شعرية الفضاء في المتخيل الشعري الجاهلي
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 07 جوان 2008 N°07 Juin 2008

شعرية الفضاء في المتخيل الشعري الجاهلي
pp : 53 - 68

حفيظــة رواينيــة
  • resume:Ar
  • resume
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

      يعالج البحث في شعرية الفضاء أسئلة متعددة، بعضها يتعلق بماهية الفضاء، كونه مفهوما فيزيائيا حديثا متأصلا في طبيعة العالم، وبنية تنتظم داخلها الكائنات والأشياء 

    Le texte traite de la poétique de l’espace, questionnements diversifiés tant sur le plan sens que sur le plan concept. La nature du monde, ainsi la structure de la représentation de l’espace langagier.

يطرح البحث في شعرية الفضاء أسئلة متعددة، بعضها يتعلق بماهية الفضاء، كونه مفهوما فيزيائيا حديثا متأصلا في طبيعة العالم، وبنية تنتظم داخلها الكائنات والأشياء، وشرطا ضروريا للوجود الذي لا يتحقق إلا به وفيه؛ وبعضها الآخر يتعلق بفضائية اللغة وبنية التمثيل الذهني للرؤى والتصورات والأشياء، فإذا ما أردنا موقعة موضوع ما أو شيء ما داخل فضاء واقعي أو متخيل نحتاج إلى استعمال خاص للعلامات اللغوية ذات الحمولة الفضائية التي بإمكانها أن تحقق تصورنا للفضاء وللعلاقات الفضائية.

 بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى ((والأرض وضَعَهَا للأنام)) (1).

((يغرس الواحد منا إصبعه في التربة فيعرف الأرض التي ينتمي إليها من الرائحة التي يشمها)) (2)

قال الأخنس بن شهاب التغلبي :

                                      لِكُلِّ  أُنَاسٍ مِنْ  مَعَدٍّّ   عِمَارَةٌٍ          عَرُوضٌ إِلَيْهَا يَلْجَؤُونَ  وَجَانِبُ

                                       لُكَيْزٌ لَهَا البَحْرَانِ وَالسِّيفُ كُلُّهُ        وَإِنْ  يَأْتِهَا بَأْسٌ مِنَ الهِنْدِ كَارِبُ

                                       وَبَكْرٌ لَهَا ظَهْرُ العِرَاقِ وَإِنْ تَشَأْ       يَحُلْ دُونَهَا مِنَ اليَمَامَةِ  حَـاجِبُ

                                       وَصَارَتْ تَمِيمٌ بَيْنَ قُفٍّ وَرَمْلَةٍ         لَهَا مِنْ  حِبال  مُنْتَأًى  وَمَذَاهِبُ

                                       وَكَلْبٌ لَهَا خَبْتٌ فَرَمْلَةُ عَالِـجٍ            إِلَى الْحَرَّّةِ الرَّجْلاءِ حَيْثُ تُحَارِبُ

                                       وَنَحْنُ أُنَاسٌ لا حِجَازَ بِأَرْضِنَا          مَعَ الغَيْثِ مَا نُلْقَى وَمَنْ هُوَ غَالِبُ(3)

وهنا يجدر بنا أن نشير إلى أن الفضاء لا يتحدد عبر تجلياته البصرية فقط، وإنما يتسع ليشمل الفضاءات المادية وغير المادية التي تشكل كلا متجانسا من العلاقات والسلوكات ذات الإحالة الفضائية، أو المرجعية الواقعية، أو تلك المستدعاة بواسطة المشهد المتخيل، والتي لا يمكن أن تتموقع داخل أي مكان يمكن مقارنته بالمشهد المدرك، والمعبر عنه بواسطة الصور الفنية / الشعرية، التي تنتج فضاء يتوفر على بعض خصائص الفضاء الواقعي، ولكنه مختلف عنه وخاضع لإرادة ورغبة الفنان/ الشاعر؛ ولذلك فإن هذا الفضاء لا يمكن أن يوجد خارج تجربتي الكتابة  والقراءة، حيث يتسنى لهذا الفضاء عبر العلاقة التقاطبية بين عمليتي الانجاز الفني والتحقيق الجمالي أن يحقق شعريته؛ وهو ما جعل يوري لوتمان يربط مفهوم الفضاء الفني بالعمل الفني كفضاء محدد ومتناهي، يعيد إنتاج موضوع لا متناهي، هو العالم الخارجي، الذي يمثل بالنسبة للعمل الفني الاهتمام المنصب على مشكلة الفضاء الفني في تجلياته المختلفة، والتي  تجعل من بنية النص نموذجا لبنية فضاء الكون، حيث يصبح نسق  التعبير الأدبي/الشعري للعناصر الداخلية للنص/ القصيدة لغة للنمذجة الفضائية، أي لغة لشعرية الفضاء، حيث تتحول هذه النمذجة عبر عمليات التلقي والتأويل إلى فضاءات مدركة، يعاد تشكيلها في كل مرة يحين فيها النص من قبل القراء.

