تــداخــل الأنـــواع : أقنعـــة متعــدّدة لروايــة بلا هويــة
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 07 جوان 2008 N°07 Juin 2008

تــداخــل الأنـــواع : أقنعـــة متعــدّدة لروايــة بلا هويــة
pp : 160 - 216

نجوى الريــاحي القسنطيني
  • resume:Ar
  • resume
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

 ما عرفه النصّ الإبداعي اليوم من تطوّر وتشعّب على كلّ المستويات، يجعل عمل دارس الأدب حسّاسا دقيقا تقوم إزاءه جملة من الأسئلة والتــحدّيات

  Le texte littéraire a connu un développement et foisonnement sur tout les plans ce qui engendre une grande sensibilité et une exactitude parfaite spécifique aux nouveaux auteurs.

ما عرفه النصّ الإبداعي اليوم من تطوّر وتشعّب على كلّ المستويات، يجعل عمل دارس الأدب حسّاسا دقيقا تقوم إزاءه جملة من الأسئلة والتــحدّيات. فلئن زخرت المدوّنة النقديّة العربية الحديثة بدراسات متنوّعة تستكنه طبيعة النصّ الإبداعي الجديد والآليات الفاعلة فيه، فإنّ بعض تلك الدراسات يبدو أقرب إلى الانبهار بالظواهر الجديدة والإشادة بطرافتها وأهميتها إلى حدّ يغيب معه ما رافق تلك الظواهر في بعض النصوص الأدبية من وجوه سالبة تعصف بالنصّ الإبداعي من حيث خصوصياته.

يمكننا الاستدلال على ذلك بما يسمّى تداخل الأنواع الأدبيّة. وهي ظاهرة تدلّ في خضمّ المصطلحات والمفاهيم المرادفة لها، على مداخلة النّصوص للنّص وتفاعلها معه بل وتأثيرها فيه خاصّة على مستوى المعجم والأسلوب والتــّركيب والدّلالة.

لقد كان الخطاب السّردي الرّوائي من بين أكثر أنماط الكتابة تمثيلا لظاهرة التـّداخل بين النـّصوص وأنواعها. وذلك لما يسم الرواية من قابلية كبرى للانفتاح على الأجناس المتعدّدة واستيعاب طرقها في التــّعبير والتــّشكيل. وخاضت الرواية من أثر ذلك تحوّلا كبيرا على مستوى الشـّكل والمحتوى من أبرز مظاهره أنّ الخطاب التخييلي السّردي عدل عن تشخيص الواقع إلى تشخيص النصوص على اختلاف أنماطها ولغاتها ومرجعياتها. فإذا الرّواية من ذلك نصّ هجين منزاح تماما عمّا ضبط له من محدّدات تكوينية وشكلية. وإذا بالجنس الأدبي يُغيّبُ مع كلّ كتابة جديدة تعمل في نطاق المداخلة بين النـّصوص على أن لا تحقـّق الرّواية من حيث صفائها النـّوعي تراكما وتصوغ مألوفا.

  1. في إشكالية التداخل بين الأنواع.

ولئن بدت ظاهرة تداخل الأنواع وانطماس جنس الرواية بفعل ذلك من إفرازات الحداثة ومن مظاهرها، والإبداع محكوم بسياق الحداثة، فإنّ اتساعها في النـّصوص كأن لا حدود لها ولا ضابط هو من أثر إفراط بعضهم في التـّجاوز وسلوكِهم طريقَ المغايرة والخروج المستمرّ عن كلّ نسق إبداعي ولو كان هذا النسق من سمات التجريب أصلا. فإنّ حركة الخروج واختراق الحواجز هنا أشبه بالمغامرة الفرديّة يبدو فيها المبدع حريصا على أن يكون تجاوزُه للأعمال السابقة وتمرّدهُ حتى على الأعمال الحداثية الموازية لنصّه كبيرين(1) ويبدو في خروجه عن كلّ رسوخ في البناء والشـّكل غير مبال بخصوصيات النـّوع، غير مبال خاصّة بمقتضيات استمراره. ولابدّ من التـّـنبيه هنا إلى أنّ الصورة الأبرز لهذه اللامبالاة بخصوصيات النوع ومقتضيات استمراره تمثلت في العمل الروائي الذي لا يكتفي صاحبه بتوظيف نصوص وخطابات أخرى، بل يجعل مادّتها مهيمنة على كلية العمل الروائي محتوى وبنية. وهو الأمر الذي يفتح الروايـة على مأزق كينونيّ جديـد وعلى كثير من الأسئلة والتـّحديات الموصولة بشرعيّة وجودها وأهميّة دورها. فهل ثمّة ما يدعو اليوم إلى اعتبار الرّواية فنّ العصر؟ ألاتزال الأقدر على التواصل والاستمرار والأقدر على حمل همومنا وهواجسنا ؟

