عن الترجمة مقـاربة ثقافية
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

28

N°09 Octobre 2009

عن الترجمة مقـاربة ثقافية


pp : 36 - 44

فيصل الأحمر
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

إن الترجمة نشاط بالغ التعقيد، يصعب تحديده والإحاطة به لتعدد جوانبه، هذا التعدد الذي هو مصدرالثراء بقدرما هو مصدر الحرج، وضرورة الحرص أثناء النظر إلى الترجمة على أساس كونـها مجرّد انتقال من لغة صوب أخرى، وهي النظرة التي ظهر تـهافتها إلى درجة تحوله إلى حقيقة علمية غير مطروحة للجدال. وقد أردنا تحليل هذا الموضوع الذي يشكل نقاشات لا تنتهي، والذي لا يكف عن تشكيل استقطابات الساعة، من وجهة نظر علمية وأكاديمية من أجل إلقاء ضوء كاشف على تقدم نظرتنا صوب هذا الموضوع على مرّالأزمنة .. وهي نظرة تعكس تطورالإنسان بقدر ما تعكس تطور الموضوع نفسه.

إن الترجمة كانت ولا تزال محل أنشطة واعتبارات وتحديات وعمليات إسقاط لا حدّ لها، حولتها مع الوقت إلى تخصص على درجة عالية من الحساسية ومن الخطر.. وهذا بالتدقيق ما نود البحث في ثناياه.

لا يمكن أن نعود بالترجمة إلى تاريخ محدد يفترض انطلاقها منه .. ذلك لأن الترجمة نفسها ـ كما سنرى لا حقا ـ اكتسبت على مرّ التاريخ أكثر من دلالة واحدة، فهي حينا نقلٌ لأفكارأخرى (اقتباس)،  وحينا آخر تبدو شاملة لأي حديث عن الأجانب (التاريخ مثلا)، كما لا يُمتنع أن تتعلق بالحديث عن الإنتاج الفكري للآخرين (التعليق والعرض).. وسنجد كل كتابة تتحول إلى ترجمة بـهذا الاعتبار..إلا أن المترجمين المختصين والمنظرين ـ وخاصة مؤرخي الترجمة ـ يحاولون عدم الابتعاد عن المعنى الأكثر تداولا، والذي هو نقل إنتاج الآخرين من لغة إلى أخرى مع وجود نصّ متداول معروف في لغته الأم.

يعود بعض المؤرخين إلى ملحمة غلغامش (3000 ق.م) التي وجدت لها آثار في أكثر من بيئة لغوية، ويقولون إنـها نالت رواجا ما، وقام الرواة ـ على أبعد تقدير ـ بنقلها من لغتها الأصلية (السومرية أو الأكادية).. ويستدلون بذلك على أول فعل ترجمة في التاريخ المعروف، إلا أن مؤرخين آخرين يأتون إلى محطة أقرب بكثير متوقفين عند النصوص الدينية الهندية المتعلقة بعقائد الفيدا VEDA (حوالي 1500 إلى 1000 ق. م)، إذ نملك اليوم وثائق قديمة تقدم هذه النصوص بلهجات عديدة كي يتمكن منها أكبر عدد من الأتباع.

ويعد المؤرخان جيورجي رادو وجورج شتاينر G. RADO/G. STEINER أهم مؤرخين لظاهرة الترجمة (1967، 1975 بالترتيب)، وسوف نتبنى تقسيم شتاينر الذي أرّخ للترجمة كفعل واع بنفسه، لا كوسيلة للتعامل مع كتابات الآخرين فحسب، وقد قسّم المراحل التي مرّ بـها ما يسمّيه شتاينر بـ "الوعي بالترجمة" إلى أربعة أقسام هي (1) :

ـ المرحلة التجريبية: أول مترجم في الغرب هو الأسيرالذي تم عتقه ليفيوس أندرونيكوس الذي ترجم الأوديسا إلى اللاتينية عام 240 ق.م .. في حين يعد أول منظريْن لفعل الترجمة هما الكاتبان الرومانيان: شيشرون (كتاب الموعظة الكبرى 46 ق.م) وهوراس (عن الشعر20 ق.م)، وكانا متفقين على اعتبار الشاعر ناشرا للمعرفة والحكمة ومزوّدا للغة المحلية بما يأتي به من ثقافات مجاورة أو قديمة .. كما تناول كل منهما فكرة التعامل مع نصوص الآخرين، وفكرة اقتباس المعنى حينا واقتباس الأفكار حينا آخر.

