipovetsky usually tends to criticise modern western civilization which is considered as profound criticism since he himself is a part and a member of the culture. His critical view reveals a set of paradoxes carried within what he called Hypermodernity. This civilization had witnessed changes in all fields and on all measures after moving from classical severe capitalism to the hedonistic consumer capitalism. According to the sociologist investing hypermodernity in two distinct contradictive manners do affect the lifestyle of modern societies, since these paradoxes are in harmony not in conflict in parallel side by side. This juxtaposition along with we try to convey through the writings of Gilles Lipovetsky. Based on this we raise the problem as follows: what does the juxtapotions of paradoxes in hypermodernity mean? And what are its manifestations?

Keywords:Hypermodernity; hyperconsumerism, human hypermodernity, juxtapotions of paradoxes, after duty.

مفتتح إشكالي:

       إن المجتمعات الغربية المعاصرة تعيش أزمنة الحداثة الفائقة كما يسميها جيل ليبوفيتسكي، وتتميز هذه الحداثة بجموعة من الميزات والخصائص التي جعلت منها مجتمعات فائفة، وإن أهم هذه الميزات حسب تحليلية ليبوفيتسكي هي الاستهلاك الفائق، والذي عمل على تغيير نمط العيش، والثقافة المعاصرة، وهو ما أدى إلى ظهور الليونة والتعدد، بدل الصلابة والوحدة التي كانت سائدة سابقا، ويكشف لنا ليبوفيتسكي  أن الفائق والتضخم في المجتمعات الغربية المعاصرة قد أدى إلى انتشار خطابات متعددة ومختلفة تصل إلى حد التناقض، غير أن ما يميزها هو أنها متناقضات متجاورة. فصفة التجاور من أهم ميزات أزمنة الحداثة الفائقة أيضا إلى جانب الاستهلاك. ولهذا نعمل من خلال هذه الدراسة التي هي في الأساس دراسة مفهومية على ضبط مفهوم كل من: الحداثة الفائقة، وعلاقتها بالاستهلاك، ومفهوم تجاور الأضداد والذي يعتبر مفهوما جوهريا في هذا العمل. وعليه فإشكالية البحث في هذه الدراسة تتمثل في:

ما مفهوم تجاور الأضداد؟ وفيما تتمثل أبرز مظاهره؟

وللإجابة على هذه الإشكالية الرئيسية وجب الإجابة على جملة المشكلات التالية:

- ما مفهوم الحداثة الفائقة؟

-ما هي علاقتها بمنظومة الاستهلاك؟

ومن ثم تحديد المقصود بتجاور الأضداد، وتعداد صور وتجليات هذا التجاور.

 من هنا فإن أهمية هذا الموضوع تتبدى من كونه حديث عن تجاور الأضداد في أزمنة الحداثة الفائقة متأتية من راهنية  طرح ليبوفيتسكي للموضوع في ظل ما سماه بأزمنة الحداثة الفائقة، كما تظهر أيضا من خلال آلية التحليل التي اعتمدها حيث انطلق من تحليله للواقع المعاصر في المجتمعات الغربية ومن ثمة انتقل إلى التنظير الفلسفي مركزا على الجزئيات التي تشكل في الحقيقة نقطة تأثير جوهرية في المجتمع وعلى سلوكات الأفراد فيه مثل: الموضة، المرأة ، الماكياج، التجميل، الهزل وغيرها من الهوامش، وهو ما يعني أن ليبوفيتسكي يتعامل مع قضايا راهنة على شاكلة ظاهرة تعدد الخطابات واختلافها، وانتهى إلى أن التجاور يمكن أن يكون مخرجا للصراعات التي يمكن أن تنجر عن هذه المتضادات وهنا تبرز أهمية هذا الموضوع من حيث أنه يسلط الضوء على أحد الحلول التي اقترحها ليبوفيتسكي لتجاوز الأزمات المعاصرة والخلافات في ظل التعدد.

كما أن أهمية الموضوع تتمثل في كونه من الموضوعات الجديدة الطرح نظرا لشح الترجمات لأعمال جيل ليبوفيتسكي، باستثناء الاجتهادات التي بدأت تظهر مؤخرا لبعض أعماله مثل: شاشة العالم، المرأة الثالثة، ومملكة الموضة وغيرها غير أن الدراسات حول هذه الأعمال غير موجودة، وهو ما يحتم علينا التعريف بفكره من خلال أعمال مشابهة لهذا العمل أين تطرقنا لضبط مفهوم تجاور الأضداد، أو أعمال أخرى تعرف بفلسفته.

هذا وأن مجمل الدوافع التي أخذت بنا إلى الموضوع يمكن تقسيمها إلى: دوافع عامة وأخرى خاصة.

بخصوص الدوافع العامةفهي تتمثلرأسا في ضبط تصور وهو مفهوم " تجاور الأضداد " تحديدا، والإبانة أنه أداة مفهومية جمع فيها ليبوفيتسكي بين نقد الواقع وتمحيصه، وبين التنظير الفلسفي، فهو مفهوم يشكل جزءا لا يتجزء من القاموس المفاهيمي الخاص بفلسفته، وهذا العمل يسلط الضوء على أحد هذه المفاهيم (مفهوم تجاور الأضداد ).

تحرير مفهوم الأضداد من الإرث الهيجلي المثالي، والإرث الماركسي المادي.

كما أنه من دوافع البحث في هذا الموضوع هو محاولة البحث عن مخرج للأزمات التي يتخبط فيها الإنسان المعاصر، عبر ظاهرة التجاور في ظل الحداثة الفائقة المطلقة حسب وجهة نظر ليبوفيتسكي.

