الفلسفة الايكولوجية عند هانز يوناس "نحو أخلاق جديدة لمستقبل الطبيعة والإنسانية"Hans Jonas’ Environmental Philosophy: Towards New Ethics for the Future of Human Nature
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

28

N°26 Vol 15- 2018

الفلسفة الايكولوجية عند هانز يوناس "نحو أخلاق جديدة لمستقبل الطبيعة والإنسانية"

Hans Jonas’ Environmental Philosophy: Towards New Ethics for the Future of Human Nature
pp 91-102

محمد بن سباع
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

    تنتقد الفلسفة الايكولوجية عند هانز يوناس الفلسفات التقليدية لأنها كَرَّسَت فكرة "المركزية البشرية" من خلال تمييزها بين الإنسان والطبيعة وأعطته حق السيطرة عليها.كما تنتقد الفعل الإنساني المعاصر الذي زاد تدخله في الطبيعة مُستَعِينًا في ذلك بالتقدم العلمي والتكنولوجي. أمام هذا الوضع الايكولوجي الخطير أراد هانز يوناس أن يُؤَسِّسَ لأخلاق جديدة تحمي حاضر ومستقبل الطبيعة والإنسانية من أفعال الإنسان مُؤَكِّدًا على أن الطبيعة ترتبط بالقيمة وتسعى للحفاظ على وجودها مثل الإنسان الذي يجب عليه أن يَتَحَمَّلَ مسؤوليته اتجاهها لأنه هو من أَلحَقَ الضرر بها، وهذا ما تدعوا إليه "أخلاق المسؤولية" التي تتطلع نحو مستقبل أفضل للطبيعة والإنسانية معا.

الكلمات المفتاحية:الفلسفة الايكولوجية، المركزية البشرية، الطبيعة،التكنولوجيا، أخلاق المسؤولية.

   La philosophie écologique de Hans Jonas critique les philosophies traditionnelles car elle consacre l'idée de «centralité humaine» en distinguant l'homme et la nature et en lui donnant le droit de la contrôler et critique l'action humaine contemporaine qui a accru son implication dans la nature en utilisant le progrès scientifique et technologique.Face à cette situation écologique dangereuse, Hans Jonas voulait instaurer une nouvelle éthique protégeant le présent et le futur de la nature et de l'humanité contre les actions humaines, soulignant que la nature est liée à la valeur et cherche à maintenir son existence en tant qu'être humain. "Ethique de la responsabilité" qui cherche un meilleur avenir pour la nature et l'humanité.

Mots-clés:philosophie écologique, centralité humaine, nature, technologie, éthique de la responsabilité.

The ecological philosophy of Hans Jonas criticizes the traditional philosophies for being devoted to the idea of ​​'anthropocentric' through the discrimination between man and nature, and to give him the right to control it. It also criticizes the contemporary human act which its intervention has increased in nature, relying on the scientific and technological progress. Faced with this serious ecological situation, Hans Jonas wanted to establish a new ethics to protect the present and the future of nature and humanity from human acts, stressing that the nature is associated with value and seeks to maintain its existence like man, who must bear responsibility toward it because it is he who hurt it and this is what 'the ethics of responsibility' is calling for and which is looking for a better future to nature and humanity to gather.

Key words:philosophy ecological, anthropocentric, nature, technology, ethics responsibility

Quelques mots à propos de :  محمد بن سباع

جامعة قسنطينة 2 

مقدمة:               

 تعتبر الفلسفة الايكولوجية عند هانز يوناس1أنموذجا مُتَمَيِّزًا من الفلسفات الغربية الراهنة التي تنتقد المركزيات التقليدية وتعمل على ربط جسور التواصل مع الآخر الـمُختَلِف، فهي تنتقد فكرة "المركزية البشرية" التي تَعتَبِرُ الإنسان سَيِّدًا على الطبيعة وتحاول بالتالي إعادة التأسيس لعلاقة الإنسان بها، فما دام الإنسان قد عاث فسادا في الطبيعة لابد عليه وحده أن يعمل على تصحيح هذا الخطأ، لذا تدعونا الفلسفة الايكولوجية عند هانز يوناس إلى ضرورة الإسراع في الحد من استغلال الإنسان للطبيعة والعمل نحو المحافظة عليها من خلال "أخلاق المسؤولية".

إن "أخلاق المسؤولية" عند يوناس هي قراءة نقدية جديدة ليس للأخلاق التقليدية فقط -التي توصف بأنها أخلاق في خدمة الإنسان و مصالحه- و إنما كذلك للتكنولوجيا المعاصرة التي تسعى إلى خدمة مصالح الإنسان على حساب الطبيعة، لذلك فإن هذا العقل التكنولوجي أصبح اليوم أكثر من أي وقت مضى في حاجة إلى تهذيب أخلاقي وهي المهمة التي تعمل "أخلاق المسؤولية" عند يوناس على انجازها، ومنه مبرر تسميتنا لهذه المقاربة بــــــــ"الفلسفة الايكولوجية عند هانز يوناس..نحو أخلاق جديدة لمستقبل الطبيعة والإنسانية" محاولين الإجابة عن الأسئلة التالية:كيف تعاملت الفلسفة الايكولوجية عند هانز يوناس مع موقف الفلسفة التقليدية من علاقة الإنسان بالطبيعة؟ وما موقفها من تدخل التكنولوجيا في الطبيعة؟ وكيف تدعوا "أخلاق المسؤولية" إلى الدفاع عن حقوق الطبيعة والأجيال القادمة؟

أولا: نقد يوناس لموقف الفلسفات التقليدية والمعاصرة من علاقة الإنسان بالطبيعة

تؤكد الفلسفة الايكولوجية الراهنة على أن الإنسان هو الـمُتَسَبِّبُ الوحيد في المشكلات البيئية؛ وذلك راجع إلى فكرة "المركزية البشرية" التي تُعلِي من قيمة الإنسان وتَحُطُّ من قيمة الطبيعة، فأعطت هذه الفكرة للإنسان صفة تَمَيُّزِهِ عن الطبيعة وحَقَّ استغلالها وهذا ما ألحق الكثير من الأضرار بالطبيعة وكائناتها، خصوصا النبات والحيوان، لذا فإننا نجد أغلب الفلاسفة والعلماء المعاصرين يُنَدِّدُونَ بخطورة الوضع مُؤَكِّدِينَ على أنه: "يجب على المجتمع الإنساني لكي يكون قابلا للحياة أن ينتقل على صعيد الحقيقة والقيمة من معياره الحالي المتمركز بشريا إلى معيار "متمركز حيويا""2. إن فكرة "المركزية البشرية" التي تدعوا إلى سيطرة الإنسان على الطبيعة وسيادته عليها ترجع إلى الكثير من المواقف الفلسفية التقليدية التي استخدمت بعض الثنائيات حاولت من خلالها التمييز بين الإنسان والطبيعة؛ مثل "الفكر والواقع"، "الأنا والآخر"، "الروح والمادة" وغيرها، وهي الثنائيات التي نجدها خصوصا عند بعض فلاسفة العصر الحديث.

ما يُعرَفُ عن موقف فرنسيس بيكون Francis Bacon(1561-1626) هو تأكيده على أن العلم هو محاولة فهم الإنسان للطبيعة من أجل استغلالها والسيطرة عليها، وهذا ما يُفهَمُ من قوله: "الإنسان هو الموَكَّلُ بالطبيعة والـمُفَسِّرُ لها. وهو بهذه الصفة لا يملك أن يفعل أو يفهم، إلا بالقدر الذي تتيحه له ملاحظته التي قام بها لنظام الطبيعة، سواء كان ذلك في الواقع أو في الفكر"3. وقد أدى هذا الموقف إلى اعتبار المعرفة وسيلة في سبيل تحقيق منفعة الإنسان وسعادته حتى ولو كان ذلك بإلحاق الأذى بالطبيعة وهي الفكرة التي أَثَّرَت في فلسفات العصر الحديث والفلسفة المعاصرة على حد السواء. أما بالنسبة إلى ديكارت Descartes (1596-1650)، فمعروف عنه ذلك التمييز الذي أقامه بين عالم الذات وعالم الطبيعة، مُؤَكِّدًا على أن المعرفة الحقيقية مكانها النفس الإنسانية وذلك عندما قال: "توجد في ذاتي لانهائية من الأفكار حول كل الأشياء، مع أنها ليس لها وجود خارج أفكاري"4. لقد نظر ديكارت نظرة سلبية إلى كل ما هو حسي، فأعطى الأولوية للأنا على كل الموضوعات الموجودة خارج الفكر وتحديدا الطبيعة وكائناتها، فالطبيعة حسب ديكارت أقل شَأنًا من الإنسان الذي هو أعلى منها قيمة، وبالتالي يمكنه التَّحَكُّمُ فيها وذلك بواسطة العلم ومعرفة قوانينها. وهنا يتجلى لنا القاسم المشترك بين ديكارت وبيكون؛ والمتمثل في تأكيدهما على أفضلية الإنسان على الطبيعة مع ضرورة استغلاله لها وسيطرته عليها، وذلك بواسطة العلم.

