تغير القيم في المجتمع الجزائري ؟
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
08
09
10
11
12
13
14
15

العدد 08 ماي 2009 N°08 Mai 2009

تغير القيم في المجتمع الجزائري ؟
pp : 404 - 419

سيدي محمد محمدي
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

 صلاة التراويح بوهران 2008

في رمضان 2008 انتشرت ظاهرة بوهران اختلف الأساتذة والباحثون حول تفسيرها. ككل سنة، تمتلئ المساجد بالمصلين كما يحدث في مختلف مناطق الوطن، كما أن اختيار المصلين للذهاب إلى صلاة التراويح في هذا المسجد أو ذاك يختلف حسب الأشخاص: فهناك من يفضل الذهاب إلى أقرب مسجد من منزله، وهناك من يفضل الذهاب إلى مسجد يتلو إمامه تلاوة جميلة، وآخر يختار مسجدا إمامه سريع التلاوة جدا، ورابع يختار إماما ينتمي إلى جماعته الدينية. لكن الذي لفت الانتباه هذه السنة (2008) هو تشكل مجموعتين متمايزتين من المساجد، ليس بسبب عوامل الاختيار المذكورة سابقا، وإنما بسبب وجود أو عدم وجود مراوح كهربائية ومكيفات هوائية. فالذي لوحظ بوضوح هو أن المساجد التي تتوفر على هذه المراوح والمكيفات أكثر استقطابا للمصلين من المساجد التي لا تتوفر عليها وهذا بغض النظر عن موقع المسجد أو حسن تلاوة الإمام أو غير ذلك. فكيف تم إذن تفسير هذه الظاهرة في الوسط الجامعي؟

هناك من ذهب إلى أن هذه الظاهرة من أكبر دلائل التغير القيمي في المجتمع الجزائري إذ لم تعد القيمة الدينية لصلاة التراويح تحتل المرتبة الأولى، بل البحث عن الراحة والجو المريح كقيم دنيوية هو ما أصبح هاجس المصلين، أي أصبح للدنيوي المكانة المركزية في المجال الديني (صلاة التراويح في رمضان). لكن هناك فريقا آخر رأى أن هذه الظاهرة لا تكفي للدلالة على تغير قيمي كبير في المجتمع الجزائري، فالمؤشر الأساسي ليس إعادة توزيع المصلين على المساجد حسب تكنولوجيا التكييف الموجودة فيها، بل هو ثبات ظاهرة زيادة عدد المصلين خلال شهر رمضان، سواء تزامن مع فصل الحر أو مع فصل البرد.

كما نرى هنا، نحن أمام نظرتين مختلفتين لنفس الظاهرة، إحداهما تستدل بها على حدوث تغير اجتماعي قيمي والأخرى لا تعتبرها كذلك.

2. تفسيرات نظرية للتغير الاجتماعي

في الحقيقة الاختلاف حول عوامل التغير الاجتماعي ليس جديدا في علم الاجتماع، هناك عدة نظريات تتصادم حول ذلك. فمثلا يميز برنار فالاد[1] بين العوامل المادية-البنيوية والعوامل الثقافية-القيمية: في المجموعة الأولى يورد مثلا تركيز إميل دوركايم على العامل الديمغرافي كعامل محدد للتغير الاجتماعي (كلما زاد عدد السكان، زاد تقسيم العمل)، أو كارل ماركس الذي يعطي أولوية هذا الدور للبنية التحتية، حتى ولو أن فريديريك إنجلز أوضح فيما بعد إمكانية التأثير المتبادل للبنيتين التحتية و الفوقية مع بقاء دور البنية التحتية في المستوى الأخير. أما المجموعة الثانية فنجد فيها فرضية ماكس فيبر الشهيرة حول علاقة بعض القيم الدينية (البروتستانية-الكالفينية) بنوع من السلوك الاقتصادي (الرأسمالي)، كما نجد فرضية تيودور أدورنو حول تحديد إديولوجية معينة (الشمولية) لنمط معين من الشخصية (الشخصية التسلطية).

انطلاقا من هذا التصنيف نجد أن التفسيرات المقدمة سابقا تندرج ضمن إطار المجموعة الثانية من العوامل إذ يقع الاختلاف حول حدوث تغير قيمي أو عدم حدوثه من أجل تفسير سلوك المصلين في شهر رمضان، ولم يقدم مثلا زيادة عدد السكان أو التقدم التكنولوجي كعوامل مفسرة.

