المفكر إدوارد سعيد و بصمة الفرادة في خطاب النقد الثقافي
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
09
26
27
28

العدد 09 أكتوبر 2009 N°09 Octobre 2009

المفكر إدوارد سعيد و بصمة الفرادة في خطاب النقد الثقافي
pp : 27 - 35

محمد الأمين خلادي
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

تُعدُّ مفاهيم المحاكاة والترجمة والتأثروالتأثير والتثاقف والتداخل والغزو والتقليد والتهجين وغيرها.. من أهم العوامل التي أثْرت وفعّلت احتكاك حضارات العالم بعضها ببعض، فتزاوجت ثقافاتـها وامتزجت أقلامها، و تداخلت هندساتـها إلى الحد الذي يصعب فيه تصور ثقافة ثكلى أو حضارة عزلى، وأيّما حضارة آثرت الانكفاء أو الانغلاق فمآلها الاندحار والزوال، "وبسبب ارتفاع مستوى تداخل الثقافات في هذا العصر ـ عصر العولمة ـ بات من المستحيل دراسة أي ثقافة خارج إطارالمقارنة، فاليوم يمارس السياسيون وعلماء التاريخ والاجتماع والانثروبولوجيا والنقاد المقارنة الثقافية وذلك بـهدف الكشف عن مميزات كل ثقافة ودرجة تداخلها مع الثقافات الأخرى" (1).

ولأجل ذلك فالدراسات الثقافية لا تعنى بتحليل النصّ ونقد بنيته أو لغته أوأسلوبه بالقدر الذي توليه إلى مكاشفة هندسته الثقافية ومنظومته السردية الفكرية؛ فهي تقف على "عمليات إنتاج الأشكال الثقافية من قبل المؤسسات أو الأفراد وطريقة توزيعها واستهلاكها أي الفعل الذي تحدثه تلك الثقافة في نفس متقبّلها أو الواقع تحت تأثيرها"(2). كما يهدف هذا المشروع النقدي المعاصر إلى تحليل كافة العوامل المؤدّية إلى إنتاج مختلف أنماط مؤسسات السيطرة والتأثير داخل ثقافة معينة، من خلال تحديد وظيفة كل القوى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تسهم في نشأة كل أشكال الظواهر الثقافية، و من مراميه أيضا؛ «محاولة تعديل بنيات السلطة القائمة على تفضيل جنس بشري على آخرأو نمط فكري أوإيديولوجي على غيره، مما حدا بالبعض إلى اعتبارهذا التوجه النقدي أحد الأنظمة النقدية المنافسة للأدب المقارن لا اعتبارها من الأدب المقارن..، فالأستاذ ستيفن توتوسي وهو أحد أبرز منظّري النقد الثقافي، وكان من قبل أستاذا للأدب المقارن، ينحو هذا النحو من الدراسات الثقافية و يعتبر أنـها مقاربة سياسية للنصوص تتناول مختلف مكونات الثقافة وآليات إنتاجها مرتكزة على إطار منهجي و نظري مستوحى من الأدب المقارن (3).

ولهذا يعدّ المفكر العالمي ادوارد سعيد أحد متبنّي هذه الوجهة النقدية الحديثة؛ "فانطلاقا من تصورات الاستعمار، والاستعمار الجديد، اللذين هيمنا على جزء كبير من أقاليم الكرة الأرضية وضمن الدراسات الثقافية، انكبّ ادوارد سعيد على دراسة انعكاسات تلك التصورات الاستعمارية في الأفكار السياسية الغربية، والأبحاث التاريخية، وأبحاث الآثار، وامتدّ تحليله إلى رحلات الاستكشاف والأدب الروائي والمسرحي والفلسفي وصولا إلى الثقافة الشعبية، كما تفحّص حقول الأدب واللسانيات مرورا بالخطاب السياسي ونظرية الأعراق ليصل إلى كيفية تمثيلها للشرق و تقديم صورة عنه في الثقافة الغربية ككل، و في الكتابات الصادرة عن المستشرقين على الخصوص"(4)

وإنه لمن شيم الوفاء والعدل و المسؤولية الأخلاقية والإنسانية أن نتوقف مليا أمام ذكرى موسوعة فكرية وثقافية و فلسفية عالمية افتقدها الزمان والمكان؛ ففي لحظة من لحظات عمرالبشرية ودّعت ذاكرتنا الجماعية جثمان المفكرالفلسطيني المصري الأمريكي العالمي ادوارد سعيد، لكن دون أن تنسى بصماته العبقرية التي غيرت مجرى الفكر ودروب الثقافة وفضاءات الفن والفلسفة ..