    ينتقد يوناس الفلسفات التقليدية التي تدعوا إلى السيطرة على الطبيعة خصوصا فلسفتي بيكون وديكارت؛ لأنها دعوة ترتب عنها الكثير من النتائج السلبية أخطرها اغتراب الإنسان عن محيطه الطبيعي وحتى عن ذاته، لذلك فقد رفض يوناس الثنائية الديكارتية، ليس فقط من ناحية أن مبادئها غير أخلاقية، بل إنه فَنَّدَ البنية الفلسفية لهذه الثنائية ودحضها ووَضَّحَ قصورها وعجزها عن تفسير ظاهرة الحياة التي تتخلل كل الحياة5. إن ما عجزت فلسفة ديكارت وقبله بيكون عن إدراكه هو العلاقة الأنطولوجية الايتيقية القائمة بين الإنسان والطبيعة، فالتمييز المطلق الذي أقامه ديكارت بين الفكر والواقع تَسَبَّبَ في إحداث فجوة بين الإنسان ومحيطه الحيوي، فلم تعد الطبيعة إذن موضوع سلوك أخلاقي بالنسبة له وإنما هي فقط منفعة ومصلحة خاصة له، وهذا ما جعل يوناس يُشَخِّصُ هذا الوضع الأخلاقي الذي أصبحت تعيشه علاقة الإنسان بالطبيعة قائلا: "إن مستقبل الإنسانية هو الالتزام الأول للسلوك الجمعي الإنساني في عصر الحضارة التقنية. وبكل تأكيد فإن مستقبل الطبيعة لا يجب أن يُفهًمَ على أنه منفصل عنا، إنها مسؤولية ميتافيزيقة تُؤَدَّى لأجل ذاتها. إنالإنسان أصبح يشكل خطرا ليس على ذاته فقط، لكنه يشكل خطرا على محيطه الحيوي"6. ولإن كان يوناس قد اعترض كثيرا على بيكون وديكارت خصوصا حول مسألة نظرتهما السلبية إلى الطبيعة ودعوتهما إلى استغلالها، فإن النقد الذي وجهه إلى "أخلاق الواجب" عند كانط Emmanuèle Kant(1804-1724) كان أكبر من ذلك مُعتَبِرًا إِيَّاها الـمُتَسَبِّبَ الرئيس في إبعاد الطبيعة عن دائرة الأخلاق.

      توصف الأخلاق الكانطية بأنها أخلاق إنسانية لأنها تَعتَبِرُ الإنسان غاية في حد ذاته، ومنه قول كانط: "إن مُحافَظَةَ الإنسان على حياته واجب، وهي بالإضافة إلى هذا أمر يَشعُرُ كل واحد منا نحوه بِمَيلٍ مباشر"7. وأيضا قوله عن الفعل الإنساني: "إن الفعل الذي يَتِمُّ عن إحساس بالواجب لا يَستمِدُّ قيمته الأخلاقية من الهدف الذي يُرجَى بلوغه من وراءه، بل من الـمُسَلَّمَة التي تَقَرَّرَ القيام به وِفقًا لها، فهي إذن لا تتوقف على واقعية موضوع الفعل بل تعتمد فحسب على مبدأ الإرادة الذي حَدَثَ الفعل بمقتضاه بصرف النظر عن كل موضوعات الاشتهاء"8. هكذا، تتأسس قيمة الفعل الخلقي الإنساني عند كانط على المبدأ العقلي الذي يقوم عليه ذلك الفعل وليس من الغايات أو الأهداف التي يمكن للإنسان أن يحققها من وراء ذلك الفعل، حيث درس كانط الأخلاق في إطار عقلاني خالص لا يتجاوز حدود الأفعال والعلاقات الإنسانية في الزمن الحاضر، وهذا ما جعل الأخلاق الكانطية تندرج في إطار الفلسفات التي تُعطِي الإنسان حق التميز عن الطبيعة وعن غيره من الكائنات الأخرى، بل حتى احتقارها واستغلالها لتحقيق مصالحه وهذا ما يفهم من قول كانط: "العصافير مُزعِجَة، الحيوانات مُتَوَحِّشَة، الأسماك تستولي على المياه، أما الإنسان فيتميز بالفكر الماهر والحذق، لأنه هو السيد".9

    بناء على ما ذكرناه، يكمن الخطأ الذي وقعت فيها "أخلاق الواجب" عند كانط في أنها أَسَّسَت الفعل الأخلاقي على مبدأ عقلي مطلق و فصلته بالتالي عن الغايات والأهداف التي ينبغي على الفعل أن يُحَقِّقَها، و هي الأهداف التي تُعَبِّرُ عن علاقة الإنسان بمحيطه وغيره من الكائنات الأخرى، وهو الخطأ الذي حاولت الفلسفة الايكولوجية عند هانز يوناس أن تُبَيِّنَهُ لنا من خلال تأكيدها على أن "أخلاق الواجب" قد أَفِلَت و لم تعد قادرة على أن تكون أنموذجا أخلاقيا لأفعال الإنسان المعاصر، خصوصا في ظل عصر التقنية والضرر الكبير الذي ألحقه الفعل الإنساني بالطبيعة والكائنات الأخرى، لأن أخلاق الواجب والفلسفات التقليدية بصفة عامة توصف بأنها "متمركزة حول الإنسان" وتدعوا إلى تهميش الطبيعة، وهذا ما يؤكده هانز يوناس قائلا: "إن كل الأوامر وكل المبادئ التي تقوم عليها الأخلاق التقليدية مهما كان الفرق بين محتواها، فإنها تجعل مصير الطبيعة مرتبط دائما بالفعل الإنساني"10، فهي لم تعد تستوعب العلاقة بين مبادئ الأفعال الإنسانية وما يترتب عنها من نتائج. وإذا أردنا أن نجري مقارنة بسيطة بين أخلاق الواجب الكانطية والأخلاق الجديدة التي يدعوا إليها يوناس قلنا: "فعلا هي مسافة نظرية كبيرة تفصل بين ميتافيزيقا الواجب المتعالي اللاتاريخي وميتافيزيقا الوجود في زواله وحدثيته وقابليته للاندثار والفساد: تلك الفاصلة بين ميتافيزيقا عقل الأنوار وأنطولوجيا فينومينولوجيا المسؤولية"11.

      لا نُنكِرُ أن كانط ربط بعضا من حديثه عن الأخلاق بمراعاة الحيوانات والالتزام بواجب الدفاع عنها، لكنه رأى أنه في مراعاةِ الحيوان مراعاةً للإنسان ذاته؛ لأن الإنسان إذا لم يُؤذِ الحيوانات فإنه بالضرورة لن يؤذي الإنسان، لذلك: "من المألوف القول إن الخُلُقِيَّة تفرض قيودا على كيفية معاملة الحيوانات إذ يجب ألا نركل الكلاب ونضرم النار في أذيال القطط ونعذب القوارض أو البباغوات. من الناحية الفلسفية ليست القضية إلى حد بعيد هي إن كانت هذه الأفعال خاطئة، بل لماذا هي خاطئة؟ إن الجواب لدي كثير من الفلاسفة بمن فيهم ايمانويل كانط، يتمثل في أن الناس الذين يعاملون الحيوانات بهذه الأساليب تنشأ لديهم عادة تميل بهم مع الزمن إلى معاملة البشر على نحو مشابه"12. وهذا ما يثبت أن الأخلاق الكانطية أخلاق تتمحور حول الإنسان فقط، وتُكَرِّسُ بالتالي فكرة "المركزية البشرية" دون الاهتمام بالطبيعة والكائنات الأخرى خصوصا الحيوان والنبات. كما يؤكد لنا هانز يوناس مُجَدَّدًا موقفه المنتقد لكانط في كونه يربط الأخلاق بحاضر الإنسان دون الاهتمام بمستقبل العلاقة بينه وبين الطبيعة أو حتى بين الإنسان والأجيال المستقبلية، وذلك عندما قال مُعَقِّبًا على الأوامر الكانطية: "أَحِبَّ صديقك كأنه أنت ذاتك"،"عامل الآخرين كما تُحِبُّ أن يعاملوك"،"لا تعامل صديقك أبدا على أنه وسيلة، ولكن دائما على أنه غاية في حد ذاته" وهكذا. إننا نلاحظ أنه في كل هذه المبادئ الفاعل والآخر يشتركان في حاضر واحد"13لذلك، فإن نقطة الاختلاف الرئيسة بين يوناس وكانط هو أن الأخلاق التي يدعوا إليها يوناس هي أخلاق مستقبل أما ميزة الأخلاق عند كانط فهي أنها أخلاق حاضر. ولكن هل يمكن القول بأن كل هذا التعارض القائم بين أخلاق المسؤولية وأخلاق الواجب ينفي أي تأثر ليوناس بكانط؟

     لقد تبين لنا من خلال الاهتمام الكبير الذي أولاه يوناس لكتاب "أسس ميتافيزيقا الأخلاق" لكانط تأثر يوناس بدعوة كانط إلى الاهتمام بالأخلاق،و منه توجه يوناس إلى الاعتماد على الأخلاق في تحسين علاقة الإنسان ببيئته، إضافة إلى أمر آخر لا يقل أهمية وهو تأكيد يوناس مثلما أكد كانط على ذلك من قبل وهو ضرورة تأسيس الأخلاق على مبدأ كوني أسمته الأخلاق الكانطية بــــ"الواجب الخلقي" بما هو أوامر يجب تنفيذها في الحاضر، ورأت فيه أخلاق يوناس "مسؤولية" اتجاه الطبيعة والإنسانية في المستقبل.

