ميــــزان العربيّــة... مَن ذاك الحكيــم الّـذي جرّده فقــدّره.؟!
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 07 جوان 2008 N°07 Juin 2008

ميــــزان العربيّــة... مَن ذاك الحكيــم الّـذي جرّده فقــدّره.؟!
pp : 12 - 26

عيســى بن سديـرة
  • resume:Ar
  • resume
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

     يتناول المقال العلمي الموسوم بـ : " ميزان العربية : من ذاك الحكيم الذي جرّده فقدّره؟ "مناقشة مسالة علمية ظلت متروكة في طي الإغفال والإهمال، منذ القرن الهجري الثاني إلى اليوم، وذلك من خلال التطرق إلى الجوانب الآتية :

1- فتح تحقيق علمي حول هوية المخترع الأصلي للميزان الصّرفي للعربية.

2- إبراز أهمية الميزان التجريدي (فعل)، الذي يمثل العمود الفقري لعلم الصّرف العربي.

3- تحديد الملكات العقلية والنّفسية المطلوب توفّرها في شخص العالم المؤهل أكثر من غيره لابتكار الميزان الصّرفي.

والهدف من ذلك كلّه، هو التنبيه إلى المؤهلات العقلية والنّفسية التي يتعيّن على كل من يُقبل على العربية علما واستعمالا أن يتحلى بها كمالا وجمالا.

   Cet article scientifique intitulé :<< la balance de la langue arabe : qui est ce sage qui l’avait dénué et considéré ? >> contient la discussion d’une question scientifique qui a été délaissée depuis le deuxième siècle de l’Hégire jusqu'à nos jours, et cela en évoquant les points suivants :

1-Ouverture d’une constatation scientifique sur l’identité de l’inventeur authentique de la balance grammaticale de la langue arabe.

2-Indiquer l’importance de la balance abstractive (FAALA) qui représente la colonne vertébrale de la science de grammaire arabe.

3-Définition des capacités intellectuelles et psychiques que le savant devrait posséder pour inventer la balance grammaticale.

Enfin, le but de tout cela, c’est de mentionner les compétences intellectuelles et psychiques que chacun veut étudier et utiliser la langue

  إن علم العربية يمثل أسرة تتفرع إلى عدّة علوم، تجمع بينها أواصر القربى، رغم تميز كلّ منها بموضوع معين. من نحو، وصرف، وبلاغة، وعروض، ومعجم، وغيرها.

وقد تفرض مقتضيات البحث أحيانا الفصل المؤقت بين علم و آخر حتى يمكن لنا إدراك خصوصية كل فرع منها، لكن ذلك المقتضى نفسه يفرض أحيانا أخرى الدمج بين أطراف متنوعة من علوم العربية، حتى نعلم أسباب وجود بعض الخصائص بالنسبة إلى بعضها الآخر؛ حيث إن آلية النظام اللغوي كما في جميـع الموجودات الحيوية، يتطلب المزاوجـة بين عمليتي التفكيـك والتركيب، حتى يحقـق أعلى درجـات التفاعـل و التجـاوب مع المقاصـد والأهداف.    

وفي هذا الصدد، فإنّ أهم ما يتسنى لنا ملاحظته بصورة جامعة ومشتركة بين التفعيلات الشعرية والأفاعيل التصريفية للكلمات العربية،أن العمود الفقري لكل منهما هو ما يجسمه التقاء العناصر الثلاثة الآتية: " الفاء، والعين، واللام". فأما اِنتساب التفعيلات المكوّنة للبحور الشعرية اِلى الخليل  بن أحمد، فذلك أمر متحقق لا يختلف حوله اِثنان.. لكن هذه العناصر الأساسية نفسها من الجذور المشكّلة لأصول الميزان الصرفي للعربية " ف، ع، ل "، لا نجد في المصادر التراثية ما يقطع بنسبتها إلى الخليل.