انطلاقا من هذا الفهم لخصوصية الفضاء الأدبي/ الشعري يمكننا أن نلج إلى سيميائيات الفضاء، التي تربط هذا الموضوع بسيميائيات العالم الطبيعي، والتي  لا تعالج مداليل الكون فقط، وإنما أيضا كل ما يتعلق بالسلوكات الجسدية للإنسان، أي كل ما ينتجه الإنسان من علاقات جديدة بين الذوات والموضوعات، التلقائية فيها أو المبرمجة ؛ والتي يمكن فحصها وإدراجها ضمن شبكة من العلاقات الفضائية التعبيرية ذات النسـق الوظيفـي، وهو ما يجعل غريماس  وكورتيس يحصران تصورهما للفضـاء في ثلاثة مستويات من الرؤية: الرؤية الهندسية والبسيكوفيزيولوجية والسوسيوثقافية، وبإمكان النص الأدبي/ القصيدة الشعرية أن تنفتح على مجموع هذه الرؤى وأن تستوعبها وأن تعيد تشغيلها داخل فضاءاتها الخاصـة، ومن خلال مجموع تشاكلاتها النصية، ولهذا يغدو الفضاء الشعري فضاء متعدد المعاني، لا يوجد خارج القصيدة التي تشكل في تعاليها حدا أقصى، و أحد المظاهر الأساسية لما يسميه بول فاليري "بالحالة الشعرية ".

من هذا المنطلق ولجنا للقصيدة الجاهلية منفتحين على إجراءات السيميائيات التأويلية؛ بدءا بسيميائيات الفضاء التي تتعامل مع الفضاء الشعري كموضوع مبنين وذي اتساع حد الامتلاء انطلاقا مما تمنحه اللغة من إيحـاءات فضائيـة تجعلـه يلعـب تارة دور الدال وتارة أخرى دور المدلول، ونستطيع – تقريبا – أن نعتبره في الشعر دالا، أو فضاء متكلما بإمكانـه أن ينتج فضاء نموذجيا متخيلا وانتهاء بالسيميائيات الأنثروبولوجية، التي تتعامل مع النص كبنية سوسيوثقافية، وكممارسة دالة ذات علاقة مرجعية بحفريات الدلالة وأركيولوجية المعرفة والثقافة الجاهلية بكل طقوسها وممارساتها الشعائرية واليومية ، فالفضاء " ليس هو ما يصادفني فيه شيء وحسب، بل إنه ذلك الذي يصادفني فيه شيء ويرتبط بي بشكل متبادل" (4)، يتميز بالتراكم والتراسل سياقيا مع مختلف العناصر والأدوات والتي تعد بشيء يعمل على خلق " مساحات قابلة للامتلاء بالمعنى والمعنى المضاد " (5). إذ ما نكاد نقرأ قصيدة طللية إلا ووجدنا أماكن مسماة ووصفا طوبوغرافيا، يشكل إطارا ومدخلا لفضاء القصيدة، يرتبط بالواقع الذي عاشه الشاعر الجاهلي وبخصوصية التجربة الشعرية التأملية التي تشكل نمذجة للمكان والفضاء الخارجي، أو نمذجة لبنية الفضاء الواقعي، تكتسب دلالة عميقة عند وضعها في مقابلة بقية الأنساق البنوية الأخرى المكونة للنص الشعري الجاهلي.

ونظرا للتداخل القائم بين مصطلحي الفضاء والمكان في الدراسات النقدية العربية فإنني سأوظف المصطلحين معا كونهما الأكثر شيوعا وتـداولا، بوصف المكان بنية أولية تتموضع فيها كل الأشكال ومختلف الكائنات التي تكون أحيازا ومجالات تنعكس فيها ومن خلالها أفعال الناس وأنشطتهم مما يسمح بتكون الأبعاد السوسيوثقافية والأنثروبولوجية التي تستند إليها شعرية المتخيل المنجزة في مستوى الإبداع الأدبي.