تتسع دائرة انتقاد يوناس للمواقف التي أسهمت في تكريس فكرة "المركزية البشرية"، وبالتالي في إلحاق الضرر بالطبيعة وكائناتها، والتي من بينها الخطاب الليبرالي الذي تَسَبَّبَ في الأزمة الايكولوجية المعاصرة من خلال منحه الإنسان حق استغلال الطبيعة، فالخطاب الليبرالي يُعطِي الحرية المطلقة للإنسان في القيام بأي فعل يقدر عليه اتجاه الآخر بشرط عدم أذيته، بما في ذلك  الفعل الذي يكون مُوَجَّهًا نحو الطبيعة وكل الكائنات الأخرى، لكن النقد الذي يُوَجَّهُ إلى مبدأ الحرية التي يدعوا إليه الخطاب الليبرالي هو أنه: "يميل إلى إزاحة عِبءِ الإثبات وإلقائه على عاتق الآخرين، والجدير بالذكر أن أذية الآخرين على وجه الحصر هي أضيق مجالا من التَّقَيُّدِ بالمصالح (المعتادة) للآخرين، فلا يكفي أن من مصلحتي أن تتوقف عن التنفس لأنني أكرهك، بل أنت حُر ٌفي أن تتنفس ما دام ذلك لا يؤذيني. تبقى مع ذلك مشكلة ما الذي يُعَدُّ على نحو مضبوط أَذِيَّةً أو تدخلا، زِدْ على ذلك أن نطاق المبدأ غامض إلى حد بعيد(...) فهل فئة الآخرين الـمُراد تطبيقه عليها تشمل الآخرين في المستقبل إضافة إلى الحاضر؟ وهل تشمل الآخرين في المستقبل البعيد أم فقط في المستقبل القريب؟"14. إن هذه التساؤلات هي التي تطرحها الفلسفة الايكولوجية عند هانز يوناس، وتحاول أن تقدم لها إجابات واضحة ومقنعة، حيث يُعتبر يوناس من أهم الفلاسفة التي انتقدوا الخطاب الليبرالي، ودعوا إلى الحد من الحرية الإنسانية، من خلال دعوته الإنسان المعاصر إلى تحمل مسؤوليته اتجاه الآخر، سواء كان إنسانا أو طبيعة، وعدم إلحاق الأذى بأي كائن حي، حيث يقول: "يتناقض الإنسان مع قناعاته، حيث كثيرا ما ينحاز إلى مصلحته، لأنه يعتقد أن تحقيق هذه المصلحة هو معرفة للحرية، وكأنه من حق الحرية الإنسانية قول لا للعالم"15.

      لقد خصص هانز يوناس جزءا معتبرا من كتابه الرئيس "مبدأ المسؤولية" لنقد موقف الماركسية من الطبيعية، وبالعودة إلى الماركسية فإنها تدعوا إلى تجاوز الصراع الطبقي من خلال الثورة التي تقودها البروليتاريا، وذلك بهدف تحقيق مجتمع شيوعي يتجه فيه كل الأفراد إلى الاستفادة من ثروات الطبيعة، وهذا ما كَرَّسَ فكرة السيطرة على الطبيعة التي دعت إليها فلسفات الحداثة خصوصا مع فرنسيس بيكون، وهذا ما جعل هانز يوناس يَعتَبِرُ ماركس سَلِيلًا لفلسفة بيكون، إذ يقول: "إن البرنامج الماركسي هو تَتِمَّةٌ للتصور البيكوني حول السيطرة على الطبيعة، وبالتالي فهو يتوقع من التغيير الذي يجب أن يحدث في المجتمع، أن يكون مصدرا للأخلاق التي تُوَجِّهُ الفعل بشكل أساس نحو المستقبل، وكذا ضبط المعايير التي يفرضها الحاضر"16. ترى الماركسية إذن، أن سعادة الإنسان لا تتحقق إلا في مجتمع دون طبقات، حيث يتم تحقيق هذه الغاية اعتمادا على الثروة ووسائل الإنتاج، حتى ولو كان ذلك على حساب الطبيعة، وإن هذا الموقف الماركسي القائم على تأييد التقنو-علمي واحتقار الطبيعة، اعتبره هانز يوناس تفكيرا طوباويا، لا يخدم الإنسان والطبيعة على حد السواء.

لا يمكننا أن نغفل الحديث عن نيتشه في إطار سعي يوناس إلى إعادة تأسيس علاقة الإنسان ببيئته، فمعروف عن فلسفة الأخلاق عند نيتشه(1955-1863) Nietzscheأنها لا تسعى إلى إلغاء القيم إلغاءا تاما وإنما تتساءل عن قيمة هذه القيم وجدواها، فقد حاول نيتشه تشييد القيم على أساس إنساني ساعيا إلى أن يكون الإنسان هو مصدر هذه القيم.17ولعل ما يحسب لنيتشه بحسب وجهة نظر يوناس هو موقفه من الفعل الأخلاقي إذ ربط بينه وبين المستقبل الإنساني، وهذا ما يؤكده نيتشه ذاته في قوله عن هذا الجانب: "كم كان على الإنسان حتى يبلغ الأمر أن يتصرف في المستقبل سلفا أن يتعلم أولا كيف يفصل ما يحدث بالضرورة عما يكون عرضا أن يفكر بالأسباب، أن يرى إلى البعيد كأنما هو قريب وأن يأخذه استباقا، أن يُحَدِّدَ يقينا ما الهدف وما الوسيلة له، وعلى العموم أن يحسب وأن يحتسب كم كان ينبغي على الإنسان ذاته أن يصبح قابلا للحساب منتظما خاضعا للضرورة، حتى بالنظر إلى تمثله الخاص عن ذات نفسه بحيث يستطيع في النهاية كما يفعل كائن بعد أن يكفل نفسه بوصفه مستقبلا"18.

      لقد تأثر يوناس بنيتشه في هذه الفكرة وأخذ عنه مراعاة علاقة الأخلاق بالمستقبل، لكن الفرق بينهما يكمن في أن نيتشه يربط الأخلاق بالإنسان وضرورة الوصول إلى ما أسماه بــ"الإنسان الأعلى" حيث يمكن للإنسان الاعتماد على أية وسيلة من أجل تحقيق هذه الغاية. أما بالنسبة إلى يوناس فإننا نجده يؤكد على ضرورة مراعاة الأخلاق الإنسانية للمستقبل من خلال الدفاع عن حقوق الطبيعة والإنسان معا، لذلك يمكننا أن نؤكد هنا على أنه على الرغم من انتباه نيتشه إلى أهمية الربط بين الفعل الإنساني والوجود وكذا المستقبل، إلا أنه ظل يتحدث عن الفعل الأخلاقي الإنساني في إطار تَمَيُّزِ الإنسان عن غيره من الكائنات الأخرى لذلك يقول نيتشه عن الإنسان: "هذا الاقتدار على الذات والقدر قد تغلغل لديه في أعمق أعماقه وصار غريزة، غريزة غالبة: كيف يسمي هذه الغريزة الغالبة؟ متى فرضنا أن لديه حاجة إلى كلمة لقول ذلك؟ بيد أنه ليس في ذلك من شك: هذا الإنسان الرئيس سوف يسميها ضميره"19. وبالتالي بقيت فلسفة نيتشه –على غرار أغلب الفلسفات التقليدية- تكريسا لفكرة "المركزية البشرية" واستمرارا لها وكذلك هي دعوة إلى تهميش الطبيعة.

     وان نقد يوناس للفلسفات التي كرست فكرة المركزية البشرية يتفق كثيرا مع موقف الفلسفات الاسكندنافية وتحديدا عند الفيلسوف النرويجي آرن ناس Arne Næss(1912-2009) الذي يعتبر أول من وضع مصطلح "الايكولوجيا العميقة" و ذلك  خلال الستينات من القرن الماضي عندما قَدَّمَ بحثه الموجز "الضحل والعميق حركات الايكولوجيا بعيدة المدى" إلى مؤتمر "مستقبل العالم الثالث" الذي عُقِدَ في بوخاريست عام 1972، وفيه ابتكر مصطلح الايكولوجيا العميقة؛ حيث تشمل حسب آرن ناس الترابطية الداخلية للمنظومات البيئية والمساواة الايكولوجية، وتقدير قيمة التنوع والتعايش والتعقيد الايكولوجي وتبجيل الطبيعة البرية.20إن الجديد الذي جاءت به الايكولوجيا العميقة يتمثل في ربطها الفلسفة الايكولوجية بالمجال الحيوي ككل وليس بالإنسان لوحده، ذلك أن مواجهة المشكلات البيئية ليس من أجل مراعاة مصلحة الإنسان وإنما حفاظا على الحياة بكل أشكالها. كما أننا نلاحظ أن هناك الكثير من أوجه التشابه بين موقف يوناس من الطبيعة وموقف ليوبولد ألدو Lepold Aldo(1887-1945) الذي تحدث عن أخلاق الأرض مؤكدا على ضرورة حماية الطبيعة والدفاع عنها، حيث كانت مقاربته لأخلاق البيئة وتاريخها جد خصبة؛ وذلك من خلال دعوته إلى إعادة التأسيس لعلاقة الإنسان ببيئته وعالمه الطبيعي، وذلك بهدف تحسين هذه العلاقة مع تأكيد ليوبولد ألدو على أنه لا يمكن للإنسان العيش خارج عالمه الطبيعي، بالتالي فإن الإنسان مدعو إلى الحفاظ على الطبيعة بصفة عامة لأن في ذاك حفاظ على الإنسان ذاته21.

هكذا، يتبين لنا أن الفلسفة الايكولوجية عند هانز يوناس قدمت نقدا لاذعا إلى كل الفلسفات التي كرست فكرة "المركزية البشرية" والتي رأت أن الإنسان متميز عن غيره من الكائنات الأخرى ليس لكونه كائنا عاقلا فقط وإنما لأنه الوحيد الذي يتميز سلوكه بأنه سُلُوكٌ قَيمِيٌّ، لذلك أصبح من حقه أن يستغل الطبيعة وكل كائناتها فَيُسَخِّرَها لخدمة مصالحه الخاصة، لكن هذا الوضع كما تبين لنا الفلسفة الايكولوجية عند يوناس ألحق الكثير من الضرر بالطبيعة وكائناتها بل بالإنسان في حد ذاته، لذلك وَجَبَ علينا تهذيب سلوكيات الإنسان اتجاه الطبيعة وذلك من خلال نقد الفلسفات التي جعلت من الإنسان سيدا على الطبيعة. لكن نقد الفلسفة الايكولوجية عند هانز يوناس لم يقتصر على هذه الفلسفات خصوصا منها فلسفات بيكون وديكارت ونيتشه وهايدغر، وإنما تعداها إلى نقد التكنولوجيا المعاصرة التي تعتبر من بين أخطر الوسائل التي استغلها الإنسان المعاصر من أجل السيطرة على الطبيعة.