ومن المسلّم به أن كل الكتاب والأدباء والنقاد والفلاسفة وأهل الفكر والساسة من أصدقائه وخصومه، قد أجمعوا على عِظم ما تركه رحيل هذه المدرسة العتيدة من فراغ فكري وثقافي وأدبي وفلسفي وسياسي في المنظومة المعرفية العالمية عموما، وعلى مستوى الصرح العربي بوجه الخصوص..

لقد "سقط الغصن الأجمل في زيتونة فلسطين" (5) كما قال عنه إلياس الخوري، و" ليس بمقدور أي كلام تكتبه أقلام أن يعـبّر عن الخســـارة الكبرى التي نزلت على الفكر الإنساني  بعموم

و فكرة الحرية بخصوص، عندما غاب عن دنيانا ذلك المبدع الحقيقي والمتوهج ادوارد سعيد" (6)كما وصفه محمد حسين هيكل، وقال عنه صديقه الكسندركركبورن: " لقد خسر الفلسطينيون بوفاته محاورا مدافعا مفوها لا يعوّض.." (7)،  و يصفه صديقه نعوم تشومسكي بقوله : " كان لا يكل ولا يلين في نضاله في سبيل العدل والحرية وحقوق الإنسان، ليس فقط من أجل الشعب الفلسطيني الذي كان بالنسبة إليه ناطقا فصيحا و مؤثرا بشكل شامخ، وإنما من أجل شعوب أخرى مضطهدة و تئن تحت وطأة المعاناة في العالم .." (8).

كما قال عنه الأستاذ الشيخ يوسف القرضاوي : " ادوارد سعيد كاتب عاش لأمته ولقضيتها، و هو لم يكن مسلما بعقيدته و ديانته، و لكنه كان مسلما بثقافته وحضارته"(9). وودّعه الشاعر محمود درويش قائلا :" في وداعه المستعصي على الغياب، يلتقي العالم مع فلسطين عند لحظة نادرة، فلا نعرف الآن من هم أهل الفقيد، لأن عائلته هي العالم، خسارتنا مشتركة ودموعنا واحدة، لأن ادوارد بضميره الحي وموسوعيته الثقافية قد وضع فلسطين في قلب العالم، و وضع العالم في قلب فلسطين" (10).

وأما عن مكتبة ادوارد سعيد فهي غنية غناء يستوجب قراءة فكره وتمديد رؤاه الراشدة في ساحة الفكر النقدي، وعولمة الخطاب الثقافي التي ظل ينشدها في أسلوب علمي متزن يجمع بين لباقة الجدل مع الآخر والمنافحة عن الذات. ولا يخفى على أحد براعته ونبوغه في حقل النقد الأدبي المقارن، حتى أضحى واحدا من رواده في جامعة كولومبيا، كما لا ننسى فضله وأثره البليغ من خلال إضافاته وإسهاماته الجديرة بالاهتمام في ميدان النقد الثقافي العالمي والدراسات الحضارية، فإليه يعود قصب السبق في تأصيل وتأسيس حقل معرفي جديد؛ ذاك الموسوم بـِالدراسات ما بعد الكولونيالية، وهوفي كتابه" الاستشراق " 1978 يميط اللثام وبصراحة صارخة عن ألاعيب المستشرقين وأراجيفهم، بنقد نظرياتـهم ورؤاهم، ليكشف بذلك عن علاقة هؤلاء الدخلاء بالمشروع الامبريالي الاستعماري، حيث وصفهم بالمنظرين له والداعين إليه والمنافحين عنه؛ بل كشف عن " النظم والآليات التي جعلت من الآخر قوة إخضاع وسيطرة مستعينة بالثقافة لاحتجاز الشرق وتعطيله"(11)، وأما كتابه " الثقافة والامبريالية "1993 فيُعدّ ثورة فكرية في الأدب والثقافة والسياسة على حدّ سواء؛ ففيه يوسع مجالات نقده ودراساته لتطال بحوثه واستكشافاته حقول الرواية العالمية، من خلال طرْق أبواب كبار المنظرين والروائيين وعلماء الاجتماع والانثروبولوجيا ليخلص في الأخيرإلى كشف العلاقة الحميمة بين تطورالرواية والتوسع الإمبراطوري.

