الإعلام والتغير القيمي: بين الموجود والمنشود
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 08 ماي 2009 N°08 Mai 2009

الإعلام والتغير القيمي: بين الموجود والمنشود
pp : 113 - 129

نصرالديـــــن بوزيان
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

حققت تكنولوجيا الاتصال في العقود الأخيرة تطورات هائلة، كانت لها انعكاسات  متباينة على مختلف جوانب حياة الأفراد والمجتمعات، حيث مكنت من تخطي الحدود بشكل غير معهود، وساهمت في القضاء على الكثير من القيود، ودللت الكثير من العقبات الكؤود، لكن هذه التكنولوجيا تحمل في طياتها جملة من التعقيدات التي شملت مختلف الجوانب والمستويات، وأفرزت عصر العولمة والفضائيات، وباتت تنشر الرذيلة وتقضي على الفضيلة في الكثير من الحالات، كما هددت تفكك المجتمعات، وقضت على تماسك الأسر والعائلات، وخلقت العديد من المشكلات.

وأحد الجوانب المهمة التي طالها التأثير ذلك المتعلق بتغير "القيم"، وجدير بنا منذ البداية التأكيد على أن التغير القيمي موجود منذ القدم، وهو الأمر الذي سمح بوجود تغييرات على المستويين الاجتماعي والفردي، لكن وتيرة التغير القيمي، وطريقة حدوثه وسرعته هي التي تغيرت جراء جملة من العوامل على رأسها التطورات التكنولوجية الهائلة سيمـا في مجالي الاتصال والمواصلات، والتي سمحت باحتكاك أكبر بين الأفراد والمجتمعات، وتبادل أكبر وحر للأفكار والمعلومات، ومن هنا بدأت تبرز مجموعة من المشكلات على مختلف الأصعدة وفي شتى المجالات.

فالقيم الجديدة أو على الأصح التفسيرات والدلالات الجديدة المشوهة للمعنى الحقيقي للقيم التي أصبحت تكتسح مختلف المجتمعات، والتي روجت وتروج لها الكثير من وسائل الاعلام، باتت تهدد بنسف أسس هذه المجتمعات والمجتمع الجزائري واحد منها، وتدعو إلى اضمحلال الخصوصيات الثقافية وانصهارها في ثقافة واحــدة غربية أو أمريكيـة في الكثير من الأحيان، فضلا عن سعيها إلى خلق نظام اقتصادي تجاري سائد وقوي لا يحتكم إلى قوانين عادلة بقدر ما يحتكم إلى هوس تكديس الأموال، الربح والفائدة التي ستنعكس إيجابا على كافة المجتمع حسب الرأسماليين الجدد الذين طوروا القاعدة التي وضعها آدم سميث "دعه يعمل، اتركه يمر"، لكن المتأمل المتمعن يرى أن القيم الإنسانية والاجتماعية مهددة بسيطرة الماديات وترسخ مثل هذه التوجهات التي من بين نتائجها حسب بعض أكبر المحللين العالميين -كما تناولته وسائل الإعلام العربية والغربية- هي الأزمة الاقتصادية والمالية الحالية. وفي الشق الاجتماعي، نجد عادات وتقاليد اندثرت، وعلاقات وقيم اجتماعية تبعثرت، وتوجهات غربية رسخت، وأساليب عيش استحدثت..

ومن خلال هذه المداخلة، سنحاول توضيح كيفية تأثير وسائل الإعلام على القيم وإبراز مدى مساهمتها في التغير القيمي في المجتمع الجزائري، وذلك بعد عرض مدخل مفاهيمي يساعد على توضيح بعض المفاهيم والمعاني التي سنتطرق لها في هذه المداخلة، بهدف إزالة الغموض حول المعنى المتبنى، ثم سنعكف على المقارنة بين النظري (ما يجب أن يكون) والميدان (ما هو موجود)، لنختتم بتقديم تصور عما يمكن أن تلعبه وسائل الإعلام لخدمة المجتمع والمصالح الوطنية.

مدخل مفاهيمي :

سنحاول من خلال هذا المدخل تسليط الضوء على عدد من المفاهيم الواردة في المداخلة بشكل مختصر بهدف تفادي وجود أي التباس أو غموض.

1- القيم: في الواقع، هناك الكثير من المحاولات لوضع تعريف أو مفهوم دقيق للقيمة غير أنها باءت في مجملها بالفشل، فمصطلح القيمة له أهمية خاصة في الاقتصاد وعلم الاجتماع والفلسفة، ففي الاقتصاد ترتبط نظرية القيمة بنظريـة الثمن أو السعـر، أما في علم الاجتماع فإن القيم تعتبر حقائق أساسية في البناء الاجتماعي([1])، ويعرفها المعجم الإعلامي لمحمد منير حجاب على أنها المبدأ أو المستوى أو الخاصية التي تعتبر ثمينة أو مرغوبا فيها، والتي تساعدنا على تحديد ما إذا كانت بعض الموضوعات جيدة أو رديئة، حسنة أو سيئة، صحيحة أو خاطئة، هامة أم عديمة الأهمية.([2])

أما القيم الاجتماعية فيعرفها قاموس علم الاجتماع "فيرتشايلد" على أنها مواضيع تتعلق بها النفس وتشعر بالحاجة إليها، أو باستحسانها، أو بضررها([3])، كما أنها كل ما يستثـــير

في مجتمع إنساني اهتماما عاما سواء كانت القيمة متمثلة في موضوع حسي ملموس أوفي صفة معنوية، ومن شأنها سد حاجة اجتماعية حيوية([4]). ومن خصائص القيم أنها مشتركة بين عدد كبير من الناس، أنها المحكاة التي تحكم بين الناس، أنها تستثير اهتمام الفرد والجماعة نظرا لارتباطها بحاجات اجتماعية حيوية، أنها تستهدف صالح الجماعة أو ما تعتقد أنه لصالحها، أنها تتصف بالثبات النسبي والديناميكية وتعبر عن نفسها بالرموز، ونظرا لأهميتها تعمل نظم المجتمع ومنظماته على حفظها([5]).

