صورة فرنسا / الاستعمار في إلياذة الجزائر / مفدي زكرياء
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 03 نوفمبر 2005 N°03 Novembre 2005

صورة فرنسا / الاستعمار في إلياذة الجزائر / مفدي زكرياء
pp : 17 - 45

بعلي حفناوي
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

تمثل شعريات مفدى زكرياء في مجملها " ديوان الثورة الجزائرية " ، بواقعها الصريح وبطولاتها الأسطورية وأحداثها الصارخة ،لم ينشغل فيها بالفن والصناعة ، قدر انشغاله وعنايته بالتعبئة الثورية ، وتصوير وجه الجزائر الحقيقي بمقابل وجه فرنسا الاستعمارية الغاشمة ،صور الثورة ومجد الجزائر بريشة من عروق ونياط القلب ، غمسها في جراحات الوطن .

هذا الشاعر الذي تعيش الجزائر وثورتها في كل قصيدة من قصائده، يحس في قرارة نفسه أنه وشعبه مظلومان. كل كلمة يتفوه بها تشعرنا بكل ذلك.

 ولما اندلعت الثورة المباركة ارتمى في أحضانها، بكل إمكانياته الروحية والمادية، وأنشأ النشيد الوطني الرسمي " قسما " . اعتقل العديد من المرات بتهم تعددت أسماؤها وألوانها، ومن أعماق بربروس وسجن الحراش والبرواقية ، أرسل ملاحمه الثورية ، تتخطى الآفاق وتوقع خطوات ثوارنا الأبرار ، في أعالي جبال الجزائر الماردة العملاقة .

 إن لمفدى شعريات في السجن ، لا تقل روعة وعاطفة ووطنية عن غيره من القصائد التي ألقاها خارج أسوار بربروس والحراش . فالشاعر كان يستقبل المناضلين نزلاء بربروس ، بقصائد ملتهبة مرحبا ومهللا ومستبشرا خيرا بقدومهم، على أساس التصعيد الثوري ، فكان يرفع معنوياتهم ، ويسخر من السجان والجواسيس ، الذين تدسهم السلطة الاستعمارية وسط المناضلين . هذا التراث الذي كان من وحي السجون لا زال مجهولا، ولم يدون منه إلا القليل.

  واصل مفدى زكرياء شاعر الثورة بعد الاستقلال تخليد بطولات وأمجاد الثورة ، بقصائد افتخر بها الزمان، نبعت من صميم إيمانه بأمجاد الجزائر الماضية ، التي عاشها بروحه وأمجادها بين العشرينيات والسبعينيات من القرن العشرين ، التي عاشها بكل كيانه ، وكان له شرف التغني بها ، انطلاقا من الأناشيد الوطنية العشرةإلى رائعته " إلياذة الجزائر " .يكفيه فخرا أنه شاعر الثورة بدون منازع ، سبح بحمدها ، واكتوى بنارها ، وغمس قلمه في دمها ولهيبها المقدس ، فكان الصوت والصدى ، الضوء والظلال .

  كان لمفدى زكرياء فضل الريادة في الحلم بالثورة ، فارتفع إلى مستوى النبوءة ، ثم واكب مسيرتها المظفرة ، لينقل صورا نادرة من ملامحها البطولية . فكان مما كتب من قلب الثورة ، ومن صميم جو الثورات التي سبقتها منذ عشرات الأعوام . نشأ وترعرع شعر مفدى زكرياء متبنيا قضية الجزائر ، بكل مداها وعمقها بجميع دلالاتها وأبعادها ، فعاش تجربة الثورة متحسسا آلام وآمال الجماهير الشعبية الكادحة التي أوقدت لهيبها ، ورفعت مشعلها ، فصور ذلك كله بواقعية حية ، وإخلاص عميق ، مساهما في خدمة قضية الوطن الكبرى .

  الثورة - إذن هي الينبوع المتفجر في شعر مفدي زكرياء ، وهي قضيته الأساسية التي وقعت عليها حياته وفنه ، هو يتسم بالوضوح في مقاصده ومعانيه ، فقلما يلجأ إلى الرمز أو غيره من الوسائل الرمزية ، التي تضفي على القصيدة مسحة من الغموض .وفضل شاعر الثورة لا يوجد في صوتهالمتميز ، الذي صاحب ثورة المليون شهيد ، فكان لسانها الناطق فحسب ، بل أن فضله يكمن أيضا في حدسه الوطني ، الذي بشر بالثورة ودعا إليها ولمجابهة الاستبداد . يصرح بمعتقده بأسلوب قوي البنية ، خطابي النزعة تشحن فيه العبارة بالعواطف المضطرمة شحنا ، في وقت كان فيه الشعراء الآخرون ، يستخدمون الرمز والتعريض ، ويتحاشون الموضوعات التي تثير حساسية المستعمر ، الذي أشبه بالكلب البوليسي ، يشم رائحة الوطنية من بعيد ، وفي ظروف كان فيها قانون ( الاندجينا ) ، يحاسب الناس على الخاطرة والهمس .