وحقيق بنا أن نتساءل بادئ ذي بدء: ما هي أهمية الجذور الثلاثة التي يتشكل منها الميزان الصرفي للكلمات العربية " فعل ".؟ 

لا شك إن أبسط تعامل مع أوضاع الصرف العربي وقضاياه العلمية، يؤكد لنا بكل جلاء أن هذه الجذور الثلاثة هي المحور الأساس لفحص كل ما يعتري الكلمات العربية المتصرفة من تحويرات وتحويلات، بالزيادة والحذف، أو الصحة والإعلال، أو القلب والإبدال، أو الفك والإدغام.    

لكنّنا عندما نتصفح المؤلفات الصرفية في مصادرها الأصيلة ومراجعها الحديثة، لا نكاد نعثر فيها على استقصاء مؤصّل واستقراء مفصل من شأنه أن يجلي ويشخص للدّارس جملة ما ينطوي عليه الميزان الصرفي في العربية من حقائق علمية عظيمة القدر والأهمية. ذلك أنه يمكن لنا بكل تجرّد وموضوعية أن نعتبر أن تشكيل هذا الميزان الصرفي على النّحو المعلوم، كمعيار لدراسة الكلمات العربية، ليس له ما يماثله أو يضاهيه في الدّقّة والإحكام بين جميع الأنظمة والمقاييس الدراسية للغات الإنسانية قديما وحديثا.

يقول د.عبده الراجحي في مؤلفه" التطبيق الصرفي" : " الميزان الصرفي مقياس وضعه علماء العربية، لمعرفة أحوال بنية الكلمة، وهو من أحسن ما عرف من مقاييس في ضبط اللغات..               

ويسمى ' الوزن ' في الكتب القديمة أحيانا مثالا فالمُثُل هي الأوزان. "[1]

ـ إنّ هذه الكلمة الجامعة التي سجلها الأستاذ الدكتور عبده الراجحي، الخبير المتضلع في الدراسات العربية، إذ هي قد انطوت على إشادة كلية عامة بالميزان الصرفي للكلمات العربية، فإنها لا تمنعنا من إبداء الملاحظتين التاليتين:  

  • إشاعة الميزان الصّرفي، بإعتباره شكلا من أشكال الملكية العامة، وكأنما قد أسهم في وضعه جميع علماء العربية..مع الإشارة إلى أن هذا المؤلف الصرفي المذكور موجه لأساتذة وطلاب الدراسات الجامعية، وهو ما يفترض فيه توفر قدر كبير من الدقة العلمية، والتحقيق التأصيلي والتدقيق التفصيلي، والتعمق في تعليل وتفسير المسائل العلمية.  
  • يطلق الأستاذ الدكتور في تعريفه حكما عاما، ينطوي على إقرار علمي حقيقي بأفضلية الميزان الصرفي للعربية على غيره مما يمكن أن يوجد من موازين تمثيلية في ضبط اللغات الأخرى، لكنه لا يخصص هذا المدح ولا يدعمه بأية قرينة علمية تروي غليل الدارس المتطلع إلى تحقيق الأحكام العلمية على هذا المستوى من البحث والدراسة المتخصصة في المعاهد الجامعية.

لكنه يجدر بنا القول بعد هذه الملاحظات الطفيفة، إنّ تقديم الأستاذ الدّكتور عبده الرّاجحي يعدّ من أفضل ما مهّدت به المؤلّفات الحديثة من مفاتيح الدّخول إلى الدّراسات الصّرفية.

وإذا عدنا إلى أمّهات الكتب التّراثية الأصيلة، فإنّنا نسجّل كذلك في شأنها وجود ظاهرة الملكية الشّائعة للميزان الصّرفي، مع ملاحظة فارق التّركيز عند بعض العلماء القدامى على التّنويه والإشادة بجهود الخليل بن أحمد خاصّـة في تأسيس الدّراسات الصّرفية وإيجاد الوسائل العلمية الكفيلة بضبط كلمات اللّغة العربية.

