التحرش الجنسي في الجزائر من الطابوهات المسكوت عنها الى التجريم القانوني
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 08 ماي 2009 N°08 Mai 2009

التحرش الجنسي في الجزائر من الطابوهات المسكوت عنها الى التجريم القانوني
pp : 445 - 490

محمد اعـراب
  • Auteurs
  • Texte intégral

مقـدمة: أحاط الله تعالى الحياة غرائز الإنسان – خاصة الغريزة الجنسية التي لم تخلق متعة في ذاتها فقط بل وسيلة لتحقيق حفظ النوع الإنساني-كما ساهمت القيم والمثل العليا المتأصلة في ضمير الإنسان بفعل التربية والدين في تكوين حدود لممارسة هذه الغرائز. وساهم الحياء المغروس في النفس الإنسانية والقيم الأخلاقية والدينية والاجتماعية في تهذيب التعبير عنها وتوجيهها وتنظيمها وإحاطتها بقدر من القيود التي تكفل تحقيق الأغراض التي وجدت من أجلها دون الخروج عنها.

ورغم تفاوت المجتمعات الإنسانية واختلافها من النواحي الدينية والفلسفات السائدة فيها، إلا أن معظم قوانين الدول تنظّم الغريزة الجنسية بشكل أو بآخر يختلف بحسب المكان والزمان، إذ تتدخل القوانين الجنائية تبعا لذلك لحماية النظام العام المنظّم لهذه الغريزة، وكفالة سلامة الأخلاق الحميدة.

إن دخول المرأة عالم الشغل-في القطاع الخاص أو القطاع العام- يفسح لها المجال حتى تصبح عاملة كاملة الحقوق مثل الرجل، خاصة أن جل التشريعات تقرّ بمبدأ المساواة في التشغيل أو الدخول للعمل، وتمنع أي تمييز يكون أساسه الجنس أو الحالة العائلية أو أي معيار آخر، على الأقل من خلال  الالتزامات التي رتّبتها الدولة على عاتقها من خلال مصادقتها على مختلف الاتفاقيات المتعلقة بحقوق الإنسان، خاصة " اتفاقية القضاء على جميع أشكال التّمييز ضد المرأة" لسنة 1979 ([i])، والتي جاءت لنبذ مفهوم الدونية (اللامساواة ) للمرأة ونبذ مفهوم التفوّق لدى الجنس الآخر، حيث ورد في ديباجة هذه الاتفاقية أن التّمييز ضد المرأة يشكل انتهاكا لمبدأي المساواة في الحقوق واحترام كرامة الإنسان، وعقبة أمام مشاركة المرأة على قدم المساواة مع الرجل في الحياة الوطنية: السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ويعوق نمو ورخاء المجتمع والأسرة، ويزيد من صعوبة التنمية الكاملة لإمكانيات المرأة في خدمة بلدها وخدمة البشرية([ii])، واعتبرت هذه الديباجة أن أي فعل عنيف تدفع إليه عصبية الجنس، ويترتّب عليه أذى أو معاناة للمرأة، سواء من الناحية الجسمانية أو الجنسية أو النفسية، بما في ذلك التهديد بأفعال من هذا القبيل أو الحرمان التعسفي من الحرية يعد عنفا ضد المرأة([iii]). ونصت المادة 11من هذه الاتفاقية أن على الدّول المصادقة عليها أن تعمل على اتخاذ كل ما يقتضيه الحال للقضاء على التمييز ضد المرأة، وصيانة حقها في التمتّع بنفس فرص التوظيف، بما في ذلك تطبيق معايير الاختيار نفسها في شؤون التوظيف، والحق في الترقية والأمن الوظيفي والحق في المساواة في الأجر والحق في الوقاية الصحية وسلامة ظروف العمل([iv]).

