مقاربــة ميكروسوسيولوجيـــة لظــاهرة الانتــقال من الريـــف الى المدينــــة
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 07 جوان 2008 N°07 Juin 2008

مقاربــة ميكروسوسيولوجيـــة لظــاهرة الانتــقال من الريـــف الى المدينــــة
pp : 265 - 279

الكاملــة سليماني
  • resume:Ar
  • resume
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

 يهدف هذا المقال الى تقديم ملخص نظري أمبريقي لأهم البحوث المتعلقة بظاهرة الانتقال من عالم الريف الى عالم المدينة، من القطاع الفلاحي الى القطاع الصناعي، ويعالج موضوع تعدد الأنشطة الذي يعتبر نسقا اقتصاديا اجتماعيا أدرج إشكالية مستقبل الزراعة في إطار أزمة اقتصادية شاملة.

وتم تقسيم المقال الى مقدمة وقسمين وخاتمة.

 نستعرض في القسم الأول أهم المقاربات والاتجاهات التي خصت موضوع الدراسة حيث تم تصنيفها حسب اتجاهين، الأول سوسيولوجي والثاني ثقافوي حسب علماء النفس الاجتماعي؛ ثم تناولنا في القسم الثاني وضعية الدراسة في الجزائر عبر مرحلتين، مرحلة ما قبل الاستقلال ومرحلة ما بعد الاستقلال، حيث أدرجنا إشكالية تعدد الأنشطة بين الريف والمدينة.

  L’objectif fixé à cet article est de présenter un résumé théorique et empirique des principaux travaux de recherche réalisés dans le cadre de l’étude du phénomène du passage du monde rural au monde urbain ,du secteur agricole au secteur industriel.

Un thème sous-jacent y est également abordé ,il s’agit de la pluriactivité qui est un système économique et social, qui à bien des égards, a introduit la problématique de l’avenir de l’agriculture dans un contexte de crise globale.

المـقدمة :

إن تحليل الانتقال من عالم الريف إلى عالم المدينة قد شكل موضوع درسات عديدة لا سيما في البلدان المصنعة حيث تم هذا الانتقال بالطريقة الاكثر تعميم،  ففي المجتمعات الغربية مثلا يجري الحديث اليوم عن "نهاية المزارعين" وعن "نهاية الريف التقليدي" وهما عنوانا كتابين الاول من تأليف سوسيولوجي ذي إختصاص ريفي، والثاني ألفه مؤرخ.(1) غير أن الصعوبة التي يواجهها الباحثون في إطار الدراسة الميكروسوسيولوجية الدقيقة تكمن في تعدد المقاربات المقترحة، فالمختصون الذين انكبوا على هذه المسألة قد ساهموا في تنويع وإثراء الجهاز المفاهيمي والمناهج من أجل دراسة وتحليل الواقع.

ولعل معظم هذه الاعمال تندرج ضمن الاطار الماكروسوسيولوجي الواسع الذي يحدد إشكالية العلاقة التعارضية لتقابلية) مدينة –ريف– (الصراعات التي تربط المدينة بالريف) فالمدينة أصلا آوكل مايتعلق بالعالم الحضري هوعبارة عن نسق اجتماعي ثانوي، يتميز بالعقلنة الاقتصادية وانفرادية الفاعلين الإجتماعيين، وبذلك فإن المدينة بقوانينها وقواعدها وأشكالها الخاصة ترقى إلى مصاف المجتمع الكلي؛ وفي مقابل ذلك فإن عالم الريف كنسق ثانوي مضاد للأول يتميز بالاكتفاء الإقتصادي وأنواع التنشئة الإجتماعية التقليدية.