أما عن الدوافع الخاصة يمكن صرف القول إلى أنهذا الموضوع يدخل في صميم اهتماماتنا ذلك أنه يندرج ضمن إطار فلسفة القيم، ذلك أن ليبوفيتسكي قد انتقد الحضارة الغربية المعاصرة نقدا أكسيولوجيا بالدرجة الأولى، إنطلق فيه من الواقع السوسيولوجي.

كما أن الرغبة في تقديم أحد أهم التصورات المفهومية في الفلسفة الغربية المعاصرة والتي لاقت اهتماما في الساحة الفلسفية الغربية، خصوصا بعد كتابة ليبوفيتسكي لأشهر كتبه " عصر الفراغ"  du vide l’ère ،

وكذا لتسهيل الفهم على القارئ العربي من خلال مثل هذه الكتابات التي تركز على التفصيل في أحد المفاهيم التي تكون جزءا من فلسفة معينة. وبالتالي فهي عبارة عن حلقة وصل بين اللسان الغربي والعربي.

مفاهيم الدراسة:

إن رغبتنا في التعرف على تمفصلات فلسفة جيل ليبوفيتسكي دفعتنا لاختيار جزئية من قاموسه المفاهيمي، ومن ثمة العمل على ضبطها ونقصد تحديدا مفهوم تجاور الأضداد، والكشف عن تمظهرات هذا التجاور في المجتمعات الغربية المعاصرة.

  • الحداثة الفائقة:

    يذهب جيل ليبوفيتسكي في سياق الجدل حول القطيعة بين الحداثة وما بعد الحداثة إلى أن الحداثة لم تنته على طريقة يورغن هابرماس* * Jürgen Habermasالذي يقر بأن " الحداثة: مشروع لم ينجز" (1)، وبهذا يكون قد تجاوز أستاذه فرانسوا ليوتار * * *F.Lyotardالذي يعتبر أن الحداثة انتهت، وعقبتها مرحلة جديدة هي ما بعد الحداثة. وما دفع بليبوفيتسكي إلى رفض الإقرار بما بعد الحداثة هو كونها تتضمن في ثناياها فكرة موت الحداثة، وهو ما لا يصح حسبه.

فالحداثة الفائقة هي إعادة إحياء للحداثة مع فارق هو التضخم حيث نجد تصعيد في مجال التكنولوجيا، تكنولوجيات وراثية، سلوكيات محفوفة بالمخاطر، ألعاب قوى، آداء، حدث، سمنة، إدمان، كل شيء يتضخم، كل شيء يصل إلى حده الأقصى ويصبح مثيرا للدوار.(2)بمعنى أن الحداثة الفائقة قد شهدت تضخما على جميع الأصعدة، والتضخم ليس ايجابيا فحسب، كما أنه ليس سلبيا كليا، وهو ما يوحي بمنطقين متناقضين في التضخم الذي يميزها من البداية.

كما أن التبدل الفائق الحداثة يتميز في تأثيره في حركة متزامنة وشاملة على التكنولوجيات ووسائل الإعلام، على الاقتصاد والثقافة، على الاستهلاك والجماليات. فالمجتمع الفائق الحداثة مجتمع يسيطر عليه الزمن الحاضر. استهلاك، دعاية، موضة، أوقات الفراغ. (3)لم يعد هناك معايير أو ذهنيات ثابتة، لم تبق سوى شرعية المستهلكين، والحث على القيم الآنية، وأناشيد السعادة والحفاظ على الذات.(4) فقيم الحداثة الفائقة  قد تغيرت فلم يعد الثبات قيمتها بل التغير، ذلك أن المنطق الذي يوجهها هو الزائل والعابر الذي أصبح هو الحقيقة الثابتة الوحيدة في المجتمعات المعاصرة.

إذن فمرحلة الفائق Hyperليست سوى إدراك عميق للحداثة وترتكز هذه المرحلة علىأربع مبادئ أساسية وهي:

  • العلوم التقنية
  • السوق.
  • الديمقراطية.
  • الفرد.5

لقد أصبح الاستهلاك الفائق أو المفرط ميزة عصر الحداثة الفائقة، وثقافة تعكس نمط الوجود فيها إذ " أن كل العالم تشكل، ويتغذى على الاستهلاك اللامحدود. عصر الاستهلاك قد بدأ منذ أن سقطت الثقافات التقليدية التي كانت صامدة، عندما اختفت الوازعات الثقافية أمام الأذواق الجديدة، والمتاجرة بالحاجات….  والمستهلك المفرط هو من يريد تجديد واقعه المعاش دون انقطاع، هو من يرفض الأوقات الميتة المنتهية، هو من يريد أن يعرف دائما انفعالات جديدة، ولذات جديدة، من خلال الجديد الذي يعرضه السوق " (6). فالمستهلك الفائق أصبح يرفض التقيد بالماضي، وفي نفس الوقت فهو ليس مباليا بالمستقبل، فهو يركز على الحاضر فقط، وعلى كيفية تحقيق رضاع وإشباع رغباته ، والوصول إلى السعادة عبر بوابة الاستهلاك المفرط.

وعن حمى الاستهلاك يقول: "جان بودريار"Jean Baudrillard(  فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي، ولد في 1929م، وتوفي في 6مارس 2007): "إن المجتمع الاستهلاكي هو مجتمع الترويض الاجتماعي على الاستهلاك، أي أنه زي جديد وخاص للتنشئة الاجتماعية، على علاقة بظهور قوى إنتاجية جديدة، وتجديد البناء الاحتكاري لنظام اقتصادي رفيع الإنتاجية، وهذا الترويض الجديد يعادل الترويض على العمل الصناعي للجماعات الريفية في القرن 19م. وإيديولوجيا الاستهلاك توهمنا أننا قد دخلنا عصرا جديدا غير عصر الإنتاج المؤلم والبطولي، انه عصر الاستهلاك المزدهر، حيث أعيد أخيرا الحق للإنسان ورغباته."(7فبودريار بهذا المعنى يعطي تفسيرا اجتماعيا للترويض على الاستهلاك على اعتبار أنه عالم اجتماع وفيلسوف، كما أنه ينبهنا إلى أن كوجيتو الاستهلاك المعاصر يوهمنا بأننا قد تجاوزنا عصر الإنتاج ومتاعبه، وأنه قد آن للإنسان أن يستمتع ويحقق رغباته عبر الاستهلاك.