غير أن صون كرامة المرأة وشرفها وسلامتها المادية والمعنوية، خاصة أثناء العمل، لن يتحقق إلا في ظل وجود نصوص دستورية وقانونية تكفلها وتحدّد العلاقة بينها وبين تلك الاتفاقيات والمعاهدات([v])، ووجود سلطة قادرة على تطبيق هذه القوانين، ولكن يجبعدم الرّبط بشكل مطلق  بين وجود النصوص التي تقرر هذه الكرامة والشرف وبين ممارستها في الواقع، بل يجب ربطها دائما بضمانات تكفل احترام وتطبيق هذه النصوص، حيث تظل هذه النصوص مجرّدة من قيمتها ومضمونها ما لم تتوفر لها هذه الضمانات التي يأتي في مقدمتها وجود نصوص قانونية رادعة لأية مخالفة، بالشكل الذي يحول دون ممارسة أية ضغوط معنوية أو ماديّة، الغرض منها تحقيق مصالح شخصية ذاتية دنيئة، بعيدة تماما عن معايير التقييم المبني على الكفاءة والفعالية في العمل، إذ أن رب العمل قد يستغل منصبه للتحرش والسيطرة على من هنّ تحت سلطته، وعوضا من أن ينظر إلى المرأة ككفاءة ومهارة وإنسان منتج قادر على العطاء، يختزل شخصيتها في جسدها وينظر إليها كموضوع جنسي يجعله يتحرش بها، وهذا تغييب لكيانها الإنساني والثقافي والاقتصادي والاجتماعي وهو ما يعد إهانة لها عموما.

وبرغم استفحال ظاهرة التحرش الجنسي في معظم الدول([vi])، وظهوره في الجزائر مثل غيرها من المجتمعات، نتيجة تغيّر القيم في المجتمع، إلا أن المشرع الجزائري لم يحذُ حذوَ التشريعات العالمية المجرِّمة لهذا الفعل إلا في تعديله لقانون العقوبات بموجب المادة 341 مكرر من القانون 04/15 المؤرخ في 10 نوفمبر 2004 المتضمن تعديل الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 8/7/1966 المتضمن قانون العقوبات، وقد جاءت جريمة التحرش الجنسي كردّة فعل لتزايده في مواقع العمل بشكل لا يمكن تجاهله والتساهل معه، وجاء أيضا استجابة لطلب مؤسسات المجتمع المدني عن طريق الجمعيات النسائية، وبذلك خرجت هذه الجريمة من دائرة الطابوهات المسكوت عنها سياسيا واجتماعيا وقانونيا إلى دائرة الحظر والمنع القانوني المقترن بالجزاء.

إن الجرائم التي تكون المرأة ضحيتها- ومن خلالها تنتهك حرمة المجتمع بكامله- قد ازدادت بشكل مطرد، وتمثل جريمة التحرش الجنسي أبرز صور هذه الجرائم، وهذه الجريمة تتخذ العديد من الصور، من بينها التحرش بالأطفال والتحرش بالنساء وتحرش النساء بالرجال، و غالبا ما يكون التحرش الجنسي من الرجال بالنساء، لكن حتى في حالة تحرش المرأة بالرجل فإن لهذا الأخير القدرة على المقاومة، وإلا فإن انحرافه الأخلاقي يكون برضاه، أما المرأة فهي في الكثير من الأحيان عرضة للّوم حتى لو كانت هي الضحية، وإذا لجأت لتقديم شكوى فإنها تعتقد أنها تعاني جراء الشكوى أضعاف ما عانت جراء التحرش، لهذا فإن الانتباه يتوجه عادة للتحرش الجنسي حينما يكون من الرجل بالمرأة، وعلى الرغم من ذلك  فإننا نركز في مداخلتنا هذه على التحرش الذي نصّ عليه المشرع الجزائري في المادة 341 مكرر والذي استعمل عبارة: "كل شخص يستغل سلطته أو وظيفته أو مهنته عن طريق إصدار الأوامر للغير..."، ومن خلال هذا التعبير يتّضح أن المشرع لم يحصر التحرش الجنسي في إطاره التقليدي المتعارف عليه – تحرش الرجال بالنساء – بل ترك المجال مفتوحا لأنه قد يحدث العكس، كما قد يكون المتحرش والمتحرش به من جنس واحد. كما تختلف أماكن هذا التحرش من الشارع إلى أماكن الدراسة إلى أماكن العمل، وسوف ترتكز مداخلتنا على التحرش الجنسي الذي نصت عليه هذه المادة أي الذي يمارسه من يملك سلطة بمقتضى الوظيفة أو المهنة أو السلطة التي يمارسها([vii])، لأن هذا النوع من التحرش يخلق جو عمل سيء، وغير منتج بمحاولة تكريس التمييز وفرض مبدأ التفوّق البيولوجي البعيد عن معيار الكفاءة والأداء الجيّد، مما يكرّس الرداءة ويشكل انتهاكا للحقوق والحرية الشخصية ومبدأ المساواة.