ولتقريب فكرة القيم وعلاقتها بالمجتمع نقول بشكل عام، واضح ومختصر أن المجتمع يتكون من العديد م النظم؛ اقتصادية؛ سياسية؛ اجتماعية.. ويتكون كل نظام من قيم معينة تحدد هويته، فالنظام الاقتصادي في الغرب مثلا يمثل قيم الفردية وتنمية رأس المال والمنافسة..، ويعكس النظام هذه القيم في مجموعة من التنظيمات الاجتماعية، يسلك الفرد داخلها أنماطا من السلوك تعكس العادات الاجتماعية أو الطرائق الشعبية التي تعكس بدورها اتجاهات الفرد نحو النظام ([6]).

فالقيم هي إذن مجموع الأشياء المرغوب فيها التي تحدد ما يجب أن يكون وما يجب أن نفعل لضمان حاجات حيوية في المجتمع، والإدراك لهذه القيم يختلف من فرد لآخر ومن مجتمع لآخر لاختلاف الظروف الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية، الجغرافية..، واختلاف المنطلقات والحاجات وحتى طبيعة هذه الحاجات، وهو ما يخلق لكل مجتمع تميزا وهوية ويساعد في ترتيب القيم في سلم الأولويات.

2 - الاعلام: توجد تعاريف عديدة للإعلام، نكتفي بذكر أحدها وهو لـ "شون ماك برايد" الذي يرى بأنه "جمع وتخزين ومعالجة ونشر الأخبار والبيانات والصور والحقائق والرسائل ولآراء والتعليقات المطلوبة لفهم الظروف الشخصية والبيئية والقومية والدولية والتصرف اتجاهها عن علم ومعرفة والوصول إلى وضع يمكن من اتخاذ قرارات سليمة".

3- وسائل الاعلام : بكل بساطة هي ما "ما تؤدى به الرسائل الإعلامية أو القناة التي تحمل الرموز التي تحتويها الرسالة"([7])، وبطريقة أخرى هي الدعامة التقنية أو مجموع التقنيات والأدوات التي يتم من خلالها نقل المادة الإعلامية لجمهور المتلقين، وتعتبر وسائل الإعلام أهم المصادر التي يستقي منها الأفراد المعلومات والأخبار، فهي ببساطة سمة العصر الحالي.

4- التغير : هو ظاهرة مقررة دائمة الحدوث، والتفاعل بين طرفين هو شرط حدوث التغير، وببساطة فإن التغير هو التحول من حالة إلى أخرى، فتغير المجتمع يعني حدوث تفاعل بين شيئين، بين طرفين، بين ظاهرتين، ما أدى إلى تحول المجتمع من حالة إلى أخرى. وجدير بالذكر أن تأثيرات التغير باتت واسعة النطاق بفعل التطورات التي طرأت على وسائل الاتصال الجماهيري.

وسائل الاعلام.. القاضي الذي يحكم على القيم بالاعدام

من المعروف أن القيم تغرس في الفرد من خلال التربية والتنشئة الاجتماعية، كما تغرس أيضا عن طريق العقوبات المادية والمعنوية، المعتقدات والممارسات الروحية، وكذا التقاليد والآداب العامة، الفنون والرموز كالحكايات، الأساطير، الأغاني الشعبية..([8]) أي أن هناك مجموعة من المؤسسات الاجتماعية التي تتولى تلقين هذه القيم وغرسها في الأفراد، ومن أهمها على الإطلاق الأسرة، المدرسة، أو ما يفضل المختصين الحديث عنه في إطار جماعات مرجعية وجماعات ثانوية.

لكن الملاحظ أنه ابتداء من القرن الـ20 على وجه التحديد، هو ظهور منافس قوي لمختلف المؤسسات الاجتماعية يتمثل في وسائل الإعلام التي أطلق عليها العديد من التسميات التي تنم عن قوتها ومدى تأثيرها كتسمية "الأب الثالث" دلالة عن الدور الذي باتت تلعبه هذه الوسائل في التربية، التعليم والتنشئة، فهي تحتل في العديد من الأحيان أدوار الأسرة في تلقين الأبناء القيم والمعارف وغيرها، بل تتجاوز أدوارهم في بعض الحالات، فنجد أن الأبوين في بعض الأحيان لا يتجرؤون على طرق عدد من المواضيع مع أبنائهم، وفي المقابل يتم التعرض لها في وسائل الإعلام، وهو ما يعني تولي هذه الوسائل تلقين وتعليم الأبناء أو بعبارة أخرى ملئ هذا الفراغ ايجابيـا أحيانا وسلبيـا في الكثير من الأحيان.

وما يزيد في وزن وقيمة وسائل الإعلام أنها في الكثير من الأحيان تأثير على الآباء قبل الأبناء، وهو الأمر الذي جعل العديد من الباحثين والأطروحات العلمية تسعى للكشف عن تأثيرات ما يمكن وصفهم حسب لازرسفيد بقادة الرأي، كالأولياء في أسرهم، الأساتذة في مؤسساتهم التربوية، الأئمة في المساجد.. والدراسات والأطروحات عديدة في هذا الشأن، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر أطروحة ماجيستير لسفيان بلغيث تحت عنوان "جمهور المعلمين والبارابول" التي اهتمت بعادات وأنماط مشاهدة معلمي المدارس الأساسية لـ "البارابول" بدائرة الشريعة، والتي شملت 21 مدرسة ابتدائية (427 معلما ومعلمة)، و5 اكماليات (200 أستاذا وأستاذة) وثانوية ومتقن (114 أستاذا وأستاذة).

وتشير الإحصائيات المختلفة إلى أن الأفراد أصبحوا محاصرين من كل جهة بوسائل الإعلام والاتصال التي احتلت مكانة أساسية في عصرنا الحالي، وبات من غير الممكن الاستغناء عنها نظرا للأهمية المتزايدة التي تحتلها، والفوائد الكبيرة التي تتضمنها، فضلا عن ارتباطها بجل الأعمال اليومية للأفراد والجماعات بشكـل جعلهم يعتمـدون عليها في الكثير من الأمور.