ومن الألغام النظرية التي فكّك رموزها أعمال الكاتبيْن الكسيس دو توكفيل وألبير كامو اللذين فضح تورّطهما في حماية وتعبئة وتغذية الامبريالية الفرنسية التي حاولت وقتذاك طمس الهوية الجزائرية وكسح تاريخها و أمجادها.

إن ادوارد سعيد وهو يجوس خلال الديار العالمية، لا يسرد أو ينظر أو يؤرخ فحسب، ولكنه يثاقف ويتثاقف، فينقد ويثور، لينتصروينصف، إنه "من الطراز الفريد الذي يجوب التاريخ ويتخطى حدود الجغرافيا وينتقل بثقة متناهية بين حقول معرفية متفاوتة دون حرج أو صعوبة ويقلب أرشيف الوثائق، وكلما اكتشف شيئا أو اهتدى إلى حقيقة ازداد توهجا و تألقا"(12).

ومما يؤكد ذلك توزّع آرائه الثورية والفكرية والثقافية في شتىّ كتاباته ومختلف طروحه ونقوده؛ ففي كتابه " تمثيلات المثقف " يدعو إلى نفض غبار التقليدية والسلطوية و الأمّعية التي أثقلت كاهل المثقف، فيحثّه على ضرورة تغيير مساره ونبذ تلك التبعية التي احتضنها عن طواعية وحب، أو تلك التي التهمته عن كره وغصب، ولن يتأتّى له ذلك إلا بولوج الواقع، و معايشة المضطـهدين والمغلوبــين على أمرهم، بتبنّي قضــاياهم والمطـــالبة بحقـــوقهم والـدعـــوة إلى حريـتهم  و انعتاقهم.

إن الرحلة الزمكانية الادواردية من القدس الجريح إلى أرض الكنانة، ثم إلى كولومبيا لهي نقلةُ قضيةٍ عالميةٍ من مواقع الدفاع والمغلوبية والهوان، إلى قمم التأثير والقوة والفاعلية بالحجة والبرهان؛ ذلك أن "أعماله التي شغلت الغرب أكثر ما شغلت الشرق، ليس على المستوى الأكاديمي فقط، وإنما على المستوى الشعبي أيضا، قد أثارت انقلابة فكرية شاملة، وليس من الصعب أن نعرف سرذلك؛ لأن القضايا التي تشغله هي القضايا نفسها التي تشغلنا جميعا، ومكاننا في هذه الأرض وعذاباتنا المشتركة كبشر، ومصائرنا الغامضة في كون يمزق نفسه بنفسه، و يقتلع أبناءه مكانا و زمانا " (13).

ولاأدل على ذلك من الجدل المثيروالاهتمام البالغ الذي أثاره كتاب المؤلف بيل اشكروفت بعنوان ادوارد سعيد مفارقة الهوية، وذلك لما تضمّنه من أفكار ورؤى ادوارد حول مشروعه العالمي ما بعد الكولونيالية والداعي إلى تحرير المثقف الناقد وانعتاق الناقد المثقف، على حد سواء.

و" العالم والنصّ والناقد" يقدم منظومة فكرية متكاملة ذات أبعاد قرائية وآليات نقدية تعين الناقد على ولوج واقعه وواقع المحيطين به بصدق وأمانة وشجاعة وموضوعية.. ليضحى بذلك ناقدا دنيويا أو ناقدا واقعيا، وهذا ما أسماه ادوارد في كتابه " الاستشراق " دنيوية الناقد؛ "ولذا أقلقت سعيد وظيفة الناقد والمثقف منذ لحظة صدور كتابه العالم والنص والناقد، وفي هذا يقول اشكروفت : إن قدرة المثقف في أن يقول أي شيء ينتمي إلى مجتمعه أو مجتمعها لا يمكن أن تغنيه عن مفهوم الدنيوية، إذ دون الدنيوية لن يكون المثقف عالما يتكلم منه وإليه ..ثم إن رؤية ادوارد لدورالناقد هي هجوم جذري على التخصص؛ البرج العاجي الزاحف الذي راح يميز النقد الأكاديمي، والذي يزيله مرة بعد مرة من الوقائع السياسية للمجتمع المعاصر" (14).