ثانيا: مخاطر سيطرة التكنولوجيا على الطبيعة

تُعبِرُ التكنولوجيا المعاصرة من جهة عن أرقى درجات العقلانية الإنسانية وقدرتها على الإبداع والابتكار لأنها قدمت للإنسان المعاصر الكثير من الخدمات الجليلة، لكنها من جهة أخرىا تحمل الكثير من السلبيات والتي تدل على اللاعقلانية في السلوك الإنساني الذي يتمثل في سوء استخدام الإنسان للتكنولوجيا لأنه بالغ في استغلال ثروات الطبيعة ساعيا إلى تحقيق سعادته ورفاهيته على حسابها، وهذا ما أثر سلبا على التوازن البيئي وترتب عنه ظهور الكثير من المشكلات البيئية مثل الاحتباس الحراري والتلوث وغيرها من المشكلات الأخرى.

لقد وجد الإنسان المعاصر في التكنولوجيا سندا قويا لتأكيد فكرة "مركزية الإنسان" وسيطرته على الطبيعة، وهذا ما تجلى من خلال الحربين العالميتين، فقد أحدثت التكنولوجيا دمارًا كبيرًا في الطبيعة والإنسان على حد السواء، ذلك أن: "الإنسان الصانع فينا صار أرقى من الإنسان العاقل، فما العمل؟ ينبغي أن يكون الإنسان العاقل نِدًا للإنسان الصانع في حجم التحديات التكنولوجية الهائلة لعصر التقنية، وذلك ردًا لشطط العلم في استغلال الطبيعة وردًا للضرر المهدِّدِ للوجود بأسره بما في ذلك وجود الإنسان ذاته"22. لقد أثر هذا الوضع الخطير كثيرا في فكر يوناس لذلك نجد أن كتاب "مبدأ المسؤولية" "Le Principe Responsabilité" يبشر بإمكانية مواجهة الخطر التكنولوجي المحدق بحياة الإنسان على الأرض، وهذا ما يدل عليه العنوان الفرعي للكتاب "أخلاق من أجل الحضارة التكنولوجية" "éthique pour la civilisation technologique".

لقد بَيَّنَ لنا هانز يوناس أن التكنولوجيا المعاصرة أصبحت فِعلاً تشكل خَطَرًا على الطبيعة والإنسان على حد السواء، لكن المشكلة تَكمُنُ في عدم وجود فكر أخلاقي مُسايِر لهذه الانعكاسات الخطيرة للتطور التكنولوجي، وهذا ما جعله يطرح مسألة ضرورة إيجاد أخلاق جديدة تُسايِرُ هذا التقدم، وهذا ما يُفهَمُ من قوله: "إن التقنية الحديثة أنتجت أفعالا وسلوكيات جديدة، أفرزت موضوعات غير معروفة ونتائج غير متوقعة، لم يكن بمقدور الفكر الأخلاقي استيعابها ومسايرتها"23. وهذا هو الهدف الرئيس الذي تسعى الفلسفة الايكولوجية عنده إلى تحقيقه؛ من خلال التنظير لفكر أخلاقي يُوَجِّهُ السلوك الإنساني نحو الحد من توظيف التكنولوجيا في السيطرة على الطبيعة وكائناتها، والتحول إلى حمايتها والدفاع عنها.

يتفق أغلب الدارسين والمتخصصين في قضايا البيئة ومشكلاتها، على أن الإنسان ذاته هو مشكلة بالنسبة للبيئة، فأهم بل وأخطر المشكلات البيئية هي "المشكلة السكانية"، إذ يُبَيِّنُ التتبع التاريخي لتزايد السكان، أن هذا التزايد، يسير في لولب تقصر حلقاته باستمرار، وسيصل في المستقبل المنظور إلى حد هائل يصعب معه توفير الغذاء، ومتطلبات الحياة البشرية الأخرى لهذا العدد الهائل من السكان24. إن الإنفجار السكاني، والفناء النووي، هما أخطر ما ورثناه عن الثورة التكنولوجية، التي يتعين أن نُعايِشَها، ولكنهما ليسا الخطرين الوحيدين، فثمة سلسلة من المشكلات البيئية، مثل الأخطار البيئية المقترنة بالتلوث الناجم عن حرق الوقود الأحفوري الذي هو وقود يتم استخراجه من المواد الأحفورية كالفحم الحجري و الفحم النفطي الأسود والغاز الطبيعي و البترول، وعلى الرغم من الخطر الذي يشكله على البيئة، إلا أننا لا ننكر أن وجود الطاقة الأحفورية قد سمى بمجتمعات كثيرة إلى النهضة الصناعية التي ساعدت بدورها على التنمية والإبداع ورفاهية الشعوب25. إن الإفراط في استعمال التقنية وهوس السيطرة على الطبيعة يثبت الى أبعد الحدود خطورة الوضع الذي آلت إليه علاقة الإنسان ببيئته كما أكد على ذلك هانز يوناس.

     لقد نشأ خلل ثقافي عميق في المجتمع الغربي وانتشر الآن في طول الكوكب وعرضه فالنهب الضاري للأرض بمجملها يتواصل عبر الاستغلال الصناعي، آلاف السموم التي لم تعرفها العصور السابقة تملا الآن الماء والهواء والتربة، وهذا ما أدى إلى تضرر الكائنات الحية وفي هذا الاضطراب الشامل للنطاق الحيوي الذي سببته العوامل البشرية يكتشف الكائن الإنساني الآن أن الأذى الذي لحق بالعالم الطبيعي يرتد الآن لكي يهدد النوع الإنساني ذاته26. إن المشكلات البيئية المعاصرة جعلت الكثير من  المشتغلين على قضايا البيئة والفلاسفة الايكولوجيين وعلى رأسهم هانز يوناس يربطون بين هذه المشكلات كنتيجة وبين الإنسان كَمُتَسَبِّبٍ رئيس فيها، وفي الحقيقة فقد وعى الكثير من الفلاسفة هذه المشكلات التي تواجه عصرنا الراهن وهذا ما نجده عند لوك فيري Luc Ferry(1951) الذي يعتبر من أهم الفلاسفة الايكولوجيين الذي دافعوا عن حقوق النبات والحيوان في الطبيعة مقابل الاستغلال المتزايد من طرف الإنسان لها، لذلك نجده يتحدث عن موقف يوناس من التكنولوجيا قائلا: "تحدثنا "الايكولوجيا العميقة"27عن مخاطر التكنولوجيا. حسب هانز يوناس فإن تاريخ علاقتنا بالطبيعة قد مر بمراحل ثلاث، تتميز كل واحدة بنمط معين من القدرة، فالإنسان بدأ باستغلال الطبيعة تدريجيا مُستَغِلًا في ذلك ظهور وتطور التكنولوجيا كمشروع للسيطرة على الأرض، لكن هذا التحكم بدأ اليوم يأخذ منحى عكسيا في المرحلة الثانية: فالتكنولوجيا خرجت عن تَحَكُّمِنا وأصبحت تَتَحَكَّمُ فينا أكثر مما نَتَحَكَّمُ فيها، لذلك يجب علينا تأسيس مرحلة ثالثة تعمل على التَّحَكُّمِ في التَّحَكُّمِ في الطبيعة، لكن هذه المهمة حسب يوناس صعبة جدا ومتعذر تحقيقها"28.

يبين لنا يوناس أنه تحت تهديد الأزمة الايكولوجية التي تتمثل في تلويث البيئة وازدهار الصناعات النووية وغيرها من مظاهر الأزمة، أنه وراء كل هذا الجنون التكنولوجي والعمى الايتيقي الذي أصاب المجتمعات التكنولوجية المتقدمة، ثمة غياب لاحترام الطبيعة والمستقبل، ما ينقصنا حينئذ ليس احتراما صوريا للإنسان فقط مثلما كان كانط ينادي بذلك، بل علينا أن نقيم عقدا بيننا يضمن حقوق الطبيعة وقانونا ينظم علاقاتنا بالبيئة الايكولوجية التي تحضننا29، فقد ترتب عن محاولة استغلال الإنسان للطبيعة إلى أبعد الحدود دخوله معها في صراع ترتب عنه صراع آخر إنه صراع الإنسان مع أخيه الإنسان، فامتلاك الإنسان للأسلحة الـمُدَمِّرَة مثلا يُشَكِّلُ خطرا على الإنسان ذاته، وهذا ما ترتب عنه صراع جديد إنه صراع الإنسان مع ذاته، لأن التكنولوجيا أصبحت تهدد جوهر الإنسان بما هو إنسان، لذلك تدعونا "أخلاق المسؤولية" عند يوناس بما هي أنموذج متميز من "الأخلاق المتمركزة حيويا" إلى التوقف عن استغلال الطبيعة استغلالا عشوائيا والتوجه نحو الدفاع عنها وتحمل مسؤوليتنا الأخلاقية اتجاهها واتجاه مستقبل الإنسان من منطلق أن القيمة لا ترتبط بالإنسان لوحده بل بالطبيعة كذلك.