        وهذا يعني أن جميع البنى النصية البصرية منها وغير البصرية والمرتبطة منها بالتمثلات الذهنية تكون جميعا فضاء النص الشعري بوصفه تنظيما لغويا له تشكله وجمالياته ودلالته التي ترتبط بالدرجة الأولى بالإنسان وموقفه من الوجود والحياة والأشياء، من موقف شعوري ذاتي وهذا ما ألحت عليه بعض النظريات الغربية مثل الظاهراتية والجشطالتية التي تولي أهمية كبيرة لتداخل الذات بالموضوع أي" إضفاء المعنى على الوجود كما [يجلوه] وعينا من خلال القصد المحايث للمعيش "(6) عبر صور مادية " تدمج مقولات الشكل أو البنية في تأويل العالم المادي "(7)، وإحداث قرابة أنطولوجية تظهر وظيفة المحسوسات وقوتها في إدراك العالم وتنمية ملكة الخيال، ولذلك يذهب الجشطالتيون إلى" أن العالم والصور يفرضان بنياتهما على الذات الناظرة المتأملة "(8) ويدرك الفضاء / المكان أو يقوم – بحسب النظرية الجشطالتية – على الترابط الوثيق بين الحدس المباشر الذي يميز الامتداد والكثافة وبين الذكاء الذي يلعب دورا تركيبيا وتأويليا من خلال ارتباطه بالذاكرة وبتجارب وخبرات سابقة مصدرها الفئات الاجتماعية، فيجعل الذات " تعبر من المعيش اليومي إلى مفهوم الفضاء، فضاء هندسي ومجرد يمثل تمثيلا رسميا بلورة مختلف التجارب المدركة البصرية للأفراد في الامتداد ..."(9) وهذا ما أطلق عليه يوري لوتمان بـ " نظام النمذجة الأولي "(10) أي تحويل العالم إلى أنساق تتأطر داخلها كل تجاربنا وأحلامنا وعلاقتنا بالعالم الخارجي داخل كون لغوي نطلق عليه الفضاء النصي يقدم الأديب من خلاله تجربة خلاقة تعبر عن كيمياء شعرية بين الذات والموضوع، بين معطيات الثقافة الخارجية وبين أنساق الشاعر الخاصة كبدائل لتلك الأنساق المتعارف عليها، فيدل على رؤيته الخاصة للأشياء وموقفه منها، من هنا تبرز أهمية الفضاء كونه " وجود وعلائق وأمكنة "(11) وأهمية الضوابط الفضائية وغير الفضائية الضاغطة التي تعمل على رصد المعنى الشعري وتحديد بنياتـه الدلاليـة، فيغدو الفضاء/المكان مفهوما نقديا يرتبط بمقولات الشكل والبنية، وبمفاهيم نظرية فلسفية وجودية وسيكولوجية وسوسيوثقافية؛ تراعي جوانب من حياتنا الداخلية ومجموع العلامات والقيم المرتبطة بالأماكن التي نتعامل معها ونعيش داخلها وبذلك يظل الفضاء الإطار الذي تتشاكل فيه/ داخله الصور والمواقف والأحداث وترتبط فعاليته بـ "التأويل أكثر مما هي مرتبطة بمدى مطابقة النظام الإشاري المعتمد، لواقع حي وملموس في مستواه المادي المباشر "(12).

        ولذلك فإن مقاربة الفضاء النصي – أي فضاء نصي – لا تقوم على إقصاء العناصر والأشياء المادية التي يتكون منها العالم الخارجي وإنما تستحضر باكتسابها بعدا سيميوطيقيا ينتج عنه مجموعة من المتواليات الدلالية القيمية أخلاقية كانت أو اجتماعية أم نفسية ....الخ وهي ما يصطلح على تسميته – فضائيا- بالتقاطبـات أو الإحداثيات المكانيـة من مثـل : يمين / يسار، مرتفع/ منخفض، جميل/ قبيح، شريف/ وضيع، التي لها قدرة تعبيرية تقوم " بإكساب تصوراتنا توجها فضائيا "(13) ؛ مثل تصور السعادة فوق، ويأتي الخير واليمن من اليمين، وأصحـاب اليمين غير أصحاب الشمـال ....الخ، ومنها أيضا سلم التراتب الذي ينبثق عن هذا التقاطب فيجعل طبقة أحسن من أخرى، وأماكن أجمل وأكثر حماية وألفة من غيرها وغيرها مما نبهت إليه الدراسات الأنثروبولوجية وأبانت عن " اختراقات الفضاء لنا، لأجسادنا، لأفكارنا، لوجداننا، لمعارفنا "(142)  وهذا ما تقوم بتأويله العبارات الفضائية في اللغة في مستوى النص الأدبي عموما.

        وإذا كان هم بعض النظريات – الدلالية مثلا – هو البحث عن المعنى ودراسته، فإن نظريات أخرى حسمت الأمر بأن أولت عناية كبيرة للشكل الكليغرافي للنصوص الأدبية- وخاصة النص الشعري – معتمدة منطلقـات – في أغلبها ظاهراتية – لها قدرة وصفية وتأويلية كبيرة " تدمج مقولات الشكل أو البنية في تأويل العالم المادي "(15) وما له من قدرة وفعالية في مستوى الإبلاغ والتلقي.