وقبل أن نوضح سبب وضع عنوان "وسائل الإعلام.. القاضي الذي يحكم على القيم بالإعدام"، سنحاول أن نبسط كيفية تأثير وسائل الإعلام على القيم الذي يتم بطريقتين:

* تأثير مباشر: يكون من خلال تعرض وسائل الإعلام الفرد والجماعة إلى هذه الوسائل مباشرة، وذلك من خلال قراءة الصحف، الاستماع إلى الإذاعة، مشاهدة التلفزيون والسينما واستخدام الانترنت.

* تأثير غير مباشر: يكون عبر أفراد وجماعات أخرى ممن تعرضوا لوسائل الإعلام، وذلك عبر نقل المعلومات، الوقائع، الأحداث، البيانات.. المتضمنة في هذه الوسائل.

لحد الآن يبدو الأمر عادي، لكن غير العادي هو امتلاك وسائل الإعلام قدرات عاليـة في التأثير، الإقناع، التوجيه، وبالتالي إحداث التغيير بشكل فعال، والإشكال يطرح بحدة أكبر عندما نتحدث عن الإعلام الوافد من دول وقارات أخرى لا تمتلك بالضرورة نفس الخصائص الاجتماعية للدول المستقبلة، ولا نفس سماتها الثقافية، أو ظروفها الاقتصادية، أو فلسفتها السياسية.

"وقد أوضحت دراسة أوضحت دراسة أجريت عن الإذاعة والتلفزيون في 91 بلدا ناميا سنة 1978 أن نسبة البرامج التلفزيونية المستوردة تتراوح بين 30 و75 بالمائة، وتبلغ في المتوسط 55 بالمائة من جميع البرامج المقدمة.. ووصل حجم البرامج الأجنبية المقدمة في التلفزيون الجزائري خلال عام 1983 إلى 53.10 بالمائة من حجم الإرسال التلفزيوني"(1).

وأوضح نفس المرجع أن الأغلبية الساحقة من البرامج أمريكية تستورد على شكل مسلسلات درامية، ويعود ذلك  لكون معظم الموزعين الأمريكيين لا يتعاملون مع البرامج الإخبارية والوثائقية والثقافية، وهو ما يزيد الطين بلة في تقديرنا، فطبيعة هذه المواد المستوردة بمثابة تسويق لأنماط وطرق عيش معينة وتحمل في طياتها قيم وافدة تتعارض في معظم الأحيان مع القيم العربية الإسلامية والجزائرية بطبيعة الحال، وكان من الممكن قبول مثل هذه النسبة إذا كانت تضم أفلام وثائقية المعروفة بفائدتها المعرفية والتثقيفية، والتي مع ذلك ينبغي الحرص والانتباه من مضامينها.

ويقوم بإنتاج وتصدير البرامج التلفزيونية الأمريكية أكثر من 150 شركة أمريكية، وتبلغ قيمة مبيعاتها 80 بالمائة ([9])، فيما احتلت فرنسا المرتبة الثالثة بعد الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا في مجال تصدير الأعمال الإذاعية والتلفزيونية، فقد تمكنت من توزيع 20 ألف ساعة من البرامج الإذاعية و300 ساعة من البرامج التلفزيونية سنة 1965([10]).

ويمكن النظر إلى هذه الأرقام من عدة زوايا:

 أولا أنها جزء مهم في التغير القيمي الذي حصل ويحصل في العديد من الدول المستوردة لهذه

  البرامج، خصوصا وأن أغلبية دول العالم والثالث ومنها الدول العربية والجزائر بطبيعة الحال تفتقر للإمكانيات المادية والبشرية التي بإمكانها الوقوف في وجه هذا التيارالإعلامي الجارف، وهو الأمر الذي تم استغلاله من طرف هذه الدول المتقدمة، ولا ينبغي النظر إلى هذه البرامج على أنها بريئة دون مآرب وغايات مهددة تهدف في النهاية إلى خدمة مصالح هذه الدول، والدليل على ذلك مبادرة هذه الدول إلى خلق قنوات وإذاعات موجهة إلى الشعوب المستهدفة، إضافة إلى كون الكثير من المتتبعين لمسار السمعي البصري يؤكدون قصدية الدول المتقدمة وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية في توجيه شعوب العالم وفرض النموذج الواحد بالقوة في هذه الفترة (فترة الحرب الباردة)، وحتى بعد هذه المرحلة من التاريخ، ونذكر على سيبل المثال أن القائمون على السينما الأمريكية واستوديوهات هوليود، أو الرأس المدبر كانوا من الـ "الس أي إي" وربما لا يزالون، فوسائل الإعلام بالنسبة لها بمثابة الموجه الإيديولوجي، السياسي، والدعائي.

وإذا ما أردنا نفي فكرة القصدية، فيكفي القول بأن الإعلام بالفكرة لا ينطلق بلا ضوابط ولا يسبح في فضاء بلا حدود وفي بحر بلا شواطئ، وإنما يعمل وفق مرجعية الفكرة التي نطلق منها ويهتدي بضوئها([11])، ومن الواضح أن مرجعية الإعلام الوافد تختلف عن مرجعية الدول المستوردة، وبالتالي لا يمكن إنكار هذه التأثيرات والتغيرات.

ثانيا:إذا كانت الأرقام السابق ذكرها تعود إلى مراحل تمتد ما بين نهاية الستينيات إلى غاية بداية الثمانينيات هي بمثابة جزء مهم من النتائج التي نحصدها في مجال التغير القيمي على مختلف الأصعدة والمستويات، فلا بد من التنبيه إلى أن المعطيات اختلفت في الوقت الحالي، فمن المؤكد أن الفضائيات والبرامج أصبحت تصل إلى أعداد أكبر، وأن عدد القنوات والإذاعات الموجهة إلى بلدان العالم الثالث قد تضاعف، وبالتالي التغيرات ستكون إذن أكثر وأسرع في المستقبل، وعليه وجب اتخاذ الإجراءات والتدابير قبل تزداد الأمور تعقيدا، وإذا كانت الكثير من الدول والجزائر واحدة منها قد انتبهت لمخاطر البرامج الأجنبية وقلصت حجمها بشكل ملحوظ، فإن التحدي اليوم أكبر بكثيرمما كان عليه خلال فترات السبعينات والثمانينيات، فالبث الفضائي أصبح جد متطور ولا يمكن وقفه أو التشويش عليه نظرا لوجود العديد من الاتفاقيات الدولية في هذا الصدد، وكذا تطور تقنيات البث والالتقاط، كما أن الانتشار الكاسح للانترنت خلق تحديات من نوع آخر.

