التغير القيمي وأزمة الأهــداف في الحقل السيــاسي
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
08
09
10
11
12
13
14
15

العدد 08 ماي 2009 N°08 Mai 2009

التغير القيمي وأزمة الأهــداف في الحقل السيــاسي
pp : 29 - 55

نوي الجمعي
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

(المجتمع الجزائري نموذجا)

مقدمة :    

إن عالمية التغير الاجتماعي، في مجالات عديدة كالاقتصاد والحقل السياسي علي وجه التحديد، والتي أفرزت بدورها تغيرات طالت البنيات الثقافية والاجتماعية. أدخلت المجتمعات النامية في سياق حتميات التحول نحو"انمذجة" قيمية عالمية فرضت كأشكال للتكيف والاندماجية العالمية، تحت مبررات ودوافع داخلية جسدت في مطالب المجتمع (كالحق في التعبير، وفي المشاركة السياسية، وحيازة فضاء عام قائم علي التعاقد واحترامه من

قبلكل القوي الاجتماعية)، وأسباب أملتها الدولة الغربية المهيمنة اقتصاديا وسياسيا، إعلاميا وثقافيا.

في سياق ثنائية الحاجة للتغيير، والخوف منه في ذات الوقت، برزت إشكالية تحتاج للتفكير، تكمن فيما إذا كان التغير القيمي الذي يشهده المجتمع الجزائري، يقينا وممارسة هو هــدم

للقيم الاجتماعية والسياسية القائمة؟ أم أن المجتمع الجزائري بإمكانه أن يتكيف مع القيم التي فرضتها التحولات العالمية؟ أن التغير القيمي وأشكاله المختلفة في الجزائر، يعرف مقاومة تتخذ أشكال مختلفة، تستشف في ضوء أمارات، الانسحاب من المؤسسة التي يعمل بها، والعزلة الاجتماعية في الحي الذي يسكنه، واللامبالاة إزاء ما يحدث من حوله والتي تحملها صور الفر دانية السلبية ومؤشرات هجر السياسية، مثل ما تصورها لنا الشواهد الواقعية (نسب الانخراط في الأحزاب، والنشاط في مؤسسات المجتمع المدني)، هذه التوصيفات جعلت من بعض المهتمين نعت هذه الحالات بـ"العطل الاجتماعي" وراح البعض الأخر إلي حد الجزم بأنها  حالات المجتمعات" المتأزمة".

مما سبق تسعي هذه المداخلة معالجة المسائل التالية.

1- التنشئة السياسية ودورها في حيازة الفرد للقيم السياسية الجديدة في المجتمع الجزائري، (التعددية السياسية، الديمقراطية، إرادة العيش معا).

2- علاقة الخطاب السياسي الحامل لهذه القيم السياسية الجديدة وإشكاليات تجسيدها.

3- هل المجتمع الجزائري، علي اختلاف مرجعياته الإيديولوجية، والسياسية  يقاوم هذه  القيم السياسية الجديدة، أم أن الإشكالية مردها أزمة الأهداف التي يعرفها النظام السياسي (السلطة، الأحزاب، ومؤسسات المجتمع المدني) في مرافقة المجتمع لاستساغة التغير ألقيمي الذي هو في نهاية المطاف  حتمية اجتماعية.

التغير القيمي وأزمة الأهداف في الحقل السياسي :

منذ نهاية التسعينيات من القرن الماضي، شكلت الأزمة التي يعرفها المجتمع الجزائري حقلا خصبا للباحثين في مجالات معرفية واختصاصات مختلفة، ودون عناء يستشف القارئ أن مختلف الدراسات في تشخيصها للأزمة تحكمت فيها مرجعيات إيديولوجية مختلفة أدت علي

حد تعبر بياربورديو إلي إنتاج خطاب إيديولوجي يتحدث باسم المجتمع ونيابة عنه، ولم نتمكن  بعد من إنتاج خطابا علميا يسمح للمجتمع بالتعبير عن ذاته (1).

