مكانـــة المسنيــن في المجتمعــات
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 08 ماي 2009 N°08 Mai 2009

مكانـــة المسنيــن في المجتمعــات
pp : 277 - 298

ذهبيــة اوموسى
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

عتبر القيم خاصية من خصائص المجتمع الإنساني، فالإنسان هو موضوع القيم، وهي عملية اجتماعية تختص بالجنس البشري عموما وتشتق أهميتها ووظائفها من طبيعة وجوده في المجتمع، فلا وجود للمجتمع الإنساني دون قيم، فهما ظاهرتان متماسكتان أشد التماسك ويشبههما (كروبير) (Kroeber)بأنهما "كسطحي الورقة في تلاصقهما، فإذا محونا من أي مجتمع إنساني قيمه، فإننا بذلك نكون قد سلخنا عنه بشريته"(1)

هذا ويعد النسق القيمي السائد لدى جيل من الأجيال أو لدى فئة من الفئات بمثابة موجه العقل الإجتماعي والمبادئ التي تتمسك بها تلك الفئة صراحة أو ضمنيا. كما يعد بمثابة أحد رموز المجتمع وصورة في عقول أفراده، وهو بمثابة الإطار المرجعي الذي يوصل العقل الإجتماعي لغايته وأهدافه.(2)

وتعد القيم واحدة من القضايا التي دار حولها جدل كبير نتيجة التغيرات والمستجدات في العصر الحديث، ولاسيما مع تنامي موجات العولمة، وما رافقها من تطورات هائلة، وما أحدثه ذلك من تأثير في النسيج الإجتماعي والثقافي للمجتمع بشكل عام والنسق القيمي بشكل خاص. وم يكن غريبا أن يتأثر مجال القيم بالمستجدات والتغيرات العالمية، وكان من نتائج هذا التأثير أن انحسرت قيم وظهرت قيم جديدة، فانعكس ذلك كله على التنظيم الإجتماعي والثقافي والإقتصادي للإنسان وعلى أساليب حياته.

وتشهد الثقافة الإنسانية اليوم، وبشكل غير مسبوق باندفاع قيم مادية مبتذلة وزاحفة تفرضها طبيعة التحولات التكنولوجية عبر الانترنت والفضائيات والموضة والإتصالات والمؤسسات الثقافية التي تعمل على تعزيز حضور قيم اغترابية تتعارض مع القيم التقليدية وتهدد صيرورتها ومضامينها الإنسانية.(3)

وفي هذا الإطار يتم الحديث اليوم عن الآثار الإجتماعية للتغيرات العالمية المعاصرة حيث يتم التأكيد على أنها ولدت تحولات وتغيرات وتغييرات في النسيج الإجتماعي، مما يعمل على عدم خضوعه للضوابط المعيارية والقيمية التي أحبكته عبر الزمن.(4)

ويمكن تلخيص أهم الآثار التي أحدثتها التغيرات العالمية المعاصرة في المجال الإجتماعـي في تراجع دور الأسرة في التنشئة لصالح الإعلام الحديث، فلقد كانت التنشئة عملية ميسورة ومحددة الملامح والمقومات والإجراءات المحددة الأدوار والوظائف، أما في عصر الإنفتاح الذي يعرف أقصى حالته الراهنة في العولمة، فإن التنشئة دخلت في عملية متزايدة التشعب والتعقيد، حيث يتعاظم دور القوى والمؤثرات غير المقننة كالإعلام الفضائي وانفجار كثافة العلاقات الإجتماعية على اختلافها.(5)

كما أصبح الصغار هم المرجعية للكبار فيما يتعلق بالتعامل مع التقنيات الحديثة بحيث ينطلق الإهتمام بقضايا المسنين –كظاهرة عالمية- من الإعتراف بما لديهم من مكانة مميزة في بناء المجتمع المعاصر، ومما لهم من تأثير في مكوناته في مختلف المجالات: الإجتماعية، الثقافية والسياسية باعتبارهم أكثر تشبثا بالقديم والمحافظة على القيم المتوارثة والأنماط السلوكية المألوفة، في حين تكمن أهمية الشباب بالنسبة للمجتمع فيما يمثله الشباب من مصدر للتجديد والتغيير، فهم عادة ما يرفعون لواء التحديث في السلوك والعمل من خلال القيم الجيدة التي يتباهى بها الشباب والتي عادة ما تدخل في مواجهة ما هو سائد من قيم تقليدية.(6)