لا شكّ أنّ أكثر من تتّجه الأنظار إليه في معرفة موقفه من هذه القضيّة، هو من يعدّ أقرب النّاس وأوثقهم صلة بالخليل بن أحمد، ومن يكون غير العالم النّحرير سيبويه ..؟

- يقول سيبويه ضمن أول عنوان يفتتح به المباحث الصّرفية:

«هذا باب ما بنت العرب من الأسماء والصّفات، والأفعال غير المعتلّة والمعتلّة، وما قيس من المعتلّ الّذي لا يتكلّمون به، ولم يجئ في كلامهم إلاّ نظيره من غير بابه، وهو الّذي يسمّيه النّحويون التّصريف والفَعْل. »[2]

لا ريب في أنّ أهم ما يستوقف الدّارس المتفحّص لهذا الكلام الصّادر من عالم جليل، لا يتطرّق الشّك أبدا إلى أمانته العلمية هو الآتي :

1- لقد أثبت سيبويه من خلال نصّ هذا العنوان، أنّ "الفَعْل" وهو ميزان الصّرف في العربية، قد جعله مرادفا للتّصريف، وتلك أكمل وأوثق شهادة من هذا العالم الجليل، تشخّص وتلخّص لنا في أوجز تعبير، أهمّية الموقع المحوري للميزان الصّرفي، باعتباره أهمّ ركن يستند إليه البحث في صيغ الكلمات العربية أسماء وأفعالاً، في مجمل ما يتّصل بها من تحويلات وتغييرات في الأصول المؤسِّسة والفروع المشتقّة منها.

لا شكّ أنّ هذا التّأسيس العلمي الجامع، يخوّل لنا أن نحكم بأنّه لا مجال للخوض في أيّ صرف وتصريف للكلمات العربية في غياب الأصل المؤسَّس عليه، وهو "الفَعْل" أي الميزان الصّرفي.

2- لكنّ سيبويه ما لبث أن طوّح بنا إثر ذلك في متاهة متشعّبة مدوِّخة، في قوله : " وهو الّذي يسمّيه النّحويون.." ، وهذا ما يجعلنا نتساءل حقّا وصدقاً:

- هل يمكن لمثل سيبويه أن يكون غير متحقّق فِعلاً ممّن اخترع ذلك "الفَعْل"، رغم حيويّة هذا الأمر وأهمّيته المحورية في نظام الصّرف العربي، حسب تقدير سيبويه ذاته ؟

إنّه لا مناص لنا من تبرير ذلك وتعليله بواحد من الأسباب التّالية :

أ/ لسبب أنّ الخليل كان يلقّن علمه لتلاميذ آخرين غير سيبويه، كالكسائي والنّضر بن شميل واللّيث وغيرهم، ممّا يمكن معه الافتراض بأنّه لم يكن يحصرتلقين ما عَلِمه لسيبويه فقط.

ب/ أن يكون ذلك قد حصل خاصّة، بسبب الزّهد الذي يشتهر به الخليل فيما يتعلّق بدواعي الشّهرة والصّيت.

ج/ أو أنّ مدعاة ذلك، وهو الأنسب في نظري، بسبب أنّ الخليل لم يكن في الواقع يتكلّف طـرح المسائـل على تلاميذه واختبـارهم فيها، بل كـان في الأغلب ينتظر منهم إثارة الأسئلة حول ما يريدون أن يستفتوه أو يتحقّقوا بشأنه من المسائل العلمية معه.. وهو ما يجعل هذا العبقري الزّاهد يتحرّج من التّصريح بنسبة "الميزان الصّرفي" إلى نفسه، فكان في الأرجح ينتظر منهم أن يستنبطوا ذلك من تلقاء أنفسهم.. ولعلّ ما يؤكّد صحّة هذا التّقدير خاصّة، هو أنّ الخليل كان يتعامل مع تلاميذه من منطلق العالِم الباحث معهم، وليس من منطلق المعلّم الملقّن لهم.

إنّ الإثبات المرجوّ في مسألة نسبة الاختراع لهذا الميزان المتميّز إلى الخليل بن أحمد، يتوقّف الحسم بشأنه على مجموعة قرائن وعوامل موضوعية، تستند في تحقّق شرعيتها إلى المُسلَّمة القاضية بمنطقية الارتباط السّببي بين الصَّنعة والصّانع، وبين الاختراع والمخترع، من منطلق دلالة أحدهما على الآخر، حيث تثبت لنا الوقائع الحادثة في مجرى الحياة، أنّه كثيرا ما دلّت الأفعال وآثار الأعمال على أصحابها.. وتلك سنّة عربية أصيلة مَرعيـة، كان العرب يلجؤون إليها في كشف المجاهيل، وتقّفي الآثار المرشدة إلى تتبّع أصحابها، والشّواهد في هذا المضمار كثيرة ومتنوّعة.

