نظريات تحليل النصوص : بدائل منهجية أم رؤى تنميطية قراءة في مشروع جان ميشال آدام
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

28

العدد 09 أكتوبر 2009 N°09 Octobre 2009

نظريات تحليل النصوص : بدائل منهجية أم رؤى تنميطية قراءة في مشروع جان ميشال آدام
pp : 80 - 90

رياض مسيس
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

اتّسع مجال لسانيات النّصّ كثيرا في الآونة الأخيرة جرّاء انضمام كثير من الباحثين من مشارب عدّة إليها، بُغية تأسيس قواعد يكون بالإمكان تطبيقها على جميع النّصوص وهو أمر في غاية الصّعوبة والتّعقيد لأسباب عديدة يأتي اتّساع حقل لسانيات النّص في مقدّمتها، ليشمل مجالات معرفية كثيرة ليسير بذلك ـ حسب بعض النّقاد ـ إلى الاتّصاف بالعلم الشّامل، وهو أمر أثار الكثير من المخاوف، من صعوبة في تحديد المصطلح إلى استحالة التّوفيق بين توجّهات كثيرة انضوت جميعها تحت مظلّة نظرية النّص ..

قبل أن نخوض في بعض الأفكار التي بلّورها "جان ميشال أدام" في مشروعه النّصّي، لا بدّ من الإشارة إلى ذلك الفرق الزمني الحاصل بين المدرستين الإنجليزية والألمانية من جهة، والمدرسة الفرنسية من جهة أخرى، إذ كانت هذه الأخيرة متأخّرة بربع قرن كامل عن المدرستين السابقتين، في محاولة التنظير والتقنين لنظرية النّصّ، حيث أسس لها من لدن أنصار النّقد الأنجلوسكسوني، من خلال الكثير من المؤلفات التي حاولوا فيها وضع أُطر تساعد على تحليل النّصوص، إذ تبلورت أفكاركثيرة من خلال تطوير أعمال حلقة براغ وغيرها من الاجتهادات التي حاولت جميعها صياغة قواعد جديدة، لكن بخلفيات قديمة، باتّكائهم على بعض أفكار البلاغة القديمة. أمّا في الجانب الفرنسي، فلم تكن الحال كذلك، إذ تأخّرت المدرسة الفرنسية كثيرا عن سابقاتـها في هذا المجال، بفعل الاهتمام الذي كان منصبّا حينها على الأعمال السيميائية وتحليل الخطاب، حيث لم يهتم باللسانيات النّصية ولم يشر إليها إلاّ نادرا (1)، لذلك حاول "جان ميشال أدام" ـ بداية من مؤلّفه (اللّسانيات والخطاب الأدبي) (Linguistique et discours littéraire)الذي وضعه بمعيّة قولدنستاين :Goldensein سنة 1976م،  وصولا إلى كتابه"الوصف" ( La description)1993م، مرورا على وجه الخصوص" بالنّص السّردي"(Le texte narratif) 1985 م و ًالنّص الوصفي"(Le texte descriptif) 1989م ومؤلّفه الهام الذي عُدّ فيما بعد من ركائز اللّسانيات النّصية والتّداولية الموسوم بـ مبادئ اللّسانيات النّصية"(Eléments de linguistique textuelle) 1990 م، دون أن ننسى الكتاب الآخر المعنون بـ" اللّغة والأدب"(Langue et littérature) 1991م ـ وضعَ إطار عام للسانيات نصّية وتداولية، لم تكن وليدة أفكار جديدة كل الجدة، وإنّما كانت ترجمة حرفية لطموحه في تطوير كثير من أفكار سابقيه في هذا المجال.

مستويــات تحليل النصـوص :

يرى "جان ميشال أدام" أنّه ينبغي على اللّساني إذا أراد الكلام عن"النّصّ" الخروج عن إطاره اللساني الصّرف، وعليه أن يُعيد النّظر في الموضوع الذي سيتناوله بالدراسة، وهو الأمر الذي انتبه إليه "باختين" بداية من سنة 1924م عندما حاول إعادة تحديد موضوع اللسانيات، ورأى حينذاك أنّه بالإمكان الذهاب بعيدا بالتّحليل اللّساني، وبالتّالي تجاوز حدود الجملة، وهوأمر صعب، ولكنّه ـ حسبه ـ ضروري للخروج من بوتقة القواعد المعيارية التي كبّلت النقاد وجعلتهم حبيسي نظرة ضيّقة جدّا، وهو ما لمسناه في عمله الذي ظهر بعد خمس وثلاثين سنة من طرحه لهذه الإشكالية (أي سنة 1978م)؛ وبدا لنا هذا العمل تحليلا فلسفيّا باستطاعتنا موضعته في منطقة حدودية بين الأدب وعلم الأصوات واللّسانيّات .. (2).