ومن الشعر الإغريقي الذي ظل مهيمنا على المترجمين إلى اللاتينية انتقل الاهتمام بدءًا من القديس جيروم JEROME  SAINT (384 م) إلى ترجمة الكتاب المقدس طورا بعد طور، إيمانا من هذا القديس بأن القراءة الجديدة لهذه النصوص هي وسيلة للصراع ضد الحكام الذين يفرضون نمطا من القراءة اتكاء على بنية لغوية معينة لا مهرب من تأويلها إلا بالترجمة إلى لغة أخرى (أو حتى بالترجمة داخل اللغة نفسها، شيء مثل تحديث القوالب اللغوية)(2). وهوالمنحى نفسه الذي يسير فيه الملك ألفريد وهو يقرر وسط زوابع الكنيسة في القرن التاسع للميلاد أن يأمر بترجمة الكتاب المقدس من اللاتينية إلى الإنجليزية كي يرفع مستوى الروح الدينية لرعاياه ويحسّن تدينهم .. بعد ذلك بقرون اتـهم المترجم الإنجليزي تيندايل (1525) بالزندقة بسبب ترجمة أنجزها أزعجت النظام الملكي ..إلا أن الترجمة الألمانية للإنجيل التي قام بـها لوثر (1500) تعد اليوم من المنعرجات الحاسمة للنهضة الأوروبية .. ولهذا نقرأ في التاريخ الثقافي لأوروبا عن كون النهضة ميدانا "للجدال بين المترجمين".

ولا يمكن أن حصر كل الظواهرالتي يزخر بـها عصر النهضة، لذلك نكتفي بذكر بعض المحطات المرتبطة بمباشرة الترجمة تجريبيا لا منهجيا . ففي تحفته الفنية (حكايات كانتربري) جاور الإنجليزي تشوسر التأليف والترجمة والاقتباس والمراسلات والنقول .. عادّا كل ذلك وجوها لعملة واحدة هي التأليف الفني (1380).

ـ المرحلة الإليزابيثية: شهدت حركة ترجمة واسعة جدا، ويبدو أن الملكة أرادت مضاهاة ما كان شائعا قبلها بقرنين أو ثلاثة في طليطلة وبغداد.. (أحدهم عنون كتابا له: الترجمة، ذلك الفن الإليزابيثي). ففي القرن 16 ظهر أول كتابين ينظّران لعلم الترجمة، هما على التوالي: "طرائق الترجمة من لغة إلى أخرى"(1547) للفرنسي إيتيين دولي، وكتاب "مختصرالترجمة" (1570) لمارتن لوثر الألماني.  وقد حدّد إيتيين دولي خمسة أسس لا بد منها لإجادة الترجمة (3) :

         أ ـ الفهم الجيد للنصّ الأصلي مع توضيح النقاط الغامضة والتنقيب عن خفاياها.

         ب ـ المعرفة الجيّدة باللغات المعنية.

         ج ـ تجنب الترجمة الحرفية le mot à mot.

         د ـ استعمال اللغة التداولية أثناء الترجمة.

         هـ ـ اختيار الكلمات وتنظيمها من أجل المحافظة على الإيقاع الأصلي وروح النصّ.