لا مِرية في أنّ الاستدلال على ما بين الميزان الصّرفي وبين الخليل بن أحمد من وشائج الاتّصال والقربى، سيتكشّف سرّه ويُستجلى أمره بعد استعراض جملة العوامل والقرائن الموضوعيّة الآتية :

1- حيازة عقل رياضي: وذلك بالنّظر لما تقتضيه عِدّة الحروف والكلمات العربية من عمليات حسابية متنوّعة.. ولم نجد في طيّات التّراث العربي أنّ عالِما قد أخضع الكلمات العربية لمنطق العمليات الرّياضية مثلما فعل الخليل بن أحمد، الذي قدّر في حساباته أن يكون مجموع الرّصيد المفترض للكلمات العربية استعمالا وإهمالا، يبلغ (12) اثني عشر مليون كلمة.

وليس خافيا على أحد، أنّ الخليل بن أحمد معروف عنه بأنّه عالم موهوب في الرّياضيات لذلك العهد.

2- جبلة المخترِع للميزان الصّرفي على ملكة موسيقية لطيفة رقيقة.. ذلك أنّ الكلمات العربية تنطوي منفردة ومجتمعة ومصنّفة، على سلّم تنغيمي، يجعلها تحمل في طيّاتها إيقاعا موسيقيا فريدًا في كلّ ما عُرف من لغات البشر قديما وحديثا.. وهذا ملحوظ بوضوح في هرمية أصوات حروفها ممتزجة بحركاتها وسكناتها، كما في الأمثلة الآتية :

- فعِل ← أفعل ← إفتعـل => سلِـم ← أسلم ← استلـم.

- فعَل ← فاعل ← تفاعل => كَتـب ← كاتب ← تكـاتب.

- فعُل ← فعّل ← تفعـّل  => شرُف ← شرّف ← تشرّف.

ومن شأن ذلك أن يجعل الأذن تتحسّس عند سماع هذه الصّيغ تراتبا تنغيميا، يشكّل هرما متناميا من الإيقاع الموسيقي المنتظم..

ومن أراد أن يُسلّم بحقيقة ذلك كأوضح ما يكون، فليجنـح بخياله قليلا إلى ما فعله الخليل بن أحمد في الأوزان والبحور الشّعرية خصوصًا..

و من المعـوم المتّفـق عليه في هذا الصّـدد إنّ الخليـل كان عالمـا في الموسيقى، إن لم يكن هو المؤسِّس الأوّل لعلم الموسيقى العربية.

3- ضرورة توفّر المخترع للميزان الصّرفي على قوّة عقلية، تمكّنه من بلوغ أرفع مستويات التّصوّر والتّجريد.

إنّ هذه القوّة العقلية تتيح لمخترع الميزان، أن يجرّد أمثلة الصّيغ الموزونة للكلمات العربية، لإدراك ما تنطوي عليه من دلالة خاصّة بكلّ صيغة. وقد شهد سيبويه مرارًا على قوّة التّصوّر العقلي وعمقه عند الخليل حيث أفاد بأنّه كان يهجم على المسألة اللّغوية حتّى لكأنّ النّظام اللغوي كلّه كامن في عقله وإدراكه.

- قال ابن جنّي في الخصائص : " وذلك أنّك تجد المصادر الرّباعية المضعّفة تأتي للتّكرير، نحو الزّعزعة والقلقلة والصّلصلة.. إلخ "[3]

- ثمّ أضاف قائلا: " ومن ذلك، وهو أصنع منه، أنّهم جعلوا (استفعل) في أكثر الأمر للطّلب، نحو استسقى واستطعم.. "[4]

- ثمّ أردف قائلا: " ومن ذلك أنّهم جعلوا تكرير العين في المثال – أي في الوزن- دليلا على تكرير الفعل، فقالوا: كسّر، وفتّح، وغلّق.. "[5]

- ثمّ يلخّص ابن جنّي المغزى من ذلك وغيره بقوله:

" فهذا طريق المُثُل –أي الأوزان-، واحتياطاتهم فيها بالصّنعة، ودلالاتهم منها على البُغية."[6]

فالقوم إذن صُنّاع أوزان تعبّر عن إرادتهم ومطلبهم فيها.