ثالثا: ارتباط الطبيعة بالقيمة

لقد عملت الفلسفة الايكولوجية عند هانز يوناس على نقد التصورات الفلسفية التقليدية للإنسان وعلاقته بالطبيعة وكذا نقد التوظيف اللاعقلاني للتكنولوجيا في إلحاق الأذى بالطبيعة وكائناتها، لكن يوناس لم يتوقف عند حدود النقد بل تعداه إلى تقديم البدائل أو الحلول للمشكلات، مُبَيِّنًا أن الرغبة في تحقيق المصلحة والسعادة لا يرتبط بالإنسان لوحده بل بالكائنات الأخرى كذلك، بذلك يتجاوز موقف الأخلاق التقليدية التي ترى أن القيمة حِكرٌ على السلوك الإنساني مُؤَكِّدًا بالتالي على أن: "الطبيعة  لها قيمة مطلقة وهي خَيرٌ في ذاتها، وبالتالي فليس الإنسان وحدة من يَتَمَيَّزُ بإمكانية الوجود كما تَصَوَّرَ كانط"30وذلك عندما قال: "إن محافظة الإنسان على حياته واجب، وهي بالإضافة إلى هذا أمر يَشعُرُ كل واحد مِنَّا نَحوَهُ بِمَيْلٍ مُباشِرٍ"31.

      لقد سعى يوناس إلى تأسيس فكرة "القيمة المتأصلة في الوجود" انطلاقا من "الميتافيزيقا الأنطولوجية" التي يرى بأنها تلك الميتافيزيقا التي تسعى إلى الاهتمام بفكرة الوجود في حد ذاته، وتقوم هذه الميتافيزيقا عنده على مفهوم خاص للوجود، فالوجود عند يسعى إلى تأكيد نفسه وهذا ما يتجلى في الغرضية الهادفة عند الكائنات الحية32. ليس الإنسان وحده من يسعى إلى المحافظة على بقاءه واستمرار وجوده بل الكائنات كلها تسعى إلى تحقيق هذه الغرض بما فيها النبات والحيوان، وهذا ما لم تنتبه الأخلاق التقليدية إلى أهميته واعتقدت أن الإنسان وحده لديه وعي بوجوده ورغبة في الحفاظ عليه، وبالتالي جعلت منه سيداً على الطبيعة. وفي إطار سعيه إلى إثبات خطأ هذا التصور يواصل يوناس التشبيه بين الإنسان والكائنات الأخرى إلى حد تأكيده على أن الكائنات الأخرى لديها حقوقها الخاصة بها.

تعتبر فكرة حقوق الطبيعة وكائناتها خصوصا النبات والحيوان، بمثابة نقطة تَحَوُّل مهمة جدا في الفكر الفلسفي الأخلاقي الراهن وتحديدا في الفلسفة الايكولوجية، إذ يمكن اعتبارها بمثابة القاسم المشترك بين كل الفلاسفة الايكولوجيين الذين أكدوا على أن مفهوم "الحق" ليس حكرا على الإنسان لوحده وإنما هو يرتبط بالطبيعة أيضا، وهذا ما نجده عند لوك فيري مثلا عندما قال: "من الضروري تجاوز هذه النزعة الإنسانية، والسعي نحو تنصيب سيادة نباتية وحيوانية بالمعنى الأخلاقي وقانوناً متماسكاً يبقى راسخاً حتى يكون قادراً على أن يكون مقابلاً لمنطق هذا الذي نال شهرة كبيرة "حقوق الإنسان""33. إننا نجد أن الأخلاق الايكولوجية عند هانز يوناس ترفض فكرة "المركزية البشرية" وتدعوا مقابل ذلك إلى الدفاع عن الطبيعة واحترام حقوقها، كما توسع مفهوم "الغاية بذاتها" حتى يشمل الطبيعة، وبَدَلَ الاعتراف بأن الإنسان وحده غاية بذاته وأنه يملك قيمة مطلقة، فإن الطبيعة أيضا تُطالِبُ بألا تُعامَلَ معاملة وسيلة وفوق حقوق الفاعل العاقل تتراكم حقوق الكرة الأرضية ونحن مُكَلَّفُون برعايتها34. هكذا، تُؤَسِّسُ الفلسفة الايكولوجية عند هانز يوناس لعلاقة الإنسان بالطبيعة من خلال إعادة التأسيس بين الواجب الخلقي والوجود، بما هو تجربة الوجود الإنساني في الطبيعة، تلك العلاقة التي أَحْدَثَ فيها الفكر الفلسفي التقليدي هُوَّةً كبيرة من خلال إعطاءه الأولوية المطلقة للإنسان على الطبيعة التي لم تَعُد موضوع معرفة وفقط كما صَوَّرَها لنا الفكر العلمي والفكر الفلسفي في العصر الحديث، بل إن الطبيعة كما يؤكد على ذلك يوناس: "ترتبط أشد الارتباط بالقيم، وأن ليدها غاياتها الخاصة"35.

أما فيما يتعلق بمدى خطورة إفراط الإنسان في استغلال الطبيعة، فان يوناس يقدم لنا تناولا مبتكرا طارحا القضية في شكل أسئلة أخلاقية مثل: هل تستمر الطبيعة في التسامح مع العقل البشري؟ هل يكون السلام ممكنا عندما تكون الحرب هي القانون الذي يحكم العلاقة بين الاثنين؟ و هل يستطيع العقل البشري أن يُغَيِّرَ من نفسه بحيث يكون متسامحا مع الطبيعة، ما دام أدرك أنها غير متسامحة؟36. هكذا، وبعد أن ربط هانز يوناس الطبيعة بالقيمة، وبعد أن أَكَّدَ على أن الكائنات الأخرى غير الإنسان تسعى مثله إلى المحافظة على وجودها، انتقل إلى الحديث عن ضرورة وجود التزام أخلاقي من قبل الإنسان اتجاه الطبيعة والإنسانية، من خلال ما أسماه بـــ"أخلاق المسؤولية"، فما هي أخلاق المسؤولية؟ ولماذا ربط يوناس المسؤولية بالإنسان تحديدا؟

رابعا: أخلاق المسؤولية والمستقبل

تحاول أخلاق المسؤولية عند هانز يوناس أن تُنَبِّهَ الإنسان المعاصر إلى أن المشكلة الحقيقية التي تواجه العقل البشري اليوم ليست توفير إمكانيات الحياة المريحة ووسائل الرفاهية، وإنما مشكلة ضمان هذه الحياة ذاتها واستمرارها، فالتقدم التكنولوجي الهائل الذي وصلت إليه البشرية اليوم بكل ما يحمله من نقلة نوعية جعل الإنسان لا يكتفي بالشعور بأنه حَقَّقَ كل متطلباته، بل أصبح يسعى للسيطرة على الطبيعة ويستغلها، وبما أنه هو المتسبب الأول في كل هذا الأذى وجب عليه تحمل مسؤوليته الكاملة، وبالتالي فإن:" موضوع المسؤولية هو الأذى الذي تعرضت له الوحدة بين الأنا والآخر، "آخر" أصبح مقابلا لي مع حَظٍّ قليل من المشاركة، هذه الغيرية هي التي من المفروض أن تكون محل اهتمام مسؤوليتي"37. وبما أن هذا الآخر هو الطبيعة وكائناتها، فإن يوناس يُنَبِّهُنَا إلى الخطر المحدق بمستقبل وجودنا على الأرض داعيا إِيَّانا إلى تَحَمُّلِ مسؤوليتنا الأخلاقية اتجاه الطبيعة واتجاه الأجيال المستقبلية، لذلك تُوصَفُ أخلاق المسؤولية عنده بأنها أخلاق مستقبل ومنه قوله: "إن اهتمامنا هو الالتزام الأساس بمراعاة مستقبل الإنسانية، الذي منه تُشتَقُّ كل الالتزامات الأخرى، خصوصا نحو الإنسان الآتي"38.

تُعتَبَرُ المسؤولية من أهم المفاهيم في فلسفتي الأخلاق والسياسة، لكنها عرفت مع يوناس تَحَوُّلًا مُهِمًا في مفهومها ووظيفتها، فأخذت معه بعدا وجوديا انطولوجيا يتجاوز المسؤولية في ارتباطها بالمبدأ العقلاني المطلق الكانطي، فأصبحت مسؤولية الإنسان اتجاه الطبيعة واتجاه الإنسان ذاته: "بالنسبة إليه فالإنسان كائن مسئول، وهذا ما يمثل جوهر وجوده"39. كما تحاول "أخلاق المسؤولية" إنقاذ الإنسان من فَناءِهِ المحتوم لتضمن له حياة مستقبلية، ليصبح الفعل الأخلاقي غير مُقتَصِرٍ على الإمتثال لأوامر الواجب الخلقي الكانطي ذات الصبغة القَبلِيَّة، وإنما يسعى إلى تحقيق غاية أسمى تتمثل في الحفاظ على الحياة الإنسانية، وهنا يقول يوناس منتقدا لكانط ومُتَحَدِّثًا عن "أخلاق المسؤولية" في الوقت ذاته: "يجب علينا أن نضيف إلى الاهتمامات الأخلاقية الأفق الزمني الذي هو مُغَيَّبٌ تماما في مسألة المنطق الآني للأمر الكانطي، الذي يأتي في صورة أمر يستحضر دائما هذا التساوق المجرد. أما بالنسبة إلى أمرنا المطلق فإنه يَتَّجِهُ نحو مستقبل يمكن توقعه، وهو يُشَكِّلُ الجانب غير المنجز لمسؤوليتنا"40. فإذا كان كل إنسان خَيِّرٌ بالطبيعة كما ترى الأخلاق الكانطية، فإن كل إنسان مسئول كما تبين لنا الأخلاق الجديدة عند يوناس، وهذه المسؤولية مرتبطة بوجودنا فنحن موجودون لأننا مسئولون أو لكي نتحمل مسؤوليتنا إزاء الطبيعة والإنسان، لأن غياب المسؤولية هو الذي بَرَّرَ لأفعالنا كبشر إلحاق الأذى بالطبيعة وكائناتها.