I- مقاربات متعددة ومختلفة الإتجاهات :

1- الاتجـاه السوسيولوجـي :

1-1 من نظرية العمران الى نظرية مجتمع علاقات التعارف :

- في المغرب العربي، خصص المفكر العربي ابن خلدون كتابا كاملا هواليوم محل نقاش واسع متعلق بالانتقال من العمران البدوي(المجتمع البدوي أوالريفي) إلى العمران الحضري (المجتمع المدني أوالحضري)، ويتعلق الأمر هنا بالانتقال من شكل تنظيمي اجتماعي إلى آخر، البادية(الريف) والحضر(المدينة) تعتمدان على علاقات مبنية على صراع دائم(2)

- أما في فرنسا، هنري مندراسH.MENDRAS   يعرف المجتمع الريفي على أنه مجتمع علاقات التعارفٍ(société d' interconnaissance)  كونه نسق تتوزع فيه المهام الإجتماعية تبعا لمبدأ النفوذ (اجتماع العديد من الادوار لدى شخص واحد). والمبدأ المعاكس له هوالخصوصية (la specificité) وحسب هذا العالم السوسيولوجي فإن مجتمعا كهذا مهدد بتداخل عناصر نسق اجتماعي آخر، وهوالمجتمع الصناعي والذي يتجسد في المناطق الحضرية وكذا في القطاعات االمصنعة في الوسط الريفي (3).

وعلى مستوى ثاني فإن تحليل الإنتقال من الحياة الريفية إلى الحياة المدنية يتجاوز إشكالية الصراع بين المدينة والريف لينحصر في مجموعات اجتماعية هي التي تقوم بالانتقال. وتساهم كل الفئات الإجتماعية في هذه الحركية لا سيما عندما تعرف المجتمعات نزوحا ريفيا وانتقالا اجتماعيا كبيرا. غير أن الانتقال من عالم الريف إلى عالم الصناعة يعني خاصة الفلاحين المزارعين.

1-2 نظرية المشروع :

ويبرز اتجاه آخر في الحقل النظري السوسيولوجي وهونظرية << المشروع >> التي يقترحها ألان. توران A.Touraine  وأورنتة. روقزيO.Rogazzi (4).

وقد ميز هذان الباحثان بين ثلاثة أنماط سلوكية حركية لدى الأفراد المتنقلين من عالم الريف إلى عالم المدينة :

1 – سلوك محدد بغياب مشروع الحركية، كحالة المهاجر أوالمتنقل الذي يعتبر تنقله ضرورة حتمية، ويتعلق الأمر هنا بفرد سلبي، يعتبر دخوله إلى عالم الصناعة أمرا حتمي وليس اختيارا.

2 – وسلوك اساسه الحركية الانتقالية الفردية وهذا في حالة ما إذا كان الفرد يعيش وضعية رقي اجتماعي.

3 – سلوك يحدده مشروع حركية جماعية وفي هذه الحالة فإن الفرد يكـون في

وضعية رقي اجتماعي مع وعيه بالمتطلبات الجماعية لهذا الرقي الفردي، إن الفرد في النوعين الأخيرين للانتقال (الفردي والجماعي) فعال ويتحدد اجتماعيا من خلال وجود هذا المشروع لأنه المجال الذي يجمع بين الحوافز الشخصية والوعي بتغير المجتمع. وعند دراسة عمال العدانة ذوي الأصل الزراعي العاملين بناحية باريس، فإن أ.توران وأ.روكازي قد أظهرا كيف يحدد مشروع الانتقال في وسط الوصول مواقف وسلوكيات العمال، وإضافة إلى ذلك فقد بينا أن العمال ذوي الاصل الزراعي محل الدراسة كانوا قبل كل شئ تحذوهم  الإرادة في الرقي الاجتماعي و"وهم غالبا مالا ينظرون إلى وضعيتهم  في المؤسسة  إلا من خلال اعتبارهم لمشروع الحركية الاجتماعية"(5)

1- 3 نظرية الانتقال من نمط إنتاج الى آخر :

أما نيكول ايزنار N.EIZNER وبرترا هارفيوB.HERVIEU  قد تميزوا تماما عن مختلف هذه النظريات لا سيما تلك المتعلقة بالنظرة الثقافوية معتبرين أنه " في نهاية الأمر، وإذا كان الانتقال من ثقافة إلى أخرى، أوالانتقال من نمط إنتاجي إلى آخر يفسر كل شئ فإنه في نفس الوقت لا يفسر شيئا.( 6)

وفيما يتعلق بالانتقال من عالم الريف إلى عالم المدينة، يقترح نفس الكتاب تحليل نظري مبني على دراسة الانتقال من نمط إنتاج تجاري صغير تحت سيطرة نمط الانتاج الرأسمالي إلى علاقات إنتاج رأسمالية.