4- إدراك منهجي شامل ومتكامل للظّاهرة اللّغوية:

وهو ما يمكّن المخترع من استيعاب مجمل الأصول والفروع المكوِّنة لصرح البناء اللغوي.

ولقد كان الخليل بن أحمد نموذجا مثاليا مجسِّما لأفضل ما عُرف عند علماء العربية جميعا من إدراك منهجي دقيق لمختلف أبعاد الظّاهرة اللغويـة في جميع جوانبها الصّوتية والإفرادية والتركيبية، فلم يكن الخليل عالما لغويا فحسب، بل كان مؤسّسة لغوية متكاملة.

5- التّمتع بطبع فطري سليقي، يساعد المخترع للميزان الصّرفي على إدراك أدقّ الخصوصيات وأعمق الأسرار التي تمتاز بها العربية..

ولقد كان الخليل بن أحمد عربيا قُحّا أصيلا، جمع إلى علمه وعقله فطرة عربية صافية نقية منزّهة عن كلّ آثار العجمة والاختلاط..

فهو من كان يفزع إليه سيبويه عندما يستعصي عليه إدراك مقاصد العرب وحكمتهم في استعمال لغتهم، فكان الخليل نعم المعين والمنجد لسيبويه في هذا السّبيل.

- قال ابن جنّي : (قال الخليل : " كأنّهم توهّموا في صوت الجُندب استطالة ومدًّا فقالوا: صَرَّ، وتوهّموا في صوت البازي تقطيعا، فقالوا: صرصر."[7]

إذا جئنا إلى تطبيق المقاييس الخمسة المذكورة، نجد أنّ الخليل بن أحمد هو المرشّح الأكثر سهما والأوفر حظّا من بين جميع علماء العربية لذلك العهد التّأسيسي الأوّل، بحيث يمكن لنا أن ننسب إليه بكلّ ثقة واطمئنان مهمّة اختراع الميزان الصّرفي للعربية.

لكنّنا مع ذلك نلاحظ أنّ معظم الدّارسين يستنكفون عن إبراز دور الخليل في تأسيس صرف العربية، اكتفاء منهم في ذلك بما قد ظهر من عبقريّته المشهودة في الجوانب الأخرى من نحو وعروض ومعجم وغير ذلك.

الحقُّ إنّ من يُقبل على تصفّح كتاب سيبويه بتمعّن، سيجد بكلّ جلاء ووضوح أنّه كان يرجـع في القسم الأوّل منه والمخصّص للمباحث النّحويـة، إلى الخليل وإلى غيره من علماء العربية المعاصرين له مرارًا وتكرارًا، لكنّ سيبويه عندما ينتقل إلى القسم الثاني المخصّص للمباحث الصّرفية، نجد أنّ كتابه يوشك أن يمثّل تسجيلا متتاليا لأصول علم الصّرف ومبادئه عند الخليل بن أحمد تأسيسًا، إلى درجة أنّ شخصية سيبويه في قسم التّصريف تكاد تضمحلّ تماما أمام البروز الواضح لشخصية الخليل في هذا الجانب.

لقد كان سيبويه في قسم المباحث النّحوية يقـول غالبـا: سألت الخليـل، فيذكره باسمه، وعندما جاء بعد ذلك إلى المباحث الصّرفية فإنّه صار يكتفي غالبا بأن يقول عن الخليل : وسألته.. لكثرة ما يرجع إليه في الأخذ والإقتباس المتعلّق بالمسائل الصّرفية..

لنتأمّل مثلا بعض ما أورد سيبويه من ذلك في الصّفحات التّالية من الجزء الرّابع[8]

- ص 379 : بعد أن يستعرض بحثا مفصّلا للهمزة المتطرّفة، يقول في إثره :

وهذا قول الخليل..

- ثمّ بعد سطرين من ذلك يقول :  وسألته..