وبالتالي تجد القيم اليوم نفسها أمام قاضي صلب يود أن يحكم عليها بالإعدام، فالانحلال والانحدار الذي وصلت إليه الكثير من وسائل الإعلام جعلت القيم التقليدية مهددة بالموت البطيء والاندثار المؤكد على الأقل بالنسبة للمجتمع المستقبل الذي كما سبق وأن أشرنا إليه لا يتوافق بالضرورة مع ثقافة، توجهات.. الجهات المرسلة. وينبغي هنا الإشارة إلى نقطة  جد أساسية، وهي أن الدول التي تمثل مصدر البرامج الإعلامية غالبا ما تتبنى سياسات إعلامية تسعى لحماية مواطنيها من الآثار السلبية المدمرة لهذه الوسائل، دون أن تفعل ذلك مع باقي المجتمعات، وللتدليل على ذلك نذكر أن أغلب الدول المتقدمة تعمل جاهدة على ألا تصل المواد الإباحية إلى أيدي الأطفال من خلال تشفير هذه القنوات أو باعتماد وسائل، تقنيات وسبل أخرى تجعل خصوصا المراهقين في منأى عن مثل هذه اللقطات والصور،  وفي المقابل نجد مثل هذه الأمور في متناول الكثير من أطفال دول العالم الثالث نتيجة انتشار الإباحية الالكترونية، بحيث يتم تبادل الصور

والفيديوهات المخلة بحرية تامة، ونشوء حتى نواد للإباحية([12])، كما ذكرت تقارير أوروبية متخصصة حسب ما جاء في جريدة الشروق اليومي في عددها الصادر بتاريخ 02 جانفي 2008، أن أكثر من 320 قناة فضائية مملوكة لرجال أعمال عرب باستثمارات تفوق 460 مليون أورو، منها 270 قناة جنسية موجهة إلى الشعوب العربية وأمركا اللاتينية، ونجد على رأس هؤلاء المستثمرين المصريين، اللبنانيين، القطريين والجزائريين. وما يؤكد ما سبق ذكره القيام بمعاينة أو جولة بسيطة للقنوات العربية الفضائية، وسيتضح لأي كان أن أغلبها غنائية، هابطة، "تعدم القيم" بطريقة أو بأخرى.

ومع ذلك يجدر الإشارة إلى وجود قنوات توعوية، مفيدة، تعمل على ترقية اختيارات المتلقي وتهذيبها، لكنها تظل قليلة مقارنة مع الكم الهائل من الفضائيات الهابطة.

مساهمة الإعلام في التغير القيمي في الجزائر :

إن الجزائر كمثيلاتها من الدول تعاني من التأثيرات السلبية لوسائل الإعلام، وهو الأمر الذي أفرز انعكاسات سلبية من وجهة نظرنا، خصوصا في مجال القيم، ولا ينبغي في أي حال من الأحوال إنكار عناصر أخرى مهمة في إحداث التغير القيمي في الجزائر كالظروف السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية للوطن.

غير أن تأثيرات الإعلام في التغير القيمي بالجزائر لا يمكن إنكارها، وبصرف النظر عن العوامل الأخرى التي ساهمت في إحداث التغير القيمي في الجزائر، سنحاول بداية توضيح عدد من الأسباب التي جعلت من تأثيرات الإعلام الأجنبي معتبرة في هذا الصدد من منطلق أنها المتسبب الرئيسي في هذه التغيرات.

- الوضعية الخاصة للإعلام في الجزائر، فوسائل الإعلام تقوم بدور غير واضح وغير محدد علميا وعمليا، وكصحفي موجود في الميدان، يمكنني تأكيد أن الكثير من المؤسسات الإعلامية لا تعمل من تصورات نابعة من الواقع الاجتماعي، إضافة إلى غياب تشريعيتفق والتطورات السياسية، الاقتصادية والاجتماعية، فهي لا تزال تعمل وفق قانون 1990 الذي لا يتوافق مع المعطيات الدولية والوطنية الحالية في الكثير من الأمور، فضلا عن ذلك تعمل المؤسسات الإعلامية حاليا بالجزائر بإمكانيات ووسائل لا تتفق والتطورات التكنولوجية السريعة، إضافة إلى رؤية الفرد الجزائري للمؤسسات الإعلامية من حيث جانب الحرية، الأمر الذي أثر على مصداقية وموضوعية الطرح الإعلام الجزائري في الكثير من الأحيان.

وفي المقابل نجد وسائل الإعلام الغربية تمتلك إمكانيات، قدرات وطاقات أحسن بكثير مما هو موجود بالجزائر، والنتيجة أن هذه المؤسسات الإعلامية الأجنبية كانت ولا زالت بمثابة منافس صلب لنظيراتها بالوطن، واستطاعت للأسف استقطاب شرائح واسعة من الجزائريين، وقد حاولنا جاهدين للحصول على أرقام تثبت هذه الحقيقة المرة، لكن الجهات الوصية لا تمتلكها، وعليه اكتفينا بملاحظات علمية منظمة شملت شرائح موسعة، وما ساعدني على ذلك طبيعة عملي.

وبالتالي توجه الجزائريين إلى قنوات ووسائل الإعلام الأجنبية، ساهم في تغير قيمي واضح على مستوى عدة مجالات، ومنها بطبيعة الحال الايجابي لكن أكثرها في تقديرنا سلبي ولا يخدم الهوية الإسلامية، العربية والثقافية للجزائر.