وقد درس كل من "نيكول ايزنار" و"بيرترا هارفيو" عمال الصناعة في وسط ريفي  أجريا بحثين ميدانيين في آماكن وأزمنة مختلفة كانت الاولى بروان Rouen   في سنة 1966 والثانية بمنطقة البارش PERCHE بفرنسا،  خصت الدراسة الميدانية عمال غيروا مهنتهم دون حركية جغرافية.

كان الهدف من دراسة العمال الريفيين  هو<< تحليل تطور فئة عمالية ذات أصل ريفي كأثر بروز علاقات إنتاج رأسمالية في وسط إجتماعي زراعي لزال

 يسيطر عليه النمط الانتاجي التجاري الصغير في ضل النمط الانتاجي الرأسمالي >>(7). ولطالما انشغلت العلوم الاجتماعية بالاندماج السريع لهذه الفئة الاجتماعية في المجتمع الصناعي، فقد ساهم علماء الاجتماع وعلماء النفس والمؤرخون وعلماء السلالات في دراسة المجموعات الاجتماعية كل حسب الجهاز المفاهيمي الخاص به الذي يراها مناسبا.

2- الاتجاه الثقافوي حسب علماء النفس الإجتماعي :

وهوذلك الاتجاه الذي يمثله بعض الكتاب(8) يحلل الانتقال من الوسط الريفي الى الوسط الحضري من جانب واحد وهوالانتقال من ثقافة الى أخرى، فهم يرون أن الفلاح أوالريفي، هوفرد قد ورث عن وسطه الأصلي مجموعة من القيم والافكار والمبادئ التي تميزه وتفرقه تماما عن الاخريين، وبالتالي فإن خصوصية الثقافة الريفية المكتسبة ستكون عقبة أمام تكيفه مع الوسط الجديد.

وهذا الاندماج في الوسط الجديد يجعل الفرد عرضة لطمس ثقافته أوتجريده من ثقافته . وبالنسبة لموريس هالبواش M.Halbwachs   فإن الصراع بين المدينة والريف يتواجد حتى في وعي الناس بحيث يتحدد الريفيون قبل كل شئ بالتضاد مع الحضر أي بمعنى المواجهة والتضاد بين هذين العالمين المعقدين والمختلفين إلى أقصى حد يجعل الانتقال من أحدهما إلى الآخر انتقالا من حضارة إلى أخرى أي من ثقافة ريفية إلى ثقافة مدينية، حضرية. (9)

يتحدث لوسيان كربيك L.Karpick عن تناقضات بين حضارة ريفية وحضارتين مدينيتين بحيث تكون الاولى نسق من القيم ناتج عن ارتباط عميق بالحرف الريفية كما قد تكون الثقافتان المدينتان تتميز إحداهما بهاجس المكانة الاجتماعية وبعلامات هذه المكانة في المدن المتوسطة  بينما تتميز الثانية بإعطاء قيمة كبيرة  للاتصالات العامة والسعادة الفردية في المدن الكبرى.( 10)

أما باربيشونG.Barbichon  فقد درس  في إطار علم النفس الإجتـــماعي

 حركية انتقال العمال من مجال الزراعة إلى مجال الصناعة وبتحليل السيِر(Biographie) المهنية فقد بين درجة تكيف اليد العاملة الوافدة من المناطق الريفية للعمل بالصناعة.

ويستعمل الكاتب مصطلح التكيف مبينا المسارين التاليين : التسوية الاجتماعية   « ajustement social »والتكيف النفسي الإجتماعي.

فيعرف التسوية الإجتماعية على أنها توافق سلوك الفرد المتنقل بين القيم الكامنة أوالضمنية والقيم الظاهرة للمجموعات المعنية : المجموعات المستقبلة (عمال، جيران جدد) والمجموعة المنظمة والمجموعة المتنقلة ويعرف مفهوم التكيف النفسي الإجتماعي على أنه "علاقة ملاءمة ليس فقط بين الفرد ومتطلبات المجموعات التي يتواصل معها ولكن بين الفرد وتوقعاته الخاصة وهورد فعل الفرد المنتقل تجاه وضعيته الجديدة".(11)