  استطاع مفدي أن يقدم من خلال نشاطه الشعري والسياسي ، صورة مشرقة للمثقف الملتزم بقضايا أمته وشعبه. وأن يقدم شعره صورة حية للعلاقة الجدلية بين الآداب والأحداث . وشعره كذلك نموذج للأدب الرافض ، الذي لم يزده الاضطهاد إلا رفضا وتصلبا . إن الثورة عند مفدي زكرياء ، لم تكن وليدة غرة نوفمبر 1954 ، وإنما اعتنقها منذ العشرينيات من القرن الماضي ، أي منذ بداية وعيه السياسي ، وهو لم يتخط بعد حدود العقد الثاني من عمره .

  ونظرا لنشاطه النضالي المكثف ، والمعادي لسياسة فرنسا ، فقد أصبح هدفا لمطاردة الاستعمار ، متحديا قوة الحديد والنار ، كاشفا عن وعي سياسي مبكرا ، ونزعة ثورية صادقة . فكانت قصائده عبارة عن قذائف يقذف بها العدو ، فيزداد بركان الثورة لهيبا . خلال نصف قرن من العطاء الشعري المتواصل ، أي من 1925 إلى عام 1977 ، خلف لنا الشاعر وراءه أربع مجموعات شعرية مطبوعة هي :

- اللهب المقدس ، الصادر ضمن منشورات المكتب التجاري في بيروت ، في طبعته الأولى ، في نوفمبر 1961 .

-  تحت ظلال الزيتون ، وهو صادر عن دار النشر بتونس سنة 1965 .

-  من وحي الأطلس ، وهو صادر عن مطبعة الأنباء بالرباط سنة 1996 .

- إلياذة الجزائر ، ظهرت بالجزائر سنة 1973 ، ضمن منشورات وزارة التعليم الأصلي والشئون الدينية ، ثصدرت في جويلية 1987 في طبعة أنيقة عن المؤسسة الوطنية للكتاب ، مع تقديم للأستاذ مولود قاسم نايت بلقاسم .

صورة الخلود والمجد .. بين ملحمة مفدي وهوميروس وكزانتزاكي 

  إن الأشعار التي خلدت وبقيت متداولة بين الناس على مر العصور وعبر الحضارات الثقافية ، هي النصوص الشعرية التي خلدت مآثر الأمم والمجتمعات ، فمن إلياذة هوميروس إلى إلياذة فرجيل ، ومن الشاهنامة إلى البنكتتنترا إلى ملحمة اليونان لكازنتزاكي ، حيث نجد التاريخ حجر الزاوية في بنائها .

  يتقاطع الخطاب التاريخي والخطاب الشعري في أكثر من نقطة ، ولعل أهم نقطة تقاطع يلتقي عندها الخطابان ، هي اللغة. فكل من التاريخ والشعر خطاب لغوي بالأساس ، أي يستعمل اللغة كأداة توصيل ، إلا أن دلالة اللغة ووظيفتها تختلف من خطاب لآخر . فبنية اللغة الشعرية هي بنية مجازية استعارية ، وظيفتها إثارة الأحاسيس وتحريك الوجدان ، بل الإشارة إليه بصيغة غير مباشرة ، في حين أن بنية اللغة التاريخية، هي بنية حقيقية تقترب من اللغة العلمية، التي يصير فيها الدال واحدا، يحيل إلى مدلولها الوحيد ، ولا يتعداه إلى غيره ، ووظيفتها هي تبليغ معرفة إنسانية غابرة خاصة ومنتهية ، حيث الحدث فيها قد تم اكتماله منذ فترة ، وتحددت مساراته واتضحت قسماته ، ودلالتها هي دلالة تاريخية اجتماعية ، في حين أن دلالة اللغة الشعرية دلالة فنية .