   ـ المرحلة الفلسفية : يعد القرن 19 المرحلة الفلسفية لتطور"علم الترجمة"، وإن كان الميلاد الحقيقي للترجمة كعلم لا يعود إلى أبعد من النصف الثاني للقرن العشرين، لأسباب عديدة، من بينها كون العلوم الأخرى بدأت تنظر إليها (الترجمة)كوسيلة للتفكير لا كوسيلة لنقل الأفكار فحسب (شليغل، إيمرسن) (4)،  وربما يكون ما يجب ذكره في سياق الحديث عن تاريخ الترجمة في القرن 19 هو الجمهرة الكبيرة من المستشرقين الإنجليز الذين انتقلوا إلى البلاد العربية وبعض بلدان آسيا من أجل دراسة اللغة (الفكر، الثقافة)، وكان ذلك في إطار خدمة الاستعمار ـ للأسف الشديد ـ لا في إطار علمي.. إلا أن هذا الصنيع هو الذي جرّ المنظرين إلى التأمل في البعد الفلسفي للترجمة (ونقصد بالبعد الفلسفي تعدد الأبعاد وتعقد الأهداف وتداخلها)، وقد كتب شاعر ألمانيا "غوتة" ديوانه الشرقي 1819)، وفي مقدمته عرض مسهب للدور المركزي للترجمة التي يراها واقفة بالضرورة خلف كل أدب جيّد، وذلك مرورا بخطوات ثلاث (5) :

 

         أ ـ التعريف بالبلدان الأجنبية حسب المقاييس المتزامنة معنا.

         ب ـ نقل معنى النصّ إلى جانب روح مؤلفه وطريقة تفكيره، وذلك بواسطة التمثيل والاقتباس.

         ج ـ خلق هوية متوسطة للمسافة بين الأصل والترجمة، وذلك باختراع طريقة جديدة للكتابة تحافظ على خصوصية الأصل وروحه، وتؤديهما بشكل جديد.

  رؤية فلسفية أخرى هي تلك التي عبّر عنها الشاعر الإنجليزي بيرسي شيلي (1821) حينما عدّ الترجمة فعلا مشبعا بالهباء، لا جدوى منه في الحقيقة، لأن ما نترجمه مختلف أبدا عما كتبه صاحبه أول مرة، وكان يردد بمرارة بأنّ التراجم التي قام بـها (وهو مترجم غزير) لم تكن سوى ملء الفراغ الثقيل بين قصيدتين فحسب.

  المساهمة الثالثة في هذه الاعتبارات الفلسفية جاءت من قبل مترجمي الكتب المقدسة التي تعبّرجميعها عن قدسية الكلمة وحتى قدسية الحرف (كما هي الحال في القرآن الكريم)، فالترجمة هنا تتحول إلى نشاط خطير وإلى أرضية ملغمة في بعض الأحيان.

   وإذاكان بودلير (مترجم أعمال إدغارآلان بو 1848) متفائلا إلى درجة جعلته يقرّ بإمكانية ترجمة القصيدة الجيّدة إلى مقطوعة موسيقية أو إلى لوحة زيتية وليس فقط إلى قصيدة تماثلها، فإن الاتجاه الغالب كان متشائما بسبب ضيق السبل التي لا تؤدي سوى إلى أحد المنفذين (6) :

          أ ـ اللجوء إلى الترجمة الحرفية، والاهتمام فقط بدقة النقل اللغوي، وهو الأمر المؤدي إلى إنتاج تراجم متكلفة.

         ب ـ خلق لغة على قدر من الغرابة تستطيع خلق شعور بخصائص النصّ الوارد على اللغة المترجم إليها كما هي في اللغة الأصلية (غرابة تذكر بالهوة الزمانية والمكانية للنصّ).

  وربما يكون الجدل الحاد في النصف الثاني من القرن 19، عائدا إلى الخلاف الذي دار حول اللغة التي ينبغي أن تترجم بـها الأعمال الإغريقية. وكان الفيلسوف ماثيو آرنولد (صاحب كتاب "حول ترجمة هوميروس"1861) يقول إنه يجب أن يترجم بلغة حديثة خالية من العبارات القديمة والاصطلاحات الميتة، ثم إن المترجم يجب أن يكون من "الشعراء العلماء" كي يلمّ بعناصر التأثير في النصّ الأصلي ثم يخترع طرائق لإحداث الأثر نفسه في اللغة الحديثة المترجم إليها.

