دور وسائل الإعلام في تشكيل القيم التربوية داخل الأسرة الجزائرية
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
08
09
10
11
12
13
14
15

العدد 08 ماي 2009 N°08 Mai 2009

دور وسائل الإعلام في تشكيل القيم التربوية داخل الأسرة الجزائرية
pp : 299 - 338

سميرة سطوطاح
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

الإشكاليــــة :

إن اعتبار وسائل الإعلام مكونا من مكونات حياتنا المعاصرة جعل من محتوياتها يشكل أحد المحركات الأساسية في عملية إنتاج القيم حيث تحدث الباحث الأمريكي Melvin Defleur  عن النظام الاجتماعي الذي تنتجه وسائل الإعلام في أطروحته حول : "نظريات وسائل الإعلام" وهو ما يعني أن هذه الوسائل ومضامينها قد اندمجت في المجتمعات المعاصرة وفي كل مكوناتها وعلى رأسها الأسرة، النواة الأساسية التي تحتضن وتتفاعل مع هذه الوسائل، لدرجة لم نعد نستطيع اكتشاف هل أن قيم وسائل الإعلام هي التي تصنع قيمنا أم العكس وهو الصحيح، بالأخص وأن التربية تقوم أساسا على مجموعة من المرتكزات تأتي القيم على رأسها، وأن هذه القيم موجهة أساسا إلى الأطفال، إلا أن مسارات إنتاج وتوزيع القيم لم تعد تتحكم فيها الأسرة بل أن المضامين الإعلامية وخاصة الرسائل الإشهارية أصبحت تقدم قيما موازية وإن لم نقل معارضة لتلك التي تقدمها الأسرة. فالعديد من الدراسات الغربية أثبتت أن للإشهار أثرا كبيرا حتى على تحديد أدوار ووظائف أفراد الأسرة لدرجة جعلت من «Gilles Brongeres»يرى: "أن الطفل أصبح اليوم نواة للأسرة ومشاركا أساسيا في اتخاذ قرارات الشراء والإنفاق فيها حيث لم يعد الآباء يأمرون الأطفال بل أصبحوا يتفاوضون معهم" وهو تحول عميق وجذري لمفهوم الأسرة تساهم وسائل الإعلام بقوة فيه.

إذ نجد أن الإشهار يلعب دورا كبيرا في تغيير العادات أكثر من خلق الرغبات، وعلى الرغم من أن البداية تكون دائما بخلق التغيرات في السلوك، الملبس، التذوق وعادات الطعام وما إلى ذلك إلا أنها تتحول سريعا لتؤثر في سلوكيات أساسية مثل هيكل السلطة في الأسرة، دور الأطفال كمستهلكين أساسين في المجتمع، ونماذج الأخلاقيات والقيم المختلفة للانجاز في المجتمع، فالاستهلاك ينطلق من فكرة التغير الاجتماعي وتحول الفرد نحو الاستهلاك "(1) فظاهره يتجه نحو تسويق المنتوجات وباطنه يرتكز على تغيير هائل في القيم والأخلاق حيث يستخدم الإشهار القيم كمثيرات اشهارية يتم من خلالها التأثير على المستهلك. ومن هذه القيم نجد: الفردية، المرح وروح الشباب، الانطلاقة والتحرر، القيم الاستهلاكية، سهولة الحياة، فالإشهار يعرض مشاكل الحياة والسعادة والشقاء. والحياة المريحة ويقدم الحل في إجابة بسيطة عن طريق استهلاك منتجات معينة، حيث لا يشتري المستهلك المنتج موضوع الإشهار ولكن يشتري صورة ذهنية تعطي الإحساس بقيمة هذا المنتوج الأساسية،تغطية السعادة بدلا من الشقاء والنجاح بدلا من الفشل والحياة بدلا من الموت والتميز وتحقيق الذات "(2)... وفي هذا الصدد يقول ماركوس في كتابه التحليل الآتي للاستهلاك:"إن المستهلكون يرون أنفسهم في السلع التي يستعملونها، حيث يجدون روحهم في سياراتهم ،وفي حجم وشكل منازلهم وفي الأجهزة التي يستعملونها، فالميكانيزمات التي تربط الفرد بمجتمع قد تغيرت"(3) فلم يعد  الأفراد داخل المجتمع يعطون مكانة للصدق  والأمانة والصبر فالإنسان الناجح اليوم يقيم على أساس ماذا يمتلك؟ وهذه الفكرة أكدها برمان ماركوس من خلال الدراسات التي قام  بها حيث توصل إلى أن حياة الأفراد تتميز اليوم بالامتلاك كما إن بعض  الممتلكات لها معان قوية ورمزية "(4) كما انه يطرح فكرة أن العائلة والدين والتعليم كمؤسسات أضحت أكثر ضعفا في تربية الأجيال الأخيرة، حيث أصبح العالم أكثر تعقيدان وفي غياب السلطات التقليدية أصبح الإشهار نوعا من المرشد الاجتماعي الذي يعطينا أفكارا في الأسلوب والأخلاقيات والسلوك"(5).