وقد درس متخصص في علم النفس الإجتماعي هو: جاك .كوري J.Curie  صيرورة العمال ذوي الأصل الزراعي لاسيما التغيرات التي تطرأ على سلوكاتهم في العمل من خلال عينة عمالية مكونة من 151 عاملا ذوي أصل زراعي بمنطقة تولوز Toulouse  بفرنسا 76 منهم استجوابهم في شركة السكك الحديدية 75 آخرون يعملون في العدانة.وينطلق الباحث في فرضية عامة سبقه إليها ل، كاربيكL.Karpick  حيث يفترض وجود علاقة بين نمط الإنطلاق الزراعي ونمط التكيف في السنوات الأولى للعمل بالمؤسسة. وحسب جاك كوري J.Curie، << فإن التحول في سلوكات العمل يمكن إعتباره عملية بناء داخلية لشخصيات العمال وكذا لهياكل التنظيم >> (12)

II- تحليل وضعية العمال الريفيين في الجزائر:

1- المرحلة الأولى : ما قبل الإستقلال ك

والدراسة الرئيسية التي تمت بالجزائر قبل الاستقلال والتي مرجعها الانتقال من نمط ريفي  إلى نمط غير ريفي هي الدراسة التي قام بها بياربورديوP.Bourdieu  وعبد المالك صياد A.SAYAD والتي خصت مراكز تجمع الفلاحين بمدينة القل Collo وكان هذا التجمع في منطقة محـدودة (نوع من الاحياء القصدرية مكون من سكان فلاحين من أصول مختلفة). في سنة 1960 قدر الباحثون عددهم بـ : 2.157.000 شخصا، أي مايمثل ربع السكان في المرحلة الاولى فإن الهدف المقصود من بناء هذه المراكز وجمع المواطنين الفلاحين فيها هوإخماد الثورة المسلحة بإخلاء الجبال من      ساكنيها( 13)

ومن ناحية ثانية فإن الهدف المتوخى هوزعزعة الهياكل الاجتماعية الموجودة والتي كانت السلطة العسكرية الاستعمارية ترى أنها متخلفة جدا حيث يلاحظ الباحثون في هذا الصدد أن" تصرفات المسؤولين مستلهمة من نيتهم الظاهرة والباطنة في جعل السكان الجزائريين يتحولون نحوهياكل إجتماعية ذات نمط غربي : حيث تستبدل الوحدة القبلية أوالعائلية المبنية على وحدة الانتماء بالوحدة الفردية وتستبدل العائلة الكبيرة المكونة من عدة أجيال يعيشون على الشيوع بالعائلة في المفهوم الغربي.

وبالنسبة للسلطة العسكرية، فإن أحسن وسيلة لضمان إندماج الفلاح الجزائري هي تغريبه، والهدف المقصود هوجعل السكان المزارعين يقاطعون النظام الاجتماعي القائم على ترابط وإلتحام المجموعات الاجتماعية وتضامنها والتي كان يعتبرها عائقا رئيسيا أمام معرفته وتوغله في وسط المجتمع الريفي الجزائري وقد أدى هذا التجميع إلى إنفجار نواة العائلة وإلى نزوح ريفي غير منتظم نحوالمدن. وفكرة الحياة الجماعية المشتركة والتي كانت تفترض: "أرضا واحدة ومصروفا واحدا وقدرا واحدا " قد تم ضربه في الصميم(14). وقد تهاوى الفلاحون داخل أزمة إجتماعية ثقافية حادة،  فإبعادهم عن أراضيهم وأيوائهم في مجالات محدودة جدا وجدوا أنفسهم خاضعين تماما للسلطة العسكرية (15)

ووضعهم في حالة من العجز في التكفل بأنفسهم جعلهم يعيشون حالة من التبعية مما اثر سلبا على شخصياتهم واهانة كرامتهم.

وهكذا تضررت كل مكونات الثقافة الريفية،  بظهور مواقف وسلوكات جديدة مثل عقلية <<أعمل حسابًا لكل شئ >>والفردانية(L’individualisme)  كنتائج تعميم المبادلات النقدية.

بضرب دعائم وقواعد المجتمع التقليدي التي يعرفها هانري مندراس H.MENDRAS في ثلاث نقاط هي :

1 – جمع وإنسجام العائلة والمؤسسة ضمن نسق إجتماعي إقتصادي يحكمه منطق الاكتفاء الذاتي.

2 – المجموعات المحلية تشكل مجتمع متداخل المعارف.