إن الأطروحة الجوهرية لمشروع "أخلاق المسؤولية" عند يوناس تجد نقطة انطلاقها في مفهوم الكارثة التي صارت تُهَدِّدُ مستقبل الإنسانية بعد الأزمات الايكولوجية التي بات العقل البشري يعيشها منذ قرون من الزمن، لقد صارت كل وعود التكنولوجيا المتقدمة إلى وَعِيدٍ وتهديد لمستقبل الكون بِرُمَّتِهِ، ذلك هو الإنذار الفلسفي الذي حَرَّكَ اتيقا المسؤولية لدى هانز يوناس41. كما أن المسؤولية عنده لا تُفهَمُ بمعناها التقليدي الشائع على أنها تَحَمُّلُ تبعات أفعالنا اتجاه الآخرين، إن المسؤولية هنا لها بعد كُلِّيٌ في ارتباطها بالإنسانية وبالطبيعة معا؛ لأن الحفاظ على الطبيعة لم يَعُد أَقَلَّ شَأناً من الحفاظ على الإنسان ذاته وهذا ما أَكَّدَهُ يوناس عندما قال: "إن الطبيعة بما هي موضوع للمسؤولية الإنسانية، إنها على وجه التحديد المسألة الراهنة التي ينبغي على النظرية الأخلاقية أن تفكر فيها"42. ويؤكد يوناس أنه لا وجود لأي اتيقا سابقة أخذت بعين الاعتبار الحالة العامة للحياة البشرية والمستقبل البعيد ووجود الكائنات ذاتها، فالفرق واضح بين التصور القديم والتصور الحالي، فإذا كان التصور التقليدي للمسؤولية مرتبط بالحاضر، فإن يوناس يوسع التصور الايتيقي لها ويجعله يَتَعَّدى الإنسانية ويحترم كل الكائنات بما فيها التي لم توجد بعد43. ويمكننا أن نُوَسِّعَ دائرة المقارنة أكثر فنقول إن "أخلاق المسؤولية" تتعارض مع الأخلاق التقليدية من ناحية أنها تعطي مكانة مُهِمَّةً للمشاعر طبعا دون إهمال الدور الذي يلعبه العقل في الأخلاق، لأنه حسب تصور يوناس ما نحن مسئولون عنه اتجاه الآخرين هو العواطف وليس العقل44. ويوضح لنا بول ريكور Paul Ricœur(1913-2005) مفهوم المسؤولية عند هانز يوناس مُؤَكِّدًا أنها ترتبط بثلاثة مفاهيم هي القدرات les Capacitéوالأضرار les Dommagesوالمسؤولية La Responsabilitéذلك أنه في غياب السلطة والقوانين، فإن القدرات التقنية هي التي تسيطر، وما ينتج عن هذا الوضع هو مجموعة من التصرفات اللامسؤولة، والتي تُلحِقُ الضرر بالطبيعة بأكملها، ولا يمكن للإنسان أن يتجنب ذلك إلا إذا اهتدى "بمبدأ المسؤولية". أما إذا حاول الاعتماد على "مبدأ التعويض" مُتَصَوِّرًا أنه قادر على تحقيق التوازن، فإن ذلك في نظر يوناس مستحيل؛ إذ يؤكد على ضرورة الشعور بالمسؤولية لتأسيس الأخلاق"45. وهنا يتجلى لنا الفرق جوهري بين الأخلاق التقليدية وأخلاق المسؤولية عند يوناس، فإذا كانت الأخلاق التقليدية أخلاق إنسانية تتجه إلى دراسة الفعل الأخلاقي الإنساني في الزمن الحاضر، فإن أخلاق المسؤولية عند يوناس، تهتم بمستقبل الإنسان والطبيعة ومصيرهما.

    إضافة إلى النقد الذي وجهه يوناس إلى الأخلاق التقليدية على أنها أخلاق إنسانية وأخلاق حاضر، فإنه أكد كذلك أنها حتى ولو اهتمت بمسالة حقوق الإنسان، إلا أنها لم تهتم أبدا بمسالة على قدر من الأهمية أصبحت تفرض نفسها بشكل لافت في ظل ازدياد عبث الإنسان بالطبيعة إنها مسألة حقوق أجيال المستقبل، فالحق كما نجد في الأخلاق التقليدية خصوصا عند فلاسفة "العقد الاجتماعي" وتحديدا مع جان جاك روسو (1712-1778)  John jack Rousseauالذي رأى أن الحق يرتبط بالتبادل ذلك أن واجبي بمثابة النظير لحق آخر46. في حين أن أخلاق المسؤولية عند يوناس هي اهتمام بالمستقبل فقط، فهي واجباتنا في الزمن الحاضر اتجاه أجيال المستقبل أي أنها مسؤولية أحادية، وبالتالي يمكننا أن نقول أن: "المسؤولية اتجاه الطبيعة مثل مسؤولية الآباء اتجاه أبناءهم مسؤولية لا مشروطة، أي أن الآباء لا ينتظرون من أبناءهم المقابل كذلك الحال بالنسبة إلى مسؤوليتنا اتجاه الطبيعة فهي مسؤولية غير مشروطة"47. لذلك توصف أخلاق المسؤولية عند يوناس عكس الأخلاق التقليدية وتحديدا أخلاق الواجب عند كانط بأنها أخلاق نتائج لا مبادئ، وهي مُوَجَّهَةٌ نحو الإنسانية مثلما تُوَجَّهُ نحو الطبيعة بمفهومها الواسع التي يندرج تحتها الحيوان والنبات والمحيطات والأنهار وغيرها.

    صحيح أن هانز يوناس ليس الفيلسوف الوحيد الذي ارتبط مفهوم المسؤولية بفلسفته، بل إننا نجد فلاسفة آخرين من أمثال ايماويل لوفيناسEmmanuel Levinas(1906-1995) وكارل أوطو آبل Karl Otto Apel  (1922-2017) لكنها يربطان المسؤولية بالآخر في الزمن الحاضر، أما  ما يميز موقف لوفيناس من المسؤولية هو أنه يربطها بالمستقبل، وبالتحديد بالأجيال القادمة: "وذلك بحماية الطبيعة من الضرر الذي قد يلحقه بها الإنسان في المستقبل، وهذا ما يتطلب من أجيال الحاضر توريث الأجيال القادمة أرضا قابلة للتعمير، وليس العمل على إلحاق الضرر بها، وهذا ما يؤكد عليه هانز يوناس من خلال "أخلاق المسؤولية" ومن خلال مراعاة النتائج المستقبلية التي تترتب عن أفعالنا الحاضرة، وإن المقصود تحديدا بهذه الأخلاق، ليس أخلاقا تُهَيِّئُ الحاضر لأجل المستقبل، وإنما هي أخلاق تسعى إلى جعل القرارات الحاضرة حكيمة"48. حيث تكون هذه الأفعال الحاضرة مُوَجَّهَةً نحو الأجيال القادمة، وهذا ما يجعل من المسؤولية عند يوناس أخلاقا من أجل مستقبل الإنسانية ولا تقتصر على حاضرها، فيكون الإنسان الحاضر ملتزما أخلاقيا نحو الأجيال القادمة، دون أن ينتظر حقا له من وراء هذا الالتزام.

       لقد صارت المسؤولية في نظر يوناس تمتد إلى مستقبل بعيد جدا، نحو الإنسانية القادمة التي هي موضوع حمايتنا، وبوجه الإجمال لا يترتب علينا أن ننهض بحمل النتائج المباشرة التي يمكن التنبؤ بها لأعمالنا وحسب، بل يجب علينا أن نحمل إلى أبعد جدا من نظرنا، على نحو أننا نحافظ على وجود الإنسانية القادمة49.  ويُثنِي بول ريكور كثيرا على الفلسفة الايكولوجية عند هانز يوناس، وتحديدا مفهومه للمسؤولية وللقيمة المتأصلة في الطبيعة، مُؤَكِّدًا على أنه تَمَكَّنَ من الجمع بين المستويين النظري والعملي في فلسفته الايكولوجية، ليؤكد من خلال قراءته لأطروحة يوناس على ضرورة نقد العقل الأداتي انطلاقا من الأخلاق التواصلية، حيث ترتبط فلسفة التواصل بالفيلسوف الألماني يورغن هابرماس50Jürgen Habermas(1929)، إذ رأى أن أخلاق التواصل هي البديل عن العقل الأداتي الذي يرى أن العقل هو الأداة التي تحقق كل غايات الإنسان، وحسب بول ريكور هذا هو الأمر الذي يجب أن تعمل الفلسفة الايكولوجية عند هانز يوناس على تحقيقه، ذلك أنه: "لكي تستمر البشرية بعدنا، يرى بول ريكور مُعَلِّقًا على يوناس أنه لابد أن تستمر الطبيعة بعدنا، وبهذا المعنى فإن الحفاظ على الطبيعة يَتَأَطَّرُ فلسفيا ضمن مشروع إنساني، ومُقتَضَى ذلك حسب ريكور هو ضرورة القيام بنقد العقل الأداتي انطلاقا من الأخلاق التواصلية   éthique de la communicationالـمُنبَثِقَة فلسفيا عن "أخلاق الائتمان"، بحيث ينبغي الحرص على أَوَجِّ هذا التوازن الهش بطبيعته بين "الكون داخل الطبيعة وفي الوقت نفسه استثناءا لها""51. وهنا تكمن الأهمية القَيمِيَّة للفلسفة الايكولوجية عند هانز يوناس كما تبين لنا آراء بول ريكور حولها، فهي تصلح لنقد العقل الأداتي؛ من ناحية أنها تدعوا إلى التواصل بين الأجيال، وكذا بين الأنا والآخر، وهذا ما يجعل منها فلسفة ما بعد حداثية بامتياز لأنها تتجاوز فكرة "المركز" التي تُعتَبَرُ من رواسب فلسفات الحداثة، والتي كَرَّسَت فكرة "المركزية البشرية" وتَسَبَّبَت في قطع الصلة بين الإنسان والطبيعة، لتأتي الفلسفة الايكولوجية عند يوناس لِتًعمَلَ على ربط جسور التواصل بين الإنسان وعالمه الذي يحيط به من طبيعة وكائنات أخرى، وهنا يقول بول ريكور :"مُضِيًا نحو مستقبل الكائن الحي، يجب أن نساعده على البقاء على قيد الحياة، أي أن نساعده على أن يواصل حياته حتى ولو كان هذا المستقبل بعيدا جدا عن الحاضر، وهذا ما يؤكد عليه هانز يوناس"52.