فإذا كان الطفل في العهود الماضية يتلقى معلوماته من عناصر معروفة ومحددة يمكن حصرها في الأشخاص الأكثر قربا غليه وينتمون على محيطه الأسري والعائلي فقد أصبح يتعرض لتنشئة واسعة النطاق.

كما بدأ طفل اليوم يفقد الكثير الضروري لتكوين الرؤية السليمة لكل ما يحيط الأمر به من مواقف وقيم واتجاهات ومعايير معقدة وغريبة بل ومتناقصة أحيانا.الأمر الذي جعله يفتقر إلى إمكانات احتواء عناصر التوافق الاجتماعي المطلوب ن كما بدا الآباء والأمهات يستصرخون ضمير العلماء والمصلحين ورجال الدين والمختصين في شؤون التربية لمساعدتهم على مواجهة آثار خيبتهم مما يعانيه أبناءهم من قلق وضياع ورفض وتمرد على القيم"(6).

عن صرخة الآباء اتجاه ما آلت إليه أوضاع أبنائهم هي الحقيقة تأكيد على أن وسائل الإعلام اقتطعت من هذه المؤسسات (الأسرة، المدرسة) جزءا كبيرا من الوظيفة التقليدية للأسرة، فوسائل الإعلام لاسيما في شكلها السمعي البصري باتت هي التي تشكل اليوم بيئة الطفل الفعلية صحيح أنها بيئة مصنوعة ومكيفة، ولكنها بالتحديد تعتبر أشد تأثيرا في شعور ولا شعور الطفل معا من البيئة الطبيعية، وأقدر منها على تشكيل ذهنية وشخصية وصياغة إدارته وتوجيهها"(7) من خلال ما تقدمه من نماذج يقتدي بها فلم يعد الأب أو الأم وهو القدوى بل البطل الرياضي، المغني المشهور البطل الخيالي....كما أن مضامين وسائل الإعلام خاصة الإشهار تسعى إلى تحقيق علاقة مع الطفل تبني بطريقة يدركها الطفل على أنها حية ومفعمة بالحياة ولهذا فأغلب هذه المضامين تقدم القيم كمحفزات تحاول من خلالها أن تضع الطفل في حالة فعل، قراءة، اكتشاف، تغير (زوايا التصوير، تغير المشاهد) إجابة عن أسئلة أو تظهره بأنه ذكي  أو ماكر وكلها مواقف أساسها الحركة وتنشيط خيال وفضول الطفل ولهذا فهي تشعره بكثير من المتعة" وبذلك يسهل على الطفل تقبلها وترجمتها في سلوكات بشكل سريع وأكثر مرحا من تلك التي تقدمها المدرسة أو الأسرة"(8). فمثلا: قيمة الفردية التي تقدمها أغلب الإشهارات المستوردة، تعرض من خلال التركيز على فرد واحد وتميزه عن أقرانه أو عن أقرانه أو عن المجموعة ككل. مثال ذلك إظهار خلفية من الجمهور المنبهر بتميز الشخص- مع التركيز على الشخص – من بينهم جميعا أو إظهار الأفراد في مشاهد غير مرتبطة ببعضها أو إظهارهم في أوضاع تختلف عن وضع العائلة. ويساعد وجود مثل هذه القيمة في الإشهار على تقبل فكرة الإنسان الوحيد الذي يستطيع العيش مستقلا بنفسه ولا يهتم بوجود عائلة أو أصدقاء من حوله   لكن مثل هذه القيمة لا تتماشى مع قيم مجتمعنا وديننا. ولهذا فقد حاولنا طرح التساؤل الرئيسي التالي:

ما علاقة مضامين وسائل الإعلام وخاصة الإشهار في تحديد القيم التربوية في الأسرة الجزائرية ؟