        وعلى الرغم من أهمية الشكل الكليغرافي في الدراسات الفضائية ؛ فإن القصيدة الجاهلية لا تنبني على استراتيجية الكتابة وإنما شعريتها تنبثق من شفويتها، وللشفوية خصائص ترتبط بثقافة الأذن التي تتـأسس على السمـاع / الإنشاد، والصوت، وطريقة الإلقاء/الأداء، وأساليب التكرار والأسجاع، وكل ما يرتبط بالموسيقى والتي تجعل من فن الشعر أو القصيدة بشكل عام فنا زمنيا، أو له تبنين زمني، غير أن الهيأة الفضائية التي كان عليها الشعر الجاهلي وتميزه عن أشكال تعبيرية أخرى، طرحت نموذجا فضائيا له يقوم على توازي الأبيات، وتقابل الأشطار، وانسحاب القافية أفقيا وعموديا، والتكرار في مستوى التيمة وعلى مدى العصر كمعيار ثقافي لم يتجاوز إلا في عصور متأخرة مما يجعل المعطيات واحدة وغير متنوعة وتحيل على ثقافة النموذج الواحد المتعاود كإطار للتفوق والفحولة. ولذلك يضعنا مفهوم الفضاء – بالنسبة للنص الجاهلي أمام كونين / أو كائنين مختلفين هما كائن شفوي مشدود إلى الذاكرة وجماليات الرواية، وكائن مرتبط بالشكل البصري المشدود إلى جماليات الكتابة وتوزيع البياض والسواد والأسطر والخطوط وغيرها مما هو من ابتداع الرواة، وفهمهما لا يتم إلا في حضن معرفة تقوم على استثمار الجماليتين معا.

        يبقى أن ننفتح على فضاء القصيدة الجاهلية مما يتجلى في الطاقات التعبيرية والأبعاد الرمزية للعلامات التي تكون مجموع النص، ويحمل المكان الكثير من هذه التجليات ذات الفعالية على مستوى الحدث الشعري ذلك أن النص الشعري الجاهلي يقوم على بنيات مركزية ترتبط بتبجيل / واحترام الأنماط العليا باعتبارها ذات كفاءة تعبيرية وتصويرية " تحققت في أشكال راسخة في ذهن القارئ "(16) مكونـة نسقـا خاصـا يقوم على الثوابـت وعلى سيرورة شبه طقوسية تبجل ثقافة النمط، وترتبط بالنحن أشد الارتباط ولذلك كان تعامل الشاعر الجاهلي مع المكان الطللي لا يتسم بالجمود بالرغم من نمطيته لأن تلك الأماكن التي فتحها الشاعر في النص الطللي شكلت حدثا جماليا داخل القصيدة الجاهلية كونها تنخلق من نسق الشاغر وطريقة تفكيره ورؤيته، كما شكلت حدثا نقديا يتوزع من خلاله الشعراء إلى طبقات والشعر إلى بيئات والإقرار بفصاحة لغة منطقة وهجنة أخرى ونتيجة لذلك وجدت مصنفات تولي أهمية كبيرة للمكان منها مثلا (صفة جزيرة العرب) للهمذاني، الذي نجد فيه مسحا طوبوغرافيا للمكان بكل أشكاله وأحيازه ( الجبال، والأنهار، والدارات، والكثبان ..) كما بوبت بعض الكتب باعتماد المكان إجراء وطريقة ككتاب (المنازل والديار) لأسامة بن منقذ (ق 6هج) الذي يتوزع فيه الشعر والشعراء بحسب المكان فكان تبويبه وقفا عليه – أي المكان – مثـل ((فصل في ذكـر المنازل، وفصـل في ذكر الديار، والربع، والمغاني والأطلال والرسم والدمن والأرض والأوطان والبلاد والمدن والمساكن والبيت والأعلام والمعالم والعرصات ..)) فمثل المكان الشعري بذلك مرجعا بين يدي المؤرخين والجغرافيين يبحثون عنه في الواقع مستنيرين بالشعر، وهذا التوجه وضع الشاعر - عند النقـاد القدامـى- في مأزق يتمثل في مدى صدقه ومعرفته للأماكن المذكورة في شعره أم لا ؟ وهذا يقود إلى الإصابة في الوصف، ومنه يكتشف انتحال شعر شاعر من بيئته ومكانه ...الخ كل هذا جعل النقاد " يعلنون أهمية الأمكنة في فهم النصوص وتحقيقها وتصحيحها "(17).