وفي ذات السياق، يشير ليبوفيتسكي إلى أن الحداثة الفائقة قد تزامنت مع تطور الاستهلاك في نهاية 1970م،وهي المرحلة الثالثة من تاريخ الرأسمالية الاستهلاكية، وهي لا تتميز بتغيرات على النمط الاستهلاكي فحسب بل تشهد أنماطا جديدة من التنظيم والنشاطات الاقتصادية، والإنتاج، والبيع، والاتصال، والتوزيع. فقد أصبح الاستهلاك في هذه المرحلة يرتكز على الفرد ولم يعد ناجما عن نظام العائلة، حيث يمكن لكل شخص أن يرتب حياته الخاصة في استقلالية عن الآخرين. يملك هاتفا محمولا، وكمبيوترا محمولا، وأشكال متعددة من الشاشات التلفزيونية، آلات فوتوغرافية، الثلاجة: هذا التنوع في العتاد، والحاجيات الإلكترونية الجديدة، وتعدد الاختيارات تدخل في نطاق ولوج نمط الفردانية الفائقة الاستهلاكية. فشعار هذه المرحلة " لكل شخص وسائله، واستعمالاتها، ونمط معيشة خاص به"8من هنا نلاحظ تغير نمط العيش المشترك سابقا إلى العيش الفرداني في ظل التغييرات التي صاحبت تغير نمط الاستهلاك في المرحلة الثالثة.

ننتهي إلى القول بأن الحداثة الفائقة استمرارية لمرحلة الحداثة مع فارق وهو التضخم على جميع الأصعدة، وتبدل مفهوم الثقافة الذي أصبح مرادفا للاستهلاك المفرط، والذي أصبح نمطا وطريقة للعيش، وهو ما يفسر العلاقة الوطيدة بين كل الحداثة الفائقة وظهور الاستهلاك خصوصا في مرحلة الرأسمالية الاستهلاكية المتعية بتعبير ليبوفيتسكي، كمرحلة تالية لللرأسمالية التقليدية الصارمة.

  •  بتجاور الأضداد:

أصل كلمة الأضداد هي التضاد وتعني في موسوعة لالاند: " علاقة قائمة بين الإثبات والنفي لعنصر معرفي واحد، بوجه خاص:

- بين حدين، يكون أحدهما نفيا للآخر، مثل أ وغير أ.

- بين قضيتين مثل: أ صحيح، و أ غير صحيح (أو كاذب).9

وإن الأضداد التي تكون في الأصل متنافرة تتميز بصفة مغايرة في ظل الحداثة الفائقة حسب ليبوفيتسكي، إذ أنها متجاورة لا يوجد صراع بينها؛ بل هناك تعايش مشترك في ظل بؤرة الاختلاف، حيث نجد خطابين متعارضين في نفس المجتمع ولكل خطاب وجهته وخصائصه التي لا تلغي ما يغايره.

" في العمق، يجب أن نعرف أن ما بعد الحداثة تُعرف من حيث الشكل المتناقض، وأنه هناك منطقين يتعايشان داخلها "10فما نلاحظه من خلال قول ليبوفيتسكي؛ هو أنه قد جمع بين مصطلحين هما: منطقين، ويتعايشان. وهو ما يعني أن اختلاف المنطقين لا يعني وجود خلاف بينهما حسبه، بل هناك تعايش رغم التناقض أي رغم الاختلاف، وهو ما جعل من عصر الحداثة الفائقة عصر تجاور الأضداد بامتياز لا تصارعها.

وفي الحقيقة إن فكرة تجاور الأضداد تعتبر مخرجا للإحراج الذي يمكن أن تطرحه أزمنة الحداثة الفائقة، ولكن التجاور يجعل من التضاد المطروح مسرحا للانسجام في ظل الاختلاف والتعدد في كنف الفائق المطلق. وهو ما يعني أن ليبوفيتسكي قد حافظ من خلال هذه الفكرة على الإبقاء على منطق التعايش، وتفادي منطق التنازع من الإخلال ببنية جوهرية في المجتمعات الغربية المعاصرة. وهذا ما سيدفعنا بدوره للبحث في صور هذا التجاور فيها.

  • مظاهر تجاور الأضداد:

إن الأضداد المتجاورة تدخل في صميم تركيب المجتمعات المعاصرة في عصر الحداثة الفائقة، حيث أنها أضحت ميزة لها، تشجع على العيش في وفاق وانسجام في المجتمعات الفائقة الحداثة بدل التنازع والتصارع؛ نتيجة لقبول منطقين متعارضين داخلها، ولهذه الظاهرة أوجه أو صور متعددة يمكن حصرها في مايلي:

  • تجاور الأضداد في السياق الاجتماعي:

