جدلية الحبر والشهادة في التجربة الشعرية العربية الحديثة ثورة التحرير الجزائرية نموذجا
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
08
09
10
11
12
13
14
15

العدد 03 نوفمبر 2005 N°03 Novembre 2005

جدلية الحبر والشهادة في التجربة الشعرية العربية الحديثة ثورة التحرير الجزائرية نموذجا
pp : 153 - 164

باديس فوغالي
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

إن للكلمة الصادقة المعبرة عن المشاعر الإنسانية في أبعادها الاجتماعية والوطنية سحرانفاذايهز الأفئدة و القلوب، كما يصيب تأثيره العقول.

ولأن الكلمة عرفت منذ الأزل كيف تفرق، وكيف توحد بين الجماعات والأفراد، ولأنها كذلك كانت أداة اللسان البشري منذ آدم عبر الحقب والأجيال إلى يوم الناس هذا، فإنها وبلا شك مازالت تحظى بالمكانة التي أهلتها ومنحتها وظيفتها منذ بدء الخليقة.

لقد جاء في الإنجيل، في "سفر التكوين" : (في البدء كانت الكلمة). وافتـتِح بها الخالق القرآن الكريم، فتصدرت أول آية من محكم التنزيل في قوله تعالى : {اقرأ باسم ربك الذي خلق}.

والقراءة في سياق الآية هي اللفظة أداءً صوتيا، وفهما دلاليا، ووظيفة اجتماعية.

فللكلمة إذن أهمية كبرى تتجلى في أثرها وتأثيرها في النفوس والعقول، ولعل المادة اللغوية، أو الجدر اللغوي للفظة "الكلمة" هو "الكلم"، والكلم في العربية هو الجرح ما يؤكد هذه الحقيقة.

 يقول الشاعر العربي في مشهد صيد، وفي سياق حديث ممجد للكرم العربي :

فيا بشره إذ جرها نحو أهله       ويا بشرهم لما رأوا كلمها يدمى

فـ "كلمها" في البيت هو جرح البقرة الوحشية التي أصابها سهم من سهام القناص العربي كما يروي الحطيئة.

فالمعنى الذي أعنيه من وراء توظيف هذه الحادثة المصوغة شعرا هو السياق والدلالة التي تكتسيها لفظة "الكلمة"، فإذا كان الجرح يحدث الألم في العضو أو البدن، فإن الكلمة تحدث الأثر في النفس والوجدان إيجابا أو سلبا.

ولقد كان الإنسان الأول يؤخذ أيما أخذ للكلمة المؤثرة، ولوقعها المتميز ولذلك ألفينا المجتمع البشري الأول يستسلم للكهنة، ورجال الدين، لأنهم يتقنون فن الكلم، بل وجدنا أن بعض الآراء تذهب إلى أن البدايات الأولى للشعر العربي القديم طلعت من أحضان الدين، وممارسة طقوسه وشعائره في شكل ابتهالات تعبدية.

 ذكر بعضها أبو العلاء المعري (449 هـ - 1059م) في رسالة الغفران، وقد قسمها إلى أنواع ثلاثة -حسب الوزن طبعا- المسجوع الذي لا وزن له، والمنهوك، والمشطور.

فالمسجوع كقولهم :

                                          لبيك ربنا لبيك         والخير كله بيديك

والمنهوك كقولهم :

    لبيك إن الحمد لك        والملك لا شريك لك

إلا شريك هو لك         تملكه وما ملك

أبو بنات بفدك.

و "فدك" يومئذ مكان كانت فيه أصنام تعبد.

والمشطور كقولهم :

لبيك مع كل قـبيل لبـوك      همدان أبـناء الملوك تدعوك

قد تركوا أصنامهم وانتابوك      فاسمع دعاء في جميع الأملوك  "1"1

ولقد كانت هذه التلبيات المرددة عند أقدام الأصنام تنشد إنشادا مشوبا بالرهبة والتقديس. كما كانت ظاهرة الإنشاد مطلوبة في مواقع الحرب،وظروف الحزن والفرح وكذا الأعمال الجماعية كالزرع،والحصاد،وغير ذلك.والظاهرة مازالت حية تمارس بحب وحيوية في مزارع قرانا ومداشرنا،فيما يسمى بـ"التويزة" إلى يوم الناس هذا.

