آليات إرادة التأصيل وأزمة المرجعيات الصامتة في الفكر العربي النقدي المعاصر
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

26
27
28

العدد 09 أكتوبر 2009 N°09 Octobre 2009

آليات إرادة التأصيل وأزمة المرجعيات الصامتة في الفكر العربي النقدي المعاصر
pp : 56 - 69

وحيد بن بوعزيز
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

"إذن ليست أزمة البديل الحضاري أزمة أوروبية بقدر ما هي أزمة عالمية، في حدود التحول الجاري باتجاه هذه العالمية. وحين نحاول إيجاد الحلول، فإن المسألة لا تتعلق بنا بمقدار ما تتعلق بالوضعية العالمية ككل. قد أصبحت الأرضية الفكرية مشتركة، والتفاعل عضويا موحدا، وهكذا يصبح البديل لأزمة اللاهوت الأرضي بديلا عالميا وليس محليا .. قد أسقطت التجربة العالمية نفسها علينا، واندمجنا بـها عبر قوانا الاجتماعية الحديثة على الأقل، وبالتالي فإن الاختيار لا بد أن يأتي عالميا وإلا اندثر مع الخصوصية المندثرة" .

محمد أبو القاسم حاج حمد

ترمي هذه المداخلة إلى محاولة تشريح بعض البنى المستترة في خطابات فكرية عربية جديدة، يروم أصحابـها تطبيق إستراتيجية ذات بعد مزدوج؛ من جهة نقد الأسس المعرفية التي تطال العقل الغربي، ومن جهة محاولة تأثيل وتأصيل لقاعدة معرفية عربية، بعيدة كل البعد عن الاستلاب الفكري أو ما يطلق عليه البعض مصطلح التغريب . إذن سينحو هذا المقال منحى نقديا بالمعنى الكانطي، ينظر في الأسس المعرفية والآليات الإجرائية والحدود المنهجية، وكي نفهم غائية النزعة النقدية في هذا البحث، سنبدأ بمثال يعكس هذا الاتجاه ويضيء لنا الطريق لمساءلة الخطابات النقدية التأصيلية، يقول المفكر العربي عبد الله العروي في كتابه "الإيديولوجيا العربية المعاصرة": "لا ينطلق فكر أي من دعاتنا، أول ما ينطلق، مما يلاحظ مباشرة من عملية التمايز الجارية في مجتمعنا، وإنما يستبق نتائجها المنطقية اعتمادا على ما توحي به إليه بنية خارجية، وبالضبط بنية الغرب الحديث. هذا واقع لا يجب التغافل عنه إن كنا نريد أن نمسك بمبعث الحداثة والتطور عندنا" (1).

إن استعمال مصطلح البنية في هذا القول له دلالة لا يمكن المرور عليها دون التفكيرفي أبعادها وحيثياتـها؛ فكتاب العروي محاولة لمتابعة كل أشكال الإيديولوجيا العربية، انطلاقا من ثلاثة ممثلين : الشيخ والزعيم وداعية التقنية، وعلى الرغم من الاختلاف الماهوي والفكري المتواجد في مستوى السطوح الخطابية، بين الشيخ صاحب النموذج التراثي، والزعيم صاحب النزعة التلفيقية، والتكنوقراطي صاحب النموذج التغريبي الليبيرالي، فإننا مع العروي نكتشف بأن هنالك بنية واحدة مضمرة مشتركة تساهم في صنع هذه المتمثلات الثلاث كلية، وهي بنية علائقية تقوم على ثنائية : تطابقية الوجود مع الآخر، وتضادية الوجود مع الآخر، لهذا يمكن اعتبارالفكرالعربي رهين ما يمكن أن نطلق عليه الغيرية المانوية.

عندما يحاول داعية التقنية أن يرى في الغرب نموذجا تطوريا ماديا، مثالا حيا للحضارة فإنه يجعل الغرب كحضور، ويحلم به كتطابق سميتري، لأنه ظن بأن حذو القدة بالقدة يدفع بالثقافة العربية إلى الأمام وينزع عن عجلات الحضارة صدأ السنين، للأسف تولد هذه النظرة وعيا زائفا وأدلوجة ساذجة، لماذا؟، لأن داعية التقنية لا يفرّق بين الوجه التنويري والوجه الإمبريالي للغرب، لا يفرّق بين عقلانية إنسانية وعقلانية مادية، لا يفرّق بين العلم والعلموية Le scientisme أي محاولة تألية ومكننة الإنسان والعالم بقوانين الضرورة، بتعبير آخر وأخير لا يفرّق بين الميتافيزيقا والفيزيقا !!، وزيادة على ذلك، لا يستطيع هذا الممثل تبيئة معطيات الحضارة الغربية في حيزه الثقافي، لأن مركز جاذبيته يكون دائما الشمال.

إن آليات إنتاج المعرفة عند الشيخ الذي يعيش في العصر الحالي تختلف من حيث الأسئلة ومن حيث الهموم عن آليات إنتاج المعرفة في التراث القديم، وذلك لاختلاف الهيئة الحضارية، الشيخ الحديث في حكم المغلوب مثلا، والشيخ القديم في حكم الغالب، والشيخ القديم هذا، كان لا يحتاج إلى الخوف من قوة فكرية خارجية كي يبلور خطابا، كانت القوة الوحيدة التي تدعوه هي قوة التاريخ، أما الشيخ المعاصر فهو في جبهة الدفاع، لهذا نجد خطابه يكتسي طابعا رفضيا وتخويفيا ودفاعيا، لهذا يكون في كثير من الأحيان خارج التاريخ !.

يبدو ـ لأول وهلة ـ أن العلاقة السائدة بين الممثلين (الشيخ والتكنوقراطي) من فصيلة منطق التوازي، ولكن لو نمعن النظر قليلا، فإننا نلحظ تقاطعا جانبيا، يتبدى في أن كلا الفصيلين الإيديولوجيين مرهونين بغيرية مانوية، الغرب موجود عند التكنوقراطي وجودا حاضرا، وعند الشيخ وجودا صامتا.