3 – تسير التقاليد كل الافعال (16).

وقد حرمت تجمعات الفلاحين من أراضيهم  وإنطلاقا من هذا نزعت منطق إنسجام العائلة والمؤسسة ضمن نسق اجتماعي اقتصادي متكامل.

وفي حين كان الفلاح متعودا على التحرك في مكان يجمع ويوحد الحياة العائلية والمهنية وهومحاط بحقله وبيته وآسرته وحيواناته ووسائل عمله ومنتجات الارض وهويعيش نظاما طبيعيا،  فإن التجمع أنتزعه  بعنف من وسطه الحيوي وتحول من فلاح إلى بطال "مجموع" في مجال غريب عنه مع أشخاص آخرين جاؤوا من دواوير أخرى أي أنه أصبح غريبا بين الغرباء يتحتم عليه تبني مواقف لا تحكم بأي حال من الاحول مجتمعا "متداخل المعارف" غير أن التغير الاكثر شدة هوظهور "العجار" عند النساء المتواجدات في المجمعات.

كما تغيرت الادوار والمرجعيات والمكانات الاجتماعية التي تحدد مكانة كل فرد في المجموعة، ففي حين كانت السلطة المعرفية في الاسرة التقليدية الشائعة بيد الاكبـر سنا، فإن ذلك التهجيـر والإستئصـال والانتـزاع العنيف(déracinement) في مكان تحكمه المبادئ الغربية قلب الترتيب والملامح كماغير السلوكات فلم يعد كما يزى بورديو وصياد "الأكبر سنا من يتكلم بصوت عال كما كان الحال في التجمعات الاولى إنما المهاجرون القدماء الاقوياء بخبرتهم في العمل في المناطق الحضرية لا سيما معرفتهم بالعالم المتقدم و"الحضارة " إي أن ذلك المتعلم الذي يرتدي طاقية من الفرووالذي يحمل جريدة باللغة الفرنسية تحت ذراعه ويلقي خطبة وسط الفلاحين الموافقين والساكتين" (17).

2- المرحلة الثانية: ما بعد الاستقلال :

أما بعد الاستقلال فإن ظهور المجموعات الاجتماعية المكونة من عمال،  فلاحين لازالت تجلب إنتباه الباحثين. حيث سجلنا دراسات خصت الوضعية الاقتصادية الاجتماعية للسكان الجبال الذين يعملون في المجال الزراعي وغير الزراعي وقد طرح الباحثون إشكالية تحديد وضعية هذه الفئة التي لم تعد مزارعة كليا ولم تصبح عاملة بعد، ولكي تعتبر فئة ما مزارعة أكثر منها عاملة لابد أن يمثل الدخل 50 بالمئة أوأكثر من الدخل الكلي للأسرة وهذا ماكان تحقيقه أمرا مستبعدا عند المقارنة بين دخل الزراعة وأجر العمل وبذلك فهي ليست أبدا عاملة لان تحليل ظروف حياة هذه الفئة يدرجها ضمن الطبقة تحت الكادحة(18).

واهتمت دراسة أخرى بتشكيل الفئة العماليـة بعنابـة حيث أدى التصنيـع إلى تغيرات إجتماعية هامة بهذه المنطقة. فالصناعة تسيطر تماما على المنطقة وتجذب يدا عاملة معتبرة من الارياف وقد انصب البحث الميداني على معرفة أصول الفئة الاجتماعية الصناعية كما أظهر أهمية جلب اليد العاملة الزراعية في العمل الكلي حيث تمر مباشرة من قطاع إنتاجي إلى آخر عندما يتعلق الامر بعمال مؤهلين أوعملوا سابقا بورشات البناء والتي تشكل نقطة إنطلاق للعمل بالصناعة بالنسبة لليد العاملة غير المؤهلة غير أن شروط حياة وعمل هؤلاء العمال ذوي الاصل الريفي المزرية من السكن بالاحياء القصدرية وأجر   محدود (19).