     يظهر لنا تجاور الأضداد في المجتمع فائق الحداثة حسب ليبوفيتسكي من خلال انتشار المتع الآنية، وهوس الحاضر، والفوري هذا من جهة، ومن جهة أخرى ظهور ما سماه بالتضخم التذكاري حيث هناك اهتمام أيضا بالموروث وبالماضي. وهو ما عبر عنه في كتاب شاشة العالم واصفا هذه المفارقة في مجتمع الحداثة الفائقة " هو المجتمع الذي يسيطر عليه الزمن الحاضر، استهلاك، دعاية، موضة، أوقات الفراغ: فعلى خلفية استنفاذ النظريات المستقبلية الكبرى، تُعيد معايير الآنية وهنا – الآن، من الآن فصاعدا، تشكيل اليومي كله. وعلى نقيض مطلق مع نقل التقاليد العريقة، نرى تطور ثقافة تخص آنية النمط وتستند على قصر مدة الأرباح المالية، وفورية الشبكات الرقمية والمتع الخاصة. وإن كانت من مفارقات هذا العصر ظهور الهوس التراثي التذكاري (ازدهار المتاحف...)، فهو أيضا زمن الذاكرة المعممة والتضخم التذكاري وهو ما يمثل وجه آخر لتجاوز الحداثة الفائقة ".11إن هذه المظاهر تكشف لنا عن ثقافة تجاور الأضداد في فلسفة جيل ليبوفيتسكي، بحيث يتعايش الهوس بالحاضر، والسريع، وبالاحتفاء بما هو تاريخي، وهوس المحافظة عليه من الزوال.

  كما أنَ النَرجسية التي بالرغم من أنها نتاج لمنظومة الاستهلاك وللثورة الفردانية الثانية إلا أنها حسب ليبوفيتسكي شكل من أشكال التعبير عن تقدم مسار الديمقراطية في المجتمعات الفائقة الحداثة.

   إضافة إلى أن شيوع اللامبالاة تعكس ثقافة تعايش الأضداد في مجتمعات الحداثة الفائقة ذلك أنه في مقابل اللامبالاة التي أصبحت سمة الإنسان الفائق هناك في المقابل تكوثر للحقوق التي يطالبون بها. "فقد ولجنا اللامبالاة المفرطة التي وصلت حد الاسترخاءdétente، والانفصال العاطفي désengagement émotionnel".12مثل هذه المظاهر والسلوكات المترتبة عن تفشي اللامبالاة وثقافة تحرير الذات من السرديات الكبرى ، وتفشي ثقافة  الاسترخاء الناجمة عن التملص من التفكير المسؤول في قضايا ومشكلات المجتمع من شأنه أن يخلق فردا نرجسيا يركز على ذاته فحسب. 

 كما أن مجتمعات الحداثة الفائقة وإن كانت تمنح مساحة للإنسان لممارسة حريته إلا أنها تبقى حرية في دائرة محددة مسبقة وهو ما عبر عنه هاربارت ماركوز بقوله: " إن الحرية المنظمة من قبل مجموع اضطهادي، يمكن أن تصبح أداة سيطرة قوية. فالحرية الإنسانية لا تقاس تبعا للاختيار المتاح للفرد".13

  أما تجاور الأضداد في تحليلية ليبوفيتسكي للعلاقة بين الاستهلاك والموضة والسعادة فتظهر من خلال أن المستهلك الفائق يتصور أن سعادته تكمن في إقباله على الاستهلاك وعبر ليبوفيتسكي عن ذلك في كتابه السعادة المتناقضة بقوله: " الوجود السعيد قد أصبح إلها، والاستهلاك معبده، والجسد كتابه المقدس"14، غير أن عدم قدرته على مواكبة سيرورتها، وتعاقب الموضة الذي لم تبق حكرا على اللباس فقط، " فبالرغم من أنه من الناحية التاريخية هناك علاقة وطيدة بين الموضة وتاريخ الزي، فقد تجسدت الموضة في فضاء المظهر حيث مثل على مر القرون التجلي الأكثر اتضاحا لمؤسسة الزائل، وبالرغم من ذلك فالموضة لن تبقى أسيرة ومحصورة في نطاق المظهر، بل تتأثر فيما بعد قطاعات أخرى بمسيرتها مثل: الأثاث، وقطع الديكور، واللغة، وطرق المعيشة، والأذواق والأفكار، إلى جانب تأثر الفنانين، والأعمال الأدبية بها. ومع ذلك ظل المظهر حتى القرن 19م و 20م المسرح الأكثر تجسيدا لقضية الموضة"15. وإن عدم قدرته على مسايرة تغيرات الموضة السريعة، وبالتالي إحساسه بانفلات السعادة منه يجعله يعيش حالة من الاغتراب والقلق والخيبة كما يسميها ليبوفيتسكي، إنه مجتمع الخيبة أيضا وليس مجتمع الفائق فحسب. وعن هذا يقول: " عالم التسوق عجز على القضاء على الحرمان، والنقص، وخيبة الأمل لدى أكبر عدد من الناس. إن كآبة الموجودات تتطور وتزداد كل يوم أكثر".16فالموضة التي هي في الظاهر فضاء لممارسة الحرية لا تبيعنا وهم السعادة فقط عبر الاستهلاك، بل تورثنا الخيبة أيضا، وتجعل وتخلق لنا ضحايا (ضحايا الموضة).

كما يظهر تجاور الأضداد فيها عبر التاريخ، وهذا ما يعبر عنه ليبوفيتسكي بقوله: "مع كونها ظاهرة اجتماعية ثائرة لم تفلت الموضة من الاستقرار والانتظامية في عمقها إذا نظرنا نظرة تاريخية طويلة المدى، فمن ناحية نجد التأرجح صعودا وهبوطا الذي أصاب الوقائع التاريخية للمظهر. ومن ناحية أخرى، استمرارية مدهشة عبر قرون عديدة مكونة تاريخا للموضة على الصعيد الأطول، وتحليل الموجات الكبيرة، والتشققات التي تربك مسيرة تقدمها".17فإن الثبات على الزي هو ميزة الموضة لقرون طويلة قبل أن تعرف جملة التغيرات السريعة في ظل ما سماه ليبوفيتسكي بإمبراطورية الزائل.