 كما كانت تنشد عند الأمم القديمة كالمصريين -مثلا- هذه الأناشيد ذات الطابع الديني والشعائر الممارسة آنذاك في مختلف الأعمال كالحصاد والجني وغير ذلك.

 أما اليونان فقد استهل شاعرهم العظيم "هوميروس" إلياذته في تمجيد مآثر وانتصارات أسلافه بمخاطبة ربة الشعر والقريحة لتسعفه على قوة الأداء الشعري، وإبداع ملحمته الخالدة في قوله:

        ربة الشعر عن أخيل بن فيلا     أنشدينا، واروي احتداما وبيلا

ولقد كان للكلمة الشعرية في الحرب الدائرة بين المسلمين والمشركين دور ريادي نافس حرب المواجهة والسيف،بل قد تكون الكلمة أحيانا أشد وقعا من السيف نفسه.

مما حدا بالرسول -صلى الله عليه وسلم- دعوة شاعره حسان بن ثابت إلى الرد على المشركين بقوله : "اهجهم، فوالله لهجاؤك عليهم أشد من وقع السهام في غلس الظلام

أهجهم ومعك جبريل روح القدس، والق أبا بكر يعلمك تلك الهنات.  »"2 "   

وفي عصرنا الحالي عرفت الكلمة الشعرية ممثلة في القصيدة الوطنية، وفي الأغنية المنوهة بالقيم الثورية، وإثراء الحس الوطني المرهف مسارا طويلا وعميقا أصاب الوجدان المرتبط بالأرض والقضية.

فثورتنا التحريرية المظفرة ساندتها الكلمة الشعرية في قوة تأثيرها، وفي وهجها المتدفق منذ البداية,فكانت بمثابة الإكسير؟  السنوات في أوقات الحرب والسلم وغدت أناشيد وطنية تهتف بها الأجيال في كل مناسبة تدعو إلى الاعتزاز والفخر.

 وإذا كانت ثورة التحرير قد واكبتها حركة أدبية ثائرة ومقاومة,فإن حظ القصيدة فيها كان أوفر من غيرها من الأشكال والأجناس الأدبية الأخرى, وذلك لجملة عوامل ألخصها فيما يأتي:

1 ـ طبيعة المناخ الاجتماعي والاقتصادي وكذا السياسي الذي عاش أواره المثقف الجزائري بكيانه,ووجدانه,وتحسس وطأته بوعي عميق استلهم به مدى معاناة شعبه طيلة عقود من الزمن  وتفهم مدى حاجته القصوى إلى الانعتاق والتحرر.

2 ـ سهولة تداول القصيدة,وسرعة انتشارها في أوساط الثوار,والعمق الجماهيري المتجاوب معها بعيدا عن الرقابة الصارمة التي كان يطبقها الاستذمار على كل ما يمت بصلة إلى إذكاء الروح الوطنية والجهادية, إلى جانب أنها كانت ولازالت (خير معبر عن لحظات الانفعال والحماسة التي تصاحب عادة مقاومة الشعوب للمستعمرين والغزاة) "3."

 ضف إلى هذا أن جل الشعراء الجزائريين الذين مجدوا الثورة كانوا من المناضلين الأوفياء للتيار السياسي الداعي إلى ضرورة الانتفاضة ضد المستذمر وافتكاك الحرية بقوة السلاح "4", وهو السبب الذي جعل أشعارهم تكتسي طابع الصدق في القول والفعل ,لأن تجربتهم الشعرية صيغت من صميم المآسي التي عاشها الشعب الجزائري , وقولبها النضال والصمود على مر السنين.