   وعلى امتداد القرن ظل التيارالأكثر احتراما هو اتجاه الأدباء المترجمين (عن حماس وميل شديد) لأدباء آخرين، رغم أن بعضا منهم ترجم نصوصا تحمّس لها دون أن يكون ضليعا في لغتها، وكانت النتيجة تحفا فنية في اللغة المترجم إليها.. ألم يصف غوته ترجمة الشاعرالفرنسي جيرار دي نيرفال لمسرحيته "فاوست" بأنـها أحسن من النصّ الأصلي الذي كتبه هو بالألمانية ..(ونذكر في هذا الصدد أيضا بتراجم بودلير لادغار آلان بو). والملاحظ في هذه الفترة هو كثرة التراجم الأدبية خاصة من الروسية ومن الإنجليزية صوب اللغات الأوروبية الأخرى .. وكذلك وجود تأملات عابرة للممارسين حول النشاط الذي كانوا بصدد مباشرته.

   ـ المرحلة العلمية (7) : القفزة الكبيرة التي قفزتـها الترجمة كي تتحول إلى "علم" حدثت بعد الحرب العالمية الثانية، وساهمت في ذلك معطيات كثيرة، على رأسها تطور علم اللسانيات الذي دفعت به الأوساط الحكومية إلى التعرف أكثر على اللغات المحلية واللهجات الدارجة، وذلك من أجل الجوسسة والتجارة أساسا .. عامل ثان هو تكاثر عدد الصحف وحاجة هذه الأخيرة الماسة إلى نصوص مترجمة ..ومن جهة ثالثة نشوء تشكيلات جمعوية مهتمة بالكتاب المقدس عملت على ترجمته إلى لهجات محصورة الدائرة .. وكل ذلك مما تضطلع به المباحث اللسانية (المدرسة الأمريكية أساسا) وهذه الحركة التي وسعت نشاط الترجمة وأكثرت عدد المترجمين، جرّت في السياق نفسه إلى التأمل في الذات من أجل تعريف علمي وعقلي لا يترك مجالا للأخذ والرد مثلما هي حال المحاولات السابقة .. وقد أصبح المنظرون في القرن العشرين غير راضين بفكرة القرن 19 التي تجعل أبعد هدف ترجوه ترجمة جيّدة هو النقل الوفي للأصل المستوفي للمضمون والمحافظة على قدر كبير من الشكل مع واقعية معينة.. وأثر في كل ذلك ما ذكرناه، مما أدى إلى الشرخ الكبير بين أدوار كل من المترجم والقارئ والناقد والمؤلف (وهو الأمر الذي لم يحدث من قبل بشكل تام الوضوح). ثم إن الترجمة ـ والتي كانت أدبية بالدرجة الأولى ـ وسعت دائرة نشاطها بغتة لتشمل ميادين جديدة مثل الكتابة للطفل، كلمات الأغاني، الكتابات القانونية ..الخ، كما صارت تستعين بـها تقنيات متنوعة جديدة (دبلجة الأفلام، ترجمة الإشهار) ..كل هذا النشاط أدى إلى ضرورة مقاربة العملية بطريقة علمية (بمساعدة اللسانيات ثم السيميائية) ..كما دخلت بعين الاعتبار عناصر جديدة مثل الكفاءة المهنية المؤدية إلى الربح المادي، ومحاولة إسناد مهام الترجمة إلى أجهزة متخصصة لربح الوقت وتوفير المال، وكذلك ـ وللسبب الأخير دائما ـ إسناد مهام الترجمة إلى الطلبة المبتدئين الذين لا تجربة لهم .. الشيء الذي أدى إلى تـهميش المترجمين الأدباء وتحويلهم إلى الصف الثاني لفائدة ترجمة تريد نفسها علمية.