 وتبرز أهمية هذا الموضوع إذا علمنا أنّ نساءنا العاملات– أمهاتنا، أخواتنا، بناتنا– قد يَكُنّ معرضات له في وقت ما، وتزداد هذه الأهمية إذا علمنا أن هذا الموضوع لم يحظَ بالعناية اللازمة من الدراسات في الجزائر، نظرا لحداثة النص القانوني الذي يجرمه([viii])، بالرغم من أنه جدير بالدراسة والبحث للأسباب السابق ذكرها.

ولدراسة هذا الموضوع ننطلق من الإشكالية التالية:كيف انتقلت جريمة التحرش الجنسي في الجزائر من دائرة المسكوت عنه الى التجريم القانوني ؟ وكيف عالج المشرع هذه الظاهرة الجديدة على مجتمعنا؟  وهذه الإشكالية الرئيسية تقودنا لطرح الأسئلة الفرعية التالية:

ماهو مفهوم التحرش الجنسي؟ وماهي أركانه وآثاره؟ وكيف يتم إثباته؟ وكيف يؤثر على الارتقاء المهني للمرأة والظروف التي يؤدى فيها العمل عموما؟ وما هي سبل مواجهته والقضاء عليه؟.

وللإجابة على هذه الإشكالية الرئيسية والإشكاليات الفرعية المرتبطة بها سنقسم الدراسة إلى ثلاثة مباحث :

- نتناول في المبحث الأول مفهوم التحرش الجنسي، من خلال دراسة تعريفه وأسباب انتشاره، والتمييز بينه وبين بعض الجرائم المشابهة.

- أما في المبحث الثاني فسنتناول أركان جريمة التحرش الجنسي بدراسة الركن المادي والمعنوي والنتيجة.

 – وفي المبحث الأخير نعرض المواجهة القانونية للتحرش الجنسي، من خلال معرفة العقوبة المقررة له والآثار المترتبة عنه، والإشكاليات التي تثيرها مسألة إثباته.

المبحث الأول: مفهوم التحرش الجنسي               

         تقتضي دراسة مفهوم التّحرش الجنسي ضرورة عرض مختلف تعاريفه والتمييز بينه وبين بعض الجرائم والمصطلحات المشابهة، كما يقتضي ذلك عرض مختلف الأسباب التي أدّت لانتشاره.

المطلب الأول: تعريف التحرش الجنسي

للتحرش الجنسي مفهومان مفهوم لغوي  ومفهوم فقهي.                         

الفرع الأول: التعريف اللغوي للتحرش الجنسي

التحرشمن "الحرش" و"التحريش" وهو بمعنى الإغراء ومحاولة الإخضاع والاستغلال السافل للسلطة الإدارية على المرأة([ix])، وللتحرّش عدة معاني من الناحية اللغوية، يقال تحرّش به أي تعرّض له ليهيّجه ويثيره([x])، كما يفيد معنى الإغراء والخداع والإفساد والتهييج، والحمل على الفتن([xi])،و يفيد أيضا معنى إثارة الغضب)[xii](.

وبناءا على ما سبق يتّضح أن التّحرش الجنسي هو عمل مقصود يقوم به إنسان مهووس لديه نزعة جنسية، يقوم ببعض الأساليب والتصرفات للفت نظر الطرف الآخر وإثارته، وحين يشعر المهووس بالملل وعدم الاستجابة، يقوم بإتباع أساليب أخرى لتقرّب له المسافة كالملامسات والتقارب الجسدي لإثارة الطرف الآخر إشباعا لرغبته ونزوته، حتى وإن قوبل بالرفض والضرب أحيانا، إلا أنه يجد في ذلك  متعة ولذّة، فيصبح هذا "العرض" "فرضا" ولا يصبح بعد ذلك "عرضا"، فاستراتيجية المعتدي هي استراتيجية إضعاف إرادة الضحية وإرغامها على القبول بمشروعه، وهو ما يثير اشمئزاز الضحية وارتباكها وانزعاجها كحد أدنى"([xiii]).وانطلاقا من هذه التعاريف اللغوية، يتضح أن التحرش فعل قبيح ودنيء ينمّ عن سوء النية وإضرار الطرف الآخر، وهو ما يبرّر تحريمه من الناحية الدينية وتجريمه من الناحية القانونية واستهجانه من قبل الجميع، ويتخذ التحرش الجنسي العديد من الصّور، منها ما يتخذ صورة التحرش الكلامي ومنها ما يتخذ صورة التحرش غير الكلامي ومنها ما يأخذ صورة التحرش المادي ([xiv]). وتجدر الإشارة إلى أن المشرع الفرنسي هو أوّل من تناول جريمة التحرش الجنسي من بين الدول الأوروبية، غير أن نظرته للتحرش كانت تقتصر على تسمية "التحرش"، وذلك في إطار التمييزات التي تتم في مجال العمل أو الوظيفة، وذلك بموجب المادة 220/3/1من قانون العقوبات لسنة 1992، ولكن البرلمان الفرنسي(مجلس الشيوخ والجمعية الوطنية) بموجب تعديله لقانون العقوبات، أورد جريمة التحرش الجنسي بجانب جرائم الاغتصاب والإيذاء الجنسي المقترن بعنف، وذلك في المادة 222/32،مما جعل هذه الجريمة جنحة مستقلة([xv]).