- غياب التوعية الإعلامية من مخاطر البث الأجنبي الوافد والتقصير في وضع استراتجيات مقللة لتأثيراته، فالملاحظ أن سعي ومجهودات وسائل الإعلام من أجل خلق خلفية معرفية حول التأثيرات السلبية لوسائل الإعلام الأجنبية على مختلف الأصعدة والقيم على وجه التحديد شبه منعدمة إن لم نقل منعدمة رغم أهميتها، بل على العكس من ذلك كانت بعض المؤسسات الإعلامية منبهرة بالأداء الإعلامي الغربي وتسعى لتقليده، بل وتعتبره مرجعا لتقييم نفسها، والدليل على ذلك أن الكثير من وسائل الإعلام الجزائرية أنشأت أركان هي في الحقيقة نسخة طبق الأصل عن تلك المتواجدة في الغرب دون أن تعمل على تعديلها وأقلمتها بما يتماشى مع الخصوصيات المحلية للجزائر.

ومن بين نتائج ما يمكن وصفه بالانبهار بالنموذج الغربي هي المشاكل الاجتماعية التي تتخبط فيها الجزائر، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر موضوع "الحرقة" الذي أخذ حيزا معتبرا من اهتمامات الصحافة والمسؤولين، والذي يعود حسب تقديرنا إلى الصورة التي صنعتها وسائل الإعلام الأجنبية في ذهن الشباب عن دولها وأنماط عيشها، وساهمت في ذلك ولو بجزء يسير وسائل الإعلام الجزائرية، وندلل على ذلك أنها كثيرا من الأحيان ما كانت تقارن بدول معينة على أساس أنها النموذج، أو على الأقل من خلال عدم توعيتها وطرحها لمثل هذه المواضيع، ولا نقصد بذلك وضع المؤسسات الإعلامية قفص الاتهام أو تحميلها مسؤولية عدد من الممارسات والظواهر السلبية بقدر ما نسعى إلى التأكيد على مكانتها وأهميتها في إحداث التغيير أو إيقافه، أو على الأقل التخفيف من وتيرته.

 - إهمال البحوث والدراسات العلمية، فقد شاع لوقت طويل إهمال شبه كلي للعلم والبحث، فكم عدد الدراسات، الأبحاث والأطروحات التي أنجزت في شتى المجالات عموما، وحول القيم والتغيرات الاجتماعية خصوصا، لكنها بقيت حبيسة المكتبات أو المدرجات في الكثير من الأحيان، وما زال العديد من الأطراف ينظرون لحد الساعة للبحوث الاجتماعية والإنسانية على أنها ترف علمي وفلسفات لا يمكن أن تأتي بثمرها.

إن إهمال العلم وأهله والانتقاص من قيمة ومكانة البحث العلمي عموما وعلوم الإعلام والاتصال خصوصا في مرحلة معينة، ساهم في توسيع الفجوة وتراجع الإعلام في الجزائر، وبعيد عن لغة الأرقام التي ستكشف ظهور عناوين جديدة وارتفاع السحب والطبع.. إلى غير ذلك، فالنقطة المفصلية في تقديرنا هي تأثير هذه الوسائل الفعلي ومدى قيادته للرأي العام أو قدرته حقيقة على صنع رأي عام يخدم الأهداف الوطنية والصالح العام الجزائري.

وإذا ما أردنا الحديث عن مظاهر التغير القيمي في الجزائر فهي عديدة وتشمل مجالات عدة، ونشير قبل ذلك إلى الدراسات في هذا الصدد تكون نادرة، ويعود ذلك إلى ابتعاد الباحثين والدارسين عن مثل هذه الدراسات لأن قضية الموضوعية كانت تطرح في كل مرة عندما يتعلق الأمر بالقيم التي ينظر إليها على أنها مدرك فلسفي بامتياز، فالمسح التاريخي لعلم الاجتماع مثلا، يشير إلى حقيقة فحواها أنه من أجل تأكيد الموضوعية مال الكثير من السوسيولوجيون إلى تجنب المعالجة الصريحة للقيم([13]).

ففي المجال الاجتماعي يمكن الحديث عن مظاهر التغير القيمي من حيث فتور في العلاقات الاجتماعية، والانتقال من العائلة الممتدة إلى الأسرة الصغيرة، وانتشار ملحوظ لقيم الفردية، وطغيان الماديات، وظهور عادات وقيم اتصالية واجتماعية جديدة، إضافة إلى إعادة تكوين أو تشكيل بناء الأسرة الجزائرية، وظهور أساليب عيش جديدة قريبة من التوجه الغربي أكثر منه الشرقي الإسلامي. فلو توقفنا مثلا عند طرق اللباس، نلاحظ قيم احترام الأب والأخ وغيرها قد تراجعت، وأصبح في الكثير من الأسر تبرج البنت وخروجها للشارع أمر عادي، فضلا عن علاقاتها مع الزملاء والمعارف، فمنذ وقت غير ببعيد كان من غير الممكن أن تحمل البنت الهاتف وتحدث أحد زملائها أو معارفها أمام والدها، أو أن تعود متأخرة إلى المنزل..، كما يمكن الحديث أيضا عن أساليب وطرق الاتصال داخل البيت التي تغيرت بشكل كبير.

وفي المجال الاقتصادي نلمس توجها نحو الفردية، فلكل يعمل لحسابه، ويسعى للمزيد، فقيم القناعة، الإيثار وغيرها من القيم المعروفة عن الشعوب المسلمة قد تغيرت، فمنذ وقت غير ببعيد كانت الأسر الجزائرية تستقبل ضيوفا وزوارا بشكل دام رغم أنها قد تملك إلا قوت ليلة واحدة، أما الآن فالأمر يختلف، إضافة على الاهتمام المفرط أحيانا بالشكليات كاقتناء أخر صيحات الهواتف النقالة، التسابق على شراء السيارات والمساكن، وبشكل مختصر طغيان الجانب المادي على حساب المعنوي، وكذا تدويل وترسيخ ثقافة الاستهلاك عكس ما ساد في مراحل سابقة، فبعد أن كان الفرد يشتري ما يحتاج إليه أصبح يشتري ما يرغب فيه، وكل ذلك بفعل الضغط الرهيب الذي تمارس وسائل الإعلام والاتصال على الأفراد عبر الاشهارات والبرامج الدعائية والتسويقية التي تنتشر بكثرة في القنواتالفضائية، وصحيح أن الجزائر لم تبلغ بعد إلى المستوى الموجود في أمريكا والدول الأوروبية وحتى بعض الدول الآسيوية إلا أنه ينبغي عليها الاستعداد له والعمل على الحد من الضغوط الإعلامية الممارسة على مواطنيها عبر الفضائيات خصوصا.