   ـ المرحلة التأويلية: بدءا من الستينات، وفي سياق عالمي يسمه تحرّر البلدان المستعمرة، الشيء الذي أدى إلى تكاثر اللغات المستعملة على الساحة الدولية، كما تسمه أيضا الأسئلة الكبيرة ذات الطابع الفلسفي حول الدورالثقافي لعلم الترجمة، والمساهمة التي من شأنه أن يقوم بـها من ثقافة مسالمة متفتحة على عالم ما بعد الاستعمار(8) .. بدءا من هذه المرحلة إذن انتقلت الترجمة إلى علم يبحث عن وسائله وعن ماهيته في حدّ ذاته، فاستقل عن كل الميادين المعرفية، ودخل في سلوك تأويلي .. باحثا بذلك عن أسباب وجوده في ذاته لا في "ما حوله".. وشيئا فشيئا أصبح السؤالان الكبيران هما :

 ـ لماذا لازمت الترجمة الإنسان منذ القديم؟، أي ما الذي يجعل الترجمة حتمية تاريخية ؟.

 ـ كيف يتم الاشتغال الداخلي للترجمة ؟، (و يلحق بـهذه المساءلة بحث عن تصنيف منهجي دقيق لأنواع الترجمة وطرق اشتغال كل نوع على حدة).

الأبعاد الثقـافية للتـرجمة :

   بعد هذه الخلاصة التاريخية، وجب طرح الأسئلة المتعلقة بالترجمة منظورا إليها من زاوية حضارية بحتة، وحينما نقول "حضارية" تكون ظلال هذا النعت التقريبي متعلقة أساسا بالنظر إلى المنعوت من زاوية ثقافية، ومن زاوية موقع الموضوع المتحدث عنه في الإطار الجيوسياسي للعالم.

   ما يحدث على أيامنا هو غوص الترجمة بأنواعها في ميادين كثيرة ـ تكاد تتجاوز الحصر ـ وهي قسمان؛ أحدهما تقني بحت، مما هو مذكور سابقا أو ما يقترب منه، والقسم الآخر هو التراجم "الموجهة" أو " الخطيرة"، ويدخل في هذا الإطار كل ما هو ترجمة سياسية، أو التراجم التي تقوم بـها مراكز بحث متخصصة في شؤون بقعة ما من العالم .. لقد لاحظ بعضهم أن  ترجمة المقتطفات التي تلقي الضوء على العقلية العربية، والمأخوذة من أهم المواقع الصحفية العربية هي ترجمة موجهة إلى حدّ بعيد، ثم تحرى هؤلاء الملاحظون ـ المقربون من البنتاغون ـ فوجدوا التراجم عبارة عن خدمات مجانية من قبل مركز بحث ذي توجهات صهيونية .. والسؤال الواجب طرحه هنا هو: هل يمكن أن تكون الترجمة خيانة مزدوجة لا خيانة واحدة كما تعلمنا؟(9). ثم يتولد السؤال الثاني: كيف يمكن أن نعالج هذا العدول الكبير عن مهمة الترجمة الأساسية التي هي مدّ جسور التواصل بين الإنسان وأخيه الإنسان ؟.

  لا شك أن هذه المداخلة البسيطة لا تطمع في ضخامة مشروع كهذا، بل تكتفي بالإشارة إلى بعض المواقع.