3-2تجاور الأضداد في السياق الأخلاقي:

       أما عن تجاور الأضداد الذي يظهر في الجانب الأخلاقي للمجتمعات المعاصرة فيظهر من حيث أنها كما يقول ليبوفيتسكي: " تستثمر في خطابين شبه متناقضين، الأول يدور محتواه حول إعادة إحياء الأخلاق من جديد، والثاني يتمثل في محاربة الانحلال الأخلاقي الذي ظهر في الفترة المعاصرة وبالخصوص انتشار المخدرات والجهل ، وتنامي الفقر، والفساد في الحياة السياسية، والاقتصادية... "18ففي الوقت الذي تتصاعد الدعوات لعودة الأخلاقي والمقدس، تشهد المجتمعات الغربية انحلالا أخلاقيا رهيبا وتحركات مختلفة لمواجهة السلوكات الأخلاقية المتطرفة. وهو ما عبر عنه يورغن هابرماس " بتعبير بليغ حيث يقول: " إننا نرتعد الآن في عراء عدمية تتزاوج فيها أكبر قدراتنا مع الفراغ الأكبر " 19. ومثل هذين التيارين يكشفان عن تجاور الأضداد في ثقافة مجتمعات الحداثة الفائقة. كما يكشفان عن النقد الأكسيولوجي الذي وجهه ليبوفيتسكي للحضارة الغربية المعاصرة.

       كما يتحدث أيضا جيل ليوبوفيتسكي عن مرحلة ما بعد الانضباطية postdisciplinaire والتي لا تعني حسبه غيابا كليا للأنظمة والرقابة،  فهو يرى بأنه في الوقت الذي تراجعت الالزامات الاجتماعية، وبشكل خاص الالزامات الدينية كالصوم، فإننا أصبحنا نلمح سلوكات فردانية مسؤولة مثل: مراقبة الوزن، والاستعلام عن الصحة، رياضة الجومباز). ولكن مجتمعنا نفسه الذي يهتم بالنحافة والحميات، يعاني أيضا من البدانة والوزن الزائد.20  فلقد حاول الإنسان الفائق استبدال الأوامر الدينية، بقوانين وضعية للحفاظ على الاعتدال والتوازن، فاتخذ الحمية الغذائية كبديل للصوم مثلا غير أنه قد ينتهي أحيانا إلى المنزلق الخطر فيجد نفسه يعاني من نحافة شديدة أو من بعض الأمراض نتيجة سوء البرامج الغذائية المتبعة، وإذا كان هذا حال المهووسين بالرشاقة الذين وقعوا في فخ التفريط، ففي المقابل نجد من يحيد عن التغذية السليمة ليقع في فخ الإفراط، وهؤلاء هم الذين يعانون من البدانة الشديدة التي قد تودي بحياتهم، أو على الأقل يعانون من زيادة في الوزن.

وإن رعب زيادة الوزن يتجاور مع منطق مضاد ففي عصر مقاومة الهرم والوزن الزائد قد انتقلنا من التمويه– العناية بالوجه – إلى الوقاية والعناية بالجسد، والقواعد الغذائية الإجبارية. هناك اهتمام بجمالية النحافة من خلال: قيمة الغذاء المتوازن، وصفات إنقاص الوزن، منتجات إنقاص الوزن، الحمية...الخ. فتقديس الجمال ووصفات النحافة لا ينفصلان21. إذن فالرشاقة علامة جمالية يتطلب الحفاظ عليها استهلاك كل ما من شأنه ضمان الجسد المشدود والرشيق.

كما نلمس التضاد  أيضا في مسألة النظافة والجسد ;حيث أن " تصاعد الاهتمام بالمواد المتعلقة بنظافة الجسد والجمال، والروائح الطيبة قد أصبحت تمثل رغبات شخصية، ولم تعد النظافة واجبات تجاه الذات، فاستهلاك مثل هذه المواد قد أصبح يعكس حب الذات، والوجود السعيد النرجسي...بل الهوس بالذات"22فالنظافة انتقلت من حيز الواجب بمعناه الكلاسيكي إلى دائرة الاستهلاك والمتعة، بحيث لم يعد الدافع للنظافة دينيا أو صحيا ...الخ كما في السابق، بل أبحت النظافة تعبير عن قيم الفردانية المعاصرة التي تُعلي من المتعة عبر دائرة الاستهلاك (الحمامات الفاخرة، العطور، صابون الاستحمام...إلخ) .

    ومن الظواهر التي حللها جيل ليبوفيتسكي أيضا وكشف من خلالها عن تجاور الأضداد نجد فكرة الموت الرحيم   L’euthanasie، حيث أن الفرد من جهة يكون له الحق في تقرير مصيره، ومن جهة أخرى فالتنديدات الأخلاقية حول تطبيقه كثيرة.

  وإن جيل ليبوفيتسكي يفسر ظاهرة الموت الرحيم من خلال ربطها بموضة تكوثر الحقوق (الحق في الموت الرحيم، الحق في اللامعاناة، الحق في تسريع الموت)، حيث انتشر الخوف من الألم الجسدي والمعاناة الجسدية، فأصبح بناءا على ذلك ينظر للألم الشديد على أنه لا إنساني، ولهذا فالواجب لم يعد يعني العيش مع قبول الألم، بل أصبح الواجب هو واجب الطبيب في التخفيف من معاناة واحترام إرادة المريض، التي من شأنها الكشف عن الفرد الأمير " احترام الفرد واختياره لنهاية سامية.32"  فما حصل هو تغليب المطالبة بالحق على أداء الواجب، حتى ماتت الواجبات، وتحولت المطالبة المستمرة بالحقوق، إلى إحقاق الحق في الحظوظ الهيدونية التي تستجيب إلى مجرد الشهوة.24إذن فتكوثر المطالبة بالحقوق أدى إلى تراجع القيام بالواجبات بحيث صار هناك نكوص رهيب وتقاعس من ناحية تأديتها، وانتشار الايديولوجيا الهيدونية التي تعلي من سلطة الشهوة على حساب العقل، أي تصبح هناك ولاية لسلطة الايروس على اللوغوس، فتنمو ثقافة المتعة والبحث عن الرضى عند الإنسان الفائق الهيودوني.