   أما فيما يخص طبيعة الخطابين ، إن الشعر هو عبارة عن أشكال تعبيرية جمالية ، في تحول مطرد ولا تخضع لبنية قارة ، كما أنها لا تخضع لأي منطق وضعي غير منطقها الداخلي ، ولا تعتبر إلا بالرجوع إلى النصوص الشعرية السابقة عليها والمتزامنة ، فميزة هذه الأشكال أنها متجددة اطرادا، ولا تكرر الواحدة الأخرى إلا بغرض الاحتذاء أوالمعارضة، أو غيرها من الأسباب الثقافية والجمالية، فالقارئ لا يرى القصيدة إلا من خلال التراث الشعري ككل بوثباته وانكساراته .

   نقطة أخرى يتقاطع فيها الخطاب التاريخي مع الخطاب الشعري ، هي تداخل الحقلين واستفادة كل منهما من الآخر ، فعلم الأدب يعتمد على منهجية تاريخية ويستعير أدواته ومفاهيمه ، عندما يتحدث عن تاريخ الأشكال الأدبية ، وهنا يربط هذه الأشكال ويفسر قوانين الشعر؛القوانين التي تتحكم في المجتمع والثقافة والتاريخ .

  أما التاريخ فإنه من جهة أخرى يعتمد على الشعر ، أي ما قاله الشعراء في فترة معينة لإعادة تركيب الخطاب التاريخي ، واعتبار الشعر كأداة مساعدة على ذلك ، لأن الحقائق التي يعرضها الشعر سواء كان قاصدا إلى ذلك أو غير قاصد ، هي حقائق كلية لا يمكن للتاريخ أن يتنكر لها ، وفي ياب الأدوات العادية من وثائق ونقوش ونقود ، وآثار عمرانية فإن الشعر يمكن أن يكون أداة مساعدة ، لأنه أولا تاريخ الذهنيات السائدة يعكس ميولها وأذواقها ، ولأنه ثانيا يعكس وضعا اجتماعيا وتاريخيا معينا . فإلياذة الجزائر لمفدي زكرياء مثلا تاريخا للجزائر ، منذ فجر الإنسانية إلى  يوم الناس(1) . 

  يعد مفدي زكرياء المناضل الكبير ، والشاعر الملهم ، شاعر الكفاح الثوري المسلح ، صاحب الأناشيد الوطنية : من "جبالنا طلع صوت الأحرار"، و"فداء الجزائر روحي ومالي"، و"قسما"، وأناشيد وطنية أخرى مثل : أعصفي يارياح ، ونشيد الجيش الوطني ، ونشيد الطلبة واللهب المقدس . وفي ميدان الأناشيد الثورية حيث جل نبضات الشعب المكافح ، وهو يواجه قسوة المحتلين وبطشهم ، وظلت هذه الأناشيد خالدة ، تعيد إلى الذاكرة كل حين تاريخ البطولة والاستشهاد في سبيل الوطن .

  وأخيرا وضع نشيدا يجمع كل هذه الأناشيد ، ويشمل فيه وبه تاريخ الجزائر ، من أقدم عصورها حتى اليوم ، مركزا على مقاومتنا لمختلف الاحتلالات الأجنبية ، وعلى العهود الحضارية الزاهرة المتعاقبة ، وحاضرنا ومستقبلنا في كفاحنا ، لاستعادة جميع ثرواتنا ، ومقومات شخصيتنا وبناء مجد جديد لأمتنا . وهذا ما فعله وسمى نشيد الأناشيد هذا " ملحمة الجزائر " أو " إلياذة الجزائر " ، وقد وصلت نحو ألف بيت . وهناك جهود لترجمتها إلى بعض لغات العالم ، بعد أن قام الطاهر بوشوشي بترجمتها من قبل إلى اللغة الفرنسية .

  قام شاعرنا مفدي زكرياء بمفرده بما تعجز عنه الجماعات ، وبقي فريدا في " إلياذته " ، التي لم يأت بمثلها شاعر، في زمن كانت فيه أزمة الشعر خانقة في العالم كله .إن الشاعر مفدي زكرياء يقف في طليعة الشعراء العرب ، الذين مجدوا قوة الشعب ، وآمنوا بتاريخه ، واحتكموا إلى العقل الثوري ، لنسف قوة المستعمر .