إن وقع الأزمة، الذي طال جل البنيات الاجتماعية والثقافية والسياسية، والذي لم تسلم منه البنيات الفكرية وحتى التخصصات العلمية ذاتها، التي أضحت عرضة لارتباك تجلت مظاهره

في استحضار نظريات ومفاهيم ناجزه، سعي في خضمها الباحثين تفسير مجتمعاتهم وروج لها، سواء كمشروطيات ومخارج للازمة، واستعمالها كمفاهيم مفاتيح لتفسير وإدراك ماحل بنا. دون عناء وشرح كبيرين، يقف كل متتبع علي ولوج العديد من المفاهيم منذ التسعينات من القرن الماضي، ليس لكونهالم تكن معروفة ولم يتضمنها التراث الفكري، بل لكونها غيبت حتى لا تحدث عدوي لدي أفراد المجتمع وتتحول إلي مطالب تهدد استقرار مجتمعاتنا سياسيا واجتماعيا وحتى ثقافيا، طالما إن الاستقرار كان سائدا في السبعينات، والأزمة ليست من جنس مجتمعنا حسب الخطاب الرسمي للسلطة.

لقد تضافر الجهد للنخب العارفة بعد الأزمة التي تعرض لها المجتمع الجزائري، لإيجاد  تفسيرات وأسباب لها، فالتقت مع النخب السياسية في استحضار المفاهيم، كالديمقراطية والمجتمع المدني، والمواطنية، والتغير في القيم، وغيرها من المفاهيم ،لتشكل مفهومات ومواضيع للحظة التاريخية، بمعني أنه حان الوقت لاعتناقها والترويج لها وانه دون تكريسها ستظل الأزمة قائمة. وعلي وقع الاستحضار للمفاهيم، برزت بالموازاة انقسامية فكرية ومقروئية لأسباب الأزمة تراوحت علي العموم في عزو الأزمة لتفسيرات مادية وأخلاقية ودينية. شكل الاتجاه الثقافوي احد اتجاهاتها الرئيسية في تفسير وتشخيص الأزمة حملتها رؤية اثنومركزية شكلت استمرارية لنظريات الاستشراق، والتي تعزو الأزمة لعلاقة مجتمعاتنا  مع الحداثة "إن العربي المسلم يتمسك أكثر بالماضي، لا يعتنق قيما جديدة بل يقاومها، علي العكس من المجتمعات الغربية التي تتشكل من أفراد أحرار، في حين المجتمعات العربية الإسلامية تحمل قيما ثقافية تذيب الفرد وتصهره داخل الجماعة" (2)

-------------------------------------------------

1- pierre bourdieu , Esquisse d’une théorie pratique, librairie, droz, Gèneve, 1970, p 157.

2- Addi lahouari , Relegion et culture politique dans le monde Arabe , in , making civil societies work , université de Potsdam , 2007 , pp 47- 49 .

إن مثل هذه المقاربات لاتتناول ثقافة الجماعة كموضوع قائم بذاته علي غرار ما تم في المجتمعات الغربية، بل تتناوله كموضوع مبني واستثنائي، الهدف منه الترويج لأفكار مغلطة تعتبر المجتمعات العربية الإسلامية ضحية لثقافاتها. إنها في الواقع خطاب إيديولوجي يتستر وراء استعمال مدونات العلوم الاجتماعية، كما أن هذه المسالة الغرض منها يظل إبراز تخلف  المجتمعات العربية الإسلامية ومقارنة درجات تماثلها مع العالمية الغربية بالنظر لهيمنة قيمها السياسية الاقتصادية والاجتماعية.

من هذا المنظور، اعتبر هذا الاتجاه أن الأزمة التي تمر بها المجتمعات العربية الإسلامية عموما والمجتمع الجزائري علي وجه الخصوص مردها عدم استساغة القيم "المعولمة "كالحريات، ومأسسة نظام الحكم، وتكريس مبدأ التداول علي السلطة، وتعزيز الفر دانية كآلية لتحرر الأفراد من الاستتباع السياسي والاقتصادي.