3. فرضية العلمنة و الفرضية الدينية

المسألة إذن في إطار هذه المقاربة هي مسألة قيمية بالدرجة الأولى وليست ديمغرافية أو تكنولوجية، والاختلاف الأساسي خلف الظاهرة المذكورة سابقا يقع بين فرضيتين متعاكستين حول القيم الغالبة في المجتمع الجزائري اليوم: فرضية العلمنة والفرضية الدينية.

بالنسبة لفرضية العلمنة فهي تقرر أن الاتجاه العام لسلوكات الأفراد في المجتمع الجزائري غير محدد بالاعتبارات الدينية بل بقيم دنيوية مما يعطي للرابط الاجتماعي طابعا علمانيا. مثلا، يلاحظ مختصون جزائريون، على غرار باحثين آخرين، « (...) عملا علمانيا للاشعور الجمعي، آليات عالمية ودائمة للحركة [الدنيوية] العادية، حس عملي بعيد عن الرسالة [الدينية]، وعلمنة مادية، فردية ولادينية للمجتمعات المسلمة، ومنها الجزائر»[2].كما نرى استعملت هنا عبارات قاطعة للدلالة على طبيعة الرابط الاجتماعي اليوم و على نوعية القيم السائدة، كما أن هناك الكثير من الشواهد أو المعطيات التي تدعم هذه الفرضية، من قضايا الفساد الكبرى في الساحة الوطنية، إلى الحوادث الصغرى على المستوى المحلي (القرية، "الحومة"، إلخ)،  إلى السلوك الفردي المحض من أجل مصلحة فردية دنيوية محضة.

على الطرف النقيض، إن لم تذهب الفرضية الدينية إلى تقرير مركزية القيم الدينية في تحديد الرابط الاجتماعي بين الجزائريين، فهي تؤكد على الأقل على ثقل هذه القيم وحضورها بشكل أو بآخر في مختلف مجالات الحياة اليومية، من الأسرة إلى التعليم إلى السياسة بل حتى في مجال البحث العلمي نفسه[3]. صحيح أن تجليات الديني مختلفة حسب الفترات التاريخية، سواء على مستوى الفكر الديني أو على مستوى ظهور فاعلين دينيين مختلفين و قوى دينية جديدة –نسبيا-، لكن الأساسي حسب هذه الفرضية هو أهمية البعد الديني للرابط الاجتماعي في المجتمع الجزائري، ويكفي للتأكد من ذلك قراءة فصول من التاريخ الجزائري و زيارة منطقة ما من مناطق الوطن لمعاينة حضور الدين في الحياة اليومية للجزائريين مثل بقية المجتمعات المغاربية و الإسلامية الأخرى. أما من أجل أخذ فكرة أعمق فيمكن الرجوع إلى أعمال المختصين في العلوم الاجتماعية[4].  

4. نقـد إبستيمولوجي

من الناحية المنهجية نحن نرى أن هذين الفرضيتين ليستا فرضيتين بالمعنى الدقيق –إذا جاز التعبير- من جهة، كما أنهما من جهة أخرى لا تندرجان في إطار "المنهجية العلمية" وإنما في إطار "منهجية الإقناع". فبالنسبة للتطابق مع تعريف الفرضية، نعرف أن هذه الأخيرة هي بناء عقلي تصوري حول ظاهرة معينة يحاول تفسيرها وحتى التنبؤ بحدوثها في المستقبل، كما أن من خصائصها قابلية التحقق من صدقها من خلال مقابلتها بمعطيات الواقع[5]. هذه الشروط غير متوفرة –فيما نرى- في الفرضيتين السابقتين : فكلاهما لا تقدمان تفسيرا للظاهرة التي تدرسانها، بالتفسير نقصد ربط هذه الظاهرة بظواهر اجتماعية أخرى. ففرضية العلمنة لا تقدم تفسيرا لضعف أثر الدين في سلوك الأفراد بل "تقرر" هذا الضعف فقط؛ أما الفرضية الدينية فهي أيضا لا تقدم تفسيرا لاستمرار أثر الدين في سلوك الأفراد أو زيادة هذا الأثر بل "تقرر" ذلك فقط كالفرضية السابقة. أما من حيث قابلية التحقق، وبما أنهما "تقرران" ما هي عليه الظاهرة المراد دراستها، فإن شرط إمكانية التحقق غير وارد بالمرة لأنهما تسلمان بصدق ما تطرحانه بشكل قبلي، أي قبل التحقيقات الملموسة، وهذا ما يدفعنا للتساؤل حول علمية هذين الفرضيتين.