إن مشاركتهم في العمل المسلح بالبندقية,أو القلم ,أو بهما معا اصطبغت بالإحساس الثوري العميق الذي وجد طريقه إلى نفوس الأحرار من الثوار والوطنيين المخلصين,فغدت قصائدهم سجلا فاخرا لكل المواقف الوطنية النبيلة, وصورة انعكاسية ناطقة بالتفاعل الوشيجي مع كل فعل يعبر عن وجدان الشعب, ويغمره بالتفاؤل لغد لاعسف فيه ولاجور

ومن تلك الصور التي تزخر بها تجربة شعر الثورة الجزائرية هذا المقطع المقتطع من قصيدة بعنوان "مصرع خائن" للشاعر " لعبد السلام حبيب"يشخص فيها المشهد البطولي الذي أخرجه الفدائي الرمز" محمد بن الصادق" حين أقدم على محو الخائن " علي شكال" وهو بجوار رئيس الجمهورية الفرنسية " كوتي" في ملعب من ملاعب باريس مصورا فيها الحماس الجماهيري الفياض الذي ملأ قلوب الجزائريين,وغدا نشيدا يتغنى به كل من امتلأ قلبه كرها للخائنين في كل الأزمنة.يقول فيه:

خذها , ودمدم من مسدسه رصاص

خذها, فقد حان القصاص

الويل لك

يا خائن الشعب الجريح

لن أستريح

حتى تموت سأقتلك

باسم الوطن

باسم الجراح الراعفة

باسم الجموع الزاحفة

باسم الجزائر والنضال

خذها رصاصة ثائر

حر الظمير جزائري.."5"

إن هذا الموقف البطولي الذي وقعه البطل "محمد بن الصادق" قد ألهم كذلك الشاعر " الربيع بوشامة" فنظم قصيدة عمودية طويلة بعنوان" جزاء الخياتة"  مسجلا ارتياحه للمصير الذي آل إليه الخائن,ومنوها بالفعل البطولي الناذر الذي صدرعن الابن البار" محمد بن الصادق" في انبهار وإعجاب .

نقتطع منها هذا المقطع الذي يقول فيه:

سر (بشكال)إلى نار الجحيم       إنه احقر خوان أثيم

عاش للأعداء عبدا خادما          وعلى الأوطان شيطان رجيم

طلقة واحدة أودت به              وهو بين الصحب والجند الحزيم

ورمت جثته فوق الثرى           جيفة أسفل من كل ذميم

ياابن صدوق جزاك الله عن       موقف اروع مشهود وسيم

سقت فيه الموت والخزي إلى     خائن بالقرب من (كوتي) الزعيم "6"

 كما نلفي الشاعر " أبا القاسم سعد الله " يرنو إلى آفاق التضحية بشغف كبير تأكيدا على عزمه اقتحام ساحة الوغى,ورفضه أشكال الظلم التي يتعرض لها شعبه باستمرار,غير مبال,ولامتردد يقول في مقطع مقتطع من قصيدة حرة طويلة:

يا رفيقي

لا تلمني عن مروقي

فقد اخترت طريقي

وطريقي كالحياة

شائك الأهداف مجهول السمات

عاصف التيار وحشي النضال

صاخب الأنات عربيد الخيال

كل ما فيه جراحات تسيل

وظلام وشكاوى ووحول

تتراءى كطيوف

من حتوف       "6" "7"

أما "محمد الصالح باوية" فقد راح يخاطب رفاقه وقد هز كيانه لفح الثورة، وأحدث القيد بقدميه رنين القداسة، ، قداسة تلهج بجنون الثأر، أن لا تخاذل حتى آخر قطرة، وآخر زفرة، وآخر شبر يحرر رغم همجية الجلاد, عاقدا العزم على اقتطاع الحرية بكل بسالة,مؤمنا بالنصر المبين.

يقول في هذه المقطعة :

قهقه القيد برجـــــلي يا رفاقي     حدقوا فالثأر يجتر ضلوعي

يا جنون الثورة الحمراء يجتر كيانـــــي، ومغارات  ربوعي

أقسمت أمي بقيدي، بجروحي سوف لا تمسح من عيني دموعي

أقسمت أن ترضع النصر، وأختي في ضفاف الموت في عنف اللهيب

                     هذه أوراس أحلام تقال

                    وأنا الإعصار في عيد الطغاة  "8"


وفي نبرة حماسية فياضة يطالعنا شاعر الثورة المميز، مفدي زكريا، من عمق إحدى زنزانات سجن "البرواقية"  العتيق بصوته لاهجا بالجزائر كونا مشمخرا في الشموخ والكبرياء، يتوزع شذرات من الغضب الساطع، الغضب الثوري الهائج، على رؤوس الجبال الناطحات شرقا وغربا، من أعالي "جرجرة" إلى أقاصي "تلمسان"، تراتيل للمكان، مكان يختصر الزمان، وينهض بإرادة الرب، وعزيمة عباده، وقد تمازج المدفع بالبيان وظيفة وآداء.