وإن كانت هي فعلا الأسباب التي تقف وراء استمرار الأزمة، إن ما يتجاهله الاتجاه الثقافوي والمستشرقين عموما هو ذلك الفاصل التاريخي بين المجتمعات الغربية والمجتمعات العربية الإسلامية، إذ بقيت تتناولهما وكأنهما يعيشان نفس التاريخانية، وبالتالي تطرح جملة من التساؤلات، لماذا لايمتلكان نفس المؤسسات السياسية، ولماذا لايحملان نفس القيم السياسية، لماذا أللاستقرار والأزمة هما خاصية مجتمعاتنا في حين تنعم مجتمعاتهم بالاستقرار والتطور الاجتماعي؟.

ضمن هذا السياق وفي إطار بحث الأزمة، يقع الباحثين الجزائريين ضحية التغليط الممارس من قبل الاتجاه الثقافوي والمتمثل في عزو أسباب تحذرها إما لفقدان وتراجع جملة من القيم والأخلاق، وإما لاعتناق المجتمع قيما ليست من جنس ثقافتنا، وبالتالي هي التي تسببت في الأزمة المتعددة الأبعاد والجوانب، وبدت بعض الدراسات، تنادي  بإعادة النظر والتفكير في سلم القيم في كل مناحي الحياة الاجتماعية، ودأبت دراسات أخري الترويج لتعارض مقومات المجتمع الجزائري الثقافية والدينية والاجتماعية مع الديمقراطية وبناء الدولة، وأنها تحمل معوقات أمام دخول الحداثة، في الواقع هذه الأفكار لا تعدو إلا امتداد وترويجا للاتجاه الثقافوي الاثنو-مركزي-وما يثير الاغتراب أنها دراساتلم تعتمد البعد الامبريقي كمحك

لإثبات ما تنادي به، علي غرار ما تم تحقيقه من كشف وبحث لموضوع القيم في المجتمعات الغربية. في ضوء ما سبق، تسعي هذه المداخلة تناول موضوع التغير القيمي في علاقته مع السياسي وبالتحديد، محاولة مسالة الواقع وما تذهب له بعض الدراسات في علم الاجتماع، التي تسعي تفسير الأزمة والركود الاجتماعي ومواطن الخلل إلي أسباب ثقافية ودينية وأخلاقية وتتغاضي تأثير البعد السياسي في حياة المجتمع الإنساني، علما بأن المجتمع كما وصفه الفيلسوف الألماني هابر ماس ما هو"في حقيقة الأمر إلا مجتمعا سياسيا "(1).

انطلاقا من هذه الفكرة الا يمكن اعتبار موضوع تغير القيم وعزو الأزمة لعوامل هذا التغير مغالطة تاريخية وسوسيولوجية؟، وذلك لكون القيم مكونات تقوم عليها الحياة الاجتماعية ولما كانت هذه الأخيرة محل تغير وتبدل، فالقيم ستقع حتما تحت نفس التغيرات، لكن الأزمة يمكن أن تكون أسبابها ليس في تغير القيم كحالة بل كحتمية تمليها التطورات التاريخية الموضوعية، في حين تجذر الأزمة المتعددة الأبعاد والجوانب مردها، أزمة الأهداف في الحقل السياسي وعدم تأطير المجتمع سياسيا وتنشئته للتعايش مع القيم السياسية العالمية التي سمحت للكثير من المجتمعات تجسيد الرفاه والاستقرار وسمحت للفرد من تحقيق ذاته.

وقبل مناقشة وتحليل إشكالية المداخلة وبالنظر لما يثيره موضوع القيم من اختلاف فلسفي ونظري بين مختلف التخصصات وجب بحث أصل مفهوم القيم، ومختلف التطورات التي عرفها.