        إن المكان الجاهلي – كيفما كان – يحظى باهتمام الشاعر، وتمارس حواسه عليه عملية الكشف الأولي، ويكون حضوره في الطبيعـة مطية لتولـيد / أو امتلاك قيم دلالية ترتبط بوجوده – أي الشاعر – وحياته وصراعه وبثقافته بشكل عام، وهذا ما يشير إليه وليم جيمس بقوله :" إن جميع الإحساسات مكانية أي ذات امتداد "(18) وأهمتها ترتبط بقيمتي الحماية والألفة، فكـل البيـوت مهمـة حتى ولو كانت من اللعاب حسب تعبير باشلار (197).

        وعلى الرغم من أن ورود المكان في مقدمة القصيدة (الأطلال) لم يخرق توقع المتلقي الجاهلي خاصة، فإنه كون نسقا خاصا تندرج ضمنه كل أنظمة النص وبنياته تواصل به ومن خلاله مع الثقافة والتاريخ، وكون سننا خاصا به شكل بؤرة القصيدة الجاهلية، فعبرعما هو مألوف ومرئي بطريقة نوعية، وأعطى التفاصيل والأشياء بعدا شعريا.

 

يقول زهير بن أبي سلمى :

                                  أمِن أمِّ أوفـَي دِمْنَـةٌ لمَ ْتَكَلَّـمِ            بِحَوْمَانَـةِ  الـدَّرَّاجِ  فَالمُتَثَلَّمِ

                                  دِيَارٌ  لَهَـا  بِالرَّقْمَـتَيْنِ  كَأّنَّهَـا         مَرَاجِعُ وَشْمٍ فِي نَوَاشِرِ مِعْصَمِ

                                  بِهَا  العِينُ  وَالآرَامُ  يَمْشِينَ خِلْفَةً     وَأَطْلاَؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثُمِ

                                  وَقَفْتُ بِهَا مِنْ بَعْدِ عِشْرِينَ حِجَّةً       فَلأيًا  عَرَفْتُ  الدَّارَ بَعْدَ  تَوَهُّمِ

                                  أَثَافِيَّ سُفْعـًا  فِي مُعَرَّسِ مِرْجَـلٍ       وَنُؤْيًا كَجِذْمِ الحَوْضِ لمَ ْ يَتَثَلَّمِ

                                  فَلَمَّـا عَرَفْتُ الدَّارَ قُلْتُ لِرَبْعِهَـا         أَلا انْعمْ صَبَاحًا أَيُّهَا الرَّبْعُ وَاسْلَمِ(20)

ويقول عبيد بن الأبرص :

                               أَقْفَرَ  مِنْ أَهْلِهِ  مَلْحُوبُ              فَالْقُطْبِيَّــاتُ فَالدَّنُــوبُ

                               فَرَاكِـسٌ   فَثُعَيْـلِبَاتٌ                  فـَذَاتُ  فِرْقَيْـنِ  فَالْقَلِـيبُ

                                فَعَرْدَةٌ   فَقَفَـا   حِبِـرٍّ                 لَيـْسَ بِهَـا مِنْهُمْ عَرِيـبُ

                               وبدلت منهـم وحوشا                وغيرت حالها الخطـوب (21)

ويقول الحارث بن حلزة :

                                آذَنَتْنَـا بِبَيْنِهَا أَسْمَـاءُ                  رُبَّ ثَـاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ

                                بَعْدَ عَهْدٍ لَنَا بِبُرْقَةِ شَمَّاءَ             فَأَدْنَى  دِيَارَهَا  الخَلْصَـاءُ 

                                فَالمُْحَيَّاةُ فَالصِّفَاحُ فَأَعْنَاقُ           فِتَاقٍ  فَعَاذِبٌ فَالوَفَــاءُ

                                فَرِيَاضُ القَطَا فَأَوْدِيَةُ الشُّرْ          بُبِ فَالشُّعْبَتَانِ فَالأبْـلَاءُ

                              لا أَرَى منْ عَهِدْتُ فيهَا فأبْكي الـ      يَوْمَ دَلْهًا ومَـا يُحِيـرُ البُكَـاءُ (22)

       وغيرها من أماكن الأطلال مثل برقة ثهمد، وسقط اللوى، والدخول، وحومل، وتوضح والمقراة، ومجموع الأماكن المنخفضة والواسعة، والعالية والضيقة، والسائلة، والصلبة والخصبة، والمجدبة والوديان والجبال والبناءات  (الخورنق، والسدير) ...الخ.