إنّ هذه الأسئلة التي تخرج أو تكاد بالرواية من منطقة الاعتراف، تحوم حول سؤال الهويّة باعتبارها علامة نوعيّة مميّزة تحقــّقها للنصّ الرّوائي جملة من العوامل مثل المكوّنات وخصائص الأداء ومعالم الخطاب وصيغته الجمالية. ولا يمكن في اعتقادنا النظر إلى التــّداخل المبالغ فيه أحيانا بين نصوص تتنوّع مرجعياتها وتختلف أنواعها ولا نسأل كيف يتملّك النصّ وجه اختلافه ؟ وكيف لصاحبه بالمعادلة بين استحضار النصوص الأخرى واستثمارها من جهة  والإمساك "بناصيتها" من جهة أخرى ؟

وهي معادلة يصعب تحقيقها خاصّة حين يصبح النص الرّوائي عبارة عن ركام ضخم من النصوص المختلفة تركيبا وغرضا ولغـة. ومأتى الصعوبـة في تحقيق تلك المعادلة أنّ احتواء النصّ على نصوص أخرى لا يترجم بالضرورة عن ضرب من التـّوافق والانسجام، ذلك أنّ النصّ مدعوّ إلى أن يُمارس عليها نوعا من "العنف" صورته التـّحويل وإعادة التأطير. وهذا وجه لم يغب عمّن نـَظَرَ من المعاصرين في مسألة انفتاح النصّ على النصّ وتفاعله معه. إلا أن الوجه الآخر للمسألة الذي لا نرى أنّ الباحثين ألحّوا كلهم عليه، مفاده أنّ النـّصوص الدّخيلة المستحضرة في النصّ تمارس بدورها عليه شيئا من العنف صورته الضّـرب بكثير من مقوّماته الجوهريّة وإزاحته والحلول محلّه. فهذه النـّصوص التي يسمّيها الباحث الفرنسي جيرار جنيت (Gérard Genette) نصوصا من درجة ثانية(2) تصبح نصوصا من الدّرجة الأولى وبدل أن تخضع لمواصفات الرّواية، تخضع الرّواية لمواصفاتها ويصيبها من ذلك ما يشبه التصدّع فإذا بصنفها المثبت على غلافها لا يفعل وهو الموضوع للتـّوضيح والتحديد غير إثارة الغموض في ذهن القارئ ومعارضة ما يعرف وإرباك ما يتوقــّع.

ويمكننا القول بناء على ذلك إنّ المبدع يصوغ شكلا كتابيّا جديدا ولا يجد له غير تسمية قديمة يحدّد بها نوعه. وإنّ القـارئ لمدعو أمـام ذلك وفي نفس اللحظة إلى أن يرفض القديم الدّال منه على التـّحديد والتــّنميط من جهة ويقبله من جهة أخرى. هذا بالإضافة إلى أنّ النصّ الذي يعلن عن جنسه الروائي ولا ينكتب ضمن الحدّ الأدنى من المواصفات المعروف بها ذلك الجنس، هو نصّ إشكاليّ لا يفيد تعدد خطاباته وكثرة نصوصه في تشكيل هويّـته والإعلان عنها. لهذا الأمر اعتبرنا أنّ تداخل النصوص وأنواعها حركة معقــّدة تتّصل في حقيقتها بالصراع من أجل الوجود : وجود نصّ راهن في هيئة دالة على خصوبته وانفتاحه، ووجود نصّ سابق "يرفُض" أن يُغيّب و"يُصرّ " على أن تعاد إلى الأذهان صورته. فما ينتـُج عن تفاعل النـّصوص والأنواع من اتساع في إمكانات النصّ ورؤياته وطرائق تعبيره، لا يجب أن يُغيب عن أذهاننا إمكان دخول النصّ بسبب ذلك مرحلة تـُربك خصوصياته وتهدّد هويّته، ولعلّ الرواية تملكت في الأول حداثتها فاستطاعت أن تقول عصرها بأكثر من نص ثم تملـّكتها بعد ذلك الحداثةُ فدفعتها إلى مرتبة ثانية وأخرستها ! ولعله الإيذان بموت الرّواية بعد أن نافستها النّصوصُ الأخرى وجودَها !