I. تقلص دور الأسرة وبروز وسائط تربوية جديدة :

إن التغيرات التي تعيشها الأسرة ضمن معطيات محيطها على أساس أنها تؤثر وتتأثر "وعلى اعتبار أيضا أن الأسرة تتكون في المجتمع تحت ظروف اجتماعية واقتصادية معينة، وتتبدل بتبديل الأوضاع السائدة في المجتمع، مما يدفعنا إلى القول أن خصائص الأسرة في الوقت الحاضر مرتبطة بأوضاع اجتماعية اقتصادية معينة تتبدل بتبديل هذه الأوضاع، كما أنه من الصعب فهم الأسرة خارج هذا النطاق"، ما جعل العديد من الباحثين والمهنيين بشؤون التربية الأسرية يوجهون الاهتمام ويسلطون الضوء على محور آخر ضمن الوظائف الأسرية وهو المتعلق بوظيفة التنشئة والتربية حيث يؤكد عبد الرحمن الغريب (باحث في مجال الطفولة) على فكرة تقلص دور الأسرة وبروز وسائط تربوية جديدة قائلا: "بأن تربية الطفل وتنشئته على قيم مجتمعة كانت تتم من خلال الأسرة باعتبارها قناة حضارية واضحة ترسم معالم حياة الطفل المستقبلية، وذلك بشكل متناسق مع الأعراف والمعايير الأخلاقية والدينية والاجتماعية والممارسات السلوكية التي كان الطفل يجد سهولة في استيعاب مضامينها ورموزها وتمثلها بدون عناء كبير، أما اليوم فإن الأطفال يواجهون عدة قنوات تنشئية، يصارعون من خلالها مجموعة متفرقة من التحديات الثقافية المعقدة والتي تعكس واقع مجتمعاتهم المعاصرة من جراء الكم الهائل من الوسائط الاتصالية والإعلامية التي أصبحت تحل محل الخلايا التقليدية في توجيههم، فطفل اليوم بدأ يفقد الكثير من الضروريات لتكوين الرؤية السليمة لكل ما يحيط به من مواقف وقيم واتجاهات ومعايير معقدة وغريبة بل ومتناقصة أحيانا، الأمر الذي جعله يفتقر إلى إمكانيات احتواء عناصر التوافق الاجتماعي المطلوب وهذه المميزات هي سمة عالمية"(9).

وتحت تأثير الكثير من العوامل والمعطيات التي أفرزتها الثورة التكنولوجية والإنفتاح الاقتصادي على ألأسواق وفي مختلف المجالات وكذا التوجه العالمي الذي أصبح ميزة هذه التغيرات جعل من لأسرة العربية تعرف هي الأخرى تغيرات على مستواها البنائي والوظيفي بانتقالها من النمط الموسع (العائلة) إلى النمط النووي (الأسرة الصغيرة) ورغم التوجه الواضح نحو النمط النووي إلا أن المجتمع العربي يعرف تواجدا لكلا النمطين معا وحتى في الأسرة النووية فعلاقات القرابة والدم لازالت لها تأثيراتها داخل هذا النمط مما يجعلنا ندرك أن الأسرة العربية هي جزء من العالم وليست بمعزل عما يحدث من تغييرات وفي هذا الصدد يبين "علي زيعور" في تحليله للذات العربية أن التغير لم يشمل الشكل البنائي للأسرة العربية فقط بل تعداها للوظائف ونظم العلاقات فيما سماه بـ "تمزق النسيج العاطفي للعائلة": مشيرا إلى أن تماسك السلطة العائلية أخذ في التقهقر في مختلف الشرائح الاجتماعية، وأنه مع بروز مضامين إعلامية مختلفة خاصة الإشهارية منها، والتي تحمل معها رياح الديمقراطية والحرية الفردية والحضارة العالمية، برزت شخصية كل فرد في العائلة : (فحتى الطفل أصبح اليوم يتحدث عن منتوجاته الخاصة)، ورافق ذلك رغبة عند كل فرد لأن يحيا وينفق ويستهلك، ويبتهج، ويتميز، ...ويضيف بأن، الميل إلى الإنطلاق إلى الخارج (خارج الأسرة)، وإلى إشباع ما يمكن من الشهوات خلق تواترا في الإتزان التقليدي بين الإنسان وأسرته"،(10) ويرى زيعور أيضا "أن هذا التغيير في العلاقات بين أفراد الأسرة العربية يتجلى على الخصوص فيما أسماه بـ"الأسرة المهجنة" أي الناتجة عن التأثير الغربي في المجتمع التقليدي".(11)

وإذا كنا نتفق مع "علي زيعور" في تفسيره للتغيير الذي أخذ يطرأ على الأسرة في المجتمعات العربية، إلا أن هذا التغيير الذي تحدث عنه يظل محدودا ويختلف من مجتمع عربي لآخر، بل يختلف من منطقة لأخرى داخل المجتمع الواحد، فهناك بعض الأنماط التقليدية في السلوك والتفكير ما تزال قائمة حتى في "الأسر المهجنة" –على حد تعبير علي زيعور- رغم ما عرفته هذه الأسر من تأثر بالمجتمعات الغربية.