  جاء شعور قوي لدى المثقفين بانحسار دائرة الاستعمال اللغوي نتيجة التلفزيون (منذ سبعين سنة)،  والإعلاميات (منذ خمسين سنة)، وشبكة الأنترنت (منذ خمسة عشرة سنة على أبعد تقدير)..وتنامى هذا الشعورأمام المدّ الكبير لبعض اللغات "المهيمنة" كالإنجليزية والفرنسية والصينية ـ مؤخرا ـ في ظل مفاهيم سابقة كالقرية الكونية وحالية كالعولمة والكوننة، شعور جعل كثيرا من قراء الكرات الجيوسياسية البلورية يتوقعون موت الترجمة..إلا أن الواقع أثبت غير ذلك، فالعولمة بقدر ما تعمل على نشر لغة مهيمنة كالإنجليزية، بقدر ما تحافظ على انغلاق بعض أبناء بعض البيئات اللغوية على لغاتـهم، والهدف من ذلك ـ لسوء حظ الترجمة ـ هو انغلاق الثقافة البعيدة عن دائرة الهيمنة كما سنرى لاحقا ..أما منطلق هذا فربما يكون التعريف الجديد للثقافة في نـهايات القرن العشرين، وانتقال مفهوم الانفتاح على المعرفة البشرية، وتلقيح الأنا بالآخر، والتزام قيم الإنسانية بدلا من قيم القومية، أو أي نوع آخر من القيم الأممية، إلى مفاهيم أخرى عبّر عنها تيري ايجلتون تعبيرا مختصرا جيدا وهو يصرّ على ثلاث نقاط هي (10) :

        أ ـ النظر إلى الثقافة على أساس كونـها تربية أخلاقية، أي إنـها خاضعة لبرنامج أو لمنظومة من القيم "المحظورة" التي تحدّد الأخلاقي من أجل إقصاء ما هو لا أخلاقي .. ولا يخفى أن للعصبيات الدينية النشطة منذ حوالي أربعين سنة في مختلف أنحاء العالم دورا أكيدا في انكماش تعريف الثقافة بـهذا الشكل.

         ب ـ التعددية كآلية عنيفة لإقصاء الآخر بإذابته في الأنا، لا كآلية للاعتراف بالآخر وجعل الـ"هو" يقف إلى جانب "الأنا" حسب الحلم الرومانسي الذي بشرت به ما بعد الحداثة .. والنموذج الأمريكي (سنعود مرارا إلى هذه الأميركا المهيمنة) الذي يعمل على إذابة وابتلاع مختلف الاثنيات تحت عنوان "تعدد الأعراق"، والذي ينتج أفرادا مختلفي الشكل واللون والملامح، لكنهم متشابـهين تماما في المضمون "الأخلاقي".

         ب ـ التراوح المستمر بين المركز والهامش، فالمركز صورة تقدمها الثقافة للإعلام وتنطق بـها المؤسسة، وتكرسها البرامج التعليمية والخطابات السياسية، والهامش هو تلك الطاقة الكامنة التي تقهر باسم المركز في انتظار أن تحظى بكثافة كافية كي يلتقطها المركز .. وهكذا.

  في ظل هذا البرنامج الجديد الصارم يصبح التعريف القديم للترجمة بحاجة إلى إنعاش لا شك فيه، وتصبح الرقعة بحاجة إلى تحديث ما.

الترجمـة من ..؟ أم الترجمة إلى ..؟ :

  كثيرا ما وضعت الترجمة على أساس كونـها سلاحا لمواجهة الضعيف لهيمنة  قويّ ما، فكأن الثقافة المواجهة للضغط تعمل بواسطة الترجمة على فرض وجودها وإلقاء الضوء على خصوصياتـها، ومحاولة الخروج من دائرة الانعزال المسلط عليها، وقد حدث شيء كهذا في بدايات العصر الذهبي للترجمة في الثقافة العربية، إذ يبدو أن أسماء المترجمين آنذاك : يوحنا بن ماسويه، ابن البطريق، ابن مطر، عبد الله ابن المقفع .. وتراجمهم ليست بمعزل عن اختياراتـهم الثقافية، وإن كان هذا الموضوع يحتاج إلى دراسة أوسع مما نحن بصدده، كما حدث مرارا وعلى امتداد التاريخ، وقد يكون العدد الكبيرمن الكتب الروسية التي ترجمها الروس إلى مختلف لغات العالم أثناء فترة الحرب الباردة، خير دليل على ما نشير إليه.