هذه من القضايا التي راكمتها الحداثة ولابد من طرحها في شكل أسئلة تضع موضع بحث ما كان من المداخلة بين النّصوص وأنواعها ناتجا عن الإفراط في التّمرد على سلطة التشابه. فهل يظل النصّ بعد ذلك في موقع المركز أم ينزاح عن موقعه لصالح نصوص أخرى؟ هل نعتبر مثل هذا النصّ ضربا من الكتابة الجامعة تتعدّد لها الصيغُ والأقـنعة أم نعتبره رواية تعدّدت وجوهها ولم تكن لها على ذلك التعدّد هويّة ؟

كان هذان السؤالان الواجب طرحهما ضمن ما أنجز النقد الحديث من دراسات في تفسير ظاهرة تعاليق النّصوص وأسبابها. والسؤالان في الحقيقة مولــّدان لأسئلة كثيرة داعية بدورها لأن نـُعيد التفكير في ظاهرة تداخل الأنواع ضمن الكتابة الإبداعية عامة والرّوائية خاصة. ولعلّ هواجسنا تدفعنا إلى أن نطرح أسئلة نذكر منها : كيف يمكن للرّواية إذا كتبت ضمن شبكة نصّية متـّسعة أن تصوغ وجودها وكينونتها؟ فهل يفيدها الانفتاح لغويا وبنيويّا ودلاليّا على نصوص أخرى  إذا كان هذا الانفتاح يخرج بالرّواية عن مقوّماتها الأساسيّة من حيث الأحداث التخيلية والشخصيات المرتبطة بها ومن حيث الحد الأدنى من الهيكلة البنائيّة ؟. وهذا السؤال موصول بسؤال آخر مفاده كيف تتيسّر قراءة الرّواية بمعزل عن متصوّر الصنف أو الجنس الأدبي خاصة إذا كانت النـّصوص المنتظمة ضمنها تـُحافظ على خصوصياتها وأجناسها ؟ فهل ينزع تداخل الأنواع عن الرّواية نقاءها النـّوعي ويحفظ للنـّصوص الدخيلة عليها أجناسها ؟ ثمّ ألا تصبح الرّواية الفاقدة بمفعول ذلك لصفاء نوعها ووحدة جنسها نثرا منثورا وضربا من التوليفة بين الأساليب والأشكال والأجناس وكأن لم يـَجْهـَدْ المبدعون والنـّقاد العرب لأن تكون لنا رواية ويكون لها زمن تماما مثلما  كان للشـّعر ديوان العرب زمن ؟(3)

هذه الأسئلة تحدّد أفق مقاربتنا ومنطلقاتنا فيها عبر مستويين :

المستوى الأوّل : نعرّف فيه بتداخل الأنواع ونبرز ما أفادته الرّواية عبره من تنوّع في التركيب والمواضيع والرؤية. وقد تعمّدنا افتتاح مقالنا ببيان فوائد المداخلة بين النـّصوص وأنواعها إشارة منـّا إلى أمرين. أوّلهما أننا لا ننكر للطموح التـّحديثي نهضته بالإبداع ولا نضع موضع شكّ التجريب ولا المداخلة بين النـّصوص وأنواعها في الرّواية. ولا مراء عندنا في شرعيّة هذه المداخلة وفاعليتها خاصة على مستوى تعدّد أنواع الخطاب وأبعادها الفكريّة وعلى مستوى تنوّع الأساليب وصياغاتها التـّعبيريـّة. إنّما نحن نعتبر الاختلاف في استثمار المداخلة بين النصوص وأنواعها سببا في كونها أحيانا أشبه بالعامل المسقط على النصّ الرّوائي غير الحافظ لاختلافه باعتبار صنفه المعلن عنه. الأمر الثاني الذي نشير إليه مفاده أنّ الجنس الأدبيّ كما نفهمه في مقالنا هذا بعيد عن صرامة القوالب وجمودها. فمقصدنا منه المقوّمات الواجب توفــّرها في النصّ ليسمّى رواية وإلا كان كتابة تشترك مع أنماط من النـّصوص في طابعها الحكائي. ومع أنماط أخرى في لغتها.