يقول الشاعر في هذا الفحوى:

                 ولعــــلع،من "شلعلع" ذو بيان     فأنطق فوق جرجرة الـــجعاب

                 وشبت من ذرى "وهران" نار     رآها "بــــرج مدين" فاستجابا

                         وقال الله: كن يا شـعب حربا        على مـن ظل لا يرعى جناب

                 وقال الشعب كن يا رب عونا       على من بات لا يخشى عقابا

                 فكان ما كان من شعب ورب     قرار أحــــدث العجب العجابا " "9"


في السياق ذاته نلفي الشاعر "محمد العيد آل خليفة" ، قد أغرم بالوطن,وتفانى في التعلق به ساهما في إذكاء الروح الوطنية قبل اندلاع ثورة التحرير الكبرى فصاغه أنشودة عذبة السماع صارت مع مر الزمان نشيدا وطنيا يشدو بها الكبار والصغار من أبناء الجزائر الذين تشبعوا بأنفاس الثورة والوطن يقول فيها:

                 يا بلادي، يا بلادي       أنا لا أهوى سواك

                قد سلا الدنيا فؤادي      وتــــفانى في هواك "10"

ولأن الالتزام في قصيدة المقاومة ظل ومازال محك كثير من التجارب الشعرية المنصهرة مع القضايا العربية في أبعادها القومية والوطنية نلفي بعض الشعراء العرب قد امتزجت مشاعرهم بمشاعر إخوانهم الجزائريين في تحسس المحنة، فانطلقت ألسنتهم في ربوع الوطن العربي الكبير، مواسية، ومعظمة، ومنبهرة بصمود الشعب الجزائري الأبي ونضاله المستميت لاسترداد مجده الضائع، وتاريخه المفقود، وحريته المسلوبة.

فتغنى الشاعر السوري "سليمان العيسى" الذي اكتوى بلفح الثورة، وتابع تفاصيلها مشهدا، مشهدا، هناك من بلاد الشام "سورية".

 يقول وقد سحرته تضحيات الشعب الجزائري على بعد آلاف الكيلومترات، متأسفا عن تواجده خارج بؤرة الثورة، ومسرح الثوار:

           روعة الجرح فوق ما يحمل اللفـ     ظ، ويقوى عليه إعصار شاعر

           ما عساني أقول؟ والشاعر الرشـ     اش، والمدفع الخــــطيب الهادر

          ما عساني أقول؟ والنـــــار لم تلـ     فح جبيــــني هناك، والثأر دائر

          ألف عذر يا ساحــــة المجد يا أر     ضي التي لم أضمها، يا جزائر     "11"

أما الشاعر الفلسطيني "محمود درويش " فيتفاعل مع الهم الجزائري تفاعلا عميقا يتقاطع فيه الهم الفلسطيني مع هموم الثوار الجزائريين مبرزا مدى قوة واستمرارية الثورة الجزائرية التي لا تعرف الهوادة والخمول على الرغم من الهمجية التي يتصف بها الطغاة المحتلين, متخذا من الثورة الجزائرية رمزا للكفاح في أبهى صورة تقديسية, إذ يقول:

بيتي على الأوراس كان مباحا

يستصرخ الدنيا مساء صباحا

إلى أن يقول:

فالوحش يقتل ثائرا

والأرض تنبت ألف ثائر

أوراس يا " أولبنا" العربي

يارب المآثر

إنا صنعنا الأنبياء على سفوحك

والمصائر

أوراس !ياخبزي وديني

ياعبادة كل ثائر                 "12"

ولأن الثورة الجزائرية تفجرت عظيمة في قوتها وصمود شعبها الذي لم يرضخ لنير الاستذمار على مر عقود طويلة من الزمن صارت مثلا يحتدى به لكل أشكال الصمود والتحدي ,الأمر الذي جعلها محركا للوجدان العربي , ومحفزا للشعوب التائقة للحرية والانعتاق.