الفرع الثاني: التعريف القانوني للتحرش الجنسي

من الناحية القانونية عرّفت المادة 341 مكرر من قانون العقوبات الجزائري التحرش الجنسي بأنه:" استغلال السلطة أو الوظيفة أو المهنة بإصدار أوامر للغير أو بالتهديد أو الإكراه وممارسة ضغوط عليه قصد إجباره على الاستجابة لرغباته الجنسية.

وفي حالة العود تضاعف العقوبة".

وعرّف الفقيه بيكو التحرش الجنسي بأنه:" سلوك عدواني ذو طبيعة جنسية يرتبط بالخوف الذي يستمد أسسه من استغلال النفوذ وعلاقته بالسلطة والإحساس بالعجز أمام سلطة المتحرش"([xvi]).

وهناك من يعرفه بأنه: " عبارة عن مضايقات الهدف منها الحصول على منفعة جنسية أو تحقير أو التقليل من شأن المرأة بشكل عام، سواء كانت بفعل مادي أو بالمزاح الكلامي أو النكتة الجنسية أو الملاحقة بالتلفون، أو أي شكل من أشكال الطلب المباشر والغير مباشر لعلاقة جنسية."([xvii]) إذ أن النّكت الجنسية الملاحقة بالأسئلة المرتبطة بالحياة الخاصة والحياة الجنسية يندرج تحت التحرش الجنسي، طالما لا يقابله رضا من الطرف الآخر، لأنه يوجد فرق بين الإغراء، والانجذاب المتبادل بين الجنسين([xviii]). وتقول القاضية رفيقة حجايلية أن: "التحرش الجنسي يجد موقعه في مكان العمل فقط، ومكان العمل هذا يفترض أن يكون الشخص المتحرش هو المسئول في هذه المؤسسة أو الورشة أو الشركة أو الإدارة (عامة كانت أم خاصة)، هذا الشخص بحكم تواجده في العمل يمارس سلطته على الأفراد من بينهم الشخص المرؤوس قد يكون في غالب الأحيان امرأة، وبالتالي فالعلاقة التي تقوم في حالة التحرش الجنسي هي وجود الرئيس مع المرؤوس في علاقة تبعية، من هنا فإن أي سلوك جنسي يأخذ مرجعيّته المغلوطة من الفوقية السلطوية الاجتماعية والسياسية والإدارية يصبّ في خانة التحرش، وعند اقترانه برغبات وتعابير جنسية يصبح تحرشا جنسيا"([xix]) .

وهناك تعريف آخر مفاده أن:" التحرش الجنسي هو تصرّف يصدر عن شخص مستغلا لسلطته أو مهنته، عن طريق إصدار أوامر للغير أو بالتهديد أو الإكراه أو حتى ممارسة ضغوط، قصد إجبار هذا الشخص على الاستجابة لرغباته الجنسية"، ويميل البعض الآخر إلى استبعاد الدافع الجنسي، فالتحرش في هذه الحالة ينبع من علاقات التسلط أو السلطة أو الرغبة في إذلال وإهانة الطرف الآخر(وهو المرأة عادة).

وبالرغم من أن المشرع الجزائري نص في تعريفه للتحرش الجنسي على أن هدف هذا الأخير هو إشباع الرغبات الجنسية، إلا أنه لا يكون الدافع منه دائما هو الرغبة الجنسية، إذ أحيانا يكون بدافع حب التّسلط والسّلطة والرّغبة في إذلال وإهانة الطرف الآخر – الأضعف –، باستغلال علاقة التفوّق السلطوي، الاجتماعي، السياسي، أو الثقافي في المجتمع"([xx]).