هذا وقد نشأ شباب اليوم في عصر تعرضت فيه المجتمعات المحافظة للتغـيرات العالميـة في ظل الحضارة المعاصرة والتقدم العلمي والتكنولوجي الذي يميز أنماط الحياة ووسائلها ومتطلباتها، فوقع الشباب فريسة انفصام الشخصية والصراع بين القيم الموروثة والتقاليد المستوردة، مما أصابهم بالحيرة والقلق والتيه.(7)

كما تراجعت معدلات التفاعل الأسري وتفككت بنية الأسرة، ولقد أكدت العديد من الدراسات على وجود أزمة قيمية يمر بها المجتمع الإنساني حيث تمثلت مظاهر هذه الأزمة في الخروج على بعض الأعراف والتقاليد الإجتماعية السائدة وتفضيل القيم النفعية والأنانية، بالإضافة إلى اتساع الهوة في العلاقة بين الآباء والأبناء وتزايد مظاهر النزعة الإستهلاكية لدى الشباب.(8)

وتقكك بنية الأسرة جرى في امتداد تحولات اجتماعية وثقافية عميقة وعاصفة شهدتها المجتمعات وهي في جانب عظيم منها ثمرة لدخول حداثة مرتبكة كان سبيلها نفقا أكثر مما كان طريقا سالكا أمام التقدم، والمظهر المثير لهذا التفكك هو فقدان الأسرة المتزايد لقدرتها على الإستمرار كمرجعية قيمية وأخلاقية للناشئة بسبب نشوء مصادر جديدة لإنتاج القيم وتوزيعها.(9)

وفي هذا الإطار يؤكد حسن عايش على أن الحداثة جعلت من نفسها عدواً للتقاليد حيث كانت العداوة للتقاليد أحد جذور عملية التنوير، ولكن لما كانت الحداثة في بداية التصنيع والتحديث بسيطة، فقد تعايشت مع التقاليد، لكن كل شيء تغير في مرحلة ما بعد الحداثة والتي تسارعت وتيرتها في العقود الأخيرة وزلزلت التقاليد في المجتمعات.(10)

والعمليات التحديثية أنتجت نمطا خاصا من الحداثة التي تحلق بالمظهر دون الجوهر وتبني الأطر المادية دون الأطر العقلية وتعبر عن مجالياتها في صور استهلاكية أكثر منها صوراً سلوكية.(11)

هذا وانعكاس التغيرات المستمرة والسريعة على عناصر النظام الإجتماعي عموما والمنظومة القيمية على وجه الخصوص انعكس بدوره على المكانات الإجتماعية للأفراد وتم تحديد معايير عامة يمكن تطبيقها في كل المجتمعات الحديثة، وهي المهنة والدخل والمستوى التعليمي والرموز الإجتماعية، وهذه المعايير هي المسؤولة عن تحديد مكانات الأفراد في المجتمع المعاصر، وعن توزيعهم في أوضاع اجتماعية متتالية. ولأن المكانة الإجتماعية للفرد تتأثر في جميع مراحله بالقيم السائدة في المجتمع الذي ينتمي إليه، فترى ما هي المكانة الإجتماعية للمسنين في ضوء قيم المجتمع الحديث؟

يقرر (أريكسون) في نظريته للنمو أن المكانة الإجتماعية للمسنين تتحدد حسب الواقع الثقافي وبنظرة المجتمع لظاهرة التقدم في العمر بشكل عام، الأمر الذي يؤكد أهمية البيئة والقيم والمجتمع والثقافة وانعكاساتها على أوضاع المسنين.(12)

ويؤكد (البهي) هذه الفكرة بحيث يرى أن للنسق القيمي للمجتمع وطبيعة نظرته تأثيره على المسنين وارتفاع مكانتهم أو انخفاضها.(13) وهذا ما يدل على أهمية الإطار الثقافي والحضاري في الحكم على المسنين سلبا أو إيجابا، فالسياق الإجتماعي الذي يتكون من المعارف الإنسانية والخبرات والتجارب المكونة للقيم والعادات والتقاليد هي التي تحكم سلوك الأفراد وتوجه الجماعات والمجتمع في الحياة. ولما كان لكل مجتمع محدداته المعيارية، وبالتالي إطاره الخلقي والثقافي وخصوصيته الحضارية كان لابد أن يختلف وضع المسنين ومكانتهم الإجتماعية، فكيف كانت مكانة المسنين الإجتماعية في المجتمعات التقليدية وقبلها المجتمعات البدائية؟.