تغدو الإيديولوجيات العربية انطلاقا من هذا الترهين، حبيسة خطاطات وسيناريوهات واستراتيجيات بؤرتـها في كل الأحوال الغرب، لا نستطيع ـ إذا لم نبدأ في تشريح هذا التكبيل المعقد ـ إنتاج خطاب عربي حر، لهذا لا بد من تفكيك وكشف الحجب عن كل خطاب يدعي التأصيل وهو غير واع بلاشعوره المعرفي من جهة، ولابد من تشجيع سيكولوجيا التحفيزات التشريطية في المعرفة، انطلاقا، لم لا؟ من الثنائية الإكلينيكية المعقدة مستعمر(بالجر) مستعمر (بالفتح) التي اشتغل عليها كثيرا فرانز فانون في المعذبون في الأرض.

تتخذ عملية التشريط المعرفي عدة أشكال وتمثل بتجسيدات متباينة، تختلف توزيعاتـها باختلاف الظرفيات، لهذا فإن الارتكاز الدقيق على تاريخانية المعرفة يساعدنا كثيرا على استجلاء الخطاطات العامة لإرادة التأصيل المعرفي في الفكر العربي المعاصر.

لو نحاول المقارنة مثلا بين مقاربات الفيلسوف محمد إقبال، والدكتور عبد الوهاب المسيري، والباحث محمد أبو القاسم حاج حمد*، فإننا سنلاحظ بأن هؤلاء المفكرين يتقاطعون في هم إرادة التأصيل، إذ يشتركون في محاولة تجاوز أزمة ما يطلق عليه في نظرية المعرفة: النسبية المطلقة، ويشرّحون هذه الأزمة التي كانت تعد إطارا اجتماعيا معرفيا، انطلاقا من براديغم جديد ظهر في الفكرالغربي لتجاوز انغلاق ودوغمائية الوضعانية، ومن المفكرين الغربيين الكبار الذين حاولوا مليا صناعة هذا البراديغم الجديد نذكر على سبيل المثال لا الحصر نيتشه وهيدغر ودلتاي وماكس فيبر وجورج لوكاتش وكارل مانـهايم وميخائيل باختين.

لا يتوقف تشريح هؤلاءالمفكرين الثلاثة عند حدود الاستعانة ببدائل اقترحها الفينومينولوجيون، أو رواد المثالية الألمانية، أو الماركسيون؛ بل حاولوا إرساء دعائم نظرية بديلة مستمدة من معطيات ذاتية مبثوثة في الكيان العربي الإسلامي. ولكن باختلاف المعطيات التاريخية وبتجدد الأسئلة الأنطولوجية، نلاحظ بأن البديل الإقبالي له شحنات أقرب إلى جاذبية غرب الحرب العالمية، وشحنات المفكر السوداني محمد أبو القاسم حاج حمد أقرب إلى أسئلة الحرب الباردة، وشحنات المسيري أقرب إلى أسئلة العولمة.

إقبـال والعلـم كرؤيـة تجزيـئية للـواقع :

يعد كتاب تجديد الفكر الديني في الإسلام لمحمد إقبال كتابا محوريا في فكر هذا الرجل، إذ نلاحظ بأنه عصارة فلسفية ومعرفية رهيبة للفكرالغربي، استعان بـها إقبال لتغذية العقل العربي الإسلامي المستقيل، ولإعطاء بديل إنساني كذلك. حضرت أفكارأينشتاين، وبرتراند رسل، وبرغسون، وويتهايد.. بقوة في هذا الكتاب لمحاولة فهم معطيات أبعاد التجربة والفعل في الفكر العربي، خاصة عند المتصوفة، ونخص بالذكر منهم الحلاج.

يلاحظ إقبال بأن جوهر أزمة العلوم التي كانت سائدة في الفكر الغربي عموما، تلخص في ما يطلق عليه الإبيستيمولوجيون بالنسبية المطلقة، ويرجع سبب نتوء هذه الظاهرة إلى فكرة موت المرجعية القيمية والتشكيك الوضعاني في مقولة الكلية La totalité، سنؤجل الحديث عن مقولة موت المرجعية القيمية، لأنـها عولجت بطريقة عميقة في أفكار عبد الوهاب المسيري، وسنتناول مقولة الكلية في آراء إقبال.

مع نـهاية القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، اكتسحت العلوم كل الحياة في أوروبا، إلى أن وصفها البعض بالظاهرة العلموية. وبـهذا الاكتساح الذي ولّد شرخا كبيرا في مقولة العالم والإنسان والتاريخ والمعرفة، تراجعت كثيرا أنماط المعرفة التي تتعكز على علوم لا تقوم على التجربة، بل تقوم على التجريد، ونقصد بذلك على وجه الخصوص الفلسفة الميتافيزيقية.

وبظهور العلموية وقع إشكال كبير، جرح أساس المعرفة التقليدية الممثل في البعد الإحتوائي للكون: الكليات. قديما كانت رؤية الإنسان للكون رؤية أوقليدية، تنطلق من أن العالم الذي نعيش فيه مغلق، ولهذا سيكون أساس المعرفة من طبيعة تطابقية سميتيرية، يروم فاعلوها نسج صيغة لغوية تنسجم مع حيثيات الكون التام أو المغلق، لهذا أصبحت مقولة الكلية ـ في منطق أرسطو مثلا ـ دعيمة جوهرية لمحاولة فهم الكينونة، وأهم ما يلاحظ على هذه الكلية أنـها سكونية.

مع مجيء فيزياء نيوتن، وتحوّل مركزية الكون؛ إذ غذت الشمس مركزا للكون بعدما كانت الأرض في الأزمنة القروسطية، بقيت مقولة الكلية على قيد الحياة، ولكن اتخذت بعدا آخرا يمكن أن نطلق عليه البعد الدينامي، إذ تطلعنا فيزياء أو ميكانيكا نيوتن بأن العالم الذي نعيش فيه مغلق، ولكنه غير ساكن، بل تعجه الحركة والصراع، كما علمتنا أفكار كوبرنيقس وغاليلي بأن تغيير مركزية الكون سيشكك نوعا ما في علاقة العقل بالكون، إذ ما كنا نعتقد بأنه بسيط في العصور الغابرة أصبح معقدا، لهذا كان لا بد من إعادة فهم العقل من جهة، وفهم الطبيعة من جهة ثانية، وفهم التفاعل الحاصل بين العقل والطبيعة من جهة ثالثة.