المستوى الثاني من مقالنا سنعمد فيه إلى بيان ما لحق النصّ الروائي بسبب انفتاحه على النّصوص الأخرى من غموض وتصدّع. وسنحرص في الاتجاه نفسه ولاستجلاء أكثر المظاهرعلى المراوحة بين القول النظري في المسألة والاستدلال عليها بالمنجز الرّوائي.

لأجل ذلك اخترنا أن ننظر في رواية صلاح الدين بوجاه الموسومة بـ:مدوّنة الاعترافات والأسرار في ضبط ما أثر عن أبي عمران من أخبار(4).

تداخل الأنواع هو أن تلتقي في نطاق النصّ الواحد نصوص مختلفة في أصنافها فتنتج عن تداخلها وتفاعلها في ما بينها تعدّدية ملفوظية ونصيّة ونوعيّة. والتداخل بين الأنواع متّصل بشبكة اصطلاحية ومفاهيمية متّسعة لا يمنع ترادفها تباين مفاهيمها. نذكر من تلك الشبكة : التـّناص- التناصيّة- النصوصيّة - البينصّية أو إنتاج دلالة نصّين- التّداخل النصّي- المعارضة- المعارضة الساخرة- المثاقفة- التّفاعل النصّي- التّرابط النصّي- الحواريّة - التضافر النصّي. ويلحظ الناظر في دراسات ونظريات حديثة ومعاصرة أنّ التّناص (intertextualité) يبدو أبرز تلك المصطلحات والمفاهيم كما يبدو مستقطبا لبعضها موازيا بعضها الآخر(5). ذلك أن التّناص كما توحي صيغة نحته من كلمتي (inter) "داخل" و(textuel) "نصّي" عبارة عن صلة بين نصّ معاصر ونصّ آخر سابق تنتـُج عنها ضروب من التفاعل الصّريحة والضمنيّة.وهذه الضروب من التفاعل، تنكشف بدورها عبر جملة من الظواهر والعلاقات المختلفة من حيث خصوصيّاتها وفعلها في النصّ مادة وشكلا، وهو ما يلخّصه وصف جنيت التّناص بكونه "الحضور الفعلي لنصّ داخل نصّ آخر"(6).

      ويتّضح في ضوء ذلك أنّ التّناص سبب رئيسيّ في تداخل الأنواع مادامت النـّصوص المداخلة للنصّ الواحد تحضر بهيئاتها الدّالة على أنواعها. كما أنّ تداخل الأنواع بعض من مظاهر التناص وآلياته لاتّساع فعلـه في النصّ وتنوّع أبعاده. ولذلك لا تُفهم ظاهرة تداخل الأنواع إلا في ضوء التّناص مصطلحا وكيفيّات وظواهر. والملمح الأبرز في نظرة النّقاد والباحثين إلى التناص، اعتبارهم إيّاه مقوّما أساسيّا في كلّ نصّ إذ "ما من أثر أدبيّ في أيـّة درجة كان، وبحسب اختلاف قرّائه، إلا ويُحيل على أثر آخر. وبهذا المعنى فإنّ كلّ النّصوص ناسخة (hypertextuelles) "(7) والنصّ الأدبي بذلك لا يولد يتيما متفرّدا مقطوعة أواصره عن نصوص أخرى سابقة له أو معاصرة. إلا أنّ حتميّة تفاعل النصّ مع نصوص غائبة  وتشكـّله عبرها، لم تسهم في تبلور جهاز نقديّ خاصّ بالتّناص ومتسع إلا بداية من ستينات القرن العشرين. وهي مرحلة دُقّقت فيها على مستوى النّقد تعريفات التّناص وكيفيات تشكّله ومظاهره. واتّسعت فيها طرق توظيفه واستثماره في النّص الإبداعي. فلئن كان مصطلح التناص حديثا، فإنّ مفهومه في الفكر النقدي الغربي قديم. وقد كان ميخائيل باختين  (Mikhaïl Bakhtine) أوّل من نبّه إلى ما عدّ بعد ذلك من علامات التّناص ومقوّماته، وذلك في عنايته بالعلامة اللسانيّة والظاهرة الأسلوبية أساسا. يقول في تفسير تعدّد اللّغات والأساليب في نطاق الرّواية الواحدة " إنّ الرّواية صورة عن الوعي القاليلي باللسان الذي ما عاد يقبل، إذ رفض استبداديّة اللـّغة الواحدة والمتفرّدة، أن يعتبرها وحدها مركزا لفظيّا ودلاليّا "(8) وقد وجد باختين أنّ قابليّة الرّواية للتحوّل والتجدّد، وانفتاحها على النصوص واللّغات المتعدّدة، يسمانها بميسم حواريّ ويهيئانها لأن تحتوي" كلّ الأجناس الأدبيّة" و"غير الأدبيّة" التي "تحافظ عادة على مرونتها واستقلاليتها وأصالتها اللـّغوية والأسلوبيّة"(9).