أولا: مكانة المسنين في المجتمعات البدائية : إن السن هو العامل الرئيسي في فهم البناء الإجتماعي للمجتمعات البدائية التي يقوم تنظيمها الإجتماعي على ما يعرف باسم نظام طبقات العمر، حيث يقوم نظام التفاضل الإجتماعي بترتيب أعضاء المجتمع وخاصة الذكور منهم على أساس العمر ومرتبة الشيوخ عادة ترتبط بأمور الدين وأداء الشعائر والطقوس بوصفهم أكبر أعضاء المجتمع الأحياء سنا وأقربهم إلى العالم الآخر وأدناهم بالتالي إلى الآلهة المحليين(14).

ولذلك يقوم الشيوخ في المجتمعات التي يقوم تنظيمها الإجتماعي على نظام طبقات العمر بوظيفة أساسية تنحصر في حفظ التوازن الإجتماعي، وتوطيد الضبط الإجتماعي وإقرار الأمن عن طريق الأعراف الموجودة في المجتمع وعلى هذا الأساس يتغلغلون في شتى نواحي الحياة الإجتماعية لتلك المجتمعات(15).

ولقد ساعد التكافل الإجتماعي القائم على الروابط القرابية والعائلية في المجتمعات البدائية، والذي يقضي بإلزام جميع أفراد الوحدة العائلية والقرابية العناية والإهتمام بأمر المتقدمين في العمر في حل مشكلة الشيخوخة في هذه المجتمعات، فالشعوب البدائية لا تنظر إلى التقدم في العمر بوصفه عبئاً ثقيلا، وإنما تنظر إليه بوصفه إنجازا متميزا يجلب على صاحبه الكثير من التبجيل والإحترام، ومن هنا كان تصريف الأمور في المجتمعات البدائية يلقى عادة على عاتق المتقدمين في العمر لأنهم الرؤوس الحكيمة المدبرة(16).

ولذلك نجد أن المجتمعات البدائية الأسترالية الأصل تركيبها السياسي الأوليجار كي يقوم على التسليم بسلطة كبار السن من أعضاء القبيلة ويطلق على هذا الشكل من الحكومة اسم حكومة الشيوخ (Gérontocratie)حيث يجتمع رؤساء العشائر الطوطمية ويضطلع بمهام النظر في أمور القبيلة وكذا إقامة الطقوس الشعائرية إلى جانب الواجبات المدنية مثل تصريف شؤون الحياة الإجتماعية إلى حد توقيع العقوبات على كل من يحرق التقاليد القبلية(17).

ويؤكد من ارتفاع المكانة التي يحتلها كبار السن أو العجائز في المجتمع البدائي ظهور وظيفة الساحر الذي يلجأ إليه الناس وقت الأ

قائمة المراجـع :

1- البهي فؤاد، علم النفس الإجتماعي، دار الفكر العربي، القاهرة، 1985،ص132.

2- ماجد زيود، الشباب والقيم في عالم متغير، دار الشروق، عمان، 2006، ص11.

3- الجابري محمد عابد، العولمة والهوية الثقافية، في كتاب "العرب والعولمة"، ط2، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1998، ص304.

4- العمر معن، قضايا اجتماعية معاصرة، ط1، دار الكتاب الجامعي، العين الإمارات العربية المتحدة، 2001، ص81.

5- حجازي مصطفة،علم النفس والعولمة، رؤى مستقبلية في التربية والتنمية، ط1، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 2001، ص110.

6- السرحان محمود، الصراع القيمي لدى الشباب، دار المكتبة الوطنية، عمان، الأردن، 1998، ص34.

7- محمد علي محمد، الشباب والتغير الإجتماعي، ط2، دار النهضة العربية، بيروت 1985، ص139.

8- ماجد زيود، مرجع سبق ذكره، ص15.

9- زايد أحمد، عولمة الحداثة وتفكيك الثقافات الوطنية، مجلة عالم الفكر، العدد1، المجلد 32، الكويت، 2003، ص7.

10- عايش حسني، الحداثة وما بعد الحداثة وانعكاساتها على كل من المجتمع والأسرة والمدرسة، مجلة دراسات عربية، العدد3/4، بيروت، 1997، ص76.

11- بلعزيز عبد الإله، العولمة والهوية الثقافية، مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 1999، ص313.

12- محمد يسري دعبس، أوضاع المسنين في الثقافات المختلفة، دراسة أنثروبولوجية مقارنة، دار المطبوعات الجديدة، القاهرة، 1991، ص21.

13- السيد فؤاد البهي، الأسس النفسية للنمو من الطفولة إلى الشيخوخة، دار الفكر العربي، القاهرة، 1975، ص462.

14- محمد حمدي عبد الغني، تصنيف القضايا في الأنثروبولوجيا نحو فهم الآثار الإجتماعية للتقاعد من منظور الأنثروبولوجيا الإجتماعية، دار نور للطباعة والنشر والتوزيع، الإسكندرية، 1999، ص292.