- وفي السّطر الثالث من الصّفحة الموالية -380- يقول مرّة أخرى : وسألته..

- وفي منتصف الصّفحة التي تليها -381- يقول : " وجميع هذا قول الخليل. "

وإلى هذا الحدّ، تقتضي منّا مجريات هذه المحكمة العلمية أن نستدعي ضيفًا شاهدا مهمًّا ومشوِّقا، بل قل إنّه الحكم الفيصل في هذه القضية، وهو شيخ جليل أنفق عمره في خدمة العربية، بحيث تدفعنا الثّقة في خبرته الواسعة إلى الاطمئنان لما يصدر عنه من مواقف وآراء علمية قيّمة..

- يقول المرحوم الشيخ الدّكتور شوقي ضيف في كتابه "المدارس النّحوية": " وكان عقل الخليل من العقول الخصبة النّادرة (...) وهو عقل جعله يتّصل بكلّ علم، ويحوز لنفسه منه كلّ ما ينبغي من ثراء في التّفكير، ودقّـة في الاستنباط.. دِقّةً تُذهِل كلّ من يقف على وضعه لعروض الشعر، ورفعه لصرح النّحو، ورسمه المنهـجَ الذي أُلّف عليه معجم العيـن، أوّل معجم في العربية .. ولمّا أدركته الشُّهرة لم يستغلّها لنفسه، وتحقيقِ ما حقّقه بعض معاصريه من الثّراء العريض، بل مضى مزدريا للشهرة وما قد يُطوَى فيها من مجد مادّي مكتفيا بكفاف العيش، وفي ذلك يقول النّضر بن شُميل أحد تلاميذه: " أقام الخليل في خُصّ من أخصاص البصرة، لا يقدر على فَلس وأصحابه يكسبون بعلمه الأموال. "[9]

- ثمّ تحدّث عن براعة الخليل في إنشاء علم العروض وابتكاره فقال: " وهو يحمل في تضاعيفه ما يشهد بتمثُّله تمثُّلاً رائعا للنّغم، وعلم الإيقاع ومواضعه، كما يحمل ما يشهد بإتقانه لنظريات العلوم الرّياضية في عصره علما وفَقها وتحليلا، وخاصّة نظريتي المعادلات والتّباديل والتّوافيق. " [10]

- ثمّ يضيف الشّيخ الدّكتور قائلا:

" ولم يستغل الخليل نظرية التّباديل والتّوافيق الرّياضية في وضعه علم العروض فحسب، فقد استغلّها أيضا في وضع منهج قويم لمعجم العين المشهور، إذ بناه على تقليب كلّ الصّيغ الأصلية. "[11]

- ويسترسل الدّكتور شوقي ضيف في تقديم وصفه الرّاصد للإنجازات العلمية الخليلية قائلا:

" وبالمثل تناول علمي النّحو والتّصريف ساذَجين من أسلافه، ومازال بهما حتّى استويا في صورتهما التي ثَبَتَت على الزّمن، ونستطيع أن نقـول في إجمال – والكلام للدّكتور شوقي دائما – إنّ جمهور ما يصوّره سيبويـه في كتابه من أصول النّحو والتّصريف وقواعدهما إنّما هو من صنيع أستاذه.. ولا يُنكر أحد ما لسيبويه من إكمال في العلمين وتتميم، ولكنّ المهمّ أنّ واضعَ تخطيطهما وراسمَ لوحتيهما إنّما هو الخليل. "[12]

ثمّ يخصّص الشيخ الدّكتور بعد ذلك حديثه عن صنيع الخليل في علم الصّرف فيقول:

" وأدّته بحوثه الواسعة في بنية الكلمة، وما لحروفها من أصالة وزيادة، إلى أن يقسّم الكلمات إلى مجرّدة ومزيدة، ملاحظا أنّ المجرّدة لا تزيد على خمسة ولا تقلّ عن ثلاثة.. ووضع للأبنية المجرّدة والمزيدة الميزان الصّرفي المشهور "[13] ] لكنّ الشّيخ الدّكتور لا يحيلنا هنا إلى المصدر الذي يؤسّس عليه ويؤصّل لهذه المعلومة العلمية الهامّة [، ثمّ يواصل حديثه عن الميزان الصّرفي في محاولة لتأصيله بين العلوم الخليلية قائلا: " وهو شديد الصّلة بميزان تفاعيله في العروض، ممّا يؤكّد أنّه هو واضعه. "[14]