إن علاقة الآباء بالأبناء في ضوء المتغيرات والرهانات الجديدة التي تحملها التكنولوجيات الحديثة هي في الحقيقة مرتبطة بطبيعة المنهج الذي تعتمده هذه الوسائط في التربية وما يقابلها لدى الأسرة.فوسائل الإعلام لا سيما في شكلها السمعي البصري وعلى رأسها التلفزيون تعتمد في تنشئتها للصغار على:(12)

1)     الإثارة.

2)     المتعة.

3)     السهولة في الوصول للهدف.

4)     التسلية والاستحواذية.

5)     الصورة الصوت واللون والحركة.

6)     تقديم النماذج المؤثرة حقيقية أو خيالية.

7)     تقديم مواقف مركبة ممزوجة بالخيال كنماذج للحياة.

أما ألأسرة فتعتمد على:

1)     أنماط تستلهم أساسياتها من الدين، العرف، التقاليد.

2)     الجدية والصرامة.

3)     تقديم نماذج واقعية.

4)     تقديم مواقف مرتبطة بالواقع وما يحمله من صعوبات.

"وعلى العموم فثمة تغييرا في وظيفة الأسرة التي تعتمد في تربيتها على الجدية والصرامة إلى حد التسلط والعقاب في سبيل النمذجة الاجتماعية في الوقت الذي تعتمد فيه وسائل الإعلام والاتصال (خاصة التلفزة) على الترفيه في كل شيء، وتمرير المعلومات من خلال الخيال الجامح والهروب من الواقع الشيء الذي لا يتماشى مع جدية التنشئة في الأسـرة".(13) وفي هذا الصدد يقول "هاياكا" و"Hayaka.w": إن وظيفة التربية تقوم أساسا على شحن الذهن وترقية العقل، ولكن التلفزيون يطمس كل ذلك وينمو بالطفل نمو الإنفعال واتخاذ القرارات الغير عقلانية على نحو ما يرد في البرامج".(14)

وبالمقابل أيضا نجد أن الأطفال يصدقون التلفزيون ويجعلونه يحتل الصدارة فيمصادر المعلومات التي يثقون فيها وهذا ما أكدته عدة دراسات منها دراسة  هالوران جيس "Halorin. J" التي بين  من خلالها أن 97% من أطفال العينة التي أجري عليها البحث أعلنوا ثقتهم في التلفزيون كمصدر إعلامي أكثر من ثقتهم بأي مصدر آخر".(15) لكن يبقى للإختلاف في طبيعة المجتمع ومدى تماسك أعضائه ولتقاليد والمعتقد الديني الذي يؤمن به دورا في تحديد قوة مثل هذه النتائج إلا أن هذا الوضع دفع ببعض الآباء إلى محاولة الظهور بأنهم "آباء عصريون"، ويتخلون عن بعض سلطاتهم، ويبدون تسامحا واضحا إزاء سلوك أبنائهمـ ويصل هذا التسامح أحيانا إلى درجة السكوت عن بعض السلوكات التي يرتكبها الأبناء، والتي تعتبر خروجا عن أعراف وتقاليد كان الآباء حريصين على التمسك بها، ويحاول الآباء في علاقاتهم بأبنائهم مدارسة ما سمته ميلاني كلاين "Mélani klein" بـ التماهي الإسقاطي "IdentificationProjective" الذي من خلاله يحاولون التخلص من كل ما هو ممنوع ومكروه في داخلهم بإسقاطه على أطفالهم، وبذلك يشعر الآباء أنهم حققوا نصرا ولو بأثر رجعي، بسماحهم لأطفالهم أن يعبروا عما لم يكن بإمكانهم التعبير عنه عندما كانوا أطفالا مراهقين".(16)