وفي نفس السياق هناك دراسة آخـرى تناولت موضوع عمال الريف في المؤسسة الصناعية حيث أجري البحث على مستوى مصنعين في ولاية باتنة وهما : مصنع الغزل والنسيج بمقر الولاية وكذا مصنع عين التوتة للإسمنت وتناولت هذه الدراسة مدى بعد آثر التصنيع على اليد العاملة الفلاحية وعلى النشاط الزراعي واستخلصت الدراسة الميدانية إلى فكرة جوهرية وهي ان التخلي النهائي عن الفلاحة وتكوين طبقة عمالية بالمعنى الحديث بقى مسار نسبي للغاية حيث ان ازدواجية النشاط اضعف هذا المسار وابعد من هذا ظهر ان هذه الفيئة منجـدرة الانتماء إلى الارض ولاتلجأ إلى العمل المأجور إلا لتعزيز هذا التجذر وخدمة ارتباطها بالارض وذاك بهدف تحقيق ترقية اجتماعية بوسطها الاصلي.

إن هذه الظاهرة التي افرزتها هذه الدراسة الميدانية قد تدعمت بما توصل إلى التطور الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة في السنوات الاخيرة التي تميزت بالتراجع الصناعي وتطور الزراعة التقليدية نحوإستغلال وتطوير الزراعات المسقية وخاصة الاشجار المثمرة )  20 (

III- العمال الريفيون وظاهرة تعدد الانشطة :

المستوى الثالث لتحليل الانتقال من عالم الريف إلى عالم المدينة هوظاهرة تعدد  الأنشطة (la pluriactivité) أوازدواجية النشاط (la double activité )   أوممارسة النشاط الزراعي في الوقت الاضافي.

ويفرق الباحثون الذين انصبوا على دراسة هذه الظاهرة بين ازدواجية النشاط الذي يتعلق بفرد ذي مصدرين للدخل (نشاطان للفرد الواحد) وبين تعدد الانشطة الذي يمكن تسميته كذلك بتنوع الانشطة والذي يعني كل مصادر الدخل المتعلقة بالأسرة (21).

إن تعدد الانشطة هونظام اقتصادي وثقافي، ولاعتبارات عديدة أدى إلى طرح إشكالية مستقبل الزراعة. وحسب نيكول ايزنار N.EIZNER فان تعدد الانشطة ظاهرة معقدة تشمل حالات عديدة، غير أنها في بعض الأحيان متناقضة. وبذلك وحسب ذات الباحثة فإن تعدد الانشطة يمكن أن يعتبر عملية تفكيك المؤسسة الزراعية وهوشكل من أشكال الانتقال من الزراعة التقليدية إلى النظام الاجوري أوعلى عكس من ذلك فهووسيلة تمثيل الشكل الاسري للمؤسسة الزراعية. وفي حالات أخرى فإن تعدد الانشطة يلعب دور << إعادة إنتاج ثم انحلال >> المؤسسة الزراعية التقليدية (22). وفي جميع هذه الحالات فإن الدراسة الدقيقة لمصير المداخيل التكميلية كتحديث وسائل الانتاج أوتحسين الاستهلاك العائلي يمكن أن يقدم بعض الاشارات عن هدف تعدد الانشطة. ففي الجزائر مثلا فإن الدراسات التي تعالج بصورة مباشرة أوغير مباشرة ظاهرة تعدد الأنشطة هي بالدرجة الاولى من فعل الاقتصاديين. حيث خصص س. بدراني S.BEDRANIفي دراسة تحت عنوان << الزراعة الجزائرية منذ 1966 >> فصلا كاملا لتحليل المداخيل في القطاع الخاص، فبين أنه في سنة 1973 قدرت أمانة الدولة للتخطط نسبة المداخيل اللازمة للإستهلاك على النمط الريفي بـ 40 بالمائة من النشاطات غير الزراعية. (23)