  ويسير بالتوازي مع هذا المسار ذلك الاتجاه الانعزالي الذي يرى الترجمة سيفا مسموما وسلاحا في خدمة الضفة المقابلة، ويضع موت الترجمة شرطا حصريا للمحافظة على الخصوصيات المحلية (11). ورد الفعل هذا يشمل طرفي الهيمنة، وهو جديد إلى حدّ بعيد، فالاتجاهات الإسلامية ذات الطابع الأصولي تكره الترجمة لأنـها جسر ثقافي مسموم هدام، ولا جديد في الأمر، لأن التشدّد الذي يتخذ التقوقع على لغة الأنا طريق للمواجهة قديم، الجديد حقا هو أن نجد ثقافة مهيمنة مثل الثقافة الأمريكية تتكئ إلى المنطق نفسه .. فالأخبار مثلا تتحدث عن كيفية انتقال أي عرض فني (سينما، مسرح، استعراض) أثبت نجاحه في أوروبا وفي أي مكان آخر من العالم إلى أمريكا، وكيف أن هذا العرض يجب أن يفرغ من محتواه الأجنبي تماما ليصاغ من جديد صياغة أمريكية 100%. المنتجون يتحدثون عن ذوق الجمهورالأمريكي، أما المحللون غير الأمريكيين فيتحدثون عن رفض وجود "أنا" غيرأمريكية تزاحم "الأنا" الأمريكية في عقر دارها. الفلم الأوروبي الناجح تشترى حقوقه ويترجم، وبدلا من دبلجة الفلم إلى اللغة الأمريكية (وهو ما يحدث لأي فلم أمريكي ينتقل إلى الأسواق الأجنبية، وهو ـ كذلك ـ ما يحدث لأي فلم في أي مكان ينتقل إلى الأسواق الأجنبية) نجد الفلم يصوّر من جديد بحيث لا تبقى صلة  ما عدا السيناريو الأصلي.

  إن الترجمة ـ من هذا المنظور ـ تصبح أداة إقصاء في مرحلة أولى، وتصبح أداة رفض للهيمنة أو إثبات لها سواء عند المتطرفين السلفيين أو عند الأمريكيين، وتخرج تماما عن الدورالتنويري الذي يتجاوز ثنائيتي المركز والهامش إلى ثنائيات ثقافية همها المثاقفة أكثر منه أي شيء آخر(12). يقول حسن حنفي : ".. البحث إذن عن "التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية" خطأ في الوعي بالموقف الحضاري، فليس المطلوب هو معرفة انتقال التراث اليوناني إلى العالم الإسلامي، انتقالا من المركز إلى الطرف، ومن الأصل إلى الفرع كما يفعل المستشرقون وأتباعهم من الباحثين العرب، بل تمثل الحضارة الإسلامية للتراث اليوناني، تمثل المركز الإسلامي للطرف اليوناني" (13)                                                                                                                                                                  

   إن القراءة الأولى لهذا النصّ تعطينا نظرة متماشية مع أفكار حسن حنفي، وخاصة في إطار المساجلة التي كثيرا ما خاض فيه .. إلا أن قراءة ثانية ـ داخل السياق الذي نحن بصدده ـ تجعلنا نلمس مطاطية الترجمة كممارسة، كطرف في عملية المثاقفة التي تشمل الأخذ والعطاء، والتي تميل إلى تغليب الأخذ على العطاء أحيانا أخرى (في إطار صراعات فكرية  حتى في إطار الثقافة القومية الواحدة). هذه المثاقفة التي تشمل مختلف أشكال تعامل ثقافة مع ثقافة أخرى : الصراع، التكيف، التوليف، وحتى المثاقفة المضادة أحيانا.

  إن معاينة سريعة للقاموس الذي استعملناه في بداية هذه الدراسة تجعلنا نستخرج الكلمات التالية : الشعر ـ الاهتمام ـ قراءة ـ انفتاح ـ تطور ـ علوم ـ بعد فلسفي ـ  ذوق ـ قدسية الحرف ـ لوحة زيتية ـ قصيدة ـ التأمل في الذات ـ شعراء علماء ـ كفاءة ـ ميادين معرفية ـ ثقافة مسالمة .. الخ. في حين تجعلنا معاينة نـهاية الدراسة نقف على قاموس يحتوي كلمات من هذا المثيل : غالب ـ مغلوب ـ هيمنة ـ قوة ـ عنف ـ صراع ـ قفص الاتـهام ـ مواجهة ـ إقصاء ـ خطير ـ خيانة مزدوجة ـ عصبيات دينية ـ رفض وانعزال .. الخ.