  وشعره يتميز بإخلاصه لوطنيته ولثورة أول نوفمبر ، وأن صوته الشعري بحق ، يرادف الرصاص والمحراث ، يذكرنا كلما قرأنا نصوصه بالبطولات ، والفداء والشجاعة والأمل والاحتكام إلى كفاح الشعوب ، وقوة عزيمته واستمرار نشاطها النضالي ، لتحقيق الانتصار وزهق الباطل . وهذه المواصفات تبرز أن شعره يمثل تاريخ إنخراط الإنسان الجزائري في الثورة بقوة السلاح ، ليدافع عن شرف القرن العشرين .

   مفدي زكرياء يهلل للجزائر الجديدة ، للجزائر المعجزة وسيتجلى في ملامحها قطعة قدسية ، وقصيدة أزلية ، مطلعها غرة نوفمبر ، وينتشي لصدى اسمها في العالم، تحنو له الجبابر ركعا ساجدين، يتلقون بشائر مدلولها بالدماء والمدافع . ومفدي ذو قدرة في استعمال التعبيرات الفخمة كالقدسية ، والألوهية ، والأزلية ، والمنتهى ، ومعتصم بالقبة السماوية لا ينزل عنها ، ينثر منها الأوصاف على صوره الشعرية ، ويوزع القداسة على مرابعها الغالية . فالشاعر الذي أله الرشاشهناك يؤله الجزائر هنا ، ويرقى بحبها إلى درجة العبودية ووضعه إلى جانب حب الله .

  شاعر أنجبته الأرض الجزائرية ، فكان من أعظم شعراء الجزائر ، شاعر كافح وناضل بأدبه السياسي والشعري ضد المحتل ، لم يدخر جهدا من أجل إعلاء كلمة الحق ، ضد الطغاة المستعمرين آنذاك ، منذ أن انخرط في العمل السياسي ، وقدم الشاعر للثورة الجزائرية النفس والنفيس ، وهو كبقية الثوار الذين أدخلوا الرعب في صفوف الاستعمار الفرنسي ، وكان عمله الأدبي والشعري يقلق فرنسا آنذاك ، وسجنته خمس مرات ، رغم كل هذا واصل عمله حتى في السجن .

  نظم الشاعر في سجن بربروس قصائد عدة ، تتضمن الوصف الحي لما كان يتعرض له السجناء من تعذيب . ويضم ديوانه " اللهب المقدس " ثلاث عشرة قصيدة نظمها في السجن . ويشكل شعر السجن نسبة ملحوظة من الشعر الذي نظم خلال الثورة ، وهو يعكس حضور الشعراء الثوريينومساهمتهم في النضال ، مما عرضهم كسائر المناضلين لظلمات السجن وآلامه ، واستمروا ينظمون فيه شعر الصمود والتأمل الحزين .  (2)

   الشعر عند مفدي زكرياء نبع من روحه ونفسه ، وسجل حافل لمراحل حياته النضالية التي هي من حياة الجزائر . أسهم في إذكاء نار الثورة على المستعمرين . وهو لا يثق كثيرا بلغة الكلام في عملية الهجوم على واقع الجزائر المر ، ويجد لغة القنابل أفصح لهجة من أحرف الوثائق والمعاهدات .

   فكابد من جراء ذلك ألوانا من الآلام ، كان يعبئ النفوس بالحماسة . ويوم اندلعت الثورة سماها "ليلة القدر الكبرى" ، لأنه وجد فيها بداية تفتحات الخير ، وإشراق النعم على شعب الجزائر . فإذا كان " فلادمير مايكوفسكي " شاعر الثورة الروسية ، و " ارنستو كاردينال " شاعر الحركات التحررية في أمريكا اللاتينية ، فإن مفدي زكرياء يعد بجدارة شاعر الثورة الجزائرية ، ومدون أحداثها وراسم أناشيدها الرسمية . إن ألفية تشغل الورى ، وتملأ الدنيا بشعر يرتل كالصلاة تسابيحه من حنايا الجزائر ، لجديرة حقا أن تكون فاتحة ديوان شعر الثورة الجزائرية . مثلما كانت في العصر الحديث ملحمة اليونان الجديدة ، التي نظمها الشاعر الروائي المعاصر " نيكوس كزانتزاكي " ، الذي أراد أن يمزق رتاج الصمت المطنب ، فكتب ملحمة جاءت متطورة طبعا عن الملحمة الهوميرية ، رغم أنها امتداد لها ، وذلك لأن نيكوس قد استفاد من الحضارة والمذاهب والأشكال ، وقل من الموضوعات المطروحة في زماننا . فكانت بالنسبة للشكل تتألف من ثلاثة وثلاثين ألف بيت شعري على غرار الملاحم الأولى ، كما اتخذت محورا لها بطولات وأمجاد الأمة اليونانية ، ولكن نلاحظ فيها الاعتقاد الوثني لليونان زائداالأساطير المتنوعة والمختلفة ، فضلا عن الموروث الفلسفي الضخم جدا . والشيء الجديد عند كزانتزاكي يتمثل في قضيتين جوهريتين على خلاف إلياذة مفدي زكرياء :