        هذا  التراكم للعناصر المكانية وتراصها في المقدمة الطللية يعلن عن تأصل جذور المكان في كيان الشاعر، وحبه له " لأن التفاصيل تزيد من مكانة الشيء " (23) و يخيل للمستمع أنه يصوغ من خلالها ، بيانا أو تقريرا عن رحلة ما سيقوم بها / أو قام بها بين الأماكن، ولذلك نرى تحديدهـا بوضـوح، وتسميتها بدقة أغرت اللغويين وعلماء الجغرافيا بالبحث عنهـا في المرجع، وقد يبررون – أحيانا- زوالها، خاصة وأن أغلب شعراء الجاهلية ساروا على درب صاحب (نبك الديار كما بكى بن حذام) كما سموا الأماكن وعينوها  ورتبوها، وهذا  أربك العملية الشعرية وحصر وظيفة الشعر الجاهلي - عند بعض النقاد - في محاكاة الواقع.

العناصر الفضائية في القصيدة الجاهلية :

 العناصر الفضائية هي الأشيـاء التي تجسد الحضور المتحقق في الفضاء/الطلل، حضورا واقعيا، مرئيا ينقله الشعراء عبر صيغ تحيل على فضاء العين أو نسق البصر، أين يقتضي تثبيت مجال الرؤية على الشيء من حيث كونه موجودا قائما بذاته، وكينونة متحققة في العالم الخارجـي وفي النص الشعري؛ حيث يتعالق في العمل الشعري ضمن كون من الأشياء. وتكون الرؤية هنا (بصرية أو قلبيـة) مجالا للمعرفة وبناء التصورات، ومطية لولوج عوالم لا تكون إلا في الشعر أو الأدب أو ....، ولذلك ربط بعضهم التفكير والإدراك بمجال الرؤية قائلا " فلكي أرى يجب أن أفكر وليس هناك ما أفكر فيه إن كنت لا أراه " (24) ؛ وهذا يؤكد خاصية التلازم والاقتضاء بين البصر/الرؤية وبين الإدراك والتصور، تبدو بموجبه الأشياء واقعة في مركز التعيين والضبط، حاضرة فيما هو حسي من الألفاظ  ونقصد بها مجموع الأشياء التي تملأ فضاء القصيدة الجاهلية وعلى رأسها فضاء الطلل. إن وجود هذه الأشياء في قصيدة الطلل  ينطلق من تحديد وضع خاص للطلل قبل تحديد أشيائه، ولكي يحقق الطلل فضائيته التي تنبني عليها قيمتي الرسوخ والثبات، يقوم الشعراء بإسناد المكان إلى عون قار، وفاعل على مستوى الداخل والوجدان، هذا العون هو " المرأة "، ولا يكاد هذا العون يتغير في جل العتبات الطللية إلا نادرا، فيغدو الطلل عندئذ فضاء تخييليا ينطلق بناؤه من أشيائه المادية ومن استدعاء ذكرياته وماضيه، حيث يتماهى الفضاءان ويحيل كل منهما على الآخر، يكون للأشياء فيها دور المنشط والمحرك لحركة الشعور باتجاه البحث عما هو موجود في الذاكرة وغائب في المكان، وهنا تصبح أبسط الأشياء " مشعة وحبلى إحالات، إذا أحسن المتأمل استكشاف بواطنها " (25) خاصة وأنها ذات صلة بالمرأة والاستقرار في المكان، وضجيج الحياة في القبيلة ، وتداخل الوظائف والقيم والأعراف ؛ إن هذه " الأشياء محملة بالذكريات لأنها جزء من قصة المنزل وأهله مع الكـون، فهي إذن ليست باردة، محايدة، ولم توجد اعتباطا أو صدفة ... فهي جزء من رؤية كاملة " (26) للحياة عند الجاهلي، لذلك فهي تقع في الداخـل في منطقـة الذات حيث يعاد صهرها وحيث تحتفظ بحرارتها وحيويتـها في مقابل وجودها في حالة موت وبرود وجمود في الخارج، وليحدث ذلك يعمد الشعراء إلى الانتشار في فضاء العتبـة بحثـا عن الوجـود الأنثـوي في الأشياء المتناثرة في المكان، ثم الوجود الاجتماعي القبلي وصولا إلى الوجود الكوني، أين تتماهى الأشياء في كل وجودي لا يحمل إلا بصمة واحدة هي الاحتفاء بالوجود كوجود، فتبدو بذلك أبسط مظاهره في تكرار الوقوف على نفس المواد والأشياء والموجودات في العتبات الطللية صغيرة كانت أم كبيرة كما تكون ـ هذه الأشياء المرجعية ـ " علامات طريق " (27) من خلالها نستدل على مقصد النص وعلى العالم الشعري الجاهلي.