         أما عن الانتقال من إيديولوجيا الواجب القطعي إلى ثقافة السعادة المتعية في المجتمعات المعاصرة فهي لا تعني الإعلاء من قيم الرفاهية وانتشار الفوضى، ولكن ما حدث أن ايديولوجيا الواجب المؤلم لم تعد موجودة؛ ولكن العادات لم تصل للفوضى l’Anarchie، ذلك أن الفردانية الجديدة le néo-individualismeتجمع بين منطقين: النظام واللانظام، فهي لا تميل إلى الفوضى ولا تقبل في الوقت نفسه بما هو متعال.25

3-3تجاور الأضداد في سياق التحليل النسوي:

أما عن مظاهر تجاور الأضداد في تحليلية جيل ليبوفيتسكي للمرأة فتظهر من حيث أن تحرير المرأة الأولى كما يسميها ليبوفيتسكي والتي كانت موجودة في المجتمعات البدائية وينظر لها على أنها سلاح الشيطان، وأن وظيفتها تقتصر على مجرد الإنجاب أي إنسانيتها تكمن في خصوبتها فقط، وإلا فإنها تفقد هذه الصفة أيضا. كما أن تحرير المرأة الثانية -والتي تتمتع بحب الرجل- من سجن الحب التضحوي، وبروز المرأة الثالثة التي تتمتع بالاستقلالية ، إلا أن عودة الأنثوي للمطالبة بالجانب العاطفي وإن كان يتماشى مع قيم الفردانية الجديدة يكشف لنا عن تجاور الأضداد. فالثورة النسوية لا تعني انفصالها الكلي عن الذكر.فدخول الحب لدائرة الاستهلاك المفرط قد دفع بالنسوة من جديد للتنديد بالتحرش الجنسي، والإباحية التي يغيب فيها الجانب العاطفي، وتنقص من شأن المرأة، والتي تكون بمثابة دافع لممارسة العنف والاغتصاب، وتكريس للهيمنة الذكورية. وكل هذا كناية عن استمرارية تقديس الحب كطفرة في القيم الحداثية التي بقيت مخلصة للمنطق التقليدي، ولكنه اعتراف بالذات وليس ذوبانا في الآخر، وقد عبر عن ذلك ليبوفيتسكي بقوله: " إن الارتباط العاطفي يقدم فضيلة أثمن من غيرها تتمثل في إثراء الحياة بفضاء رحب من المعاني حرمت منه مجتمعاتنا الخائبة "26

فلم يعد الحب والتضحية من أجل الآخر فقط جوهر هوية المرأة الثالثة التي تلت المرأة الوبيلة في المجتمعات البدائية، والمرأة ربة المنزل في العصر الحديث. إن هذه المرأة الجديدة لا تعيش من أجل إسعاد الآخرين، فهي لا تتحدد من خلال الغيرية، فهي تبحث عن الاستقلالية وخصوصا عن الرجل، وتطالب بالندية معه في جميع الميادين. إلا أن المرأة بسر أنوثتها الخالد لا تزال تفضل الدور السلبي في الغواية لأنه يجعلها محل التماس، ومكرمة، وهنا لم يعد الدور السلبي جمودا على القيم التقليدية بل رغبة نسائية، يتفق مع تطلعاتها الفردانية.27فجانب الأنوثة في المرأة وإن كانت متحررة يبقى سرا خالدا لا يمكن أن تزعزعه قيم المتعة والهزل في المجتمعات الفائقة الحداثة. كما أن سر الأنوثة الخالد يبقى مجاورا لرغبة المرأة في الاستقلالية وإثبات الذات.

كما نلمسه أيضا في التنديد بالتحرر الجنسي من جهة، ومن جهة أخرى ظهور شعار لا للجنس لدى مجموعة من النسوة. فرفض الجنس يقدم أحيانا على أنه أخلاق جديدة تترجم مظهرا من مظاهر ثقافة ما بعد الواجب التي لا تكرس للحماية من مرض السيدا، ولكن فكرة الرغبة في أن تكون مرغوبا فيه، وأن لا تكون تابعا للآخر، فهي دفاع وعبادة للنرجسية. فهذه العفة الجديدة Nouvelle Chastetéليس لها طابع فضائلي، فهي ليست واجبا ضروريا تحركه فكرة الاحترام في حد ذاته للشخص الإنساني، بل تنظيم ذاتي Autorégulationيقوده دين الذات LA Religion de l’ego.28بمعنى أن تجاور المناداة بالتحرر الجنسي، والدعوة في نفس الوقت للتنديد به في صفوف النسوة، يعكس لنا الحاجة الملحة للمرأة في الرغبة الذاتية في احترامها ككيان إنساني، وفي رفضها للتسليع، والنظر لجسدها كشيء عابر في مملكة الزوال سرعان ما يصبح في طي النسيان بعد استخدامه. فبالرغم من رغبة الأنثوي في التحرر والاستقلالية إلى أن نرجسيتها تدفعها للبحث عن مزيج من الاستقلالية وإثبات الذات، وكذا الحفاظ على الجانب العاطفي والعشقي الذي لم يعد مفروضا عليها بل تختاره بمحض إرادتها بما يتوافق مع مبادئ الفردانية.