ولئن لم يسمّ باختين مصطلح التناص، فقد سمّى مفهوم الحواريّة (Dialogisme) المتجلّية عنده في أبعاد أربعة أوّلها تعدّد النـّصوص وثانيها تعدّد اللّغات وثالثها تعدّد المواقف ورابعها تعدّد الأجناس. وهي الأبعاد نفسها التي اشتغلت عليها الباحثة البلغارية جوليا كريستيفا (Julia Kristeva) فصاغت مصطلح التّناص خارجة بالتفاعل السوسيو- لفظي المرتبط عند باختين بالعلامة اللسانيّة، إلى تفاعل نصّي مرتبط بالإنتاجيّة النصّية أساسا(10). وقد تعدّدت بعد ذلك الدّراسات الباحثة في التّناص فتنوّعت تعريفاته وهيئاته إلى أن عني به الباحث جيرار جنيت فهيّأ له جهازا نظريّا ميّزه عن أشباهه وحدّد مجالاته وآلياته. ذاك ما يكشفه كتابا جنيت: مدخـل إلى جامع النـّص(11) المعنيّ بالمقولات الأجناسية التي يبلغ معها النـّص مستوى النـّص الجمع (architexte) و طروس. الأدب من الدرجة الثانية الباحث في ما سمّاه جنيت التعددية النصية (transtextualité) أو العبوريّة النصّية (transcendance textuelle du texte) التي "تتجاوز جامعية النـّص  (l’architextualité) أو تتضمّنها " وتدلّ على "كلّ ما يضعه في علاقة صريحة أو خفيّة مع نصوص أخرى"(12).

وقد وضع جنيت للتعالق والتـّفاعل بين النـّصوص أنماطا خمسة من العلاقات هي(13) :

  • التّناص (l’intertextualité) وهي "علاقة تزامن في الحضور بين نصّين أو أكثر" تتحقّق عبر الاستشهاد والتمثّل (citation) أو السرقة الأدبيّة (plagiat) أو التلميح (allusion).
  • النصّية المجاورة (la paratextualité) وهي علاقة النـّص بما يجاوره ويوازيه من مصاحبات نصّية أو عتبات من قبيل العنوان- العناوين الداخليّة- المقدّمة- التـّصدير- الرسوم- الحواشي...
  • الميتانصّية (la métatextualité) وهي العلاقة النقديـّة المتجلّية في تعليق نصّ على نصّ آخر.
  • النصّية الجامعة (l’architextualité) وهي العلاقة التي تربط نصّا مّا بأجناس الكتابة ومقولات التصنيف.
  • النصّية النّاسخة (l’hypertextualité) وهي العلاقة التي تربط نصّا لاحقا (hypertexte) بنصّ سابق (hypotexte) ويعمد بمقتضاها النصّ اللاحق إلى محاكاة النـّص السّابق وتحويله في نفس الوقت.