مع بدايات القرن العشرين حصل شرخ ثالث في كوسمولوجيا المعرفة، بيّن أينشتاين بأن العالم الذي نعيش فيه لا يحتوي على مركز أصلا، فالشمس سيارة مع كواكب في مجرة التبان، وهذه المجرة لا تشكل سوى مجرة واحدة من بليارات المجرات العائمة في فضاءات لا منتهية، لا يمكن أن نحدّد كل عناصر هذا الكون المفتوح إلا بمنطق علائقي نسبوي، في حين كان أساس تحديد نظرة الكون التقليدية ينطلق بداهة من منطق ماهوي.

مع بروز المنطق النسبوي أفلت بالضرورة مقولة الكلية، لأن مفهوم الهوية لم يعد صالحا كأداة إجرائية يمكن بواسطتها مقاربة عالم مفتوح غير منته. كما أن مفهوم القيمة الذي يعد إطارا مرجعيا من طبيعة تواصلية وتشاركية لم يعد صالحا كأرضية خطابية في عالم يعيش الفضفاضية التامة.

حاول الكثير من المفكرين والفلاسفة الغربيين التصدي لهذا المنطق النسبوي الفضفاض، فمثلا ـ انطلاقا من هذا السياق ـ نفهم جيدا لماذا حاول مانـهايم أن يجعل الإيديولوجيا في تفاعلها الجدلي مع الطوبى مقوما أساسيا لكي يفهم ويتعرف الإنسان على العالم الذي يعيش فيه. أما عن إقبال ـ في هذا الإطار العام ـ الذي كان سائدا في أوروبا، حاول من جهته أن يعطي حلا لهذه المسألة، متخذا في ذلك طريقا جديدا، يعد تركيبا معقدا لعدة اقتراحات أخرى.

يرى إقبال، بداية، بأن الفكر أو العقل لوحدهما لا يمكن أن يكونا مصدرا للمعرفة، ويلاحظ بأن هذا الخطأ كلف كثيرا الفكر الإنساني عامة والفكر الغربي خاصة، لأن الاعتقاد بأن العقل التجريدي لوحده مصدرالحقيقة سيؤدي لا محالة إلى خسارة كبيرة، يقول في هذا الصدد : "أتمنى أنني برهنت بطريقة مثلى وواضحة بأن الحجج الأنطولوجية والحجج الغائية [ وهي حجج عقلية صرف] كما تعودنا عليهما، لا توصلنا إلى ما نرومه. وسبب خيبة هذين النوعين من الحجج أنـهما يقاربان الفكر دائما، كعامل يؤثر ويشتغل بطريقة برانية لمعاينة الأشياء. يعطينا هذه المفهوم من الفكر في حالة من الحالتين مجرد نظرة آلية، وفي الحالة الثانية يخلق لنا غشاء سميكا، لا يمكن اختراقه بين المثالي والواقعي" (2).

انطلاقا من نقد المبدأ الانطولوجي والمبدأ الغائي كمرتكزين في المعرفة، يقترح إقبال نـهجا آخرا في معاينات المعرفة، لأنه : "من منظور ما، من الممكن اعتبار المعرفة، بعيدا عن فهمها كمبدأ ينظم ويدمج أدواته من الخارج، كإرادة وطاقة وقوة تشكل أدواتـها انطلاقا من حيثياتـها. إن الفكرة أو الفكرعلى العموم ليس غريبا عن الطبيعة الأصلية للأشياء، لأنه عمادها الأخير ومكون جوهر وجودها" (3).

هنا تستشف ملامح تأثر إقبال بالفلسفة الأمبريقية الانجلوساكسونية، إذ يصبح أساس المعرفة انطلاقا من قوله المذكور أعلاه، هو التجربة الحسية، أو لقاح التجارب الثلاث: التجربة المادية، والتجربة الحياتية، والتجربة العقلية.

طبعا ستصبح مقولة التجربة عند محمد إقبال مقولة أساسية في فكره، ولكن لا يمكننا الجزم بأن هذا الفيلسوف حاول إعادة كل معطيات فلسفة دافيد هيوم، أو المنطق الامبريقي الذي وضع أسسه برتراند رسل، أو مدرسة اكسفورد، بل يرى بأن هنالك نوعا رابعا من أنماط التجربة لا بد من التركيز عليه، ويقصد بذلك التجربة الروحية أو الدينية : " إن العلوم الطبيعية تعالج المادة والحياة والعقل، ولكن في اللحظة التي نتساءل فيها عن الكيفية التي يتعالق بـها العقل والمادة والحياة بطريقة متناوبة، نفهم بسهولة الطابع التجزيئي والقصورالتام المتواجد في هذه العلوم عندما نريد منها أن تعطينا نظرة شاملة عن وجودنا. في حقيقة الأمرلا يمكن اعتبار معظم العلوم الطبيعية إلا بمثابة عقبان تحوم حول جثة الطبيعة، تـهرب منها كلما أخذت قطعة معينة.

تعد علوم الطبيعة علوما تجزيئية بامتياز، لا يمكنها ـ بأي حال من الأحوال ـ خاصة إذا كانت مخلصة لجوهرها ووظائفها الخاصة، أن تمرر نظرياتـها كرؤية كاملة تطال الواقع" (4).

إذن هنالك بعد رابع في التجربة، يقترحه محمد إقبال ليكون شاملا وحاويا للأبعاد المتبقية، يطلق عليه إقبال البعد الديني أو الروحي ويطلب منه أن يشغل حيزا مركزيا تركيبيا، ولا يفهم من الدين عند إقبال تلك الممارسات السلوكية أوالطقوسية أوالشرائعية، بل يقصد تلك التجربة الروحية الصوفية التي يكون أساسها الحدس والإيمان بوجود أبعاد كونية غير مستنفذة، مثل الزمن، الذي يعد موجودا يحتاج إلى كشف، فليس المستقبل سوى زمن أجّل اكتشافه.