  والمقارنة بين القاموسين داعية بلا شك إلى قلق ما، إلا أن هذه العولمة التي غيرت سياق كل شيء ليست وحيدة النمط، لذلك فإلقاء الضوء ـ الذي نحن بصدده ـ هو دعوة إلى التفكير ـ خاصة في إطار الجامعة ـ الذي يبقى الإطار الأمثل والأكثر شمولا للتأمل والتفكير في هذا النمط من المسائل .. تأمل في الموقع الواجب شغله من أجل عدم الخروج من مسيرة التاريخ باتخاذ موقف انعزالي يكتفي بإلقاء الأحكام على الآخرين.

 إن الملاحظين يطيلون الوقوف أمام طابع العولمة السريع المحتفي بالآتي والعابر والخاطف للنظر، المنتصر للانطباع الأول المباغت القوي في مواجهة التأمل والتفكير العميق، والتحليل والدخول في التفاصيل..ويبدو للبعض كأن العولمة هي عودة إلى خصائص الثقافة الشفاهية التي تستدعي انتباه الحواس أكثر من استدعائها لانتباه العقل وتمليه (14). إلا أن هذا لا يجب أن ينسينا خاصية هامة جدا، هي كون العولمة شديدة الانفتاح على الآخر، وذلك بالموازاة مع كل ما ذكرناه سابقا، لسبب بسيط هو ارتباط العولمة بنمط اقتصادي عابر للحدود .. هذا الظرف الذي لا مفرّ منه، يجعل كل طرف مستفيد من هذه العولمة مستعدّا تلقائيا لحوار الحضارات من أجل استمرار المصالح الاقتصادية.

  على ضوء هذا البصيص الأخير من الأمل، نجد أنفسنا أمام مرحلة جديدة تسمح بانتعاش الترجمة، وتدعو إلى التأمل في أدوار جديدة ومواقع للمترجم ربما لم يكن لها وجود من قبل.

هـوامـش :

1 ـ REDOUANE, JOELLE: la traductologie – O.P.U- Alger 1989,  pp: 4 – 5.

2 ـ Ibid – P: 6

3 ـ Ibid- p: 8

4 ـ Encyclopédie BORDAS – 1998 – T: X – p: 5245.

5 ـ La traductologie – p: 13.

6 ـ Ibid – p: 14.

7 ـ ينظر: جورج مونان، اللسانيات والترجمة، تر: حسين بن زروق، د.م.ج، الجزائر، 2000، ص ص: 207 ـ 210 .

8 ـ إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، تر: كمال أبو ديب، دار الآداب، بيروت، ط2، 1998 ، ص: 387 .

9 ـ جورج مونان، اللسانيات والترجمة، ص: 139.

10 ـ تيري إيغلتون، صور الثقافة، مجلة "فصول" عدد: 63 ، 2004 ، ص ص : 20 ـ 42 .

11 ـ محمد الكردي، الترجمة وحركة المثاقفة في العالم العربي، مجلة فصول عدد : 64 ، 2004 ، ص: 310.

12 ـ إدوارد سعيد، الثقافة الإمبريالية، ص: 259.

13 ـ محمد الكردي، الترجمة وحركة المثاقفة في العالم العربي، ص: 309.

14 ـ  المرجع نفسه، ص: 316.

Pour citer ce document

فيصل الأحمر, «»

[En ligne] العدد 09 أكتوبر 2009N°09 Octobre 2009 ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales
Papier : pp : 36 - 44,
Date Publication Sur Papier : 2009-10-01,
Date Pulication Electronique : 2012-05-07,
mis a jour le : 23/05/2018,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=428.