وهذا ما يؤكّد لنا أنّ الشيخ الدّكتور قد كان يجتهد كذلك في حشد ما أمكن من القرائن الموضوعية، التي تجعلنـا نرجّح نسبة وضع الميزان الصّرفـي إلى الخليل بن أحمد خاصّة، دون غيره من علماء عصره أو ممّن سبقوه.

ثمّ يتوقّف الشيخ الدّكتور شوقي ضيف أمام إعجابه بالملكة الوجدانية للفصاحة الفطرية التي يتمتّع بها الخليل فيقول : " وكان يمتاز بحسّ لغوي دقيق، جعله يفقه أسرار العربية ودقائقها في العبارات والألفاظ فقها لعلّ أحدًا من معاصريه لم يبلغه. "[15]

بعد كلّ هذا، يمكننا أن نقدّر بكلّ صراحة وموضوعية، أنّ مسألة إثبات نسبة المـيزان الصّرفـي من عدمهـا إلى الخليل بن أحمد، قد لا تضـيف إلى رصيده العلمي أكثر ممّا هو مشهود له بالرّيادة والعبقرية في تأسيس العديد من علوم العربية.. ولعلّ أن يكون في محاولة إثبات هذا الأمر ما يخدم مصلحتنا نحن الآن أكثر من مصلحة الخليل نفسه، إذ أنّه ومن خلال المقاييس الخمسة المصنّفة آنفا، نستطيع أن ندرك أنّ دارس العربية يتوجّب عليه أن يُلمّ بكمالات عقلية وملكات نفسية ووجدانية، من عقل رياضي، وملكة موسيقية، وقوّة عقلية في التصوّر والتجريد، ومدارك منهجية شاملة ومتكاملة، وطبع فطري سليم متشبّع بالمَجَسّات والمُحِسّات اللغوية الدّقيقة.. فتلك شروط أوّلية ضرورية، قد يُضاف إليها شروط أخرى ممّا يتطلّبه العصر الحاضر، لتجعلنا بذلك مؤهّلين للتّعامل المعمّق مع هذه اللّغة البديعة العجيبة..

- يقول ابن جنّي، وهو العالم النّحرير المتبحّر في أسرار العربية وخصائصها :

" .. وذلك أنّني إذا تأمّلت حال هذه اللّغـة الشريفـة، الكريمـة اللطيفـة، وجدتُ فيها من الحكمة والدّقّة، والإرهاف والرّقّة، ما يملك عليّ جانب الفكر، حتّى يكاد يطمح به أمام غَلْوة السّحر."[16]

- قال الحقّ تبارك وتعالى: ( الله الذي أنزل الكتاب بالحقّ والميزان.)[17]

- وقال تعالى: (إنّا أنزلناه قرآنا عربيا لعلّكم تعقلون.)[18] ­

- وقال عزّ وجل: (إنّا جعلناه قرآنا عربيّا لعلّكم تعقلون.)­[19]

- وقال سبحانه وتعالى: (وكذلك أنزلناه حكما عربيا.)[20]

فبورك في هذه اللّغة الشّريفة التي وسِعت كلّ أغراض ومقاصد الكتاب المعجز، المنزّل بالحقّ والميزان والحكم.. وبورك في خدّامها الشرفاء من كلّ مصر وعصر.