يعطي إقبال عدة خصائص للتجربة الصوفية كي يبين بأنـها طاقة حدسية ذات كمون رهيب، وهذه الخصائص كلها تسير في الطريق المعاكس تماما للعقل التجريدي كما سنرى :

1 ـ إن التجربة تقوم على المعرفة المباشرة التي لا تحتاج إلى برهنة سيجيلموسية أو تمثيلية.

2 ـ امتلائية التجربة، خاصة التجربة الصوفية القائمة على الكشف، تمتاز هذه الخاصية الثانية بأنـها تتحدى كل العمليات التحليلية.

3 ـ إن المتصوف، انطلاقا من تجربته، يفهم جيدا أنه أثناء الاتصال تنمحي أناه وتتبدى الغيرية في فنائه، غيرية وحدانية ومتعالية ومهيمنة. وهذا ردع لمبدأ الهوية والذاتية البيركلية (نسبة إلى بركلي) والموضوعية، فالتجربة الصوفية تكون في كثير من الأحيان من طبيعة فينومينولوجية.

4 ـ إن التجربة الصوفية أقرب إلى الحالات الحسية منها إلى العقلية، لهذا تمتاز بظاهرة الصعوبة التواصلية.

5 ـ إن الفناء الذي يحياه المتصوف لا يعني بأنه بعيش خارج الزمن، بل لا بد من تفريق بين الزمن المادي والزمن الروحي، لهذا فالمتصوف يمكنه، زيادة عل معايشته للزمن المادي، أن يفتح فتوحات كينونية أخرى.

حاول إقبال في بحثه هذا، أن يقترح بديلا للمادية المطلقة التي كان يعيشها الغرب في القرن الماضي، بديل يقوم على الروحانية من منظورصوفي عربي إسلامي، فاستفاد من الوازع التجريبي المعرفي في الروحانية الإسلامية، وحاول أن يغطي به ذلك الفراغ الذي وصلت إليه العلوم الطبيعية في تحديد الإنسان والعالم والطبيعة.

فهم إقبال بأن أزمة الغرب أزمة روح، وأزمة مرجعية قيمية، لهذا سهل عليه الأمر فاستعان بضدية غيرية، فوجدها بطبيعة الحال التجربة الصوفية، لأنـها مآل كل واحد سيعيش تخمة مادية فجة.إذن نفهم من هذا بأن سبب تفكير إقبال في التصوف يرجع ـ زيادة على كونه يأتي من منطقة إسلامية مشبعة بالروحانيات ـ إلى منطق معاكس، فلولا بروز أزمة الإنسان الحديث في الغرب الذي يعيش العدم والتألية والمكننة بسبب التطبيع الذي يعيشه يوميا بتطورالعقلانية التقانية، لما شرط فكر وفلسفة إقبال ببعد روحي معاكس.

زيادة على ذلك، هنالك روح وإستراتيجية استشراقية، سقط فيها محمد إقبال سقوطا ملحوظا، فالفترة التي كانت في أوروبا بين الحربين، ولدت إنسانا يعيش الخراب والنيهيلية المتوحشة، فلاحظ المستشرقون، خاصة هنري كوربان ولوي ماسينيون بأن فتح الشرق الصوفي كموضوع دراسة، وكترياق جديد للإنسان الغربي الموغل في العدمية، سيساعد كثيرا على تجاوز الأزمة والكارثة، لهذا فصورة الحلاج وابن عربي والتفكير في علم جديد يدعى الإيرانيات ** L'iranologie والاهتمام المتزايد بالشرقيين، ومنهم إقبال على وجه الخصوص، ما هو سوى حوسلة *** أخرى للشرق، أي لا يعد الشرق الديني والصوفي في هذه الحال سوى ترياق عارض لفترة عابرة سيرمى في مزبلة الفكر بعدما يصبح غير صالح للاستعمال.

حاج حمـد، القراءتـان ضـد لاهـوت الأرض:

يضع المفكر السوداني محمد أبوالقاسم حاج حمد كتابي : العالمية الإسلامية الثانية، ومنهجية القرآن المعرفية، لتبيين نظريته الخاصة في نظرية المعرفة. وهو يضع الكلمات على الحروف، ويسمى الأشياء بمسمياتـها حينما يضيف أقنوما جديدا للدياليكتيك الحاضر في نظرية المعرفة.

يرى هذا المفكّر بأن نظرية المعرفة تعاني من نقص فادح في فهم الوجود والعالم والإنسان، فهو ليس ضد فكرة الصراع في حد ذاتـها، ولكنه ضد اختزال الصراع في الثنائية الفجة : جدلية الإنسان والطبيعة، لهذا نجده يقترح من البداية مقولة الغيب، لكي تكون في تداخل معقد مع العنصرين المتبقيين، فالجدل الموجود في الكون يكون بين الغيب والإنسان والطبيعة.

انطلق حاج حمد من مبدأين لنقد أسس المعرفة في العالم الحديث، لأنه ـ حسب رأيه ـ لا يمكننا فهم هم إرادة البدائل، إذا لم نستوعب استيعابا كاملا وشاملا الحدود والأزمات والتخبطات التي وقع ومازال يقع فيها العقل الغربي.

أول هذه المبادئ، التي يجب أن تؤخذ بين الاعتبار، أنه من الأحرى اختزال الغرب إلى بنية واحدة، أو بتعبير آخر لا بد أن نجد صيغة شاملة تركيبية، نتخذها منطلقا ومتعكزا لمحاورة الغرب، وهذا التركيب لا يمكن أن نراه إلا في الماركسية لعدة أسباب؛ فالماركسية تعد فلسفة نقدية، فضحت وعرت أقنعة العقل الإمبريالي، وساهمت بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في تخصيب وتجديد هذا العقل، لأن اللبيرالية استفادت كثيرا من انتقادات الماركسيين لإعادة تجديد هيئتها، وبعث روح جديد لتفتيق آفاق جديدة، كما أن الماركسية لا بد منها في العصر الحالي، لأن ما يطلق عليه الآن الإمبريالية الجديدة لا يعد سوى تنويع على الأسس الأولى للفكر اللبيرالي التي وجه لها ماركس نقدا وجيها في كتاب رأس المال، كل هذا يجعل الماركسية بمثابة مفتاح ضروري لفهم حيثيات التاريخ الحديث؛ يقول في هذا الصدد: "فالحقائق العلمية ـ على نسبيتها التاريخية ـ لا تعطي في حال تماسكها وتكاملها، أي في حال وحدتـها إلا المنهج الجدلي المادي كما صاغته الماركسية. إذ نستطيع القول بأن الماركسية هي الوجه العلمي المادي في الفلسفة للمقابل العلمي المادي في الواقع. وكل محاولة أخرى تنطلق من تحليل المعلومة العلمية في واقعها المادي، ولا تنتهي إلى الماركسية كأسلوب في التحليل الفلسفي لا تملك إلا أن تكون متناقضة مع مقوماتـها . بمعنى أوضح إن التأويل الفلسفي للعلم ينتهي بالضرورة إلى لاهوت الأرض في شكله التحليلي الماركسي" (5).