النـصّ 1 :

"إن ممارسة النقد في هذه الأيام تتخذ لها أربعة أشكال رئيسية. فالأولى هو النقد العملي الذي نجده في مراجعة الكتب وفي الصحافة الأدبية. والثاني هو التاريخ الأدبي الأكاديمي الذي ينحدر إلينا من الاختصاصات التي كانت قائمة في القرن التاسع عشر كدراسة الأدب الكلاسيكي والفيلولوجيا وتاريخ الحضارة. والثالث هوالتقويم والتأويل من زاوية أدبية، وعلى الرغم من أن هذا الشكل بالأساس عمل أكاديمي فإنه، على نقيض سلفيه، ليس مقصوراً على المحترفين وعلى أولئك الكتاب الذين يبرزون من حين إلى آخر. فالتقويم هو الشيء الذي يعلّمه ويمارسه أساتذة الأدب في الجامعة، مع العلم أن المستفيدين منه بأبسط المعاني هم كل تلك الملايين من الناس ممن تعلموا في الصف كيفية قراءة قصيدة، وكيفية الاستمتاع بالتعقيد الذي تنطوي عليه فكرة ميتافيزيقية، وكيفية وجوب تصورهم أن للأدب واللغة الرمزية ثمة سمات فريدة يستحيل تقليصها إلى موعظة أخلاقية أو سياسية بسيطة. وأما الشكل الرابع فهو " النظرية الأدبية " التي هي بمثابة مضمار جديد نسبياً، فهذه النظرية برزت كميدان لافت للنظر بالنسبة للبحث الأكاديمي والشعبي في الولايات المتحدة في وقت لاحق لبروزها في أوربا، فأناس كوالتر بينيامين والفتى جورج لوكاش، مثلاً، قاما بعملهما النظري في باكورات سنوات هذا القرن، كما كتبا بلهجة معروفة ولو أنـها مثار جدل على أوسع نطاق. ولكن النظرية الأدبية لم تبلغ مرحلة النضج، على الرغم من الدراسات الريادية التي أنجزها كانيث بيرك قبل الحرب العالمية الثانية بزمن طويل، إلا في عقد السبعينات (1970) وذلك من جراء الاهتمام المتعمد الملحوظ بالنماذج الأوربية السباقة ( من أمثال البنيوية ودلالات الألفاظ والتفكيك) ". ( العالم و النص و الناقد، ص: 13).

تحـليــل:

الأشكال الأربعة حصر دقيق أكده إدوارد بغية تحديد المعالم الكبرى والمتنوعة للحضور النقدي العالمي، وهو من قبيل الدقة العلمية الحصيفة والمنطق العلمي، كي تتخذ الأحكام النقدية مدارها السليم في عين المبدع والمتلقي جميعا.

ورغم هذا فإن المنظر ـ ههنا ـ ييسر الرؤية التي تبلغنا سداد الهدف، لأن العملية النقدية ليست هينة تستصغر أو لعبة يتسلى بـها؛ ذلك لأن النقد عمود فريضة في الفكر البشري خاصة لما يكون ثقافيا معرفيا حيث إن ساحته أقمن بالنفاذية في الإبلاغ والتوصيل والإقناع؛ بل وإثارة الجدل العلمي الذي يعود على العقل الإنساني بالتطور الصحيح في درب الحضارة.

النــصّ 2 :

" إنني أريد الآن أن أبحث بعض تلك الطرائق التي تفرض بـها النصوص القيود على تأويلها أو تلك الطريقة، إن قلنا بشكل مجازي، التي فيها قرب هيكل الدنيا من متن النصّ يجبر القراء على أخذ الاثنين معاً بعين الاعتبار. فالنظرية النقدية الحديثة أكدت توكيداً مفرطاً على انعدام محدودية التأويل. وثمة محاولات تجري الآن للبرهان على المقولة التي مفادها أن كل القراءات مغلوطة، ونظراً لذلك فما من قراءة أفضل من أخرى غيرها، ومن ثم فكل القراءات في التحليل الأخير، مع العلم أن عددها لا محدود على أرجح الظن، ما هي إلا تأويلات مغلوطة على قدم المساواة. إن قسطاً من هذه المقولة اشتق من تصور للنصّ بأنه موجود في قلب كون نصّي هيليني سحري، كونه لا يمت بأية صلة إلى الواقع. بيد أنني لا أوافق على هذا الرأي، لا لأن النصوص موجودة بالفعل في الدنيا بكل بساطة وحسب، بل ولأن النصوص كنصوص تموضع أنفسها ـ وإحدى مهماتـها كنصوص أن تموضع أنفسها ـ وتبقى بالفعل على ما هي عليه من خلال استقطابـها اهتمام الدنيا. وعلاوة على ذلك فإن طريقتها لفعل هذا هي وضعها القيود على ما يمكن فعله بـها جراء التأويل". (العالم والنص والناقد، ص: 38).