وإضافة إلى ذلك فإن إحصائيات الزراعة تشير إلى أن 36 بالمائة من المستغلين يزاولون أعمالا إضافية خارج هذا المجال في حين  لم تتجاوز هذه النسبة 30 بالمائة في 1972 -1969،  وخلال نفس هذه السنوات فإن نسبة المستغلين في المجال الزراعي تمثل 25.2 بالمائة لترتفع إلى 25.7 بالمائـة في 1972 – 1973 وشكل البحث الذي أجري في تلمسان سنة 1970 من طرف المركز الوطني للابحاث (AARDES) (24) والذي شمل القطاع الخاص مصدرا دقيقا ارتكز عليه الباحث بدراني  لاستنباط مؤشرات آخرى، وجاء فيه أن ما يقارب نصف المزارعين ذوي النوع الانتاجي الرأسمالي (57هكتار من مساحة متوسطة) يتحصلون على37إلى69 بالمائة من مداخيلهم من النشاطات غير الزراعية وكذلك 97 بالمائة من المستغلين في النمط الإنتاجي المنزلي (8 هكتار من مساحة متوسطة) يحققون من 65إلى97 بالمائة من مداخيلهم خارج الزراعة بجمع هذه المعطيات حاول بدراني حصر اشكالية اليد العاملة الزراعية خارج الزراعة بالاشارة إلى الاتجاهات الاساسية فلاحظ أن الظاهرة تكتسي أبعادا مختلفة حسب نوع المستثمرة.

- المستغلون من نمط الانتاج العائلي التجاري :25.5 بالمائة من الناشطين هم بعض أفراد عائلات المستغلين ويمارسون عملا خارج مجالهم (وقت إضافي أوكامل) وهذا ما يترجم أهمية المداخيل المحصول عليها خارج مجال المستثمرة، المستغلون في نمط الانتاج المنزلي (1 إلى 10 هكتار) وفي هذه الفئة 26 بالمائة من السكان الناشطين يعملون وقت إضافيا أوكليا خارج مجال المستثمرة، والمداخيل غير الزراعية جد معتبرة.

- المستغلون في نمط الانتاج الرأسمالي حيث المداخيل غير الزراعية التي يتحصل عليها آفراد الآسر العاملين في قطاعات آخرى والذي ارتفع عددهم بسرعة خلال السنوات الاخيرة لانهم غالبا ما يكونون إطارات (25). ويخلص الباحث إلى أنه ورغم انتشار ظاهرة تعدد الأنشطة والمداخيل فإن المستغلين الذين يلجؤون إلى الدخل الزراعي لم يبلغوا بعد مستوى الاستهلاك ويتعلق الامر خاصة بأنماط الاستهلاك المديني أوالحضري التي هي محل اهتمام هذه اليد العاملة وتساهم في توجيهها نحوالنشاطات غير الزراعية. كنتيجة لذلك فإن المداخيل المحصلة من النشاطات التكميلية لا تساهم في تعزيز ظروف  إنتاج واستغلال الزراعة، كما أن تحويل قوة العمل نحوالصناعة كان آمرا حتميا لأن الزراعة أصبحت عاجزة عن تأمين المداخيل الكافية للعمال الزراعيين وبذلك كان توجههم نحوالصناعة بالمستوى المرتفع للأجور غير الزراعية والتي كانت تجلب العمال الاكثر تأهيلا من الريف.

خـاتمـة :

إن تعدد الأنشطة يخص بالدرجة الأولى اليد العاملة المرتبطة بالريف والمدينة في آن واحد، أي أنها تستمر في نشاطها في القطاع الفلاحي من جهة وتعمل في الصناعة أوفي قطاع الخدمات من جهة أخرى.

شكلت هذه الظاهرة موضوع دراسات سوسيولوجية عديدة برزت منذ نهاية الثمانينات لتبين أن هذا الصنف من العمال متميز للغاية لكونه لا يخضع لانعكاسات التصنيع والنزوح الريفي، وكأن العنصر المتعدد الأنشطة أوالمزدوج النشاط يحافظ على ارتباطه بالأرض كاحتياط ضامن لمستقبله وغير قانع تماما بمستقبله في عالم الصناعة وغيرها من النشاطات الحضرية.

من هذا المنطلق يرى الملاحظون أن تدهور وضعية النسيج الصناعي والتشغيل غير الفلاحي منذ ظهور الأزمة الاقتصادية والاجتماعية (تسريح العمال من جراء غلق بعض المؤسسات الصناعية) في بداية التسعينات قد أكد عقلانية موقف هذه الفئة المتعددة الأنشطة من اليد العاملة وبالتالي فإنه من الممكن أن نستخلص فرضيات جديدة قد تستفتح المجال إلى دراسات مكملة على أساس أن تعدد الأنشطة يلعب دور توازن وتماسك اجتماعي في مواجهة الإضطرابات الناجمة عن الأزمات المختلفة وهزات التغير الاجتماعي.