كما تأثرت القيم أيضا في المجال الثقافي ومختلف نواحي الحياة، ومن الصعب جدا حصر كل هذه التغيرات في القيم على كافة الأصعدة ونكتفي بهذه الأمثلة التي تعبر على كل حال عن وقائع نعيشها ويستشعرها الجميع، والتي تتمظهر عموما في طرق اللبس، العيش، الكلام، التعامل..، وحتى في دلالات هذه القيم، فالقيم الجمالية وقيم الحياء والعفة حاليا تختلف على سبيل المثال عن تلك الموجودة سابقا، فمن غير الممكن أن يرتدي شخصا أبهى الحلل والألبسة التي شاعت في الجاهلية أو في الأندلس ويتجه إلى مكان عمله رغم أنها مثلت في مرحلة معينة قيما جمالية لدى الجماعة والفرد على حد سواء، والتي من الممكن أن تعود للواجهة إذا ما حظيت باهتمام إعلامي. ويمكن أن نستنتج مما سبق بأن القيمة لها بعدان: ما يجب أن يكون وما يجب أن تفعل، الأول دائم والثاني مرتبط بالزمان والمكان وخاضع لشروطهما([14])، وبالتالي فإن التغير الأكبر يتم على مستوى الأفعال المنتجة للقيمة، وللتوضيح نضرب مثلا، من أجل تحقيق قيمة الجمـال في الملبس عليك أن ترتدي هذا اللباس دون غيره، وهو الأمر الحاصل في الجزائر حسب تقديرنا، فمن المعروف أن الجزائريين عموما ممن يحبون ويسعون إلى التمسك بقيمهم لكن الإشكال هو في كيفية فعل ذلك، وقد أسمح لنفسي  بأن أقول انطلاقا من ملاحظات عامة، ربما قليلة المصداقية من الناحية العلمية، أن

أغلب الجزائريين يعيشون في حيرة نتيجة الضغط الإعلامي أساسا في تحقيق معادلة التوازن بين ما يجب أن يكون وما يجب أن نفعل، وعلى كل حال الجزائريون ليسوا لوحدهم في هذا الإشكال.

القيم في الجزائر بين الموجود والمنشود :

يبدو مما سبق إذن أن القيم في الجزائر خصوصا وفي العالم أجمع أمام تحديات كبيرة أملتها عليها التطورات والتغيرات التي صاحبت القرن العشرين على وجه التحديد، ولا نقصدمن خلال التطرق إلى العديد من الإشكالات المتعلقة بالتغير القيمي التي لحقت بالمجتمع الجزائري رسم صورة سوداوية عن وضع القيم بهذا المجتمع وهذه الدولـة التي ضربت في العديد من المناسبات أقوى صور المحافظة عن القيم العربية الإسلامية، فقد عجز الاستعمار والاستدمار طيلة 132 سنة عن هدم منظومة القيم في هذا المجتمع، لكن المقصود هو أن التحولات التي يشهدها العالم في مجال الاتصال والمواصلات خصوصا حملت معها عدد من القيم الجديدة غير المرغوب فيها التي رسخت سلوكات وتصرفات لا تخدم المصالح الوطنية، والتي ينبغي دون شك وضع حد لها، فالشاب الجزائري المثقف اليوم وباعتراف من وزير الفلاحة مؤخرا خلال مؤتمر صحفي بقسنطينة يعزف عن خدمة الأرض وتربية الماشية وهجر قطاع الفلاحة، ويعود ذلك في نظرنا إلى الصورة التي رسمتها وسائل الإعلام لهذا الشاب عن الفلاح الذي يظهر في وسائل الإعلام غالبا على أنه الصلب، الجاهل والمنغلق على نفسه وحياته وعلى أنه الذي لا يجيد إلا التعامل مع البهائم، وهذه النظرة تهدد في النهاية الأمن القومي والأمن الغذائي الجزائري، وفي المقابل كان من المفروض أن يعمل الشاب الجزائري المثقف وسيما المتخصص في الهندسة الزراعية على إقحام التقنيات العلمية في هذا المجال والعمل على تطوير هذا القطاع كغيره من القطاعات الأخرى. وإذا ما استرسلنا في الموضوع نجد أن معظم الشباب الجزائري يسعى إلى الحصول على وظيفة مرموقة، مكتبية، في موقع مسؤولية، تذر عليه أموالا كبيرة. وبالتالي قيم العمل وحب العمل قد طمست بفعل هذا الطرح الإعلامي الوافد، وحسب أجدادنا فإن الرجل الجزائري الأصيل لا يقبل بالمال غير المصحوب بالجهـد

والتعب والعرق، وأن الرجل لا يتعفف عن العمل النبيل، فالمهم حقيقة هو ابتغاء الكسب الحلال، لكن مقارنة مع الوقت الحالي هل هي نفس القيم؟ وإن كانت نفسها، هل هي بنفس القوة ونفس الدلالات؟ والسؤال الأهم، من كان السبب أو ما هي العوامل التي كانت وراء هذه التغيرات؟ فمعروف أن المجتمعات الإنسانية القديمة تناقلت قيمها عبر تناقل التراث الثقافي من جيل إلى جيل، لكن الإشكال وقع لما أصبحت وسائل الإعلام هي التي تنقل التراث الثقافي بالشكل الذي جعل قيما معينة تخفت وأخرى تطغى وتظهر.

ولا ينبغي دائما الاعتقاد بأن وسائل الإعلام الأجنبية تقصد إحداث أثر معين في مجتمعات محددة، فصحيح أن لها مجموعة من الغايات والمآرب تبتغي تحقيقها، لكن في الكثير من الأحيان تؤدي عملها بشكل عفوي عكس ما يذهب إليه المدافعون عن نظرية المؤامرة، فطبيعة الاتصال في حد ذاتها تتضمن الجانب الاقناعي، فالطبيب مثلا عندما يكلم مرضاه يقول لهم بطرقة عفوية أن التدخين مضر بالصحة ويبرز أضراره ولا يقول لهم إن أبي  يدخن منذ 50 سنة دون أن يلحق به ضرر.