انطلق "أدام" من مثل هذه الأفكار، وحاول بدوره إقامة نظرية للنّصّ حافظت ـ في جزء كبير منها ـ على إرث السابقين، وانفتحت بالمقابل على كثير من أفكار العصر خصوصا ما تعلّق منها بالنّزعة التّداولية التي عرفت تبلوُرا وتطوّرا كبيرين في تلك الفترة.

 يذهب  أدام إلى أنّه يتوجب على المعالجة اللسانية للنّصّ أن تتعرض إلى مستويين اثنين يكملان بعضهما :

1- المستوى المقطعي Niveau Séquentiel   :

أو النظر إلى النّصّ على أساس أنّه بنية معقدة، يتكوّن في مجمله من بنيات مقطعية مرتبطة ببعضها في شكل يساعدنا على وصف النّصوص وصفا دقيقا "فالنّصّ بنية مقطعية مشكّلة من مجموعة من المقاطع المكتملة أو المقتضبة" (3)، لذلك فمهمّة لسانيات النص هو وصف الكيفية التي تتعالق بـها هذه المقاطع لتكوّن نصّا، أو بالأحرى كيف تتفاعل، وكيف تترابط فيما بينها ؟. وفي هذا المستوى بإمكاننا الحديث عـن التّرابط وعـن الإتساق في علاقتهما بالتتابع الموضوعاتي.

ضمن هذا الإطار، حاول أدام بلورة نظرية عامّة للبُنى المقطعية القاعدية (Théorie générale des structures séquentielles de base  )، يكون بإمكاننا وصف النصّ ـ من خلالها ـ بالانطلاق من التّعريف السّابق الذي وضعه له، وكذلك من كون الوحدة النّصية التي أسماها "مقطعا" (séquence)، والتي يمكن أن تُعرّف على أساس أنّها بنية (Structure) هي في الواقع : شبكة من العلاقات المتدرّجة، أو هي عبارة عن كلّ مكوّن من أجزاء مترابطة فيما بينها. كلّية أُحادية مجسّدة مـن خلال ذلك الانتظام الدّاخـلي، وهـي في علاقة ارتباط مع الكلّ (4).

تمرّ عملية الدّراسة من هذا المنظور، عبر معرفة مختلف البُنى المقطعية التي بالإمكان أن تساهم في تكوين النص، ففي المستوى المقطعي، من الضروري جدّا التمييز بين البُنى الكبرى بمختلف أنواعها (سردية، وصفية..) وبعد الإدراك الجيّد لطبيعة كلّ البُنى ـ التي باستطاعتها تكوين النص ـ ونوعها، يتحتم علينا التمييز بين بنيتين اثنتين، واحدة متجانسة (Homogène) والأخرى غير متجانسة (Hétérogène)، فإذا اتضح لنا أنّ النص عبارة عن بنية متجانسة ، فإمّا لأنه مكوّن من بنية مقطعية واحدة مهما كان نوعها، أو أنّه مكوّن من مجموعة من البُنى من النّوع نفسه، كأن تكون سردية  أو حوارية أو برهانية.

يورد لنا "جان ميشال أدام" فرضية العمل التي انطلق منها، فيقول :"فرضيتي في العمل تتمثّل في الاهتمام بذلك الانتظام والتناسق الذي تحدّث عنه باختين، أو بالأحرى التناسُق المقطعي، حيث يكون من المعقول اختصار المقاطع القاعدية في مجموعة من النّماذج: السّردية، الوصفية، البرهانية، الحوارية والتّفسيرية" (5).

وعلى الرّغم من كلّ ما قيل عن هذا التحليل من محاولةٍ لتحديد أهمّ مفاهيمه الأساسية بغية استثمارها في التحليل، فإنّه يجد نفسه أمام جملة من الإشكالات المرتبطة أساسا  ـ حسب أدام ـ بطبيعة العلاقة التي تربط النص بالمقطع في حال ما إذا كان النص مكونا من عدّة مقاطع من نفس النّوع أو حتى مختلفة؛ أضـف إلى ذلك مسألة التحديد الدقيق للبنى المكوّنة للمقاطع في حدّ ذاتـها،  بمعنى هل هناك معايير ثابتة نتعرّف من خلالها على المقطع؟، ثم هل لهذه المقاطع من حدود بعينها، وأطر قارّة تُلائم كلّ النّصوص، وتصبح حينئذ بمثابة قواعد شاملة ؟.