أولا : في أصل مفهوم القيم وتطورها :

لازم مفهوم القيم تاريخ الفلسفة، ونظرا للحيز الذي احتله، ظهرت  فلسفة القيم كتخصص قائم بذاته ،تناولت بالبحث جملة من الموضوعات كأصل القيم، وأشكالها، القيم الغاية والقيم الوسيلة، الحكم القيمي، والقيم بين المعيارية والحقيقة، متسائلة عما إذا كانت في نهاية المطاف القيم الاجتماعية "حقيقة اجتماعية"يتلمسها الأفراد في حياتهم اليومية وتلازم تنشئتهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ففي هذا الشأن كتب "سلستين بوجوليي"مؤكدا" إن القيم في المجال الاقتصادي  »والسياسي وكذا في المجالات الاخري، كالأخلاق والدين، هي ليست حبيسة أي مجال، بل تشكل نوع عالمي وهي متداخلة ..."(1).

ففي أصل القيم كمفهوم، ظلت إلي وقت طويل تحمل دلالات اقتصادية، حينما تناولت الدراسات الاقتصادية الليبرالية والماركسية مفهوم القيمة موضحة الفرق بين القيمة الاستعمالية والتبادلية للسلع، وللعمل كمجهود له ما يقابله من قيمة مادية، وبالرغم ما طرحته هاته الأفكار من قضايا تنظيرية ذات أهمية بالغة، الا انهالم تعمق من فهم مكانة القيمة وتطورها، بمعني أن القيم هي ليست ذات بعد مادي فحسب، الشئ الذي سمح من بروز اهتمام تخصصات أخري بمفهوم القيم سيما في ظل الأزمات التي عرفتها المجتمعات، كالحروب، والأزمات الاقتصادية والسياسية، والثورات، هذه الأحداث المتعاقبة أثبتت أن الأزمة إلي جانب إفرازها إلي نتائج مادية، أدت إلي بروز قيم اجتماعية ودينية وسياسية جديدة، فندت الفكرة القائلة بان القيم ماهي إلا قيم مادية.

فالانتروبولوجيا مثلا أثبتت أن تناقل القيم يمر عبر الأساطير والقصص، وهوما حملته العديد من الصور لذلك في العديد من المجتمعات، ففي هذا الصدد كتب إميل دوركايم موضحا "إن تواصل القيم ذات البعد الأخلاقي والديني وقيم النبلاء، جعلت من الآباء والأبناء شركاء يهبوا لبعضهم البعض القيم الإنسانية " (1).

إن الأساطير والقيم فعلا سعت لترسيخ الكثير من القيم  وقد تمكنت من المخيال الاجتماعي كتلك التي حملت صور الصراع بين الشر والخير، وعودة الغلبة دوما للخير الذي تحول  إلي قيمة معيارية يصبو لها المجتمع البشري، وفي ذات الوقت تحولت إلي قيمة اجتماعية للتنشئة في كل المجتمعات وفي شتي المجالات.

مما سبق، يتبدي بوضوح  إن عالم القيم يلازم الحياة البشرية وتطورها، الشئ الذي جعل الفرد العادي كالفرد العارف يسلم بوجود "عالم للقيم"يشد انتباهه ويجسد في ممارساته ومواقفه ... وهذا العالم من القيم يشكل في محطات تاريخية التناغم بين أفراد المجتمع وتارة أخري يعرف  يمتاز بحالات من الصراع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1-Célestin Bouglé , leçons de sociologie sur l’évolution des valeurs. Paris, Armand colin,2ème édition , 1978 pp 174-178.

إن الصراع القيمي، الذي وبالنظر لأهمية امتلاك وحتمية تواجد عالم للقيم، يفرز مفاضلات تسعي إلي بناء نماذج تراتبية لها، للتحول إلي مبادئ وأفكار ونظريات تشكل قناعات راسخة، وهي التي في واقع الأمر مثلما عبر عنها جاستون باشلار تتبدي"كأشياء معروفة، ونتجاهل بأن المعروف يخفي ما نريد معرفته" (2).