إنّ هذه العلاقات كما تدلّ مفاهيمها والأمثلة المصاحبة لها في كتاب جنيت متمحورة كلّها على اختلاف تسمياتها حول ظاهرة حضور النّص في النّص الآخر ودخولهما معا في علاقة تحاور وتفاعل تنكشف عبر اللّغة والأسلوب والجنس الأدبي. وقد بدا من النظر في النصوص الإبداعيّة، أنّ تداخل النـّصوص والأنواع بهذه الصورة، يتّسع وتبلغ أشكال إدماج النّصوص في النصّ الواحد مستويات هامّة من التنويع في الروافد والمرجعيات من التوظيف وطرق الإستثمار خاصّة في نصوص تخفى فيها العلاقات بين الأنواع الأدبيّة وتضمر الحدود. وهو ما تسهـل ملاحظته في روايات عربيّة كثيرة لم تمنع عدم معرفة العرب بمصطلح التّناص إلا في فترة متأخـرة(14) استثماره في الرّوايات وتوظيفه، بل والتوسّل به في مشروع بحثهم عن أنماط نصّية وملفوظيّة وتركيبيّة جديدة. وقد مثّلت العودة إلى التّراث لاستلهام نصوصه واستثمار ما يتيحه من إمكانات وتقانات سرديّة ركنا أساسيّا من أركان المشروع التّحديثي منذ ستّينات القرن العشرين في الوطن العربي وقد نزع المبدعون في ذلك إلى غايتين :

الأولى فتح الإبداع على تراثنا لأجل تعويض الشّكل الرّوائي خاصّة المستجلب في أصله من الغرب، بشكل عربي أصيل لا ينغلق مع ذلك دون الأشكال السّرديّة والجماليّة الحداثيّة. والثانية تجريب أشكال جديدة تحقّق التّميّز والتّفرّد بعيدا عن الشّكل السّردي الغربي، بعيدا عن التّجربة الرّوائيّة العربيّة السّائدة. ومن قبيل ذلك إعلان الكاتب صلاح الدّين بوجاه في مقدّمة روايته مدوّنة الاعترافات...صياغته فيها" تجربة مضادّة للرّواية الغربيّة الكلاسيكيّة... وهي تجربة مضادة للرواية العربيّة الحديثة والوسيطة"(15).

وقد هيّأ الموروث السّردي العربي للمبدعين نصوصا جمّة ومختلفة قابلة لأن تـُقتبس وتُستعار أنساقها التّعبيريّة وتـُوظّف في غير ما وضعت له أصلا. نذكر من قبيل تلك النّصوص: الأخبار والمرويّات في كتب الأدب والتّاريخ والرّحلة والحكايات الخرافيّة والأساطير وأعاجيب القصص والسّير الشّعبيّة و"أدب العوام" والمرويّات السّرديّة المعتمدة سنداتها على المتن والحاشية والمقامات وكتب التّراجم والأنساب وغير ذلك من نصوص تراثيّة أَشّـرَ تعالق روايات كثيرة بها عن نزعة تأصيليّة كبرى. ويمكننا أن نذكر من تلك الرّوايات حدّث أبو هريرة قال(1973) لمحمود المسعدي وهي مجموعة من الأحاديث استلهم صاحبها التّراث في بنائها وصياغتها. فجعل لها بنية موروثة قائمة على سند ومتن واختار لها من عريق الملفوظات ما يمتح من بلاغة الإعجاز وأدب التّصوّف والشّعر. ويمكن كذلك أن نذكر رواية الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النّحس المتشائل (1982) لإميل حبيبي الذي نسج فيها على منوال ألف ليلة وليلة مقحما الحكاية في الحكاية والبنية السّرديّة في البنية الأخرى.