يُجيب"أدام" عن هذه التّساؤلات وغيرها، بكون"النّظرية العامّة للبُنى المقطعية القاعدية" مازالت في بداياتـها الأولى وتحتاج إلى تطويرات وتحويرات، قد تستغرق سنوات من العمل والبحث، لذلك لا ضيرـ حسبه ـ من الاتّكاء والاستنجاد بالعمل التّنظيري في مجال السّرد والوصف والبرهنة وغيرها، واقترح ـ بالموازاة مع ذلك ـ الأخذ بعين الاعتبار الأنواع الستة التالية التي تُعتبر بمثابة بُنى قاعدية يرجع إليها كلّ باحث نصّي يروم تحليل مدوّنة ما من خلال هذه النّظرية ، وهذه البنى هي :

1 ـ السّردية : (Narrative)، وترتبط بالأحداث الكرونولوجية المنقضية، وهذا النّوع ـ حسب الباحث ـ هو الذي دُرس بطريقة جيّدة من قبل البلاغة القديمة، ومن قبل الشعرية والسّيميائية، " فالأبحاث حول السّرد الشفوي مكّنت من تجاوز الحدود البنيوية أثناء عملية الوصف" (6)، ولكي يكون هناك سرد لا بدّ من توفّر ستة عناصر :

أ ـ بطل إنساني ثابت – مفردا كان أم جماعة.

ب ـ موضوع معالج من البداية إلى النّهاية.

ج ـ تتابع زمني ولو في درجة دنيا

د ـ تحوّل المواضيع أثناء عملية السّرد من خلال البداية، التّنامي والنّهاية.

هـ ـ منطق أحادي.

و ـ نـهاية في شكل تقييم ختامي(7).

2 ـ أمرية / تعليمية (Injonctive) : والتي نسمّيها"إجرائية"، ويدخل ضمن هذا النّوع من البُنى المقطعية النّصائح والقواعد المرتبطة بتنظيم وتفنين حياتنا الخاصّة والعامّة، وقد تتحدّد درجة الصفر لمثل هذا النّوع من المقاطع في كلمة "قف ـ مثلا ـ".

3 ـ وصفية (Déscriptive): والتي تمثّل "تلك التنظيمات غير الخطية  و غير السّببية، ولكن تلك المتدرّجة المنسّقة بواسطة بنية معجمية" (8)، فالترقيم (Enumération) على سبيل المثال، هو بمثابة الدّرجة الصّفر لهذه البنية (9).

4 ـ برهانية (Argumentative) : يجب ألا ننفي في هذا الإطار التوجه البرهاني لكلّ النصوص ، فكلّ نصّ يحمل في طيّاته بُنى مقطعية برهانية تساعده في أن يصنع لنفسه مكانا ضمن عالم النّصوص، وتمثّل عملية القياس (Syllogisme) درجة الصّفر لهذه البنية، وضمن السّياق ذاته بإمكاننا الحديث عن الأفعال الكلامية التي أصبحت تشكّل نظرية بأكملها لدورها في عملية البرهنة.

5 ـ تفسيرية (Explicative) : تـهدف هذه البنية إلى شرح قضية ما أو إعطاء معلومة في مجال معيّن، وهي عموما مقترنة بتقديم وتحليل المفاهيم.

6 ـ حوارية (Dialogal): اعتبرت الأعمال الدائرة في هذا المجال، عملية الحوار تتابعا وتغيّرا لتبادلات لسانية تتم بين أكثر من متكلم واحد، وعلى أكثر من صعيد، فالبُنى المقطعية الحوارية، هي " تتالٍ متدرّج لبُنى تُدعى مبادلات" (10)، وضمن هذا الإطار، صنّف "أدام" الحوارات الهاتفية والتفاعُلات اليومية الشفوية والحوارالرّوائي والمسرحي .. أمّا البنية الشّعرية (Structure poétique)، فيرفض"أدام" تصنيفها على غرار عمله مع بقية البُنى المقطعية الأخرى، وسبب ذلك راجـع لتلك الخصوصيات التي تتميّز بـها والتي تتحدّد من خلالها على أنّها "مقننة في المستوى السّطحي بواسطة مسار تكويني يكون منطلقه إقامة توازن بين البّنى المقطعية الأخرى" (11)، وإضافة إلى هذا التوازن الذي تقيمه البنية الشعرية من خلال تلك العلامات التي تربط البُنى ببعضها، فإنّ النصوص الشعرية تمتلك ميزة لها من التّأثير ما يجعلها فعلا تميّز الشّعر عن بقية الأجناس الأدبية الأخرى، وهي التي تتعلّق بالإيقاع وما يُضفيه على النصوص من مسحة جمالية زيادة على دوره البنوي المحض ..