- الأولى الطول الفاحش جدا ، حيث تبلغ ثلاثة وثلاثين ألف بيت شعري ، وهو رقم خيالي جدا ، إن لم نقل ينعدم معه الذوق الشعري .

- الثانية هي الابتعاد عن الخرافات ، ولا نقول عن الأساطير والاعتقادات .

وهذا الشرط الأول هو الذي نفر شعراء العربية وتركهم يهابون الملاحم ، لأن الإنسان لا يمتلك نفسا يتسع لهذا العدد ، إلا إذا تصنع لدرجة كبيرة جدا . ولنا في ألفية ابن مالك في النحو ، وابن عاشر في الفقه وغيرهما مثلا على التصنع والصناعة الشعرية المقيتة ، فما بالنا بثلاثين ألف بيت .

   وهذا الطول المتصل بالعمق الكبير جدا قد تخل به الذهنية العربية ، إلا على رجال مهمين جدا كالمتنبي وأبي تمام ومفدي زكرياء ، ولكم يتمنى المرء لو كان للمتنبي اهتمام بالوطن والأمة ، كاهتمامه بالحكم والإمارة وقيادة الجيوش ، لأبدع ملاحم فيعظمة هوميروس . أما مفدي فهو ابن حفيد للبطولات والأمجاد الوطنية ، رضع حب الوطن مع حليب أمه الممزوج بدم الشهداء ، المدافعين عن حرمة هذه الأرض الحبيبة ، وعجن دمه ولحمه بحرمة الوطن وحب ربوعه الغناءة. (3)

  ولعل أخصب فترة شعرية عاشها مفدي زكرياء ، هي فترة الثورة التحريرية الكبرى ، التي تهذبت فيها قريحته واتقدت ، وهي التي ألهمته كتابة أعظم وأجمل الأناشيد الوطنية والقصائد الخالدة . وثورة التحرير نفسها كانت سببا رئيسيا في وجود هذه الروائع الكثيرة ، التي استلهمت الحرية ، الوطن ، الشهيد ، الرصاص ، الجبل ، الدم الزكي ، وغيرها من المصطلحات المستعملة في قاموس مفدي زكرياء الشعري .

   وقد لا نجد إرهاصا لثورة في العالم كهذا النشيد العظيم ، الذي بشر بحرب تتخذ من الجبال درعا حاميا لها ، تنطلق منها حرب العصابات الخطيرة ، وهذا دليل ثان على الأبوة الروحية لمفدي تجاه ثورة التحرير . وما يهمنا أكثر من غيره هو أن مفدي ، لا يحب العمل السياسي قد محبته للعمل البطولي ، أي الرصاص ، ويمكن أن نستقرئ ذلك من خلال تلك النصوص الموجودة في اللهب المقدس أو الإلياذة . فالرصاص عنده هو الوسيلة ، التي تكون منهية للاستعمار الذي يستعمل نفس الكلام ، أي الرصاص .

   الإلياذة مقسمة إلى مئة مقطوعة شعرية ، في كل مقطوعة عشرة أبيات بالتساوي ، وكل عشرة أبيات لوحة تاريخية أو موقف بطولي جد مركز ، تتخلل ذلك لازمة تكرر مائة مرة ، وكأنها حديث الراوي أو الحاكي القاص :

            شغلنا الورى وملأنا الدنا

            بشعر نرتله كالصلاة  

            تسابيحه من حنايا الجزائر

  وهذه اللازمة تشبه الأنشودة في المسرح الشعري ، إلا إنها لا تتغير ، وتتكرر نفسها ، وهي بهذا تمنح الإلياذة جمالا سحريا ، وتبعد عنها الملل والسقم من المتابعة الطويلة، زد على ذلك تنوع القوافي ، واختلاف العواطف من حادثة لأخرى ، من القوة إلى الفتور ومن العنف إلى اللين ، ومن الحب إلى الكراهية وهكذا . وتتميز ملحمة الجزائر " الإلياذة " عن غيرها من الملاحم بجملة من الخاصيات :

-  الابتعاد عن الأساطير والخرافات والالتصاق بالواقع حسب الحوادث التاريخية ، وهذا ما يعطي الملحمة بعدها العربي الجزائري المتميز عن الأبعاد والمقاصد الأخرى ، ومن هنا يكون مفدي قد ساهم في تدشين فن ملحمي ، يمتاز بهذه الخاصية .