وعموما نقول أن هذا جزء من الموجود يعكس الواقع، مفـاده أن وسائـل الإعـلام في الكثير من الأحيان تعمل على تعزيز قيم، خلق قيم والتخلص من قيم أخرى بشكـل في النهاية قد لا يخدم أو يراعي مصلحة الجزائر ولا يخدم أهدافها على كافة المستويات.

وإذا ما انتقنا إلى الحديث عن المنشود، فهو ببساطة تحمل وسائل الإعلام لمسؤولياتها القيمية في المجتمع، فأكيد أن الحفاظ على المجتمع من الأمور التي توليها كل المؤسسات الاجتماعية أهمية كبرى ضمن برامجها، وأنها ليست مسؤولية مؤسسة بعينها، بل مسؤولية مشتركة، تقوم فيها كل مؤسسة بدور واضح، وذلك يتجلى في مؤسسات الإعلام من خلال ما تنشره وتبثه، والذي من شأنه أن يساعد بصورة أو بأخرى على توجيه المتلقي نحو القيم المختلفة أو يدعم ما لديهم أصلا أو يساعدهم في غرس قيم مرغوبة أو التخلص من أخرى([15])، فالصحافة تعد من أكثر المؤسسات غير النظامية تأثير وفاعلية في مجالات التنمية وخاصــة

 التنمية الثقافية والمعرفية، ويرى توفيق حكيم أن مهمة تثقيف الشعوب قد انتقلت في مجملها من أيدي الفلاسفة والكتاب والشعراء والخطباء إلى أيدي رجال الصحافة والإعلام([16]).

كما أن مختلف المؤسسات الاجتماعية من أسرة، مدرسة، مسجد..، مطالبة هي الأخرى بلعب دورها بفاعلية بالتكامل مع وسائل الإعلام التي بات من غير الممكن التخلي عنها، وذلك بما يخدم المصالح العليا للوطن والمجتمع الجزائري. فالمدرسة الجزائرية اليوم مطالبة بأن تتطور لتساير التغيرات السريعة في العالم، فتساعد على تنشئة الجيل الجديد بما يساعدهم على الحياة في العالم المعاصر([17]).

لكن الملاحظ أن مثل هذه الإجراءات يمكن اتخاذها على المستوى المحلي وتبقى مشكلة البث الوافد عبر الفضاء دون حل، وعليه نوصي في الأخير بما يلي:

* وضع تخطيط عام يكون بمثابة إعادة بناء الشخصية الاجتماعية على أسس متينة، صلبة ومتكاملة([18])، فمن غير المعقول الاستمرار في التعامل بعشوائية مع مختلف المتغيرات والمعطيات الجديدة التي تأثر بشكل أو بآخر على قيم المجتمع الجزائري، وبالتالي على المجتمع الجزائري والهوية الوطنية.

* إشراك وسائل الإعلام في خلق توعية ثقافية بما في ذلك خلق طرق وأساليب، أنماط وعادات جديدة للتعرض للبرامج الأجنبية، وذلك بالعمل على جعل المتلقي الجزائري واع ومحصن تجاه التيار الإعلامي الغربي الجارف، فالتوعية الثقافية بمثابة المصابيح الكاشفة. وتنطوي عملية التثقيف على التوعية والإيقاظ والتنبيه وبث روح المسؤولية، فتسعى إلى تكامل المجتمع بتنمية الاتفاق العام ووحدة الفكر بين الأفراد وتوعية المواطنين بالسياسات والإجراءات المتبعة وتوسيع مجال المشاركة والمناقشة([19]) قاعات العرض السينمائي تعرض أفلاما ثم يتم التناقش والحوار حولها شكلا ومضمونا ويمكن بلوغ ذلك بوسائل بسيطة لا تتطلب بالضرورة مبالغ ومجهودات معتبرة، فالطريقة التي كانت تعمل بها "السينماتيك" مثلا رائعة وممتازة، حيث كانت عدد من بحضور مخرجين، ممثلين، مصورين.. مواطنين من مختلف

الشرائح ممن شاهدوا العرض، ليخرج الجميع مستفيد، فمن جهة هناك ما يمكن أن نطلق عليه "ثقافة إعلامية" بصدد أخرى هناك تفاعل مباشر بين المختصين والمتلقين الشيء الذي نتج عنه معرفة أكبر احتياجات المتلقي الجزائري وبالتالي العمل على إرضاءها.

* تطوير القدرات الإعلامية للمؤسسات وللأفراد العاملين بها حتى يتمكنوا من الوقوف في وجه ما يمكن أن نعتبره أيضا غزوا ثقافيا، ويتمكنوا من إعادة المشاهد الجزائري إلى وسائل إعلام بلده التي على الأقل ترى بأعينه وتحكم بقيمه وتساعده (من المفروض) على استيعاب المعرفة والمهارات الضرورية لأداء دوره الاجتماعي، ومعلوم أن ثقافة البلدان المصدرة للمواد الإعلامية الوافدة إلى مجتمعاتنا تختلف عن ثقافتنا، وهو ما يجعل المعرفة والمهارات المقدمة مختلفة، "فلكل ثقافة طابعها المميز وخصائصها الفريدة ومن ثمة يوجد فيها نسق للقيم يحافظ على هويتها ويدعم وجودها([20]).

* العمل على وضع سياسات إعلامية تضمن حماية القيم الشخصية الاجتماعية الجزائرية، وتشجيع المؤسسات الإعلامية على ترجمتها بشكل ملموس في أعمالها وبرامجها المختلفة.