حيث تجد الأسرة نفسها وجها لوجه أمام صراع حاد بين تنشئتين: تقليدية (في أحضان الأسرة والمدرسة) وتواصللية (من خلال التلفزيون، السينما، الفيديو، الأنترنات، ...) أي أن الأمر يتحول في نهاية المطاف إلى تواجد اختيارين تربويين: اختيار دمجي، واختيار تحرري لا يسمح بهما الواقع التربوي الذي يسود الواقع الدمجي، والخطورة لا تكمن في توظيف وسائل الإعلام في العملية التربوية التعليمية بل الخطورة في ذلك الاتصال المباشر بين الطفل والبرامج العامة من خلال المؤسسات والشبكات الوطنية والدولية ذات المضامين والرسائل المتعددة الثقافات والتوجهات".(17)

إلا أنBourdieu  يؤكد على أهمية الأسرة في عملية التفاعل مع مضامين التلفزة فيرى أن: الفرد (طفلا أو مراهقا) الذي يتعرض لمضامين التكنولوجيات (خاصة التلفزيون)، لا يدور في فراغ، فهو ينتمي إلى بيئة اجتماعية كون من خلالها آراء معينة وأفكارا محددة وتقاليدا وقيما ومعايير، وهو حين يتعرض إلى مضمون التلفزيون لا يتخلى عن هذه الخلفية وهو يبحث دائما عما هو قريب من بيئته الخاصة.

لذا فإن عملية الاتصال لا تسير من جهة واحدة أي من جهة ما تعرضه الوسيلة إلى الفرد فقط، ولكنها عملية تفاعل بين الفرد وخلفيته، ومضمون الوسيلة.(18)

فمرجعية الأسرة ونوعية التنشئة بها، تلعب دورا أساسيا في بلوغ الخطاب التلفزيوني إلى مرماه، إذ أن التنشئة الأسرية ثلاثة مستويات:

-     التنشئة الرئيسية الأساس وهذه تقوم بها الأسرة.

-     التنشئة الاجتماعية الثانية وإعادة التنشئة وتقوم بها المدرسة.

-     التنشئة الاجتماعية الموازية، وهذه تقوم بها أجهزة الإعلام والتوجيه.

وقد تكون إحدى هذه التنشئات أقوى وأكثر من الأخرى، وقد تقصر هذه فيظهر الخلل في النتيجة، وتكاد تجمع أغلب الدراسات على أن التأثير التلفزي لا يمكن أن يكون مؤثرا بشكل منفرد ومن دون وجود شروط أسرية مسبقة تساهم في تأسيس استعدادات أولية لتقبل هذا التأثير".(19)

فالتنشئة لأسرية تقوم على أساس أنماط التربية التي تتبناها كل أسرة فمثلا:

فالقدوة الصالحة داخل الأسرة بإمكانها أن تعطي سندا صحيحا لتكوين سلوكات إيجابية اتجاه المجتمع وما يتوقعه الأطفال، فملاحظة الطفل لسلوك أبوية أكثر تأثيرا من مجرد إعلام أبوية له بالسلوك الملائم، فعندما يستمع إلى أبويه وهما يوجهانه، فهو يتعلم فقط: ما الذي يريدانه منه، أما من خلال ملاحظة سلوكهم فهو يتعلم كيف يصدر السلوك".(20)

فإذا كانت البيئة الأسرية تعيش في حالة فقر مادي أو ثقافي أو صراعات، وسوء تربية فإن ذلك لن يعطي للطفل إلا نماذج سيئة، تكون بحكم وضعها المزري ناقمة على المجتمع، ولا تولي كبير الاهتمام للحاجات النفسية والاجتماعية للطفل، مما يعرض هذا الأخير إلى البحث عن نماذج أكثر "إشباعا" وتعويضا في بيئات أخرى أكثر استيلابا وتوهيما، غالبا ما تكون القيم المستقاة منها مضادة للأسرة".(21)

ولقد أورد أحمد ظافر محسن بعضا من أهم أساليب التنشئة الخاطئة، التي تسمح للتلفزيون أو أي وسيلة أخرى باحتلال مناطق الضعف هاته، والفراغات التي تتبادلها، مما يزيد من تأزم وضع الأبناء ويؤدي بهم إلى تبني سلوكات رافضة لقيم مجتمعهم واستبدالها بقيم أخرى يرون فيها المثل وغالبا ما تكون وسائل الإعلام.

ونورد هذه الأساليب كالتالي:(22)

-     إحساس الطفل بالرفض من قبل والديه.