15- نفس المرجع، ص292.

16- نفس المرجع، ص286.

17- نفس المرجع، ص286،287.

18- نفس المرجع، ص292.

19- نفس المرجع، ص118.

20- نفس المرجع، ص118.

21- السيد فؤاد البهي، مرجع سبق ذكره، ص462.

22-علاء الدين البياتي، البناء الإجتماعي والتغير في المجتمع الريفي، دراسة أنثروبولوجية مقارنة، دار المطبوعات الحديثة، القاهرة، 1991، ص21.

23- نفس المرجع، ص30.

24- نفس المرجع، ص31.

25- محمد عبده محجوب، أنثروبولوجيا المجتمعات البدوية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1988، ص190.

26- نفس المرجع، ص191.

27- نفس المرجع، ص203.

28- يوسف ميخائيل أسعد، رعاية الشيخوخة، دار غريب للطباعة والنشر، القاهرة، 2000، ص99.

29- سيد سلامة إبراهيم، رعاية المسنين، الجزء الثاني، المكتب العالمي للكمبيوتر للنشر والتوزيع، الإسكندرية، 1997، ص54.

30- محمد يسري دعبس، مرجع سبق ذكره، ص46،47.

31- نفس المرجع، ص47.

32- سيد سلامة إبراهيم، مرجع سبق ذكره، ص54.

33- Boutefnouchet MOSTAPHA, Famille Algérienne évolution et caractéristiques, SNED, Alger, 1982,p33.

34- فتوح مدحت محمد، تنظيم مجتمع المسنين، المطبعة التجارية الحديثة، القاهرة 1992، ص62.

35- نفس المرجع، ص62.

36- محمد يسري دعبس، مرجع سبق ذكره، ص49.

37- نفس المرجع، ص49

38- محمد سيد فهمي، نورهان منير حسن فهمي، الرعاية الإجتماعية للمسنين، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية، 2000، ص77.

39- نفس المرجع، ص77.

40- نفس المرجع، 77.

41- نفس المرجع، ص78.

42- محمد عبده محجوب، الأنثروبولوجيا ومشكلات التحضر، دراسة حفلية في المجتمع المصري، الكتاب الثاني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الإسكندرية، 1981، ص119.

43- نفس المرجع، ص120.

44- نفس المرجع، ص122.

45- محمد عبد المنعم نور، التقدم في السن، الشيخوخة من منظور إجتماعي، ط1، دار القلم، الكويت، 1990، ص61.

46- نفس المرجع، ص62.

47- نفس المرجع، ص62.

48- نفس المرجع، ص63.

49- محمد عبده محجوب، مرجع سبق ذكره، ص126.

50- السيد فؤاد البهي، مرجع سبق ذكره، ص422.

51- مصطفى فهمي، التكيف النفسي، مكتبة مصر، القاهرة، 1987، ص296.

52- قناوي هدى محمد، سيكولوجية المسنين، مركز التنمية البشرية والمعلومات، القاهرة، 1990، ص85.

53- أغا كمال الدين المعطي، مشكلات التقدم في السن، دراسة اجتماعية نفسية، دار القلم، الكويت، 1984، ص171.

54- منصور طلعت، دراسة في الإتجاهات النفسية نحو المسنين، مجلة العلوم الإجتماعية، المجلد15، العدد الأول القاهرة، 1987، ص52.

55-عبد العزيز الغريب، المكانة الإجتماعية للمسنين في ضوء التغيرات الحضرية، سلسلة الرسائل الجامعية، الرياض، 2005، ص134.

56- نفس المرجع، ص135.

57- أمال صادق، فؤاد أبو الحطب، نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين، المكتبة الأنجلو-مصرية، القاهرة، 1990، ص179.

58- نفس المرجع، ص180.

59- نفس المرجع، ص180.

60- نفس المرجع، ص180

61- محمد عبده محجوب، مرجع سبق بسكره، ص115.

62- محمد يسري دعبس، مرجع سبق   ذكره، ص43.

63- محمد عبده محجوب، مرجع سبق ذكره، ص117.

64- نفس المرجع، ص117.

Pour citer ce document

ذهبيــة اوموسى, «مكانـــة المسنيــن في المجتمعــات»

[En ligne] العدد 08 ماي 2009N°08 Mai 2009 ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales
Papier : pp : 277 - 298,
Date Publication Sur Papier : 2009-05-05,
Date Pulication Electronique : 2012-05-03,
mis a jour le : 19/02/2014,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=362.