تحـليــل:

انعدام محدودية التأويل كلمة تجازف في إصدارالحكم المتعجل لا الحكم العلمي الجريء والمتروي؛ فلو كانت القراءات كلها مغلوطة؛ كيف يتم التصريح بـهذه المقولة نفسها، فهذا دليل على أن ثمة نسبية في القراءات معظمها من حيث الصحة والخطل، " إن الناقد الواحد يخضع لتعددية تطورية يفرضها الزمان والمكان. كذلك تفرضها مقولة المعيار التراثي، والمتغيرات اللاحقة، وتعددية الثقافات في العالم، لهذا تصبح كلمة (ربما!!)، هي الكلمة المناسبة في مجال القراءة ـ القراءات النقدية. لقد سمعت هذه الكلمة (ربما.. يجوز) من رجل بسيط لم يتعلم في الجامعة، حين كنت أناقشه قبل أكثر من ربع قرن في مسألة سياسية وكنت وثوقيا قاطعا، فقال لي: يا بني، لا تقل: حتما، بل قل: يجوز.. ربما، لأن التاريخ لا يسير في خط مستقيم!!. لهذا نقول: توجد إشكالية فعلية عندما نحاول رسم حدود عقل النقد الأدبي. و هي إشكالية منهجية لا تتعلق بإشكال بسيط" (15). كما أن الواقع المعرفي أثبت طوال القرون أن إجماعات بشرية اتفقت على بقاء بعض من المطلقية في صحة القراءات أو غلطها وإن ندر ذلك؛ والفحوى من ذلك اعتراف الجمهور العالمي وهو غير مردود.

النــصّ 3 :

" إن النقد لا يمكنه أن يدعي أن مهمته مقصورة على النص وحسب، حتى لو كان نصاً أدبياً عظيماً. ويجب عليه أن يرى نفسه مقيماً، مع خطاب آخر، في فضاء ثقافي موضع نزاع كبير، ألا وهو ذلك الفضاء الذي ما كان يحسب حسابه فيه بخصوص استمرار ونقل المعرفة مكان الدلالة، كحدث ترك بصماته الدائمة على الكائن البشري. وما أن نأخذ بوجهة النظر تلك حتى يختفي الأدب كحيز معزول ضمن الميدان الثقافي العريض، وتختفي معه الفصاحة البريئة للنزعة الإنسانية التي تسلي نفسها بنفسها. وبدلاً من ذلك سيكون بمقدورنا، على ما أظن، أن نقرأ ونكتب بإحساس فياض بالمراهنة على الجدوى السياسية والتاريخية التي ينطوي عليها النصّ الأدبي وغيره من النصوص الأخرى". ( العالم والنصّ والناقد، ص: 267 ).

تحلــيل :

يرسّخ ادوارد سعيد من خلال هذا النصّ نظرية تثقيف النقد الأدبي، وفتح نوافذ معرفية وحضارية على الخطاب النقدي، ما دام البيان والإبداع الإنسانيان موصولين بالحياة والواقع، أضف إلى ذلك حتمية تشكيل النقاط المشتركة والحدود المنفتحة بين العلوم الإنسانية ومطالب الحضارة التكنولوجية وسطوة التقانة وفرض الوجود في عصرالعولمة..كما يقرر هيدجر بقوله : "إن الشعر تأسيس للكينونة عن طريق الكلام"(16)،  وهذا لا ينفي أن يعم حكمه كل أنواع الأدب والفن.