* إن العلم هو اللبنة الأولى لأي تطور وتنمية أو مواجهة أي مشكلة، وعليه نوصي بتشجيع البحث العلمي في مجال القيم، وتوجيه الباحثين نحو العمل على خلق مجتمع جزائري معاصر قوي مبني على قيم صلبة تقوده نحو التميز والازدهار، فضلا عن إعطاء فرص أكبر للباحثين والمختصين في علم الاجتماع أو الإعلام والاتصال أو غيرهما للظهور عبر وسائل الإعلام للتطرق لمثل هذه المواضيع الجوهرية والمهمة، والكف في المقابل عن تهميش العلم وأهله.

ونختم بالقول أن وسائل الإعلام كان لها دورا كبيرا في التغير القيمي في الجزائر الذي له وجهان ايجابي أحيانا وسلبي في الكثير من الأحيان، فتسببت في اختلال سلم ترتيب عدد من القيم الأساسية التي تعتبر الدعامة الرئيسية في بناء مجتمع جزائري متشبع بالثقافة والهوية الوطنية.

وإذا سلمنا أن وسائل الإعلام تمثل الشق الأكبر في إشكالية التغير القيمي في الجزائر، فهي تمثل أيضا الشق الأساسي والأكبر في معالجة وحل هذا الإشكال، ويمكن استغلالها بطرق عقلانية لأداء الأدوار الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية، السياسية..، بالطريقة المنوطة بها،

والتي تخدم أهداف التنمية والمصلحة الوطنية في ظل عصر العولمة واللامركزية والسموات المفتوحة التي طرحت إشكالية التعايش والتفاعل في عالم متغير، وبالتالي تأهيل الفرد والجماعة على التفاعل الايجابي والتعامل الواعي مع هذه التطورات.

المراجـع :

1- أ.د عاطف غيث. قاموس علم الاجتماع. دار المعرفة الجامعية. مصر. 1996.

2- د. محمد منير حجاب. المعجم الإعلامي. ط1. دار الفجر للنشر والتوزيع. القاهرة. مصر. 2004.

3- محمد محمد الزلباني. القيم الاجتماعية. مطبعة الاستقلال الكبرى. القاهرة. مصر. 1973.

4- محمد أحمد بيومي. علم اجتماع القيم. دار المعرفة الجامعية. الاسكندرية. مصر. 1981.

5- المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب. المسؤولية الأمنية للمرافق الإعلامية في الدول العربية. أبحاث الندوة العلمية الثالثة. الرياض. 1986.

6-عزي عبد الرحمان. فضاء الإعلام. ديوان المطبوعات الجامعية. بن عكنون. الجزائر. 1994.

7- د. بوعلي نصير. الإعلام والقيم. دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع. عين مليلة. الجزائر. 2005.

8- د. شريف درويش اللبان. تكنولوجيا الاتصال: المخاطر والتحديات والتأثيرات الاجتماعية. ط1. الدار المصرية اللبنانية. القاهرة. مصر. 2000.

9- د. مجدي صلاح طه المهدي. الصحافة وقضايا التعليم. دار الجامعة الجديدة. الإسكندرية. مصر. 2007.

10- نجيب الياس برسوم، محمد مصطفى زيدان. التغير الاجتماعي والتربية. مكتبة الأنجلو المصرية. القاهرة. مصر. 1966.

11- سلسلة علم الاجتماع المعاصر: دراسات في التغير الاجتماعي. ترجمة: محمد علي محمد وآخرون. دار الكتب الجامعية. الإسكندرية. مصر. 1974.


[1] أ.د.عاطف غيث. قاموس علم الاجتماع. دار المعرفة الجامعية.مصر.1996.ص:504

[2] د.محمد منير حجاب. المعجم الإعلامي. ط1. دار الفجر للنشر والتوزيع. القاهرة. مصر. 2004. ص:434.

[3] محمد محمد الزلباني. القيم الاجتماعية. مطبعة الاستقلال الكبرى. القاهرة. مصر. 1973. ص:08)

[4] المرجع السابق. ص:09.

[5] المرجع السابق. ص20.

[6] د. محمد أحمد بيومي. علم اجتماع القيم. دارالمعرفة الجامعية. الاسكندرية. مصر1981. ص:29.

[7]المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب. المسؤولية الأمنية للمرافق الإعلامية في الدول العربية. أبحاث الندوة العلمية الثالثة. الرياض. 1986. ص:214

[8]د.محمد محمد الزلباني. مرجع سابق

[9] عزي عبد الرحمان. فضاء الاعلام. ديوان المطبوعات الجامعية. بن عكنون. الجزائر. 1994. ص185.

[10]المرجع السابق. ص187.

[11] د. بوعلي نصير. الإعلام والقيم. دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع. عين مليلة. الجزائر. 2005. ص:15.

[12] د. شريف درويش اللبان. تكنولوجيا الاتصال: المخاطر والتحديات والتأثيرات الاجتماعية. ط1. الدار المصرية اللبنانية. القاهرة. مصر. 2000. ص130.

[13] د. محمد أحمد بيومي. مرجع سابق. ص:88.

[14]د. محمد أحمد بيومي. المرجع السابق. ص:51، 52.

[15] د. مجدي صلاح طه المهدي. الصحافة وقضايا التعليم. دار الجامعة الجديدة. الإسكندرية. مصر. 2007. ص:34.

[16]المرجع السابق. ص:40.

[17] نجيب الياس برسوم، محمد مصطفى زيدان. التغير الاجتماعي والتربية. مكتبة الأنجلو المصرية. القاهرة. مصر. 1966. ص:85.

[18] المرجع السابق. ص:16.

[19]د. مجدي صلاح طه المهدي. مرجع سابق. ص:40.

[20] سلسلة علم الاجتماع المعاصر: دراسات في التغير الاجتماعي. ترجمة: محمد على محمد وآخرون. دار الكتب الجامعية. الإسكندرية. مصر. 1974. ص:254.


Pour citer ce document

نصرالديـــــن بوزيان, «الإعلام والتغير القيمي: بين الموجود والمنشود»

[En ligne] العدد 08 ماي 2009N°08 Mai 2009 ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales
Papier : pp : 113 - 129,
Date Publication Sur Papier : 2009-05-05,
Date Pulication Electronique : 2012-05-03,
mis a jour le : 19/02/2014,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=360.