إلا أن حضور العناصر المكانية من مثل النؤي، والأثافي، والدمنة، وبقايا حوض متهدم ليست كافية لتعرف بالمكان ،وهذا ما أشارت إليه سيزا قاسم بقولها أن الأطلال منتهى المجهول وما يحيط بها منتهى المعلوم (28) مؤكدة على تلك العلمية التي تتميز بها الأطلال وتعطيها بعدا سيميولوجيا يجعل المكان علامة على تأكيد الوجـود والاستمرار وشهـادة على الفعـل في المكان ومقاومة المحو والتلاشي  أي  أن النص الطللي الجاهلي لا يمتثل بالضرورة لشروط المكان بقدر ما هو انتقال داخل فوضى الحروف والكلمات من أجل خلق عالم منفلت، وبناء " حضارة المعاني " التي تحمل على عاتقها إنشاء منظومة من القيم وترجمة الأحاسيس المتناثرة في فضاء الصحراء (29) وتخلصا من ثقل المعيش / أو المكان المدمر وبصماته .وبذلك فهو كمعطى يتضمن معاني كثيرة تشكل كثافة مكانية وزمانية مختزلة في التدمير والجدب والعبث والفقد، كما ينفتح على ثقافة النسب التي تشكل إطار الرؤيـة العربيـة، فنسبة الأماكن كنسبة الأشخاص، والتصميم على تذكره كالتصميم على معرفة صراحة النسب،  فيفعل الشعراء - بذلك - ثقافة النسب والانتساب التي لا تخلو من التتبع والاستقصاء والتمادي، " فمن لا نسب له، لا حمى له، ولا مدافع عنه، ودمه مهدور لا مطالب به، وعمره قصيـر ... في عالم الصحراء " (30)،  ليصبح التعرف على المكان وتسميته وتعيينه وحصره بعدا جماليا يتجلى في أنساق القصيدة الجاهلية وآلياتها، كما يكون قاعدة للشعراء يبنون عليها مختلف استراتيجيات البوح التي لا تبتعد عما أسماه غاستون باشلار بـ" أحلام اليقظة " أي حين يستدعي الشعراء من خلالها أشياء وأماكن وأحداث ومعارف لا ترتبـط بالضـرورة بمكـان واحد، وتكون مدعاة لولوج عوالم أخرى نفسية واجتماعية وأسطورية وتخييلية، وهو ما جعل بعض الدارسين – ونقصد سوزان ستيتيكيفيتش – تعتمدها أساسا لفكرة العبور من نص الأطلال ؛ من بدائيـة الحيـاة وعذريتها، أو قلة حركيتها إلى ضجيج الحياة وصخبها المتمثل في الموضوع المعبور له وهو الرحلة، ووسيلتها الناقة ؛ محتفظا بكل طقوس العبور التي تمارس في هذا المجال (الفقد، الهامشية، الاندماج).           

على هذه القاعدة ينتظم القول بين دمار / وعمار، ماضي / حاضر، ذات / خارج، ... وترتهن الصور المثيرة لأحاسيس ومشاعر الحزن، والذكرى والحب والوحشة، والألفة، والعداء، فنحس بحرارة المكان وسط الهدوء المهيب بكل جلال التاريخ، مما يضفي على المكان عمقا ويحيله إلى مكان وجودي مليء بالاحتمالات؛ يقدمها المتخيل الشعري الذي " عبر عن ميثولوجيا الخيال العربي، وكان الشعر الجاهلي هو هذه الميثولوجيا "(31). من هنا يمكن أن يعد فضاء القصيدة الجاهلية دالا تم تشييده مما هو خارج النص، وينتمي للواقع الجغرافي، أو نفسي أو اجتماعي يرتبط بمكان الإقامة، ومرابع الصبا، أو التنقل والرحلة وما يرافقها من مشقة وعناء، ومما هو حاضر من أمكنة داخل سياق الشعر يحدد مفرداته القاموس الطللي الذي يكون الذاكرة الشعرية لجميع الشعراء، وهذا ما يؤكده اتفاق الشعراء على سنة الطلل وتقديمه " مؤثثا بما فيه الكفاية ".

   وهكذا تكتسب العناصر المكانية أهميتها " داخل نسق من العلاقات "(32) هي التي تكون الفضاء الشعري المتخيل من خلال " مساهمتها في تشكيل الأغراض الشعرية وفي اقتراح ترتيب جديد لأمكنة العالم الخارجي بعيدا عن معاجم اللغة والجغرافيا(33)، مما يعد ساحلا جديد للشعر الجاهلي.

مراحــع :

1- سورة الرحمن، الآية 10.

2- كير كيجارد، في روايته (مراجعة) عن كتاب (ما بعد اللامنتمي) لكولن ولسون، ترجمة يوسف شرورو وعمر يمق، ص 22، عن محمد منيب، الفضاء الروائي، ص 46.