فبالرغم من التحرر الجنسي إلا أن الإيروس كما يرى ليبوفيتسكي لا يعني أنه قد أصبح مباحا تماما، فمازال هناك رفض اجتماعي لبعض الممارسات الجنسية: زنا المحارم، اممارسة الجنس مع الحيوانات وغيرها.29

كما أنه من مظاهر تجاور الأضداد هو أنه بالرغم من الاعتراف بحق المرأة في العمل خارج المنزل، إلا أن التحريات تكشف لنا بأن النساء هن من يتحملن الجزء الأكبر من مسؤولية تربية الأطفال والوظائف المنزلية، وحتى إن ساعد الرجال النسوة في ذلك إلى أن الأعمال المنزلية تستمر في الانتساب إلى النساء أكثر.30فالأمومة لا تزال تشكل أولوية عند المرأة، في حين أن العمل يبقى أولوية الرجل، فالمرأة لا تزال تفتقر للفصل بين الحياة المهنية والعائلية، وهذا ما يعني أن التمايز بين الجنسين لا يزال مستمرا.

بالإضافة إلى استمرارية سيناريو التوزيع غير المتكافئ للمهن والرواتب بين المرأة والرجل مثل: وظائف الجيش، والشرطة، والنقل، والتقنيات التي لم تفتح إلا هامشيا أمام النساء. وهو ما يعني أن التراتب بين الجنسين لم يختف تماما.31 فمثل هذه المظاهر تكشف لنا عن تناقضات الحداثة الفائقة من خلال معالجة وتحليل ليبوفيتسكي لموضوع المرأة، وتحديدا لجانب العمل النسوي إذ أنه في الوقت الذي تظن المرأة بأن الحداثة الفائقة أن سلسلة الثورات التي خاضتها قد كسرت السقف الزجاجي الذي لا طالما أعاق صعودها مقارنة بالرجل، إلا أن منطقا مضادا لوعود قيم الفردانية الجديدة لا يزال متجذرا في المجتمعات الفائقة إذ أن الدور التقليدي للمرأة لم تتخلص منه كليا، فلا تزال نظرة الأمومة لصيقة بها، وإن كانت حدتها أقل مما كانت عليه في السابق، فالرجل لا يزال يضطلع بالدور الذكوري ولكن بحدة أقل أيضا.

وعموما فإن هذه هي أبرز صور التضاد التي يمكن أن نجدها في ظل الحداثة الفائقة، والتي تتعايش في انسجام دون أن تكون مسوغا للتنازع أو الصراع، كما أن التجاور كما رأينا يبقى بنية جوهرية في المجتمعات الغربية، وهو مخرج لكل النزاعات التي كان من الممكن أن تقوم بسبب التعدد والاختلاف فيها.

النتائج المتوصل لها:

على ضوء ما سبق يمكن أن نجمل النتائج التي انتهينا لها في النقاط التالية:

  • أن الحداثة الفائقة حسب ليبوفيتسكي استمرارية لمرحلة الحداثة، غير أنها تتميز عنها بانتشار التضخم على جميع الأصعدة؛ وبالتالي فموت الحداثة أسطورة، وأن الحقيقة تتمثل في التطورات التي طالتها؛ وطالت ثقافة المجتمعات المعاصرة.  
  • أنها وليدة المرحلة الثالثة من الاستهلاك والتي انتقلت فيها الرأسمالية من الصرامة التقليدية إلى الاستهلاكية المتعية، التي تمجد ثقافة المتعة وتلبية الرغبات عبر بوابة الاستهلاك؛ وتعلي من أناشيد السعادة، والوجود السعيد بعيدا عن صرامة الواجبات التقليدية مهما كان مصدرها: متعاليا أو عقلانيا.
  • أن الإنسان الفائق هو إنسان هيودوني بامتياز، إذ أن سلطة الايروس فيه تتغلب على سلطة اللوغوس. وبالتالي فهو إنسان شهواني متعي شبقي؛ تحركه قوة الغريزة لا سلطة العقل.
  • أن تجاور الأضداد ليست ظاهرة عرضية في المجتمعات الغربية الفائقة الحداثة، ولكنها تدخل في صميم تركيبها، وهو ما يعني بأنه لا يمكن قيامها بدون وجود التعدد والاختلاف في تجاور وانسجام. وأن براديغم الحضارة الغربية الذي أُستبعد الله فيه عن مركز الكون؛ ونصب محله الإنسان كإله جديد جعل من التضاد أمرا لازما ذلك أن العقل البشري لا يمكنه تفادي مثل هذه التناقضات، لأنه مصدر أفقي وليس مصدرا عموديا.
  • أن التجاور مخرج للصراعات التي كان يمكن أن تحصل بسبب الاختلاف في المجتمعات الفائقة، غير أن وجود منطقين مختلفين ومتناقضين متعايشان فيها كان حسب ليبوفيتسكي حلا لتفادي الصراع من جهة، ومن جهة أخرى الحفاظ على الاختلاف والتعدد الذي يعكس الحرية والديمقراطية، علما أن كل من هاتين القيمتين يثمن ليبوفيسكي وجودهما في مجتمعات الحداثة الفائقة، ويرى بأنهما من الايجابيات التي أبرزها الفائق، والتي تدل على أن الأخلاق لم تختف كليا من المجتمعات المعاصرة الفائقة الحداثة
  • أن مظاهر الأضداد متعددة، وكما عودنا ليبوفيتسكي من خلال كتاباته فهو لم يركز على رصد صور التجاور من خلال الموضوعات الكبرى أو الإشكاليات الرئيسية فحسب بل توجه إلى الموضوعات الجزئية كالموضة والمرأة وقام بتحليلها والكشف عما تحمله من أضداد متعايشة في توافق.
  • أن قبول العيش في ظل التناقضات حقيقة لا مفر منها، ذلك أن كل محاولة لتجاوز أو القضاء عليها يعني تغيير في البراديغم الذي تقوم عليه الحضارة الغربية المعاصرة، وهو ما من شأنه الإخلال بأسسها وقواعدها

*جيل ليبوفيتسكي Gilles Lipovetsky: فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي، ولد سنة 1944م، يشتغل كأستاذ فلسفة بجامعة غرونوبل. له العديد من المؤلفات، أهمها: عصر الفراغ، أفول الواجب، السعادة المتناقضة، شاشة العالم، المرأة الثالثة وغيرها. 