ولئن صعب الحديث عن شكل تمثيلي وانتظاميّ يرسم للتّداخل بين النّصوص وأنواعها صورة واحدة في الرّوايات العربيّة المستثمرة له، فإنّه يمكن الوقوف فيه باعتباره إجراء تطبيقيّا على ظواهر متواترة تبدو في نسيج النّص الرّوائي من تبعات التّفاعل مع النّصوص ومحاكاة ملفوظاتها وبنياتها وأساليبها. الأمر الذي يجعل الرّواية وهي تـُكتبُ، تـُؤَسّس نمطا من الكتابة جديدا تتكامل فيه أصالة الإبداع وحداثته. ومنه ندرك أنّ عـودة الرّوائيّيـن إلى التّراث واشتغالهم عليه مماثلة ومعارضة ومساءلة وتجاوزا لم يُحكمهـا في الحقيقة سوى هاجس التّأسيس لنصّ جديد يولد من رحم الاختلاف والتّنويع، وعبر التّعالقات المؤتلفة والمختلفة بين نصوص أدبيّة وغير أدبيّة تحضر فيه، فيخترق عبرها قوالب الإبداع وحدود الجنس باعتبار أنّ "انتهاك المحدّدات التجنيسيّة والمواضعات والتقاليد الأدبيّة وتغييرها واحدة من وظائف الإبداع الحقّ المستمرّة باعتباره مغامرة دائمة مع الجديد"(16).

ويمكننا اختزال خصائص النّص الذي تتعدد خطاباته ومرجع

 مراجـــع :

  1. مصــدر:
  • صلاح الدين بوجاه: مدوّنة الاعترافات والأسرار في ضبط ما أثر عن أبي عمران من أخبار وبحاشيتها كتاب المجالس والحلقات لنجيّه الراوية أبي اليسر بن حسن بن علي.. رواية تجريبيّة، سراس للنشر، تونس 1985.
  1. مراجـع: الكـتب
  • أمنصور (محمد): إستراتيجيات التجريب في الرواية المغربية المعاصرة، شركة النشر والتوزيع. المدارس. الدّار البيضاء. 2006.
  • بوجاه (صلاح الدين): النخاس. دار الجنوب للنشر.تونس.1995
  • جنيت(جيرار):مدخل إلى جامع النص.ت.عبد الرحمان أيوب.دار توبقال للنشر.1985.
  • العوفي (نجيب): درجة الوعي في الكتابة. دار النشر المغربيّة. الدار البيضاء. 1980.
  • مفتاح (محمد): في تحليل الخطاب الشعري(إستراتيجية التـّناص). المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء. المغرب. 2005.
  • يقطين (سعيد): انفتاح النصّ الرّوائي "النّص- السياق"، ط1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1989.
  • يقطين (سعيد): الرّواية والتّراث السّردي (من أجل وعي جديد بالتراث)، ط1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1992..
  1. مراجـع : مقـالات :                     
  • إبراهيم (عبد الله): "التداخـل النصّي والتعـارض الدلالـي. قـراءة في رواية النخّاس لصلاح الدين بوجاه". الحياة الثقافيـة. سنـة 23. ع 91. جانفي 1998
  • حافظ (صبري): " الرواية الحلقات القصصيّة وإشكاليات التجنيس". فصول. م12 ع1. ربيع 1993
  • حافظ (صبري):" متاهة اللغة مرآة الرّواية". الآداب ع5/6 أيار (مايو)- حزيران (يونيو) سنة 45. 1997.
  • فصول. م12. ع1 ربيع 1993. ج1. عدد خاصّ بزمن الرّواية.

بئس زمن تجول فيه الأقنعة وجوها ثانية. بئس

أصباغ ومرايا تقف دون صدق العُري ودوننا."

صلاح الدين بوجاه: مدوّنة

الاعترافات والأسرار...ص 55

مراجـع أجنبيـة :

  • Bakhtine (M): esthétique et théorie du roman. Gallimard. 1975. p 183.
  • Genette (G) : introduction à l’architexte. Poétique. Seuil. Paris. 1979.
  • Genette(G) : Seuils.seuil.Paris  . 1987.
  • Genette. (G) : palimpsestes. La littérature au second degré. Seuil. Paris. 1982.
  • Kristeva. (J) : Sèméiotikè. Recherches pour une sémanalyse. Seuil. Paris. 1969.
  • Ricardou (R): le nouveau roman. Seuil. Paris. 1978.

Pour citer ce document

نجوى الريــاحي القسنطيني, «تــداخــل الأنـــواع : أقنعـــة متعــدّدة لروايــة بلا هويــة»

[En ligne] ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales العدد 07 جوان 2008N°07 Juin 2008
Papier : pp : 160 - 216,
Date Publication Sur Papier : 2008-06-01,
Date Pulication Electronique : 2012-04-06,
mis a jour le : 16/02/2014,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=299.