3- المفضل بن محمد بن يعلى الضبي، المفضليات، تحقيق أحمد محمد شاكر وعبد السلام محمد هارون، دار المعارف، القاهرة، ط 6، 1979، المفضلية رقم 41 ، ص 204-205.

4- جوزيف. إ . كسنر، شعرية الفضاء الروائي، ترجمة لحسن احمامة، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2003، ص 199.

5- وفيق سليطين، الزمن الأبدي، الشعر الصوفي (الزمان، الفضاء، الرؤيا)، دار نون للدراسات والنشر، اللاذقية، سوريا، ط1، 1997، ص 129.

6- العربي الذهبي، شعريات المتخيل، اقتراب ظاهراتي، شركة النشر والتوزيع، المدارس، الدار البيضاء، ط1، 2000، ص 122.

7- محمد الماكري، الشكل والخطاب، مدخل لتحليل ظاهراتي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، لبنان، ط1، 1991، ص 18.

8- المرجع نفسه، ص 18.

9- المرجع نفسه، ص 29.

10 – سيزا قاسم وآخرون، جماليات المكان، عيون المقالات، ط2، 1988، دار قرطبة، ص 64.

11- حسن نجمي، شعرية الفضاء، المتخيل والهوية في الرواية العربية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، ط1، 2000، ص 41.

12- إدريس بلمليح، المختارات الشعرية وأجهزة تلقيها عند العرب، منشورات كلية الآداب، الرباط، ط1، 1995، ص 3

13-عبد الباسط الكراري، دينامية الخيال، مفاهيم وآليات الاشتغال، منشورات إتحاد كتاب المغرب، الرباط، ط1، 2004، ص 409.

14- شعرية الفضاء، حسن نجمي، ص 32.  

15- محمد الماكري، الشكل والخطاب، ص 18.

16- مايكل ريفاتير، دلائليات الشعر، ترجمة : محمد معتصم، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، ط1، 1997، ص 60.

17- رشيد نظيف، الفضاء المتخيل في الشعر الجاهلي، شركة النشر والتوزيع، المدارس، ط1، 2000، ص 24.

18- مينة أعراب، المكان في الشعر الجاهلي، امرؤ القيس وبشر بن أبي خازم وعروة بن الورد، جامعة محمد الخامس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في الآداب، 1999، ( مخطوط)،  ص 91.

19- غاستون باشلار جماليات المكان، ت غالب هلسا، دار الجاحظ للنشر، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد 1980، ص 158.

10- ديوان زهير بن أبي سلمى صنعة أبي العباس ثعلب، تحقيق فخر الدين قباوة، دار الآفاق الجديدة، بيروت ط1، 1982، ص 16.

21- ديوان عبيد بن الأبرص، دار بيروت للطباعة والنشر، 1979، ص 23.

22- ديوان الحارث بن حلزة، دار الكتاب العربي، ط1، 1991، ص 19.

23- غاستون باشلار، جماليات المكان، ت غالب هلسا، ص 183.

24- عبد القادر الرباعي ، تشكيل المعنى الشعري ونماذج من القديم، مجلة فصول، مج 4، عدد 2، يناير، فبراير، مارس، 1984، ص 56.

25- صلاح الدين بوجاه، الشيء بين الجوهر والعرض، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط1 أ 1993، ص 146.

26- عبد الصمد زايد، المكان في الرواية العربية، الصورة والدلالة، دار محمد علي للنشر، كلية الآداب، منوبة، ط1، 2003، ص 380.

27- صلاح الدين بوجاه، الشيء بين الوظيفة والرمز، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 1993، ص 120.

28-سيزا قاسم، القارئ النص / العلامة والدلالة، المجلس الأعلى للثقافة والفنون، القاهرة، 2002،  ص 56.

29- مجلة الفكر العربي المعاصر، عدد 10، شباط 1981، مقال  مطاع الصفدي،  ص 6.

30- سعدي ضناوي، أثر الصحراء في الشعر الجاهلي، دار الفكر اللبناني، بيروت، ص 133.

31- مجلة الفكر العربي المعاصر، عدد 10، شباط 1981، مقال  مطاع الصفدي،   ص 7.

32- رشيد نظيف، الفضاء المتخيل في الشعر الجاهلي، ص 323.

33- المرجع نفسه، ص 329.

Pour citer ce document

حفيظــة رواينيــة, «شعرية الفضاء في المتخيل الشعري الجاهلي»

[En ligne] العدد 07 جوان 2008N°07 Juin 2008 ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales
Papier : pp : 53 - 68,
Date Publication Sur Papier : 2008-06-01,
Date Pulication Electronique : 2012-03-26,
mis a jour le : 05/12/2016,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=287.