إذا كانت الماركسية ـ في فكر حاج حمد ـ تمثل منهجا ضروريا لاستيعاب وتجاوز العقل الغربي الإمبريالي، فإن الوضعية تجسد انحرافا خطيرا، فالغرب التنويري الذي رفع الشعار الكانطي: "الأنوار هي ألاّ تجعل أحدا يفكر في مكانك"، لم يتمكن من المحافظة على هذا الموقف بسبب التطور المذهل الذي وصلت إليه العلوم التجريبية.

والعجيب أن الغرب ـ على الرغم من فهمه العميق لماهية العلوم التجريبية الكامنة في محاولة التحكم في الطبيعة ـ نسي بأن الإنسان يختلف من حيث الماهية عن الطبيعة، إذ يوجد هنالك تنائيDistanciation بينه وبين العالم الذي يقبع فيه، لهذا فكل محاولة لتطبيع الإنسان ستبوء بالفشل، فالوضعية أوصلت الإنسان إلى التألية والمكننة والصراع، بتعبيرحاج حمد إلى دين جديد يطلق عليه اللاهوت الأرضي، أوصلت الإنسان إلى الانسحاق تحت مطرقة العلم وسندان التقانة.

" فأمام الهزات التي أصابت البنية الذهنية الإقطاعية والفكر اللاهوتي الكنسي أعاد الإنسان الأوروبي تحت طائلة المتغيرات نظرته إلى نفسه وإلى العالم. أصبح أكثر ميلا إلى الحرية بمعناها الاجتماعي والفردي، أصبحت هدفا يقاتل من أجله عبر تضخم الإحساس بالذات سواء بمعناها الرومانسي أو الفردي الرأسمالي أو الطبقي. لم يعد الإنسان قابلا للتقولب السهل والانقياد الأعمى.. طغت النقدية ضمن كل الاتجاهات وارتبطت بعلاقة جديدة مع الطبيعة التي أصبحت امتدادا عضويا للجسد وأصبح الجسد امتدادا لها. قد مجد إنسان الطبيعة في أوروبا من قبل..ثم مجد إنسان العلم وأصبح الفن المحرّم تعبيرا عن الحياة .. تكتسب الأخلاق هنا معنى جديدا كشأن ما جرى ضمن كل التحولات الجذرية في العالم" (6).

يرى حاج حمد بأن مشكلة تطبيع الإنسان لا تتوقف عند جغرافية الرجل الأبيض، بل هنالك نزعة تصدير تطال كل العالم، لهذا فالمبادرة الأولى التي يجب أن تتخذها كل ثقافة لها بذور العيش خارج أطر اللاهوت الأرضي، لا بد أن تتخذ قالبا دفاعيا، يحمل بين طياته بعدا عالميا، وهنا يبدأ الأستاذ حاج حمد بالتفكير في آليات دفاع، مستمدة من ثقافتنا الإسلامية العربية، لإرساء دعائم بدائلية جديدة.

يستغل حاج حمد كثيرا القرآن كمحطة أولية في بناء معرفة؛ ويرى بان القرآن بيّن بطريقة تحتاج إلى استبطان وتأويل، أسس المعرفة في الثقافة الإسلامية والثقافة العالمية بصفة عامة.

انطلاقا من تأويله للآيات الأولى من سورة العلق، اكتشف بأن هنالك قراءتين تطالان المعرفة في الوجود، قراءة بالله وقراءة مع الله؛ فالقراءة بالله تبيّن لنا أننا لا نستطيع أن نساير حركة الكون ونتفهم سيروراته دون تعلق بقدرة الله المطلقة في الحركة الكونية،  والقراءة بالمعية هي قراءة "بالتفهم العلمي الحضاري (القلم) لتجليات القدرة في نشاط الظواهر ووجودها وحركتها وتفاعلاتـها، وهو ما درج الناس على تسميته بالعلم الوضعي وأسميه بالعلم الموضعي، وذلك لأننا لا نقر بتحويل دلالات هذا العلم الموضعي ومدها كفلسفة وضعية.

في هذه الآية بالذات، (يقصد الآيات الأولى من سورة العلق) تم الربط والجمع بين علمين، علم رباني مفتوح على السجل الكوني، متعلق بقدرة الله التي تتجاوز في فعلها كل شروط الواقع الموضوعي وتكيفه من داخله كما تكيفه من خارجه، ليستوي إلى نتائج معينة تحددها (الإرادة الإلهية). وعلم موضعي قائم على أطر موضوعية محددة في نشاط الظواهر وكيفياتـها العلامية (7).

إن المتمعن في العلاقة الموجودة بين القراءة( ب:) والقراءة (مع:) يجد بأن إدخال مقولة ثالثة في نظرية المعرفة شيء لا مناص منه، ونقصد بذلك مقولة الغيب، وهنا يحسم حاج حمد أمره بالقضاء على نزعات المنطق القائم على الثنائيات الفجة والارتجاجية، لأنـها من خصائص منطق يقوم على أنطولوجيا الإنسان مقابل الطبيعة، والغيب كما يفهمه حاج حمد انطلاقا من دراسته للتجربة الموسوية والمحمدية، يتسم بالانفتاحية، فالإنسان يعيش بين غيبين وحقيقتين، غيب ما وقع، وغيب ما سيأتي، وحقيقة سماوية متجسدة في الكتب المقدسة، وحقيقة أرضية متمثلة في العلم الموضعي، فالكتب السماوية لا تدل على مطلق الغيب، والعلم الأرضي كذلك لا يعكس اكتفاء وجوديا، لهذا لا بد من أن يكون التأويل طاقة مستميتة لإحداث وتغذية جدلية تفتح الكل على الكل. إن الاعتقاد بوجود انفتاحية في الغيب يجعلنا نغير نظرتنا للعلم الموضعي وللنصوص المقدسة، إذ لا تصبح هذه المصادر المعرفية بمثابة تطابقات مع العالم فتتولد منها دوغمائية هزيلة، بل تصبح مهادا لانطلاقات اجتهادية مفتوحة تغير باستمرار علاقتنا بالعالم وتجعلنا مندغمين مع منطقه الحقيقي، منطق تداخل المطلق مع النسبي والمفتوح مع المغلق والمصادفة مع الضرورة.