المطلب الثاني : أسباب ودوافع انتشار التحرش الجنسي في المجتمع الجزائري

إن جريمة التحرش الجنسي مرتبطة بأسباب عديدة، منها ما هو مرتبط بالجانب القانوني، ومنها ما هو مرتبط بالجانب الوظيفي، ومنها ما هو مرتبط بالجانب الأخلاقي والتربوي والديني، مثلما سيتم توضيحه من خلال الفروع التالية:

الفرع الأول: أسباب تتعلق بالجانب القانوني

لا يمكن التذرّع أن موضوع التحرش يخدش الحياء حتى نتكتّم عنه، لأن ذلك يؤدي إلى نتائج وخيمة على مستوى مختلف الأصعدة، وقد يؤدي إلى ارتكاب جرائم أخرى كالاغتصاب أو هتك العرض، فيتحول من مجرد تحرش جنسي بالقول أو اللفظ إلى حالة من حالات الاغتصاب، لذا فإن سن قانون يجرّم التحرش الجنسي يعد عملا وقائيا، ومحاولة لمنع تحوّله إلى جرائم أخرى أكثر خطورة، فتناول هذا الأمر بالوقاية والعلاج لا يتعارض مع الأخلاقيات بل بالعكس هو يدعم الأخلاقيات، وبالتالي يجب وضع قوانين وتشريعات وإجراءات وآليات لكشفه والحد منه ومعاقبة مرتكبيه، بل أن ذلك من الأمور الضرورية في أي مجتمع، و عدم مواجهة المجتمع للتحرش الجنسي عن طريق وجود هذه القوانين الرادعة([xxi])، يجعل التحرش الجنسي يبدو سلوكا عاديا عند البعض، فيتجذّر في المجتمع ويستفحل فيه حتى يصعب القضاء عليه بعد ذلك بسهولة.

إن انعدام التّوعية حتى بعد صدور النصوص المجرّمة لهذه الأفعال، يحول دون سلوك المرأة للإجراءات الإدارية والقضائية من أجل وضع حد لهذه التصرفات، وسيطرة الأفكار السلبية كالخوف من الفضيحة وتلويث السمعة، وخوف المرأة من الإدانة الاجتماعية، (أي تحميلها المسؤولية لكونها هي التي أظهرت مفاتنها، وأغرت الرجل بلباسها وهندامها وشكلها وماكياجها وما إلى ذلك)، وكذا خوفها من فقد العمل و صعوبة إثبات حدوث التحرش الجنسي، مما يحول دون تقديم شكوى([xxii])،كل ذلك يساهم في دفع الرجل للاستمرار فيه، لأنه يعرف أن المرأة لا تجرؤ على إدانته،وهو ما يؤثر على ضحايا التحرش الجنسي ويجعلهم يتحملون مآسيهم وأوجاعهم بعزلتهم وبوحدتهم خجلا أو فشلا، جهلا أو خوفا([xxiii]).

الفرع الثاني : أسباب تتعلق بالجانب السلوكي والديني والوظيفي

أولا / الأسباب المتعلقة بالجانب السلوكي:

يرى أحمد بهنيسي أن الديانات والأعراف في كل المجتمعات حفظت للمرأة جسدها، فقد أثبتت الدراسات السلوكية في باب السكسولوجي أن جسد المرأة شاد للانتباه والغريزة -بقدر ما برز منها أو عرّي منه – لذا المؤسسات الدينية تفرض نوع من اللباس المحتشم([xxiv])، غير أن مدى  اعتبار طريقة لباس المرأة سببا في انتشار التحرش الجنسي يقودنا للتساؤل فيما إذا كانت المجتمعات التي لا عري فيها أوجدت الفضيلة أم أن الفضيلة هي التي تدفع إلى الترفّع عن كل هذه الأمور واحترام حقوق وقدسية جسد الآخر وعدم محاولة إهانته بأي شكل من الأشكال؟.

فبغضّ النّظر عن سلوك المرأة أو مظهرها الخارجي،وعدم احتشامها وخروجه

Pour citer ce document

محمد اعـراب, «التحرش الجنسي في الجزائر من الطابوهات المسكوت عنها الى التجريم القانوني»

[En ligne] العدد 08 ماي 2009N°08 Mai 2009 ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales
Papier : pp : 445 - 490,
Date Publication Sur Papier : 2009-01-01,
Date Pulication Electronique : 2012-05-02,
mis a jour le : 22/01/2014,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=354.