ولكي يشرح لنا يوناس كيفية الحفاظ على الحياة الإنسانية يعطينا مثالين حول أنموذج مسؤولية الوالدين وأنموذج مسؤولية رجل الدولة، فالأولى مرتبطة بمستقبل وجود الطفل والثانية مرتبطة بمستقبل وجود الجماعة البشرية، فيقول عنهما: "يمكننا أن نقدم أنموذجين عن المسؤولية، المسؤولية الأبوية و مسؤولية رجل الدولة، اللذان يشتركان في مميزات كثيرة تندرج في إطار ماهية المسؤولية خصوصا بما هي التزامات اتجاه الآخرين"53. فلا يمكن أن نتصور مستقبلا للأبناء دون رعاية الوالدين كما أن رجل السياسة أو رجل الدولة قد يُشَكِّلُ خطرا على الإنسانية وعلى الطبيعة إذا كانت الدولة تملك أسلحة نووية مثلا وكان قرار استخدامها بيد شخص واحد، فبحسب وجهة نظر الأخلاق التقليدية التي تربط الفعل بالإنسان سيؤدي هذا التصرف إلى تدمير الطبيعة، لذلك يدعو يوناس إلى إعادة التأسيس الأخلاقي لمفهوم المسؤولية مراعاة لمصلحة الإنسانية والطبيعة معا، وبما أن مسؤولية الآباء اتجاه أبناءهم ليست مسألة توفير الأكل والتعليم و غيرهما، كذلك لا تنحصر مسؤولية رجل الدولة في توفير الأمن والرفاهية للمواطنين مثلا. إن القاسم المشترك بين المسؤوليتين -وهذا ما يشكل جوهر المسؤولية عند يوناس و أساسها الانطولوجي- هو أنها مسؤولية لأجل المستقبل.

خاتمة:

تعتبر الفلسفة الايكولوجية عند هانز يوناس مشروعا فلسفية أخلاقيا عميقا يستشعر الخطر الذي أصبح يُهَدِّدُ الطبيعة والإنسان على حد السواء، ويدعونا إلى تَحَمُّلِ مسؤوليتنا الأخلاقية الوجودية اتجاه مستقبل الطبيعة والبشر، وبالتالي عَبَّرَت أخلاق المسؤولية عند يوناس عن ذلك التَّحَوُّل الذي حدث في الفكر الأخلاقي الراهن، من دراسة الأخلاق الإنسانية وإشكالاتها، إلى البحث في مفهوم القيمة في ارتباطه بالطبيعة وكائناتها، أي من الأخلاق المتمركزة بشريا إلى الأخلاق المتمركزة حيويا، وبناءا على كل الانتقادات التي وَجَّهَهَا هانز يوناس للفلسفات التقليدية والمعاصرة التي كَرَّسَت فكرة "المركزية البشرية"، وأعطت الإنسان حَقَّ التميز عن الطبيعة وإمكانية استغلالها والسيطرة عليها، أصبح فلسفة الأخلاق الراهنة قائما حول حقوق الطبيعة.

      لقد تَبَيَّنَ لنا أن الفلسفة الايكولوجية عند هانز يوناس سعت إلى تقديم بدائل فلسفية تُعِيدُ التوازن البيئي وِفقَ رؤية تكاملية لعلاقة الإنسان بالطبيعة، وهي علاقة لا تكون فيها أولوية أو سيادة لأي طرف على الآخر، لذلك نجد أن أخلاق المسؤولية عَبَّرَت عن تَوَجُّهٍ جديدٍ في الفكر الأخلاقي الراهن، فبعد أن كُنَّا ملتزمين أخلاقيا نحو بعضنا البعض كبشر، أصبح التزامنا الأخلاقي مُوَجَّهًا نحو الطبيعة وكائناتها، وذلك باحترام المنظومة البيئية؛ لأننا كبشر لم نعد مركز الطبيعة ولا أسيادا عليها، وإنما أعضاء في المحيط الحيوي العام، لِيَتِمًّ التحول في الفكر الأخلاقي الراهن مع هانز يوناس من الضمير الخُلُقِي إلى الضمير الايكولوجي.

      إن الفلسفة الايكولوجية عند هانز يوناس ليست فلسفة ضد الإنسان وحريته، وإنما جاءت ضد تمادي الإنسان في استغلال الطبيعة وكائناتها، وبالتالي فهي تعتقد أن حقوق الإنسان لا تتعارض مع حقوق الطبيعة، إذ يمكن للإنسان أن يستفيد من الطبيعة لكن بشرط أن لا يُشَكِّلَ ذلك خطرا على استمرار البشرية والطبيعة. هكذا، تهدف الفلسفة الايكولوجية عند هانز يوناس إلى مساءلة الإنسان المعاصر أخلاقيا، نتيجة الضَّرَرِ الكبير الذي ألحقه بالطبيعة، وذلك من خلال سُوءِ توظيفه للعلم وللتقنية، كما سعى يوناس إلى إعادة إحياء فرضية الغائية الكامنة في الطبيعة، لأن الطبيعة لم تعد مجرد موضوع معرفة أو سيطرة من طرف الإنسان، وإنما وجب التعامل معها على أنها كائن حي نحن مسئولون عنه حاضرا مستقبلا.

لقد لاقت دعوة يوناس إلى تحمل مسؤولياتنا الأخلاقية واحترام حقوق الطبيعة الأجيال القادمة، صَدًا واسعا لدى الكثير من الفلاسفة والمفكرين والمنظمات الحقوقية، والتي أصبحت تدعوا إلى اتخاذ كل الإجراءات المناسبة لضمان حقوق هذه الأجيال، والتي من بين أهمها الحَقُّ في كوكب أرض غير مُلَوَّثٍ ومتوازن بيئيا.

ولكن على الرغم من أهمية الفلسفة الايكولوجية عند هانز يوناس ودعوتها إلى ضرورة الحفاظ على البيئة وحقوق الكائنات المستقبلية في الطبيعة سواء بشرا أو حيوان أو نبات، إلا أن ما ينبغي التأكيد عليه هنا هو أمرين مهمين الأول هو أن الفكر الإسلامي وتحديدا الدين الإسلامي هو من كان قد أكد على ضرورة الحفاظ على الطبيعة بمفهومها العام وترشيد أفعال الإنسان اتجاهها الذي رأى فيه الاسلام خليفة في الأرض يعمل على الحفاظ عليها واستغلالها في إطار عقلاني فقط، وذلك لأن في الحفاظ عليها حفاظ على الإنسان والكائنات الأخرى، وثانيا أن الفكر الغربي عموما والذي يدعوا اليوم إلى ضرورة المحافظة على الطبيعة هو المتسبب الرئيس في ما لحق بها من أذى وضرر، وعليه يمكننا التأكيد هنا على أن هانز يوناس وعلى الرغم من الاهتمام الكبير الذي أولاه إلى مسألة حماية الطبيعة والحفاظ عليها، إلا أنه لم يأت بالجديد مقارنة مع ما دعت إليه الرؤية الإسلامية منذ قرون خلت، أي أنه لم اتبعت الإنسانية تعاليم الدين الإسلامي الحنيف لما وصلنا إلى كل هذه الأزمات الايكولوجية التي يعيشها إنسان اليوم.

  1. . هانز يوناس Hans Jonasفيلسوف ألماني معاصر ولد في ألمانيا في 10 ماي 1903 و توفي في نيويورك يوم 05 فيفري 1993 تتلمذ مع حنه أرندت على أيادي هوسرل و هايدغر و يولتمان، و صار منذئذ ينتمي إلى التقليد الفينومينولوجي للفلسفة المعاصرة، غادر باكرا ألمانيا خوفا من النازية. أنظر أم الزين بنشيخة المسكيني، هانز يوناس، ضمن موسوعة الأبحاث الفلسفية، الفلسفة الغربية المعاصرة صناعة العقل الغربي من مركزية الحداثة إلى التشفير المزدوج،ج2، منشورات ضفاف، بيروت، 2013، ص 973. في سنة 1955 نشر كتابه عن "الديانة الغنوصية، رسالة الإله المغترب"، ثم نشر سنة 1963 كتاب "ظاهرة الحياة، تجاه بيولوجيا فلسفية"، و في سنة 1979 نشر كتابه الأهم "مبدأ المسؤولية، بحثا عن أخلاق ملائمة لعصر التقنية"، أنظر: وجدي خيري نسيم، الفلسفة و قضايا البيئة، أخلاق المسؤولية هانز يوناس أنموذجا، ط1، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2009، ص 21.
  2. . توماس بيري، الإنسان القابل للحياة، الفلسفة البيئية من حقوق الحيوان إلى الايكولوجيا الجذرية، تحرير مايكل زيمرمان، ترجمة معين شفيق رومية، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، العدد 332، الكويت، 2006، ص 231.
  3. . فرنسيس بيكون، الأورغانون الجديد، إرشادات صادقة في تفسير الطبيعة، ترجمة عادل مصطفى، رؤية للنشر و التوزيع، القاهرة 2013 ص 16.
  4. .René Descartes, Méditations Métaphysiques, presse universitaires de France, Paris 1968, p 35 .
  5. . وجدي خيري نسيم، الفلسفة وقضايا البيئة، أخلاق المسؤولية هانز يوناس أنموذجا، المرجع السابق، ص 84.
  6. . Hans Jonas, Le Principe Responsabilité, Une éthique pour la civilisation technologique, traduit de l’allemand jean greich, les éditions de grel, Paris, 1990, p 261.
  7. . امانويل كانط، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة وتقديم عبد الغفار مكاوي، منشورات الجمل، القاهرة، دت، ص 46.
  8. . المرجع نفسه، ص 50.
  9. . Hans Jonas, Le Principe Responsabilité, Une éthique pour la civilisation technologique, Op.cit, p23
  10. . Ibid. p 28.
  11. . أم الزين بنشيخة المسكيني، هانز يوناس، موسوعة الأبحاث الفلسفية، الفلسفة الغربية المعاصرة، صناعة العقل الغربي من مركزية الحداثة إلى التشفير المزدوج، ج2، منشورات ضفاف، بيروت، 2013، ص 981.
  12. . توم ريغان، حقوق الحيوان وأخطاء الإنسان، الفلسفة البيئية من حقوق الحيوان إلى الايكولوجيا الجذرية، المرجع السابق، ص 72.