* * يورغن هابرماس Jurgen Habermas: 1929 -... فيلسوف وعالم اجتماع ألماني معاصر، يعتبر من أهم علماء الاجتماع والسياسة في عالمنا المعاصر، وهو من أهم منظري مدرسة فرانكفورت حاليا.من أهم مؤلفاته: القول الفلسفي للحداثة.

 1 يورغن هابرماس: القول الفلسفي للحداثة، ترجمة: فاطمة الجيوشي، منشورات وزارة الثقافة،سوريا- دمشق، 1995، ص5.

* * * فرانسوا ليوتار F.Lyotard: 1924- 1998 فيلسوف وفقيه اللغة، كاتب وعالم لسانيات، واجتماعي ومنظر أدبي فرنسي، وأول من أدخل مصطلح ما بعد الحداثة في الفلسفة والعلوم الاجتماعية في أواخر القرن 20م. من أهم مؤلفاته: الوضع ما بعد حداثي.

2جيل ليبوفيتسكي وجان سيرو: شاشة العالم: ثقافة- وسائل إعلام وسينما في عصر الحداثة الفائقة، ترجمة: راوية صادق، ط1، المركز القومي للترجمة، القاهرة- مصر،  2012، ص 52.

3المصدر نفسه، ص ص ( 26، 167).

  4Gilles Lipovetsky : De la quête du plaisir : Hédonisme et bonheur dans la société , plaisir- plaisirs, Besançon , 2007 , p 21.

5جيل ليبوفيتسكي وجان سيرو: شاشة العالم، مصدر سابق، ص 188.

6Gilles Lipovetsky : De la quête du plaisir : Hédonisme et bonheur dans la société, ibidem , p 22, 23.

7جان بودريار: المجتمع الاستهلاكي: دراسة في أساطير النظام الاستهلاكي وتراكيبه، ترجمة: خليل أحمد خليل، ط1، دار الفكر اللبناني، د.س.ن، ص ص ( 94، 95 ).

8Gilles Lipovetsky : le bonheur paradoxal :essai sur la société  d’hyperconsommation, édition Gallimard, 2006 , p p (83, 116 , 117 ).

9  أندريه لالاند: موسوعة الفلسفية: A-G، ج1، ترجمة: خليل أحمد خليل، ط2، منشورات عويدات، بيروت- باريس، 2001، ص 222.

10Gilles Lipovetsky et sebastein charles :Les Temps hypermodernes. Edition  Grasset et Fasquelle , 2004, p 21.

11جيل ليبوفيتسكي وجان سيرو: شاشة العالم، مصدر سابق، ص 167.

12ibidem, p p   49-54. 

13 هاربرت ماركوز: الإنسان ذو البعد الواحد، ترجمة: جورج طرابيشي، ط3،دار الآداب، بيروت، 1988، ص 43.

14 Gilles Lipovetsky : le bonheur paradoxal :essai sur la société  d’hyperconsommation, édition Gallimard, 2006 , p 171.

15جيل ليبوفيتسكي: مملكة الموضة: زوال متجدد: الموضة ومصيرها في المجتمعات الغربية، ترجمة: دينا مندور، ط1، المركز القومي للترجمة، القاهرة – مصر، 2017، ص 24.

16Gilles Lipovetsky : Gilles Lipovetsky : le bonheur paradoxal,Ibidem , p 176.

17جيل ليبوفيتسكي: مملكة الموضة، مصدر سابق، ص 25

18Gilles Lipovetsky : le crépuscule du devoir : L’Ethique indolore ses nouveaux temps démocratique, Edition Gallimard, 1992, p12.

19جاكلين روس: الفكر الأخلاقي المعاصر، ترجمة: عادل العوا، ط1، عويدات للنشر والطباعة، بيروت – لبنان، 2001، ص 14.

20  Gilles Lipovetsky et sebastein charles :Les Temps hypermodernes. Ibidem , p 21.

21جيل ليبوفيتسكي: المرأة الثالثة، مصدر سابق، ص 133.

22Gilles Lipovetsky : le crépuscule du devoir, ibidem, p 129. 

23  ibidem , p p  115 -117.

24نورة بوحناش: الاجتهاد وجدل الحداثة،  ط1،كلمة للنشر والتوزيع، تونس، 2016، ص 259.

25 Gilles Lipovetsky : le crépuscule du devoir, ibidem, pp 63 , 64.

26جيل ليبوفيتسكي: المرأة الثالثة: ديمومة الأنثوي وثورته، ترجمة: دينا مندور، ط1، المركز القومي للترجمة، القاهرة- مصر، 2012، ص51.

27المصدر نفسه،  ص 68 .

28Gilles Lipovetsky : le crépuscule du devoir, ibidem , p p 91, 93.

29ibidem , p 77.

30Gilles Lipovetsky et elyette roux : le luxe éternel, : de l’âge du sacré au temps des marques, éditions gallimard , 2003 , p p (93 , 94 ).

31جيل ليبوفيتسكي: المرأة الثالثة، مصدر سابق، ص  ( 240، 241 ).

Pour citer ce document

آسيا عقوني, «تجاور الأضداد في عصر الحداثة الفائقة: رؤية جيل ليبوفيتسكي Contiguousness of Opposites in the Era of Super-culture: Gilles’ Lipovetsky View»

[En ligne] مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales العدد 26- مجلد 15-2018N°26 Vol 15- 2018
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2018-05-13,
mis a jour le : 14/05/2018,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=2804.