النــصّ 4 :

"إن الأفكار والنظريات لتهاجر مهاجرة الناس والمدارس النقدية من شخص إلى شخص ومن حال إلى حال، ومن عصر إلى عصرآخر. فالحياة الفكرية والثقافية تجد غذاءها عادة وأسباب بقائها غالباً في تداول الأفكار على هذا النحو، وذلك لأن هجرة الأفكار والنظريات من مكان إلى آخر ما هي إلا حقيقة من حقائق الحياة وما هي، في الوقت نفسه، إلا شرط مفيد للنشاط الفكري، سواء اتخذت تلك الهجرة شكل التأثير الذي يقر به الناس أو الذي يأتيهم عفو الخاطر، أو شكل الاستعارة الخلاقة، أو شكل المصادرة والاستيلاء جملة وتفصيلاً. ولكن القول بأن على المرء أن يمضي قدماً بغية تحديد أنواع الهجرة الممكنة لقول يبعث على التساؤل ما إن كانت أية فكرة أو نظرية تتزايد قوة أم تتناقض جراء هجرتـها من عصر تاريخي وثقافة قومية إلى مكان وزمان آخرين، وما إن كانت ثمة نظرية تتحول إلى شيء مغاير تماماً في انتقالها من ثقافة قومية وعصر تاريخي إلى عصر أو حال آخر. وهنالك حالات تستدعي التأمل العميق على وجه التخصيص في مهاجرة الأفكار والنظريات من ثقافة إلى أخرى، مثلما جرى في استيراد الأفكارالمعروفة بالأفكار الشرقية حول التسامي على الخبرة البشرية إلى أوربا في مطلع القرن التاسع عشر، أو مثلما جرى نقل بعض الأفكار الأوربية عن المجتمع إلى مجتمعات شرقية تقليدية في مؤخر القرن التاسع عشر. ولكن مثل هذه الهجرة إلى بيئة جديدة لا تخلو البتة من المعوقات، وذلك لأنـها تستدعي بالضرورة عمليتي التمثيل والتأطير في المؤسسات على نحو مغاير عما كانت عليه تلك الأفكار والنظريات في موضعها الأصلي، الأمرالذي يعقّد عليها أية محاولة من محاولات الازدراع والانتقال والتداول والاتجار. بيد أن هنالك نمطاً كراراً وقابلاً للتمييز لهذه المهاجرة نفسها، ألا وهو تلك الأطوارالثلاثة أو الأربعة المألوفة التي تمر بـها أية نظرية أو فكرة مهاجرة.

فهنالك أولاً موضع أصلي، أو ما يبدو أنه كذلك، أي مجموعة من الظروف الأولية التي صادف أن ولدت فيها الفكرة أو راجت من خلالها في الخطاب. وثانياً: هنالك ثمة مسافة تعترض سبيل الفكرة التي تنتقل من موضع سابق إلى زمان ومكان آخرين، ولذلك عليها أن تجتازها، أن تشق لها درباً في خضم ضغوط قرائن شتى، حتى تحظى بلألائها الجديد. وثالثاً: هنالك مجموعة من الظروف قل عنها ـ إن شئت ـ ظروف التقبل، أو ضروب المقاومة لكونـها جزءاً لا يتجزأ من ظروف التقبل التي تواجه من ثم النظرية أو الفكرة المزدرعة، والتي تتيح لها الاحتواء، أو التساهل مهما كان كبيراً مظهر غربتها. ورابعاً: تتعرض هذه الفكرة، التي أضحت الآن موضع الاحتواء أو الدمج بشكل كامل أو جزئي، إلى شيء من التحوير جراء استخداماتـها الجديدة، أي من خلال الموقع الجديد الذي تحتله في زمان ومكان جديدين". ( العالم و النص و الناقد، ص: 269 ، 270)

النـصّ 5 :