2 ـ المستوى التّداولي  (Niveau pragmatique  ) :

إنّ الانطلاق من مفهوم النّص ككلّ متكامل يفرض علينا تجاوز العلاقات الخطية لعملية الترابُط فيما بين الجمل للوصول إلى الحديث عن العلاقات غير الخطّية للاتّساق وللانسجام التي يمكن تحديدها بواسطة العناصرالمكوّنة للنص على تنوّعها ..

يقترح علينا "جان ميشال أدام" في هذا المستوى من التحليل الحديث عن الجانب التداوُلي للنّصوص بعد أن تجاوز الجملة إلى فضاء النص، وأكثر من هذا، يبرز لنا ثلاث محطات يتوجّب الوقوف عندها بنوع من الرّوية للإحاطة بالنص جيّدا، إذ من الضروري عدم إغفال المسألة الدلالية المرجعية والتلفّظية والبرهانية، وهي مسائل ثلاث كفيلة بالإجابة عن كثير من الأسئلة العالقة، وهـي ثلاثية أضحت مفضّلة عند الكثيرين في أيّامنا هذه حسب تعبير أدام :

أ ـ المكوّن الدلالي المرجعي :  ( La composante sémantique référentielle ) :

يتعيّن على المحلّل في هذا المستوى الإشارة إلى أنه باستطاعة النص تكوين تمثيل خطابي بصورة متدرّجة، وأكثر من هذا يرى أدام أنّه بإمكاننا تلخيص النّص واختصاره في جملة أو حتى في عنوان، وهذا مهما كان طوله، فالمطلوب من خلال الحديث عن البُنى الدّلالية الكبرى (Macro- Structure sémantique) أو مواضع الخطاب، هوتعيين الظواهر التداولية المساهمة في تكوين النص،  فموضوع الخطاب " عبارة عن فرضية متعلقة بمبادرة يقوم بـها القارئ بطريقة أوّلية وتكون في شكل سؤال يُترجم في جُمل" (12).

وضروري جدّا ـ حسب أدام ـ إبراز الظواهر التداولية المرتبطة بالبنية الدّلالية الكبرى، أو بموضوع الخطاب عن تلك الأكثر اتّساعا والأكثر صغرا المساهِمة في تكوين النّظائر، إذ "انطلاقا من هذا المستوى (التداولي) يكون بإمكان القارئ منح الامتياز لبعض الخواص الدّلالية للكسيمات  ( Léxèmes )"(13)، كما يكون بمقدوره كذلك إنشـاء مستويات للإتساق التأويلي الذي يُساهم مفهوم النّظائر في وصفه كذلك.

ب ـ المكون التلفّظي :  (La composante  Enontiative) :

إذا انطلقنا من كون النص كلا متسقا ومنسجما، فمعناه أن تكون له قاعدة تلفّظية ينطلق منها، والتّلفّظ عموما هو "الفعل الفردي لعملية الإنتاج في سياق محدّد، وينتج عنه ما نصطلح عليه بالملفوظ (Enoncé)"(14)، فالتلفّظ انطلاقا من هذا التعريف هو استعمال فرديٌّ للغة، وناتج العملية عبارة عن متتالية منتهية من الجمل هي الملفوظ.

يحدّد "غريماس" عملية التلفّظ من زاويتين مختلفتين، فإمّا أن يتحدّد كبنية عبر لسانية (مرجعية) أو كبنية لسانية مرتبطة بوجود الملفوظ ذاته.