هذه الملحوظة العلمية، شكلت الشغل الشاغل للفلاسفة وعلماء الاجتماع الذين سعوا إلي إمدادنا بحقائق تساعدنا كأفراد في تنظيم مفاضلاتنا من خلال ما هو معروف ومتداول، في الخطاب العارف والعادي والمتمثل في سلم القيم. ومن البديهي أن يمتلك الإنسان العادي سلم للقيم وهو ليس حكرا علي العلماء والفلاسفة، بالرغم من أنهم حاولوا الترويج للقيم"الإنسانية العالمية".

ففي الحقل السياسي مثلا نيتشة نادي حينما أراد مراجعة نسق القيم، التأكيد علي أهمية الارستقراطية، وقبله روسو نادي بضرورة تجسيد الأخوة، وبرودون الذي رفض أن يرتب أي القيم أهم  قبل الحرية، واختلف مع أوجيست كونت الذي أكد علي السلطة كقيمة اجتماعية سياسية (3).

إذا كان الفلاسفة، لكل منهم مفاضلته، واختلفوا حول أهميتها بالنسبة لحياة المجتمعات، فان الأفراد العاديون يحملون ذات الاختلاف، وهذا ما يدل علي  أن الإنسان في حالات فقدانه تفسيرات لما يدور حوله، يرجع ذلك إلي تغير سلم القيم، كون الأزمات والحروب تدفع بالأفراد إلي تغير أشياء كثيرة في حياتهم العادية، في طرق الاستهلاك، في التصرف والتعامل مع الغير، بمعني إن التجربة الفردية أوالجماعية تؤثر علي سلم المفاضلات وبالتالي تؤدي إلي إنتاج قيم جديدة كالفر دانية أو التعزيز من قيمة التضامن والتكافل الاجتماعي أو تراجعهما.

___________________________

1 – Alain Beitone, sciences sociales , 2ème edition ,dalloz , 2000 p 115.

2- جاستون باشلار، ابستمولوجيا (نظرية المعرفة)، نصوص مختارة، ترجمة درويش الحلوجي، دار المستقبل، المركز الفرنسي للثقافة، القاهرة، 1998 ص201

3-Celéstin Bouglé, op.cit, p146.

   ففي هذا الصدد، الأمثلة التاريخية كثيرة يمكن الوقوف عليها سواء في المجتمعات الغربية أو في المجتمعات العربية الإسلامية وبالأخص في المجتمع الجزائري : لم يكن من الممكن نجاح نظام بسمارك الذي صاغه كأسلوب للتضامن المماسس بين العمال وباقي شرائح المجتمع في ألمانيا إلا بعد تأكد أهمية التضامن -كقيمة غاية- للقضاء علي مظاهر التشرد والفقر والحرمان التي باتت تهدد استقرار وحياة المجتمع بما فيها الطبقات الاجتماعية الميسورة الحال التي رحبت به بل عملت علي إنجاحه، ولو لم يكن التضامن كقيمة إنسانية عالمية لما تم تعميمه كنظام للحماية الاجتماعية في باقي المجتمعات، أما بعد الحرب العالمية الثانية وبعد الخراب الذي عم أوروبا حدي" بفريدش" في انجلترا عام 1944 إلي بناء نظام للحماية الاجتماعية معلنا فشل محاربةالفقرو التشرد والآفات الاجتماعية التي سادت المجتمع الانجليزي بالقوة والقهر، وعملت الولايات المتحدة بنفس النظام لما له من قبول واستحسان ونتائج ملموسة علي حياة الأفراد وتحقيق الاستقرار الاجتماعي(1). أما المثال الذي يمكن إن نقدمه وهو ليس ببعيد تاريخيا، ففي الجزائر وعلي اثر العشرية السوداء والعنف الذي عرفه المجتمع ومس فئات واسعة من العائلات والأفراد والذي أودي بـ100ألف قتيل، أفرزت الأزمة تعزيز التسامح الديني الذي عرف تراجعا لما الصق به جراء الاستعمال السياسي للدين، ليتحول إلي قيمة سياسية جسد في قبول المجتمع الجزائري له في الاستفتاء الذي نظم عام 2004. وهو الشئ الذي يجعل من التسامح كقيمة وسيلة للتناغم الاجتماعي والاستقرار المنشود من قبل كل أفراد المجتمع الجزائري. إن هذه الأمثلة، الحقائق التاريخية، تؤكد مسالة طرحها إميل دوركايم في مؤلفه العلوم الاجتماعية والفعل"طالما إن المجتمعات البشرية تستمر في الوجود، فإنها تستنبط من طياتها مثل كبري، أين يصبح الأفراد خدامها".2 إن القيم هي نوع من المثل تتحول إلي حقائق طالما إن المجتمع يعتنقها ويكرسها، فإذا كانت هي كذلك لماذا تختلف وتتغير من مجتمع إلي أخر، بل تتغير من حقبة تاريخية إلي أخري في المجتمع ذاته. هل هذا معناه إن القيم التي سادت في الماضي أصبحت لا تؤدي الغرض، وأن السياق كمفهوم سوسيولوجي يملي  حاجات جديدة تفعل فعلتها في تراجع بعض القيم وولوج قيم جديدة يبدأ الترويج لها وتتمكن لاحقا من الرابط الاجتماعي.