إن مجرّد الاعتماد على هذا المنطق الثلاثي الجدلي، سيقضي لا محالة على أهم أزمات العالم الذي نعيش فيه، أولا سيؤسس لمبادئ أخلاقية قيمية جديدة تتسم بالانفتاح وباحترام الإنسان في جوهره، ومن جهة أخرى سيقضي على النزعات الداروينية والنيتشوية، التي تعد نتائج ضرورية لمنطق اختزل الإنسان في الطبيعة بقالب علمي وضعي تقاني، فكل محاولة لبناء إنسانية جديدة وإتيقا منفتحة يعد مرام كل الفلسفات التي تحاول تجاوز القلق الوجودي المعاصر.

نلاحظ بأن أفكار حاج حمد تقترب كثيرا من أفكار الفيلسوف الفرنسي رجاء غارودي، من جهة اعتماد الفلسفة الماركسية محطة لا بد منها في فهم العالم الحديث، أو لفهم اللاهوت الأرضي بتعبير حاج حمد، ولاهوت السوق بتعبير غارودي. من جهة أخرى يشترك حاج حمد مع غارودي في الدعوة إلى إنشاء عالمية روحية تتجاوز وتتصدى للعالمية المادية، ولهذا نجد بأن النزوع نحو التصوف كملاذ عند المفكرين له ما يبرّره في سياق طغيان ما يطلق عليه في الإتيقا الحديثة بالمادية المطلقة.

فعلا يختلف حاج حمد عن غارودي بمقولة الغيب والقراءة في القراءتين، فهاتان المقولاتان أصيلتان عند المفكر السوداني،  ولكنهما من جهة ما، تؤكدان ما ذهبنا إليه في بداية المقال، فتفكير حاج حمد ـ على الرغم من تبدي روح الأصالة فيه ـ لم يستطع الانفكاك من أواصر آليات الدفاع، فالموضعي يأتي مقابلا للوضعي، والمنطق الثلاثي بديلا للمنطق الثنائي، والعالمية الروحانية ملاذا عن العالمية المادية.

 

لسنا ضد فكرة التأصيل بالضديات والتقابلات، ولكن لا بد ألا نغفل بأن هذه الضدية ستولد فكرا يجسد ردات الفعل، أي فكرا انفعاليا وليس فاعليا بالضرورة، وإن الاستعانة بالمثالية الألمانية وتشعباتـها لنقد العقل الغربي لا يعد سوى تنويع على نقد الغرب للغرب.

المسيري: الحوسلة والنماذج التحليلة والمركبة :

إذا كان فكر المفكر السوداني حاج حمد ينطلق من أن الماركسية هي خلاصة تركيبية لا بد منها لفهم آليات المعرفة عند الغرب، فإن المفكر المصري عبد الوهاب المسيري يرى بأن الخلاصة الحقيقية التي تعكس الغرب لا يمكن أن نجدها إلا في الرومانسية. والرومانسية الغربية كما يفهمها المسيري تجسد لحظة احتجاج عنيفة في الفكر الغربي، وتعكس روح عصر مليء بالارتجاجات والتأزمات والتناقضات، تمثل الرومانسية ـ حسب المسيري ـ التركيبة الجدلية الهيغيلية بامتياز.

تخصّص عبد الوهاب المسيري في الشاعر الأمريكي ويتمان، ودرس في كبرى الجامعات الأمريكية، مثل جامعة ريتجرز وكولومبيا ويال، لهذا فإننا لما نقرأ الرجل نجده متمثلا تمثلا عميقا لأهم التيارات النقدية والفلسفية المعاصرة، مثل أفكار هربت ماركوزه، وتيودور أدورنو، وماكس هوركهايمر، والنزعة التفكيكية كما مثلها في أمريكا جوناتان كوللر، وبول دي مان.

نلاحظ كذلك في أفكار المسيري نزعة نضالية ذات بعد يساري حاملة لنقد ثقافي، يطال النماذج المعرفية والإدراكية، وهي نزعة تبحث عن الإنسان المفقود في زمن تعولم بثقافة الجسد، ونزعة تروم احترام النماذج المهمشة لنسف المركزية الأمريكية، لهذا يمكن إدراج فكر الرجل ضمن مساعي النقد ما بعد الكولونيالي، فهو قريب من فكر إدوارد سعيد، المفكر الأمريكي من أصل فلسطيني، وهومي بابا المفكر الهندي صاحب كتاب موقع الثقافة.

نلاحظ كذلك في فكر عبد الوهاب المسيري نزعة فيبيرية، فهو يقارب المعرفة من باب سوسيولوجي، ينطلق من البراديغم لتحديد فترة زمنية ولاختزال معطيات وترسبات وتنوعات هائلة في مقولة أو مقولتين، لهذا سنجد فكر المسيري أساسا لا يعد سوى محاولة لتجاوز ما أطلق عليه في مطلع القرن الماضي بالنسبية المطلقة في العلوم، والمادية المطلقة في الإتيقا.

إذن، هنالك عدة روافد ساهمت في عملية بلورة ونسج نظرية متكاملة عند المسيري، هنالك نزعة نقدية تجلت في التأثر بأفكار مدرسة فرانكفورت، وهنالك نزعة سوسيولوجية فيبيرية، وهنالك روح جمالية متمثلة في النقد الأدبي، وهنالك كذلك روح ايتيقية تحاول أن تتجاوز التشيؤ والتألية.