- يقول أبو القاسم الزّجاجي (ت 337ﻫ) :

" وذَكَر بعضُ شُيوخنا أنّ الخليل بن أحمد رحمه الله، سُئل عن العلل التي يعتلّ بها في النّحو، فقيل له: عن العرب أخذتها أم اخترعتها من نفسك؟ فقال:

" إنّ العرب نطقت على سجيّتها وطباعها، وعرَفت مواقع كلامها، وقام في عقولها عِللُه، وإن لم ينقل ذلك عنها واعتلَلْت أنا بما عندي أنّه علّة لِما عَلَلته منه، فإن أكن أصبت العلّة فهو الذي التمست، وإن تكن هنـاك علّـة له، فمثلي في ذلك مثل رجل حكيم دخل دارًا محكمة البناء، عجيبة النظم والأقسام، وقد صحّت عنده حكمة بانيها، بالخبر الصّادق أو بالبراهين الواضحة والحجج اللاّئحة.. فكلّما وقف هذا الرّجل في الدّار على شيء منها قال: إنّما فعل هذا لعلّة كذا وكذا، ولسبب كذا وكذا، سنحت له وخطرت ببالِه محتمِلة لذلك.. فجائز أن يكون الحكيم الباني للدّار فَعَل ذلك للعلّة التي ذكرها هذا الذي دخل الدّار، وجائز أن يكون فَعَله لغير تلك العلّة، إلاّ أنّ ذلك ممّا ذكره هذا الرّجل محتمل أن يكون علّة لذلك.. فإن سنح لغيري علّةُُ لما عللتُه من النّحو هو أليق ممّا ذكرته بالمعلول، فليأت بها."[21]

- ألا إنّ تلكم الدّار لهي صرح بنيان العربية الشّامخ، ألا وإنّ ذلكم الحكيم المقيم بها إلى يوم القيامة لهو الخليل بن أحمد وجميع من سار على دربه من خدّام هذه اللّغة الشريفة، جعلنا الله منهم وفيهم – آمين -. والله أعلم بالغيب.

مراجـــع :

* القرآن الكريم

1- ابن جنّي (أبو الفتح عثمان)، الخصائص، تح: محمّد علي النّجّار، المكتبة العلمية، دارالكتب المصرية.

2- د. الرّاجحي (عبده)، التطبيق الصّرفي، دار المعرفة الجامعية.

3- الزّجّاجي (أبو القاسم)، الإيضاح في علل النّحو، تح: د. مازن المبارك، دار النّفائس، ط5: 1406ﻫ/1986م.

4- سيبويه (أبو عمرو بن عثمان بن قنبر)، الكتاب، تح: عبد السّلام محمّد هارون، مكتبة الخانجي بالقاهرة، دار الرّفاعي بالرّياض، ط2: 1402ﻫ/1983م.

5- د. شوقي ضيف، المدارس النّحوية، دار المعارف بمصر، ط2.




[1] - عبده الرّاجحي، التطبيق الصّرفي، دار المعرفة الجامعية، ص10.

[2] - سيبويه- الكتاب .ج4. ص 242.

[3] - ابن جنّي، الخصائص.ج2. ص153.

[4] - المصدر نفسه .ج2. ص153.

[5] - المصدر نفسه .ج2. ص155.

[6] - المصدر نفسه .ج2. ص157.

[7] - ابن جنّي، الخصائص .ج2. ص152.

[8] - سيبويه، الكتاب .ج4. ص 379-380-381.

[9] - د. شوقي ضيف، المدارس النّحوية . ص 30-31.

[10] - د. شوقي ضيف، المدارس النّحوية . ص 31.

[11] - المرجع نفسه . ص 31.

[12] - المرجع نفسه . ص 34.

[13] - د. شوقي ضيف، المدارس النّحوية. ص 35.

[14] - المرجع نفسه والصفحة نفسها.

[15] - المرجع نفسه. ص 37.

[16] - ابن جنّي، الخصائص.ج1. ص46.

[17] - سورة الشورى، الآية 15.

[18] - سورة يوسف، الآية 2.

[19] - سورة الزّخرف، الآية 2.

[20] - سورة الرّعد، الآية 38.

[21] - أبو القاسم الزّجاجي، الإيضاح في علل النّحو. ص65-66.

Pour citer ce document

عيســى بن سديـرة, «ميــــزان العربيّــة... مَن ذاك الحكيــم الّـذي جرّده فقــدّره.؟!»

[En ligne] العدد 07 جوان 2008N°07 Juin 2008 ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales
Papier : pp : 12 - 26,
Date Publication Sur Papier : 2008-06-01,
Date Pulication Electronique : 2012-03-25,
mis a jour le : 26/01/2014,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=281.