إلى وقت قريب ظلت التعددية السياسية والثقافية كفرا في المجتمع الجزائري، واعتبرت كمهدد للوحدة  الوطنية علي غرار ما كان يحمله الخطاب الوطني الشعبوي، لكن بعد الأزمة التي ظهرت علي اثر أحداث أكتوبر 1988 تغيرت الأمور وأفرزت تطلعات جديدة، وضعت علي  المحك كل الأفكار والمعتقدات التي ترسخت كقيم سياسية منذ الاستقلال، رهن إعادة النظر وهو الشئ الذي تم إما بإعادة إنتاجها في صيغ تجعل منها نفس القيم بل تحمل فقط أمارات مغايرة، أو بالتخلي عنها كلية، أو التمسك بها ومحاولة إقناع المجتمع سياسيا بان التخلي عنها سيمكن الأزمة أكثر من الرابط الاجتماعي، وهي دالة  في الحقل السياسي إذ لايختلف اثنان حول  غياب الإجماع حول مشروع المجتمع في الجزائر.

إن هذا الحوار السياسي الذي ميز المشهد السياسي في المجتمع الجزائري بعد ظهور التعددية كحل للمأزق السياسي الذي عرفه النظام، هو ذاته ذلك الحوار المنهجي المعروف والمتناقض  في العلوم الاجتماعية حول الثقافة : فالثقافوية دافعت علي خضوع الفرد لثقافة المجتمع والتي يقبلها دون مقاومة، والاتجاه الثاني والذي حمله الاتجاه المؤكد علي المنهجية الفر دانية، بمعني إن الفرد الفاعل يختار قناعاته استنادا لتصوراته الذاتية.

مما سبق، تصبح الثقافة عموما والقيم السائدة علي وجه الخصوص عامة تعتنق من قبل غالبية كبري من المجتمع، وداخل هذا الاعتناق الشمولي توجد قيما ذاتية تشكل عالم خاص من القيم لكل فرد من أفراد المجتمع وجماعات وأطياف داخل المجتمع. وهي الفكرة التي دافع عنها تالكوت بارسونز"كل نسق للفعل يمتلك في طياته انساقا فرعية "ثقافة سياسية، أوتنشئية سياسية وغيرها، تعتمد كآلية في نهاية المطاف لإحداث الاندماجية السياسية أو الاجتماعية، مؤكدا أن الأنساق الحديثة هي فقط التي تحمل"الثقافة المدنية" الذي هو  مفهوما سياسيا الذي ارتبط بدولة القانون والديمقراطية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- Robert Castel, les Métamorphoses de la question sociale, une chronique du salariat, Fayard, paris , 1995, pp 225-228.