نلاحظ مرة أخرى ـ حينما نقرأ أعمال عبد الوهاب المسيري ـ وجود جرأة كبيرة في وضع ترسانة لابأس بـها من المصطلحات، ونذكر على سبيل المثال هذه المصطلحات المسيرية الخاصة : النماذج والخرائظ الإدراكية، والنماذج الإختزالية والمركبة، والمسافة، والتحيز، والحلول، والعلمانية الشاملة، والعلمانية الجزئية، والجماعات الوظيفية، والحوسلة، والنسبية الفضفاضة، والمطلقة، والموضوعية المتلقية، والموضوعية الاجتهادية ..

يرى المسيري بأن الفكر الغربي يعد فكرا تنسيبيا وظرفيا، له شروط إنتاجه وأسئلته الخاصة، لهذا لا بد من إيجاد صيغة شاملة لاحتوائه وغربلته ونقده وتجاوزه، وما الرومانسية سوى مذهب وفلسفة احتجاجية احتوت كل أطراف الفكر والعقل الغربي، والمسيري هنا يفرق تفريقا صارما بين رومانسية جوته مثلا التي تبحث عن إيجاد علاقة جديدة بين الإنسان والطبيعة، مع محاولة إضفاء البعد الإنساني على الطبيعة، ورومانسية نيتشه التي تمشي في طريق مغاير تماما للرومانسية الأولى.

تحاول رومانسية جوته، بسبب محاولة دؤوبة لتجاوز العقلانية الفجة، أن تؤنسن الطبيعة، للبحث عن الإنسان المقهور والمطموس في زمن تعمه نزعة التنظيم الشامل، أما رومانسية نيتشه، فهي رومانسية تحاول أن تطبّع الإنسان، لهذا فهي رومانسية تمحو دون هوادة تلك المسافة الموجودة بين الإنسان والطبيعة، إذا كانت رومانسية جوته من طبيعة أفلاطونية، تدعو إلى التسامي والارتفاع عن الطبيعة، فإن رومانسية نيتشه من طبيعة داروينية تدعو إلى الاندغام التام مع الطبيعة، لهذا فهي تبشر بعصر ثقافة الجسد، حيث سيعيش الإنسان بدون أرضية مشتركة مع أخيه الإنسان، بدون مرجعية وبدون مطلقية ما، فالغريزة لا يمكن أن تبنى عليها إتيقا، والإنسان لا يستطيع أن يعيش دون تشاركية.

إن سبب بروز الداروينية النيتشوية، وولادة زمن فيه ميتافيزيقا دون أعباء أخلاقية، هو التطور الهائل والثقة المطلقة التي أعطتها الحضارة التقنية للعلم، أي للأداة المباشرة التي يتمكن بـها الإنسان أن يسخر الطبيعة لصالحه، وهذه الإرادة المستميتة لتسخير الطبيعة تسخيرا إمبرياليا ولد في العصر الحديث نزعة تصنيمية تطال العلم، لدرجة أن هذه الفيتشوية طالت كل مجالات الحياة، وهذا ما يطلق عليه الأستاذ المسيري بالعلمانية الشاملة. يقول في هذا الصدد : " هذا هو ما أسميه العلمانية الشاملة التي تتميز عن العلمانية الجزئية في أن العلمانية الجزئية لا تدور في إطار القانون الطبيعي وحده، إذ أنـها تترك مجالا للقانون الإنساني (والأخلاقي والديني) ومن تم تسمح بقدر من الثنائية، وهذا يتضح في أن العلمانية الجزئية تطالب بفصل الدين عن الدولة وحسب، ولكنها تلزم الصمت بخصوص مفهوم القيمة المطلقة، والحياة الخاصة، والمرجعية النهائية للقرارات السياسية والاقتصادية، أي أنـها تترك حيزا واسعا للقيم الإنسانية (غير الطبيعية غير المادية) والأخلاقية المطلقة، بل للقيم الدينية، ما دامت لا تتدخل في عالم السياسة بالمعنى الفني ..

لكل هذا قمت بصياغة مصطلح " العلمانية الشاملة " لأصف وضع المجتمع العلماني بعد التطورات التي أشرت إليها، فهي إيديولوجية كاسحة لا يوجد فيها مجال للإنسان أو للقيم، ومن هنا فهي لا يمكنها أن تتصالح مع الدين أو القيم الثابتة أو الإنسان، وتحاول أن تختزل حياة الإنسان في البعد المادي وحسب" (8).

يستعين الدكتور المسيري بمقولة النموذج لتفسير وتبيين بأن الفكر الغربي ما هو سوى عقل ظرفي، وليد لحظاته، يكون من الخطأ الفادح إضفاء الطابع المتعالي عليه، أو الإيمان بمركزيته، لهذا نجده يضع مقولة التحيز لتحفيز ثقافة الاختلاف من جهة، ولإعادة الاعتبار للثقافات التي إن لم تتدارك الأمر بصناعة هويتها ومركزها الخاص فإنـها ستعيش عملية تذويب وتفتيت تطال هويتها وانتماءاتـها.

" النموذج هو بنية تصورية أو خريطة معرفية يجردها عقل الإنسان (بشكل واع أو غير واع) من كم هائل من العلاقات والتفاصيل والحقائق (الموضوعية)، فهو يستبعد بعضها بحسبانـها غير دالة ويستبقي البعض الآخر. ويربط بينها وينسقها تنسيقا خاصا، ويجرد منها نمطا عاما" (9).

انطلاقا من هذا التعريف، نستشف إرادة عند الدكتور المسيري للانـهمام بالذات، فمشكلة العالم المعاصرأن كل الثقافات المحلية تبقى رهينة تصورات خارجة عن حيثياتـها وأسئلتها، وما الفكر الغربي الذي يحاول أن يشومل كل العالم سوى فكر محلي يستحيل تطبيقه على الجميع، إلا إذا استعان أصحابه بالقوة لدفعه قدما نحو التحقق القسري القيصري، إذا لا بد أن تكون فكرة النماذج والخرائط المعرفية بمثابة قاعدة جوهرية لبناء مجتمع عالمي متعدد الأقطاب، بعيد كل البعد عن الأحادية والشوملة.