في الحالة الأولى، يمكن أن نتحدّث عن "مقام التواصل"(Situation de communication) أو عن السّياق السّوسيونفسي (Contexte Psychologique) لإنتاج الملفوظات، أمّا في الثّانية، فننطلق من اعتبارالملفوظ النّاتج عن عملية التلفّظ طرفا في عمل أكبر يتحدّد من خلال جملة الملفوظات الأخرى .. فإذا أخذنا بالاعتبار الأوّل، فإننا نقترب بالملفوظ من الفعل اللّغوي (Acte du langage) بخاصّيته الفردية، أمّا الاعتبار الثّاني، فيجعل من الملفوظ مكوّنا أحاديّا (Composante autonome)، ضمن نظرية اللغة، حيث يساهم بمعية المكوّنات الأخرى في بلورة الخطاب، وهي النّظرة التي يجب أن نأخذ بـها لأنّها لا تعزل الملفوظات بعضها عن بعض، وإنّما تنظر إليها في كلّياتـها  (15).

ج ـ المكوّن البُرهاني : ( La composante argumentative) :

ذهب ً ليو أبوستيل Léo Apostel  بعيدا في تعريفه للنص، إذ عدّه مقطعا مكوّنا من أفعال خطابية (Acte de discours) وأكثر من هذا ، يمكن أن يُعتبر المقطع فعلا خطابيا موحّدا، لذلك فإنّه لا يخفى على أحد التوجّه البرهاني لكلّ النّصوص، ويمكن لهذا التّوجّه أن يُختصر في فعل خطابي واحد، وإذا كان سيرل (Searle) قد عزل أفعال الخطاب  أثناء دراستها عن الكلّ الذي ينتمي إليه، فإنّ هناك آخرين ـ ومنهم أدام ـ نظروا إليها من خلال المقطع الذي يحتويها جميعا.

لقد ارتبطت عملية البرهنة في البلاغة القديمة بالجمل التي تبحث عن الإقناع(16)، وأكيد أنّ هذا الإقناع يتمّ بوسائل مختلفة من مقابلة وقياس وغيرها، لذلك فهدف التحليل عند هذه النّقطة بالذّات هو الكشف عن هذه الوسائل والأدوات، ثمّ إنّ كلّ نصّ كفعل تواصليّ موجّه يهدف إلى غاية بعينها لأنّ فعل الخطاب لا يأخذ معناه من ذاته، وإنّما من المسار الشّامل الذي لا يمثّل إلا لحظة منه، "فالنّصوص وإن كانت عبارة عن متتاليات من الجمل، فإنه بالإمكان تحليلها في المستوى التداوُلي كمتتاليات أفعال كلامية" (17).

3  ـ أربعة فرضيات من أجل تداولية نصّية :

لتدعيم مشروعه النّصي يقدّم لنا أدام أربعة فرضيات، بإمكان أيّ باحث يشتغل في الميدان أن يستعين بـها  في تحليله للنّصوص، وهذه الفرضيات هي في الواقع حصيلة جملة من الملاحظات ارتبطت بالبحث النّصّي، رأى الباحث أن يصنفها في أربعة نقاط، كما تتفرّع عن هذه الفرضيّات فرضيات أخرى ترتبط أساسا أو لنقل إنّها تحاول تحديد المجال التّداولي النّصّي، أمّا عن الفرضيات الأساسية فنلخّصها فيما يلي :

ـ الصّفات النّصية للممارسات الخطابية.

ـ ترابط النّصانية وإتساقها وانسجامها.

ـ الحاجة إلى التّفرقة بين النصّانية الجزئية والنصّانية الكلّية.

ـ الانبناء المقطعيّ غير المتجانس للنصانية (18).

بعد أن أوجزنا أهمّ خصوصيات كلّ فرضية يمكن أن نعدّها قاعدة، بل حتى قانونا يساعدنا في تحليل النّصوص، سنعرض فيما سيأتي لكلّ فرضية على حدة :

الفرضية الأولى :

"يتميّز كلّ سلوك إنساني لساني بصفة النّصوصية"(19)، فالمتغيّرات الشفوية لا تعتمد ـ حسب أدام ـ على الجملة كوحدة تكوينية على غراراللّسانيات التي جعلت منها موضوعا لها وطوّرته فيما بعد لتصل إلى النص كمستوى أعلى للتحليل، وفي هذا المستوى باستطاعتنا أن نتحدث عن قضية الملاءمة بين الواقع الخارجي والبنيات اللّغوية التي تكوّن النّص، هذه الملاءمة التي نضمنها من خلال عملية التّأويل.