-  النفس الشعري القوي ، وهو ما أشرنا إليه عند الحديث عن المتنبي ، لأن الشاعر كائنا ما كان له نفس محدود ، فقد يكتب في شكل ويعجز في الأشكال الأخرى .

- التمثل الجديد والبارع لتاريخ الجزائر ، والإلياذة نفسها عبارة عن لوحات تاريخية مرسومة بالكلمات المعبرة عن هذه المشاهد البطولية .

ليس من السهل أن يهضم الواحد منا تاريخ أمة ، بطولات وأمجاد ومناقب وثقافة وحب وخيانة ، وكل ما يتصل بهذه لأمة ، بل هناك خطورة الأمانة التاريخية ، فلذلك يعمد الشاعر إلى قراءة عشرات الكتب حول الظاهرة الواحدة أو الحادثة الواحدة .

-   قوة الإبداع الشعري ، فهو يمتلك قوة فارعة في هذا التدفق العاطفي العظيم ، وقد لا نحس بإجلال الكلمة وصخب الصوت الخفي، القادم من أعماق النفس المتأججة بعواطف متنوعة، هذا النبل كان يشتره المتنبي عظمة وقوة ، وفي أوروبا اقترن باسم شكسبير في " هملت " ، و " تاجر البندقية " و " مكبث " ، وغيرها من الأعمال . إذ

المصادر والمراجع والهوامش

1 حسين خمري : الظاهرة الشعرية العربية ، الحضور والغياب ، منشورات اتحاد الكتاب العرب ، دمشق 2001 ، ص : 84 ، 85

2 بلقاسم بن عبد الله : مفدي زكرياء ، شاعر مجد ثورة ، المؤسسة الوطنية للكتاب ، الجزائر 1990 ، ص : 83

3 بلحيا الطاهر : التجربة الملحمية في إلياذة الجزائر لمفدي زكرياء ، مجلة الثقافة ، الجزائر ، العدد 104 ، أكتوبر 1994 ، ص : 212

4 المرجع السابق ، ص : 226

5 يحي الشيخ صالح : شعر الثورة عند مفدي زكرياء ، دار البعث ، قسنطينة ، الجزائر 1987 ، ص : 209

6 حسين خمري ، مرجع سابق ، ص : 92

7 مفدي زكرياء : إلياذة الجزائر ، المعهد التربوي الوطني ، الجزائر ، ص : 19

8 المصدر السابق ، ص : 27

9 صالح خرفي : الشعر الجزائري الحديث ، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع ، الجزائر ، ص : 254

10 مفدي زكرياء : إلياذة الجزائر ، مصدر سابق ، ص : 86

11 المصدر السابق ، ص : 22

12 المصدر السابق ، ص : 29

13 المصدر السابق ، ص : 54

14 حسين خمري ، مرجع سابق ، ص : 112

15 مفدي زكرياء: اللهب المقدس، المؤسسة الوطنية للكتاب،الجزائر ، ط 2 1992،ص : 12

16 المصدر السابق ، ص : 48

17 المصدر السابق ، ص : 44

18 المصدر السابق ، ص : 201

19 المصدر السابق ، ص : 201

20 المصدر السابق ، ص : 133

21 يحي الشيخ صالح  ، مرجع سابق ، ص : 109

22 مفدي زكرياء : اللهب المقدس ، مصدر سابق ، ص : 20

23 المصدر السابق ، ص : 21

24 المصدر السابق ، ص : 157

25 المصدر السابق ، ص : 28

26 المصدر السابق ، ص : 47

27 المصدر السابق ، ص : 156

Pour citer ce document

بعلي حفناوي, «صورة فرنسا / الاستعمار في إلياذة الجزائر / مفدي زكرياء»

[En ligne] العدد 03 نوفمبر 2005N°03 Novembre 2005 ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales
Papier : pp : 17 - 45,
Date Publication Sur Papier : 2005-11-01,
Date Pulication Electronique : 2012-05-05,
mis a jour le : 11/02/2014,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=402.