في الحقيقة، وكما يتوقع السامع أو القارئ، نحن لا نرى أنهما تندرجان في إطار المنهجية العلمية بل في إطار "منهجية الإقناع". فكما هو معلوم تتخذ البحوث في العلوم الإنسانية مسارين اثنين : إما –كمسار استنتاجي- بناء نموذج نظري (أو فرضية) يحاول حل مشكلة ما و التحقق من صدقه بتحقيق أمبريقي، ثم في الأخير مناقشة صلاحية هذا النموذج[6]؛ وإما –كمسار استقرائي- الانطلاق من مشكلة و القيام بتحقيق أمبريقي لجمع المعطيات التي تتعلق بهذه المشكلة ثم في الأخير محاولة بناء نموذج نظري على أساس هذه المعطيات[7]. نحن نرى أن ما قدم سابقا لا ينطبق لا مع المسار الأول ولا مع المسار الثاني وبالتالي لا ينطبق عليه تسمية "فرضية" بل "أطروحة". هذه الأخيرة تنتمي إلى منهجية الإقناع التي تقضي بتقديم "أطروحة" في البدء يراد إقناع جمهور ما بها، ومن أجل ذلك تدعم بمجموعة من "الحجج" في صورة معطيات منتقاة بدقة[8]. وغير خاف أن ما سميناه حتى الآن "فرضية العلمنة" و" الفرضية الدينية" هما في الواقع " أطروحة العلمنة" و" الأطروحة الدينية".

جدول -1-: المنهجية العلمية و منهجية الإقناع

المنهجية العلمية

منهجية الإقناع

المسار الاستنتاجي

المسار الاستقرائي



1- أطروحة




2- تقديم حجج

(انتقاء معطيات)


1- المشكلة


2- بناء نموذج نظري


3- تحقيق أمبريقي


4- مناقشة النموذج النظري



1- المشكلة


2- تحقيق أمبريقي


3-  بناء نموذج نظري


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

5 . تحقيق من خلال الفتاوى

من أجل المساهمة في دراسة مشكلة التغير القيمي في الجزائر قمنا باتباع المسار الاستقرائي من المنهجية العلمية (أنظر الجدول-1-). لقد حللنا مجموعة من الأسئلة التي طرحت في ركن "فتاوى" في جريدة "الخبر" اليومية منأكتوبر 2003 إلى نوفمبر 2004(497 سؤالا) للتعرف على المواضيع التي حازت اهتمام المستفتين. لقد كانت طريقة تكوين فئات المواضيع استقرائية، أي تم وضعها تدريجيا كلما تقدمنا في تحليل الأسئلة إلى أن اتخذت شكلها النهائي. أما الهدف من هذا التحقيق فهو بناء نموذج نظري (أو مجموعة فرضيات) حول التغير القيمي في الأخير مع كل التحفظات التي نضعها حول هذا العمل مثل فترة جمع الفتاوى ومدى تمثيل الاتجاهات المستخرجة من التحقيق للاتجاهات الفعلية في المجتمع. و لكن هنا بالذات تتجلى خصائص الفرضية: أنها محاولة تفسيرية وأنها قابلة للتحقق البعدي.

يصنف الجدول-2- مواضيع أسئلة المستفتين:

  جدول-2-: توزيع مواضيع الأسئلة

مواضيع الأسئلة

التكرار

النسبة

   عقيدة

35

7

   شعائر

255

51,4

   أسرة

109

22

   اقتصاد

26

5,2

   غذاء و لباس

25

5

   وفاة

17

3,4

   متفرقات

30

6

المجموع

497

100


كما يبدو واضحا من الجدول، تحوز الشعائر النسبة الأكبر من اهتمام المستفتين (51,4%) تليها القضايا المتعلقة  بالأسرة (22%)، بينما تتراوح نسبة بقية المواضيع بين 3%و7 %.  لكن الاهتمام بالشعائر ليس متجانسا بل متفاوت من شعيرة دينية لأخرى. فكما نرى في الجدول-3- تحوز شعائر الطهارة والصلاة والصوم 87,6 %من اهتمام المستفتين بينما لا يحوز الحج والزكاة سوى 12,4 %.