أ ـ الفرضية المتفرّعة الأولى: " لكي ينتشر نصّ ما داخل جماعة، يتوجّب عليه أن يحوز كفاءة نصّية للمواضيع الشفوية المكتوبة"(20)..إن اتساع الكفاءة اللّسانية (Competence linguistique) بالمعرفة الدّاخلية للغة، يجب أن يكون من خلال مجموعة من الكفاءات الأخرى المكمّلة لها، تختصّ الأولى بالكفاءة التواصُليّة (Competence de communication ) ممثّلة في النّشاط السّيميائي للمواضيع والأدوات المكوّنة للنص، فيما يرتبط الثّاني بالكفاءة الخطابية (Competence discursive)،  وهي التي تسمح للمتلفّظ بتأويل الملفوظات، ومن خلال هاتين الكفاءتين سيكون بإمكاننا الحكم على كثير من القضايا كمسألة الاستحسان (Acceptability) والاستقبال (Recevabilité) والملاءمة (Pertinence)، وكلّها مسائل تُزاوج بين المستويين اللّساني والمقامي، وأكثر من هذا يستطيع المتكلّم من خلال هذه الكفاءة النصية العامّة إنتاج ملفوظات مترابطة ومتسقة، كما تسمح له كذلك بإنتاج مقاطع خاصّة : سردية، وصفية، حوارية.

ب ـ الفرضية المتفرّعة الثّانية : " لا تلتقي كفاءات المتلفّظين النصية بالضّرورة" (21). إنّ الإنتاج النصي كالإنتاج اللّغوي، يكون البعد التأويلي فيهما مرتبطا بالبعد التوليدي ـ على حدّ تعبير إيكو ـ "فالنص مجموع مبَنْيَن من خلال فعل القراءة منتج بواسطة اتفاقات معروفة على الأقلّ عند جماعة من القرّاء والكُتاب" (22)،  وهو الأمر الذي يفسّرـ حسب رأينا ـ اختلاف عملية القراءة والتّحليل من جرّاء اختلاف كفاءات القُرّاء، وحتّى الكُتّاب، فنحن عندما نتكلّم أو نكتب، فإنّنا نختار بالضّرورة البنيات القادرة على توصيل ما نُريد، كما أنّ الاتّكاء على معرفة موحّدة كفيل بتسهيل الكثير من القضايا المتعلّقة بالنّصوص.

الفرضية الثّانية :

"النص إنتاج مترابط، متسق ومنسجم، وليس تجميعا فوضويا لكلمات وجمل وأفعال تلفُّظية" (23)، سننطلق في هذا المجال من الثّنائية التقليدية المعروفة "الاتّساق والانسجام"، ونُضيف إليهما بعض التغييرات، إذ يُصبح الاتساق متعلّقا بالترابط وبالتتابع، أمّا الانسجام، فيرتبط بالملاءمة.

وبعد هذه الإضافة البسيطة، نستطيع أن نتكلّم عن أهمّ المصطلحات المستعملة في ميدان البحث النصي، ويتعلق الأمر بـ : الترابط، الاتساق، والانسجام ..

ـ الترابط ( Connexité) : يرتبط بالعلاقات النّحوية الموجودة بين الجُمل وبين الوحدات اللّسانية، وبالإضافة إلى وجوده داخل الجُمل والتراكيب، فإنه حاضر من خلال  جملة من الظواهر اللّسانية الأخرى، كالإحالة والتكرار وغيرها.

ـ الاتساق ( Cohésion) : "وله مفهوم دلالي" (24)، إذ لا داعي للحديث عن علاقته بالتتابع الموضوعاتي، ولكن تكفي الإشارة إلى أنه مرتبط بالسّياق الدّاخلي (Cotexte) الذي يتجسّد من خلال مفهوم النظائر الذي بلوره "غريماس" بداية من سنة 1966.

ـ الانسجام  (Cohérence) : وهو ليس بميزة لسانية للملفوظات عند أدام، "ولكنه نتيجة لنشاط تأويلي" (25)، لذلك فالحكم بالانسجام يأتي نتيجة معرفة التّوجّه البُرهاني الشّامل للمقطع الذي يسمح بإنشاء الرّوابط بين الملفوظات غير المترابطة وغير المتسقة وغير المتتابعة، وغير المنسجمة، وغير الملائمة للسّياق العام.