"إن فكرة الشرق، شأنـها شأن فكرة الغرب باعتبارها قطباً مناقضاً لذلك القطب، قامت بدور اللجام لما كنت أدعوه بالنقد الدنيوي. فالاستشراق هو الخطاب المستمد من "الشرق" والمعتمد عليه. والقول عن مثل هاتين الفكرتين الكبيرتين وعن خطابيهما أن لهما شيئاً مشتركاً مع الخطاب الديني يعني القول بأن كل واحدة منهما تؤدي دور المغلاق لكل ما هو بشري من استقصاء ونقد وجهد، إذعاناً منهما لسلطان ما هو أكثر من البشري، الخارق للطبيعة، صاحب الأمر والنهي في الدنيا والآخرة. و لذلك فالدين يزودنا، كالثقافة، بنظم للسلطة وبمعايير للطقوس الدينية من تلك التي تخلص بشكل منتظم إلى فرض الخنوع أو إلى اكتساب الأشياع. وهذا الأمر بدوره يفضي إلى عواطف جماعية منظمة من ذوات النتائج المشؤومة فكرياً واجتماعياً في أغلب الأحيان. فإصدار هذه النتائج على بقائها، وإصدار غيرها من الآثار الثقافية / الدينية، يثبتان أكثر مما ينبغي ضرورة توفر اليقين والتضامن الجماعي وحس الانتماء إلى جماعة لدى تلك المقومات التي تبدو أنـها من المقومات الأساسية للحياة البشرية. و إن هذه الأشياء لأشياء مفيدة بالطبع في بعض الأحيان. ولكن لا يزال صحيحاً أيضاً أن الشيء الذي يتيحه موقف دنيوي ـ وهوالإحساس بالتاريخ وبالإنتاج البشري، علاوة على شيء من الشكوكية الصحية حيال مختلف أنواع الأوثان الرسمية التي تحظى بالتوقير من الثقافة والنظام ـ يكون مآله التقليص، إن لم يكن الحذف، من جراء الاستغاثات بذلك الشيء الذي لا يمكن التفكير من خلاله و شرحه إلا بإجماع الآراء والاستغاثات بالسلطة". (العالم و النص و الناقد، ص: 345)

تحلـيـل :

"ويمضي أدونيس ـ شيخ الحداثيين العرب ـ في مواطن لا حصر لها، وعلى طريقة الحداثة الغربية ينفي دورالوصي، و يؤكد على استبعاد الدين من أي حقل معرفي، وعلى بيان أنه يستبعد الإنسان، ويلغي دوره، ويتناقض مع العقل، ومن ثم تقوم قطيعة دائمة بين العقل والدين، بين المنطق والوصي" (17).

 

 

 

 

هوامــش :

1 ـ مسعود عمشوش، من الأدب المقارن إلى النقد الثقافي المقارن، www.geocities.com/yemenitta/comp.htm

2 ـ سليم حبولة، النقد الثقافي وكشف آليات التسلط، اليوم الأدبي، عدد 297 -2 أيلول 2007،

3 ـ نفسه، بتصرف.

4 ـ نفسه، بتصرف.

5 ـ 10 ـ ينظر: زقاوة محمد، لنتذكر الإنسان ادوارد سعيد، الشهاب الثقافي.www.chihab.net

11 ـ  ناجح المعموري، ادوارد سعيد.. مفارقة الهوية، المدى الثقافي. www.google.

12 ـ زقاوة محمد، لنتذكر الإنسان ادوارد سعيد، الشهاب الثقافي.www.chihab.net

13 ـ فاضل السلطاني، ادوارد سعيد.. رجل من عصرنا. www.google

14 ـ ناجح المعموري، ادوارد سعيد.. مفارقة الهوية، المدى الثقافي. www.google. بتصرف

15 ـ عز الدين المناصرة، جمرة النص الشعري مقاربات في الشعر و الشعراء والحداثة والفاعلية.  دار مجدلاوي للنشر، عمان، الأردن، ط1،2007م، ص7.

17 ـ مارتن هيدجر، في الفلسفة والشعر، تر: عثمان أمين ، الدار العربية للطباعة والنشر، القاهرة، ط1 :1963،ص 92  نقلا عن : بشير تاوريرت، أدونيس في ميزان النقد، مطبعة مزوار، الجزائر، ص 18.

18 ـ وليد قصاب، خطاب الحداثة في الأدب الأصول والمرجعية، آفاق معرفة متجددة، دار الفكر، دمشق، ط1، 2005، ص 136.

ادوارد سعيد، العالم والنص والناقد، تر: عبد الكريم محفوظ، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، سوريا، 2000.

Pour citer ce document

محمد الأمين خلادي, «المفكر إدوارد سعيد و بصمة الفرادة في خطاب النقد الثقافي»

[En ligne] العدد 09 أكتوبر 2009N°09 Octobre 2009 ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales
Papier : pp : 27 - 35,
Date Publication Sur Papier : 2009-10-01,
Date Pulication Electronique : 2012-05-07,
mis a jour le : 20/02/2014,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=426.