جدول-3- : توزيع أسئلة الشعائر

الشعائر

التكرار

النسبة

   طهارة

30

11,8

   صلاة

53

20,8

   صوم

140

55

   زكاة

24

9,4

   حج

8

3

المجموع

255

100


هذه المعطيات تدفعنا للتساؤل ليس فقط عن الحياة الدينية للجزائريين، بل أيضا عن النظام التربوي الجزائري. ففي دراسة سابقة حول مضمون كتب التربية الإسلامية بالمرحلة الابتدائية (في نظام المدرسة الأساسية السابقة)[9] ، توصلنا إلى تشكيل الجدول التالي:

جدول-4-: توزيع مواضيع كتب التربية الإسلامية  في المدرسة الأساسية السابقة

المواضيع

التكرار

النسبة

المراجع

Bernard VALADE, « Changement social », in Raymond BOUDON (dir.), Traité de sociologie, PUF, Paris, 1992, pp. 313-349.

Belakhdar MEZOUAR, Religion et lien social en Algérie, Thèse, Département de sociologie, Université de Tlemcen, 2005, pp.16-20.

[1]Mohamed Brahim SALHI, « L’anthropologie et les sciences sociales en Algérie : éléments pour un débat », in Nouria BENGHABRIT-REMAOUN & Mustapha HADDAB (dirs.), Algérie 50 ans après : Etats des savoirs en sciences sociales et humaines 1954-2004, Actes de Symposium 2004, ed. CRASC, Oran, 2008, pp. 85-89. 

[1]Sossie ANDEZIAN, « Sciences sociales et religion en Algérie », Annuaire de l’Afrique du Nord, 1993,           pp. 381-395.

[1]Maurice ANGERS, Initiation pratique à la méthodologie des sciences humaines (1996), Casbah ed., Alger, 1997, pp. 102-103.

Raymond QUIVY & Luc Van CAMPENHOUD, Manuel de recherche en sciences sociales, Dunod, Paris, 1995.

[1]Anselm STRAUSS & Barney G. GLASER,The Discovery of Grounded Theory: Strategies for Qualitative Research, Aldine – Chicago & Weidenfeld and Nicholson – London, 1967.

[1]Jean-Louis DUMORTIER, Persuader : cours d’initiation à la rhétorique, ed. LABOR, Bruxelles, 1986, pp. 73-82

Sidi Mohammed MOHAMMEDI, «Le manuel scolaire en Algérie : identité et interculturalité », communication au Xème Congrès International de l’Association Internationale de Recherche Interculturelle. Alger-Palais des Nations, 2-6 Mai 2005.


[1]Bernard VALADE, « Changement social », in Raymond BOUDON (dir.), Traité de sociologie, PUF, Paris, 1992, pp. 313-349.

[2]Belakhdar MEZOUAR, Religion et lien social en Algérie, Thèse, Département de sociologie, Université de Tlemcen, 2005, pp.16-20.

[3]Mohamed Brahim SALHI, « L’anthropologie et les sciences sociales en Algérie : éléments pour un débat », in Nouria BENGHABRIT-REMAOUN & Mustapha HADDAB (dirs.), Algérie 50 ans après : Etats des savoirs en sciences sociales et humaines 1954-2004, Actes de Symposium 2004, ed. CRASC, Oran, 2008, pp. 85-89. 

[4]Sossie ANDEZIAN, « Sciences sociales et religion en Algérie », Annuaire de l’Afrique du Nord, 1993,           pp. 381-395.

[5]Maurice ANGERS, Initiation pratique à la méthodologie des sciences humaines (1996), Casbah ed., Alger, 1997, pp. 102-103.

[6]Raymond QUIVY & Luc Van CAMPENHOUD, Manuel de recherche en sciences sociales, Dunod, Paris, 1995.

[7]Anselm STRAUSS & Barney G. GLASER,The Discovery of Grounded Theory: Strategies for Qualitative Research, Aldine – Chicago & Weidenfeld and Nicholson – London, 1967.

[8]Jean-Louis DUMORTIER, Persuader : cours d’initiation à la rhétorique, ed. LABOR, Bruxelles, 1986, pp. 73-82

[9]Sidi Mohammed MOHAMMEDI, «Le manuel scolaire en Algérie : identité et interculturalité », communication au Xème Congrès International de l’Association Internationale de Recherche Interculturelle. Alger-Palais des Nations, 2-6 Mai 2005.

[10]Sidi Mohammed MOHAMMEDI, « De l’éducation familiale en Algérie », communication au Colloque national sur la famille et l’éducation, Alger, 28-29/06/2008.

1

Pour citer ce document

سيدي محمد محمدي, «تغير القيم في المجتمع الجزائري ؟»

[En ligne] العدد 08 ماي 2009N°08 Mai 2009 ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales
Papier : pp : 404 - 419,
Date Publication Sur Papier : 2009-01-01,
Date Pulication Electronique : 2012-05-03,
mis a jour le : 23/01/2014,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=387.