 

  1. . Hans Jonas, Le Principe Responsabilité, Une éthique pour la civilisation technologique, Op.cit, p28
  2. [1] ريتشارد سيلفان، هل هناك حاجة إلى أخلاق جديدة للبيئة؟ الفلسفة البيئية من حقوق الحيوان إلى الايكولوجيا الجذرية، تحرير مايكل زيمرمان، المرجع السابق، ص 46.
  3. .  Hans Jonas, Le Principe Responsabilité, Une éthique pour la civilisation technologique, Op.cit, p153.
  4. . Ibid. p273.
  5. . وجدي خيري نسيم، الفلسفة و قضايا البيئة، أخلاق المسؤولية هانز يوناس أنموذجا، المرجع السابق، ص 68.
  6. . فريديريك نيتشه، في جينيالوجيا الأخلاق، ترجمة فتحي المسكيني، (دط)، دار سيناترا، تونس، 2010، ص 83.
  7. . المرجع نفسه، ص 85.
  8. [1] جورج شيشنز، الثورة البيئية في الستينات وصعود حركة الايكولوجيا العميقة، الفلسفة البيئية من حقوق الحيوان إلى الايكولوجيا الجذرية، المرجع السابق، ص 242.
  9. Marie-eve Blackburn, Le Développent Durable, une solution éthique pour contre la détérioration de l’environnent, Université du Québec Montréal, Décembre 2013, p 30.
  10. . أم الزين بنشيخة المسكيني، هانز يوناس، ضمن موسوعة الأبحاث الفلسفية، الفلسفة الغربية المعاصرة، صناعة العقل الغربي من مركزية الحداثة إلى التشفير المزدوج، المرجع السابق، ص 978.
  11. . Hans Jonas, Le Principe Responsabilité, Une éthique pour la civilisation technologique, Op.cit, p30.
  12. حمد رشيد وصاريني محمد سعيد، البيئة ومشكلاتها، عالم المعرفة، العدد22، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1978، ص 111.
  13. نجاة النيش، الطاقة والبيئة والتنمية المستديمة، آفاق ومستجدات، المعهد العربي للتخطيط، الكويت، 2001، 01.
  14. . توماس بيري، الإنسان القابل للحياة، الفلسفة البيئية من حقوق الحيوان إلى الايكولوجيا الجذرية، المرجع السابق، ص 233.
  15. . إن الانشقاق الفلسفي الكبير الذي حدث بين الجناح المتمركز بشريا و الجناح المتمركز حيويا ضمن المذهب البيئي خلال الستينات استحث الفيلسوف النرويجي آرني نيس كي يقدم بحثه الموجز "الضحل والعميق، حركات الايكولوجيا بعيدة المدى" -وفيه ابتكر مصطلح الايكولوجيا العميقة- إلى مؤتمر مستقبل العالم الثالث الذي عقد في بوخاريست عام 1972، حيث تشمل الايكولوجيا العميقة حسب آرني نيس الترابطية الداخلية للمنظومات البيئية والمساواة الايكولوجية، وتقدير قيمة التنوع والتعايش والتعقيد الايكولوجي وتبجيل الطبيعة البرية. أنظر: جورج سيشنز، الايكولوجيا العميقة، الفلسفة البيئية من حقوق الحيوان إلى الايكولوجيا الجذرية، المرجع السابق، ص 242.
  16. . Luc Ferry, Le Nouvel Ordre écologique, L’arbre, L’animal et L’homme, éditions Grasset et Fasquelle, Paris, 1992, p130.
  17. .  أم الزين بنشيخة المسكيني، هانز يوناس، ضمن موسوعة الأبحاث الفلسفية، الفلسفة الغربية المعاصرة، صناعة العقل الغربي من مركزية الحداثة إلى التشفير المزدوج، المرجع السابق، ص 974.
  18. . Fauchon Sophie Berube, Le Principe Responsabilité de Hans Jonas et la responsabilité sociale, mémoire présenté comme exigence Partielle de la maitrise en philosophie, université du Québec a Montréal, 2007, p 7 .
  19. . امانويل كانط، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، المرجع السابق، ص 46.
  20. . وجدي خيري نسيم، الفلسفة و قضايا البيئة، أخلاق المسؤولية هانز يوناس أنموذجا، المرجع السابق، ص 180.
  21. . Luc Ferry, Le Nouvel Ordre écologique, Op.cit, p 127.
  22. . جاكلين روس، الفكر الأخلاقي المعاصر،ترجمة وتقديم عادل العوا، ط1، منشورات عويدات، بيروت، 2001، ص 123.
  23. . Hans Jonas, Le Principe Responsabilité, Une éthique pour la civilisation technologique, Op.cit, p55.
  24. . وجدي خيري نسيم، الفلسفة و قضايا البيئة، أخلاق المسؤولية هانز يوناس أنموذجا، المرجع السابق، ص 117.
  25. . Hans Jonas, Le Principe Responsabilité, Une éthique pour la civilisation technologique, Op.cit, p 173.
  26. .Ibid. p 93.
  27. Fauchon Sophie Berube, Le Principe Responsabilité de Hans Jonas et la responsabilité sociale, Ibid. p14.
  28. . Hans Jonas, Le Principe Responsabilité, Une éthique pour la civilisation technologique, Op.cit, p42.
  29. . أم الزين بنشيخة المسكيني، هانز يوناس، ضمن موسوعة الأبحاث الفلسفية، الفلسفة الغربية المعاصرة، صناعة العقل الغربي من مركزية الحداثة إلى التشفير المزدوج، المرجع السابق، ص 990.
  30. . Hans Jonas, Le Principe Responsabilité, Une éthique pour la civilisation technologique, Op.cit, p31.
  31. . سمية بيدوح، فلسفة الجسد، (دط)، دار التنوير، تونس، 2009، ص 111.
  32. . Fauchon Sophie Berube, Le Principe Responsabilité de Hans Jonas et la responsabilité sociale, Ibid. p 9.
  33. . Paul Ricœur, Le Concept de La Responsabilité, essais d’analyse sémantique, Esprit n°5, Novembre, 1994, p 28.
  34. . وجدي خيري نسيم، الفلسفة و قضايا البيئة، أخلاق المسؤولية هانز يوناس أنموذجا، المرجع السابق، ص 220.
  35. . Fauchon Sophie Berube, Le Principe Responsabilité de Hans Jonas et la responsabilité sociale, Ibid. p 15.
  36. . Marie Genévrière Pinsart, Hans Jonas et la Liberté, Dictionnaire théologiques, éthiques et politique, Vrin, Paris, 2002, p 167.
  37. . جاكلين روس الفكر الأخلاقي المعاصر، المرجع السابق، ص 39.
  38. .يقول هابرماس عن دور العقل التواصلي في نقد العقل الأداتي ما يلي: "يتقاطع العالم المعاش والممارسة التواصلية اليومية في نظرية الفاعلية التواصلية، مكان الوساطة التي كان ماركس والماركسيون الغربيون قد خصصوها للبراكسيس الاجتماعي. في هذا البراكسيس الاجتماعي كان من المفترض أن يقوم العقل بدور الوساطة مع آحَرِه مستعينا بموقعه التاريخي، وتجسده ومجابهته مع الطبيعة، فإذا كان على الفاعلية التواصلية الآن الاضطلاع بوظائف الوساطة قد تقع في الاعتقاد أن نظرية الفاعلية التواصلية لا تقدم على الرغم من كل شيء سوى "شكل" من أشكال فلسفة البراكسيس. وبالفعل، على الجديدة كما على القديمة، أن تضطلع بالمهمة نفسها؛ وهي تصور الممارسة العقلانية بمثابة عقل صار عيانيا داخل التاريخ والمجتمع". أنظر: يورغن هابرماس، القول الفلسفي للحداثة، ترجمة فاطمة الجيوشي، (دط)، منشورات وزارة الثقافة، سوريا، 1995، ص 485.
  39. .جمال بامي، الفلسفة البيئية وأخلاق الأرض، مجلة الإحياء، الرابطة المحمدية للعلماء، المغرب، العدد 32-33، 2010، ص 138.
  40. . Paul Ricœur, Responsabilité et fragilité, Autre Temps, 76-77, 2003, p127
  41. . Hans Jonas, Le Principe Responsabilité, Une éthique pour la civilisation technologique, Op.cit, p200.

Pour citer ce document

محمد بن سباع, «الفلسفة الايكولوجية عند هانز يوناس "نحو أخلاق جديدة لمستقبل الطبيعة والإنسانية"»

[En ligne] مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales العدد 26- مجلد 15-2018N°26 Vol 15- 2018
Papier : pp 91-102,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2018-05-14,
mis a jour le : 11/07/2018,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=2806.