2-Emile Durkheim, la science sociale et l’action , collection sup , PUF , paris, 1970 ,  p67.

في ذات السياق، القيم الاجتماعية السائدة هي غاية ووسيلة يهدف الأفراد من ورائها تحقيق حاجات علي جميع الأصعدة وفي كل مجالات الحياة، وتجعل من الدفاع عن القيم الثقافية والسياسية والاجتماعية من قبل الأفراد والجماعات أو مقاومتها مسالة طبيعية،كونهم دوما يرغبون في الحفاظ علي مصالحهم أو الحد من هيمنة فئات حاملة لقيم تقف أمام تحقيق غاياتهم، وهو ما نجده في الحقل السياسي في كل المجتمعات.

فالاتجاه المحافظ الليبرالي، والذي دافع إيديولوجيا وسياسيا عن الحرية الاقتصادية، ودافع عن الأفكار الداعمة لفكرة" القليل من الدولة والكثير من المجتمع"، فالعكس من ذلك، يستشف عند أصحاب الاتجاه الديمقراطي الاجتماعي الذين نادوا بحضور الدولة لتنظيم الاقتصاد والحد من سيطرته المطلقة، ساهمت هذه الاتجاهات في إنتاج قيما سياسية في خضمها تحددت طبيعة الحكم وعلاقة السياسي بالاجتماعي، وأفضت إلي منح خاصية جديدة لمفهوم القيم السياسية، تجلت في جعلها قيما عالمية، وفي ذات الوقت جعلتها تقوم ليس فقط علي أساس الاعتناق المتوارث من جيل لأخر ومن حقبة تاريخية لآخري عبر عمليتي التأثير والتأثر ا بل تقوم علي أساس التعاقد السياسي الذي منحها نوع من القداسة، مما جعلها تمكن الفرد مكانة محورية بالنسبة للعملية السياسية،كما مكنت الجماعات من الحق في التنافس والاختلاف، وكرست الديمقراطية الاجتماعية، فكرا وممارسة،كما ساعدت علي إنتاج قيم وسائل، تجلت في احترام الرأي العام، وجعل الانتخابات محك ديمقراطي يكرس في ضوئه التداول علي السلطة، وبناء مؤسسات يحتكم بها، تحترم قرارات الأغلبية مع الحق للأقليات بالدفاع عن أرائها السياسية.

مما سبق، أليس من الأهمية بمكان عند دراسة القيم عموما والقيم السياسية علي وجه التحديد بحث كيف تمارس وتتعايش؟ وما هي الآليات الكفيلة فعلا بكشف موضوعية القيم، حتى تتبدي للأفراد كحقائق اجتماعية تتحول لقيم راسخة وجب الاحتفاظ بها والذود عنها أو دحضها حينما لتتماشي وغاياته المختلفة، وحتى  لاتتحول إلي يطوبيا تجعل الأفراد يعيشون حالات من الاغتراب عن واقعهم يرجعون، أسباب أزماتهم إلي أسباب وهمية، ويستحضرون في ذات الوقت حلولا وهمية، علي غرار ما يروج له في المجتمع الجزائري، إن الأزمة مردهـا

التخلي عن قيم الأسلاف وشجاعتهم ووطنيتهم، والحلول تقترح في خضم مااطلق عليه بيار بورديو بـ"إعادة الإنتاج" لقيم الماضي، وتجاهل حقيقة انتروبولوجية جذرية مفادها إن  الأفراد والجماعات تتغير حاجاتهم مع تطور الحياة الاجتماعية، والذي حتما يؤدي إلي تغير في القناعات، وبالتالي تغير في القيم.