-    الحماية الزائدة للأطفال.

-    الضبط وإرساء القواعد الشديدة المقيدة للسلوك.

-    غياب الحوار.

-    الإفراط في التدليل.

-     توقعات الآباء أو المطالب غير الواقعية.

-    العقاب الصارم كوسيلة وحيدة لتهذيب السلوك وتعويد الطفل على الطاعة والانضباط.

-     تفضيل الأسرة لأحد الأبناء.

-     القدوة غير البناءة".

إن مثل هذه الأخطاء في الأساليب التربوية في مراحل أساسية من عمر الطفـل، تجعلـه في وضعية مضطربة، حيث يفقد الدفء والحنان والرعاية وإشباع الحاجات النفسية والعاطفية، والتوجيه والقدوة الحسنة، وهو ما يجعله أيضا دون مرجعية سليمة وصحيحة تسمح له بمواجهة كل التيارات والإغراءات الاستهلاكية، كما أن غياب هذه المرجعية تضطر الطفل إلى تكوين مرجعية بديلة يستلهم مقوماتها من البرامج التلفزيونية بالأساس لأن الطفل موضوع في حمام إعلامي مستمر منذ ميلاده تغذيه تكنولوجيا الإعلام والاتصال" على حد تعبير "Monique Dagnand"(23) وبالإضافة إلى هذا فإن الأسرة الجزائرية  تتعامل مع هذا المنتوج التلفزيوني بنوع من اللامبالاة حول ما يشاهده أبناؤها، فقد نجدها في أغلب الأحيان تترك التلفزة مشغلة طوال الوقت، بدون ضبط أو توجيه لما ينبغي مشاهدته أو عدمه،(24) ودون تفسير أو شرح لما يلزم شرحه للطفل، حتى يؤسس لنفسه مواقف وتوجيهات نقدية وتحليلية، ويتكون لديه أسلوب للمشاهدة في حدوده الدنيا، ويعمل على التخفيف من الآثار الناجمة عن البرامج السلبية التي قد يتعرض لها وتجنبه من السقوط في تقليد بعض النماذج التي لا تتماشى وهوية المجتمع الذي يوجد فيه".(25)

فمهما كانت الرهانات الجديدة التي تعيشها الأسرة، فيبقى للتنشئة الأسرية شأن كبير في تقوية شخصية الطفل وتكوينها، ويبقى الطفل يعتمد على طبيعة العلاقة بينه وبين أبويه لتكوين معايير لتفسير ما يحيط به في بيئته التي يعيش فيها إضافة إلى ما يكتسبه من التنشئة الموازية (وسائل الإعلام والاتصال).

II. خصائص الرسالة الإشهارية والقيم التي تطرحها :

لما كانت الثقافة هي نتاج الظروف الاجتماعية، والاقتصادية القائمة فإن القيم السائدة هي محصلة الظروف الثقافية القائمة، أي أن القيم هي من صنع البيئة الاجتماعية وتعبيرا عنها. وتتشكل على أساس الميراث الثقافي وخبرات الحياة، وتؤثر القيم الثقافية على نمط الحياة «Life Style»وتعتبر محددا هاما لسلوك المستهلك. ولذلك فقد اهتم المختصون في التسويق والإشهار بدراسة القيم وربطها بالحاجات وذلك على اعتبارها موجها يساعد على فهم المستهلكين ويؤثر فيه.

فالإشهار يتأثر بالقيم الموجودة في المجتمع، وفي نفس الوقت فهو يعكسها ويغيرها. فالكثير من الدراسات أثبتت وجود علاقة ذات بين القيم المختلفة والنية الشرائية. (أعمال Belch1978). ويعتبر Rokeach"روكش" من أول الذين قاموا بإجراء بحوث القيم لاستخدامها للأغراض الإشهارية، وينظر البعض إلى هذه البحوث على أنها تتسم بالدوام أو عدمه، دون تفسير أو شرح كما يلزم شرحه للطفل، حتى يؤسس لنفسه مواقف وتوجيهات نقدية وتحليله، ويتكون لدييييةية

والشمول بينما يرى آخرون أنها لا تصلح للتطبيق وال ولبببيييييوالشمول بينما يرى آخرون أنها لا تصلح للتطبيق إلا في الولايات المتحدة الأمريكية. وتضمنت قائمة روكش 10 قيم أساسية سائدة هي:

1. الأمانة              2. الحب                     3. المسؤولية

4. العقل المتفتح        5. الصفح، العفو           6. الطموح

7.  المرح               8. المساعدة                 9. الاستقلال        10. البراعة

كما قام روكش بربط القيم بغايات يسعى الفرد إلى تحقيقها، فالقيم عنده تنطوي على عناصر معرفية ووجدانية وسلوكية. فهي معرفية من حيث أنها تبصرنا بما هو مرغوب فيه،ووجدانية من حيث أنها تجعل الفرد يشعر بجوانب انفعالية ووجدانية اتجاه ما هو مرغوب فيه، وهي سلوكية من حيث أنها محددة من محددات السلوك الإنساني".(26)

كما قسم روكش القيم إلى قيم نهائية وسائلية فالأولى قسمها بدورها إلى قيمأخلاقية إذا خالفها الفرد يعاني من الشعور بالذنب، وقيم تحقيق الذات- مخالفتها تؤدي إلى الشعور بالخجل والإحباط.

أما القيم الوسائلية) الثانية فقد قسمها إلى قيم شخصية متعلقة بالشخص وقيم اجتماعية متعلقة بالمجتمع، وتعبر القيم الأخلاقية والاجتماعية عن الحكم الأخلاقي والإهتمام بالمجتمع ككل، وهي تعكس اهتمامات الماضي حيث التقدم الصناعي أقل، والمنافسة أقل والمجتمع نقي نسبيا. لذلك أطلق على تلك القيم: القيم الإنسانية مثل قيمة المساواة، التوافق الداخلي مع النفس، الحكمة، السعادة، التسامح. أما قيم تحقيق الذات والقيم الشخصية فهي تعبر عن التقدم والتنمية الفردية، وهي تعكس اهتمامات المجتمع المادي، لذبك أطلق عليها القيم المادية: مثل القيم التالية:

الشعور بالإنجاز، المتعة، التوافق الاجتماعي، الطموح، الاعتماد على النفس، المسؤولية، المرح".(27) وهناك قائمة أخرى وضعها Lynn Kahle  وتضم 10 قيم كالتالي:

1.     احترام النفس.

2.     الأمن.

3.     العلاقات الدافئة مع الآخرين.

4.     الشعور بالإنجاز.

5.     تحقـيق الذات.

6.     الاحترام من الآخرين.

7.     الإحساس بالانتماء.

8.     اللهو والمتعة والإثارة.

ويساعد فهم القيم الأساسية للمستهلكين وربطها بالمنتوجات في خلق فرص تسويقية جديدة وتعبر القيم ذات أهمية كبيرة بالنسبة للإشهار وذلك للأسباب التالية :

1.     أنها تقدم مؤشرات إيجابية عن المنتجات والخدمات التي سيتم تقديمها في الإشهار.

2.     أنها تقترح منتجات جديدة تنجذب المستهلكين.

3.     تساعد على وضع واختيار الأنشطة والمواقف التي يمكن استعمالها في الإشهار.

أما الإشكال المطروح بالنسبة لتناول الإشهار للقيم هو:  الفكرة الأولى أنه يعيد تشكيل القيم من منطلق تجاري وليس اجتماعي، إضافة إلى التركيز على قيم مثل الفردية والمتعة والمرح والإثارة جعل الإشهار يعطي نماذج مادية تهتم بالقيم المادية على حساب القيم الأخلاقية والاجتماعية والفكرة الثانية والمهمة أن لكل ثقافة قيم أساسية محددة تميزها عن غيرها من الثقافات، وينظر إلى هذه القيم كعامل مساعد على التعرف على خصائص المجتمع وسمات شعبه، ولذلك فالشركات المتعددة الجنسيات التي تسعى إلى تقديم قوالب ونماذج موحدة

قائمـــة المراجـــع المستعملـــة :

(1) - نجوى محمد محمد الجزار: "تأثير القيم التي تعكسها إعلانات التلفزيون على الاتجاهات نحو الإعلان"، رسالة دكتوراه، قسم العلاقات العامة، جامعة القاهرة، 1998، ص 128.

(2) – ابتسام الجندي: "أثر التعرض للمضمون اللفظي بالإعلانات التلفزيونية على لغة الطفل"، مجلة بحوث الاتصال، العدد 09، يوليو 1993، ص 56.

(3) – محمود عودى: "أساليب الاتصال والتغير الاجتماعي، دراسة ميدانية في قرية مصرية"، سلسلة علم الاجتماع المعاصر، القاهرة، 1980، ص 179.