يرى الدكتور المسيري بأن هنالك نزعة صوفية أرضية تنتاب العقل الغربي، وهي نزعة من طبيعة حلولية ميتافيزيقية، خالية كل الخلو من الأعباء الأخلاقية، وسبب بروز هذه الصوفية الأرضية يرجع إلى بروز العلم، معدوم القيمة، ليتصدر النماذج، فيكون نموذج النماذج.

إن العلم بميكانيكيته الصارمة ولّد رؤية جديدة تطال الإنسان والعالم، فأصبح الإنسان ذا بعد واحد، حسي يقارب بفيزيولوجيته، مختزل في مادية صرف، لا يؤبه ببعده المعقد و المركب. وما طغيان ثقافة الجسد والتفكيك والنزعات التفتيتية والشكلانية سوى دليل واضح على هذا التقزيم المخل للإنسان.

إن من يقرأ أفكار المسيري، يرى حقا وعيا نافذا وثاقبا وإرادة حية لخلق ترسانة اصطلاحية ونموذج مستقل لبناء ثقافة مواجهة وآليات تفكير وأدوات إجرائية، ولكن يصعب حقا ـ في كثير من الأحيان ـ التعرف على ما هو أصيل في فكر الرجل، إذ لا نستطيع أن نفرق من الناحية المفاهيمية أو من الناحية الإيبيستيمولوجية بين مفهوم الحوسلة ومفهوم العقل الأداتي كما تجلّى عند فلاسفة مدرسة فرانكفورت، فقضية تحويل العالم إلى وسيلة سبق وأن تطرق إليها هيدغر وأدورنو ووالتر بنيامين بإسهاب كبير في مؤلفاتـهم، كما أننا لا نستطيع أن نفرّق بين مفهوم المسافة عند المسيري ومفهوم التنائي عند الفلاسفة الميتافيزيقيين والأخلاقيين، وبين مفهوم الإنسان المركب والإنسان المختزل، والإنسان ذي البعد الواحد كما دقق فيه هربرت ماركوزه.

من جهة أخرى لا نستطيع بسهولة أن نفهم فكرة التحيز وهي نقد للموضوعية المتلقية، بعيدا عن النقد الهيرمينوطيقي الذي أعاد الاعتبار لمقولة المسبقات، ونظرية غادامير حافلة بـهذا المبدأ. وعلى الرغم من أن المسيري يعد أكثر استيعابا للغرب بحكم معاصرته للمعطيات والنظريات الحديثة، إلا أننا نرى في فكره غيابا تاما للاستثمار التراثي، عكس محمد إقبال، ومحمد أبو القاسم حاج حمد، اللذين تعد مؤلفاتـهما محتفية بالتراث كقاعدة انطلاق لتفكير بديل في عصر البدائل.

نخلص ـ في آخر المطاف ـ إلى أن محاولات التأصيل لا بد أن تأخذ بعين الاعتبارغيرية الغرب كتشريط وكسناريوهات وانعكاسات وخطاطات، فمن السهل أن نضع الروحانية ضد المادية، والتركيب ضد الاختزال، والمسافة ضد المحو، واللاهوت السماوي ضد اللاهوت الغربي .. ولكن من حيث يسري هذا المنطق الضدي فإنه لا يخدم كثيرا الفكرالتأصيلي، لأنه يربط عملية التفكير بمانوية محضة، لا يمكن الخروج من احتمالاتـها المقدّرة، فالتفكير التأصيلي لا بد أن ينطلق فعلا مما هو سائد، ولكن لا بد من تعرّفه على حدود تجربته المانوية، وبعد ذلك يحاول جاهدا أن يفتح احتمالات متعددة لمعرفة الخيارات الممكنة لبناء معرفة بعيدة عن النمذجة والحضور الغربي، فليس شرطا أن يفهم قلقامش حقيقة ذاته فقط مع أنكيدو !!.

هـوامـش :

1 ـ عبد الله العروي، الإيديولوجيا العربية المعاصرة، المركز الثقافي العربي، بيروت/الدار البيضاء، 2003، ص61.

* ـ اخترنا هذه المشاريع لأننا لاحظنا فيها إرادة عميقة للتأصيل، ولأن أصحابها حاولوا أن ينقدوا الغرب وينزعوا الطابع الأسطوري الذي ينتابه كإطار مرجعي وحيد، كما أن هذه النماذج الفكرية لم تلق حظا وفيرا من الدراسة مثلما لاقته أعمال محمد عابد الجابري، وعبد الله العروي، وطه عبد الرحمن، وعبد الكبير الخطيبي ..

2- Mohammed Iqbal: Reconstruire la pensée religieuse de l'Islam, traduit par Eva Meyerovitch, édition; Libraire d'Amérique et d'Orient, 1955; p38.

3- Ibid; p38.

4- Ibid; pp 49/50.

** ـ العلم الذي وضعه المستشرق المعروف هنري كوربان.

*** ـ الحوسلة مصطلح منحوت من العبارة التالية: تحويل إلى وسيلة، وضعه المفكر المصري عبد الوهاب المسيري كمقابل لمصطلح العقل الأداتي أو الاستعمالي .

5 ـ محمد أبو القاسم حاج حمد: العالمية الإسلامية الثانية، جدلية الغيب والإنسان والطبيعة، مج 1، International studies and research bureau British west Indies ، ط2، 1996، ص356.

6 ـ المرجع نفسه: ص263/264.

7 ـ المرجع نفسه: ص457.

8 ـ عبد الوهاب المسيري، رحلتي الفكرية، سيرة غير ذاتية، غير موضوعية، دار الشروق، القاهرة، ط2، 2006، ص395/396.

9 ـ المرجع نفسه: ص366.

Pour citer ce document

وحيد بن بوعزيز, «آليات إرادة التأصيل وأزمة المرجعيات الصامتة في الفكر العربي النقدي المعاصر»

[En ligne] العدد 09 أكتوبر 2009N°09 Octobre 2009 ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales
Papier : pp : 56 - 69,
Date Publication Sur Papier : 2009-10-01,
Date Pulication Electronique : 2012-05-07,
mis a jour le : 20/02/2014,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=432.