في ضوء هذه المناقشة المقتضبة لتطور القيم عموما وللقيم السياسية علي وجه التحديد يمكن رصد خصائصها الأساسية في المسائل التالية :

 1- القيم تختلف من مجتمع إلي أخر، ومن فرد وجماعة إلي أخري داخل المجتمع الواحد مما يضفي عليها خاصية ترجمة حالات للوعي لا كحقائق موضوعية تثير الدهشة والاستغراب حينما يختلف حولها  الأفراد.

2- طالما هي كذلك، إن تعدد القيم والتي تختلف حسب الوجود الاجتماعي للأفراد ،فإنها تمتلك قوة الموجه للتطلعات ورغبات الأفراد والأفاق سواء تلك التي هي مفتوحة أمامها أو والتي يمكن إن تتجسد أو لاتتجسد. بمعني إن القيم هي ذاتية يمكن بحثها في ضوء الرؤية الفردانية المنهجية طالما إنها نسبية وليست مطلقة يتماثل لها الأفراد والجماعات بنفس الكيفية.

3-القيم تختلف،سواء أكانت اقتصادية أم جمالية، أخلاقية أو دينية، إن كل شكل من أشكال القيم يسعي لتشكيل فضاء خاص بت، بغرض الهيمنة وبالتالي إن القيم تتخذ شكل العقيدة والإيديولوجية أو القناعات، إذ تتمكن من توظيف أفراد بل جماعات تدافع عنها، ومؤسسات تتحول لخدمتها.          

مما سبق وطالما إن القيم هي كذلك، فلما إذا يسعي الأفراد حسب انتمائهم العرقية أو الطبقية العقائدية إن يجعلوا من قيمهم هي القيم المثلي، بل أكثر من ذلك يسعي لجعلها القيم المسيطرة في المجتمع، وتسعي كل فئة استعمال مصادرها (الإيديولوجية،الدين، السياسة، الاقتصاد، الانتماء واستحضار رؤوس الأموال الرمزية المختلفة لجعل قيمها هيالقيم السائدة. لان القيم حاجة اجتماعية س

1- Addi lahouari, Relegion et culture politique dans le monde Arabe, in, making civil societies work, université de Potsdam, 2007.

2- Addi lahouari, l’Algérie et la démocratie, pouvoir et crise du politique dans l’Algérie contemporaine, la découverte, paris.

3 – Alain Beitoine, sciences sociales, 2ème edition ,dalloz, 2000.

4-Célestin Bouglé, leçons de sociologie sur l’évolution des valeurs. Paris, Armand colin, 2ème édition, 1978.

.5- جاستون باشلار، ابستمولوجيا (نظرية المعرفة)، نصوص مختارة، ترجمة درويش الحلوجي، دار المستقبل، المركز الفرنسي للثقافة، القاهرة، 1998

6-Emile Durkheim, la science sociale et l’action, collection sup, PUF, paris, 1970.

7- pierre bourdieu, Esquisse d’une théorie pratique, librairie, droz, Gèneve, 1970.

8- Percheron (A), la socialisation politique, A. Colin, collection universitaire, paris, 1993..

9- Jacques Commaille, les nouveaux enjeux de la question sociale, édition Hachette, paris, 1997

 10- الآن ثورين، ما هي الديمقراطية، حكم الاكثرية أم ضمانات الاقلية، ترجمة حسن قبيسى، بيروت، الدار الساقي، الطبعة الاولي، 1995

11- Robert Castel,les Métamorphoses de la question sociale, une chronique du salariat, Fayard, paris, 1995.

Pour citer ce document

نوي الجمعي, «التغير القيمي وأزمة الأهــداف في الحقل السيــاسي»

[En ligne] ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales العدد 08 ماي 2009N°08 Mai 2009
Papier : pp : 29 - 55,
Date Publication Sur Papier : 2009-05-05,
Date Pulication Electronique : 2012-05-03,
mis a jour le : 19/02/2014,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=381.