يقول الشاعر" راشد حسين" :

سنفهم الصخر إن لم يفهم البشر     إن الشعوب إذا هبت ستنتصر

دم الجزائر صدر الفجر كعبته        وناره فوق صدر البغي تستعر "13"

كما يضمن الأسباب التي دفعت الثوار إلى حمل السلاح والتضحية بالغالي والنفيس الشاعر

 " حنا أبوحنا" في قصيدة طويلة عنوانها " رسالة من مناضل جزائري إلى ولده ,يلهب فيها المشاعر مستلهما إقدامه على الكفاح مما يعانيه شعبه ,مؤثرا الشهادة لأجل أن يعيش ابنه في ظل الحرية والحياة الكريمة.فيقول:

ولدي !لأجلك قد حملت سلاحي      ولأجل رغدك ثورتي وكفاحي

فلأجل تحرير الجزائر ثورتي       ولأجل رغدك وثبتي وكفاحي  "14"

ومن العراق تبرق فكرة الشاعر "جواد البدري" عام 1958، وقد قطعت الثورة الجزائرية مشوارا عظيما من البطولات، وتضحيات ابنائها الصامدين، أهداها لجميلة الجميلات الجزائريات "بوحيرد" فكرة إنسانية لا تموت بموت الإنسان، ولا تنتهي بتنفيد حكم الإعدام فيه،  لكنها تخلد، تحيا باستمرار، وتتجدد كلما شابهت الفكرة‘ الفكرةَ.

يقول في بعضها، وهي قصيدة طويلة مجزأة، أو مقسمة إلى سبعة أقسام -أزعم- إنها إحالة رمزية أو إشارية إلى سنوات الثورة التحريرية المسلحة:

اقتلوني أنا فكرة

في العقول النيرة

في النفوس الخيرة

في دموع الكادحين

في قلوب الطيبين

عبر آلاف السنين

أنا فكرة               "15"

ويختمها بهذا المقطع المضمخ بندى الصباحات القادمةو المفعمة بالأمل والإنشراح، وبمواصلة درب طويل عميق، في قراره يتراءى بريق الكفاح يقول فيه:

       أنا شعلة

       تملأ الكون ضياء كالصباح

       يهتدي في نورها السائرون

       في درب الكفاح

       تخرق الجدران والأسوار في عزم وثورة "16"

إلى جانب الشعر الفصيح، أسهم الشعر الشعبي الجزائري بالتغني بتمجيد الثورة، وغرس القيم الوطنية في نفوس الشعب كما عمل على تعميق الوعي السياسي بأهمية الكفاح المسلح، والتنويه بالبطولات والتضحيات الجسام.

والواقع أن الشعر الشعبي، أو الشعر الملحون أقرب إلى وجدان عامة الناس ودمائهم من الشعر الفصيح، فهو علاوة على أنه ينتظم في إيقاع غنائي خفيف يعبر بعفوية تامة عن الانتصارات والانكسارات، وهموم وأفراح الإنسان الجزائري كما أن أهميته، ولا شك تتجلى أكثر في حفاظه على الذاكرة الشعبية الجزائرية، فهو حسب تصوري خير لسان معبر عن مختلف المراحل التي قطعها الشعب في كفاحه المتواصل.

والذاكرة الجماعية حافلة بنماذج كثيرة من هذا الشكل الشعري، الذي لا يقل أهمية عن الشعر المدرسي الفصيح، غير أنني أكتفي بنموذجين فحسب.