أ ـ الفرضية المتفرّعة الأولى: " يُعرّف كلّ إنتاج لغوي من خلال بناء مزدوج، أمّا الأوّل فيتعلّق بنظام اللغة (البنية الأوّلية)، ويرتبط الثّاني بالنص وبآليات اشتغاله (البنيةالثّانية)"(26). تحدّد عملية الانبناء الأوّلي ـ حسب أدام ـ من خلال النظام اللغوي المستنبط من المستوى السّيميائي للدّلالة التي سبق لـ" بنفينيست": Benvéniste أن تحدّث عنها، وأرجع هذه العمليّة إلى النّظرة اللّسانية التقليدية للّغة، أمّا المستوى الثّاني من عملية الانبناء، فترتبط بالجانب الدّلالي الذي أشار إليه كذلك، وربطه بالنشاط التلفّظي، وبعملية إنتاج الخطاب.

ب ـ الفرضية المتفرّعة الثّانية : النص إنتاج مكتمل تداوُلي ومقطعي(27)، بما أنّه قد سبق الحديث عن هذا الجانب في المبحث السّابق، يكفي التذكير فقط بذلك التّلازم الحاصل بين المستويين : التداولي والمقطعي، إذ لا جدوى من الفصل بينهما.

ج ـ الفرضية المتفرّعة الثّالثة : " يمكن أن تكون قراءة النص عبارة عن محاولة حلّ إشكال  قائم" (28). ويكون ذلك بإيجاد نوع من الملاءمة بين السّياق الخارجي (المقام) والبنيات اللّغوية، كما أنّ مثل هذه العملية ترمي إلى البرهنة على نصّانية النص بالتعرُّض لجملة من القضايا الكفيلة بتحقيق ذلك، ومن ثمة الإجابة عن استفسارات القرّاء من مثل : كيف انتظم النص؟، وهل وفق الكاتب في جعل نصّه يُحيل على المقام الذي أنتج فيه دون الحاجة إلى معرفة السّياقات الخارجية ؟، وهل من رؤية جديدة تُمكّن من صياغة النص بناءًا على معطيات جديدة أو قديمة يمتلكها القارئ ؟.

الفرضية الثّالثة :

"لابدّ من إبراز المستويات الكلّية والجزئية  للنّصانية" (29). إنّ دلالة النص كلٌّ متكامل ناتج عن العلاقة التي تجمع بين المستويات الدّلالية الصّغرى لذلك ضروري جدّا الإشارة إلى :

ـ المستوى النّصّاني الأصغر : (Niveau Micro - Textuel) : ونتحدّث فيه عن الترابط الدّاخلي (الصّرفي والتّركيبي) بالإضافة إلى مسألة الاتساق والتتابع دون أن ننسى قضيّة الانسجام / الملاءمة بين أفعال الخطاب ومستويات التّلفُّظ.

ـ المستوى النصاني الأكبر : (Niveau Macro - Textuel  ) : في هذا المستوى، نوسّع من العمليّات السّابقة لتصبح شاملة للبنية الدّلالية الكبرى، وكذلك من خلال التوجّه البرهاني للمقطع أو للنص

أ ـ الفرضية المتفرّعة الأولى : " هناك فرق بين المستويين : الجزئي، والكُلّي" (30): إنّ التكامل الموجود بين المستويين لا يُخفي الفروقات الموجودة بينهما، إذ يرتبط الأوّل بالعلاقات الدّاخلية المحصورة في الإطار الشّكلي للنص، فيما يتسع الثّاني ليشمل جميع العناصر المساهمة في إنتاجه، وهو الأمرالذي نبّه إليه "دوبوغراند" : (Daubougrand) إذ "أنّ كلّ نظام مصغّر للنّصوص (Sous - Système)، كالمعجم والنحو والمفاهيم وأفعال الخطاب .. يعمل في إطاره الخاص  من خلال مبادئه الدّاخلية الخاصّة به" (31).

ب ـ الفرضية  المتفرّعة  الثّانية : يخضع النص بالجمـلة لمعالجة أفقية، وأخرى عمودية" (32): رأينا ـ فيما سبق عرضه ـ كيف أنّ التحليل النصّي يسير في اتجاهات عدّة، بدءًا من الترابط، وصـولا إلى الانسجام والملاءمة، مرورا بالاتساق؛ وكـلّ عملية تمتلك جملة من الخصوصيات، تجعلها متميّزة عن البقية رغم التداخل الكبير الحاصل بينها على أكثر من صعيد، كما يسير التحليل كذلك بدءًا من القمّة وصولا إلى القاعدة، وبالانطلاق من هذه الأخيرة وصولا إلى البنية النّصية الكبرى.