(4) – Berman, Ronald : « Advertising and social chang », sage publications, Beverly Hilles, 1992, P 127.

(5) – IBID, P 13.

(6) - عبد الرحمن الغريب: "إشكالية الهوية بين الإعلام التلفزي والتنشئة الأسرية للطفل العربي"، مجلة الطفولة والتنمية، يصدرها المجلس العربي للطفولة والتنمية، عدد 02، 2002، ص 135.

(7) – عبد الرحمن الغريب، مرجع سابق، ص 136.

(8)– Nicolas Montignean : « Les marques parlent aux enfants : grace aux personnages imaginaires », Editions d’organisation, Paris, 2002, P 75.

(9)- عبد الرحمن الغريب: مرجع سابق، ، ص 134.

(10- علي زيعور: "التحليل النفسي للذات العربية"، دار الطليعة، بيروت، 1981، ص 55 – 56.

(11)- نفس المرجع السابق، ص 56.

(12)- عبد الرحمن الغريب، مرجع سابق، ص 137.

(13)-نفس المرجع ، ص 138.

(14)- إبراهيم إمام: "الإعلام الإذاعي والتلفزي"، دار الفكر العربي، الكويت، 1985، ص 238.

(15)- جيمس هالوران: "الاتصال الجماهيري، التوجهات والمسؤوليات"، مجلة البحوث، اتحاد الدول العربية، بغداد، ع 10، 1993، ص 167.

(16)-DE Ajuriagaurra (J), « Mannuel de psychiatrie de enfant », Masson, Paris, 1980, P 528

(17)- مصطفى مصطفى القباج: "الطفل المغربي وأساليب التنشئة الاجتماعية بين الحداثة والتقليد"، مجلة دفاتر التربية، منشورات رمسيس، الرباط، العدد03،1997، ص 20.

(18)- حسين محي الدين أحمد: "التنشئة الأسرية للأبناء الصغار"، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 1995، ص 54.

(19)-حسين محي الدين أحمد، مرجع سابق،  ص 56.

(20)- أحمد ظافر محسن: "بعض أنماط التربية الخاطئة"، مطابع العدل سلسلة الأمن القومي، طرابلس، 1991، ص 88.

(21)- محمد عباس نور الدين: "من حاجات الطفل إلى حاجاتنا للطفل"، مجلة الطفولة والتنمية يصدرها المجلس العربي للطفولة والتنمية،العدد 06،مجلد02،2002،ص 173.

(22)-أحمد ظافر محسن، مرجع سابق، ص 89.

(23)- Monique Dagnand : « Enfants, Consommation et Publicité télévisée », la documentation Française, Paris, 2003, P10.

(24)- هذه الفكرة أكدتها نتائج الدراسة التي قامت بها وردية شعباني حول "استقبال الأطفال للإعلانات التلفزيونية التجارية دراسة وصفية للتعرض والإدراك"، حيث أن أغلب الأسر الجزائرية غير منتبهة لما يشاهد أطفالها ولا يولون أدنى أهمية لعملية توجيه تجربة المشاهدة للإشهارات في التلفزة وفي باقي البرامج، ص 252.

(25)- رالف رزق الله: "التلفزيون والأطفال: التسرب الايديولوجي من خلال الصورة – ثقافة الطفل-"، سلسلة ثقافتنا القومية، المجلس القومي للثقافة العربية، الرباط، العدد 02، 1990 ، ص 255.

(26) – نجوى محمد الجزار، مرجع سابق، ص90.

(27) – Cité par Lusig : « l’influence du développement sur les savoirs  et savoir faire de l’enfant à l’égard des marques », Thèse de doctorat en science de gestion, Université, Paris IX-Dauphine, Fev.1999, P203.

(28) – Lusig, OPCIT, P 210.

(29) - Nicolas Montignean : OPCIT, P 76.

(30) -  Cité par Lusig : OPCIT, P 212. 

(31)- محي الدين صابر: "قضايا الثقافة العربية المعاصرة"، الدار العربية للكتاب، تونس، 1983، ص35.




Pour citer ce document

سميرة سطوطاح, «دور وسائل الإعلام في تشكيل القيم التربوية داخل الأسرة الجزائرية»

[En ligne] العدد 08 ماي 2009N°08 Mai 2009 ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales
Papier : pp : 299 - 338,
Date Publication Sur Papier : 2009-05-05,
Date Pulication Electronique : 2012-05-03,
mis a jour le : 19/02/2014,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=385.