حيث يـرى بعض المختصين(26) أن هذا التـوازن يعود بالمنفعـة على المجتمع بأكمله، بمنحه نوعا من الاستقرار الاجتماعي حيث في حالة تراجع اقتصادي، يسمح تعدد الأنشطة مقاومة خطر التفكك الاجتماعي بالمحافظة على بقاء آليات التضامن الاجتماعي التقليدي.

 

         

المراجــع :

 

1 /  H.Mendras , ‘‘ la Fin des paysans ’’, Paris .A.Colin .1970

  • E.Weber , ‘‘ la Fin des Terroirs ’’,fayard / ed.Recherches .Paris 1984 .

2 / A.Djeghloul , ‘‘Trois études sur Ibn khaldoun’’, Enal, Alger 1984 – p.34,

3 / H.Mendras ,op.cité ,P.91

4 / A.Touraine et O.Rogazzi, ‘‘les ouvriers d’origine rurale ’’

  Ed.du Seuil,Paris 1961

5 / A.Touraine .op.cité,P.191

6 / N.Eizner et B.Hervieu, ‘‘Anciens Paysans,nouveaux ouvriers’’   Ed.Harmattan,paris.1979.

7 / N.Eizner et B.Hervieu ,op.cité,p.69

  8 / M.Halbwachs , ‘‘Escquiesse d’une psychologie des classes   sociales’’ librairie Riviére , 1955

L.Karpick,  « Urbanisation et satisfaction au travail »

Sociologie du travail, N°2.1966

9 / M.Halbwachs,op.cité,p.63

   10 / L.Karpick ,op.cité,p.82.

11 / G.Barbichon, ‘‘la mobilité des travailleurs passés dans

l’industrie ’’cnro,1965

12 / J.Curie, ‘‘le devenir des travailleurs d’origine agricole’’

         librairie Honoré champion .Paris 1975 

13 / P.Bourdieu et A.Sayad , ‘‘ le déracinement ’’Ed.de.Minuit ,Paris 1964

14 / P.Bourdieu et A Sayad,op.cité ,page 13

15  / نفس الاستراتيجية قد طبقت بالجزائر من قبل في عهد الاحتلال، كما أشار إليه المؤلفين ذكرين في ذلك مصطفى لشرف.

        M.Lachraf ‘‘Constantes politiques et militaires dans les guerres coloniales  ’’ d’Algérie  ‘‘ Algérie :Nation et societé’’ .F.Maspéro .Paris.

16 / H.Mendras. ‘‘Eléments de sociologie’’. A.colin.Paris.1967 .P.136

17 / P.Bourdieu et A Sayad,op.cité ,page 123.

18/ B.Radji , ‘‘identification de la paysannerie parcellaire paysans –ouvriers et  ouvriers paysans’’ Revue tiers monde . Paris 1984 p.66.

 19 / S.Si Ammar ‘‘La formation de la population ouvriére et ses conditions d’existence’’ Revue Tiers monde .Paris 1985 p.49.

20 / K.Slimani, les ouvriers d’origine rurale dans l’entreprise   

        industrielle algérienne .thèse de doctorat troisiéme cycle –

       Université Paris 10 1986.

21 / H.Mendras ‘‘L’exode rural en France’’-A colin Paris 1972 .

22 / N.Eizner . ‘‘Remarques sur la pluriactivité ’’association de

          ruralistes francais.paris 1981 

23/  S.Bedrani , ‘‘L’agriculture algérienne depuis 1966’’. O.P.U Alger 1981.

24/ S.Bedrani.op.cité.p170.

25/ AARDES. مركز وطني للأبحاث تحت وصاية وزارة التخطيط

26/ H. MENDRAS  .Sociologie des ruraux : l’exode rural .in. Encyclopedia universalis .Paris 1990.

Pour citer ce document

الكاملــة سليماني, «مقاربــة ميكروسوسيولوجيـــة لظــاهرة الانتــقال من الريـــف الى المدينــــة»

[En ligne] العدد 07 جوان 2008N°07 Juin 2008 ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales
Papier : pp : 265 - 279,
Date Publication Sur Papier : 2008-06-01,
Date Pulication Electronique : 2012-04-07,
mis a jour le : 16/02/2014,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=303.