الفرضية الرّابعة :

" النص بنية مقطعية متغايرة غير متجانسة" (33)، وهو الموضوع الذي عرضنا له في المبحث السّابق . يبقى أن نشير إلى نقطتين يمكن أن يصطدم بـهما القارئ  / المحلّل ، ولا يجد لهما تعليلا منطقيا، ترتبط الأولى بما أسماه" أدام" وغيره : الهيمنة المقطعية (La Dominante Séquentielle ) حين تسيطر بنية بعينها ـ سردية كانت أو وصفية أو برهانية .. ـ داخل النص، ويتكرّر حضورها مقارنة بالبُنى الأخرى، أما الثّانية، فنطلق عليها ـ اصطلاحا ـ تداخل المقاطع (L’insertion de séquentielle)، وفي هذا المستوى لا وجود لهيمنة بنية على أخرى، وإنما هناك نوع من التكافؤ في الحضور وفي الغياب (34).

 


 

هـوامــش :

- Adam JM, élément de linguistique textuelle, mardaga, liége 1990 P7 .   (1)

- IBid P12 (2)

- Adam JM petit jean A, le texte descriptif, Nathan, Paris 1989 P92  (3)

- OP Cit. P84    (4)

- IBid P87   (5)

- IBid P87   (6)

(7) ـ  من بين الإنجازات في هذا المجال (السّرد)، نذكر أعمال مدرسة باريس وعلى رأسها طروحات ً أ . ج . غريماس في مجموعة من الدّراسات، يتوجّب على كلّ باحث العودة إليها ، نذكر على وجه الخصوص :

- La Sémantique structurale, Larousse, Paris, 1966

- Du Sens 1, Le Seuil, Paris, 1970.

- Du Sens 2, Le Seuil, Paris, 1983.

زيادة على أعمال كلود بريمون ( C . Bremond) من بينها كتابه الموسوم بـ:

Logique du récit, Le Seuil, Paris, 1973.                                                                           

- Adam JM, élément de linguistique textuelle, P82    (8)

(9) ـ للاستزادة أكثر يرجى العودة إلى :

- Adam JM, petit jean A, le texte descriptif

- Adam JM, les textes (types et prototypes), Nathan, paris 2001                          

(10) - IBid P 89 .

(11) - IBid P 89 .

(12) - Adam JM, les textes (types et prototypes) P99.

(13) - IBid P99 .

(14) - Dubois J et autres, dictionnaire de linguistique et t des sciences du langage, Larousse . Paris 1999 . P 180.

(15) - Greimas A j Sourtess j sémiotique (dictionnaire raison de la théorie du langage  Hachette, paris 1993, P126 .

(16) -OP Cit. P49  

(17) ـ فان ديجك (النصّ بناه ووظائفه) تر: جورج أبي صالح . مجلة العرب والفكر العالمي . ع5 مركز الإنماء القومي . بيروت 1989 . ص 74 .

 (18) - Adam j M élément de linguistique textuelle P107     

 (19) - IBid, P107

 (20) - IBid, P107  

  (21) - IBid, P108    

  (22) - IBid, P108   

  (23) - IBid, P109  

  (24) - IBid, P111    

  (25) - IBid, P112     

  (26) - IBid, P112       

  (27) - Adam JM, les textes (types et prototypes) P112    

  (28) - IBid, P114   

  (29) - IBid, P115          

  (30) - Adam JM, les textes (types et prototypes) P115       

  (31) - IBid, P116 – 116     

  (32) - IBid, P116        

  (33) - IBid, P117      

 (34) ـ للتوسع أكثر أنظر :                              

  -  Adam (JM) petit jean (A), le texte descriptif, P92

Maingueneau (D), éléments linguistiques pour le textes littéraire .

أو أنظر :

Dumos, Paris 1993, P146 .

Pour citer ce document

رياض مسيس, «نظريات تحليل النصوص : بدائل منهجية أم رؤى تنميطية قراءة في مشروع جان ميشال آدام»

[En ligne] العدد 09 أكتوبر 2009N°09 Octobre 2009 ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales
Papier : pp : 80 - 90,
Date Publication Sur Papier : 2009-10-01,
Date Pulication Electronique : 2012-05-07,
mis a jour le : 23/05/2018,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=436.