الأول للشاعر "كرومي أحمد" من العبادلة، الذي ولع بثورة ،54 التي أعادت الترتيبات الشعبية إلى طبيعتها، وخلقت في النفوس الخائرة العزائم والهمم إذ يقول:

       في 54 في العدو طرطقنا لعمارة

       طلعت أولاد بلادنا شدت ليه الكيفان

       عاونهم يا ربي تزيد ليهم  في الهمة والشام

       يوم أول نوفمبر ذا تاريخ الغزارة

       جيش التحرير أسسنا باش يدق العديان  "17"

والثاني للشاعر "الساسي بن ابراهيم حمادي" من الواد، الذي يمجد بدوره مآثر نوفمبر، حيث أخرج الشعب من ظلمة القهر إلى نور الحرية، بما بذله من غال ونفيس لاسترداد ما سلب منه بقوة الرشاش، يقول في مطولة نقتطع منها ما يأتي:

       فاتح نوفمبر اختيار، ليل فجر أنهار

       دكوا العدو وسط الأسوار

       استعمار فرغت أيامه

       أسكنا لجبال وسط الأوعار

       كل الصحاري هقار تندوف والغار

       من الواد لحدود بشار قامت عليه القيامة  "18"

وهكذا ألفينا الثورة الجزائرية المباركة، قد واكبتها حركة شعرية نابضة بالصدق ,متجاوبة مع طموح الجماهير العربية داخل وخارج حدود الوطن مدتها برحيق الحماسة، وشجو الإقبال على الشهادة، مشكلة مع الحركة الثورية للشعوب الراضخة تحت جبروت الظلم معادلة تقاطبية متكاملة في جدلية متناغمة هي جدلية الحبر والشهادة.

-1أبو العلاء المعري. رسالة الغفران. ط6 ص534-537.

"2" ـ ابن رشيق القيرواني. العمدة في محاسن الشعر والنثر ج1  ص31.

"   ـ غالي شكري / أدب المقاومة ..دار المعارف بصر 1970 ط1. ص 342.

"4" ـ أذكر بعضهم على سبيل التمثيل : مفدي زكريا , أحمد الطيب معاش , مالك حداد, صالح خرفي , أبا القاسم عبد الله , 

       والأخضر السائحي ..وغيرهم كثر.

" ـ الحادثة والنص مذكوران في " دراسات في الأدب الجزائري الحديث " لأبي القاسم سعد الله. الصادر عن الدار التونسية للكتاب 1985. ص 46.47.

"6" الربيع بوشامة /ديوان الشهيد الربيع بوشامة .جمع وتقديم جمال قنان. منشورات المتحف الوطني للمجاهد.(م.و.ن.إ).الجزائر.1994.ص 229.

" ـ  أبو القاسم سعد الله/ ديوان ثائر وحب .دار الآداب.بيروت.ط1.1976.ص 11.

"8"ـ محمد الصالح باوية/ أغنيات نضالية.( ش.و.ن.ت) الجزائر.1983.ص 32.

"9"ـ مفدي زكريا / اللهب المقدس.(ش.و.ن.ت) .الجزائر.1983.ص 32.  

ـ المقطع مأخود من مجلة الشهاب , اورده" محمد العربي الزبيري" في كتابه " المثقفون الجزائريون والثورة" بدون طبعة .ص 49.

"11" ـ المختار في الأدب والقراءة. الثالثة ثانوي.المعهد الوطني للمطبوعات المدرسية. الجزائر. ص 183.

ـ المقطوعة مأخودة من قصيدة أوردها غسان كنفاني في آثاره الكاملة. المجلد الرابع.الصادر عن دار الطليعة للطباعة والنشر .ط1.1977.ص 288 ـ 289.

"13" ـ المرجع نفسه .ص 293.

"14" ـ نفسه .ص 293 ـ 294.

" ـ النص مأخوذ من كتاب " الثورة الجزائرية في الشعر العراقي" لعثمان سعدي .الصادر عن '( م.و.ك) ط2. الجزائر .ص281.

"16" ـ نفسه .ص 282 ـ283.

"17" ـ ديوان الشعر الشعبي .شعر الثورة المسلحة.إعداد وتقديم أحمد حمدي .منشورات المتحف الوطني للمجاهد.ص 27.


" ـ نفسه .ص 95.

Pour citer ce document

باديس فوغالي, «جدلية الحبر والشهادة في التجربة الشعرية العربية الحديثة ثورة التحرير الجزائرية نموذجا»

[En ligne] ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales العدد 03 نوفمبر 2005N°03 Novembre 2005
Papier : pp : 153 - 164,
Date Publication Sur Papier : 2005-11-01,
Date Pulication Electronique : 2012-05-05,
mis a jour le : 11/02/2014,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=414.